← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 8821–8860 · переход к 8826.

стр. 8821

﴿قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾ إنه راوَدَني عن نفسي، فدفَعْتُه عن نفسي، فشقَقْتُ قميصَه. قال يوسُفُ: بل هي راوَدَتْني عن نفسي، وفَرَرْتُ منها فأَدْرَكَتْني، فشقَّت قميصي. فقال ابن عمِّها: تِبْيانُ هذا في القميصِ، فإن كان القميصُ قُدَّ مِن قُبُل، فصدَقَت وهو مِن الكاذبين، وإن كان القميصُ (١) قُدَّ مِن دبرٍ، فكذَبَت وهو مِن الصادقين. فأُتِى بالقميصِ، فوجَدَه قُدَّ مِن دبرٍ، ﴿قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (٢٩)﴾ (٢). حدّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾: إطفيرَ قائمًا على بابِ البيتِ، فقالت وهابَتْه: ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. ولطَخَته مكانَها بالسيئةِ، فَرَقًا مِن أن يَتَّهِمَها صاحبُها على القبيحِ، فقال هو، وصدَقه الحديثَ: ﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾. وقولُه: ﴿قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾ الآية. يقولُ تعالى ذكرُه: قالت امرأةُ العزيزِ لزوجِها لمَّا ألْفَياه عند البابِ، فخافت أن يَتَّهِمَها بالفُجورِ: ما ثوابُ رجلٍ أراد بامرأتِك الزنى ﴿إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ﴾ في السجنِ، أو إلا ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. يقولُ: مُوجِعٌ. وإنما قال: ﴿إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾؛ لأن قولَه: ﴿إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ﴾. بمعنى: إلا السجنُ، فعَطف العذابَ عليه، وذلك أن "أنْ" وما عمِلَت فيه بمنزلةِ الاسمِ.

стр. 8822

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال يوسفُ لَمَّا قذَفَتْه (١) امرأةُ العزيزِ بما قذَفَتْه (١)، من إرادتِه الفاحشةَ منها؛ مكذَّبًا لها فيما قذَفَتْه (١) به، ودفعًا (٢) لما نُسِب إليه: ما أنا راودتُها [عن نفسها] (٣)، بل هي راودَتْني عن نفسي. وقد قيل: إن يوسفَ لم يُرِدْ ذكرَ ذلك، لو لم تَقْذِفْه (٤) عندَ سيِّدِها بما قذَفَتْه (١) به. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: أَخبَرنا شَيْبانُ، عن أبي إسحاقَ، عن نَوْفٍ الشَّامِيِّ (٥)، قال: ما كان يوسفُ يريدُ أن يذكُرَه حتى قالت: ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾ الآية. قال: فغضِب، فقال: ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ (٦).

стр. 8823

وأما قولُه: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ فإن أهلَ العلمِ اختلفوا في صفةِ الشاهدِ؛ فقال بعضُهم: كان صبيًّا في المهدِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا العلاءُ بنُ عبدِ الجبارِ، عن حمادِ بن سلَمةَ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: تكلم أربعةٌ في المهدِ وهم صغارٌ؛ ابن ماشطةِ بنتِ فرعونَ، وشاهدُ يوسفَ، وصاحبُ جُريجٍ، وعيسى ابن مريمَ ﵇ (١). حدَّثنا أبو كُريبٍ قال: ثنا وكيعٌ عن أبي بكرٍ الهُذَليِّ، عن شَهرِ بن حَوْشبٍ، عن أبي هريرةَ، قال: عيسى، وصاحبُ يوسفَ، وصاحبُ جُريجٍ. يعنى تكلَّموا في المهدِ (٢). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا زائدةُ، عن أبي حَصينٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾. قال: صبيٌّ (٣). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي حَصينٍ، عن سعيدِ بنُ جبيرٍ: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾. . قال: كان في المهدِ صبيًّا (٣).

стр. 8824

حدَّثني محمدُ بنُ عبيدٍ المُحاربيُّ، قال: ثنا أيوبُ بنُ جابرٍ، عن أبي حَصينٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾. قال: صبيٌّ. حدَّثني يحيى بنُ طلحةَ اليَرْبوعيُّ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عَيَّاشٍ، عن أبي حِصينٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ بمثلَه. حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن شريكٍ، عن سالمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: كان صبيًّا في مهدِه (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن حُصينٍ، عن هلالِ بن يِسافٍ: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾. قال: صبيٌّ في المهدِ (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، عن أبي مرزوقٍ، عن جُويبرٍ، عن الضحَّاكِ: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾. قال: صبيٌّ أَنْطَقه اللهُ. ويقالُ: ذو رأْي برأيِه (٣). حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: أخبرنا عفَّانُ، قال: ثنا حمادٌ، قال: أخبرني عطاءُ بنُ السائبِ، عن سعيدِ بنُ جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، عن النبي ﷺ ، قال: "تكلَّم أربعةُ وهم صِغارٌ". فذكَر فيهم شاهدَ يوسفَ (٤).

стр. 8825

حُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾: يزعُمون أنه كان صبيًّا في الدارِ. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنٍ عباسٍ قولِه: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾. قال: كان صبيًّا في المهدِ (١). وقال آخرون: كان رجلًا ذا لحيةٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٍ، [وحدَّثنا ابن وكيعٍ] (٢)، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: كان ذا لحيةٍ (٣). حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن ابن أبي مُليكةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾. قال: كان من خاصَّةِ الملكِ (٤).

стр. 8826

وبه قال: حدَّثنا أبى، عن عِمرانَ بن حُديرٍ (١)، سمِع عكرمةَ يقولُ: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾. قال: ما كان بصبيٍّ، ولكن كان رجلًا حكيمًا (٢). حدَّثنا سَوَّارُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا عبدُ الملكِ بنُ الصَّبَّاحِ، قال: ثنا عِمْرانُ بنُ حدُيرٍ، عن عكرمةَ، وذُكِر عندَه: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾. فقالوا: كان صبيًّا. فقال: إنه ليس بصبيٍّ، ولكنه رجلٌ حكيمٌ (٢). حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدُّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾. قال: كان رجلًا (٣). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾. قال: رجلٌ (٣). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾. قال: رجلٌ (٣). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عيَّاشٍ، عن أبي حَصينٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾. قال: رجلٌ. حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، قال: أخبرَنا إسرائيلُ، عن

стр. 8827

سِماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾. قال: ذو لحيةٍ (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، قال: ابن عمِّها، كان الشاهدُ من أهلِها (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا إسرائيلُ، عن سِمَاكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾. قال: ذو لحية (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو غسَّانَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: كان ذا لحيةٍ (١). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا قَيْسٌ، عن جابرٍ، عن ابن أبي مُلَيكةَ: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾. قال: كان من خاصَّةِ الملكِ (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾. قال: رجلٌ حكيمٌ كان من أهلِها (٤). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾. قال: رجلٌ حكيمٌ من أهلِها (٤).

стр. 8828

حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾. قال: كان رجلًا. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرنا هُشيمٌ، عن بعضِ أصحابِه، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾. قال: رجلٌ له رأىٌ أشار برأيِه (١). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾. قال: يقالُ: إنما كان الشاهدُ مشيرًا، رجلًا من أهلِ إطْفيرَ، وكان يستعينُ برأيِه، إلا أنه قال: أشهدُ إن كان قميصُه قُدَّ من قُبُلٍ (٢) لقد صدَقَتْ وهو مِن الكاذبين (٣). وقيل: معنى قولِه: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ﴾: حكَم حاكمٌ. حدَّثت بذلك عن الفرَّاءِ، عن مُعَلَّى بن هلالٍ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ (٤). وقال آخرون: إنما عُنِى بالشاهدِ: القميصُ المقدودُ (٥). ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾. قال: قميصُه

стр. 8829

مشقوقٌ من دُبُرٍ، فتلك الشهادةُ (١). حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شَبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾: قميصُه مشقوقٌ من دُبُرٍ، فتلك الشهادةُ (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا المُحاربيُّ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾: لم يكنْ من الإنسِ (٣). قال: ثنا حفصٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾. قال: كان من أمرِ اللهِ، ولم يكنْ إنسيًّا (٤). والصوابُ من القولِ في ذلك قولُ مَن قال: كان صبيًّا في المهدِ. للخبرِ الذي ذكَرناه عن رسولِ اللهِ ﷺ ، أنه ذكَر من تكلَّم في المهدِ، فذكَر أن أحدَهم صاحبُ يوسفَ. فأما ما قاله مجاهدٌ من أنه القميصُ المقدودُ فما لا معنى له؛ لأن الله تعالى ذكرُه أَخْبَر عن الشاهدِ الذي شهِد بذلك أنه من أهلِ المرأةِ، فقال: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾، ولا يقالُ للقميصِ: هو من أهلِ الرجلِ ولا المرأةِ. وقولُه: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾؛ لأن المطلوبَ إذا كان هاربًا، فإنما يُؤْتَى من قِبَلِ دُبُرِه، فكان معلومًا أن الشَّقَّ لو كان

стр. 8830

من قُبُل لم يكنْ هاربًا مطلوبًا، ولكن كان يكونُ طالبًا ممنوعًا (١) مَدْفوعًا، وكان يكونُ ذلك شهادةً على كَذِبه. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: قال: أَشْهَدُ إن كان قميصُه قُدَّ من قُبُلٍ لقد صدَقتْ وهو مِن الكاذبين؛ وذلك أن الرجلَ إنما يريدُ المرأةَ مُقْبِلًا، وإن كان قميصُه قُدَّ من دُبُرٍ فكذَبتْ وهو من الصادقين؛ وذلك أن الرجلَ لا يأتى المرأةَ من دُبُرٍ. و (٢) قال: إنه لا ينبغى أن يكونَ في الحقِّ إلا ذاك. فلما رأى إطفيرُ قميصَه قُدَّ من دُبُرٍ، عرَف أنه من كيدِها، فقال: ﴿إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: قال - يعني الشاهدَ من أهلِها -: القميصُ يقضى بينهما؛ ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨)﴾ (٤). وإنما حُذِفت "أنَّ" التي تُتَلَقى بها الشهادةُ؛ لأنه ذهُب بالشهادةِ إلى معنى القولِ، كأنه قال: وقال قائلٌ من أهلِها: إن كان قميصُه. كما قيل: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]؛ لأنه ذهَب بالوصيةِ إلى القولِ.

стр. 8831

وقولُه: ﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ﴾. خبرٌ عن زوجِ المرأةِ، وهو القائلُ لها: إن هذا الفعلَ من كيدِكنَّ: أي صنيعِكنَّ، يعنى من صنيعِ النساءِ، ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾. وقيل: إنه خبرٌ عن الشاهدِ أنه القائلُ ذلك. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (٢٩)﴾. وهذا فيما ذُكر عن ابن عباسٍ خبرٌ من اللهِ تعالى ذكرُه عن قيلِ الشاهدِ أنه قال للمرأةِ وليوسفَ. يعنى بقولِه: ﴿يُوسُفُ﴾: يا يوسفُ ﴿أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾. يقولُ: أَعرِضْ عن ذكرِ ما كان منها إليك فيما راودتْكَ عليه، فلا تذكُرْه لأحدٍ. كما حدَّثنا يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾. قال: لا تذكُرْه (١). ﴿وَاسْتَغْفِرِي﴾ أنت زوجَكِ. يقولُ: سَلِيه أن لا يعاقبَكِ على ذنبكِ الذي أذنبتِ، وأن يصفَحَ عنه، فيستُرَه عليكِ، ﴿إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾. يقولُ: إنكِ كنتِ من المذنبين في مراودةِ يوسفَ عن نفسِه. يقالُ منه: خطِئ في الخطيئةِ يَخْطَأُ خَطَأً وخِطْأً. كما قال جلَّ ثناؤُه إنَّهُ (٢): ﴿كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٣١]. والخَطَأُ في الأمرِ. وحُكِى في الصوابِ أيضًا الصَّوَبُ والصَّوْبُ، كما قال الشاعرُ (٣):

стр. 8832

لَعَمْرُكِ (١) إِنما خَطَئِي وصَوْبي (٢) … عليَّ [وإنَّ ما] (٣) أَهْلَكتُ مالُ ويُنْشَدُ بيتُ أُميَّةَ (٤). عبادُك يَخْطأُون وأنتَ رَبٌّ … بكفَّيْكَ المَنَايا والحُتُومُ (٥) من خَطِئ الرجلُ. وقيل: ﴿إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾. و (٦) لم يُقلْ: من الخاطئاتِ؛ لأنه لم يقصِدْ بذلك قصدَ الخبرِ عن النساءِ، وإنما قصَد به الخبرَ عمن يَفْعَلُ ذلك فيَخْطَأُ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وتحدَّث النساءُ بأمرِ يوسفَ وأمرِ امرأةِ العزيزِ في مدينةِ مصرَ، وشاع من أمرِهما فيها ما كان، فلم يَنْكَتمْ، وقُلْن: ﴿امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا﴾: عبدَها ﴿عَنْ نَفْسِهِ﴾. كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: وشاع الحديثُ في القريةِ، وتحدَّث النساءُ بأمرِه وأمرِها، وقُلْن: ﴿امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا

стр. 8833

عَنْ نَفْسِهِ﴾. أي: عبدَها (١). وأما العزيزُ فإنه الملكُ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ أبي داودَ (٢): دُرَّةٌ غاص عَلَيْها تاجرٌ … جُلِيتْ عندَ عزيزٍ يَوْمَ طَلُّ (٣) يعنى بالعزيزِ: الملكَ، وهو من العِزَّةِ. وقولُه: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾. يقولُ: قد وصَل حبُّ يوسفَ إلى شَغَافِ قلبِها، فدخَل تحتَه حتى غلَب على قلبِها. وشَغَافُ القلبِ: حِجابُه وغِلافُه الذي هو فيه. وإيَّاه عنى النابغةُ الذُّبْيانى بقولِه (٤): وقَدْ حال همٌّ دونَ ذلك داخلٌ … دخولَ شَغَافٍ (٥) تَبْتَغِيه (٦) الأصابعُ وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا حجَّاجُ بنُ محمدٍ، عن ابن جريجٍ، قال: أخبرني عمرُو بنُ دينارٍ أنه سمِع عكرمةَ يقولُ في قولِه: ﴿شَغَفَهَا حُبًّا﴾. قال: دخَل حبُّه تحتَ الشَّغَافِ (٧).

стр. 8834

حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شَبَابةُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾. قال: دخَل حبُّه في شَغَافِها (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾. قال: دخَل حبُّه في شَغَافِها (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾. قال: كان حبُّه في شَغافِها (١). قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، مثلَ حديثِ الحسنِ بن محمدٍ، عن شَبَابةَ (١). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ (٢)، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾. يقولُ: علِقها حبًّا (٣). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن بن عباسٍ قولَه: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾. قال: غَلَبها (٤). حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ. وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن أيوبَ بن عائذٍ الطائيِّ، عن الشعبيِّ: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾. قال: المَشْغُوفُ

стр. 8835

المُحِبُّ، والمَشْعوفُ (١) المجنونُ (٢). وبه قال: حدَّثنا أبي، عن أبي (٣) الأَشْهبِ، عن أبي رَجاءٍ والحسنِ: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾. قال أحدُهما: قد بطَنها حبًّا. وقال الآخرُ: قد صدَقها حبًّا (٤). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾. قال: قد بطَنها حبًّا. قال يعقوبُ: قال أبو بشرٍ: أهلُ المدينةِ يقولون: قد بطَنها حبًّا. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُليةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ، قال: سمِعته يقولُ في قولِه: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾. قال: بطَنها حبًّا، وأهلُ المدينةِ يقولون ذلك. حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، عن قُرَّةَ، عن الحسنِ: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾. قال: قد بطَن لها (٥) حبًّا. حدَّثنا الحسنُ، قال: ثنا أبو قَطَنٍ، قال: ثنا أبو الأَشْهَبِ، عن الحسنِ: ﴿قَدْ

стр. 8836

شَغَفَهَا حُبًّا﴾. قال: بطَنها (١) حبُّه (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾. قال: بطَن بها. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾. قال: استبطنها (٣) حُبُّها إيَّاه (٤). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾، أي: قد علِقها (٤). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾. قال: قد علِقها حبًّا (٥). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا المُحَاربيُّ، عن جُوَيْبرٍ، عن الضحَّاكِ، قال: هو الحبُّ اللازقُ بالقلبِ (٦). حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحَّاكَ في قولِه: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾. يقولُ: هلَكتْ عليه حبًّا، والشَّغافُ: شَغافُ القلبِ (٧).

стр. 8837

حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدي: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾. قال: والشَّغَافُ: جِلْدةٌ على القلبِ، يقالُ لها: لسانُ القلبِ. يقولُ: دخَل الحبُّ الجلدَ حتى أصاب القلبَ (١). وقد اخْتَلفت القرأةُ في قراءةِ ذلك، فقرأته عامةُ قرأَةِ الأمصارِ بالغين (٢): ﴿قَدْ شَغَفَهَا﴾. على معنى ما وصَفتُ من التأويلِ. وقرأ ذلك أبو رجاءٍ: (قَدْ شَعَفَها) (٣) بالعين (٤). حدَّثنا الحسينُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا أبو قَطَنٍ، قال: ثنا أبو الأَشْهبِ، عن أبي رجاءٍ: (قَدْ شَعَفَها) (٥). قال: ثنا خلَفٌ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن أبي الأشهبِ، أو عوفٍ، عن أبي رجاءٍ: (قَدْ شَعَفَها حُبًّا) بالعينِ. قال: ثنا خَلَفٌ، قال: ثنا محبوبٌ، قال: قرأه عوفٌ: (قد شَعَفَها). قال: ثنا عبدُ الوهابِ، عن هارونَ، عن أَسِيدٍ، عن الأعرجِ: (قَدْ شَعَفَها حُبًّا). وقال: شغَفها (٦) إذا (٧) كان هو يُحِبُها.

стр. 8838

ووجَّه هؤلاء معنى الكلامِ إلى أن الحبَّ قد عمَّها (١). وكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ من الكوفيين يقولُ: هو من قولِ القائلِ: قد شُعِف (٢) بها. كأنه ذهب بها كلَّ مذهبٍ من شَعَف (٣) الجبالِ، وهى رءوسُها. ورُوِى عن إبراهيمَ النَّخَعيِّ أنه قال: [الشَّغَفُ شَغَفُ] (٤) الحبِّ. [والشعَفُ شعَفُ] (٥) الدابَّةِ حِينَ تُذْعَرُ. حدَّثني بذلك الحارثُ، عن القاسمِ أنه قال: يُروى ذلك عن أبي عوانةَ، عن مغيرةَ: عنه (٦). قال الحارثُ: قال القاسمُ: يذهَبُ إبراهيمُ إلى أن أصلَ [الشعفِ هو الذعرُ. قال: وكذلك هو كما قال إبراهيمُ في الأصلِ، إلا أن العربَ ربما استعارت الكلمةَ فوضَعتُها] (٧) في غيرِ موضعها، قال امرؤٌ القيسِ (٨): أتقتُلُنى (٩) وقد شعَفْتُ (١٠) فؤادَها … كما شعَف المهنوءةَ (١١) الرجلُ الطالِي

стр. 8839

قال: وشعفُ (١) المرأةِ من الحبِّ، وشعفُ (١) المهنوءةِ من الذعرِ، فشبَّه لوعةَ الحبِ وجَوَاه بذلك. وقال ابن زيدٍ في ذلك ما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾. قال: إن [الشغفَ والشعفَ] (٢) مختلفان، والشعفُ في البغضِ، والشغفُ في الحبِ (٣). وهذا الذي قاله ابن زيدٍ لا معنَى له؛ لأن الشعفَ (٤) في كلامِ العربِ، بمعنى عمومِ الحبِّ، أشهرُ من أن يجهَلَه ذو علمٍ بكلامِهم. والصوابُ في ذلك عندنا من القراءةِ: ﴿قَدْ شَغَفَهَا﴾، بالغينِ (٥)؛ لإجماعِ الحجةِ من القرأَةِ عليه. وقولُه: ﴿إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: قلن: إنا لنرى امرأةَ العزيزِ في مراودتِها فتاها عن نفسِه، وغلبةِ حبِّه عليها، لفى خطأٍ من الفعلِ وجَوْرٍ (٦) عن قصدِ السبيلِ. ﴿مُبِينٍ﴾ لمن تأمَّله وعلِمه أنه ضلالٌ وخطأٌ غيرُ صوابٍ ولا سدادٍ. وإنما كان قيلُهن ما قلن من ذلك، وتحدُّثُهن بما تحدَّثن به من شأنِها وشأنِ يوسفَ، مكرًا منهن فيما ذُكِر (٧) لِتُرِيَهُنَّ يوسفَ.

стр. 8840

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فلما سمِعت امرأةُ العزيزِ بمكرِ النِّسوةِ اللاتي قلن في المدينةِ ما ذكَره اللهُ عنهن. وكان مكرُهن ما حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾. يقولُ: بقولِهن. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: لما أَظْهَر النساءُ ذلك من قولِهن: تراودُ عبدَها. مكرًا بها؛ لِتُريَهُنَّ يوسفَ، وكان يُوصفُ لهن بحسنِه وجمالِه، ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾. أي: بحديِثِهن. ﴿أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنّ﴾. يقولُ: أرسلت إلى النِّسوةِ اللاتي تحدَّثْنَ بشأنِها وشأنِ يوسفَ. ﴿وَأَعْتَدَتْ﴾. "أَفْعَلَتْ" (٢)، من العَتادِ، وهو العُدَّةُ، ومعناه: أَعدَّتْ لهن متَّكأً. يعني مجلسًا للطعامِ وما يتَّكِئْنَ عليه من النمارقِ و (٣) الوسائدِ.

стр. 8841

وهو "مُفْتَعَلٌ"، من قولِ القائلِ: اتكأتُ. يقال: ألقِ له مُتَّكَأً. يعني ما يَتَّكِئُ عليه. وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ اليَمانِ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾. قال: طعامًا وشرابًا ومُتَّكَأً (١). قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، عن أسباطَ، عن السُّديِّ: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾. قال: يَتَّكِئْنَ عليه (٢). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدِ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾. قال: مجلسًا (٣). قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرنا هُشيمٌ، عن أبي الأَشْهَبِ، عن الحسنِ أنه كان يقرأُ: (مُتَّكاءً). ويقولُ: هو المجلسُ والطعامُ (٤). قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ يزيدَ: من قرأ: (مُتَكًا) خفيفةً (٥)، يعنى طعامًا. ومن قرَأ: ﴿مُتَّكَأً﴾. يعنى: المتكأ.

стр. 8842

فهذا الذي ذكَرنا (١) عمن ذكَرنا عنه من تأويلِ هذه الكلمةِ، هو معنى الكلمةِ وتأويلُ المتكأِ، وأنها أعدَّت للنِّسوةِ مجلسًا فيه مُتَّكَأٌ وطعامٌ وشرابٌ وأُتْرُجٌّ (٢). ثم فسَّر بعضُهم المتكأَ بأنه الطعامُ، على وجهِ الخبرِ عن الذي أُعِدَّ [من أجلِه] (٣) المتكأُ، وبعضُهم عن الخبرِ عن الأُتْرُجِّ، إذ كان في الكلامِ: ﴿وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا﴾. لأن السكينَ إنما تُعَدُّ (٤) للأُتْرُجِّ وما أَشْبَه مما يُقْطَعُ به، وبعضُهم على البَزْماوَرْدِ (٥). حدَّثني هارونُ بنُ حاتمٍ المقرئُ، قال: ثنا إبراهيمُ (٦) بنُ الزِّبْرِقانِ، عن أبي رَوْقٍ: عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾. قال: البَزْماوَرْدُ (٧) (٨). وقال أبو عُبيدةَ معمرُ بنُ المُثَنَّى (٩): المتكأُ هو النُّمْرُقُ يُتَّكأُ عليه. وقال: زعَم قومٌ أنه الأُتْرُجُّ. قال: وهذا أبطلُ باطلٍ في الأرضِ، ولكن عسى أن يكونَ مع المتكأِ أُتْرُجٌّ

стр. 8843

يأكُلونه. وحكى أبو عُبيدٍ (١) القاسمُ بنُ سلَّامٍ قولَ أبي عُبيدةَ هذا (٢)، ثم قال: والفقهاءُ أعلمُ بالتأويلِ منه. ثم قال: ولعله (٣) بعضُ ما ذهب من كلامِ العربِ، فإن الكِسائيَّ كان يقولُ: قد ذهَب من كلامِ العربِ شيءٌ كثيرٌ انْقَرض أهلُه. والقولُ في أن الفقهاءَ أعلمُ بالتأويلِ من أبى عُبيدةَ، كما قال أبو عُبيدٍ (٤)، لا شكّ فيه، غيرَ أن أبا عبيدةَ لم يَبعُدْ من الصوابِ في هذا القولِ، بل القولُ كما قال، من أن من قال للمتكإِ: هو الأُتْرُجُّ، إنما بيَّن المُعَدَّ في المجلسِ الذي فيه المتكأُ، والذي من أجلِه أُعْطِين السكاكينَ؛ لأن السكاكينَ معلومٌ أنها لا تُعَدُّ للمتكإِ إلا لتخريقِه، ولم يُعطيَن السكاكينَ لذلك. ومما يبيِّنُ صحةَ ذلك القولُ الذي ذكَرناه عن ابن عباسٍ، من أن المتكأَ هو المجلسُ. ثم روَى (٥) مجاهدٌ عنه ما حدَّثني به سليمانُ بنُ (٦) عبدِ الجبارِ، قال: ثنا محمدُ بن الصَّلْتِ، قال: ثنا أبو كُدَينَةَ، عن حُصينٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا﴾. قال: أَعْطَتهنَّ أُتُرجًّا، وأَعْطت كلَّ واحدةٍ منهن سكينًا (٧). فبيَّن ابن عباسٍ في روايةِ مجاهدٍ هذه، ما أَعْطَت النِّسوة، وأَعْرض عن ذكرِ

стр. 8844

بيان معنى (المتكأِ)؛ إذ كان معلومًا معناه. ذكرُ مَن قال في تأويل "المتكأِ" ما ذكَرنا حدَّثني يحيى بنُ طلحةَ اليَرْبوعيُّ، قال: ثنا فُضيلُ بن عِياضٍ، عن حُصينٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾. قال: التُّرُنْجُ (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن عوفٍ، قال: حُدِّثتُ عن ابن عباسٍ أنه كان يقرؤُها: (مُتْكًا). مخففةً، ويقولُ: هو الأُتُرْجُّ. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن أبيه، عن عطيةَ: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾. قال: الطعامَ (٢). حدَّثني يعقوبُ والحسنُ بن محمدٍ، قالا: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾. قال: طعامًا. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ مثلَه (٣). حدَّثنا ابن بشارٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا غُنْدَرٌ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ في قولِه: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾. قال: طعامًا. حدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا وهبُ بن جريرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ نحوَه (٤).

стр. 8845

حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: من قرَأها (١): ﴿مُتَّكَأً﴾. فهو الطعامُ، ومن قرأها: (مُتَكًا). فخفَّفها، فهو الأُتْرُجُّ (٢). حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿مُتَّكَأً﴾. قال: طعامًا. حدَّثنا الحسنُ بن محمدٍ، قال: ثنا شَبَابَةُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٣). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، وحدَّثني المُثَنَّى قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ القُرشيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: من قرأ: (مُتْكًا). خفيفةً، فهو الأُتْرُجُّ (٤). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه. حدَّثنا ابن وكيع قال: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، قال: سمعتُ بعضهم يقولُ: الأُتْرُجُّ.

стр. 8846

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾. أي: طعامًا. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَه (١). قال: ثنا يزيدُ، عن أبي رجاءٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿مُتَّكَأً﴾. قال: طعامًا. حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾: يعنى الأُتْرُجَّ. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾: والمتكأُ الطعامُ. قال: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾. قال: الطعامُ. حدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قولِه: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾. قال: طعامًا. حُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمعت أبا معاذٍ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿مُتَّكَأً﴾: فهو كلُّ شيءٍ يُحَزُّ بالسكينِ (٢). قال الله تعالى ذكرُه مخبرًا عن امرأةِ العزيزِ والنسوةِ اللاتي تحدَّثن بشأنِها في

стр. 8847

المدينةِ: ﴿وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا﴾. يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: وأعطت كلَّ واحدةٍ من النسوةِ اللاتي حضَرْنها سكِّينًا؛ لتقطَعَ به من الطعامِ ما تَقْطَعُ (١) به. وذلك ما ذكرتُ أنها آتَتْهن، إما من الأُثْرُجِّ، وإما من البَزْماوَرْدِ (٢)، أو غيرِ ذلك مما يُقْطَعُ بالسكِّينِ. كما حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بن محمدٍ، عن أسباطَ، عن السُّديِّ: ﴿وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا﴾: وأُتْرُجًّا يَأْكُلْنه (٣). حدَّثنا سليمانُ بنُ عبدِ الجبارِ، قال: ثنا محمدُ بنُ الصَّلْتِ، قال: ثنا أبو كُدَينةَ، عن حُصينٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا﴾. قال: أعطتْهن أُتْرُجًّا، وأعطَت كلَّ واحدةٍ منهن سكِّينًا (٤). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا﴾: ليحتزِزن به من طعامِهن. حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا﴾: وأعطتهن تُرُنْجًا وعسلًا، فكُنَّ يَحْزُزْن التُّرُنجَ بالسكِّين، ويأكُلْنَ بالعسلِ (٥). وفي هذه الكلمةِ بيانُ صحةِ ما قلنا وأَخْبَرنا (٦) في قولِه: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ

стр. 8848

مُتَّكَأً﴾. وذلك أن الله تعالى ذكرُه أَخْبَر عن إيتاءِ امرأةِ العزيز النسوةَ السكاكينَ، وترَك ما له آتتهُنَّ السكاكينَ؛ إذ كان معلومًا أن السكاكينَ لا تُدْفَعُ إلى من دُعى إلى مجلسٍ إلا لقطعِ ما يُؤكلُ إذا قُطِع بها، فاستَغنى بفهمِ السامعِ بذكرِ إيتائِها صواحباتِها السكاكينَ، عن ذكرِ ماله آتتهنَّ ذلك، فكذلك استَغنى بذكرِ اعتدادِها لهن المتكأَ عن ذكرِ ما يُعْتَدُّ له المتكأُ، مما يحضُرُ المجالسَ من الأطعمةِ والأشربةِ والفواكهِ وصنوفِ الإلتهاءِ؛ لفهمِ السامعين بالمرادِ من ذلك، ودلالةِ قولِه: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ عليه. فأما نفسُ المُتَّكأَ، فهو ما وصَفنا خاصةً دونَ غيرِه. وقولُه: ﴿وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وقالت امرأةُ العزيزِ ليوسفَ: اخْرُج عليهنَّ. فخرَج عليهنَّ يوسفُ، ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: فلما رأَيْنَ يوسفَ أَعْظَمُنه وأَجْلَلْنه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شَبَابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ. عن مجاهدٍ قولَه: ﴿أَكْبَرْنَهُ﴾: أَعْظَمْنَهُ (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

стр. 8849

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، [عن مجاهدٍ] (١)، قال، وحدَّثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾. أي: أَعْظَمُنه. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بن محمدٍ، عن أسباطَ، عن السُّديِّ: ﴿وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾: ليوسفَ، ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾: عظَّمْنه (٢). حدَّثنا إسماعيلُ بن سيفٍ العِجْليُّ، قال: ثنا عليُّ بنُ عابسٍ، قال: سمِعتُ السُّديَّ يقولُ في قولِه: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾. قال: أَعْظَمْنه. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾: فخرَج، فلما رَأَيْنَه أَعْظَمْنه وبُهتْنَ (٣). حدَّثنا إسماعيلُ بنُ سيفٍ (٤)، قال: ثنا عبدُ الصمدِ بنُ عليٍّ الهاشميُّ، عن أبيه، عن جدِّه في قولِه: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾. قال: حِضْنَ (٥). حدَّثنا عليُّ بن داودَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن

стр. 8850

عباسٍ في قولِه: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾. يقولُ: أَعْظَمْنه (١). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا يحيى بنُ أبي زائدةَ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. وهذا القولُ - أَعْنى القولَ الذي رُوِى عن عبدِ الصمدِ، عن أبيه، عن جدِّه، في معنى: ﴿أَكْبَرْنَهُ﴾ أنه (٢) "حِضْن" - إن لم يكنْ عنَى به أنهن حِضْنَ من إجلالِهنَّ يوسفَ، وإعظامِهنَّ لما كان اللهُ قسَم له من البهاءِ والجمالِ، ولما يجِدُ (٣) من مثلِ ذلك النساءُ عندَ معاينِتهنَّ إِيَّاه - فقولٌ لا معنى له (٤)؛ لأن تأويلَ ذلك: فلما رأَيْن يوسفَ أَكْبَرنه. فالهاءُ التي في ﴿أَكْبَرْنَهُ﴾ من ذكرِ يوسفَ، ولا شكَّ أن من المحالِ أن يَحِضْن يوسفَ. ولكن الخبرَ إن كان صحيحًا عن ابن عباسٍ على ما رُوى، فخليقٌ أن يكونَ كان معناه في ذلك أنهن حِضْنَ لِما أَكْبَرن من حسنِ يوسفَ وجمالهِ في أنفسِهن، ووجَدن ما يجِدُ (٥) النساءُ من مثلِ ذلك. وقد زعَم بعضُ الرواةِ أن بعض الناسِ أَنْشَده في "أَكْبَرْن" بمعنى: حِضْن، بيتًا لا أَحْسَبُ أن له أصلًا؛ لأنه ليس بالمعروفِ عند الرواةِ، وذلك (٦): نأتى (٧) النساءَ على أطهارِهنَّ ولا … نأتى (٧) النساء إذا أَكْبَرْن إكْبارَا

стр. 8851

وزعَم أن معناه: إذا حِضْن. وقوله: ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾. اختلف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه أنهن حزَزْن بالسكِّينِ في أيديهن، وهن يَحْسَبن أنهنَّ يُقَطِّعْن الأُتْرُجَّ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسن بن محمدٍ، قال: ثنا شبَابةُ، قال: ثنا وَرْقَاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ له: حزًّا حزًّا بالسكِّينِ (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾. قال: حزًّا حزًّا بالسكاكين. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال، وحدَّثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾. قال: حزًّا حزًّا بالسكِّينِ. حدَّثنا ابن (٢) وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾. قال: جعَل النسوةُ يحزُزْن أيديَهن، يَحْسَبْن أنهن يقطِّعْنَ الأُتْرُجَّ (٣). حدَّثنا إسماعيلُ بنُ سيفٍ، قال: ثنا عليُّ بن عابسٍ، قال: سمِعتُ السُّديَّ

стр. 8852

يقولُ: كانت في أيديهن سكاكينُ مع الأُتْرُجِّ، فقطَّعن أيديَهن، وسالت الدماءُ، فقلن: نحن نلومُكِ على حبِّ هذا الرجلِ، ونحن قد قطَّعنا أيديَنا، وسالت الدماءُ! حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: جعَلن يحزُزْن أيديَهن بالسكِّين، ولا يحسَبْن إلا أنهن يحزُزْن التُّرُنْجَ، قد ذهَبت عقولُهن مما رأَيْن (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدُ، عن قتادةَ: ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾: وحزَزْن أيديَهن. حدَّثني سليمانُ بنُ عبدِ الجبارِ، قال: ثنا محمدُ بنُ الصَّلْتِ، قال: ثنا أبو (٢) كُدينةَ، عن حُصينٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ، قال: جعَلن يقطِّعْنَ أيديَهن وهن يحسَبْن أنهن يقطِّعن الأُتْرُجَّ (٣). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾. قال: جعَلن يحزُزْنَ أيديَهن، ولا يشعُرْن بذلك (٤). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: قالت ليوسفَ: ﴿اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾. فخرَج عليهن، ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾، وغُلِبت (٥) عقولُهن عجبًا منه (٦) حينَ رَأَيْنه، فجعَلن يقطَّعْنَ أيديَهن بالسكاكينِ التي معهن، ما يعقِلْن شيئًا

стр. 8853

مما يصنَعْن، وقُلْنَ: ﴿حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا﴾ (١). وقال آخرون: بل معنى ذلك أنهن قطَّعن أيديَهن حتى أبَنَّها وهن لا يشْعُرْن. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: قطَّعن أيديَهن حتى أَلْقَينها (٢). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾. قال: قطَّعن أيديَهن حتى أَلْقَينها (٣). والصوابُ من القولِ في ذلك أن يقالَ: إِن اللَّهَ أَخْبَر عنهن أنهن قطَّعن أيديهن وهن لا يشعُرْن؛ لإعظام يوسفَ، وجائزٌ أن يكونَ ذلك كان قطعًا بإبانةٍ، وجائزٌ أن يكونَ كان قطعَ حزٍّ وخَدْشٍ، ولا قولَ في ذلك أصوبُ من التسليمِ لظاهرِ التنزيلِ. حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللهِ، قال: أُعْطِيَ يوسفُ وأمُّه ثُلُثَ الحُسْنِ (٤). حدَّثنا محمدُ بن المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي

стр. 8854

إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللهِ مثلَه. (١). وبه عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللهِ، قال: قُسِم ليوسفَ وأُمِّه ثلثُ الحسنِ. حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللهِ، قال: أُعْطِيَ يوسفُ وأُمُّه ثُلُثَ حُسْنِ الخَلْقِ (٢). حدَّثني أحمد بن ثابتٍ، وعبدُ الله بن محمدٍ الرازيَّان (٣)، قالا: ثنا عفانُ، قال: أخبَرنا حمادُ بن سلَمةَ، قال: أخبَرنا ثابتٌ، عن أنسٍ، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "أُعْطِيَ يوسفُ وأمُّه شَطْرَ الحسنِ" (٤). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن أبي معاذٍ، عن يونسَ، عن الحسنِ، أن النبيَّ ﷺ قال: "أُعْطِي يوسفُ وأُمُّه ثُلُثَ حسنِ أهلِ الدنيا، وأُعْطِيَ الناسُ الثُّلُثين". أو قال: "أُعْطِىَ يوسفُ وأمُّه الثُّلُثين، وأُعْطِي الناسُ الثُّلُثَ" (٥). حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن ربيعةَ الجُرَشيِّ، قال: قُسِم الحسنُ نصفين؛

стр. 8855

فأُعْطِىَ يوسفُ وأُمه سارَّةُ نصفَ الحسنِ، والنصفُ الآخرُ بينَ سائرِ الخلقِ (١). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبيريُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن ربيعةَ الجُرَشِيِّ، قال: قُسِم الحسنُ نصفين؛ فقُسِم ليوسفَ وأمِّه النصفُ، والنصفُ لسائرِ الناسِ. حدَّثنا ابن وكيعٍ وابنُ حُميدٍ، قالا: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن ربيعةَ الجُرَشيِّ، قال: قُسِم الحسنُ نصفين؛ فجُعِل ليوسفَ و (٢) سارَّةَ النصفُ، وجُعِل لسائرِ الخلقِ النصفُ (٣). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عيسى بن يزيدَ، عن الحسنِ: أُعْطِيَ يوسفُ وأمُّه ثُلُثَ حسنِ الدنيا، وأُعْطِىَ الناسُ الثُّلُثين (٤). وقولُه: ﴿وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾. اخْتَلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأته عامَّةُ قرأةِ الكوفيين: ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾ بفتحِ الشينِ وحذفِ الياءِ (٥). وقرأه بعضُ البصريِّين بإثباتِ الياءِ: (حَاشَى اللهِ) (٦). وفيها (٧) لغاتٌ لم يُقْرَأَ بها: (حاشَى اللهِ). كما قال الشاعرُ (٨):

стр. 8856

حاشَى أبى (١) ثَوْبَانَ (٢) إِنَّ بِهِ (٣) … ضَنًّا عن المَلْحاةِ (٤) والشَّتْمِ وذُكِر عن ابن مسعودٍ أنه كان يقرأُ بهذه اللغةِ (٥)، [و (حَشَى اللهِ] (٦). و (حاشْ اللهِ (٧)). بتسكينِ الشينِ والألفِ، يجمَعُ بين الساكنين (٨). وأما القراءةُ فإنما هي بإحدى اللغتين الأُولَيَين (٩)، فمن قرَأ: ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾. بفتحِ الشينِ وإسقاطِ الياءِ، فإنه أراد لغةَ من قال: حاشَى للهِ. بإثباتِ الياءِ، ولكنه حذف الياء لكثرتِها على ألسنِ العربِ، كما حذَفتِ العربُ الألفَ من قولِهم: لا أبَ لغيرِك، ولا أبَ لشانِيكَ. وهم يعنون: لا أبًا لغيرِك، ولا أبًا لشانِيك. وكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلام العرب يزعُمُ أن لقولِهم: حاشَى (١٠). موضعين في الكلامِ: أحدُهما: التنزيهُ، والآخرُ الاستثناءُ. وهو في هذا الموضعِ عندَنا بمعنى التنزيهِ للهِ، كأنه قيل: معاذَ اللهِ.

стр. 8857

وأما القولُ في قراءة ذلك، فإنه يقالُ: للقارئ الخيارُ في قراءته بأي هاتين (١) القراءتين شاء، إن شاء بقراءة الكوفيِّين، وإن شاء بقراءةِ البصريِّين، وهو: ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾. و: (حاشَى للَّهِ). لأنهما قراءتان مشهورتان، ولغتان معروفتان بمعنًى واحد، وما عدا ذلك فلغاتٌ لا تجوزُ القراءةُ بها؛ لأنَّا لا نعلمُ قارئًا قرَأ بها. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن نُميرٍ، عن وَرْقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾. قال: معاذَ اللهِ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ؛ عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾: معاذَ اللهِ. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾: معاذَ اللهِ. حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شَبَابةُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾: معاذَ اللهِ. قال: ثنا عبدُ الوهابِ، عن عمرٍو، عن الحسنِ: ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾: معاذَ اللهِ. حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا يحيى، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

стр. 8858

وقولُه: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾. يقولُ: قلن: ما هذا ببشرٍ (١). لأنهن لم يَرَيْنَ في حُسنِ صورته من البشر أحدًا، فقلن: لو كان من البشرِ لكان كبعضِ ما رأينا من صورةِ البشرِ، ولكنه من الملائكةِ لا من البشرِ. كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا﴾: ما هكذا تكونُ البشرُ (٢) وبهذه القراءِة قرَأ (٣) عامَّةُ قرأَةِ (٤) الأمصارِ. وقد حُدِّثت عن يحيى بن زيادٍ الفرَّاءِ، قال: ثنى دِعامةُ بنُ رجاءٍ التَّيْمِيُّ - وكان غرًّا - عن أبي الحُوَيرثِ الحنفيِّ أنه قرَأ: (ما هذا بِشِرًى). أي: ما هذا بمُشْتَرًى (٥). يريدُ بذلك أنهن أَنْكَرن أن يكون مثله مستعبَدًا يُشْتَرى ويُباعُ. وهذه قراءةٌ (٦) لا أستجيزُ القراءةَ بها؛ لإجماعِ قرأةِ الأمصارِ على خلافِها. وقد بيَّنا أن ما أَجْمعت عليه فغيرُ جائزٍ خلافُها فيه. وأما نصبُ "البشرِ"، فمن لغةِ أهلِ الحجازِ، إذا أَسْقَطوا الباءَ من الخبرِ نصَبوه، فقالوا: ما عمرٌو قائمًا. وأما أهلُ نجدٍ، فإن من لغتِهم رفعَه، يقولون: ما عمرٌو قائمٌ. ومنه قولُ بعضِهم حيث يقولُ (٧):

стр. 8859

لَشَتَانَ ما أَنْوِى ويَنْوِى بنو أبي … جميعًا فما هذانِ مُسْتوِيانِ تمنَّوا لىَ الموتَ الذي يشعَبُ (١) الفتى … وكلُّ فتًى والموتُ يَلْتَقيانِ وأما القرآنُ فجاء بالنصبِ في كلِّ ذلك؛ لأنه نزَل بلغةِ أهلِ الحجازِ. وقولُه: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾. يقولُ: قلن: ما هذا إلا ملَكٌ من الملائكةِ. كما حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾. قال: قلن: ملَكٌ من الملائكةِ (٢). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢)﴾. يقول تعالى ذكره: قالت امرأةُ العزيزِ للنسوةِ اللاتي قطَّعن أيديَهن: فهذا الذي أصابكن في رؤيتِكن إياه، وفي نظرةٍ منكن نظَرتُن إليه ما أصابكن من ذهابِ العقلِ، وغروبِ (٣) الفهمِ ولهًا (٤) إليه (٥)، حتى قطَّعتن أيديَكن - هو الذي لمتُنَّني في حبى إياه، وشغفِ فؤادى به، فقلتنَّ: قد شغف امرأةُ العزيز فتاها حبًّا، إنا لنراها في ضلالٍ مبينٍ. ثم أقرَّت لهن بأنها قد راودته عن نفسِه، وأن الذي تحدَّثن به عنها في أمرِه حقٌّ، فقالت: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ مما راودته عليه من ذلك.

стр. 8860

كما حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمد، عن أسباط، عن السدي: ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾: تقولُ: بعدَ ما حلَّ السراويلَ اسْتَعْصَى، لا أَدْرِى ما بدا له (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَاسْتَعْصَمَ﴾. أي: فاسْتَعْصَى (٢). حدَّثنى عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَاسْتَعْصَمَ﴾. يقولُ (٣): فَامْتَنَع (٤). وقولُه: ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾. تقولُ (٥): ولئن لم يُطاوِعْنى على ما أدعوه إليه من حاجتي إليه، ﴿لَيُسْجَنَنَّ﴾. تقولُ (٥): ليُحْبَسَنَّ في السَّجْنِ، وليَكونَنْ من أهلِ الصَّغارِ والذِّلةِ، بالحبسِ والسِّجْنِ، ولأُهِينَنَّه. والوقفُ على قولِه: ﴿لَيُسْجَنَنَّ﴾ بالنونِ، لأنها مشدَّدةٌ، كما قيل: ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء: ٧٢]. وأما قولُه: هو ﴿وَلَيَكُونًا﴾. فإن الوقفَ عليه بالألفِ؛ لأنها النونُ الخفيفةُ،
следующие страницы →