← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 8751–8790 · переход к 8756.

стр. 8751

يَشْعُرون أنه يوسُفُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قولَه: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. [يقولُ: وهم لا يَشْعُرون] (١) أنه يوسُفُ (٢). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا صَدَقةُ بنُ عُبادةَ الأَسَديُّ، عن أبيه، قال: سمِعْتُ ابنَ عباسٍ يقولُ: لما دخَل إخوةُ يوسفَ، فعرَفهم وهم له مُنْكِرون، قال: جِيء بالصُّوَاعِ، فوضَعه على يدِه، ثم نقَره، فطنَّ، فقال: إنه لَيُخْبِرُني هذا الجامُ أنه كان لكم أخٌ من أبيكم، يقال له: يوسُفُ. يُدْنِيه دونَكم، وأنكم انْطَلَقْتُم به، فأَلْقَيْتُموه في غَيابةِ الجبِّ. قال: ثم نقَره، فطنَّ. فأتَيْتُم أباكم فقلتم: إن الذئبَ أكلَه. وجئتُم على قميصِه بدَمٍ كذِبٍ. قال: فقال بعضُهم لبعضٍ: إن هذا الجامَ لَيُخْبِرُه بخبرِكم. قال ابنُ عباسٍ: فلا نَرَى هذه الآية نزَلَت إلا فيهم ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (٣). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (١٦) قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (١٧)﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وجاء إخوةُ يوسُفَ أباهم بعدَما أَلْقَوْا يُوسُفَ فِي غَيابَةِ الجبِّ

стр. 8752

عشاءً يَبْكون. وقيل: إن معنى قولِه: ﴿نَسْتَبِقُ﴾: نَنْتَضِلُ مِن السباقِ، كما حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: أقْبَلوا إلى أبيهم عِشاءً يَبْكون، فلمَّا سمِع أصواتَهم فزِع، وقال: مالكم يا بَنِيَّ؟ هل أصابكم في غنمِكم شيءٌ؟ قالوا: لا. قال: فما فعَل يوسُفُ؟ ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾. فبكَى الشيخُ، وصاح بأعلى صوتِه، وقال: أين القميصُ؟ فجاءوه بالقميصِ عليه دمٌ كذِبٌ، فأخَذ القميصَ، فطرَحه على وجهِه، ثم بكَى، حتى تخَضَّب وجهُه مِنْ دمِ القميصِ (١). وقولُه: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾. يقولون: وما أنت بمُصَدِّقِنا على قِيلِنا: إن يوسُفَ أكَلَه الذئبُ ولو كنا صادقين. كما حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، عن أسباطَ، عن السديِّ: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ قال: بمُصَدِّقٍ لنا. [فإن قال لنا قائلٌ: كيف قيل: ﴿وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾، وقد علِمتَ أن قولَه: ﴿وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾] (٢) إما خبرٌ عنهم أنهم غيرُ صادقين، فذلك تكذيبٌ منهم أنفسَهم، أو خبرٌ منهم عن أبيهم أنه لا يُصَدِّقُهم لو صدَقوه، فقد علِمْتَ أنهم لو صدَقوا أباهم الخبرَ صدَّقهم؟ قيل: ليس معنى ذلك بواحدٍ منهما، وإنما معنى ذلك: وما أنت بمصدِّقٍ لنا ولو كنا مِن أهلِ الصدقِ الذين لا يُتَّهَمون، لسوء ظنِّك بنا، وتُهَمَتِك لنا.

стр. 8753

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾. وسمَّاه اللهُ كذبًا؛ لأن الذين جاءوا بالقميصِ وهو فيه كذَبوا، فقالوا ليعقوبَ: هو دمُ يوسُفَ، ولم يَكُنْ دمَه، وإنما كان دمَ سَخْلَةٍ فيما قيل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني أحمدُ بنُ عبدِ الصَّمَدِ الأنصاريُّ، قال: ثنا أبو أسامة، عن شبلٍ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾، قال: دمِ سَخْلَةٍ (١). حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شَبابةُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾. قال: دمِ سَخْلةٍ، شاةٍ. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿بِدَمٍ كَذِبٍ﴾. قال: دمِ سَخْلةٍ، يعني: شاةً. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿بِدَمٍ كَذِبٍ﴾. قال: دمِ سَخْلةٍ، شاةٍ. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن وَرْقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿بِدَمٍ كَذِبٍ﴾. قال: كان ذلك الدمُ كذبًا، لم يَكُنْ دمَ يوسفَ.

стр. 8754

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بِدَمٍ كَذِبٍ﴾. قال: دمِ سَخْلةٍ، شاةٍ. حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿بِدَمٍ كَذِبٍ﴾. قال: بدمِ سَخْلةٍ (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن السديِّ، قال: ذبحوا جَديًا من الغنم، ثم لطَّخوا القميص بدمه، ثم أقْبَلوا إلى أبيهم، فقال يعقوب: إن كان هذا الذئب لرحيمًا، كيف أكل لحمَه، ولم يَخْرِقْ قميصه؟ يا بُنَيَّ، يا يوسُفَ، ما فعل بك بنو الإماءِ (٢). حدَّثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا سفيان الثوريُّ، عن سماك بن حربٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباس: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾. قال: لو أكله السَّبُع لخَرَّق القميص. حدَّثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا أبو خالد، قال: ثنا سفيان بإسنادِه، عن ابن عباسٍ مثلَه، إلا أنه قال: لو أكله الذئبُ لخرَّق القميص. حدَّثنا محمد بن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن سماكٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾. قال: لو كان الذئبُ أكله لخرَّقه (٣).

стр. 8755

حدَّثني عبيدُ الله بن أبي زِيادٍ، قال: ثنا عثمان بن عمرٍو، قال: ثنا قُرَّةُ، عن الحسن، قال: جِيء بقميص يوسُفَ إلى يعقوبَ، فجعَل يَنْظُرُ إِليه، فيَرَى أثر الدم، ولا يَرَى فيه خَرْقًا، قال: يا بَنِيَّ، ما كنتُ أَعْهَدُ الذئبَ حليمًا؟ حدَّثنا أحمد بن عبد الصمد الأنصارىُّ، قال: ثنا أبو عامرٍ (١) العَقَدىُّ، عن قُرَّةَ، قال: سمِعْتُ الحسن يقولُ: لما جاءوا بقميص يوسفَ، فلم يَرَ يعقوبُ شَقًّا، قال: يا بَنِيَّ، واللهِ ما عهِدتُ الذئب حليمًا! حدَّثنا محمد بن المُثنَّى، قال: ثنا حمادُ بنُ مَسْعَدةَ، عن عِمْرانَ بنِ مسلمٍ، عن الحسن، قال: لما جاء إخوة يوسف بقميصه إلى أبيهم، قال: جعَل يُقَلِّبُه، فيقولُ: ما عهِدْتُ الذئب حليمًا، أكل ابنى، وأبقى على قميصِه (٢)! حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾. قال: لما أَتَوْا نبيَّ الله يعقوبَ بقميصه، قال: ما أَرَى أَثرَ سَبُعٍ ولا طَعْنٍ ولا خَرْقٍ (٣). حدَّثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ: ﴿بِدَمٍ كَذِبٍ﴾: الدمُ كذبٌ، لم يَكُنْ دمَ يوسُفَ (٤). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أَخْبَرنا مُجالِدٌ، عن الشعبيِّ، قال: ذبحوا جَدْيًا، ولطَّخوه مِن دمه، فلمَّا نظَر يعقوبُ إلى القميصِ

стр. 8756

صحيحًا، عرف أن القومَ كذبوه، فقال لهم: إن كان هذا الذئب لحليمًا، حيث رحم القميص، ولم يَرْحَم ابنى! فعرف أنهم قد كذبوه (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامة، عن سفيان، عن سماكٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾. قال: لما أُتى يعقوب بقميص يوسُفَ، فلم ير فيه خرقًا، قال: كذَبْتُم، لو أكَلَه السَّبُعُ لخَرَّق قميصه. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا إسحاق الأزرقُ ويَعْلَى، عن زكريا، عن سماكٍ، عن عامرٍ، قال: كان فى قميص يوسُفَ ثلاثُ آياتٍ، حين جاءوا على قميصه بدمٍ كذب. قال: وقال يعقوب: لو أكَلَه الذئبُ لخَرَّق قميصه (٢). حدَّثنا [الحسن بن محمدٍ] (٣)، قال: ثنا محمد، قال: ثنا زكريا، عن سماك، عن عامر أنه كان يقولُ: فى قميص يوسُفَ ثلاث آياتٍ؛ حين أُلْقِي على وجه أبيه فارْتَدَّ بصيرًا، وحين قُدَّ مِن دُبُرٍ، وحين جاءوا على قميصه بدم كذبٍ (٤). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن سماك، عن عامر، قال: كان في قميص يوسُفَ ثلاث آياتٍ؛ الشَّقُّ، والدمُ، وأَلْقاه على وجه أبيه فارْتَدَّ بصيرًا (٥). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا قُرَّةُ، عن الحسن، قال: لما جيء بقميص يوسُفَ إلى يعقوب، فرأى الدم، ولم يَرَ الشَّقَّ، قال: ما عهدتُ الذئب حليمًا!

стр. 8757

قال: ثنا حمادُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا قُرةُ، عن الحسن بمثله. فإن قال قائلٌ: كيف قيل: ﴿بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ وقد علِمْتَ أنه كان دمًا لا شكَّ فيه، وإن لم يَكُنْ كان دمَ يوسُفَ؟ قيل: فى ذلك من القول وجهان؛ أحدهما: أن يكون قيل: ﴿بِدَمٍ كَذِبٍ﴾؛ لأنه كُذِب فيه، كما يقالُ: الليلةَ الهلالُ. وكما قيل: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦]. وذلك قولٌ كان بعضُ نحويى البصرة يقولُه. والوجه الآخرُ: وهو أن يقال: هو مصدرٌ بمعنى مفعولٍ، وتأويلُه: وجاءوا على قميصه بدمٍ مكذوبٍ، كما يقالُ: ماله عقلٌ ولا معقولٌ، ولا له جَلَدٌ، ولا مجْلودٌ. والعربُ تَفْعَلُ ذلك كثيرًا، تَضَعُ مفعولًا في موضع المصدر، والمصدرَ في موضعِ مفعولٍ، كما قال الراعي (١): حتى إذا لم يَتْرُكوا لعِظامِه … لحمًا ولا لفؤادِه مَعقولا وذلك كان يقولُه بعضُ نحويى الكوفة. وقولُه: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾. يقول تعالى ذكره: قال يعقوب لبنيه الذين أخْبَروه أن الذئب أكَل يوسُفَ، مكذِّبًا لهم في خبرهم ذلك: ما الأمرُ كما تقولون: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾. يقولُ: بل زيَّنت لكم أنفسكم أمرًا في يوسُفَ وحسَّنَته، ففَعَلْتُموه. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾. قال: يقولُ: بل زَيَّنَت لكم أنفسكم أمرًا (٢).

стр. 8758

وقولُه: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾. يقولُ: فصبرى (١) على ما فعلتُم بي في أمرِ يوسُفَ صبرٌ جميلٌ، أو فهو صبرٌ جميلٌ. وقولُه: ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾. يقول: واللهَ أَسْتَعِينُ على كفايتي شرَّ ما تَصِفون من الكذب. وقيل: إن الصبر الجميل هو الصبرُ الذي لا جَزَعَ فيه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن نميرٍ، عن وَرْقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾. قال: ليس فيه جَزَعٌ (٢). حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله. حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله. حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو نعيمٍ، قال: ثنا سفيان، عن مجاهدٍ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾: في غيرِ جَزَعٍ. قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبد الله، عن وَرْقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله. قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرنا هشيمٌ، عن عبد الرحمن بن يحيى، عن

стр. 8759

حِبَّانَ بنِ أَبي جَبَلةَ، قال: سُئل رسول الله ﷺ عن قوله: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾، قال: "صبرٌ لا شَكْوَى فيه". قال: مَن بَثَّ فلم يَصْبِرْ (١). حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا عبد الرحمن ابنُ يحيى، عن حِبَّانَ بن أبي جَبَلَةَ، أن النبىَّ ﷺ سُئل عن قوله: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾. قال: "صبرٌ لا شكوى فيه". قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾: ليس فيه جَزَعٌ. حدَّثنا الحسن بن محمدٍ، قال: ثنا شَبابةُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله. حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوريُّ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾. قال: في غيرِ جَزَعٍ (٢). حدَّثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا الثوريُّ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله. حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أَخْبَرنا الثوريُّ، عن بعض أصحابه، قال: يقالُ: ثلاثٌ من الصبر؛ ألَّا تُحَدِّثَ بوجعك ولا بمصيبتِك (٣). ولا تُزَكِّى نفسَك (٤).

стр. 8760

قال: أخبرنا الثورىُّ، عن حبيب بن أبي ثابتٍ، أن يعقوب النبيَّ ﷺ كان قد سقط حاجباه، فكان يَرْفَعُهما بخرقةٍ، فقيل له: ما هذا؟ قال: طول الزمانِ، وكثرة الأحزان. فأوحى الله ﵎ إليه: يا يعقوب أتشكُوني؟ قال: يا ربِّ، خطيئةً أخطَأْتُها، فاغْفِرْها لي (١). وقوله: ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾. حدَّثنا بشرٌ قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾، أي: على ما تكذبون (٢). القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَابُشْرَى (٣) هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٩)﴾. يقول تعالى ذكره: وجاءت مارَّةُ الطريقِ مِن المسافرين ﴿فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ﴾، وهو الذي يَرِدُ المَنْهَلَ والمَنْزِلَ، ووُرودُه إياه مصيره إليه ودخولُه، ﴿فَأَدْلَى دَلْوَهُ﴾. يقولُ: أَرْسَل دَلْوَه فى البئرِ. يقالُ: أَدْلَيْتُ الدلو في البئرِ، إِذا أَرْسَلْتَها فيها (٤)، فإذا اسْتَقَيْتَ فيها (٥) قلتَ: دَلَوْتُ أَدْلُو دَلْوًا. وفى الكلام محذوفٌ اسْتُغْنى بدَلالة ما ذُكر عليه فتُرِك، وذلك: فأَدْلى دلْوَه، فتعلَّق به يُوسُفُ فخرج، فقال المُدْلى: يا بُشْرَى (٦) هذا غلامٌ.

стр. 8761

وبالذي قلنا في ذلك جاءت الأخبارُ عن أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن السدىِّ: ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ﴾: فتعلَّق يوسُفُ بالحبل فخرج، فلمَّا رآه صاحب الحبل نادى رجلًا من أصحابه يقال له: بُشْرَى: ﴿يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ﴾ (١). حدَّثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ: ﴿فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ﴾: فتشَبَّث الغلامُ بالدَّلْوِ، فلمَّا خرج قال: ﴿يَابُشْرَى (٢) هَذَا غُلَامٌ﴾ (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ﴾. يقالُ: أرْسَلوا رسولَهم، فلمَّا أدْلَى دَلْوَه تَشَبَّث بها الغلامُ قال: ﴿يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ﴾ (٤). واختلفوا في معنى قوله: ﴿يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ﴾؛ فقال بعضُهم: ذلك تَبْشِيرٌ من المُدلى دلوه أصحابه في إصابته يوسف بأنه أصاب عبدًا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿قَالَ يَابُشْرَى (٥) هَذَا

стр. 8762

غُلَامٌ﴾: تباشروا به حين أخرجوه، وهى بئرٌ بأرض بيت المقدس معلومٌ مكانُها (١). حدَّثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثور، عن معمرٍ، عن قَتادةَ: ﴿يَابُشْرَى (٧) هَذَا غُلَامٌ﴾. قال: بشَّرَهم واردهم حين وجد يوسُفَ (٢). وقال آخرون: بل ذلك اسم رجل من السيَّارة بعينه ناداه المُدْلِى لمَّا خرج يوسُفُ مِن البئرِ مُتَعَلِّقًا بالحبل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو بن محمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: ﴿يَابُشْرَى (٣) هَذَا غُلَامٌ﴾. قال: نادَى رجلًا من أصحابه يقال له: بُشْرَى. فقال: ﴿يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ﴾ (٢). حدَّثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا خلف بن هشام، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن قيس بن الربيع، عن السدىِّ فى قوله: ﴿يَابُشْرَى (٤) هَذَا غُلَامٌ﴾. قال: كان اسم صاحبِه بُشْرَى (٥). حدَّثني المُثنَّى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن أبي حمادٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ ظُهَيْرٍ، عن السدىِّ فى قوله: ﴿يَابُشْرَى (٦) هَذَا غُلَامٌ﴾. قال: اسمُ

стр. 8763

الغلامِ بُشْرَى. قال: يا بُشْرَى. كما تقولُ: يا زيد (١). واخْتَلَفَت القرأةُ فى قراءة قوله (٢) ذلك؛ فقرأ ذلك عامة قرأة أهل المدينة: (يا بُشْرَىَّ) (٣). بإثباتِ ياءِ الإضافة، غير أنه أدْغَم الألفَ في الياء طلبًا للكسرة التي تَلْزَمُ ما قبل ياء الإضافة من المتكلم فى قولهم: غلامي وجاريتي. في كلِّ حالٍ، وذلك من لغة طيِّىٍ، كما قال أبو ذُؤَيبٍ (٤): سبقوا هَوَىَّ وأَعْنَقوا لَهَواهُمُ … فتُخُرِّموا ولكلِّ جنبٍ مَصْرَعُ (٥) وقرأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفيين: ﴿يابُشْرَى﴾. بإرسال الياء وترك الإضافة (٦). وإذا قُرِئ ذلك كذلك، احْتَمَل وجهين من التأويل: أحدهما: ما قاله السدىُّ، وهو أن يكونَ اسم رجلٍ دعاه المُسْتَقِى باسمه، كما يقال: يا زيد، ويا عمرُو. فيكونُ "بُشْرَى" في موضع رفعٍ بالنداء. والآخرُ: أن يكون أراد إضافةَ البُشْرَى إلى نفسه، فحذف الياء وهو يُرِيدُها، فيكونُ مُفْرَدًا وفيه نيَّةُ الإضافة، كما تَفْعَلُ العرب فى النداء فتقولُ: يا نفسُ اصْبِرى،

стр. 8764

ويا نَفْسِ (١) اصْبرى، ويا بُنيُّ لا تَفْعَلْ، ويا بُنَيِّ لا تَفْعَلْ. فتُفْرِدُ وتَرْفَعُ وفيه نيةُ الإضافة، وتُضِيفُ أحيانًا فتَكْسِرُ، كما تقولُ: يا غلامُ أَقْبِلْ، ويا غلامِ (٢) أَقْبِلْ. وأعْجَبُ القراءاتِ (٣) فى ذلك إلىَّ قراءة من قرأه بإرسال الياء وتسكينها؛ لأنه إن كان اسم رجلٍ بعينه، كان معروفًا فيهم، كما قال السدىُّ، فذلك هي القراءة الصحيحة لاشكَّ فيها، وإن كان من التبشير فإنه يَحْتَمِلُ ذلك إِذا قُرِئَ كذلك على ما بيَّنتُ. وأما التشديد والإضافة فى الياء فقراءةٌ شاذَّةٌ لا أرى القراءة بها، وإن كانت لغةً معروفةً؛ لإجماع الحُجَّة من القرأة على خلافها. وأما قوله: ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾. فإن أهل التأويل اخْتَلَفوا في تأويله؛ فقال بعضُهم: وأسَرَّه الواردُ المُسْتَقِى وأصحابُه من التُّجار الذين كانوا معهم، وقالوا لهم: هو بضاعةٌ اسْتَبْضَعْناها بعضَ أهل مصر؛ لأنهم خافوا إن علموا أنهم اشْتَرَوْه بما اشْتَرَوْه به أن يطلبوا منهم (٤) فيه الشَّركة. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾. قال: صاحبُ الدَّلْوِ ومن معه قالوا لأصحابهم: إنما اسْتَبْضَعْناه. خِيفةَ أن يَشْرَكوهم فيه إن علموا بثمنه، وتبعهم إخوتُه

стр. 8765

يقولون للمُدْلِى وأصحابه: اسْتوثِقْ منه لا يَأْبَقْ. حتى وقفوه بمصر، فقال: مَن يبْتاعُنى ويُبَشَّرَ؟ فاشتراه الملِك، والملكُ مُسْلِمٌ (١). حدَّثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شَبابةُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوه، غير أنه قال: خِيفةَ أن يَسْتَشْرِكوهم إن علموا به، واتَّبَعَهم إخوته يقولون للمُدْلِى وأصحابه: اسْتوثِقوا منه لا يَأْبَق. حتى أوْقَفوه بمصر. وسائر الحديث مثل حديثِ محمدِ بنِ عمرٍو (٢). حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ. قال: وثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن وَرْقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوه، غير أنه قال: خيفة أن يُشاركوهم فيه إن علموا بثمنه. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ بنحوه، إلا أنه قال: خيفةَ أن يَسْتَشْرِكوهم فيه إن علموا ثمنه. وقال أيضًا: حتى أوْقَفوه بمصر. حدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو بن محمد، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ: ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾. قال: لما اشْتَراه الرجلان فَرِقَا مِن الرُّفْقَةِ أَن يقولوا: اشْتَرَيْناه. فيسألونهم (٣) الشركة، فقالا: إن سألونا: ما هذا؟ قلنا: بضاعةٌ اسْتَبْضَعْناه أهل الماء.

стр. 8766

فذلك قولُه: ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾ بينَهم (١). وقال آخرون: بل معنى ذلك: وأسَرَّه (٢) التجارُ بعضُهم من بعض. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيان، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾. قال: أسرَّه (٣) التجارُ بعضُهم من بعض (٤). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ الفضلُ، قال: ثنا سفيان، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾. قال: أَسَرَّه (٥) التجارُ بعضُهم من بعض. وقال آخرون: معنى ذلك: وأَسَرُّوا بيعَه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة: ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾. قال: أَسَرُّوا بيعَه (٦). حدَّثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا قيسٌ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ:

стр. 8767

﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾. قال: قالوا لأهل الماء: إنما هو بضاعةٌ (١). وقال آخرون: إنما عَنى بقوله: ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾. إخوة يوسفَ أنهم أسَرُّوا شأن يوسُفَ أن يكون أخاهم، قالوا: هو عبدٌ لنا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾. يعنى: إخوة يوسُفَ أَسَرُّوا شأنه، وكتموا أن يكون أخاهم، وكتم يوسُفُ شأنه، مخافة أن يَقْتُلَه إخوته، واختار البيع، فذكره إخوته لوارد القوم، فنادى أصحابه، قال: يا بُشْرَى (٢)، هذا غلامٌ يُباع. فباعه إخوته (٣). وأولى هذه الأقوال بالصواب قولُ مَن قال: وأسرَّ وارد القوم المُدْلِى دلوه ومن معه من أصحابه مِن رُفقته السيَّارةِ، أمْرَ يوسُفَ أنهم اشْتَرَوْه؛ خيفةً منهم أن يَسْتَشْرِكوهم، وقالوا لهم: هو بضاعةٌ أبْضَعها معنا أهلُ الماءِ. وذلك أنه عَقِبَ (٤) الخبر عنه، فلأن يكونَ ما وليه من الخبر خبرًا عنه، أشبهُ مِن أن يكون خبرًا عمَّن هو بالخبر عنه غيرُ متَّصِل. وقولُه: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾. يقول تعالى ذكره: والله ذو علمٍ بما يَعْمَلُه باعةُ يوسُفَ ومُشْتَروه في أمره، لا يَخْفَى عليه من ذلك شيءٌ، ولكنه ترك تغيير

стр. 8768

ذلك ليُمْضِىَ فيه وفيهم حكمه السابق فى علمه، وليُرِيَ إخوة يوسُفَ ويوسُفَ وأباه قدرته فيه. وهذا وإن كان خبرًا مِن الله تعالى ذكره عن يوسُفَ نبيِّه ﷺ ، فإنه تذكيرٌ من الله نبيَّه محمدًا ﷺ ، وتسليةٌ منه له عما كان يَلْقى من أقربائه وأنسبائه المشركين من الأذى فيه، يقولُ له: فاصْبِرْ يا محمد على ما نالك في الله، فإني قادرٌ على تغيير ما ينالُك به هؤلاء المشركون، كما كنتُ قادرًا على تغيير ما لقِى يُوسفُ مِن إخوته (١) في حال ما كانوا يَفْعَلون به ما فعلوا، ولم يَكُن ترْكى ذلك لهوانٍ بيوسُفَ (٢) علىَّ، ولكن لماضى (٣) علمى فيه وفى إخوته. فكذلك تركي تغيير ما يَنالُك به هؤلاء المشركون لغيرِ هَوانٍ بك علىَّ، ولكن لسابق علمى فيك وفيهم، ثم يَصِيرُ أمرك وأمرهم إلى عُلُوِّك عليهم، وإذعانهم لك، كما صار أمر إخوة يوسف إلى الإذعان ليوسُفَ بالسُّؤْدُدِ عليهم، وعلوِّ يوسف عليهم. القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (٢٠)﴾. يعنى تعالى ذكره بقوله: ﴿وَشَرَوْهُ﴾ (٤): وباع إخوة يوسُفَ يوسُفَ. فأما إذا أراد الخبر عن أنه ابتاعه، قال: اشْتَرَيْتُه. ومنه قولُ ابنِ مُفَرِّغٍ الحميريِّ (٥).

стр. 8769

وشرَيْتُ بُرْدًا ليْتَنى … مِن قَبْلِ بُرْدٍ كنتُ هامَهْ يقولُ: بِعْتُ بُرْدًا. وهو عبدٌ كان له. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوب، قال: ثنا إبراهيمُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن مغيرةَ، عن أبي مَعْشَرٍ، عن إبراهيم أنه كره الشراء والبيع للبدوىِّ، قال: والعربُ تقول: اشْرِ (١) لى كذا وكذا. أى: بِعْ لى كذا وكذا. وتلا هذه الآية: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾. يقولُ: باعوه، وكان بيعُه حرامًا (٢). حدَّثنا الحسن بن محمدٍ، قال: ثنا شَبابةُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: إخوة يوسفَ أحد عشر رجلًا، باعوه حينَ أَخْرَجه المُدْلِى بدَلْوه (٣). حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ بمثله. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، وثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن وَرْقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ مثله. حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن

стр. 8770

مجاهدٍ مثله. قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿وَشَرَوْهُ﴾. قال: قال ابن عباس: فبيع بينهم (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيمٌ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ فى قوله: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾. قال: باعوه (٢). حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيمٌ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ مثله. حدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: فباعه إخوته بثمنٍ بخسٍ (١). وقال آخرون: بل عنَى بقوله: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾. السيَّارَةَ أنهم باعوا يوسُفَ بثمنٍ بخسٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾: وهم السيارةُ الذين باعوه (٣). وأولى القولين فى ذلك بالصواب قولُ من قال: تأويل ذلك: وشرى (٤) إخوةُ

стр. 8771

يوسُفَ يوسفَ بثمنٍ بخسٍ. وذلك أن الله قد أَخْبَر عن الذين اشْتَرَوه أنهم أسَرُّوا شراءَ يوسُفَ مِن أصحابهم (١)؛ خيفةَ أن يَسْتَشْرِكوهم (٢) بادِّعائهم أنه بضاعةٌ، ولم يقولوا ذلك إلا رغبة فيه أن يَخْلُص لهم دونَهم، واستِرْخاصًا لثمنِه الذى ابْتاعوه به؛ لأنهم ابتاعوه كما قال جلّ ثناؤُه: ﴿بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾. ولو كان مُبتاعوه من إخوتِه فيه من الزاهدين، لم يَكُنْ لقيلهم لرفقائهم: هو بضاعةٌ. معنًى، ولا كان لشرائهم إياه. وهم فيه من الزاهدين وجهٌ، إلا أن يكونوا كانوا مغلوبًا على عقولهم؛ لأنه محالٌ أن يَشْتَرِى صحيحُ العقل ما هو فيه زاهد، من غير إكراه مُكْرِهٍ له عليه، ثم يَكْذِبَ فى أمره الناس بأن يقول: هو بضاعةٌ لم أَشْتَرِه. مع زهده فيه، بل هذا القولُ مِن قولِ مَن هو بسلعتِه (٣) ضَنينٌ؛ لنفاستها عندَه، ولما يَرْجُو مِن نفيسِ الثمنِ لها وفضلِ الربحِ. وأما قوله: ﴿بَخْسٍ﴾. فإنه يعنى: نَقْصٍ. وهو مصدر من قول القائل: بخَسْتُ فلانًا حقَّه -إذا ظلمَه (٤) فنقصه عما يَجِبُ له مِن الوفاءِ- أَبْخَسُه بَخْسًا. ومنه قوله: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [الأعراف: ٨٥]. وإنما أُريد: بثمنٍ مَبْخوسٍ مَنْقوصٍ، فوُضِع البخسُ وهو مصدرٌ، مكان "مفعولٍ"، كما قيل: ﴿بِدَمٍ كَذِبٍ﴾. وإنما هو: بدمٍ مكذوبٍ فيه. واخْتَلَف أهل التأويل فى معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: قيل: ﴿بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾. لأنه كان حرامًا عليهم.

стр. 8772

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا المحاربيُّ، عن جُويبرٍ، عن الضحاك: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾. قال: البخسُ الحرامُ (١). حدَّثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا على بن عاصم، عن [جويبرٍ، عن الضحاك: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾. قال: حرامٍ. حُدِّثت عن] (٢) الحسين بن الفرج، قال: سمعْتُ أَبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عُبيدُ بنُ سليمان، قال: سمِعْتُ الضحاك يقولُ: كان ثمنه بخسًا حرامًا، لم يَحِلَّ لهم أن يأكُلوه (٣). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَونٍ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن جويبرٍ، عن الضحاك في قوله: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾. قال: باعوه بثمنٍ بخسٍ. قال: كان بيعُه حرامًا، وشراؤُه حرامًا (٤). حدَّثنى القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أَخْبَرنا جُويبرٌ، عن الضحاك: ﴿بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾. قال: حرام. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾. يقولُ: لم يَحِلَّ لهم أن يَأْكلوا ثمنه (٥).

стр. 8773

وقال آخرون: معنى البَخْسِ هاهنا الظلمُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾. قال: البخسُ هو الظلم، وكان بَيْعُ يوسُفَ (١) حرامًا عليهم [بيعُه وثمنُه] (٢). حدَّثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمرٍ، قال: قال قتادة: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾. قال: ظلمٍ (٣). وقال آخرون: عنى بالبخس فى هذا الموضع القليل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن قيسٍ، عن جابرٍ، عن عامرٍ، قال: البخسُ القليلُ (٤). حدَّثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا قيسٌ، عن جابرٍ، عن عكرمة مثله (٥).

стр. 8774

وقد بيَّنا الصحيحَ مِن القولِ فى ذلك. وأما قولُه: ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾. فإنه يعنى أنهم باعوه بدراهم غير موزونةٍ، ناقصةٍ غيرِ وافيةٍ، لزهدهم كان فيه. وقيل: إنما قيل (١): ﴿مَعْدُودَةٍ﴾. ليُعْلَمَ بذلك أنها كانت أقلَّ من أربعين درهمًا؛ لأنهم كانوا فى ذلك الزمان لا يزنون ما كان وزنُه أقلَّ من أربعين، لأن أقلَّ أوزانِهم وأصغرَها كان الأوقية، وكان وزنُ الأوقية أربعين درهمًا. قالوا: وإنما دلَّ بقوله: ﴿مَعْدُودَةٍ﴾، على قلة الدراهم التي باعوه بها. فقال بعضُهم: كان عشرين درهمًا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا حميدُ بنُ عبد الرحمن، عن زُهَيْرٍ، عن أبي إسحاق، عن أبي عُبيدةَ، عن عبدِ اللهِ، قال: إن ما اشْتُرِى به يوسُفُ عشرون درهمًا (٢). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن أبي إسحاق، عن أبي عُبيدةَ، عن عبدِ اللهِ: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾. قال: عشرون درهمًا. حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاق، عن نَوفٍ البكالىِّ فى قوله: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾. قال:

стр. 8775

عشرون درهمًا (١). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن نوفٍ الشاميِّ (٢): ﴿بَخْسٍ دَرَاهِمَ﴾. قال: كانت عشرين درهمًا. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن أبي إسحاق، عن نوفٍ مثلَه. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ في قوله: ﴿بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾. قال: عشرون درهمًا (٣). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسباطَ، عن السدىِّ: ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾. قال: كانت عشرين درهمًا (٤). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ذُكِر لنا أنه بِيع بعشرين درهمًا، ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾. حدَّثنا محمدُ بنُ عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ مثله (٥). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، عن ابن (٦) إدريس، عن عطية،

стр. 8776

قال: كانت الدراهمُ عشرين درهمًا، اقْتَسَموها درهمين درهمين (١). وقال آخرون: بل كان (٢) عددُها اثنين وعشرين درهمًا (٣)، أَخَذ كلُّ واحدٍ مِن إخوة يوسُفَ، وهم أحدَ عشَرَ رجلًا، درهمين درهمين منها. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، [قال: ثنا شبابةُ] (٤)، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾. قال: اثنين وعشرين درهمًا (٥). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾. قال: اثنان وعشرون درهمًا، لإخوة يوسُفَ أحدَ عَشَرَ رجلًا. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾. قال: وثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عَن وَرْقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوه. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن

стр. 8777

مجاهدٍ بنحوه. وقال آخرون: بل كانت أربعين درهمًا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيز، قال: ثنا قيسٌ، عن جابرٍ، عن عكرمة: ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾. قال: أربعين درهمًا (١). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق، قال: باعوه، ولم يَبْلُغْ ثمنُه الذي باعوه به أُوقيةً، وذلك أن الناس كانوا يتبايعون في ذلك الزمانِ بالأَواقىِّ، فما قصَّر عن الأُوقيَّةِ فهو عددٌ، يقولُ اللهُ: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾. أى: لم تَبْلُغ (٢) الأوقية. والصوابُ مِن القولِ فى ذلك أن يقال: إن الله تعالى ذكرُه أخْبرَ أنهم باعوه بدراهمَ معدودةٍ غير موزونةٍ، ولم يَحُدَّ مبلغَ ذلك بوزنٍ ولا عددٍ، ولا وضَع عليه دلالةً في كتاب، ولا خبر من (٣) الرسول ﷺ ، وقد يَحْتَمِلُ أن يكون كان عشرين، ويَحْتَمِلُ أن يكونَ كان اثنين وعشرين، وأن يكون كان أربعين، وأقلَّ من ذلك وأكثر، وأىُّ ذلك كان، فإنها كانت معدودةً غير موزونةٍ، وليس في العلم بمبلغ وزنِ ذلك فائدةٌ تَقَعُ فى دينٍ، ولا فى الجهل به دخولُ ضُرٍّ فيه، والإيمانُ بظاهر التنزيل فرضٌ، وما عداه فموضوعٌ عنا تكلُّفُ علمِه. وقولُه: ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وكان إخوةُ

стр. 8778

يوسُفَ في يوسُفَ من الزاهدين، لا يَعْلَمون كرامته على (١) اللهِ، ولا يَعْرِفون مَنْزِلَتَه عنده، فهم مع ذلك يُحِبُّون أن يَحولوا بينه وبين والدِه ليَخْلُو لهم وجهُه منه، ويَقْطَعوه عن القرب منه؛ لتكونَ المنافعُ التي كانت مصروفةً إلى يوسُفَ دونَهم مصروفةً إليهم. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، عن أبي روْقٍ (٢)، عن جويبرٍ، عن الضحاك: ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾. قال: لم يَعْلَموا بنبوَّته ومنزلتِه من الله (٣). حُدِّثْتُ عن الحسين بن الفرج، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمان، قال: سمِعْتُ الضحاك فى قوله: ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ﴾: فنزَلَت على الجُبِّ ﴿فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ﴾، فاسْتَقَى مِن الماءِ، فاسْتَخْرَج يوسُف، فاسْتَبْشَروا بأنهم أصابوا غلامًا، لا يَعْلَمون علمَه ولا منزلتَه من ربِّه، فزهدوا فيه، فباعوه، وكان بيعُه حرامًا، وباعوه بدراهمَ معدودةٍ (٤). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى هُشيمٌ، قال: أَخْبَرنا جُويبرٌ، عن

стр. 8779

الضحاك: ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾. قال: إخوتُه زهِدوا [فيه، لم] (١) يَعْلَموا منزلته من الله ونبوتَه ومكانتَه (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: إخوتُه زهِدوا فيه، لم يَعْلَموا منزِلتَه مِن اللهِ. القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢١)﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وقال الذى اشْتَرَى يوسُفَ من بائعه بمصر. وذُكر أن اسمَه قُطْفيرُ (٣). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: كان اسمُ الذى اشْتَراه قُطْفيرَ (٤). وقيل: إن اسمَه أطفيرُ بنُ روحيبَ، وهو العزيزُ، وكان على خَزائن مصرَ، وكان الملكُ يومَئذٍ الرَّيَّانَ بنَ الوليدِ، رجلٌ مِن العَمالِيقِ. كذا (٥) حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ (٦).

стр. 8780

وقيل: إن الذي باعه (١) بمصر كان مالك بن دعرَ (٢) بن تويب (٣) بن عفقا (٤) بن مَدْيان بن إبراهيمَ. كذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق، عن محمدِ بنِ السائب، عن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ (٥). ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ﴾. واسمُها فيما ذكر ابنُ إسحاق راعيلُ [بنتُ رعائيل] (٦). حدَّثنا بذلك ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق (٧). ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾. يقولُ: أَكْرِمى موضع مُقامه، وذلك حيث يثوى ويُقِيمُ فيه، يقالُ: ثوَى فلانٌ بمكان كذا. إذا أقام فيه. وبنحو الذى قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.

стр. 8781

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾: منزلته، وهى امرأةُ العزيز (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾. قال: منزلته. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال (٢): اشتراه الملكُ، والملكُ مسلمٌ (٣). وقولُه: ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾. ذُكِر أَن مُشْتَرِيَ يوسُفَ قال هذا القول لامرأته حين دفعه إليها؛ لأنه لم يكن له ولدٌ، ولم [يكنْ يَأْتي] (٤) النساء، فقال لها: أكْرِميه عسى أن يَكْفِينا بعض ما نُعانى مِن أمورنا، إذا فهم الأمورَ التي يُكَلَّفُها وعرَفها، ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾. يقولُ: أَو نَتَبَنَّاه. حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: كان أطفيرُ فيما ذُكر لى رجلًا لا يأتى النساء، وكانت امرأتُه راعيلُ امرأةً حسناءَ ناعمةً طاعِمةً في مُلكٍ ودُنْيا (٥). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي

стр. 8782

الأحوص، عن عبدِ اللهِ، قال: أَفْرَسُ الناس ثلاثةُ؛ العزيزُ حينَ تفَرَّس فى يوسُفَ، فقال لامرأته: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾. وأبو بكرٍ حين تفَرَّس في عمرَ، والتى قالت: ﴿يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ (١) [القصص: ٢٦]. حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، قال:، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ، قال: انطُلِق بيوسُفَ إلى مصر، فاشْتراه العزيزُ ملكُ مصرَ، فانطَلَق به إلى بيتِه، فقال لامرأته: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ (٢). حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي عُبيدةَ، عن عبدِ اللهِ، قال: أفرسُ الناس ثلاثةٌ؛ العزيزُ حينَ قال لامرأتِه: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾. والقومُ فيه زاهدون، وأبو بكرٍ حين تفَرَّس في عمر فاسْتَخْلَفه، والمرأةُ التي قالت: ﴿يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ (٣). وقولُه: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ : وكما أنْقَذْنا يوسُفَ مِن أيدى إخوته وقد همُّوا بقتله، وأَخْرَجْناه مِن الجُبِّ بعدَ أن أُلْقِيَ فيه، فصيَّرْناه إلى الكرامة والمنزلة الرفيعة عند عزيز مصر، كذلك مكَّنَّا له في الأرض

стр. 8783

فجعَلْناه على خزائنها. وقولُه: ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وكى نُعَلِّمَ يوسُفَ من عبارةِ الرُّؤْيا مكَّنَّا له في الأرضِ. كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾. قال: عبارةِ الرُّؤْيا (١). حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شَبابةُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ بمثله (٢). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾. قال: تعبير الرُّؤْيا. حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامة، عن شِبْلٍ، عن ابن أبي نجيحٍ، [عن مجاهدٍ] (٣): ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾. قال: عبارةِ الرُّؤْيا (٤). وقولُه: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: واللهُ مُسْتَوْلٍ على أمرِ يوسُفَ يَسُوسُه ويُدَبِّرُه ويَحوطُه. والهاءُ فى قوله: ﴿عَلَى أَمْرِهِ﴾. عائدةٌ على يوسُفَ. ورُوى عن سعيد بن جبيرٍ فى معنى: ﴿غَالِبٌ﴾. ما حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي حَصِينٍ، عن سعيد بن جبيرٍ: ﴿وَاللَّهُ

стр. 8784

غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾. قال: فَعَّالٌ (١). وقولُه: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: ولكنَّ أكثرَ (٢) الذين زهِدوا في يوسُفَ فباعوه بثمنٍ خَسيسٍ، والذين صار بينَ أظهرِهم مِن أهلِ مصرَ حينَ بِيع فيهم، لا يَعْلَمون ما اللهُ بيوسُفَ صانعٌ، وإليه يوسُفُ مِن أمرِه صائرٌ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢)﴾. يقول تعالى ذكرُه: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ﴾ يوسُفُ ﴿أَشُدَّهُ﴾. يقولُ: ولمَّا بَلَغَ مُنْتَهى شدتِه وقوتِه فى شبابِه وحَدِّه، وذلك فيما بينَ ثمانيَ عشرةَ سنةً إلى ستين سنةً، وقيل: إلى أربعين سنةً. يقالُ منه: مضَت أشُدُّ الرجلِ. أى: شدتُه. وهو جمعٌ مثلُ الأضُرِّ والأُشُرِّ (٣) لم يُسْمَعْ له بواحدٍ مِن لفظِه، ويَجِبُ فى القياسِ أن يكونَ واحدُه "شَدٌّ"، كما واحدُ الأضُرِّ ضَرٌّ، وواحدُ [الأشُرِّ شَرٌّ] (٤)، كما قال الشاعرُ (٥): هل غيرُ أن كثُر الأشُرُّ (٦) وأَهْلَكَت … حَرْبُ المُلوكِ أكاثِرَ الأموالِ وقال حُميدٌ:

стр. 8785

وقد أتَى لو تُعْتِبُ العَواذِلُ … بعدَ الأَشُدِّ أربعٌ كَوامِلُ وقد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى الذى (١) عنَى اللهُ به فى هذا الموضعِ مِن مبلغِ "الأشُدِّ"؛ فقال بعضُهم: عُنِى به ثلاثٌ وثلاثون سنةً. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ وكيعٍ والحسنُ بنُ محمدٍ، قالا: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾. قال: ثلاثًا وثلاثين سنةً (٢). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. [حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ مثلَه] (٣). حُدِّثْتُ عن علىِّ بنِ الهيثمِ، عن بشرِ بنِ المفضلِ، عن عبدِ اللهِ بنِ عثمانَ بنِ خُثَيْمٍ (٤)، عن مجاهدٍ، قال: سمعتُ ابنَ عباسٍ يقولُ في قولِه: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾. قال: بضعًا وثلاثين سنةً (٥). وقال آخرون: بل عُنِى به عشرون سنةً.

стр. 8786

ذكرُ مَن قال ذلك حُدِّثْتُ عن علىِّ بنِ المسيبِ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾. قال: عشرين سنةً (١). ورُوِى عن ابنِ عباسٍ مِن وجهٍ غيرِ مَرْضىٍّ أنه قال: ما بينَ ثمانيَ عشْرةَ سنةً إلى ثلاثين. وقد بيَّنْتُ معنى "الأشُدِّ". وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إن اللهَ أخْبَر أنه آتَى يوسُفَ لمَّا بلَغ أشُدَّه حُكْمًا وعلمًا. والأشُدُّ هو انتهاءُ قوتِه وشبابِه، وجائزٌ أن يكونَ آتاه ذلك وهو ابنُ ثمانيَ عشْرةَ سنةً، وجائزٌ أن يكونَ آتاه وهو ابنُ عشرين سنةً، وجائزٌ أن يكونَ آتاه وهو ابنُ ثلاثٍ وثلاثين سنةً، ولا دلالةَ [له في كتابٍ] (٢) ولا أثرٍ عن الرسولِ ﷺ ولا في إجماعِ الأمةِ، على أىِّ ذلك كان، وإذ لم يَكُنْ ذلك موجودًا مِن الوجهِ الذى ذكَرْتُ، فالصوابُ أن يقالَ فيه كما قال حتى تَثْبُتَ حجةٌ بصحةِ ما قيل في ذلك مِن الوجهِ الذى يَجِبُ التسليمُ له، فيُسَلَّمَ لها حينَئذٍ. وقولُه: ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أعْطَيْناه حينَئذٍ الفهمَ والعلمَ. كما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾. قال: العقلَ والعلمَ قبل النبوةِ (٣).

стр. 8787

وقولُه: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وكما جزَيْتُ يوسُفَ فآتَيْتُه بطاعتِه إياى الحكمَ والعلمَ، ومكَّنْتُه فى الأرضِ، واسْتَنْقَذْتُه مِن أيدى إخوتِه الذين أرادوا قتلَه، كذلك نَجْزِى مَن أَحْسَن فى عملِه فأطاعنى فى أمرى، وانْتَهَى عما نهَيْتُه عنه مِن معاصىَّ. وهذا وإن كان مخرجُ ظاهرِه على كلِّ محسنٍ، فإن المرادَ به محمدٌ نبيُّ الله ﷺ يقولُ له : كما فعَلْتُ هذا بيوسُفَ مِن بعدِ ما لقِى مِن إخوتِه ما لقِى وقاسَى مِن البلاءِ ما قاسَى، فمكَّنْتُه في الأرضِ، ووطَّأْتُ له في البلادِ، فكذلك أَفْعَلُ بك، فأُنَجِّيك مِن مشركي قومِك الذين يَقْصِدونك بالعَداوةِ، وأُمَكِّنُ لك في الأرضِ، وأُوتِيك الحكمَ والعلمَ؛ لأن ذلك جَزائي أهل (١) الإحسانِ في أَمْرِى ونهيي. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾. يقولُ: المُهْتدِين (٢). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وراوَدَت امرأةُ العزيزِ، وهى التي كان يوسفُ في بيتِها، عن نفسِه أن يُواقِعَها. كما حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ولما بلَغ أَشُدَّه،

стр. 8788

راوَدَته التي هو في بيتِها عن نفسِه، امرأةُ العزيزِ (١). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾. قال: أحَبَّته (٢). قال: ثني أبي، عن إسرائيلَ، عن أبي حَصِينٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: قالت: تَعالَهْ (٣). وقولُه: ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ﴾. يقولُ: وغلَّقَت المرأةُ أبوابَ البيوتِ عليها وعلى يوسُفَ، لما أرادت منه وراوَدَته عليه، بابًا بعدَ بابٍ. وقولُه: ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾. اختَلَفَت القرَأَةُ في ذلك؛ فقرَأَته عامةُ قرَأَةِ الكوفةِ والبصرةِ: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ بفتحِ الهاءِ والتاءِ (٤)، بمعنى: هلمَّ لك، وادْنُ وتقَرَّبْ. كما قال الشاعرُ لعلىِّ بنِ أبى طالبٍ رضوانُ الله عليه (٥): أبلِغْ أميرَ المؤمنـ … ــين أخا العِراقِ إذا أتَيْتَا أنّ العِراقَ وأهلَه … عُنُقٌ (٦) إليك فَهَيْتَ هَيْتَا يعني: تعالَ واقْرُبُ. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك تأوَّله مَن قرَأه كذلك.

стр. 8789

حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ المُخَرِّمىُّ، قال: ثنا أبو الجَوَّابِ، قال: ثنا عمارُ بنُ رُزَيقٍ (١)، عن الأعمشِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾. قال: هلُمَّ لك (٢). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾. قال: هلمَّ لك (٣). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ [قولَه: ﴿قَالَتْ] (٤) هَيْتَ لَكَ﴾. تقولُ (٥): هلمَّ لك (٦). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا حمادٌ، عن عاصمِ ابنِ بَهْدَلةَ، عن زِرِّ بنِ حُبَيْشٍ أنه كان يَقْرِأُ هذا الحرفَ: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ نصبًا، أيْ: هلُمَّ لك (٧). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ: قال ابنُ عباسٍ قولَه: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾. قال: تقولُ: هَلُمَّ لك. حدَّثني أحمدُ بنُ سُهَيْلٍ الواسطىُّ، قال: ثنا قُرَّةُ بنُ عيسى، قال: ثنا النَّضْرُ بنُ عربيٍّ (٨) الجَزَرىُّ، عن عِكرمةَ مولى ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾. قال: هلُمَّ

стр. 8790

لك. قال: هي بالحَوْرانيةِ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾. قال: كان الحسنُ يقولُ: هَلُمَّ لك. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، عن الحسنِ: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾. يقولُ بعضُهم: هلُمَّ لك (٢). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، عن أسْباطَ، عن السدىِّ: ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾. قال: هلُمَّ لك، وهى بالقِبْطيةِ (٣). حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبدُ الوهَّابِ بنُ عطاءٍ، عن عمرٍو، عن الحسنِ: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾، قال: كلمةٌ بالسُّرْيانيةِ، أي: عليك (٤). حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبدُ الوهَّابِ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن الحسنِ: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾. قال: هلمَّ لك. حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا خلفُ بنُ هشامٍ، قال: ثنا محبوبٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾. قال: هلمَّ لك. قال: ثنا عفَّانُ، قال: ثنا حمادٌ، عن عاصمٍ، عن زِرٍّ: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾. أى: هلمَّ.
следующие страницы →