← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 8856–8895 · переход к 8861.

стр. 8856

حاشَى أبى (١) ثَوْبَانَ (٢) إِنَّ بِهِ (٣) … ضَنًّا عن المَلْحاةِ (٤) والشَّتْمِ وذُكِر عن ابن مسعودٍ أنه كان يقرأُ بهذه اللغةِ (٥)، [و (حَشَى اللهِ] (٦). و (حاشْ اللهِ (٧)). بتسكينِ الشينِ والألفِ، يجمَعُ بين الساكنين (٨). وأما القراءةُ فإنما هي بإحدى اللغتين الأُولَيَين (٩)، فمن قرَأ: ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾. بفتحِ الشينِ وإسقاطِ الياءِ، فإنه أراد لغةَ من قال: حاشَى للهِ. بإثباتِ الياءِ، ولكنه حذف الياء لكثرتِها على ألسنِ العربِ، كما حذَفتِ العربُ الألفَ من قولِهم: لا أبَ لغيرِك، ولا أبَ لشانِيكَ. وهم يعنون: لا أبًا لغيرِك، ولا أبًا لشانِيك. وكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلام العرب يزعُمُ أن لقولِهم: حاشَى (١٠). موضعين في الكلامِ: أحدُهما: التنزيهُ، والآخرُ الاستثناءُ. وهو في هذا الموضعِ عندَنا بمعنى التنزيهِ للهِ، كأنه قيل: معاذَ اللهِ.

стр. 8857

وأما القولُ في قراءة ذلك، فإنه يقالُ: للقارئ الخيارُ في قراءته بأي هاتين (١) القراءتين شاء، إن شاء بقراءة الكوفيِّين، وإن شاء بقراءةِ البصريِّين، وهو: ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾. و: (حاشَى للَّهِ). لأنهما قراءتان مشهورتان، ولغتان معروفتان بمعنًى واحد، وما عدا ذلك فلغاتٌ لا تجوزُ القراءةُ بها؛ لأنَّا لا نعلمُ قارئًا قرَأ بها. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن نُميرٍ، عن وَرْقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾. قال: معاذَ اللهِ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ؛ عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾: معاذَ اللهِ. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾: معاذَ اللهِ. حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شَبَابةُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾: معاذَ اللهِ. قال: ثنا عبدُ الوهابِ، عن عمرٍو، عن الحسنِ: ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾: معاذَ اللهِ. حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا يحيى، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

стр. 8858

وقولُه: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾. يقولُ: قلن: ما هذا ببشرٍ (١). لأنهن لم يَرَيْنَ في حُسنِ صورته من البشر أحدًا، فقلن: لو كان من البشرِ لكان كبعضِ ما رأينا من صورةِ البشرِ، ولكنه من الملائكةِ لا من البشرِ. كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا﴾: ما هكذا تكونُ البشرُ (٢) وبهذه القراءِة قرَأ (٣) عامَّةُ قرأَةِ (٤) الأمصارِ. وقد حُدِّثت عن يحيى بن زيادٍ الفرَّاءِ، قال: ثنى دِعامةُ بنُ رجاءٍ التَّيْمِيُّ - وكان غرًّا - عن أبي الحُوَيرثِ الحنفيِّ أنه قرَأ: (ما هذا بِشِرًى). أي: ما هذا بمُشْتَرًى (٥). يريدُ بذلك أنهن أَنْكَرن أن يكون مثله مستعبَدًا يُشْتَرى ويُباعُ. وهذه قراءةٌ (٦) لا أستجيزُ القراءةَ بها؛ لإجماعِ قرأةِ الأمصارِ على خلافِها. وقد بيَّنا أن ما أَجْمعت عليه فغيرُ جائزٍ خلافُها فيه. وأما نصبُ "البشرِ"، فمن لغةِ أهلِ الحجازِ، إذا أَسْقَطوا الباءَ من الخبرِ نصَبوه، فقالوا: ما عمرٌو قائمًا. وأما أهلُ نجدٍ، فإن من لغتِهم رفعَه، يقولون: ما عمرٌو قائمٌ. ومنه قولُ بعضِهم حيث يقولُ (٧):

стр. 8859

لَشَتَانَ ما أَنْوِى ويَنْوِى بنو أبي … جميعًا فما هذانِ مُسْتوِيانِ تمنَّوا لىَ الموتَ الذي يشعَبُ (١) الفتى … وكلُّ فتًى والموتُ يَلْتَقيانِ وأما القرآنُ فجاء بالنصبِ في كلِّ ذلك؛ لأنه نزَل بلغةِ أهلِ الحجازِ. وقولُه: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾. يقولُ: قلن: ما هذا إلا ملَكٌ من الملائكةِ. كما حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾. قال: قلن: ملَكٌ من الملائكةِ (٢). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢)﴾. يقول تعالى ذكره: قالت امرأةُ العزيزِ للنسوةِ اللاتي قطَّعن أيديَهن: فهذا الذي أصابكن في رؤيتِكن إياه، وفي نظرةٍ منكن نظَرتُن إليه ما أصابكن من ذهابِ العقلِ، وغروبِ (٣) الفهمِ ولهًا (٤) إليه (٥)، حتى قطَّعتن أيديَكن - هو الذي لمتُنَّني في حبى إياه، وشغفِ فؤادى به، فقلتنَّ: قد شغف امرأةُ العزيز فتاها حبًّا، إنا لنراها في ضلالٍ مبينٍ. ثم أقرَّت لهن بأنها قد راودته عن نفسِه، وأن الذي تحدَّثن به عنها في أمرِه حقٌّ، فقالت: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ مما راودته عليه من ذلك.

стр. 8860

كما حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمد، عن أسباط، عن السدي: ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾: تقولُ: بعدَ ما حلَّ السراويلَ اسْتَعْصَى، لا أَدْرِى ما بدا له (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَاسْتَعْصَمَ﴾. أي: فاسْتَعْصَى (٢). حدَّثنى عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَاسْتَعْصَمَ﴾. يقولُ (٣): فَامْتَنَع (٤). وقولُه: ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾. تقولُ (٥): ولئن لم يُطاوِعْنى على ما أدعوه إليه من حاجتي إليه، ﴿لَيُسْجَنَنَّ﴾. تقولُ (٥): ليُحْبَسَنَّ في السَّجْنِ، وليَكونَنْ من أهلِ الصَّغارِ والذِّلةِ، بالحبسِ والسِّجْنِ، ولأُهِينَنَّه. والوقفُ على قولِه: ﴿لَيُسْجَنَنَّ﴾ بالنونِ، لأنها مشدَّدةٌ، كما قيل: ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء: ٧٢]. وأما قولُه: هو ﴿وَلَيَكُونًا﴾. فإن الوقفَ عليه بالألفِ؛ لأنها النونُ الخفيفةُ،

стр. 8861

وهي شبيهةُ نونِ الإعرابِ في الأسماءِ في قولِ القائلِ: رأيت رجلًا عندَك. فإذا وُقِف على الرجلِ قيل: رأيت رجلا. فصارت النونُ ألفًا (١)، فكذلك ذلك في: ﴿وَلَيَكُونًا﴾. ومثلُه قولُه: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ﴾ [العلق: ١٥، ١٦]. الوقفُ عليه بالألفِ؛ لما ذكرت، ومنه قولُ الأعشى (٢): وصَلِّ على حينِ العشيَّاتِ والضُّحَى … ولا تعبُدِ الشيطانِ واللهَ فاعبُدَا وإنما هو: فاعبُدَنْ. ولكن إذا وُقِف عليه كان الوقفُ بالألفِ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣)﴾. وهذا الخبرُ من اللهِ يدلُّ على أن امرأةَ العزيزِ قد كانت (٣) عاودت يوسفَ في المراودةِ عن نفسِه، وتوعَّدَتْه بالسِّجْنِ والحَبْسِ إن لم يفعَلْ ما دعَتْه إليه، فاختار السِّجْنَ على ما دعته إليه من ذلك؛ لأنها لو لم تكنْ عاودته وتوعَّدته بذلك، كان محالًا أن يقولَ: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾. وهو لا يُدْعَى إلى شيءٍ، ولا يخوَّفُ بحبسٍ. والسِّجْنُ هو المَحْبِسُ (٤) نفسُه، وهو بيتُ الحبسِ. وبكسرِ السِّينِ قرأه قرأَةُ الأمصارِ كلِّها، والعربُ تضعُ الأماكنَ المشتقةَ من الأفعالِ مواضعَ الأفعال، فتقولُ: طلَعت الشمسُ مَطْلِعًا، وغرَبَت مَغْرِبًا. فيجعَلونها وهي أسماءٌ، خَلَفًا من المصادرِ، فكذلك السِّجْنُ، فإذا فتحت السينَ من السِّجْنِ كان مصدرًا

стр. 8862

صحيحًا. وقد ذُكِر عن بعضِ المتقدِّمين أنه كان (١) يَقْرَؤُه: (السَّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ). بفتحِ السينِ (٢). ولا أَسْتجِيزُ القراءةَ بذلك؛ لإجماعِ الحُجَّةِ مِن القرَأةِ على خلافِها. وتأويلُ الكلامِ: قال يوسُفُ: يا ربِّ، الحبسُ في السِّجنِ أحبُّ إليَّ مما يَدْعُوننى إليه من معصيتك، ويُراوِدْنَني (٣) عليه مِن الفاحشةِ. كما حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّديِّ: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾: مِن الزنى (٤). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: قال يوسُفُ، وأضاف (٥) إلى ربِّه، واسْتعانه (٦) على ما نزَل به: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾. أي: السجنُ أحَبُّ إليَّ مِن أن أتِىَ ما تكرَهُ (٧). وقولُه: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾. يقولُ: وإن لم تَدْفَعْ عنى يا ربِّ فعْلَهن الذي يَفْعَلْن بي، في مُراوَدتِهن إياى على أنفسِهن، ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾. يقولُ: أَمِيلُ إليهن، وأُتابِعُهن على ما يُرِدْنَ منى ويَهْوَيْنَ. مِن قولِ القائلِ: صبَا فلانٌ

стр. 8863

إلى كذا. ومنه قولُ الشاعرِ (١): إلى هندٍ صَبَا قلْبي … وهندٌ مِثْلُها يُصْبِى وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةً: ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾. يقولُ: أُتابِعُهن (٢). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ﴾. أي: ما أَتَخَوَّفُ منهنّ، ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ (٣). حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾. قال: إِلا يَكُنْ منك أنت العَوْنُ والمَنَعةُ، لا يَكُنْ منى ولا عندى (٤). وقولُه: ﴿وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾. يقولُ: وأَكُنْ بصَبْوتى إليهن مِن الذين جهِلوا حقَّك، وخالَفوا أمرَك ونهيَك. كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَأَكُنْ مِنَ

стр. 8864

الْجَاهِلِينَ﴾. أي: جاهلًا إذا ركِبْتُ معصيتَك (١). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤)﴾. إن قال قائلٌ: وما وجهُ قولِه: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ﴾. ولا مسألةَ تقدَّمَت مِن يوسُفَ لربِّه، ولا دعا بصَرْفِ كيدِهن عنه، وإنما أَخْبَر ربَّه أن السجنَ أحبُّ إليه مِن معصيتِه؟ قيل: إن في إخبارِه بذلك شِكايةً منه إلى ربِّه مما لقِى منهن، وفي قولِه: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾. معنى دعاءٍ ومسألةٍ منه ربَّه صرفَ كيدِهن، ولذلك (٢) قال اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ﴾. وذلك كقولِ القائلِ لآخر (٣): إن (٤) لا تَزُرْنى أُهِنْك. فيجيبه الآخرُ: إذن أَزُورَك. لأن في قولِه: إن (٤) لا تَزُرْنِي أُهِنْك. معنى الأمرِ بالزيارةِ. وتأويلُ الكلامِ: فاسْتَجاب اللهُ ليوسُفَ دعاءَه، فصَرَف عنه ما أرادَت منه امرأةُ العزيزِ وصَواحباتُها من معصية اللهِ. كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. أي: نجَّاه مِن أَن يَرْكَبَ المعصيةَ فيهن، وقد نزَل به بعضُ ما حذِر منهن (٥).

стр. 8865

وقولُه: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾. [أي سميعٌ] (١) دعاءَ يوسُفَ حينَ دعاه بصرفِ كيدِ النِّسوةِ عنه، ودعاءَ كلِّ داعٍ مِن خلقِه، ﴿الْعَلِيمُ﴾ بمطلبِه وحاجتِه وما يُصْلِحُه، وبحاجةِ جميعِ خلقِه وما يُصْلِحُهم. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ثم بدا للعزيزِ زوجِ المرأةِ التي راوَدَت يوسُفَ عن نفسِه. وقيل: ﴿بَدَا لَهُمْ﴾. وهو واحدٌ؛ لأنه لم يُذْكَرْ باسمِه، ويُقْصَدْ بعينِه، وذلك نظيرُ قولِه: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣]. وقيل: إن قائلَ ذلك كان واحدًا. وقيل (٢): معنى قوله: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ﴾: [ثم بدا لهم] (٣) في الرأيِ الذي كانوا رأَوْه، مِن تركِ يوسُفَ مطلقًا، ورأَوْا أن يَسْجُنوه ﴿مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ﴾ ببراءتِه مما قرفته به (٤) امرأةُ العزيزِ. وتلك الآياتُ كانت قدَّ القميصِ مِن دُبُرٍ، وخَمْشًا في الوجهِ، وقَطَّعَ أيديهن، كما حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن [نضرِ بن عربيٍّ] (٥)، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ﴾. قال: كان مِن الآياتِ قَدٌّ في

стр. 8866

القميصِ، وخَمْشٌ في الوجهِ (١). حدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبى وابنُ تُميرٍ، عن نضر، عن عكرمة مثله (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شَبابةُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ﴾. قال: قدُّ القميصِ مِن دبرٍ (٣). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ﴾. قال: قدُّ القميصِ مِن دبرٍ. حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ. قال: وثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن وَرْقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ﴾. قال: الآياتُ: حَزُّهن أيديَهن، وقدُّ القميصِ (٤). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: قَدُّ القميصِ مِن دبرٍ.

стр. 8867

حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ﴾: ببراءتِه مما (١) أتُّهِم به مِن شقَّ قميصِه مِن دبرٍ، ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسْباطَ، عن السديِّ: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ﴾. قال: الآياتُ: القميصُ، وقَطْعُ الأيدى (٣). وقولُه: ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾. يقولُ: ليسجُنُنَّه إلى الوقت الذي يَرَوْن فيه رأيَهم. وجعَل اللهُ ذلك الحبسَ ليوسُفَ فيما ذُكِر عقوبةً له مِن همِّه بالمرأةِ، أو (٤) كفارةً لخطيئتِه (٥). حُدِّثْتُ عن يحيى بن أبي زائدةَ، عن إسرائيلَ، عن حُصَيْفٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾: عثَر يوسُفُ ﵇ ثلاثَ عَثَراتٍ؛ حينَ همَّ بها فسُجِن، وحينَ قال: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾. فَلَبِثَ في السجنِ بضْعَ سنينَ، وأنساه الشيطانُ ذكرَ ربِّه، وقال لهم: ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ [يوسف: ٧٠]. فقالوا: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ (٦) [يوسف: ٧٧]. وذُكِر أن سببَ حبسِه في السجنِ كان شكوى امرأةِ العزيزِ إلى زوجِها أمرَها

стр. 8868

وأمرَه، كما حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، عن أسباطَ، عن السديِّ: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾. قال: قالت المرأةُ لزوجِها: إن هذا العبدَ العِبْرانيَّ قد فضَحنى في الناسِ، يَعْتَذِرُ إليهم ويُخْبِرُهم أنى راوَدْتُه عن نفسِه، ولستُ أُطِيقُ أن أَعْتَذِرَ بعُذْري، فإِما أن تَأْذَنَ لِي فَأَخْرُجَ فَأَعْتَذِرَ، وإما أن تَحْبِسَه كما حبَسْتَنى. فذلك قولُ اللهِ: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ (١). وقد اخْتَلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ دخولِ هذه اللامِ في: ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾؛ فقال بعضُ البصريين: دخَلَت هاهنا؛ لأنه موضعٌ يَقَعُ فيه "أيٌّ"، فلمَّا كان حرفُ الاستفهام يَدْخُلُ فيه دخَلَته النونُ؛ لأن النونَ تَكونُ في الاستفهامِ، تقولُ: بدا لهم أيُّهم (٢) يَأْخُذُنَّ. أي: اسْتَبان لهم. وأَنْكَر ذلك بعضُ أهلِ العربيةِ، فقال: هذا يمينٌ، وليس قولُه: هل تَقُومَنَّ؟ بيمينٍ، و: لَتَقومَنَّ. لا يكونُ إلا يمينًا. وقال بعضُ نحويى الكوفةِ: ﴿بَدَا لَهُمْ﴾ بمعنى القولِ. والقولُ يَأْتى بكلِّ الكلامِ بالقسمِ وبالاستفهامِ، فلذلك جاز: بدا لهم قام زيدٌ، وبدا لهم لَيَقومَنَّ. وقيل: إن الحينَ (٣) في هذا الموضعِ معنِيٌّ به سبعُ سِنينَ.

стр. 8869

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا المُحاربيُّ، عن داودَ، عن عكرمةَ: ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾. قال: سبعَ سنينَ (١). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ودخَل مع يوسُفَ السجنَ فَتَيان، فدَّل بذلك على متروكٍ قد تُرِك مِن الكلامِ، وهو: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾، فسجَنوه وأدْخَلوه السجنَ، ودخَل معه فَتَيان، فاسْتَغْنَى بدليلِ قولِه: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ (٢)﴾. على إدخالِهم يوسُفَ السجنَ مِن ذكرِه. و (٣) كان الفَتيان فيما ذُكِر غلامين مِن غِلْمَانِ ملكِ مصرَ الأكبرِ؛ أحدُهما صاحبُ شرابِه، والآخرُ صاحبُ طعامِه. كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: فطُرِح في السجنِ، يعنى يوسُفَ، ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾: غلامان (٤) كانا للملكِ الأكبرِ الرَّيَّانِ بن الوليدِ، كان أحدُهما على شرابِه، والآخرُ على بعضِ أمرِه، في

стр. 8870

سَخْطةٍ سخِطها عليهما، اسمُ أحدِهما مجلثُ، والآخرُ [نبو، ونبو] (١) الذي كان على الشرابِ (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾. قال: كان أحدُهما [خبَّاز الملكِ] (٣) على طعامِه، وكان الآخرُ ساقِيَه على شرابِه (٤). وكان سببَ حبسِ الملكِ الفتَيَين، فيما ذُكِر، ما حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسباطَ، عن السديِّ، قال: [حبَسه الملكُ وغضِب] (٥) على خبَّازِه؛ بلَغه أنه يُرِيدُ أن يَسُمَّه، فحبَسه وحبَس صاحبَ شرابِه، ظنَّ أنه مالأه على ذلك، فحبَسهما جميعًا، فذلك قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ (٦). وقولُه: ﴿قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾. ذُكِر أن يوسُفَ صلواتُ اللهِ (٧) عليه لما أُدْخِل السجنَ، قال لمن فيه مِن المُحَبَّسين، وسأَلوه عن عملِه (٨):

стр. 8871

إنى أَعْبُرُ (١) الرؤيا. فقال أحدُ الفتيَين اللذين أُدْخِلا معه السجنَ لصاحبِه: تعالَ فلْنُجَرِّبْه. كما حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، عن أسْباطَ، عن السديِّ، قال: لما دخَل يوسُفُ السجنَ قال: أنا أَعْبُرُ الأحلامَ، فقال أحدُ الفتيَين لصاحبِه: هَلُمَّ نُجَرِّبْ هذا العبدَ العِبْرانيَّ؛ نتراءى له، فسأَلاه مِن غيرِ أن يكونا رأَيا شيئًا، فقال الخبَّازُ: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ﴾. وقال الآخرُ: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ وابنُ حميدٍ، قالا: ثنا جريرٌ، عن عُمارةَ بن القَعْقاعِ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللهِ، قال: ما رأَى صاحبا يوسُفَ شيئًا، إنما كانا تَحالَما؛ ليُجَرِّبا علمَه (٣). وقال قومٌ (٤): إنما سأَله الفَتَيان عن رُؤْيَا كانا رأَيَاها على صحةٍ وحقيقةٍ، وعلى تصديقٍ منهما ليوسُفَ؛ لعلمِه بتَعْبيرِها. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: لما رأَى الفَتَيان يوسُفَ، قالا: واللهِ يا فتى، لقد أحْبَبْناك حينَ رأَيْناك.

стр. 8872

قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن عبدِ اللهِ (١) بن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، أن يوسُفَ قال لهم حينَ قالا له ذلك: أَنْشُدُكما اللَّهَ أن لا تُحِبَّانى، فواللهِ ما أَحَبَّنى أحدٌ قطُّ، إلا دخل عليَّ مِن حبِّه بلاءٌ، لقد أحَبَّتْنى عمَّتى فدخَل عليَّ مِن حبَّها بلاءٌ، ثم لقد أحَبَّنى أبي، فدخَل عليَّ بحبِّه بلاءٌ، ثم لقد أحَبَّتْني زوجةُ صاحبي هذا، فدخَل عليَّ بحبِّها إياىَ بلاءٌ، فلا تُحِبَّانى بارَك اللهُ فيكما. قال: فأبَيا إلا حبَّه وإلْفَه حيثُ كان، وجعَلا يُعْجِبُهما ما يَرَيان مِن فهمِه وعقلِه، وقد كانا رأيا حينَ أُدْخِلا السجنَ رُؤْيَا، فرأَى مجلثُ: أنه يَحْمِلُ فوقَ رأسِه خبزًا تَأْكُلُ الطيرُ منه، ورأَى نبو (٢) أنه يَعْصِرُ خمرًا، فاسْتفْتَياه (٣) فيها، وقالا له: ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ إِن فَعَلْتَ (٤). وعنَى بقولِه: ﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾. أي: إنى أرَى في نومي أنى أَعْصِرُ عنبًا. وكذلك ذلك في قراءةِ ابن مسعودٍ، فيما ذُكِر عنه. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن أبي سلمةَ الصائغِ، عن إبراهيمَ بن بَشيرٍ الأنصاريِّ، عن محمدِ ابن الحَنَفيةِ، قال: في قراءةِ ابن مسعودٍ: (إني أَرَانِي أَعْصِرُ عِنَبًا) (٥).

стр. 8873

وذُكِر أن ذلك من لغةِ أهلِ عمانَ، وأنهم يُسَمُّون العنبَ خمرًا. ذكرُ مَن قال ذلك حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ، يقولُ: ثنا عُبيدٌ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾. يقولُ: أَعْصِرُ عِنَبًا، وهو بلغة (١) أهلِ عمانَ، يُسَمُّون العنبَ خمرًا (٢). حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ. وثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سلمةَ بن نُبَيْطٍ، عن الضحاكِ: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾. قال: عنبًا، أرضُ كذا وكذا يَدْعُون العنب خمرًا. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾. قال: عنبًا (٣). حُدِّثْتُ عن المسيَّبِ بن شَريكٍ، عن أبي حمزةَ، عن عكرمةَ، قال: أتاه فقال: رأيْتُ فيما يَرَى النائمُ أنى غرَسْتُ حَبَلَةً (٤) مِن عنبٍ، فنبَتَت، فخرَج فيها (٥) عَناقيدُ فعصَرْتُهن، ثم سقَيْتَهن الملكَ. فقال: تمْكُثُ في السجنِ ثلاثةَ أَيامٍ، ثم تَخْرُجُ فتَسْقِيه خمرًا.

стр. 8874

وقوله: ﴿وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وقال الآخرُ مِن الفَتيَين: إني أراني في مَنامي ﴿أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا﴾. يقولُ: أَحْمِلُ على رأسى، فوُضِعَت "فوقَ" مكانَ "على"، ﴿تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ﴾ يعنى مِن الخبزِ. وقولُه: ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾. يقولُ: أخْبِرْنا بما يَئُولُ إِليه ما أَخْبَرْنَاكَ أَنّا رَأَيْناه في منامِنا، ويَرجِعُ إليه. كما حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا يزيدُ، عن وَرْقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾. قال: به. قال الحارثُ: قال [أبو عُبيدٍ] (١): يعنى مجاهدٌ: إن تأويلَ الشيءِ هو الشيءُ. قال: ومنه تأويلُ الرؤيا، إنما هو الشيءُ الذي تَئُولُ إليه. وقولُه: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى الإحسانِ الذي وصَف به الفَتَيان يوسُفَ؛ فقال بعضُهم: هو أنه كان يَعودُ مريضَهم، ويُعَزِّي حزينَهم، وإذا احْتاج منهم إنسانٌ جمَع له. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا سعيدُ بنُ منصورٍ، قال: ثنا خلفُ بنُ خَليفةَ، عن سلمةَ بن نُبَيْطٍ، عن الضحاكِ بن مُزَاحِمٍ، قال (٢): كنتُ جالسًا [معه ببَلْخَ (٣)، فسُئِل عن قولِه: ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. قال: قيل

стр. 8875

له: ما كان إحسانُ يوسفَ؟ قال: كان إذا مرِض إنسانٌ قام عليه، وإذا احْتاج جمَع له، وإذا ضاق أوْسَع له (١). حدَّثنا إسحاقُ بنُ (٢) أبي إسرائيلَ، قال: ثنا خلفُ بنُ خليفةَ، عن سلمةَ بن نُبَيْطٍ، عن الضحاكِ، قال: سأَل رجلٌ الضحاكَ عن قولِه: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. ما كان إحسانُه؟ قال: كان إذا مرِض إنسانٌ في السجنِ قام عليه، وإذا احْتاج جمَع له، وإذا ضاق عليه المكانُ وسَّع (٣) له (٤). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكرِ بن عبدِ اللهِ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. قال: بلَغَنا أن إحْسانَه (٥) أنه كان يُداوِى مريضَهم، ويُعَزِّي حزينَهم، ويَجْتَهِدُ لربِّه. وقال: لما انْتَهَى يوسُفُ إلى السجنِ، وجَد فيه قومًا قد انْقَطَع رجاؤُهم، واشْتَدَّ بلاؤُهم، فطال حزنُهم، فجعَل يقولُ: أبْشِروا واصْبِروا تُؤْجَروا، إن لهذا أجرًا (٦)، إن لهذا ثوابًا. فقالوا: يا فتى بارَك اللهُ فيك، ما أَحْسَنَ وجهَك، [وأحسنَ خَلَقَك] (٧) وأحسنَ خُلُقَك! لقد

стр. 8876

بُورِك لنا في جوارِك، ما نُحِبُّ أنا كنا في غيرِ هذا منذُ حُبِسْنا؛ لما تُخْبِرُنا مِن الأجرِ والكفارةِ والطَّهارةِ، فمَن أنت يا فتى؟ قال: أنا يوسُفُ، ابن صَفِيِّ اللَّهِ يعقوبَ، ابن ذَبيحِ اللهِ إسحاقَ بن إبراهيمَ خليلِ اللهِ. وكانت عليه مَحبَّةٌ، وقال له عاملُ السجنِ: يا فتى، واللهِ لو اسْتَطَعْتُ لَخَلَّيْتَ سبيلَك، ولكن سأُحْسِنُ جوارَك، وأُحْسِنُ إِسارَك، فكُنْ في أيِّ بيوتِ السجنِ شِئْتَ (١). حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن خلفٍ الأشْجَعيِّ، عن سلمةَ بن نُبَيْطٍ، عن الضحاكِ في: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. قال: كان يُوسِّعُ للرجلِ في مجلسِه، ويَتَعاهدُ المرضَى. وقال آخرون: معناه: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ إِن (٢) نَبَّأْتَنا بتأويلِ رُؤْيانا هذه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: اسْتَفْتَياه في رُؤياهما، وقالا له: ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ إِن فَعَلْتَ. وأولى الأقوالِ في ذلك عندَنا بالصوابِ القولُ الذي ذكَرْناه عن الضحاكِ وقتادةَ. فإن قال قائلٌ: وما وجهُ الكلامِ إن كان الأمرُ إذن كما قلتَ، وقد علِمْتَ أن مسألتَهما يوسُفَ أن يُنَبِّئَهما بتأويلِ رُؤْياهما ليست مِن الخبرِ عن صفتِه بأنه يَعودُ

стр. 8877

المريضَ، ويَقومُ عليه، ويُحْسِنُ إلى مَن احْتاج في شيءٍ، وإنما يقالُ للرجلِ: نبِّئْنا بتأويلِ هذا، فإنك عالمٌ. وهذا من المواضع التي تَحْسُنُ بالوصفِ بالعلمِ لا بغيرِه؟ قيل: إن وجهَ ذلك أنهما قالا له: نَبِّئْنا بتأويلِ رُؤْيانا مُحْسِنًا إلينا في إخبارِك إيانا بذلك، كما نراك تُحسِنُ في سائرِ أفعالِك؛ ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿قَالَ﴾ يوسفُ للفَتَيَين اللذين اسْتَعْبَرَاه الرُّؤْيا: ﴿لَا يَأْتِيكُمَا﴾، أيُّها الفتيان، في مَنامِكما ﴿طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ في يَقظَتِكما، ﴿قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا﴾. وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسباطَ، عن السديِّ، قال: قال يوسفُ لهما: ﴿لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ﴾ في النومِ ﴿إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ في اليقظة (١). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: قال يوسفُ لهما. بنحوِه (٢).

стр. 8878

ويعنى بقولِه: ﴿بِتَأْوِيلِهِ﴾: ما يَئولُ إليه ويصيرُ ما رَأيا في منامِهما مِن الطعامِ الذي رَأيا أنه أتاهما فيه. وقولُه: ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾. يقولُ: هذا الذي أذكُرُ أني أَعْلَمُه مِن تعبيرِ الرؤيا، مما عَلَّمَنى ربِّي فَعَلِمْتُه، ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾. وجاءَ الخبرُ مبتدأً، أي: تَرَكتُ ملةَ قومٍ، والمعنى: ما قلْتُ (١). وإنما ابْتَدأَ بذلك؛ لأن في الابتداءِ الدليلَ على معناه. وقولُه: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾. يقولُ: إنى [بَرِئْتُ مِنْ] (٢) ملةِ مَن لا يُصدِّق الله (٣)، ويُقِرُّ بوحدانيتِه، ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾. يقولُ: وهم مع تَرْكِهم الإيمانَ بوحدانيةِ اللهِ لا يُقِرُّون بالمعادِ والبعثِ، ولا بثوابٍ ولا عقابٍ. وكُرِّرَت "هم" مرَّتين، فقيل: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾. لمَّا دَخَل بينَهما قولُه: ﴿بِالْآخِرَةِ﴾. فصارت (هم) الأولى كالملغاةِ، وصار الاعتمادُ على الثانيةِ، كما قيل: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٣]، وكما قيل: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥]. فإن قال قائلٌ: و (٤) ما وَجْهُ هذا الخبرِ ومعناه مِن يوسفَ، وأين جوابُه الفَتَيَين عما سَألاه مِن تعبيرِ رُؤْياهما مِن هذا الكلامِ؟

стр. 8879

قيل له: إن يوسفَ كَرِه أن يُجيبَهما عن تأويلِ رُؤْياهما؛ لما عَلِم مِن مَكْرُوهِ ذلك على أحدِهما، فأعْرَضَ عن ذكرِه (١)، وأَخَذ في غيرِه؛ ليُغرِضا عن مسألتِه الجوابَ عمّا (٢) سألاه مِن ذلك. وبنحوِ ذلك قال بعضُ (٣) أهلِ العلمِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ في قولهِ: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾. قال: فكَرِهَ العبارةَ لهما، وأخبرَهما بشيءٍ لم يَسألاه عنه؛ ليُرِيَهما أن عندَه علمًا، وكان المِلِكُ إذا أرادَ قَتْلَ إنسانٍ، صَنَع له طعامًا معلومًا، فأرسَل به إليه، فقال يوسفُ: ﴿لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ﴾ إلى قولِه: ﴿لَا يَشْكُرُونَ﴾. فلم يَدَعاه، فعَدَل بهما، وكَرِهَ العبارةَ لهما، فلم يَدَعاه حتى يَعْبُرَ لهما، فعَدَل بهما، وقال: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ إلى قولِه: ﴿يَعْلَمُونَ﴾. فلم يَدَعاه حتى عَبَر لهما، فقال: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ﴾. قالا: ما رَأَينا شيئًا، إنما كُنَّا نَلْعَبُ. قال: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ (٤).

стр. 8880

وعلى هذا التأويلِ الذي تأوَّله ابن جريجٍ فقولُه (١): ﴿لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ [إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا﴾. معناه: لا يأتيكما طعامٌ ترزقانه] (٢) في اليَقَظةِ. لا في النومِ، وإنما أعْلَمُهما - على هذا القولِ - أن عندَه عِلْمَ ما يَئُولُ إليه أمرُ الطعامِ، الذي يَأْتِيهما مَن عندِ الملكِ ومِن عندِ غيرِه؛ لأنه قد عَلِمَ النوعَ الذي إذا أتاهما كان علامةً لقَتْلِ مَن أتاه ذلك منهما، والنوعَ الذي إذا أتاه كان علامةً لغيرِ ذلك، فأخبرَهما أن عندَه علمَ ذلك. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٣٨)﴾. يعني بقولِه: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾: واتَّبَعتُ دينَهم لا دينَ أهلِ الشركِ. ﴿مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾. يقولُ: ما جازَ لنا أن نجعلَ للهِ شريكًا في عبادتِه وطاعتِه، بل الذي علينا إفرادُه بالألوهةِ والعبادةِ، ﴿ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا﴾. يقولُ: اتِّباعى ملَّةَ آبائي إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ على الإسلام، وتَرْكى ﴿مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾، مِن فضلِ اللهِ الذي تفضَّلَ به علينا، فأنْعَم إذ أكْرَمَنا به، ﴿وَعَلَى النَّاسِ﴾. يقولُ: وذلك أيضًا مِن فضلِ اللهِ على الناسِ، إذ أرسَل (٣) إليهم دُعاةً إلى تَوْحيدِه وطاعتِه، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾. يقولُ: ولكنّ مَن يَكْفُرُ باللَّهِ لا يَشْكُرُ ذلك مِن فضلِه عليه؛ لأنه لا يعلمُ مَن أنعَمَ به عليه، ولا يعرِفُ المُتَفضِّلَ به.

стр. 8881

وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قالُ أهل التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا﴾: أَنْ جَعَلَنا أنبياءَ ﴿وَعَلَى النَّاسِ﴾. يقولُ: أن بَعَثَنا إليهم رسلًا (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ﴾: ذُكِرَ لنا أن أبا الدرداءِ كان يقولُ: يا رُبَّ شاكرٍ نعمةً غيرِ مُنْعِمٍ عليه لا يَدْرِى، ورُبَّ حاملِ فقهٍ غيرُ فقيهٍ (٢). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾. ذُكِرَ أن يوسفَ، صلواتُ اللهِ عليه، قال هذا القولَ للفَتَيَين اللذين دَخَلا معه السجنَ؛ لأن أحدَهما كان مشرِكًا، فَدَعاه بهذا القولِ إلى الإسلامِ، وتَركِ عبادةِ الآلهةِ والأوثانِ، فقال: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾. يعنى: يا مَن هو في السجنِ. وجَعَلهما صاحبَيه؛ لكونِهما فيه، كما قال اللهُ لسكانِ الجنةِ: فـ ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨٢]. وكذلك قال لأهلِ النارِ، وسَمَّاهم أصحابَها؛ لكونِهم فيها.

стр. 8882

وقولُه: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾. يقولُ: أعبادةُ أربابٍ شَتَّى مُتَفرِّقين وآلهةٍ لا تنفعُ ولا تضرُّ، خيرٌ أم عبادةُ اللهِ (١) المعبودِ الواحدِ الذي لا ثانيَ له في قدرتِه وسلطانِه، الذي قَهَرَ كلَّ شيءٍ، فَذَلَّلَه وسَخَّرَه، فأطاعَه طَوعًا وكَرْها؟! وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾ إلى قولِه: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾. لمَّا عَرَف نبيُّ اللهِ يوسفُ أن أحدَهما مقتولٌ (٢)، دَعاهما إلى حَظِّهما مِن ربِّهما، وإلى نصيبِهما مِن آخرتِهما (٣) (٤). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾: يوسفُ يقولُه (٥). قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، [قال: ثم] (٦) دَعاهما إلى

стр. 8883

اللهِ، وإلى الإسلامِ، فقال: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾. أي: خيرٌ أن تَعْبُدوا إلهًا واحدًا، أو آلهةً مُتفرِّقةً، لا تُغْنِى عنكم شيئًا؟ القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٤٠)﴾. يعنى بقولِه: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ﴾: ما تَعْبُدون مِن دونِ اللَّهِ. وقال: ﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾، وقد ابتدَأَ الخطابَ بخطابِ اثنين، فقال: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾؛ لأنه قَصَدَ المُخاطَبَ به، ومَن هو على الشِّرْكِ باللَّهِ مُقيمٌ مِن أهلِ مصرَ، فقال للمخاطَبِ بذلك: ما تَعْبُدُ أنت، ومَن هو على مثلِ ما أنت عليه مِن عبادةِ الأوثانِ. ﴿إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾: وذلك تَسْمِيتُهم أوثانَهم آلهةً أربابًا، شِرْكًا منهم، وتَشْبِيهًا لها في أسمائِها التي سمَّوها بها باللهِ، تعالى عن أن يكونَ له مِثْلٌ أو شَبيهٌ، ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾. يقولُ: سَمَّوها بأسماءٍ لم يأذَنْ لهم بتَسْميتِها بها (١)، ولا وَضَعَ لهم على أن تلك الأسماءَ أسماؤُها دلالةً ولا حجةً، ولكنها اختلاقٌ منهم لها وافتراءٌ. وقولُه: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾. يقولُ: وهو الذي أَمَر ألا تَعْبدوا أنتم وجميعُ خلقِه إلا الله الذي له الألوهةُ والعبادةُ خالصةً دونَ كلِّ ما سِواه مِن الأشياءِ. كما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا

стр. 8884

تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾. قال: أُسِّسَ الدينُ على الإخلاصِ للهِ وحدَه لا شريكَ له (١). وقولُه: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾. يقولُ: هذا الذي دعوتُكما إليه مِن البراءةِ مِن عبادةِ ما سِوي اللَّهِ مِن الأوثانِ، وأن تُخْلِصا العبادةَ للهِ الواحدِ القهارِ - هو الدينُ القويمُ الذي لا اعْوجاجَ فيه، والحقُّ (٢) لا شكَّ (٣) فيه. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: ولكنَّ أكثرَ (٤) أهلِ الشركِ باللَّهِ يَجْهَلُون ذلك، فلا يَعْلَمون حقيقتَه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (٤١)﴾. يقولُ جل ثناؤُه مخبرًا عن قيلِ يوسفَ للَّذَين دَخلا معه السجنَ: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾. هو الذي رأى أنه يعصِرُ خمرًا، فيَسْقى ربَّه - يعنى سيِّدَه، وهو مَلِكُهم - خمرًا، يقولُ: يكونُ صاحبَ شَرابِه. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾. قال: سيِّدَه (٥). ﴿وَأَمَّا الْآخَرُ﴾ وهو الذي رأى أن على رأسِه خبزًا تأكُلُ الطيرُ منه،

стр. 8885

﴿فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ﴾، فذُكِر أنه لمَّا عَبَر ما أخبَراه [به أنهما رأياه] (١) في منامِهما، قالا له: ما رَأَينا شيئًا. فقال لهما: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾. يقولُ: فُرِغَ مِن الأمرِ الذي فيه اسْتَفْتَيتُما، ووَجَب حكمُ اللَّهِ عليكما بالذي أخبَرتُكما به. وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ العلمِ (٢). ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عمارةَ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: قال اللذان دَخَلا السجنَ على يوسفَ: ما رأَينا شيئًا. فقال: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ (٣). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن عمارةَ بن القَعْقاعِ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾. قال: لمَّا قالا ما قالا، أخبَرهما، فقالا: ما رَأَينا شيئًا. فقال: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ فُضيلٍ، عن عمارةَ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، عن عبدِ اللَّهِ في الفَتَيَين اللَّذين أَتَيا يوسفَ والرؤيا: إنما كانا تَحالَما ليُجَرِّباه،

стр. 8886

فلما أَوَّلَ رُؤْياهما قالا: إنما كُنَّا نلعَبُ. قال: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عمارةَ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللهِ، قال: ما رأى صاحبا يوسفَ شيئًا، إنما كانا تَحالما ليُجَرِّبا علمَه، فقال أحدُهما: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا (٢)﴾. وقال الآخرُ: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. قال: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ﴾. فلما عَبَر، قالا: ما رَأَينا شيئًا. قال: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾: على ما عَبرَ يوسفُ. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: قال لمجلثَ: أما أنت فتُصْلَبُ فتأكُلُ الطيرُ مِن رأسِك. وقال لنبو: أما أنت فتُردُّ على عملِك، فيَرْضَى عنك صاحبُك، ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾. أو كما قال (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: ﴿فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ (٤). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي

стр. 8887

نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾. عندَ قولِهما: ما رَأَينا رُؤْيا، إنما كُنَّا نلعبُ. قال: قد وَقَعَت الرؤيا على ما أَوَّلتُ. حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شَبابةُ، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾. فَذَكَر مثلَه (١). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (٤٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال يوسفُ للذى عَلِمَ أنه ناجٍ من صاحبَيه اللَّذين اسْتَعْبَراه الرؤيا: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾. يقولُ: اذْكُرْني عندَ سَيِّدِك، وأخْبِرْه بمظْلِمَتى، وأنى محبوسٌ بغيرِ جُرْمٍ. كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: قال - يعني لنبو -: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾. أي: اذكُرُ للمَلِكِ الأعظمِ مَظْلِمتى وحَبْسى في غير شيءٍ. قال: أفعلُ. حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾. قال: للَّذى نَجَا مِن صاحبى السجنِ؛ يوسفُ يقولُ: اذكُرْني عندَ المَلِكِ (٢)

стр. 8888

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يَمانٍ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن ابن سابطٍ (١): ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾. قال: عندَ مَلِكِ الأرضِ (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾: يعنى بذلك المَلِكَ (٣). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾: الذي نَجا مِن صاحبى السجنِ (٤)؛ يقولُ يوسفُ له (٥): اذكُرْنى للملكِ. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا العَوَّامُ بنُ حوشبٍ، عن إبراهيمَ التَّيميِّ: إنه لمَّا انتُهى (٦) إلى بابِ السجنِ، قال له [صاحبٌ له: حاجَتَك] (٧)؛ أوصِني بحاجَتِك. قال: حاجتى أن تَذْكُرَنى عندَ رَبِّك. سِوَى (٨)

стр. 8889

الربِّ [الذي ملك] (١) يوسفَ (٢). وكان قتادةُ يوجِّهُ معنى الظنِّ في هذا الموضعِ، إلى الظَّنِّ الذي هو خلافُ اليقينِ. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾: وإنما عبارةُ الرؤيا (٣) بالظَّنِّ، فيُحِقُّ اللَّهُ ما يشاءُ ويُبْطِلُ ما يشاءُ (٤). وهذا الذي قاله قتادةُ؛ مِن أن عبارةَ الرؤيا ظَنٌّ، فإن ذلك كذلك مِن غيرِ الأنبياءِ، فأَمَّا الأنبياءُ فغيرُ جائزٍ منها أن تُخْبِرَ بخبرٍ عن أمرٍ أنه كائنٌ ثم لا يكونُ، أو أنه غيرُ كائنٍ ثم يكونُ، مع شهادتها على حقيقةِ ما أخْبَرَت عنه أنه كائنٌ أو [غيرُ كائنٍ] (٥)؛ لأن ذلك لو جاز عليها في أخبارِها، [لم يؤمَنْ مثلُ ذلك في كلِّ أخبارِها، وإذا لم يؤمَنْ ذلك في أخبارِها] (٥)، سَقَطَت حُجَّتُها على مَن أُرسِلت إليه، فإذ كان ذلك كذلك، كان غيرُ جائزٍ عليها أن تُخْبِرَ بخبرٍ إلا وهو حقٌّ وصِدْقٌ؛ فمعلومٌ، إذ كان الأمرُ على ما وصفتُ، أن يوسفَ لم يقطَع الشهادةَ على ما أخبَرَ الفَتَيَين اللذَين اسْتَعْبَراه أنه كائنٌ، فيقولُ لأحدِهما: ﴿أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ﴾. ثم يؤكِّدُ ذلك بقولِه: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾. عندَ قولِهما: لم نَرَ شيئًا. إلا وهو على يقينٍ أن ما أخبَرهما

стр. 8890

بحُدُوثِه وكونِه، أنه كائنٌ لا محالةَ، لا شكَّ فيه، وليَقينِه بكونِ ذلك، قال للناجِي منهما: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾. فبَيِّنٌ إذن بذلك فسادُ القولِ الذي قاله قتادةُ في معنى قولِه: ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا﴾. وقولُه: ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾: وهذا خبرٌ مِن الله جل ثناؤُه عن غفلةٍ عَرَضَت ليوسفَ (١) مِن قِبَل الشيطانِ، نَسِيَ لها ذكرَ ربِّه الذي لو به اسْتَغاثَ لأسْرَعَ بما هو فيه خَلاصُه، ولكنه زَلَّ بها فأطالَ مِن أَجْلِها في السجنِ حَبْسَه، وأوجَعَ لها عقوبتَه. كما حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا جعفرُ بنُ سليمانَ الضُّبَعيُّ، عن بِسْطامِ بن مسلمٍ، عن مالكِ بن دينارٍ، قال: لما قال يوسُفُ للساقي: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾. قال: قيل: يا يوسُفُ، أَتَّخَذْتَ مِن دونِى وكيلًا! لأُطِيلَن حبسَك (٢). فبكى يوسُفُ وقال: يا ربِّ أَنْسَى قلبى كثرةُ البَلْوَى، فقلتُ كلمةً، فويلٌ لإخوتى (٣). حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا ابن عُيينةَ، عن عمرِو بن دينارٍ، عن عكرمةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لولا أنه - يعنى يوسُفَ - قال الكلمةَ التي قال، ما لبِث في السجنِ طولَ ما لبِث" (٤).

стр. 8891

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: ثنا يونُسُ، عن الحسنِ، قال: قال نبيُّ اللهِ ﷺ : "رحِم اللهُ يوسُفَ، لولا كلمتُه ما لبِث في السجنِ طولَ ما لبِث". يعنى قولَه: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾. قال: ثم يَبْكِي الحسنُ، فيقولُ: نحن إذا نزَل بنا أمرٌ فزِعْنا إلى الناسِ (١). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليةَ، عن أبي رَجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾. قال: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ قال: "لولا كلمةُ يوسُفَ ما لبث في السجنِ طولَ ما لبِث". حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو بنُ محمدٍ، عن إبراهيمَ بن يزيدَ، عن عمرِو بن دينارٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: قال النبيُّ ﷺ : "لو لم يَقُلْ - [يعنى يوسفَ] (٢) - الكلمةَ التي قال، ما لبث في السجن طولَ ما لبث (٣)، حيثُ يَبْتَغِى الفرجَ مِن عندِ غيرِ اللَّهِ (٤). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: بَلَغنى أن النبيَّ ﷺ قال: "لو لم يَسْتَعِنْ يوسُفُ على ربِّه، ما لبِث في السجنِ طولَ ما لبِث" (٥).

стр. 8892

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أن [نبيَّ اللهِ] (١) كان يقولُ: "لولا أن يوسُفَ اسْتَشْفَع على ربِّه، ما لبِث في السجنِ طولَ ما لبِث، ولكن إنما عُوقِب باسْتِشْفاعِه على ربِّه". حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: قال له: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾. قال (٢): فلم يَذْكُره حتى رأَى الملكُ الرؤيا، وذلك أن يوسُفَ أنساه الشيطانُ ذكرَ ربِّه، وأَمَرَه بذكرِ (٣) الملكِ، وابتغاء الفرجِ مِن عندِه، فلبِث في السجنِ بضعَ سِنينَ، بقولِه: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه، غيرَ أنه قال: ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾؛ عقوبةً لقولِه: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾. قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن وَرْقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَ حديثِ محمدِ بن عمرٍو سواءً. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَ حديثِ المُثَنَّى عن أبي حُذيفةَ (٤). وكان محمدُ بنُ إسحاقَ يقولُ: إنما أَنْسَى الشيطانُ الساقيَ ذكر أمرِ يوسُفَ لملكِهم.

стр. 8893

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: لما خرَج - يعنى الذي ظنَّ أنه ناجٍ منهما (١) - رُدَّ على ما كان عليه، ورضِى عنه صاحبُه، فأنْساه الشيطانُ ذكْرَ ذلك للملكِ، الذي أمَرَه يوسُفُ أن يَذْكُرَه، فلبِث يوسُفُ بعدَ ذلك في السجنِ بضعَ سنينَ، يقولُ جلَّ ثناؤُه: فلبِث يوسُفُ في السجنِ؛ لقِيلِه (٢) للناجي مِن صاحبَيِ السجنِ مِن القيلِ: اذْكُرْنى عندَ سيدِك - بضع سنينَ؛ عقوبةً مِن الله له بذلك. واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في قدرِ البضْعِ الذي لبِث يوسُفُ في السجنِ؛ فقال بعضُهم: هو سبعُ سِنينَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بن بشارٍ، قال: ثنا محمدٌ أبو عَثْمةَ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: لبِث يوسُفُ في السجنِ سبعَ سنينَ (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾. قال: سبعَ سنينَ. حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا عِمْرانُ أبو الهُذَيْلِ الصَّنْعانيُّ، قال: سمِعْتُ وهْبًا يقولُ: أصاب أيوبَ البلاءُ سبعَ سنين، وتُرِك يوسفُ في السجنِ سبعَ سنينَ، وعُذِّب بختُنصرَ يَجولُ (٤) في السِّباعِ سبعَ

стр. 8894

سنينَ (١). حدَّثنا (٢) المُثَنَّى، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال زعَموا أنها - يعنى البضعَ - سبعُ (٣) سِنينَ، كما لبِث يوسُفُ. وقال آخرون: البضعُ ما بين الثلاثِ إلى التسعِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: ثنا أبو هلالٍ، قال: سمِعْتُ أبا قتادةَ يقولُ: البضعُ ما بينَ الثلاثِ إلى التسعِ (٤). حدَّثنا وكيعٌ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن إسرائيلَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بِضْعَ سِنِينَ﴾. قال: ما بينَ الثلاثِ إلى التسعِ (٥). وقال آخرون: بل هو ما دونَ العشرِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: قال ابن عباسٍ: ﴿بِضْعَ سِنِينَ﴾: دونَ العشرةِ (٦).

стр. 8895

وزعم الفَرَّاءُ أن البضعَ لا يُذْكَرُ إلا مع عشرٍ (١)، ومع العشرين إلى التسعين، وهو نَيِّفٌ ما بين الثلاثةِ إلى التسعةِ، وقال: كذلك رأيْتُ العربَ تَفْعَلُ، ولا يَقولون: بضعٌ ومائةٌ، ولا بضعٌ وألفٌ، وإذا كانت للذُّكْرانِ قيل: بِضعٌ. والصوابُ في البضعِ: مِن الثلاثِ [إلى التسعِ] (٢)، إلى العشرِ، ولا يَكونُ دونَ الثلاثِ، وكذلك ما زاد على العَقْدِ إلى المائةِ، وما زاد على المائةِ فلا يكونُ فيه بضعٌ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَاأَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (٤٣)﴾. يعنى جلَّ ذكرُه بقولِه: وقال ملكُ مصرَ: إنى أَرَى في المنامِ ﴿سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ﴾ مِن البقرِ ﴿عِجَافٌ﴾. وقال: إنى أَرَى. ولم يَذْكُرْ أنه رأَى في منامِه ولا في غيرِه؛ لتعارُفِ العرب بينَها في كلامِها إذا قال القائلُ منهم: أرَى أنى [أَفْعَلُ كذا وكذا. أنه خبرٌ عن رؤيتِه ذلك في منامِه، وإن لم يَذْكُرِ النومَ (٣)، وأَخْرَج الخبرَ جلَّ ثناؤُه] (٤) على ما قد جرَى به استعمالُ العربِ ذلك بينَهم. ﴿وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ﴾. يقولُ: وأرى سبعَ سُنبلاتٍ خُضْرٍ في منامي، ﴿وَأُخَرَ﴾. يقولُ: وسبعًا أُخَرَ مِن السنبلِ ﴿يَابِسَاتٍ يَاأَيُّهَا الْمَلأُ﴾. يقولُ: يا أيُّها الأشرافُ مِن رجالى وأصحابي، ﴿أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ﴾ فاعْبُروها ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا﴾ عَبَرَةً.
следующие страницы →