← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 7771–7810 · переход к 7776.

стр. 7771

وَحْدانيته، ورسالة رسوله محمد ﷺ ، بالقتلِ وسَبْيِ الأَهْلِينَ والذَّرَارِيِّ، وسَلْبِ الأموالِ، والذِّلَّةِ، ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الكَافِرِينَ﴾. يقولُ: هذا الذي فَعَلْنا بهم من القتلِ والسَّبْي ﴿جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾. يقولُ: هو ثواب أهل مجحود وحدانيته ورسالة رسوله. حدثني محمد بن الحسينِ، قال: ثنا أحمد بن المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. يقولُ: قَتَلَهم بالسيف (١). حدثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا أبو داودَ الحَفَرِيُّ (٢)، عن يعقوب، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ: ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. قال: بالهزيمة والقتل (٣). حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قوله: ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الكَافِرِينَ﴾. قال: مَن بَقى منهم (٤). القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٧)﴾. يقول تعالى ذكره: ثم يَتَفضَّلُ اللَّهُ بتوفيقه للتوبةِ والإنابةِ إليه من بعد عذابه الذي به عَذَّب مَن هَلَك منهم قتلا بالسيف ﴿عَلَى مَن يَشَاءُ﴾. أي: يتوبُ اللَّهُ على مَن يشاءُ مِن الأحياء (٥)، يُقْبِلُ به إلى طاعتِه، ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾ لذنوبِ مَن أنابَ

стр. 7772

وتابَ إليه منهم ومن غيرهم منها، ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم، فلا يُعَذِّبُهم بعد توبتهم، ولا يُؤاخِذُهم بها بعد إنابتهم. القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨)﴾. يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله، وأقروا بوحدانيته: ما المشركون إلا نجسٌ. واختلف أهل التأويل في معنى النَّجَسِ، وما السبب الذي من أجلِه سَمَّاهم بذلك؛ فقال بعضُهم: سَمَّاهم بذلك؛ لأنهم يُجْنِبون فلا يَغْتَسِلون، فقال: هم نَجَسٌ، ولا يَقْرَبوا المسجد الحرام؛ لأن الجنب لا ينبغى له أن يَدْخُلَ المسجد. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، في قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾. لا أعلمُ قتادة إلا قال: النَّجَسُ الجنابة (١). وبه عن مَعْمَرٍ، قال: وبَلَغَنى أن النبي ﷺ لَقِى حُذيفة، وأخذ النبي ﷺ بيده، فقال حذيفةُ: يا رسولَ اللهِ، إنى جُنُبٌ. فقال: "إن المؤمنَ لا يَنْجُسُ" (٢). حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾. أي: أجْنَابٌ (٣).

стр. 7773

وقال آخرون: معنى ذلك: ما المشركون إلا رِجْسُ خِنْزيرٍ أو كلبٍ. وهذا قولٌ رُوى عن ابن عباسٍ مِن وجه غير حميدٍ، فكرهنا ذكره. وقوله: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾. يقول للمؤمنين: فلا تَدَعُوهم أن يَقْرَبوا المسجد الحرام بدخولهم الحَرَم. وإنما عنى بذلك مَنْعَهم من دخول الحرَمِ؛ لأنهم إذا دَخَلُوا الحَرَمَ، فقد قربوا المسجد الحرام. وقدِ اختَلَف أهل التأويل في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم فيه نحو الذي قُلْناه. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا بشر وابن المُثَنَّى، قالا: ثنا أبو عاصمٍ، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: قال عطاء: الحَرَمُ كلُّه قِبْلةٌ ومسجد. قال: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾. لم يَعْنِ المسجد وحدَه، إنما عَنَى مكةَ (١) الحرم. قال ذلك غيرَ مَرَّةٍ (٢). وذُكر عن عمر بن عبد العزيز في ذلك ما: حدثنا عبد الكريم بن أبي عُمَيرٍ، قال: ثنى الوليد بن مسلمٍ، قال: ثنا أبو عمرو، أن عمر بن عبد العزيز كَتَب: أنِ امْنَعوا اليهود والنصارى من دخول مساجدِ المسلمين، وأَتْبَعَ نَهْيَه قولَ اللهِ: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (٣). حدثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا ابن فُضَيلٍ، عن أَشْعَثَ، عن الحسنِ: ﴿إِنَّمَا

стр. 7774

الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾. قال: لا تُصافحوهم، فمَن صافحهم فليتوضَّأْ (١). وأما قوله: ﴿بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾. فإنه يعنى: بعد العام الذي نادى فيه عليٌّ، رحمة الله عليه، ببراءةٍ، وذلك عامَ حَجَّ بالناس أبو بكر، وهى سنة تسعٍ من الهجرة كما حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾. وهو العام الذي حج فيه أبو بكر، ونادى عليٌّ، رحمة الله عليهما، بالأذان وذلك، لتسع (٢) سنينَ مَضَينَ مِن هجرة رسول الله ﷺ ، وحَجَّ نبيُّ الله ﷺ مِن العامِ المقبلِ، حَجَّةَ الوداع، لم يَحُجَّ قبلها ولا بعدها (٣). وقوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾. يقولُ للمؤمنين: وإن خِفْتُم فاقةً وفقرًا، بمنعِ المشركين من أن يَقْرَبوا المسجد الحرام، ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاءَ﴾. يقال منه: عالَ يَعِيلُ عَيْلَةً وعُيُولا، ومنه قول الشاعر (٤): وَما يَدْرِى الْفَقِيرُ مَتَى غِناهُ … وما يَدْرِي الغَنِيُّ مَتَى يَعِيلُ وقد حُكِى عن بعضِهم أن من العربِ مَن يقولُ في الفاقة: عالَ يَعُولُ. بالواو. وذُكِر عن عمرو بن فائد أنه كان تأوَّلَ قولَه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ بمعنى: وإذ خِفْتُم. ويقولُ: كان القوم قد خافوا. وذلك نحو قول القائلِ لأبيه: إن كنتَ أبى فأكْرِمْنى. بمعنى: إذ كنت أبي. وإنما قيل ذلك لهم؛ لأن المؤمنين خافوا بانقطاع

стр. 7775

المشركين عن دخولِ الحَرَم، انقطاع تجاراتهم، ودخول ضَرَرٍ عليهم بانقطاع ذلك، وأمَّنَهم الله مِن العَيْلةِ، وعَوَّضهم مما كانوا يَكْرَهون انقطاعه عنهم، ما هو خيرٌ لهم منه، وهو الجِزْية، فقال لهم: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلَا يُحَرَّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ إلى: ﴿صَاغِرُونَ﴾. وقال قوم: بإدْرارِ المطرِ عليهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا عبدُ الله، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الحرامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾. قال: لمَّا نَفَى الله المشركين عن المسجدِ الحرامِ، أَلْقَى الشيطان في قلوب المؤمنين الحَزَنَ، قال: من أين تأكلون، وقد نُفِى المشركون، وانقَطَعَت عنكم (١) العِيرُ. فقال الله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاءَ﴾. فأمرهم بقتال أهل الكتابِ، وأغْناهم من فضله (٢). حدثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا أبو الأحْوصِ، عن سِماكٍ، عن عِكْرمةَ في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾. قال: كان المشركون يجيئون إلى البيت، ويَجِيئون معهم بالطعامِ، ويَتَّجِرون فيه؛ فلما نُهُوا أن يأتوا البيتَ قال المسلمون: من أين لنا طعامٌ؟ فأنزل الله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن

стр. 7776

شَاءَ﴾، فأنزَل عليهم المطرَ، وكَثَّر خيرَهم حتى (١) ذَهَب عنهم المشركون (٢). حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حُمَيدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن عليّ بن صالحٍ، عن سِماكٍ، عن عِكرمةَ: ﴿إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ الآية، ثم ذكر نحو حديثِ هَنَّادٍ، عن أبي الأحْوَصِ. حدثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيان، عن واقدٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، قال: لما نَزَلَت: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾. شَقَّ ذلك على أصحاب النبي ﷺ ، وقالوا: من يأتينا بطعامنا، ومن يأتينا بالمتاع؟ فَنَزَلَت: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاءَ﴾ (٣). حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن واقد مولى زيدِ بن خُليدة (٤)، عن سعيد بن جُبَيرٍ، قال: كان المشركون يَقْدَمون عليهم بالتجارةِ، فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ إلى قوله: ﴿عَيْلَةً﴾. قال: الفقرُ. ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ (٥). حدثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن أبيه، عن عطية العوفي، قال: قال المسلمون: قد كُنَّا نُصِيبُ مِن تجاراتهم وبياعاتهم. فنَزَلَت: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ

стр. 7777

نَجَسٌ﴾ إلى قوله: ﴿مِن فَضْلِهِ﴾. حدثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: سمعت أبي - أحسِبُه [قال: أنبأنا] (١) أبو جعفر - عن عَطِيَّةَ، قال: لمَّا قيل: ولا يَحُجَّ بعد العامِ مُشْرِكٌ. قالوا: قد كُنَّا نُصِيبُ مِن بِياعاتِهم في الموسم. قال: فنَزَلَت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ يعني: بما فاتهم من بياعاتهم. حدَّثنا أبو كرَيب، وابنُ وَكِيعٍ، قالا: ثنا ابن يَمانٍ، عن أبي سنانٍ، عن ثابتٍ، عن الضحاكِ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾. قال: بالجزية (٢). حدثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا ابن يَمانٍ وأبو معاويةَ، عن أبي سنانٍ، عن ثابت، عن الضحاكِ، قال: خرج المشركون من مكةَ، فشقَّ ذلك على المسلمين، وقالوا: كُنَّا نُصِيبُ منهم التجارةَ والميرةَ. فأنزل الله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٣). حُدِّثْتُ عن الحسين بن الفرجِ، قال: سمعت أبا معاذ، قال: ثنا عُبَيدُ بنُ سُليمان، قال: سمعتُ الضَّحَّاكَ يقولُ في قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾: كان ناسٌ مِن المسلمين يَتَألَّفون العِيرَ، فلمَّا نَزَلَت "براءة" بقتال المشركين حيثما ثُقِفوا، وأن يَقْعُدوا لهم كلَّ مَرْصَدٍ، قَذَف الشيطان في قلوبِ المؤمنين: فمن أين تَعِيشون، وقد أُمِرْتُم بقتال أهلِ العِيرِ؟!. فعلم اللَّهُ مِن

стр. 7778

ذلك ما عَلِم، فقال: أطيعوني، وامْضُوا لأمرى، وأطيعوا رسولى، فإنى سوف أُغْنِيكُم مِن فَضْلى. فتَوكَّل لهم الله بذلك. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ إلى قوله: ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاءَ﴾. قال: قال المؤمنون: كُنَّا نُصِيبُ مِن مَتاجر المشركين. فوَعَدَهم الله أن يُغْنِيَهم من فضله، عِوَضًا لهم بأن لا يقربوهم المسجد الحرام. فهذه الآية مع [أوَّلِ "براءةَ" في القراءةِ، ومع] (١) آخرِها في التأويل (٢). ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلى قوله: ﴿عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾: حين أُمر محمد وأصحابه بغزوة تبوك (٣). حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهد بنحوه. حدثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: لما نَفَى الله المشركين عن المسجدِ الحرامِ، شَقَّ ذلك على المسلمين، وكانوا يأتون [ببيعات فينتفع] (٤) بذلك المسلمون. فأنزل الله تعالى ذكره: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾. فأغناهم بهذا الخراجِ، الجزية الجاريةَ عليهم،

стр. 7779

يأخُذُونها شهرًا شهرًا، عاما عامًا، فليس لأحدٍ من المشركين أن يقربَ (١) المسجدَ الحرامَ بعدَ عامهم بحالٍ، إلا صاحب الجِزْيةِ، أو عَبْدَ رجلٍ مِن المسلمين (٢). حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جُرَيجٍ، قال: أخبرنا أبو (٣) الزبيرِ، أنه سمع جابر بن عبدِ اللهِ يقولُ في قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾: إلا أن يكونَ عبدًا، أو أحدًا مِن أهل الذمةِ (٤). قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادة في قوله: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾، قال: إلا صاحب جِزْيةٍ، أو عبدًا لرجل من المسلمين (٥). حدثنا زكريا بن يَحيى بن أبي زائدةَ، قال: ثنا حَجاجٌ، عن عبد الملك بن عبدِ العزيز بن جُريجٍ، قال: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبدِ اللهِ يقولُ في هذه الآيةِ: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾: إلا أن يكونَ عبدًا، أو أحدا من أهل الجزية (٦). حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أَخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن

стр. 7780

فَضْلِهِ﴾. قال: أغْناهم الله بالجزية الجارية، شهرًا فشهرًا، وعاما فعامًا (١). حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا عَبَّادُ بنُ العَوَّامِ، عن الحَجَّاجِ، عن أبي (٢) الزبير، عن جابرٍ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾. قال: لا يَقْرَبُ المسجد الحرام بعدَ عَامِه هذا مُشْرِكٌ ولا ذِمِّى (٣). حدثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاق: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾: وذلك أن الناس قالوا: لتُقْطَعنَّ عَنَّا الأسواقُ، فلتَهْلِكَنَّ التجارةُ، وليَذْهَبَنَّ ما كُنَّا نُصِيبُ فيها من المرافق. فنزل: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾: مِن وجه غير ذلك، ﴿إِنْ شَاءَ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾. ففى هذا عِوَضٌ مما تَخَوَّفْتُم مِن قَطْعِ تلك الأسواق. فعَوَّضَهم الله بما قطع عنهم من أمرِ الشِّرْكِ، ما أعطاهم مِن أعْناقِ أهل الكتابِ مِن الجزية (٤). وأما قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ فإن معناه: ﴿إنَّ الله عَلِيمٌ﴾ بما حَدَّثَتْكم به أنفسكم، أيُّها المؤمنون، مِن خَوفِ العَيْلة عليها، بمَنْعِ المشركين من أن يَقْرَبوا المسجد الحرام، وغير ذلك من مصالح عبادِه، ﴿حَكِيمٌ﴾ في تدبيرِه إياهم، وتدبير جميعِ خَلْقِه. القول في تأويل قوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ

стр. 7781

وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾. يقول تعالى ذكره للمؤمنين به مِن أصحاب رسوله ﷺ : ﴿قَاتِلُوا﴾، أيها المؤمنون، القومَ ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. يقولُ: ولا يُصَدِّقون بجنةٍ ولا نارٍ، ﴿وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾. يقولُ: ولا يُطيعون الله طاعة الحقِّ. يعنى: أنهم لا يُطيعون طاعة أهل الإسلامِ، ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾: وهم اليهودُ والنصارى. وكلُّ مُطِيعٍ مَلِكًا أو ذا سلطانٍ، فهو دائنٌ له. يقال منه: دانَ فلانٌ لفلانٍ، فهو يَدِينُ له دِينًا، قال زهيرٌ (١): لَئِنْ حَلَلْتَ بِجَوٍّ فِي بَنِي أَسَدٍ … في دِينِ عمرٍو وحالَتْ بَيْنَنَا فَدَكُ وقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾. يعنى: الذين أُعْطُوا كتابَ اللهِ، وهم أهل التوراة والإنجيل ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾. والجزيةُ: الفِعْلةُ، مِن: جَزَى فلانٌ فلانًا ما عليه. إذا قضاه، يَجْزِيه؛ والجزيةُ مثلُ القِعْدة والجلْسَة. ومعنى الكلام: حتى يُعْطُوا الخراجَ عن رقابهم، الذي يبذلونه للمسلمين دَفْعًا عنها. وأما قوله: ﴿عَن يَدٍ﴾. فإنه يعنى: مِن يده إلى يدِ مَن يَدْفَعُه إِليه.

стр. 7782

وكذلك تقولُ العرب لكلِّ مُعْطٍ قاهرًا له شيئًا، طائعا له أو كارهًا: أعطاه عن يده، وعن يدٍ. وذلك نظير قولهم: كَلَّمتُه فمًا لفمٍ، ولَقِيتُه كَفَّةً لكَفَّةٍ، وكذلك أعطيتُه عن يد ليد. وأمَّا قولُه: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ فإن معناه: وهم أذلاء مقهورون. يقال للذليلِ الحقير: صاغِرٌ. وذكر أن هذه الآية نَزَلَت على رسول الله ﷺ في أمره بحرب الروم، فَغَزا رسول الله ﷺ بعد نزولها غزوة تبوك. ذكرُ مَن قال ذلك حدثني محمد بن عمرٍو (١)، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾: حين أُمِر محمد وأصحابه بغزوة تبوكَ (٢). حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهد نحوه. واختلف أهل التأويلِ في معنى الصَّغارِ الذي غناه الله في هذا الموضع؛ فقال بعضُهم: أن يُعْطِيَها وهو قائمٌ، والآخِذُ جالسٌ.

стр. 7783

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عبد الرحمنِ بن بشْرٍ النَّيْسابوريُّ، قال: ثنا سفيان، عن أبي (١) سعدٍ، عن عِكْرمة: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾. قال: أي تأخُذُها وأنت جالسٌ وهو قائم (٢). وقال آخرون: معنى قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾: عن أنفسهم، بأيديهم يَمْشُون بها، وهم كارِهون. وذلك قول رُوى عن ابن عباس (٣)، من وجه فيه نَظَرٌ. وقال آخرون: إعطاؤهم (٤) إياها هو الصَّغَارُ. القول في تأويل قوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠)﴾. اختلف أهل التأويل في القائل: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾؛ فقال بعضهم: كان ذلك رجلًا واحدًا، وهو فِنْحاصُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال:

стр. 7784

سَمِعتُ عبدَ اللهِ بنَ عُبَيدِ بن عُمَيرٍ يقولُ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾. قال: قالها رجلٌ واحدٌ، قالوا: إن اسمه فِنْحاصُ. وقالوا: هو الذي قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ (١) [آل عمران: ١٨١]. وقال آخرون: بل كان ذلك قول جماعة منهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا يونس بن بُكَيرٍ، قال: ثنا محمد بن إسحاقَ، قال: ثني محمد بن أبي محمدٍ مولى زيد بن ثابتٍ، قال: ثني سعيد بن جبيرٍ أو عكرمةُ، عن ابن عباسٍ، قال: أتى رسول الله ﷺ سَلَّامُ بنُ مِشْكَمٍ، ونُعْمانُ بنُ أوْفَى، وشَأْسُ بن قيسٍ، ومالك بنُ الصَّيْفِ، فقالوا: كيف نَتَّبِعُك وقد تَرَكْتَ قِبْلَتَنا، وأنت لا تَزْعُمُ أن عزيرًا ابن اللهِ؟ فأنزل الله في ذلك من قولهم: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾. إلى: ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (٢). حدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ﴾: وإنما قالوا: هو ابن الله. من أجل أن عُزيرًا كان في أهل الكتابِ، وكانت التوراة عندهم، فعملوا (٣) بها ما شاء الله أن يَعْمَلُوا، ثم أضاعُوها وعَمِلوا بغير الحقِّ، وكان التابوتُ فيهم. فلما

стр. 7785

رأى الله أنهم قد أضاعوا التوراةَ، وعَمِلوا بالأهْواءِ، رَفَعَ اللَّهُ عنهم التابوتَ، وأنساهم التوراة، ونَسَخَها من صدورهم، وأرسل الله عليهم مَرَضًا، فاسْتَطْلَقَت بُطونُهم، حتى جَعَل الرجلُ يمشى كَبِدُه، حتى نَسُوا التوراة، ونُسِخَت من صُدورِهم، وفيهم عُزَيرٌ. فمَكَثوا ما شاء الله أن يمكثوا بعد ما نُسِخَت التوراة من صدورهم، وكان عزيز قبلُ مِن عُلمائهم، فدَعا عُزَيرٌ الله، وابْتَهَل إليه أن يَرُدَّ إليه الذي نُسِخَ من صدره (١) من التوراة. فبينما هو يُصَلِّي مُبْتِهِلًا إلى اللهِ، نَزَل نورٌ مِن الله فدخل جَوْفَه، فعاد إليه الذي كان ذَهَب مِن جوفه من التوراة، فأذن في قومه، فقال: يا قوم، قد آتانى الله التوراة وردّها إليَّ. فعَلِق (٢) يُعَلِّمُهم، فمَكَثوا ما شاء الله وهو يُعَلِّمُهم. ثم إن التابوتَ نَزَل بعد ذلك وبعدَ ذَهابه منهم، فلما رأوا التابوتَ عَرَضوا ما كان فيه على الذي كان عُزَيرٌ يُعَلِّمُهم، فوجدوه مثله، فقالوا: والله ما أُوتى عُزَيرٌ هذا إلا أنه ابن اللهِ (٣). حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾: إنما قالت ذلك لأنهم ظَهَرَت عليهم العَمالقةُ فقَتَلوهم، وأخَذوا التوراةَ، وذَهَب علماؤُهم الذين بَقُوا، فدفنوا (٤) كُتُبَ التوراة في الجبالِ. وكان عُزَيرٌ غلامًا يَتَعَبَّدُ في رءوس الجبالِ، لا يَنزِلُ إلا يوم عيدٍ. فجعل الغلام يَبْكِى ويقولُ: ربِّ، تَرَكْتَ بنى إسرائيلَ بغير عالمٍ. فلم يَزَلْ يَبْكِي حتى سَقَطَت أشْفارُ عينيه، فنزل مَرَّةً إلى العيدِ، فلما رَجَع إذا هو بامرأةٍ قد مَثَلَتْ له

стр. 7786

عند قبرٍ من تلك القبورِ تَبْكى وتقولُ: يا مُطْعِماه، ويا كاسياه. فقال لها: وَيْحَكِ، مَن كان يُطْعِمُكِ [أو يَكْسُوكِ أو يَسْقِيكِ أو] (١) يَنْفَعُكِ قبلَ هذا الرجل؟ قالت: الله. قال: فإن الله حيٌّ لم يَمُتْ. قالت: يا عُزيرُ، فمن كان يُعَلِّمُ العلماءَ قبل بنى إسرائيل؟ قال: الله. قالت: فلِمَ تَبكى عليهم؟ فلما عَرَف أنه قد خُصِمٍ، وَلَّى مُدْبِرًا، فَدَعَتْه فقالت: يا عُزيرُ، إذا أصبحت غدًا فأتِ نهر كذا وكذا فاعْتَسِل فيه، ثم اخرُجْ فَصَلِّ ركعتين، فإنه يأتيك شيخٌ، فما أعطاك فخُذْه. فلما أصبح انطلَق عُزَيرٌ إلى ذلك النهر فاغتَسل فيه، ثم خَرَج فصَلَّى ركعتين، فجاءه الشيخ فقال: افتَحْ فمَك (٢). ففَتَح فمَه، فألقَى فيه شيئًا كهيئة الجمرة العظيمةِ، مجتمعٌ (٣) كهيئة القوارير، ثلاث مرارٍ. فَرَجَع عُزَيرٌ وهو من أعلم الناس بالتوراةِ، فقال: يا بنى إسرائيلَ، إنى قد جِئْتُكم بالتوراةِ. فقالوا: يا عُزَيرُ، ما كنتَ كَذَّابًا. فَعَمِد فَرَبَط على كلَّ إصْبَعٍ له قَلَمًا، وكتب بأصابعه كلِّها، فكتب التوراة كلَّها، فلما رَجَع العلماءُ أُخْبِروا بشَأْنِ غزيرٍ، فاستخرج أولئك العلماء كتبهم التي كانوا رفعوها (٤) من التوراة في الجبالِ، وكانت في خَوَابٍ (٥) مدفونةٍ، فعارضوها بتوراةِ عُزَيرٍ، فوجدوها مثلها، فقالوا: ما أعطاك الله هذا إلا أنك ابنُه (٦). واختلفت القرأة في قراءة ذلك؛ فقرأته عامة قرأة أهل المدينة وبعضُ المكِّيِّين والكوفيِّين: (وقالت اليهودُ عُزَيْرُ ابن اللَّهِ). لا يُنَوِّنون "عُزيرا" (٧). وقرأه بعضُ

стр. 7787

المَكِّيِّين والكوفيِّين: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾. بتنوين "عُزَيرٍ" (١). قال: هو اسمٌ مُجْرًى وإن كان أعْجَمِيًّا لخِفَّتِه، وهو مع ذلك غيرُ منسوبٍ إلى الله، فيكونُ بمنزلة قول القائلِ: زيد ابن عبدِ اللهِ. وأُوقع الابنُ موقع الخبر. ولو كان منسوبًا إلى الله لكان الوجه فيه - إذا كان الابن خبرًا - الإجراءَ والتنوين، فكيف وهو منسوبٌ إلى غير أبيه؟. وأَمَّا مَن تَرَك تنوينَ "عُزيرٍ"، فإنه لما كانت "الباءُ" (٢) من "ابن" [ساكنةً مع التنوين الساكن] (٣)، والتقى ساكِنان، فحذف الأوَّلُ منهما اسْتِثْقالًا لتَحْريكِه، كما (٤) قال الراجز (٥): لَتَجدَنِّي بالأميرِ بَرَّا وبالقَناةِ مِدْعَسًا (٦) مِكَرًا إذا غُطَيْفُ السُّلَمِيُّ فَرَّا فحَذَف "النونَ" للساكن الذي اسْتقبلها. قال أبو جعفرٍ: وأولى القراءتين بالصواب في ذلك قراءةُ مَن قرأَ: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾. بتنوين "عُزير" (٧)؛ لأن (٨) العرب [لا تُنوِّنُ] (٩) الأسماء إذا كان الابن نعتًا

стр. 7788

للاسم (١) كقولِهم: هذا زيدُ بنُ عبدِ اللهِ. فأرادوا الخبر عن عُزيرٍ (٢) بأنه ابن اللهِ، ولم يُريدوا أن يَجْعَلوا الابن له، نعتًا، والابن في هذا الموضع خبرٌ لـ "عُزيرٍ"؛ لأن الذين ذكر الله عنهم أنهم قالوا ذلك إنما أخْبَروا عن "عُزَيرٍ" أنه كذلك، وإن كانوا بقيلهم ذلك كانوا كاذِبِين على اللهِ مُفْتَرِين. ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ يعنى قول اليهود: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾. يقولُ: يشبه (٣) قول هؤلاء في الكذبِ على الله والفِرْيةِ عليه، ونشبتهم المسيحَ إلى أنه لله ابنٌ، كَذِبَ (٤) اليهودِ وفِرْيتَهم على الله في نِسبتِهم عزيرًا إلى أنه لله ابنٌ، ولا ينبغى أن يكون لله ولدٌ، سبحانه، ﴿بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾ [البقرة: ١١٦]. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدثني المثنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباس قوله: ﴿يُضَاهِئُونَ (٥) قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ﴾. يقولُ: يُشبهون (٦).

стр. 7789

حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قولَه: ﴿يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ﴾: ضَاهَت النصارى قولَ اليهودِ قبلَهم (١). حدَّثني محمد بن الحسينِ، قال: ثنا أحمد بن المفضَّلِ، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ: ﴿يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ﴾: النصارى يُضاهِئون قول اليهودِ في عُزَيرٍ (٢). حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ: ﴿يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ﴾. يقولُ: النصارى يُضاهئون قول اليهود. حدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ﴾. يقولُ: قالوا مثلَ ما قال أهلُ الأديانِ (٣). وقد قيل (٤): إن معنى ذلك: يَحْكُون بقولِهم قول أهل الأوثان (٥) الذين قالوا: ﴿الَّلاتَ وَالْعُزَّى (١٩) ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ (٦) [النجم: ١٩، ٢٠].

стр. 7790

واختَلَفَت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فَقَرَأَته عامة قرأة الحجاز والعراق (يُضَاهُون). بغير همزٍ (١). وقرأه عاصم: ﴿يُضَاهِئُونَ﴾. بالهمز، وهى لغةٌ لثقيفٍ. وهما لغتان، يقال: ضاهَيْتُه على كذا، أَضَاهِيهِ مُضَاهاةً. و: ضَاهأْتُه عليه مُضاهأةً. إذا مالأْتَه عليه وأَعَنْتَه. قال أبو جعفر: والصواب من القراءةِ في ذلك تَرْكُ الهمزِ؛ لأنها القراءةُ المستفيضة في قرأة الأمصار، واللغة الفصحى (٢). وأما قوله: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾. فإن معناه فيما ذُكر عن ابن عباس ما حدثني المثُنَّى، قال: ثنا أبو صالح، قال ثنى معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس قولَه: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾. يقولُ: لَعَنَهم الله، وكلُّ شيءٍ في القرآنِ قَتْلُ فهو لَعْنٌ (٣). وقال ابن جريج في ذلك ما حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حَجَّاج، عن ابن جريج قوله: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾: يعنى النصارى، كلمةٌ من كلام العرب (٤). فأمَّا أهل المعرفة بكلام العرب فإنهم يقولون: معناه: قَتَلَهم الله. والعرب تقولُ: قاتَعَك الله، وقاتَعَها الله. بمعنى: قاتَلَك اللَّهُ. قالوا: وقاتَعَك الله. أهونُ من: قاتله الله. وقد ذكروا أنهم يقولون: شاقاه الله ما باقاه. يُريدون: أشقاه الله ما أبقاه. قالوا: ومعنى قوله: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾. كقوله: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ [الذاريات: ١٠].

стр. 7791

و: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأَخْدُود﴾ [البروج: ٤]. واحدٌ، وهو بمعنى التَّعَجُّبِ. فإن كان الذي قالوا كما قالوا، فهو من نادر الكلام الذي جاء على غيرِ القياس؛ لأن "فاعلتُ" لا تكادُ أن تَجِيءَ فِعْلًا إلا من اثنين، كقولهم: خاصمتُ فلانا وقاتلته. وما أشبه ذلك، وقد زَعَموا أن قولهم: عافاك الله. منه، وأن معناه: أعْفاك الله. بمعنى الدعاءِ لَمَن دَعا له بأن يُعْفِيه مِن السوء. وقوله: ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾. يقولُ: أَي وَجْهِ يُذْهَبُ بهم ويُحدُّونَ (١)؟ وكيف يَصِدُّون عن الحقِّ؟ وقد بَيَّنَّا ذلك بشواهده فيما مضى قبل (٢). القول في تأويل قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾. يقولُ جلّ ثناؤه: اتَّخذ اليهودُ أحبارهم، وهم العلماءُ - وقد بينت تأويل ذلك بشواهدِه فيما مَضَى مِن كتابنا هذا قبل (٣) - واحِدُهم حِبْرٌ وحَبْرٌ بكسر الحاء منه وفتحها. وكان يونس النحويُّ (٤) - فيما ذُكر عنه - يَزْعُمُ أنه لم يَسْمَعْ ذلك إلا حِبْرٌ بكسر الحاء. ويَحْتَجُّ بقول الناسِ: هذا مِدادُ حِبْرٍ. يراد به: مِداد عالِم. وذَكَر الفَرَّاءُ أنه سمعه حِبْرًا وحَبْرًا، بكسر الحاء وفتحها.

стр. 7792

والنصارى رُهبانهم، وهم أصحاب الصوامع وأهل الاجتهاد في دينهم منهم. كما حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سَلَمةَ، عن الضحاكِ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ﴾. قال: قُراءَهم وعلماءهم (١). و ﴿أَرْبَابًا مَّن دُونِ اللَّهِ﴾. يعنى سادةً لهم من دونِ اللهِ، يُطيعونهم في معاصى اللهِ، فيُحِلُّون ما أحَلُّوه لهم مما (٢) قد حَرَّمه الله عليهم، ويُحَرِّمون ما يُحَرِّمونه عليهم مما قد أحَلَّه الله لهم. كما حدثني الحسين (٣) بن يزيدَ الطَّحَّانُ، قال: ثنا عبد السلام بنُ حَرْبٍ المُلائيُّ، عن غُطَيْفِ بن أَعْيَنَ عن مصعب بن سعدٍ، عن عَدِيِّ بن حاتمٍ، قال: انتهَيت إلى النبي ﷺ وهو يقرأُ في سورة "براءة": ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا مَّن دُونِ اللَّهِ﴾. فقال: أما إنهم لم يكونوا يَعْبُدُونهم، ولكن كانوا يُحِلُّون لهم فيُحِلُّون (٤). حدثنا أبو كُرَيْبٍ وابنُ وَكِيعٍ، قالا: ثنا مالكُ بن إسماعيلَ، وحدثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمد، جميعًا، عن عبد السلام بن حربٍ، قال: ثنا غُطَيْفُ بن أَعْيَنَ، عن مصعب بن سعد، عن عديِّ بن حاتم، قال: أتيتُ رسولَ الله ﷺ وفي عُنقى صليبٌ من ذهب، فقال: يا عَدِيُّ، اطْرَحْ هَذا الوَثَنَ مِن عُنُقِكَ".

стр. 7793

قال: فطَرَحتُه، وانتهيتُ إليه وهو يقرأُ في سورة "براءةَ". فقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مَّن دُونِ اللَّهِ﴾. قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنا لسنا نَعبُدُهم. فقال: "أليس يُحرِّمونَ ما أَحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَه، ويُحِلُّون ما حَرَّم اللَّهُ فَتُحِلُّونه؟ " قال: قلتُ: بلى. قال: "فتلك عِبادتُهم" (١). واللفظ لحديث أبي كُرَيْبٍ. حدثني سعيد بن عمرٍو السَّكُونيُّ، قال: ثنا بَقِيَّةُ، عن قيسِ بن الربيع، عن عبدِ السلام بن حربٍ النَّهْدِيِّ، عن عطيفٍ (٢)، عن مصعب بن سعد، عن عَدِيٍّ بن حاتمٍ، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ سورة "براءةً"، فلما قرأ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مَّن دُونِ اللَّهِ﴾. قلتُ: يا رسول الله، أما إنهم لم يكونوا يُصَلُّون لهم. قال: "صَدَقْتَ، ولكن كانوا يُحِلُّون لهم ما حَرَّم الله فيَسْتَحِلُّونه، ويُحَرِّمون ما أحل الله لهم فيُحَرِّمونه" (٣). حدثنا محمد بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن بن مَهْدِيٍّ، قال: ثنا سفيان، عن حبيبِ بن أبي ثابت، عن أبي البَخْتَرِيِّ، عن حذيفةَ أنه سُئِل عن قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مَّن دُونِ اللَّهِ﴾. أكانوا يَعْبُدُونهم؟ قال: لا، كانوا إذا أحَلُّوا لهم شيئًا اسْتَحَلُّوه، وإذا حَرَّموا عليهم شيئًا حَرَّموه (٤).

стр. 7794

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبى، عن سفيان، عن حبيب، عن أبي البَخْتَرِى، قال: قيل لحذيفة (١). فذَكَر نحوه، غير أنه قال: ولكن كانوا يُحِلُّون لهم الحرام فيَسْتَحِلُّونه، ويُحَرِّمون عليهم الحلال فيُحرمونه (٢). حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يزيد بن هارون، عن العَوَّامِ بن حَوْشَبٍ، عن حبيبٍ، عن أبي البَخْتَرِى، قال: قيل لحذيفةَ: أرأيتَ قولَ اللهِ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ﴾ قال: أما إنهم لم يكونوا يصومون لهم، ولا يُصَلُّون لهم، ولكنهم كانوا إذا أحَلُّوا لهم شيئًا اسْتَحَلُّوه، وإذا حَرَّموا عليهم شيئًا أَحَلَّه الله لهم (٣) حَرَّموه، فتلك كانت رُبوبيَّتَهم (٤). قال: ثنا جريرٌ وابنُ فُضَيلٍ، عن عطاءٍ، عن أبي البَخْتَرِى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مَّن دُونِ اللَّهِ﴾. قال: انطلقوا إلى حلال الله فجَعَلوه حراما، وانطلقوا إلى حرام الله فجَعَلوه حلالا، فأطاعوهم في ذلك. فجَعَل الله طاعتهم عبادتهم، ولو قالوا لهم: اعبُدُونا. لم يَفْعَلُوا (٥). حدثني الحسنُ بنُ يَحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا الثَّوْرِيُّ، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي البَخْتَرِى، قال: سأل رجلٌ حذيفة، فقال: يا أبا عبدِ اللهِ، أرأيتَ قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مَّن دُونِ اللهِ﴾.

стр. 7795

أكانوا يَعْبُدُونهم؟ قال: لا، كانوا إذا أحَلُّوا لهم شيئًا اسْتَحَلُّوه، وإذا حَرَّموا عليهم شيئًا حَرَّموه (١). حدثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا ابن أبي عَدِيٍّ، عن أَشْعَثَ، عن الحسن: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا﴾. قال: في الطاعة (٢). حدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مَّن دُونِ اللَّهِ﴾. يقول: وزَيَّنُوا لهم طاعتهم (٣). حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضَّلِ، قال: ثنا أسباط، عن السّدي: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. قال عبد الله بن عباس: لم يأمُرُوهم أن يَسْجُدوا لهم، ولكن أمروهم بمعصية الله فأطاعوهم، فسَمَّاهم الله بذلك أربابا. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن نُمَيرٍ، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا﴾. قال: قلتُ لأبي العالية: كيف كانت الربوبية التي كانت في بنى إسرائيل؟ قال: قالوا (٤): ما أمَرُونا به ائْتَمَرْنا، وما نَهَونا عنه انتهينا لقولهم. وهم يجدون في كتاب الله ما أُمروا به وما نُهُوا عنه، فاسْتَنْصَحوا الرجالَ ونَبَذُوا كتابَ اللهِ وراءَ ظهورهم (٥). حدثني بِشْرُ بنُ سُوَيدٍ، قال: ثنا سفيان، عن عطاءِ بن السائبِ، عن أبي

стр. 7796

البَخْتَرِيِّ، عن حُذَيْفَةَ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مَّن دُونِ اللَّهِ﴾. قال: لم يَعْبُدُوهم، ولكنهم أطاعوهم في المعاصى (١). وأما قوله: ﴿وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾. فإن معناه: اتَّخَذُوا أحبارهم ورُهبانهم والمسيح ابن مريمَ أربابًا مِن دونِ اللهِ. وأما قوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾. فإنه يعنى به: وما أُمر هؤلاء اليهود والنصارى الذين اتخذوا الأحبار والرهبان والمسيح أربابا، ليس (٢) إلا أن يَعْبُدُوا مَعْبُودًا واحدًا، وأن يُطيعوا إلا ربًا واحدًا، دونَ أرباب شَتَّى، هُو الله الذي له عبادة كلِّ شيءٍ، وطاعةُ كلِّ خَلْقٍ، المُسْتَحِقُّ على جميع خلقه الدَّيْنونة له بالوحدانية والربوبية، ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. يقول تعالى ذكره: لا تَبْغى الألوهة إلا للواحدِ الذي أُمِرَ الخلق بعبادته، ولَزِمَت جميع العبادِ طاعته، ﴿سُبْحَانَه عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. يقولُ: تَنْزيها وتَطْهِيرًا للهِ عما يُشْرَكُ في طاعتِه وربوبيَّتِه القائلون: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾. والقائلون: ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾. المُتَّخِذون أحبارهم [ورهبانهم] (٣) أربابًا مِن دونِ اللهِ. القول في تأويل قوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢)﴾. يقول تعالى ذكره: يريدُ هؤلاء المُتَّخذون أخبارهم ورُهْبانَهم والمسيحَ ابْنَ مريم أربابًا ﴿أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾. يعنى: أنهم يحاولون بتكذيبهم بدينِ

стр. 7797

الله الذي ابتعث به رسولَه، وصدِّهم الناسَ عنه بألسنتهم، أن يُبطلوه، وهو النورُ الذي جَعَله الله لخلقه ضياءً، ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ﴾: يَعْلَو دينُه، وتَظْهَرَ كلمتُه، ويُتِمَّ الحقَّ الذي بعث به رسوله محمدًا ﷺ ، ﴿وَلَوْ كَرِهَ﴾ إتمام الله إيَّاه، ﴿الكَافِرُونَ﴾. يعني: جاحِدِيه المُكَذِّبِين به. وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمد بن الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيّ: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾. يقولُ: يُريدون أن يُطفئوا الإسلام بكلامهم (١). القول في تأويل قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾. يقول تعالى ذكره: اللَّهُ الذي يأبَى إلا إتمام دينه ولو كره ذلك جاحدوه ومُنْكِروه - ﴿الَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ﴾ محمدا ﷺ ، ﴿بِالْهُدَى﴾. يعني: ببيان فرائض الله على خلقِه، وجميع اللازم لهم، وبـ ﴿وَدِينِ الْحَقِّ﴾، وهو الإسلامُ، ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾. يقولُ: ليغلي الإسلام على المِلَلِ كلِّها، ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ باللهِ ظهوره عليها. وقد اختلف أهل التأويل في معنى قوله: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾؛ فقال بعضُهم: ذلك عندَ خُرُوجِ عيسى، حينَ تَصِيرُ الملل كلُّها واحدة.

стр. 7798

ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا يحيى بن سعيد القَطَّانُ، قال: ثنا سفيان (١)، قال: ثني ثابتٌ الحَدَّادُ أبو المِقْدامِ، عن نُبَيْحٍ (٢)، عن (٣) أبي هريرةَ في قولِه: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾. قال (٤): خُرُوج عيسى ابن مريم (٥). حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حُمَيدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن فُضَيلِ بن مَرْزُوقٍ، قال: ثنى مَن سَمِع أبا جعفر يقولُ (٦): ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾. قال: إذا خرج عيسى ﵇ اتَّبَعه أهلُ كلِّ دينٍ. وقال آخرون: معنى ذلك: ليُعْلِمَه شرائع الدينِ كلَّها فيُطْلِعَه عليها. ذكرُ مَن قال ذلك حدثني المثنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدَّينِ كُلَّهِ﴾. قال: ليُظْهِرَ اللَّهُ نبيَّه على أمرِ الدين كلِّه، فيُعْطِيَه إياه كلَّه ولا يَخْفَى عليه منه شيء. وكان المشركون واليهود يَكْرَهون ذلك (٧).

стр. 7799

القول في تأويل قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. يقول تعالى ذكره: يا أَيُّها الذين صَدَّقوا اللَّهَ ورسولَه، وأقرُّوا بوحدانية ربِّهم، إن كثيرا من العلماء والقُرَّاء من بنى إسرائيل من اليهود والنصارى - ﴿لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾. يقولُ: يأخُذُون الرِّشا في أحكامهم، ويُحرِّفون كتاب الله، ويَكْتُبون بأيديهم كُتُبًا ثم يقولون: هذه من عندِ اللَّهِ. ويأخُذون بها ثمنًا قليلًا مِن سِفْلتِهم، ﴿وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾. يقولُ: ويمنعون من أراد الدخولَ في الإسلام الدخول فيه بنهيهم إياهم عنه. وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾: أمَّا ﴿الْأَحْبَارِ﴾ فين اليهودِ، وأمَّا ﴿الرُّهْبَانِ﴾ فمن النصارى، وأمَّا ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فمحمد ﷺ (١). القول في تأويل قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤)﴾. يقول تعالى ذكره: ﴿إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾، ويأكُلُها أيضًا معهم ﴿الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَةَ

стр. 7800

وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. يقولُ: بَشِّرِ الكثيرَ من الأحْبارِ والرهبانِ الذين يأكلون أموال الناس بالباطلِ، والذين يكنزون الذهبَ والفضةَ ولا يُنفقونها في سبيل الله، بعذابٍ (١) لهم يوم القيامةِ، مُوجِعِ مِن الله. واختَلَف أهل العلم في معنى الكَنْزِ؛ فقال بعضُهم: هو كلُّ مالٍ وَجَبَت فيه الزكاة فلم تُؤدَّ زكاته. قالوا: وعَنَى بقوله: ﴿وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: ولا يُؤدُّون زكاتها. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبد الوهابِ، قال: ثنا أيوبُ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، قال: كلُّ مالٍ أدَّيْتَ زكاتَه فليس بكَنْزٍ وإن كان مدفونًا، وكلُّ مالٍ لم تُؤدِّ زكاتَه فهو الكثرُ الذي ذَكَره الله في القرآنِ، يُكْوَى به صاحبه، وإن لم يكن مدفونًا (٢). حدثنا الحسن (٣) بن الجُنَيدِ، قال: ثنا سعيد بن مسلمةَ، قال: ثنا إسماعيل بن أُمَيَّةَ، عن نافعٍ، عن ابن عمر أنه قال: كلُّ مالٍ أُدِّيَتْ منه الزكاة فليس بكنْزٍ وإن كان مدفونًا، وكلُّ مال لم تُؤدَّ منه الزكاةُ، وإن لم يكن مدفونًا، فهو كَنْزٌ. حدثني أبو السائب، قال: ثنا ابن فُضَيلٍ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن نافعٍ، عن

стр. 7801

ابن عمرَ، قال: أيُّما مالٍ أُديَتْ زكاتُه فليس بكثر وإن كان مدفونا في الأرضِ، وأيُّما مالٍ لم تُؤدَّ زكاتُه فهو كَنْرٌ يُكْوَى به صاحِبُه، وإن كان على وَجْهِ الأَرضِ. حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي وجَرِيرٌ، عن الأعمشِ، عن عطيةَ، عن ابن عمر، قال: ما أُدِّيَت زكاتُه فليس بكنْزٍ (١). قال: ثنا أبى، عن العُمَرِيِّ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، قال: ما أُديت زكاتُه فليس بكنْزٍ وإن كان تحتَ سبع أَرَضِين، وما لم تُؤدَّ زكاته فهو كَنْزٌ وإن كان ظاهرًا (٢). قال: ثنا جَرِيرٌ، عن الشَّيْبانيِّ، عن عِكْرمةَ، قال: ما أَدَّيْتَ زكاتَه فليس بكَنْزٍ (٣). حدثنا محمد بن الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ، قال: أمَّا ﴿الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ فهؤلاء أهلُ القِبْلَةِ، والكنْزُ ما لم تُؤدَّ زكاتُه وإن كان على ظهرِ الأرضِ، وإن قلَّ، وإن كان كثيرا قد أُدِّيتْ زكاتُه فليس بكنْزٍ (٤). حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، قال: قُلتُ لعامرٍ: مالٌ على رَفٍّ بينَ السماءِ والأرض لا تُؤدَّى زكاتُه، أكثر هو؟ قال:

стр. 7802

يُكْوَى به يوم القيامةِ. وقال آخرون: كلُّ مالٍ زاد على أربعة آلاف درهمٍ فهو كَنْزٌ، أُدِّيتْ منه الزكاةُ أو لم تُؤدَّ. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا أبو بكر بنُ عَيَّاشٍ، عن أبي حَصِينٍ، عن أبي الضُّحَى، عن جَعْدةَ بن هُبَيرةَ، عن عليٍّ، رحمةُ اللهِ عليه، قال: أربعةُ آلافِ درهمٍ فما دونَها نَفَقَةٌ، فما كان أكثرَ من ذلك فهو كَنْزٌ. حدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن أبي حَصِينٍ، عن أبي الضُّحَى، عن جَعْدةَ بن هُبَيرةَ، عن عليٍّ مثلَه. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا الثوريُّ (١)، قال: أخبَرنى أبو حَصِينٍ، عن أبي الضُّحَى، عن جَعْدةَ بن هُبَيرةَ، عن عليٍّ، ﵀ عليه في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَةَ﴾. قال: أربعةُ آلافِ درهمٍ فما دونَها نفقةٌ، وما فوقها كَنْزٌ (٢). وقال آخرون: الكَنْزُ كلُّ ما فَضَل من المال عن حاجةِ صاحبه إليه. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا عُبَيدُ (٣) اللهِ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا

стр. 7803

شُعْبَةُ، عن ابن (١) عبدِ الواحدِ، أنه سَمِع أبا مُجِيبٍ، قال: كان نَعْلُ سيفِ (٢) أبي هريرةَ مِن فضةٍ، فَنَهاه عنها أبو ذرٍّ، وقال: إن رسول الله ﷺ قال: "مَن تَرَكَ صَفْراءَ أو بَيْضاءَ كُوِيَ بها" (٣). حدثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ و (٤) الأَعْمَشِ وعمرو بن مُرَّةَ، عن سالم بن أبي الجَعْدِ، قال: لما نَزَلَت: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ﴾. قال النبيُّ ﷺ : "تَبًّا للذَّهَبِ، تَبًّا للفضةِ". يقولُها ثلاثًا. قال: فشَقَّ ذلك على أصحابِ رسول الله ﷺ ، قالوا: فأيَّ مالٍ نَتَّخِذُ؟ فقال عمرُ: أنا أعلَمُ لكم ذلك. فقال: يا رسولَ اللهِ، إن أصحابَك قد شَقَّ عليهم وقالوا: فأيَّ المالِ نَتَّخِذُ؟ فقال: "لِسانًا ذاكِرًا، وقَلْبًا شاكرًا، وزوجةً تُعِينُ أحدكم على دينه" (٥).

стр. 7804

حدثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن منصورٍ، عن سالمِ بن أبي الجَعْدِ، عن ثَوْبَانَ بمثلِه (١). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا الثوريُّ، عن منصورٍ، عن عمرِو بن مُرَّةَ، عن سالمِ بن أبى الجَعْدِ، قال: لما نَزَلَت هذه الآيةُ: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. قال المهاجرون: وأيَّ المالِ نَتَّخِذُ؟ فقال عمرُ: أسألُ النبي ﷺ عنه، قال: فأدْرَكْتُه على بَعِيرٍ، فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، إن المهاجرين قالوا: فأَيَّ المالِ نَتَّخِذُ؟ فقال رسولُ الله ﷺ : "لِسانًا ذَاكِرًا، وقَلْبًا شاكرًا، وزوجةً مُؤْمِنَةً تُعِينُ أحدَكم على دينِه" (٢). حدثنا الحسنُ، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ، عن شَهْرِ بن حَوْشَبٍ، عن أبي أمامَةَ، قال: تُوفِّيَ رجلٌ مِن أهل الصُّفَّةِ فوُجِدَ في مِئْزَره دينارٌ، فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "كَيَّةٌ". ثم تُوفِّيَ آخَرُ فَوُجِدَ فِي مِئْزَرِهِ ديناران، فقال النبي ﷺ : "كَيَّتان" (٣). حدثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عَن شَهْرِ بن حَوْشَبٍ، عن صُدَيِّ بن عَجْلانَ أَبي أُمَامَةَ، قال: ماتَ رجلٌ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ فوُجِدَ فِي مِئْزَرِه

стр. 7805

دينارٌ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "كَيَّةٌ". ثم تُوفِّيَ آخَرُ فَوُجِدَ فِي مِئْزَرِه ديناران؛ فقال نبيُّ اللهِ ﷺ : "كَيَّتان" (١). حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن سالمٍ، عن ثوبان، قال: كُنَّا في سَفَرٍ، ونحن نَسِيرُ مع رسول الله ﷺ قال المهاجرون: لَوَدِدْنا أَنَّا عَلِمْنَا أَيُّ المالِ خيرٌ فنَتَّخِذَه؟ إذ نَزَل في الذهبِ والفضةِ ما نَزَلَ، فقال عمر: إن شئتم سألتُ رسول الله ﷺ عن ذلك. فقالوا: أجلْ. فانطَلَق فتَبِعْتُه أوضعُ (٢) على بَعيرى، فقال: يا رسول الله، إن المهاجرين لمَّا أُنزِل في الذهبِ والفضةِ ما أُنزِل، قالوا: وَدِدْنا أَنَّا عَلِمْنا أي المالِ خيرٌ فنَتَّخِذَه؟ قال: "نعم، فيَتَّخِذُ أحدُكم لسانا ذاكرًا، وقَلْبًا شاكرًا، وزوجةً تُعِينُ أحدكم على إيمانه" (٣). قال أبو جعفرٍ: وأَوْلى الأقوالِ في ذلك بالصحة القول الذي ذُكر عن ابن عمرَ، مِن أن كلَّ مالٍ أُدِّيتْ زكاتُه فليس بكَنْزٍ يَحْرُمُ على صاحبِه اكْتنازُه وإن كَثُر، وأن كلَّ مالٍ (٤) لم تُؤَدَّ زكاتُه، فصاحِبُه مُعاقَبٌ مُسْتَحِقٌّ وعيدَ اللَّهِ، إلا أن يَتَفَضَّلَ اللَّهُ عليه بعَفْوِه وإن قلَّ، إذا كان مما يجبُ فيه الزكاةُ. وذلك أن الله أوجب في خمس أَوَاقٍ مِن الوَرِقِ على لسان رسوله ﷺ رُبُعَ عُشْرِها، وفى عشرين مثقالًا من الذهب مثلَ ذلك، رُبُعَ عُشْرِها، فإذ كان ذلك فَرْضَ الله في الذهبِ والفضةِ على لسانِ رسولِه، فمعلوم أن الكثير من المال وإن بلغ في الكثرة ألوفَ ألوفٍ، لو كان - وإن أُدِّيت زكاته - من الكنوزِ التي أوعد الله أهلَها عليها العقابَ، لم يكن فيه الزكاة التي ذكرنا

стр. 7806

مِن رُبُعِ العُشْرِ؛ لأن ما كان فَرْضًا إخراجُ جميعِه من المال وحرام اتِّخاذُه، فزكاتُه الخروجُ من جميعِه إلى أهله لا رُبُعُ عُشْرِه. وذلك مثلُ المالِ المغصوبِ الذي هو حرامٌ على الغاصبِ إمساكُه، وفرضٌ عليه إخراجه من يده إلى يده، فالتَّطَهُّرُ منه ردُّه إلى صاحبِه. فلو كان ما زادَ مِن المالِ على أربعة آلاف درهم، أو ما فَضَل عن حاجة ربِّه التي لا بدَّ منها، مما يَسْتَحِقُّ صاحبه باقتنائه - إذا أدَّى إلى أهلِ السُّهْمانِ حُقُوقهم منها مِن الصدقةِ - وعيدَ اللهِ، لم يكن اللازم ربَّه فيه رُبُعَ عُشْرِه، بل كان اللازم له الخروج من جميعه إلى أهلِه وصَرْفَه فيما يَجِبُ عليه صَرْفُه، كالذى ذكرنا من أن الواجب على غاصب رجل ماله رَدُّه على ربِّه. وبعد، فإن فيما حدَّثنا محمد بن عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، قال: قال مَعْمَرٌ: أَخبرنى سُهَيلُ بن أبي صالحٍ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، أن رسول الله ﷺ قال: "ما مِن رجلٍ لا يُؤَدِّي زكاة مالِه، إلا جُعِل يوم القيامة صفائحَ من نارٍ يُكْوَى بها جنبيه (١) وجَبْهتُه وظَهْرُه، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنةٍ، حتى يُقْضَى بين الناسِ، ثم يُرى سبيلُه، وإن كانت إبِلًا إلا يُطِحَ لها بِقاعٍ قَرْقَرٍ (٢) تَطَؤُه بأخْفافِها - حَسِبْتُه قال: وتَعُضُّه بأَفْواهِها - يُرَدُّ أُولاها على أُخراها، حتى يُقْضَى بينَ الناسِ، ثم يُرى سبيلُه، وإن كانت غَنَمًا فمثلُ ذلك، إلا أنها تَنْطَحُه بقُرُونِها، وتَطَوُه بِأَظْلَافِها" (٣).

стр. 7807

وفى نظائرِ ذلك من الأخبار التي كَرِهْنا الإطالة بذِكْرِها - الدلالة الواضحة على أن الوعيدَ إنما هو من الله على الأموالِ التي لم تُؤَدَّ الوظائف المفروضة فيها لأهلها مِن الصدقة، لا على اقتنائها واكتنازها. وفيما بَيَّنَّا من ذلك البيانُ الواضحُ على أن الآية لخاصٍّ، كما قال ابن عباسٍ، وذلك ما حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. يقولُ: هم أهل الكتاب. وقال: هي خاصَّةٌ وعامةٌ. يعنى بقوله: هي خاصَّةٌ وعامَّةٌ: هي خاصة في (١) المسلمين في من لم يُؤَدِّ زكاةَ ماله منهم، وعامة في أهلِ الكتابِ؛ لأنهم كفارٌ لا تُقْبَلُ منهم نَفَقاتُهم إن أَنْفَقوا. يدلُّ على صحة ما قُلنا في تأويل قولِ ابن عباس هذا ما حدثني المثنَّى، قال: ثنا عبد اللهِ، قال: ثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباس قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَها﴾. إلى قوله: ﴿هَذَا مَا كَنَرْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾. قال: هم الذين لا يُؤدُّون زكاةَ أموالهم. قال: وكلُّ مال لا تُؤَدَّى زكاتُه، كان على ظهرِ الأرضِ أو في بطنِها، فهو كَنزٌ، وكلُّ مال تُؤَدَّى زكاتُه فليس بكَنْزٍ، كان على ظهرِ الأَرضِ أو في بَطْنِها (٢).

стр. 7808

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيد في قولِه: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾. قال: الكثرُ ما كُنِزَ عن طاعةِ الله وفريضتِه، وذلك الكَنْزُ. وقال: افتُرِضَت الزكاة والصلاة جميعًا لم يُفَرَّق بينهما. وإنما قلنا: ذلك على الخصوص؛ لأن الكثر في كلامِ العربِ كلُّ شيءٍ مجموعٌ بعضُه على بعض، في بطنِ الأرضِ كان أو على ظهرها. يدلُّ على ذلك قول الشاعرِ (١): لا دَرَّ دَرِّيَ إِنْ أَطْعَمْتُ نازِلَهم … قِرْفَ الحَتِيِّ وعندى البُرُّ مَكْنُوزُ (٢) يعنى بذلك: وعندى البُرُّ مجموعٌ بعضُه على بعض. وكذلك تقولُ العربُ للبَدَنِ المجتمعِ: مُكْتَنَزٌ، لانضمامِ بعضه إلى بعض. وإذا كان ذلك معنى الكَنْزِ عندَهم، وكان قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾. معناه: والذين يَجْمَعون الذهب والفضة بعضها إلى بعض ولا يُنفِقُونها في سبيل الله. وهو عامُّ في التلاوة، و (٣) لم يَكُنْ في الآية بَيان كم ذلك القدرُ من الذهب والفضة الذي إذا جُمِع بعضُه إلى بعض اسْتَحَقَّ الوعيدَ - كان معلومًا أن خصوصَ ذلك إنما أُدْرِكَ لوَقْفِ الرسولِ عليه، وذلك كما بَيَّنَّا مِن أنه المالُ الذي لم يُؤدَّ حقٌّ الله منه من الزكاةِ دون غيره؛ لما قد أوضحنا من الدلالة على صحته. وقد كان بعضُ الصحابة يقولُ: هي عامةٌ في كلِّ كَثرٍ، غير أنها خاصةٌ في

стр. 7809

أهلِ الكتابِ، وإياهم عَنَى الله بها. ذكرُ مَن قال ذلك حدثني أبو حَصِينٍ عبد الله بن أحمد بن يونسَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: ثنا حُصَينٌ، عن زيدِ بن وَهْبٍ، قال: مَرَرْتُ بالرَّبَذَةِ (١) فَلَقِيتُ أبا ذَرٍّ، فقلتُ: يا أبا ذَرٍّ، ما أنزَلك هذه البلادَ؟ قال: كنتُ بالشامِ فقرأتُ هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَة﴾ الآية. فقال معاويةُ: ليست هذه الآية فينا، إنما هذه الآية في أهل الكتابِ. قال: فقلتُ: إنها لفينا وفيهم. قال: فارتَفَع في ذلك بيني وبينَه القولُ، فكَتَب إلى عثمانَ يَشْكُونى، فكتب إليَّ عثمانُ أَنْ أَقِبِلْ إِلَيَّ. قال: فأقبلتُ، فلما قَدِمْتُ المدينةَ رَكِبنى الناسُ كأنهم لم يَرونى قبل يومئذٍ، فشَكُوتُ ذلك إلى عثمان، فقال لي: تَنَحَّ قريبًا. قلتُ: والله إنى (٢) لن أَدَع ما كنتُ أقولُ (٣). حدثنا أبو كريبٍ وأبو السائبِ وابنُ وَكِيعٍ، قالوا: ثنا ابن إدريسَ، قال: ثنا حُصينٌ، عن زيد بن وَهْبٍ، قال: مَرَرْنا بالرَّبَذَةِ. ثم ذَكَر عن أبي ذرٍّ نحوه (٤). حدثني أبو السائبِ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن أشْعَثَ وهشام، عن [ابن سيرين] (٥)، قال: قال أبو ذَرٍّ: خَرَجْتُ إلى الشامِ، فقرأتُ هذه الآيةَ: ﴿وَالَّذِينَ

стр. 7810

يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، فقال معاوية: إنما هي في أهل الكتاب. قال: فقلتُ: إنها لفينا وفيهم (١). حدثني يعقوب بن إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا حُصَيْنٌ، عن زيدِ بن وَهْبٍ، قال: مَرَرْتُ بالرَّبَذَةِ فإذا أنا بأبى ذَرٍّ، قال: قلتُ له: ما أنزَلك منزلك هذا؟ قال: كنتُ بالشامِ فاخْتَلَفتُ أنا ومعاوية في هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. قال: فقال: نَزَلَت في أهلِ الكتاب، فقلتُ: نَزَلَت فينا وفيهم. ثم ذكر نحو حديثِ هُشَيمٍ، عن حصينٍ. فإن قال قائلٌ: فكيف قيل: ﴿وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. فأُخرِجَت الهاءُ والألفُ مُخرجَ الكناية عن أحد النوعين؟ قيل: يحتمل ذلك وجهين: أحدهما: أن يكونَ الذهبُ والفضةُ مُرادًا بها الكنوزُ، كأنه قيل: والذين يَكْنِزون الكُنُوزَ ولا يُنفِقونها في سبيلِ الله. لأن الذهبَ والفضةَ هي الكنوزُ في هذا الموضع. والآخَرُ: أن يكونَ اسْتُغْنى بالخبرِ عن إحداهما في عائدِ ذِكْرِهما، من الخبر عن الأُخرى؛ لدلالة الكلامِ على أن الخبرَ عن الأخرى مثلُ الخبرِ عنها، وذلك كثيرٌ موجودٌ في كلام العرب وأشعارِها، ومنه قولُ الشاعر (٢):
следующие страницы →