← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 8716–8755 · переход к 8721.

стр. 8716

أنزَلتُ إليك من أجلِ أن قالوا: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ [هود: ١٢]. إذا علِمتَ ما لَقِيَ مَن قبلَك من رسلى من أُمَمِها. كما حدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ قولَه: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾. قال: لتعلمَ ما لقِيَتْ الرسلُ قبلَك من أُمَمِهم (١). واختلَف أهلُ العربيةِ فى وجهِ نصبِ ﴿كُلًّا﴾؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: نُصِب على معنى: ونقصُّ عليك من أنباءِ الرسلِ ما نثبِّتُ به فؤادَكَ كُلًّا. كأَنَّ الكلَّ منصوبٌ عندَه على المصدرِ من ﴿نَقُصُّ﴾، بتأويلِ: ونقصُّ عليك ذلك كُلَّ القَصَصِ. وقد أنكَر ذلك من قولِه بعضُ أهلِ العربيةِ، وقال: ذلك غيرُ جائزٍ. وقال: إنما نصَب ﴿كُلًّا﴾ بـ ﴿نَقُصُّ﴾؛ لأن ﴿كُلًّا﴾ بُنِيت على الإضافةِ، كان معها إضافةٌ أو لم يكُنْ. وقال: أراد: كلَّه نقصُّ عليك. وجعَل ﴿مَا نُثَبِّتُ﴾ ردًّا على ﴿كُلًّا﴾. وقد بيَّنتُ الصوابَ من القولِ في ذلك (٢). وأما قولُه: ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾. فإن أهلَ التأويلِ اختلَفوا في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معناه: وجاءك فى هذه السورةِ الحقُّ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا شعبةُ، عن خُليدِ بنِ جعفرٍ، عن أبي إياسٍ، عن أبي موسى: ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾. قال: في هذه

стр. 8717

السورةِ (١). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ: وحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن شعبةَ، عن خُليدِ بن جعفرٍ، عن أبى إياسٍ معاويةَ بنِ قُرَّةَ، عن أبي موسى مثلَه. حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثني سعيدُ بنُ عامرٍ، قال: ثنا عوفٌ، عن أبى رجاءٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾. قال: في هذه السورةِ (٢). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن أبي عَوانةَ، عن أبي بشرٍ، عن عمرٍو العنبريِّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾. قال: في هذه السورةِ (٣). حدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِيٍّ، عَن أَبي عَوَانَةَ، عن أبي بشرٍ، عن رجلٍ مِن بنى العنبرِ، قال: خَطَبَنا ابنُ عباسٍ فقال: ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾. قال: في هذه السورةِ (٣). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الأعمشِ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، قال: سمِعتُ ابنَ عباسٍ قرَأ هذه السورةَ على الناسِ حتى بلَغ: ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾. قال: في هذه السورةِ (٤). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبَرنا هشيمٌ، عن عوفٍ، عن مروانَ الأصفرِ، عن ابنِ عباسٍ، أنه قرَأ على المنبرِ: ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾. فقال: في هذه السورةِ.

стр. 8718

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾. قال: في هذه السورةِ (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى (٢)، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾. قال: في هذه السورةِ (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. [حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه] (٣). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن شريكٍ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ مثلَه (٤). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، عن أبي العاليةِ، قال: هذه السورةُ. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ سعد (٥)، قال: أخبَرنا أبو جعفرٍ الرازيُّ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ مثلَه. حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: أخبَرنا أبو رجاءٍ، عن

стр. 8719

الحسنِ في قولِه: ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾. قال: في هذه السورةِ (١). حدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهدىٍّ، عن شعبةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ بمثلِه. حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٍ، وحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن شعبةَ، عن أبى رجاءٍ، عن الحسنِ مثلَه. حدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، عن [شعبةَ، عن] (٢) أبانِ بنِ تغلِبَ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾. قال: في هذه السورةِ (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ مثلَه. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبى رجاءٍ، قال: سمِعتُ الحسنَ البصريَّ يقولُ فى قولِ اللهِ : ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾. قال: يعنى: فى هذه السورةِ (١). وقال آخرون: معنى ذلك: وجاءك في هذه الدنيا الحقُّ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ومحمدُ بنُ المُثَنَّى، قالا: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال:

стр. 8720

ثنا شعبةُ، عن قتادةَ: ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾. قال: في هذه الدنيا (١). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن شعبةَ (٢)، عن قتادةَ [مثلَه (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ] (٣): ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾. قال: كان الحسنُ يقولُ: في الدنيا (٤). وأولى القولين بالصوابِ في تأويلِ ذلك قولُ مَن قال: وجاءك في هذه السورةِ الحقُّ؛ لإجماعِ الحجةِ من أهلِ التأويلِ على أن ذلك تأويلُه. فإن قال لنا قائلٌ: أوَ لم يجِئْ النبىَّ ﷺ الحقُّ من سُوَرِ القرآنِ إلا في هذه السورةِ، فيقالَ: وجاءك فى هذه السورةِ الحقُّ؟ قيل له: بلى، قد جاءه فيها كلِّها. فإن قال: فما وجهُ خصوصِه إذنْ فى هذه السورةِ بقولِه: ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾؟ قيل: إن معنى الكلامِ: وجاءك في هذه السورةِ الحقُّ، مع ما جاءك في سائرِ سُورِ القرآنِ، أو إلى ما جاءك من الحقِّ فى سائرِ سُوَرِ القرآنِ، لا أن معناه: وجاءَك فى هذه السورةِ الحقُّ، دونَ سائرِ سُوَرِ القرآنِ. وقولُه: ﴿وَمَوْعِظَةٌ﴾. يقولُ: وجاءك موعظةٌ تعِظُ الجاهلين باللهِ، وتُبَيِّنُ لهم عِبَرَه ممن كفَر به، وكذَّب رسلَه. ﴿وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: وتذكِرةٌ تذكَّرُ

стр. 8721

المؤمنين باللهِ ورسلِه؛ كى لا يغفُلوا عن الواجبِ للهِ عليهم. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ (١٢١) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٢٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ﴿وَقُلْ﴾ يا محمدُ للذين لا يُصَدِّقونك، ولا يُقِرُّونَ بوحدانيةِ اللهِ: ﴿اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾. يقولُ: على هِينتِكم وتمكُّنِكم ما أنتم عامِلوه، فإنا عامِلون ما نحن عاملوه من الأعمالِ التى أمَرنا اللهُ بها، وانتظِروا ما وعَدكم الشيطانُ، فإنا منتظِرون ما وعَدنا اللهُ من خِزْيِكم (١) ونصرتِنا عليكم. كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ في قولِه: ﴿وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾. قال: يقولُ: انتظِروا مواعيدَ الشيطانِ إياكم، على ما يُزيِّنُ لكم؛ إنا منتظِرون (٢). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : وللهِ يا محمدُ مُلْكُ كلِّ ما غاب عنك في السماواتِ والأرضِ، فلم تطَّلِعْ عليه، ولم تعلَمْه، كلُّ ذلك بعلمِه وبيدِه، لا يخفَى عليه منه شيءٌ، وهو عالمٌ بما يعمَلُه مشركو قومِك، وما إليه مصيرُ أمرِهم؛ من إقامةٍ على الشركِ، أو إقلاعٍ عنه وتوبةٍ، ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾. يقولُ: وإلى اللهِ

стр. 8722

مَعادُ كلِّ عاملٍ وعملِه، وهو مُجازٍ جميعَهم بأعمالِهم. كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾. قال: فيقضِى بينَهم بحكمِه بالعدلِ. يقولُ (١): ﴿فَاعْبُدْهُ﴾: فاعبُدْ ربَّك يا محمدُ، ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾. يقولُ: وفوِّضْ أمرَك إليه، وثِقْ به وبكفايتِه، فإنه كافٍ مَن توكَّلَ عليه (٢). وقولُه: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: وما ربُّك يا محمدُ بساهٍ عما يعمَلُ هؤلاء المشركون من قومِك، بل هو محيطٌ به، لا يعزُبُ عنه شيءٌ منه، وهو لهم بالمرصادِ، فلا يَحزُنْك إعراضُهم عنك، ولا تكذيبُهم بما جئتَهم به من الحقِّ، وامضِ لأمرِ ربِّك، فإنك بأَعْينِنا. حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا زيدُ بنُ الحُبابِ، عن جعفرِ بنِ سليمانَ، عن أبي عمرانَ الجَوْنيِّ، عن عبدِ اللهِ بنِ رباحٍ، عن كعبٍ، قال: خاتمةُ التوراةِ خاتمةُ هودٍ (٣) (*). آخرُ تفسيرِ سورةِ هودٍ، والحمدُ للهِ وحدَه. يتلوه تفسيرُ السورةِ التي يُذكَرُ فيها يوسفُ. وهو آخرُ المجلدِ الثاني عشرَ. والحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصلَّى اللهُ على محمدٍ وآلِه وصحبِه وسلَّم.

стр. 8723

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تفسيُر السورةِ التى يُذكَرُ فيها يوسفُ ﷺ - القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١)﴾. قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ رحمةُ اللهِ عليه: قد ذكَرنا اختلافَ أهلِ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ (١)، والقولَ الذي نختارُه في تأويلِ ذلك فيما مضَى بما أغنَى عن إعادتِه هاهنا (٢). وأما قولُه: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾. فإن أهلَ التأويلِ اختلَفوا في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معناه: تلك آياتُ الكتابِ [المُبين؛ بيَّن] (٣) حلالَه وحرامَه، ورُشْدَه وهُدَاه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني سعيدُ بنُ عمرٍو السَّكُونيُّ، قال: ثنا الوليدُ بنُ سَلَمَةَ الفِلَسطينيُّ، قال: أخبرَني عبدُ الوهابِ بنُ مجاهدٍ، عن أبيه فى قولِ اللهِ تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ قال: بَيَّن (٤) حلالَه وحرامَه (٥).

стр. 8724

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾: إى واللهِ، لمبينٌ بركتَه (١)، هُدَاه ورُشْدَه (٢). حدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاق، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾. قال بَيَّنَ اللهُ رُشْدَه وهُدَاهُ (٣). وقال آخرون في ذلك بما حدَّثني سعيدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا الوليدُ بنُ سَلَمةَ، قال: ثني ثورُ بنُ يزيدَ، عن خالدِ بنِ مَعْدانَ، عن معاذٍ أنه قال في قولِ اللهِ : ﴿الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾. قال: بَيَّن الحروفَ التي سقَطت عن ألسنِ الأعاجمِ، وهى ستةُ أحرفٍ (٤). والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندى أن يقالَ: معناه: هذه آياتُ الكتابِ المبينِ، لمَن تَلَاه، وتَدَبَّرَ ما فيه، مِن حلالِه وحرامِه ونهيِه، وسائرِ ما حَواه مِن صنوفِ معانيه؛ لأن اللهَ، جل ثناؤُه، أخبرَ أنه مبينٌ، ولم يخصَّ إبانتَه (٥) عن بعضِ ما فيه دونَ جميعِه، فذلك على جميعِه، إذ كان جميعُه مبينًا عما فيه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إنا أنزلنا هذا الكتاب المبين قرآنًا عربيًّا على العربِ؛ لأن لسانَهم وكلامَهم عربيٌّ، فأنْزلنا هذا الكتاب بلسانِهم، ليَعْقِلوه ويفْقَهوا منه، وذلك

стр. 8725

قولُه : ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣)﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾، يا محمدُ، ﴿أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾، بوَحْيِنا إليك هذا القرآنَ، فنُخْبِرُك فيه عن الأخبارِ الماضيةِ، وأنباءِ الأمم السالفةِ، والكُتُبِ التي أنزَلناها في العصورِ الخاليةِ، ﴿وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإن كنتَ يا محمدُ، مِن قبلِ أن نوحيَه إليك، ﴿لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ عن ذلك لا تعلمُه ولا شيئًا منه، كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾، من الكتبِ الماضيةِ، وأمورِ اللهِ السالفةِ في الأممِ، ﴿وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ (١). وذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلت على رسولِ اللهِ ﷺ ، لمسألةِ أصحابِه إياه أن يقصَّ عليهم. ذكرُ [الروايةِ بذلك] (٢) حدَّثني نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأَوْدِيُّ، قال: ثنا حَكَّامٌ الرازيُّ، عن أيوبَ، عن عمرٍو المُلائيِّ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قالوا: يا رسولَ اللهِ، لو قصصتَ علينا؟ قال: فنزَلت ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ (٣).

стр. 8726

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن أيوبَ بنِ سيّارٍ أبي عبدِ الرحمنِ، عن عمرِو بنِ قيسٍ، قال: قالوا: يا نبيَّ اللهِ، فذكَر مثلَه. حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن المسعوديِّ، عن عونِ بنِ عبدِ اللهِ، قال: مَلَّ أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ ، مَلَّةً، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، حَدِّثنا. فأنزَل اللهُ : ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣]، ثم مَلُّوا مَلَّةً أخرى، فقالوا: يا رسول اللهِ حدِّثْنا فوقَ الحديثِ، و [دونَ القرآنِ. يعنون القصصَ] (١)، فأنزَل اللهُ: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣)﴾. فأرادوا الحديثَ، فدلَّهم على أحسنِ الحديثِ، وأرادوا القصصَ، فدلَّهم على أحسنِ القصصِ (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ سعيدٍ العطارُ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، قال: أخبرَنا خلَّادٌ الصَّفَّارُ، عن عمرِو بنِ قيسٍ، [عن عمرِو بنِ مرةَ] (٣)، عن مصعبِ بنِ سعدٍ، عن سعدٍ، قال: أُنزِل على النبيِّ ﷺ القرآنُ. قال: فتَلَاه عليهم زمانًا، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، لو قَصَصْتَ علينا؟ فأنزَل اللهُ: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ إلى قولِه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ الآية. قال: ثم تَلَاه عليهم زمانًا، فقالوا: يا رسولَ اللهِ لو حدَّثْتَنا؟ فأنزَل اللهُ تعالى: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾.

стр. 8727

قال خَلَّادٌ: [وزَاد فيه رجلٌ] (١) آخرُ: قالوا: يا رسولَ اللهِ لو (٢). . . .؟ -قال أبو يحيى: ذَهَبَت مِن كتابي كلمةٌ- فأنزل اللهُ: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ﴾ (٣) [الحديد: ١٦]. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : وإن كنتَ، يا محمدُ (٤)، لمِن الغافِلين عن نبأ يوسفَ بنِ يعقوبَ بنِ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ، إذ قال لأبيه يعقوبَ بنِ إسحاقَ: ﴿يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾. يقولُ: إني رأيتُ في مَنامي أحدَ عَشَرَ كوكبًا. وقيل: إن رؤيا الأنبياءِ كانت وحيًا. حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن سِماكِ بنِ حربٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ

стр. 8728

وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾. قال: كانت رؤيا الأنبياءِ وحيًا (١). وحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن سفيانَ، عن سِماكٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾. قال: كانت الرؤيا فيهم وحيًا. وذُكِرَ أن الأحدَ العشَرَ الكوكبَ التي رآها فى منامه ساجدةً مع الشمسِ والقمرِ، ما حدَّثنى عليُّ بن سعيدٍ الكنديُّ، قال: ثنا الحكمُ بنُ ظُهَيرٍ، عن السديِّ، عن عبد الرحمنِ بنِ سابطٍ، عن جابرٍ، قال: أتَى النبيَّ ﷺ رجلٌ من يهودَ يقالُ له: بستانةُ اليهوديُّ، فقال له: يا محمدُ، أخبِرْني عن الكواكبِ التي رآها يوسفُ ساجدةً له، ما أسماؤُها؟ قال: فسَكَت رسولُ اللهِ ﷺ ، فلم يُجِبْه بشيءٍ، ونَزَل عليه جبريلُ، وأخبَره بأسمائِها، قال: فبَعَثَ رسولُ اللهِ ﷺ إليه: فقال: "هَلْ أَنْتَ مؤمنٌ إن أخبَرتُك بأسمائها؟ " قال: نعم. فقال: "حرثانُ (٢)، والطارقُ، والذيالُ، وذو الكنفانِ (٣) وقابسٌ، ووثابٌ (٤) وعمودان، والفيلقُ (٥)، والمصبحُ، والصروحُ (٦)، وذو الفرعِ، والضياءُ، والنُّورُ (٧) ". فقال اليهوديُّ: واللهِ

стр. 8729

إنها لأسماؤها (١). وقولُه: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾. يقولُ: والشمسَ والقمرَ رأيتُهم فى منامى سجودًا. وقال: ﴿سَاجِدِينَ﴾ والكواكبُ والشمسُ والقمرُ، إنما يُخْبَرُ عنها بـ "فاعلةٍ" و "فاعلاتٍ" لا بالواوِ والنونِ؛ إنما هي (٢) علامةُ جمعِ أسماءِ ذكورِ بنى آدمَ، أو الجنِّ أو الملائكةِ. وإنما قيل ذلك كذلك؛ لأن السجودَ مِن أفعالِ مَن يُجمعُ أسماءُ ذكورِهم بالياءِ والنونِ، أو الواوِ والنونِ، فأخرَج جمعَ أسمائِها مخرجَ جمعِ أسماءِ مَن يفعلُ ذلك، كما قيل: ﴿يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل: ١٨]. وقال: ﴿رَأَيْتُهُمْ﴾. وقد قيل: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾. فكَرَّر الفعلَ، وذلك على لغةِ مَن قال: كَلَّمتُ أخاك كَلَّمتُه. توكيدًا للفعلِ بالتكريرِ. وقد قيل: إن الكواكبَ الأحدَ عشَرَ كانت إخوتَه، والشمسَ والقمرَ أبويه.

стр. 8730

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾: إخوتَه أحدَ عَشَرَ كوكبًا، ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾، يعنى بذلك أبويه (١). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن السديِّ في قولِه: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ الآية. قال: رأى أبويه (٢) وإخوتَه سجودًا له. فإذا قيل له: عمن؟ قال: إن كان حقًّا، فإن ابنَ عباسٍ فسَّره (٣). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قوله: ﴿أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾. قال: الكواكبُ إخوتُه، والشمسُ والقمرُ أبواه (٤). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ قولَه: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾: إخوتَه، والشَّمسُ أمُّه، والقمرُ أبوه (٥). حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: قال سفيانُ: كان أبويه وإخوتَه (٦). حُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ

стр. 8731

سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ في (١) قولِه: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾: هم إخوةُ يوسفَ، ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾: هما أبواه (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ الآية. قال: أبَواه وإخوتُه. قال: فبغاه (٣) إخوتُه، وكانوا أنبياءَ. فقالوا: ما رَضِيَ أن يَسْجُدَ له إخوتُه حتى سجَد له أبواه، حينَ بلَغَهم (٤). ورُوِيَ عن ابنِ عباسٍ أنه قال: الكواكبُ إخوتُه، والشمسُ والقمرُ أبوه وخالتُه، من وجهٍ غيرِ محمودٍ، فكرِهتُ ذكرَه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٥)﴾. يقولُ جلّ ذكره: ﴿قَالَ﴾ يعقوبُ لابنه يوسفَ: ﴿يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ﴾ هذه ﴿عَلَى إِخْوَتِكَ﴾ فيَحْسُدوك ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾. يقولُ: فيَبْغوك (٥) الغَوائلَ، ويُناصِبوك (٦) العداوةَ، ويُطِيعوا فيك الشيطانَ، ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾. يقولُ: إن الشيطانَ لآدمَ وبَنِيه عدوٌّ، قد أبان لهم عداوتَه وأظهرَها. يقولُ: فاحذرِ الشيطانَ أن يُغْرِىَ إخوتَك بك، بالحسدِ منهم لك، إن أنت قَصَصتَ عليهم رؤياك. وإنما قال يعقوبُ ذلك له (٧)؛ لأنه قد كان تبيَّن من

стр. 8732

إخوتِه له قبلَ ذلك حسدًا (١). كما حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدِ العَنْقَزِيُّ، عن أسباطَ، عن السديِّ، قال: نزَل يعقوبُ الشامَ، فكان همُّه يوسفَ وأخاه (٢)، فحسَدَه إخوتُه لمَّا رَأَوا حبَّ أبيه له، ورأى يوسفُ فى المنامِ كأن أحدَ عشَرَ كوكبًا والشمسَ والقمرَ رآهم (٣) له ساجدين، فحدَّث أباه بها، فقال: ﴿يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ الآية (٤). واختَلَف أهلُ العربيةِ فى وجهِ دخولِ "اللامِ" في قولِه: ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾. فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: معناه: فيَتَّخِذوا لك كيدًا، وليست مثل ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣]، تلك أراد (٥) أن يوصَلَ الفعلُ إليها باللامِ، كما يوصلُ بالباءِ (٦)، كما تقولُ: قَدَّمتُ له طعامًا. تريدُ: قَدَّمتُ إليه. وقال: ﴿يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ [يوسف: ٤٨]. ومثلُه قولُه: ﴿قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾ [يونس: ٣٥]. قال: وإن شئتَ كان ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ في معنى: فيَكِيدوك (٧)، وتَجعَلُ "اللامَ" مثلَ ﴿لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٤]. وقد قال:

стр. 8733

﴿لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾. إنما هو بمكان: ربَّهم يَرْهَبون. وقال بعضُهم: أدخلت "اللامُ" فى ذلك، كما تدخلُ في قولِهم: حَمِدتُ لك، وحَمِدتُك وشَكَرتُ لك، وشَكَرتُك. وقال: هذه "لامٌ" جلبها (١) الفعلُ، فكذلك قولُه: ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ تقولُ: فيَكِيدوك، ويَكيدوا لك، فيَقْصِدوك، ويَقْصِدوا لك. قال: وكيدًا توكيدٌ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ يعقوبَ لابنِه يوسفَ، لمَّا قصَّ عليه رؤياه: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾: وهكذا يَجْتَبِيك ربُّك. يقولُ: كما أراك ربُّك الكواكبَ والشمسَ والقمرَ لك سجودًا، فكذلك يَصْطَفِيك ربُّك، كما حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو العَنْقَزِيُّ، عن أبى بكرٍ الهُذَليِّ، عن عكرمةَ: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾. قال: يَصْطَفِيك. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾: فاجْتَباه واصْطَفاه وعَلَّمه مِن عِبَرِ الأحاديثِ، وهو تأويلُ الأحاديثِ (٢). وقولُه: ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾. يقولُ: ويُعَلِّمُك ربُّكَ مِن علمِ ما يَئولُ إليه أحاديثُ الناسِ، عما يَرَونه فى منامِهم، وذلك تعبيرُ الرؤيا.

стр. 8734

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾. قال: عبارةُ الرؤيا (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾. قال: تأويلُ الكلامِ؛ العلمُ والحُكْمُ (٢)، وكان يوسفُ أعبرَ الناسِ. وقرأ: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ (٣) [يوسف: ٢٢]. وقولُه: ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾: باجْتبائِه إياك واختيارِه وتعليمِه إياك تأويلَ الأحاديثِ، ﴿وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ﴾. يقولُ: وعلى أهلِ دينِ يعقوبَ وملتِه، من ذريتِه وغيرِهم، ﴿كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ﴾ باتخاذِه هذا خليلًا وتَنْجيتِه مِن النارِ، وفديتِه هذا بذبحٍ عظيمٍ. كالذي حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: أخبرَنا أبو إسحاقَ، عن عكرمةَ فى قولِه: ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ﴾. قال: فنعمتُه على إبراهيمَ أن نجَّاه من النارِ، وعلى إسحاقَ أن نَجَّاه مِن الذَّبْحِ (٤). وقولُه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. يقولُ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ﴾ بمواضعِ الفضلِ، ومَن هو أهلٌ للاجتباءِ والنعمةِ، ﴿حَكِيمٌ﴾ في تدبيرِه خلقَه.

стр. 8735

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ﴾ الأحَدَ عشَرَ ﴿آيَاتٌ﴾. يعني: عِبَرٌ وذِكْرٌ ﴿لِلسَّائِلِينَ﴾. يعنى: السائلين عن أخبارِهم وقصصِهم. وإنما أرادَ جلّ ثناؤُه بذلك نبيَّه محمدًا ﷺ ؛ وذلك أنه يقالُ: إن اللهَ ﵎ إنما أنزَل هذه السورةَ على نبيِّه، يُعْلِمُه فيها ما لقى يوسفُ مِن أدانيه (١) وإخوتِه من الحسدِ، مع تكرمةِ اللهِ إياه، تسليةً له بذلك مما يَلْقَى مِن أدانيه (١) وأقاربِه من مشركي قريشٍ. كذلك كان ابنُ إسحاقَ يقولُ. حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: إِنما قَصَّ اللهُ ﵎ على محمدٍ خبرَ يوسفَ، وبَغْىِ إخوتِه عليه وحسدِهم إياه، حينَ ذَكَرَ رؤْياه، لِمَا رأى رسولُ اللهِ ﷺ مِن بَغْيِ قومِه وحسدِه، حينَ أكرَمه اللهُ بنبوّتِه؛ ليأْتَسىَ به (٢). واختَلَفت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ (٣)؛ فقرأته عامةُ قرأةِ الأمصارِ ﴿آيَاتٌ﴾، على الجِماعِ. ورُوِى عن مجاهدٍ وابنِ كثيرٍ أنهما قرآ ذلك على التوحيدِ. والذى هو أولى القراءتين بالصوابِ قراءةُ مَن قرأ ذلك على الجماعِ (٤)،

стр. 8736

لإجماعِ الحجةِ مِن القرأةِ عليه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لقد كان فى يوسفَ وإخوتِه آياتٌ لمن سأل عن شأنِهم، حينَ قال (١) إخوةُ يوسفَ: ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ﴾ مِن أُمِّه ﴿أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾. يقولون: ونحن جماعةٌ ذوو عددٍ، أحدَ عشَرَ رجلًا. والعصبةُ مِن الناسِ، هم عشرةٌ فصاعدًا، قيل: إلى خمسةَ عشرَ (٢)، ليس لها واحدٌ مِن لفظِها، كالنَّفَرِ والرهطِ. ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. يعنون: إن أبانا يعقوبَ لفي خطإٍ مِن فعلِه، في إيثارِه يوسفَ وأخاه من أمِّه علينا بالمحبةِ. ويعنى بالمبينِ: أنه خطأٌ يُبِينُ عن نفسِه أنه خطأٌ لمن تأمَّله ونَظَر إليه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ العَنْقَزِيُّ، عن أسباطَ، عن السديِّ: ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا﴾. قال: يعنون بنيامينَ. قال: وكانوا عشرةً (٣).

стр. 8737

قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، عن أسباط، [عن السديِّ] (١): ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. قال: في ضلالٍ مِن أمرِنا (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ، في قولِه: ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾. قال: العصبةُ الجماعةُ (٣). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (٩)﴾. يقولُ جلّ ثناؤُه: قال إخوةُ يوسفَ بعضُهم لبعضٍ: اقتُلوا يوسفَ أو اطرَحوه في أرضٍ مِن الأرضِ -يعنون مكانًا من الأرضِ- ﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾. يعنون: يَخْلُ لكم وجهُ أبيكم مِن شغلِه بيوسفَ، فإنه قد شغَله عنا، [وصرَف وجهَه عنا] (٤) إليه، ﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾. يعنون أنهم يتوبون من قتلِهم يوسفَ، وذنبِهم الذى يَرْكَبونه فيه، فيكونون بتوبتِهم مِن قتلِه، مِن بعدِ هلاكِ يوسفَ، قومًا صالحين. وبنحوِ الذي قلنا ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، عن أسباطَ، عن السديِّ: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا

стр. 8738

صَالِحِينَ (٩)﴾، قال: تَتوبون مما صَنَعتم. أو: من صنيعِكم (١). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (١٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال قائلٌ مِن إخوةِ يوسفَ: ﴿لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾. وقيل: إن قائلَ ذلك روبيلُ، كان ابنَ خالةِ يوسفَ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾: ذُكِرَ لنا أنه روبيلُ، كان أكبرَ القومِ، وهو ابنُ خالةِ يوسفَ، فنَهاهم عن قتلِه (٢). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾. قال: ذُكِرَ لى -واللهُ أعلمُ- أن الذي قال ذلك منهم روبيلُ الأكبرُ، مِن بنى يعقوبَ، وكان أقصدَهم فيه رأيًا (٣). حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾. قال: كان أكبرَ إخوتِه، وكان ابنَ خالةِ يوسفَ، فنَهاهم عن قتلِه (٤). وقيل: كان قائلُ ذلك منهم شمعونَ.

стр. 8739

ذكرُ من قال ذلك حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ الزبيرِ، عن سفيانَ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ، في قولِه: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾. قال: هو شمعونُ (١). وقولُه: ﴿وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾. يقولُ: وأَلْقُوه في قعرِ الجبِّ، حيث يغيبُ خبرُه. واختلفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأته عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ (غيَاباتِ الجُبّ)، على الجماعِ (٢)، وقرأ ذلك عامةُ قرأة سائرِ الأمصارِ ﴿غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾، بتوحيدِ الغَيابةِ. وقراءةُ ذلك بالتوحيدِ أحبُّ إليَّ، والجُبُّ بئرٌ. وقيل: إنه اسمُ بئر ببيتِ المقدسِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾. قال: بئرٌ ببيتِ المقدسِ (٣). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن

стр. 8740

ءقتادةَ في قولِه: ﴿غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾. قال: بئرٌ ببيتِ المقدسِ (١). والغَيابةُ: كلُّ شيءٍ غَيَّبَ شيئًا فهو غَيابةٌ، والجُبُّ البئرُ غيرُ المطويةِ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾: في بعضِ نواحِيها، في أسفلِها (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولَه: ﴿وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾. يقولُ: فى بعضِ نواحيها (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ مثلَه. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ ﴿وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾. قال: قالها كبيرُهم الذي تخلَّفَ. قال: والجُبُّ بئرٌ بالشامِ (٣). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾. يعنى الرَّكِيَّةَ (٤). حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ

стр. 8741

سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ: الجُبُّ البئرُ. وقولُه: ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾. يقولُ: يأخُذْه بعضُ مارَّةِ الطريقِ من المسافرين، ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾. يقولُ: إن كنتم فاعلين ما أقولُ لكم. فذُكِر أنه التقَطَه بعضُ الأعرابِ. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾. قال: التقطه ناسٌ مِن الأعرابِ. وذُكِرَ عن الحسنِ البصريِّ أنه قرأ (تَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ) بالتاءِ (١)، حدَّثنى بذلك (٢) أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن هارونَ، عن مطرٍ الورَّاقِ، عن الحسنِ (٣). وكأن الحسنَ ذهَب فى تأنيثِه ﴿بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ إلى أن فعلَ بعضِها فعلُها. والعربُ تفعلُ ذلك في خبرٍ كان عن مضافٍ (٤) إلى مؤنثٍ، يكونُ الخبرُ عن بعضِه خبرًا عن جميعِه. وذلك كقولِ الشاعرِ (٥): أَرَى مَرَّ السِّنِينَ أَخَذْنَ مِنِّي … كما أخَذ السِّرارُ مِن الهلالِ فقال: أَخَذْنَ منى، وقد ابتدأ الخبرَ عن المرِّ (٦)، إذ كان الخبرُ عن المَرِّ خبرًا عن السنينَ، وكما قال الآخرُ (٧):

стр. 8742

إذا ماتَ منهم سيدٌ قامَ سَيِّدٌ … فَدَانَت له أهلُ القُرَى والكنائِسِ فقال: دانَت له، والخبرُ عن أهلِ القرى؛ لأن الخبرَ عنهم كالخبرِ عن القرى، ومَن قال ذلك لم يقلْ: فَدَانت له غلامُ هندٍ. لأن الغلامَ لو أُلْقِى من الكلامِ، لم تدلَّ هندٌ عليه، كما يدلُّ الخبرُ عن القريةِ على أهلِها، وذلك أنه لو قيل: فَدَانت له القرى. كان معلومًا أنه خبرٌ عن أهلِها، وكذلك ﴿بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾، لو أُلْقِى البعضُ، فقيل: تَلْتَقِطْه (١) السيارةُ. عُلِمَ أنه خبرٌ عن البعضِ أو الكلِّ، [ودلَّ] (٢) عليه الخبرُ عن السيارةِ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (١١)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال إخوةُ يوسفَ إذ تآمَروا بينَهم، وأجمَعوا على الفُرْقَةِ بينَه وبينَ والدِه يعقوبَ لوالدِهم يعقوبَ: ﴿يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ﴾ فتتركَه معنا إذا نحن خَرَجْنا خارجَ المدينةِ إلى الصحراءِ؟! ونَحْنُ لَه نَاصِحُونَ، نحوطُه ونكلؤُه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا [يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ] (٣) وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (١٢)﴾. واختَلَفت القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرأته عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ (يَرْتَعِ ويَلْعَبْ) بكسرِ العينِ مِن (يرتعِ)، وبالياءِ في (يَرْتَعِ ويَلْعَبْ) (٤)، على معنى:

стр. 8743

يفتعلُ، من الرعى: ارتعيتُ فأنا أرتَعِى، كأنهم وَجَّهوا معنى الكلامِ إلى: أرسِلْه معنا غدًا يرتعِ الإبلَ ويلعبْ، ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. وقرأ ذلك عامةُ قرأةِ أهلِ الكوفةِ: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾. بالياءِ في الحرفين جميعًا، وتسكينِ العينِ (١)، من قولِهم: رتَع فلانٌ في مالِه. إذا لَهَا فيه ونَعِمَ، وأنفَقَه فى شهواتِه. ومن ذلك قولُهم فى مَثَلٍ مِن الأمثالِ: القَيْدُ والرَّتَعَةُ (٢). ومنه قولُ القطاميِّ (٣): أكفْرًا بعد ردِّ الموتِ عَنِّى … وبعدَ عَطَائِك المائةَ الرِّتَاعَا وقرأ بعضُ أهلِ البصرةِ: (نَرْتَعْ)، بالنونِ (وَنَلْعَبْ)، بالنونِ فيهما جميعًا، وسكونِ "العينِ" من (نَرْتَعْ) (٤). حدَّثني أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، قال: كان أبو عمرٍو يقرأُ: (نَرْتَعْ وَنَلْعَبْ) بالنونِ. قال: فقلتُ لأبي عمرٍو: كيف يقولون: (نلعب) وهم أنبياءُ؟ قال: لم يكونوا يومئذٍ أنبياءَ (٥). وأولى القراءاتِ (٦) فى ذلك عندى بالصواب، قراءةُ مَن قرَأه في الحرفين كليهما بالياء، وبجزمِ العينِ في ﴿يَرْتَعْ﴾ (٧)؛ لأن القومَ إنما سألوا أباهم إرسالَ يوسفَ معهم، وخَدَعوه بالخبرِ عن مسألتِهم إياه ذلك، عما ليوسفَ في إرسالِه معهم

стр. 8744

من الفرحِ والسرورِ والنشاطِ بخروجِه إلى الصحراءِ وفُسْحتِها ولَعِبه هنالك، لا بالخبرِ عن أنفسِهم، وبذلك أيضًا جاء تأويلُ أهلِ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثنا عمى، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا [يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ] (١)﴾. يقولُ: يسعى (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ [﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾] (٣). قال: يَلْهو ويَنْشَطُ ويسعى (٤). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا [يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ] (٥)﴾. يقولُ (٦): [ينشطُ ويلهو] (٧). حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ بنحوِه. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن

стр. 8745

قتادة: [﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾] (١). قال: يسعى ويلهو (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى هشيمٌ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ قوله: [﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾] (٣). قال: يتلهَّى ويلعبُ. حُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمان، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: [﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾] (٤). قال: يتلهَّى ويلعبُ. حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: [﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾] (٤). قال: ينشطُ ويلعبُ (٥). قال: ثنا عمرٌو، عن أسباطَ، عن السديِّ: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا [يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ] (٣)﴾: [هو (٦). قال: ثنا حسينُ بنُ عليٍّ، عن شيباَن، عن قتادةَ: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا [يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ] (٧)﴾. قال: ينشطُ ويلعبُ. حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا نعيمُ بنُ ضَمْضَمٍ العامريُّ، قال: سمعتُ الضحاكَ بنَ مُزاحمٍ فى قولِه: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا [يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ] (٣)﴾ قال: يسعى وينشطُ.

стр. 8746

وكأن الذين يقرءون ذلك (يَرْتعِ وَيَلْعَبْ) بكسرِ "العينِ" مِن ﴿يَرْتَعْ﴾، يتأوَّلونه على الوجهِ الذى حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: (أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعِ ويَلْعَبْ). قال: يرعى غنمَه، وينظرُ ويعقلُ، فيعرفُ ما يعرفُ الرجلُ (١). وكان مجاهدٌ يقولُ فى ذلك بما حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: (نَرْتَعِ): يحفظُ بعضُنا بعضًا، نتكالأُ، نتحارسُ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: (نَرْتَعِ). قال: يحفظُ بعضُنا بعضًا؛ نتكالأُ. حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ. وحدَّثني المثنى قال: ثنا إسحاقُ، [قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ] (٣)، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ بنحوِه (٤). فتأويلُ الكلامِ: أرسِلْه معنا غدًا نلهو ونلعبُ [ونَنْعَمُ] (٥)، وننشطُ في

стр. 8747

الصحراءِ، ونحن حافِظوه من أن ينالَه شيءٌ يكرهُه أو يُؤْذِيه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (١٣)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿قَالَ﴾ يعقوبُ لهم: ﴿إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾ معكم إلى الصحراءِ؛ مخافةً عليه من الذئبِ أن يَأْكُلَه، ﴿وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾ لا تَشْعُرون به. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ (١٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال إخوةُ يوسفَ لوالدِهم يعقوبَ: لئن أكل يوسُفَ الذئبُ في الصحراءِ، ونحن أحدَ عشَرَ رجلًا معه نَحْفَظُه، وهم العُصْبةُ، ﴿إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾. يقول: إنا إذن لعجزةٌ هالكون. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٥)﴾. وفى الكلامِ متروكٌ حُذِف ذكرُه اكتفاءً بما ظهَر عما تُرِك، وهو: "فَأَرْسَلَه معهم"، ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا﴾. يقولُ: وأُجْمِع رأيُهم، وعزَموا على أن يَجْعَلُوه في غيابةِ الجُبِّ، كما حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، عن أسباطَ، عن السديِّ قولَه: ﴿إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾ الآية. قال: قال: لن أُرْسِلَه معكم، إنى أَخافُ أن يَأْكُلَه الذئبُ وأنتم عنه غافِلون. ﴿قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ (١٤)﴾. فأَرْسَلَه معهم، فأخْرَجوه وبه عليهم كَرامةٌ؛ فلما برَزوا به إلى البَرِّيَّةِ، أظْهَروا له العَداوةَ، وجعَل أخوه يَضْرِبُه،

стр. 8748

فيَسْتَغِيثُ بالآخرِ فيَضْرِبُه، فجعَل لا يَرَى منهم رحيمًا، فضرَبوه حتى كادوا يَقْتُلونه، فجعَل يَصِيحُ ويقول: يا أبتاه، يا يعقوبُ، لو تَعْلَمُ ما صنَع بابنِك بنو الإماءِ. فلما كادوا يَقْتُلونه قال يَهُوذَا: أليس قد أعْطَيْتُمُونِي مَوْثِقًا أَلَّا تَقْتُلوه؟ فانْطَلَقوا به إلى الجُبِّ ليَطْرَحوه، فجعَلوا يُدْلُونه فى البئرِ، فيَتَعَلَّقُ بشَفيرِ البئرِ، فربَطوا يديه، ونزَعوا قميصَه، فقال: يا إخْوتاه، رُدُّوا عليَّ قميصى، أَتَوارَى به في الجُبِّ. فقالوا: ادعُ الشمسَ والقمرَ والأحدَ عشرَ كوكبًا تُؤْنِسْك. قال: إني لم أَرَ شيئًا، فدلَّوْه فى البئرِ، حتى إذا بلَغ نصفَها، ألْقَوْه إرادةَ أن يَموتَ، وكان في البئرِ ماءٌ، فسقط فيه، ثم أوى إلى صخرةٍ فيها، فقام عليها، قال: فلما أَلْقَوْه في البئرِ جعَل يبكي، فنادَوْه، فظنَّ أنها رحمةٌ أَدْرَكَتهم، فلبَّاهم، فأرادوا أن يَرْضَخوه بصخرةٍ فيَقْتُلوه، فقام يَهُوذَا فمنَعَهم، وقال: قد أعْطَيْتُمونى موْثِقًا ألا تَقْتُلُوه. وكان يَهوذا يَأْتِيه بالطعامِ (١). وقولُه: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا﴾. فأُدْخِلَت الواوُ في الجوابِ، كما قال امرُؤُ القيسِ (٢): فلمَّا أَجَزْنا ساحةَ الحيِّ وانْتَحَى … بنا بَطْنُ [خبْتٍ ذي قفافٍ] (٣) عَقَنْقَلِ فأَدْخَل الواوَ في جوابِ لما، وإنما الكلامُ: فلمَّا أجَزْنا ساحةَ الحَيِّ انْتَحَى بنا، وكذلك: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا﴾. لأن قولَه: ﴿وَأَجْمَعُوا﴾ هو الجوابُ.

стр. 8749

وقولُه: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ﴾. يقولُ: وأَوْحَيْنا إلى يوسُفَ: لتُخْبِرَنَّ إخوتَك ﴿بِأَمْرِهِمْ هَذَا﴾. يقولُ: بفعلِهم هذا الذي فعَلوه بك ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. يقولُ: وهم لا يَعْلَمون، ولا يَدْرُون. ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى المعنى الذي عناه اللهُ بقولِه: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، فقال بعضُهم: عُنِى بذلك: أن اللهَ أَوْحَى إِلى يُوسُفَ أَن يُوسُفَ سَيُنْبِيءُ إخوتَه بفعلِهم به ما فعَلوه، من إلقائِه فى الجبِّ، وبيعِهم إياه، وسائرِ ما صنَعوا به مِن صَنيعِهم، وإخوتُه لا يَشْعُرون بوحْيِ اللهِ إليه بذلك (١). ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾ إلى يوسُفَ (٢). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا﴾. قال: أَوْحَيْنَا إلى يوسُفَ لَتُنَبِّئَنَّ إخوتَك (٣). قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن وَرْقاءَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. قال: أوْحى إلى يوسُفَ وهو فى الجبِّ أنْ سيُنَبِّئُهم بما صنَعوا به (٤)، وهم لا يَشْعُرون

стр. 8750

بذلك الوحيِ. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾. قال: إلى يوسُفَ. وقال آخرون: معنى ذلك: وأوْحَيْنا إلى يوسُفَ بما إخوتُه صانعون به، وإخوتُه لا يَشْعُرون بإعلامِ اللهِ إِيَّاه بذلك. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بما أطْلَع اللهُ عليه يوسُفَ مِن أمرِهم، وهو في البئرِ (١). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا (٢)﴾. قال: أَوْحَى اللهُ إلى يوسُفَ، وهو في الجبِّ أن يُنَبِّئَهم بما صنَعوا به ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بذلك الوحيِ (٣). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سُويدٌ، قال: أخْبرَنا ابنُ المباركِ، عن معمرٍ، عن قتادةَ بنحوِه، إلا أنه قال: أن سيُنبِّئُهم (٤). وقال آخرون: بل معنى ذلك: أن يوسُفَ سيُنبِّئُهم بصَنيعِهم به، وهم لا

стр. 8751

يَشْعُرون أنه يوسُفُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قولَه: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. [يقولُ: وهم لا يَشْعُرون] (١) أنه يوسُفُ (٢). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا صَدَقةُ بنُ عُبادةَ الأَسَديُّ، عن أبيه، قال: سمِعْتُ ابنَ عباسٍ يقولُ: لما دخَل إخوةُ يوسفَ، فعرَفهم وهم له مُنْكِرون، قال: جِيء بالصُّوَاعِ، فوضَعه على يدِه، ثم نقَره، فطنَّ، فقال: إنه لَيُخْبِرُني هذا الجامُ أنه كان لكم أخٌ من أبيكم، يقال له: يوسُفُ. يُدْنِيه دونَكم، وأنكم انْطَلَقْتُم به، فأَلْقَيْتُموه في غَيابةِ الجبِّ. قال: ثم نقَره، فطنَّ. فأتَيْتُم أباكم فقلتم: إن الذئبَ أكلَه. وجئتُم على قميصِه بدَمٍ كذِبٍ. قال: فقال بعضُهم لبعضٍ: إن هذا الجامَ لَيُخْبِرُه بخبرِكم. قال ابنُ عباسٍ: فلا نَرَى هذه الآية نزَلَت إلا فيهم ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (٣). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (١٦) قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (١٧)﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وجاء إخوةُ يوسُفَ أباهم بعدَما أَلْقَوْا يُوسُفَ فِي غَيابَةِ الجبِّ

стр. 8752

عشاءً يَبْكون. وقيل: إن معنى قولِه: ﴿نَسْتَبِقُ﴾: نَنْتَضِلُ مِن السباقِ، كما حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: أقْبَلوا إلى أبيهم عِشاءً يَبْكون، فلمَّا سمِع أصواتَهم فزِع، وقال: مالكم يا بَنِيَّ؟ هل أصابكم في غنمِكم شيءٌ؟ قالوا: لا. قال: فما فعَل يوسُفُ؟ ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾. فبكَى الشيخُ، وصاح بأعلى صوتِه، وقال: أين القميصُ؟ فجاءوه بالقميصِ عليه دمٌ كذِبٌ، فأخَذ القميصَ، فطرَحه على وجهِه، ثم بكَى، حتى تخَضَّب وجهُه مِنْ دمِ القميصِ (١). وقولُه: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾. يقولون: وما أنت بمُصَدِّقِنا على قِيلِنا: إن يوسُفَ أكَلَه الذئبُ ولو كنا صادقين. كما حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، عن أسباطَ، عن السديِّ: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ قال: بمُصَدِّقٍ لنا. [فإن قال لنا قائلٌ: كيف قيل: ﴿وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾، وقد علِمتَ أن قولَه: ﴿وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾] (٢) إما خبرٌ عنهم أنهم غيرُ صادقين، فذلك تكذيبٌ منهم أنفسَهم، أو خبرٌ منهم عن أبيهم أنه لا يُصَدِّقُهم لو صدَقوه، فقد علِمْتَ أنهم لو صدَقوا أباهم الخبرَ صدَّقهم؟ قيل: ليس معنى ذلك بواحدٍ منهما، وإنما معنى ذلك: وما أنت بمصدِّقٍ لنا ولو كنا مِن أهلِ الصدقِ الذين لا يُتَّهَمون، لسوء ظنِّك بنا، وتُهَمَتِك لنا.

стр. 8753

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾. وسمَّاه اللهُ كذبًا؛ لأن الذين جاءوا بالقميصِ وهو فيه كذَبوا، فقالوا ليعقوبَ: هو دمُ يوسُفَ، ولم يَكُنْ دمَه، وإنما كان دمَ سَخْلَةٍ فيما قيل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني أحمدُ بنُ عبدِ الصَّمَدِ الأنصاريُّ، قال: ثنا أبو أسامة، عن شبلٍ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾، قال: دمِ سَخْلَةٍ (١). حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شَبابةُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾. قال: دمِ سَخْلةٍ، شاةٍ. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿بِدَمٍ كَذِبٍ﴾. قال: دمِ سَخْلةٍ، يعني: شاةً. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿بِدَمٍ كَذِبٍ﴾. قال: دمِ سَخْلةٍ، شاةٍ. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن وَرْقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿بِدَمٍ كَذِبٍ﴾. قال: كان ذلك الدمُ كذبًا، لم يَكُنْ دمَ يوسفَ.

стр. 8754

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بِدَمٍ كَذِبٍ﴾. قال: دمِ سَخْلةٍ، شاةٍ. حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿بِدَمٍ كَذِبٍ﴾. قال: بدمِ سَخْلةٍ (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن السديِّ، قال: ذبحوا جَديًا من الغنم، ثم لطَّخوا القميص بدمه، ثم أقْبَلوا إلى أبيهم، فقال يعقوب: إن كان هذا الذئب لرحيمًا، كيف أكل لحمَه، ولم يَخْرِقْ قميصه؟ يا بُنَيَّ، يا يوسُفَ، ما فعل بك بنو الإماءِ (٢). حدَّثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا سفيان الثوريُّ، عن سماك بن حربٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباس: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾. قال: لو أكله السَّبُع لخَرَّق القميص. حدَّثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا أبو خالد، قال: ثنا سفيان بإسنادِه، عن ابن عباسٍ مثلَه، إلا أنه قال: لو أكله الذئبُ لخرَّق القميص. حدَّثنا محمد بن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن سماكٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾. قال: لو كان الذئبُ أكله لخرَّقه (٣).

стр. 8755

حدَّثني عبيدُ الله بن أبي زِيادٍ، قال: ثنا عثمان بن عمرٍو، قال: ثنا قُرَّةُ، عن الحسن، قال: جِيء بقميص يوسُفَ إلى يعقوبَ، فجعَل يَنْظُرُ إِليه، فيَرَى أثر الدم، ولا يَرَى فيه خَرْقًا، قال: يا بَنِيَّ، ما كنتُ أَعْهَدُ الذئبَ حليمًا؟ حدَّثنا أحمد بن عبد الصمد الأنصارىُّ، قال: ثنا أبو عامرٍ (١) العَقَدىُّ، عن قُرَّةَ، قال: سمِعْتُ الحسن يقولُ: لما جاءوا بقميص يوسفَ، فلم يَرَ يعقوبُ شَقًّا، قال: يا بَنِيَّ، واللهِ ما عهِدتُ الذئب حليمًا! حدَّثنا محمد بن المُثنَّى، قال: ثنا حمادُ بنُ مَسْعَدةَ، عن عِمْرانَ بنِ مسلمٍ، عن الحسن، قال: لما جاء إخوة يوسف بقميصه إلى أبيهم، قال: جعَل يُقَلِّبُه، فيقولُ: ما عهِدْتُ الذئب حليمًا، أكل ابنى، وأبقى على قميصِه (٢)! حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾. قال: لما أَتَوْا نبيَّ الله يعقوبَ بقميصه، قال: ما أَرَى أَثرَ سَبُعٍ ولا طَعْنٍ ولا خَرْقٍ (٣). حدَّثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ: ﴿بِدَمٍ كَذِبٍ﴾: الدمُ كذبٌ، لم يَكُنْ دمَ يوسُفَ (٤). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أَخْبَرنا مُجالِدٌ، عن الشعبيِّ، قال: ذبحوا جَدْيًا، ولطَّخوه مِن دمه، فلمَّا نظَر يعقوبُ إلى القميصِ
следующие страницы →