← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 8891–8930 · переход к 8896.

стр. 8891

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: ثنا يونُسُ، عن الحسنِ، قال: قال نبيُّ اللهِ ﷺ : "رحِم اللهُ يوسُفَ، لولا كلمتُه ما لبِث في السجنِ طولَ ما لبِث". يعنى قولَه: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾. قال: ثم يَبْكِي الحسنُ، فيقولُ: نحن إذا نزَل بنا أمرٌ فزِعْنا إلى الناسِ (١). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليةَ، عن أبي رَجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾. قال: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ قال: "لولا كلمةُ يوسُفَ ما لبث في السجنِ طولَ ما لبِث". حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو بنُ محمدٍ، عن إبراهيمَ بن يزيدَ، عن عمرِو بن دينارٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: قال النبيُّ ﷺ : "لو لم يَقُلْ - [يعنى يوسفَ] (٢) - الكلمةَ التي قال، ما لبث في السجن طولَ ما لبث (٣)، حيثُ يَبْتَغِى الفرجَ مِن عندِ غيرِ اللَّهِ (٤). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: بَلَغنى أن النبيَّ ﷺ قال: "لو لم يَسْتَعِنْ يوسُفُ على ربِّه، ما لبِث في السجنِ طولَ ما لبِث" (٥).

стр. 8892

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أن [نبيَّ اللهِ] (١) كان يقولُ: "لولا أن يوسُفَ اسْتَشْفَع على ربِّه، ما لبِث في السجنِ طولَ ما لبِث، ولكن إنما عُوقِب باسْتِشْفاعِه على ربِّه". حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: قال له: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾. قال (٢): فلم يَذْكُره حتى رأَى الملكُ الرؤيا، وذلك أن يوسُفَ أنساه الشيطانُ ذكرَ ربِّه، وأَمَرَه بذكرِ (٣) الملكِ، وابتغاء الفرجِ مِن عندِه، فلبِث في السجنِ بضعَ سِنينَ، بقولِه: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه، غيرَ أنه قال: ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾؛ عقوبةً لقولِه: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾. قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن وَرْقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَ حديثِ محمدِ بن عمرٍو سواءً. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَ حديثِ المُثَنَّى عن أبي حُذيفةَ (٤). وكان محمدُ بنُ إسحاقَ يقولُ: إنما أَنْسَى الشيطانُ الساقيَ ذكر أمرِ يوسُفَ لملكِهم.

стр. 8893

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: لما خرَج - يعنى الذي ظنَّ أنه ناجٍ منهما (١) - رُدَّ على ما كان عليه، ورضِى عنه صاحبُه، فأنْساه الشيطانُ ذكْرَ ذلك للملكِ، الذي أمَرَه يوسُفُ أن يَذْكُرَه، فلبِث يوسُفُ بعدَ ذلك في السجنِ بضعَ سنينَ، يقولُ جلَّ ثناؤُه: فلبِث يوسُفُ في السجنِ؛ لقِيلِه (٢) للناجي مِن صاحبَيِ السجنِ مِن القيلِ: اذْكُرْنى عندَ سيدِك - بضع سنينَ؛ عقوبةً مِن الله له بذلك. واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في قدرِ البضْعِ الذي لبِث يوسُفُ في السجنِ؛ فقال بعضُهم: هو سبعُ سِنينَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بن بشارٍ، قال: ثنا محمدٌ أبو عَثْمةَ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: لبِث يوسُفُ في السجنِ سبعَ سنينَ (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾. قال: سبعَ سنينَ. حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا عِمْرانُ أبو الهُذَيْلِ الصَّنْعانيُّ، قال: سمِعْتُ وهْبًا يقولُ: أصاب أيوبَ البلاءُ سبعَ سنين، وتُرِك يوسفُ في السجنِ سبعَ سنينَ، وعُذِّب بختُنصرَ يَجولُ (٤) في السِّباعِ سبعَ

стр. 8894

سنينَ (١). حدَّثنا (٢) المُثَنَّى، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال زعَموا أنها - يعنى البضعَ - سبعُ (٣) سِنينَ، كما لبِث يوسُفُ. وقال آخرون: البضعُ ما بين الثلاثِ إلى التسعِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: ثنا أبو هلالٍ، قال: سمِعْتُ أبا قتادةَ يقولُ: البضعُ ما بينَ الثلاثِ إلى التسعِ (٤). حدَّثنا وكيعٌ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن إسرائيلَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بِضْعَ سِنِينَ﴾. قال: ما بينَ الثلاثِ إلى التسعِ (٥). وقال آخرون: بل هو ما دونَ العشرِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: قال ابن عباسٍ: ﴿بِضْعَ سِنِينَ﴾: دونَ العشرةِ (٦).

стр. 8895

وزعم الفَرَّاءُ أن البضعَ لا يُذْكَرُ إلا مع عشرٍ (١)، ومع العشرين إلى التسعين، وهو نَيِّفٌ ما بين الثلاثةِ إلى التسعةِ، وقال: كذلك رأيْتُ العربَ تَفْعَلُ، ولا يَقولون: بضعٌ ومائةٌ، ولا بضعٌ وألفٌ، وإذا كانت للذُّكْرانِ قيل: بِضعٌ. والصوابُ في البضعِ: مِن الثلاثِ [إلى التسعِ] (٢)، إلى العشرِ، ولا يَكونُ دونَ الثلاثِ، وكذلك ما زاد على العَقْدِ إلى المائةِ، وما زاد على المائةِ فلا يكونُ فيه بضعٌ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَاأَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (٤٣)﴾. يعنى جلَّ ذكرُه بقولِه: وقال ملكُ مصرَ: إنى أَرَى في المنامِ ﴿سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ﴾ مِن البقرِ ﴿عِجَافٌ﴾. وقال: إنى أَرَى. ولم يَذْكُرْ أنه رأَى في منامِه ولا في غيرِه؛ لتعارُفِ العرب بينَها في كلامِها إذا قال القائلُ منهم: أرَى أنى [أَفْعَلُ كذا وكذا. أنه خبرٌ عن رؤيتِه ذلك في منامِه، وإن لم يَذْكُرِ النومَ (٣)، وأَخْرَج الخبرَ جلَّ ثناؤُه] (٤) على ما قد جرَى به استعمالُ العربِ ذلك بينَهم. ﴿وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ﴾. يقولُ: وأرى سبعَ سُنبلاتٍ خُضْرٍ في منامي، ﴿وَأُخَرَ﴾. يقولُ: وسبعًا أُخَرَ مِن السنبلِ ﴿يَابِسَاتٍ يَاأَيُّهَا الْمَلأُ﴾. يقولُ: يا أيُّها الأشرافُ مِن رجالى وأصحابي، ﴿أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ﴾ فاعْبُروها ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا﴾ عَبَرَةً.

стр. 8896

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، عن أسْباطَ، عن السديِّ، قال: إن الله أَرَى الملكَ في منامِه رُؤْيَا هالَتْه، فرأى سبع بقراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهن سبعٌ عِجافٌ، وسبعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ، وأُخَرَ يابساتٍ، فجمَع السَّحَرةَ والكَهَنةَ والحُزاةَ (١) والقَافةَ (٢)، فقصَّها عليهم، فـ ﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾ (٣). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثم إن الملكَ الرَّيَّان بنَ الوليدِ، رأَى رُؤْياه التي رأَى (٤)، فهالَتْه، وعرَف أنها رُؤْيا واقعةٌ، ولم يَدْرِ ما تأويلُها، فقال للمَلأِ حولَه مِن أهلِ مملكتِه: ﴿إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ﴾، إلى قولِه: ﴿بِعَالِمِينَ﴾. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (٤٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال المَلأُ الذين سأَلهم ملكُ مصرَ عن تعبيرِ رُؤْياه: رُؤْياك (٥)

стр. 8897

هذه ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾. يَعْنُون أَنها أَخْلاطُ رُؤْيا كاذبةٍ، لا حقيقة لها. وهي جمعُ ضِغْثٍ، والضِّغْتُ أصلُه الحُزْمةُ مِن الحَشيشِ، تُشَبَّهُ (١) بها (٢) الأحلامُ المختلطةُ، التي لا تأويل لها، والأحلامُ جمعُ حُلْمٍ، وهو ما لم يَصْدُقُ مِن الرُّؤْيا. ومِن الأضغاثِ قولُ ابن مقبلٍ (٣): خَوْدٌ (٤) كأَنَّ فِراشَها وُضِعَت به … أضغاثُ رَيْحَانٍ غَداةَ شَمالِ (٥) ومنه قولُ الآخرِ (٦): يَحْمِي (٧) ذِمارَ (٨) جَنِينٍ (٩) قلَّ مانعُه (١٠) … طاوٍ كضِغْثِ الخَلَا في البطنِ مُكْتَمِنِ وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾. يقولُ: مُشْتَبِهةٌ (١١).

стр. 8898

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾: كاذبةٌ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: لما قصَّ (٢) الملكُ رُؤْياه التي رأَى على أصحابِه، قالوا: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾. أي: فعلُ الأحْلامِ. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾. قال: أخلاطُ أحلامٍ، ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾ (٣). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، عن أبي مَرْزُوقٍ، عن جُوَيْبرٍ، عن الضحاكِ، قال (٤): ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾: كاذبةٌ. قال: ثنى المُحارِبيُّ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكٍ: ﴿قَالُوا أَضْغَاثُ﴾. قال: كذبٌ. حُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفَرَجِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾: هي الأحلامُ الكاذبةُ (٥). وقولُه: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾. يقولُ: وما نحن بما تَئُولُ إليه

стр. 8899

الأحلامُ الكاذبةُ بعالِمين. والباءُ الأولى التي في التأويلِ مِن صلةِ العالمين، والتي في العالمين الباءُ التي تَدْخُلُ في الخبرِ مع ما التي بمعنى الجَحْدِ. ورُفعَ ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾؛ لأن معنى الكلامِ: ليس هذه الرؤيا بشيءٍ، إنما هي أضْغَاتُ أحلامٍ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ (١) بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (٤٥) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (٤٦)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وقال الذي نجا مِن القتلِ من صاحبَيِ السجنِ، اللذين اسْتَعْبَرا يوسُفَ الرؤيا، ﴿وَادَّكَرَ﴾ (٢). يقولُ: وتذَكَّر ما كان نسِى مِن أمرِ يوسُفَ وذِكْرِ حاجتِه للملكِ، التي (٣) كان سأَله عندَ تعبيره رُؤْياه أن يَذْكُرَها له بقولِه: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾. ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾: يعنى بعدَ حينٍ. كالذي حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عاصمٍ، عن أبي رَزِينٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾. قال: بعدَ حِينٍ (٤). حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن

стр. 8900

سفيانَ، عن عاصمٍ، عن (١) أبى رَزِينٍ، عن ابن عباسٍ مثلَه (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا الثوريُّ، عن عاصمٍ، عن (٣) أبى رَزِينٍ، عن ابن عباسٍ مثلَه. حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا (٤) أبو بكرِ بنُ عياشٍ: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾: بعد حِينٍ. حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، قال: أخْبَرنا سفيانُ، عن عاصمٍ، عن أبي رَزِينٍ، قال: ﴿وَادَّكَرَ (٥) بَعْدَ أُمَّةٍ﴾. قال: بعدَ حِينٍ (٦). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن عاصمٍ، عن أبي رَزِينٍ، عن ابن عباسٍ مثلَه (٧). قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾. يقولُ: بعدَ حِينٍ. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وَادَّكَرَ (٥) بَعْدَ أُمَّةٍ﴾. قال: ذكَر بعدَ حينٍ.

стр. 8901

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾: بعدَ حينٍ (١). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، عن الحسنِ مثلَه (٢). [حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عفانُ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدُ بنُ أبي عَروبةَ، عن قتادةَ، عن الحسنِ مثلَه] (٣). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَادَّكَرَ (٤) بَعْدَ أُمَّةٍ﴾: بعدَ حينٍ (١). حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن كثيرٍ: ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾: بعدَ حينٍ. قال ابن جريجٍ: وقال ابن عباسٍ: ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ قال: بعدَ سِنينَ (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، عن أسْباطَ، عن السديِّ: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾. قال: بعدَ حينٍ (١). [حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا الحِمَّانيُّ، قال: حدَّثنا شريكٌ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾. قال (٥): بعدَ حينٍ] (٦) (١).

стр. 8902

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾: أي: بعدَ حِقْبةٍ (١) مِن الدهرِ. وهذا التأويلُ على قراءةِ مَن قرَأ: ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ بضمِّ الألفِ، وتشديدِ الميمِ، وهى قراءةُ القرأةِ في أمصارِ الإسلامِ. وقد رُوِى عن جماعةٍ مِن المتقدِّمين أنهم قرَءوا ذلك: (بَعدَ أَمَهٍ) بفتح الألفِ، وتخفيفِ الميمِ وفتحِها، بمعنى: بعدَ نسيانٍ (٢). وذكَر بعضُهم أن العربَ تقولُ مِن ذلك: أمِه (٣) الرجلُ يأْمَهُ أَمَهًا، إذا نسِى. وكذلك تأوَّله مَن قرَأ ذلك كذلك. ذكرُ مَن قال ذلك (٤) حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عفَّانُ، قال: ثنا همامٌ، عن قتادةَ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ أنه كان يَقْرَؤها (٥): (بعدَ أمهٍ)، ويُفَسِّرُها: بعدَ نسيانٍ (٦). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا بَهْزُ بنُ أَسَدٍ، عن همامٍ، عن قتادةَ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ أنه قرَأ: (بَعْدَ أَمَهٍ). يقولُ: بعد نِسيانٍ.

стр. 8903

حدَّثني أبو غَسَّانَ مالكُ بنُ الخليلِ (١) اليَحْمَدِيُّ، قال: ثنا ابن أبي عَدِيٍّ، عن أبي هارونَ الغنَويِّ، عن عكرمةَ أنه قرَأ: (بعدَ أمهٍ (٢)). والأَمَهُ (٣) النِّسيانُ (٤). حدَّثني يعقوبُ وابنُ وكيعٍ قالا: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: ثنا أبو هارونَ الغَنَويُّ، عن عكرمةَ مثلَه. حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبدُ الوهَّابِ، قال: قال هارونُ، وثنى أبو هارونَ الغَنَويُّ، عن عكرمةَ: (بعدَ أمهٍ (٢)): [بعدَ نسيانٍ] (٥). [قال: ثنا عبدُ الوهَّابِ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن عكرمةَ: (وادَّكَر (٦) بعدَ أَمَهٍ): بعدَ نسيانٍ] (٧). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن ابن عباسٍ: أي: بعدَ نسيانٍ (٨). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا [محمدُ بنُ] (٩) ثورٍ، عن معمرٍ، عن

стр. 8904

قتادةَ: (وادَّكَر بعدَ أَمَهٍ (١)). قال: مِن بعدِ نسيانِه (٢) (٣). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو النعمانِ عارمٌ، قال: ثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن (٤) عبدِ الكريمِ أبى أميةَ المُعَلِّمِ، عن مجاهدٍ أنه قرَأ: (وادَّكَر بعدَ أَمَهٍ (١)) (٥). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، عن أبي مرزوقٍ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: (وادَّكَر بعدَ أمَهٍ (١)). قال: بعدَ نسيانٍ (٦). حُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: (وادَّكَر بعد أَمَهٍ (١)). يقولُ: بعدَ نسيانٍ. وقد ذُكِر فيها قراءةٌ ثالثةٌ، وهى ما حدَّثني به المُثَنَّى، قال: أخْبَرنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ (٧) بنُ الزبيرِ، عن سفيانَ، عن حميدٍ، قال: قرَأ مجاهدٌ: (وادَّكَر بعدَ أَمْهٍ (١)) مجزومةَ الميمِ مخففةً (٨). وكأن قارئَ ذلك كذلك أراد به المصدرَ، مِن قولِهم: أمِه يَأْمَهُ أمْهًا، وتأويلُ هذه القراءةِ نظيرُ تأويلِ من فتَح الألفَ والميمَ (٩).

стр. 8905

وقولُه: ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ﴾. يقولُ: أنا أُخْبِرُكم بتأويلِه، ﴿فَأَرْسِلُونِ﴾. يقولُ: فأطْلِقونى أَمْضِى لآتِيَكم بتأويلِه مِن عندِ العالمِ به. وفى الكلامِ محذوفٌ قد تُرِك ذكرُه استغناءً بما ظهَر عما تُرِك، وذلك: فأرْسَلوه فأتَى يوسُفَ، فقال له: يا يوسُفُ يا أيُّها الصدِّيقُ. كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: قال الملكُ للملأِ حولَه: ﴿إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾ الآية. وقالوا له ما قالوا (١)، سمِع نبو (٢) مِن ذلك ما سمِع، ومسألتَه عن تأويلِها، ذكَر يوسُفَ، وما كان عبَر له ولصاحبِه، وما جاء مِن ذلك على ما قال مِن قولِه، قال: ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ﴾. يقولُ اللهُ تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾: أي: حِقْبةٍ مِن الدهرِ، فأتاه فقال: يا يوسُفُ، إن الملكَ قد رأَى كذا وكذا. فقصَّ عليه الرؤيا، فقال فيها يوسُفُ ما ذكَر اللهُ تعالى لنا في الكتابِ، فجاءهم مثلَ فَلَقِ الصبحِ تأويلُها، فخرَج نبو (٢) مِن عندِ يوسُفَ، بما أفْتاهم به مِن تأويلِ رُؤْيا الملكِ (٣)، وأخْبَره بما قال. وقيل: إن الذي نجا منهما إنما قال: أرْسِلونى؛ لأن السجنَ لم يَكُنْ في المدينةِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، عن أسْباطَ، عن السدِّيِّ: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ (٤) بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ﴾،

стр. 8906

قال (١): قال ابن عباسٍ: لم يَكُنِ السجنُ في المدينةِ، فانْطَلَق الساقى إلى يوسُفَ، فقال: ﴿أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾. الآياتِ (٢). قولُه: ﴿أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾، فإن معناه: أفْتِنا في سبعٍ بقراتٍ سِمانٍ رُئِين في المنامِ، يأْكُلُهن سبعٌ منها عَجافٌ، وفى سبعِ سُنْبِلاتٍ خُضْرٍ رُئِين أيضًا، وسبعٍ أُخَر منهن يابساتٍ. فأما السَّمانُ مِن البقرِ، فإنها السِّنونُ المُخْصِبةُ. كما حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ﴾. قال: أما السَّمانُ فسِنونَ منها مُخْصِبةٌ. وأما السبعُ العِجافُ فسِنون مُجْدِبةٌ، لا تنبتُ شيئًا (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾: فالسِّمانُ المخَاصِيبُ (٤)، والبقراتُ العِجافُ هي السِّنون المُحولُ الجُدُوبُ (٥). قولُه: ﴿وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾. أما الخضرُ فهن السِّنون

стр. 8907

المَخَاصِيبُ (١)، وأما اليابساتُ فهن الجُدُوبُ المُحُولُ. والعِجافُ (٢) جمعُ عَجِفٍ (٣)، وهى المَهازِيلُ. وقولُه: ﴿لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: كى أَرْجِعَ إلى الناسِ فأُخْبِرَهم، ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: ليَعْلَموا تأويلَ ما سألْتُك عنه مِن الرؤيا. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال يوسُفُ لسائلِه (٤) عن رُؤْيا الملكِ: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾. يقولُ: تَزْرَعون هذه السبعَ السنينَ كما كنتم تَزْرَعون سائرَ السنينَ قبلَها، على عادتِكم فيما مضَى. والدأْبُ العادةُ، ومِن ذلك قولُ امرئِ القيسِ (٥): كدأْبِك مِن أُمِّ الحُوَيْرِثِ قبلَها … وجارتِها أمِّ الرَّبابِ بمأْسَلِ يعني: كعادتك منها. وقولُه: ﴿فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ﴾. وهذه (٦)

стр. 8908

مَشورةٌ أشار بها نبيُّ اللهِ ﷺ على القومِ، ورأْىٌ رآه لهم صلاحًا؛ يأمُرهم (١) باسْتِبْقاء (٢) طعامِهم. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: قال لهم نبيُّ اللهِ يوسُفُ (٣): ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾ الآية: فإنما أراد نبيُّ اللهِ ﷺ البقاءَ (٤). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (٤٨)﴾. يقولُ: ثم يَجِئُ مِن بعدِ السِّنينَ السبعِ التي تَزْرَعون فيها دأَبًا سِنون ﴿سَبْعٌ شِدَادٌ﴾. يقولُ: جُدوبٌ قَحْطةٌ، ﴿يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾. يقولُ: يُؤْكَلُ فيهن ما قدَّمتم في إعدادِ ما أعْدَدْتم لهن في السنين السبعةِ الخَصْبةِ، مِن الطعامِ والأقواتِ. وقال جلَّ ثناؤُه: ﴿يَأْكُلْنَ﴾. فوصَف السنين بأنهن يَأْكُلْن، وإنما المعنى أن أهلَ تلك (٥) الناحية (٦) يَأْكُلون فيهن (٧)، كما قيل (٨):

стр. 8909

نَهارُك يا مَغرُورُ سَهْوٌ وغَفْلَةٌ … وليلُك نومٌ والرَّدَى لك لازِمُ فوصَف النهارَ بالسهوِ والغَفْلةِ، والليلَ بالنومِ، وإنما يُسْهَى في هذا ويُغْفَلُ فيه (١)، ويُنامُ في هذا؛ لمعرفةِ (٢) المخاطَبِين بمعناه والمرادِ منه. ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾. يقولُ: إلا يَسيرًا (٣) مما تُحْرِزونه (٤). والإحصانُ التَّصْييرُ في الحصنِ، وإنما المرادُ منه الإحْرازُ. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾. يقولُ: يَأْكُلْن ما كنتم اتَّخَذْتم فيهن مِن القُوتِ ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾ (٥). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ﴾، وهن الجُدوبُ المُحُولُ، ﴿يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ

стр. 8910

سَبْعٌ شِدَادٌ﴾ [وهن الجُدُوبُ] (١) (٢)، ﴿يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾: مما تَدَّخِرون (٣). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾. يقولُ: تَخْزُنون (٤). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿تُحْصِنُونَ﴾: تُحْرْزون. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾. قال: مما تَرْفَعون. وهذه الأقوالُ في قولِه: ﴿تُحْصِنُونَ﴾. وإن اخْتَلَفَت ألفاظُ قائليها فيه، فإن معانيَها مُتقاربةٌ، وأصلُ الكلمةِ وتأويلُها على ما بيَّنْتُ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩)﴾. وهذا خبرٌ مِن يوسُفَ ﵇ للقومِ، عما لم يَكُنْ في رؤيا (٥) مَلكِهم، ولكنه مِن علمِ (٦) الغيبِ الذي آتاه اللهُ دلالةً على نبوتِه، وحجةً على صدقِه.

стр. 8911

كما حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: ثم زاده اللهُ علمَ سَنَةٍ لم يَسْأَلوه عنها، فقال: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ (١). ويعنى بقولِه: ﴿فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾: بالمطرِ والغيثِ. وبنحوِ ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾. [قال: فيه يُغاثون بالمطرِ (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ يزيدَ الواسطيُّ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾. قال] (٣): بالمطرِ (٤). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ﴾. قال: أخْبَرَهم بشيءٍ لم يَسْأَلوه عنه، وكان اللهُ قد علَّمه إياه؛ ﴿عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾: بالمطرِ (٥). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن

стр. 8912

مجاهدٍ: ﴿فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾ بالمطرِ (١). وأما قولُه: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾. فإن أهلَ التأويلِ اخْتَلَفوا في تأويِله؛ فقال بعضُهم: معناه: وفيه يَعْصِرون العنبَ والسِّمْسِمَ وما أشبَه ذلك. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾. قال: الأعنابَ والدُّهْنَ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ السِّمْسِمَ دُهْنُا، والعنبَ خمرًا، والزيتونَ زيتًا (٣). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾. يقولُ: يُصِيبُهم غيثٌ (٤)، فيَعْصِرون فيه العنبَ، ويَعْصِرون فيه الزيتَ، ويَعْصِرون مِن كلِّ الثَّمراتِ. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾. قال: يَعْصِرون أعنابَهم (٥). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، عن أسْباطَ، عن السديِّ: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾. قال: العنبَ.

стр. 8913

حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، [قال: ثنا محمدُ بنُ يزيدَ الواسطيُّ، عن جُوَيْبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ (١)]. [قال: الزيتَ (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، [قال: حدثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾] (١) (٣). قال: كانوا يَعْصِرون الأعنابَ والثَّمراتِ (٤). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾. قال: يَعْضِرون الأعنابَ والزيتونَ والثمارَ مِن الخَصْبِ، هذا علمٌ آتاه اللهُ يوسُفَ لم يُسْأَلْ عنه (٥) (٦). وقال آخرون: معنى قولِه: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾: وفيه يَحْلِبون. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى [فرجُ بنُ فضالةَ] (٧)، عن عليّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾. قال: فيه يَحْلِبون (٨). حدَّثني المُثَنَّى، قال: أخْبَرنا إسحاقُ (٩)، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ أبى حمادٍ،

стр. 8914

قال: ثنا الفرجُ بنُ فَضالةَ، عن عليّ بن أبى طلحةَ، قال: كان ابن عباسٍ يَقْرَأُ (١): (فيه [تَعْصِروا) بالتاءِ] (٢)، يعنى تَحْتَلِبون (٣) (٤). واخْتَلَفَت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأه بعضُ قرأةٍ أهلِ المدينةِ والبصرةِ والكوفةِ: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ بالياءِ (٥)، بمعنى ما وصَفْتُ مِن قولِ مَن قال: عصرُ الأعنابِ والأدْهانِ. وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفيين: (وفيه تَعْصِرون) (٦) بالتاءِ (٧)، وقرَأه بعضُهم: (وفيه يُعْصَرون). بمعنى: يُمْطَرون (٨). وهذه قراءةٌ لا أَسْتَجِيرُ (٩) القراءةَ بها؛ لخلافِها ما عليه قرأةُ الأمصارِ. والصوابُ مِن القراءةِ (١٠) في ذلك أن لقارئِه الخيارَ في قراءتِه بأيِّ القراءتين الأُخْرَيَينْ شاء؛ إن شاء بالياءِ ردًّا على [الخبرِ به] (١١) عن الناسِ، على معنى: فيه يُغاثُ الناسُ وفيه يَعْصِرون أعنابَهم وأدهانَهم، وإن شاء بالتاءِ ردًّا على قولِه: ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾، وخطابًا به لمن خاطَبه بقولِه: ﴿يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا

стр. 8915

مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾ - لأنهما قراءتان مُسْتَفِيضتان في قرأةِ الأمصارِ باتفاقِ المعنى، وإن اخْتَلَفت الألفاظُ بهما. وذلك أن المخاطَبِين بذلك كان لا شكَّ أنهم إذا (١) أُغِيثوا وعصَروا، أُغِيث الناسُ الذين كانوا بناحيتِهم وعصَروا، وكذلك كانوا إذا أُغِيث الناسُ بناحيتِهم وعصَروا، أُغِيث المخاطَبون وعصَروا. فهما متفقتا المعنى، وإن اخْتَلَفَت الألفاظُ بقراءةِ ذلك. وكان بعضُ مَن لا علمَ له بأقوالِ السلفِ مِن أهلِ التأويلِ، ممن يُفَسِّرُ القرآنَ برأيِه على مذهبِ كلامِ العربِ، يُوَجِّهُ معنى قولِه: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾. إلى: وفيه يَنْجُون من الجَدْبِ والقَحْطِ بالغَيْثِ، ويَزْعُمُ أَنه مِن العَصَرِ، والعَصَرُ التي بمعنى المَنْجاةِ، مِن قولِ أبى زُبَيْدٍ الطائيِّ (٢): صادِيًا يَسْتَغِيثُ غيرَ مُغاثٍ … ولقد كان عُصْرةَ المنجودِ (٣) أي: المقهورِ، ومِن (٤) قولِ لَبيدٍ (٥): فبات [وأسْرَى] (٦) القومُ آخرَ ليلِهم … وما كان وَفَّافًا بغيرِ مُعَصَّرٍ (٧) وذلك تأويلٌ يَكْفِى (٨) مِن الشهادةِ على خطئِه (٩) خلافُه قولَ جميعٍ أهلِ العلمِ مِن الصحابةِ والتابعين.

стр. 8916

وأما القولُ الذي روَى الفرجُ بنُ فَضَالةَ، عن عليّ بن أبى طلحةَ، فقولٌ لا معنى له؛ لأنه خلافُ المعروفِ مِن كلامِ العربِ، وخلافُ ما يُعْرَفُ مِن قولِ ابن عباسٍ ﵄. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فلمَّا رجَع الرسولُ الذي أرْسَلوه إلى يوسُفَ - الذي قال: ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ﴾ - فأخْبَرَهم بتأويلِ رُؤيا الملكِ عن يوسُفَ، علِم الملكُ حقيقةَ ما [أصابه يوسفُ] (١) مِن تأويلِ رُؤْياه، وصحةَ ذلك، وقال الملكُ: ائْتُونى بالذي عبَر رؤياىَ هذه. كالذى حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: فخرَج نبو (٢) مِن عندِ يوسُفَ بما أفْتاهم به مِن تأويلِ رؤيا الملكِ، حتى أتى الملكَ فأخْبَره بما قال، فلما أخْبَره بما في نفسِه بمثلِ النهارِ، وعرَف أن الذي قال كائنٌ كما قال، قال (٣): ﴿ائْتُونِي بِهِ﴾. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسْباطَ، عن السديِّ، قال: لما أتَى الملكَ رسولُه قال: ﴿ائْتُونِي بِهِ﴾ (٤).

стр. 8917

وقولُه: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ﴾. يقولُ: فلما جاء (١) رسولُ الملكِ يَدْعُوه إلى الملكِ، ﴿قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾. يقولُ: قال يوسُفُ للرسولِ: ارْجِعْ إلى سيدِك، ﴿فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾، وأبَى أن يَخْرُجَ مِع الرسولِ، [وإجابةَ] (٢) الملكِ حتى يَعْرِفَ صحةَ أمرِه عندَه مما كانوا قذَفوه به مِن شأنِ النساءِ، فقال للرسولِ: سَلِ الملكَ ما شأنُ النسوةِ اللاتى قطَّعْن أيديَهن، والمرأةِ التي سُجِنْتُ بسببِها (٣)؟ كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن (٤) إسحاقَ: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾، والمرأةِ التي سُجِنْتُ [بسببِ أمرِها] (٥) عما كان مِن (٦) ذلك؟ حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسباطَ، عن السديِّ، قال: لما أتَى الملكَ رسولُه فأخبَره، قال: ﴿ائْتُونِي بِهِ﴾. فلما أتاه الرسولُ ودعاه إلى الملكِ، أبَى يوسُفُ الخروجَ معه، وقال: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ الآية؟ قال السديُّ: قال ابن عباسٍ: لو خرَج يوسُفُ يومَئِذٍ قبلَ أن يَعْلَمَ الملكُ بشأنِه، ما زالت في نفسِ العزيزِ منه حاجةٌ، يقولُ: هذا الذي راوَد

стр. 8918

امرأتَه (١). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن رجلٍ، عن أبي الزِّنادِ، [عن الأعرجِ] (٢)، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "يَرْحَمُ اللهُ يوسُفَ؛ إن (٣) كان ذا أَناةٍ، لو كنتُ أنا المحبوسَ ثم أُرْسِل إليَّ، لخرَجْتُ سريعًا، إن كان لحَليمًا ذا أَناةٍ" (٤). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بشرٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو سلمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال النبيُّ ﷺ : "لو لبِثْتُ في السجنِ ما لبِث يوسُفُ، ثم جاءنى الداعى لأَجَبْتُه، إذ جاءه الرسولُ فقال: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ " الآية (٥). حدَّثني يونُسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخْبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرنى سليمانُ بنُ بلالٍ، عن محمدِ بن عمرٍو، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ بمثلِه (٦).

стр. 8919

حدَّثنا زكريا بنُ أبانٍ المصريُّ (١)، قال: ثنا سعيدُ بنُ تَلِيدٍ (٢)، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ القاسمِ، قال: ثنى بكرُ بنُ مُضَرَ، عن عمرِو بن الحارثِ، عن يونُسَ بن يزيدَ، عن ابن شِهابٍ، قال: أخبَرنى أبو سلمةَ بنُ عبدِ الرحمنِ، وسعيدُ بنُ المسيبِ، عن أبي هريرةَ أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: "لو لبِثْتُ في السجنِ ما لبِث يوسُفُ لأَجَبْتُ الداعىَ". حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرنى يونُسُ، عن ابن شِهابٍ، عن أبي سلمةَ بن عبدِ الرحمنِ، وسعيدِ بن المسيبِ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ بمثلِه. حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عفانُ بنُ مسلمٍ، قال: ثنا حمادٌ، عن محمدِ بن عمرٍو، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ ، وقرَأ هذه الآيةَ: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ - قال النبيُّ ﷺ : "لو كنتُ أنا لأَسْرَعْتُ الإجابةَ، وما ابْتَغَيْتُ (٣) العُذْرَ" (٤). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا حمادٌ، عن ثابتٍ، عن النبيِّ ﷺ ، ومحمدُ بنُ عمرٍو، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ أنه قرَأ: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ الآية، فقال

стр. 8920

النبيُّ ﷺ (١): "لو [كنت، أنا لو] (٢) بُعِث إليَّ، لأسْرَعْتُ في الإجابةِ وما ابْتَغَيْتُ العُذْرَ". حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا ابن عُيينةَ، عن عمرٍو بن دينارٍ، عن عكرمةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "لقد عجِبْتُ مِن يوسُفَ وصبرِه وكرمِه، واللَّهُ يَغْفِرُ له، حينَ سُئِل عن البَقَراتِ العِجافِ والسِّمانِ، ولو كنتُ مكانَه ما أخبَرْتُهم بشيءٍ حتى أَشْتَرِطَ أن يُخْرِجونى، ولقد عجِبْتُ مِن يوسُفَ وصبرِه وكرمِه، واللَّهُ يَغْفِرُ له حينَ أتاه الرسولُ، ولو كنتُ مكانَه لبادَرْتُهم البابَ، ولكنه أراد أن يكونَ له العُذْرُ" (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾: أَراد نبيُّ اللهِ ﷺ أن لا يَخْرُجَ حتى يَكونَ له العذرُ. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ قولَه: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾. قال: أراد يوسُفُ العذرَ قبلَ أن يَخْرُجَ مِن السجنِ (٤). وقولُه: ﴿إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾. يقولُ: إن الله تعالى ذكرُه ذو علمٍ

стр. 8921

بصَنيعِهن وأفعالِهن التي (١) فعَلْن بى (٢) ويَفْعَلْن بغيرى مِن الناسِ، لا يَخْفَى عليه ذلك كلُّه، وهو مِن وَرَاءِ جَزائِهن على ذلك. وقيل: إن معنى ذلك: إن سيدى إطفيرَ العزيزَ زوجَ المرأةِ التي راوَدَتْنى عن نفسى، ذو علمٍ ببَراءتى مما قَرَفتنى (٣) به مِن السوءِ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ (٤) لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١)﴾. وفى هذا الكلامِ متروكٌ، قد اسْتُغْنِى بدلالةِ ما ذُكِر عليه عنه (٥)، وهو: فرجَع الرسولُ إلى الملكِ مِن عندِ يوسُفَ برسالتِه، فدعا الملكُ النِّسْوةَ اللاتى قطَّعْنَ أيديَهن، وامرأةَ العزيزِ، فقال لهن: ﴿مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾؟ كالذى حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: فلمَّا جاء الرسولُ الملكَ مِن عندِ يوسُفَ بما أرسَلَه إليه، جمَع (٦) النِّسوة، وقال: ﴿مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾. ويعنى بقولِه: ﴿مَا خَطْبُكُنَّ﴾: ما كان أمْرُكن، وما كان شأنُكن ﴿إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾؟ فأَجَبْنَه فقُلْن: ﴿حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾.

стр. 8922

﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾. تقولُ: الآنَ تبَيَّن الحقُّ، وانكَشَف فظهَر، ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ (١)﴾، وإن يوسُفَ لمن الصادقين في قولِه: ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ [يوسف: ٢٦]. وبمثلِ ما قلْنا في معنى: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ - قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾. قال: تبَيَّن (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ (٣) في قولِ اللَّهِ: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾: تبَيَّن (٤). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن نُمَيْرٍ (٥)، عن وَرْقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شَبَابةُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

стр. 8923

[حدَّثني المُثَنَّى، [قال: ثنا إسحاقُ] (١)، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن وَرْقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه] (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ يقولُ (٣): الآن تبَيَّن الحقُّ (٤). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٥). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ (٦)، عن قتادةَ: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾. قال: تبيَّن (٧) (٨). حدَّثنا الحسنُ بنُ [محمدٍ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ] (٩): ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾. قال: تبيَّن (١٠). حدَّثنا (١١) ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، عن أسباطَ، عن السديِّ مثلَه. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا جويبرٌ، عن

стр. 8924

الضحاكِ مثلَه (١). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: قالت راعيلُ امرأَةُ أطفيرَ (٢) العزيزِ: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾. أي: الآن برَز الحقُّ وتبيَّن، ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فيما كان قال يوسُفُ مما ادَّعَت عليه (٣). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسْباطَ، عن السديِّ، قال: قال الملكُ: ائْتُونى بهن. فقال: ﴿مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾؟ ﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾، ولكن امرأةُ العزيزِ أخبَرتْنا (٤) أنها راوَدَتْه عن نفسِه (٥)، ودخَل معها البيتَ، وحلَّ سراويلَه، ثم شدَّه بعدَ ذلك، فلا تَدْرِى (٦) ما بدا له، فقالت امرأةُ العزيزِ: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ (٧). حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾: تبيَّن (١). وأصلُ حَصْحَص "حصَّ". ولكن قيل: حَصْحَص. كما قيل: ﴿فَكُبْكِبُوا﴾ [الشعراء:٩٤] في كُبُّوا. وقيل: كَفْكَف في "كَفَّ"، [وذَرْذَر في "ذَرَّ"] (٨). وأصلُ الحَصِّ: اسْتِئْصالُ الشئِ، يقالُ منه: حصَّ شعرَه. إذا اسْتَأْصَله

стр. 8925

جَزًّا، وإنما أُرِيد في هذا الموضعِ بقولِه (١): ﴿حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾: ذهَب الباطلُ والكذبُ فانْقَطَع، وتبَيَّن الحقُّ فظهَر. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (٥٢)﴾. يعنى بقولِه: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾: هذا الفعلُ الذي فَعَلْتُه، مِن ردِّى رسولَ الملكِ إليه، وترْكى إجابتَه والخروجَ إليه، ومسألتى إياه أن يَسْأَلَ النِّسوةَ اللاتى قطَّعْن أيديَهن، عن شأنِهن إذ قطَّعْن أيديَهن - إنما فعَلْتُه ليَعْلَمَ أنى لم أَخُنْه في زوجتِه، ﴿بِالْغَيْبِ﴾. يقولُ (٢): لم أَرْكَبُ منها فاحشةً في حالِ غيبتِه عنى، وإذا لم يَرْكَبْ (٣) ذلك بمَغيبِه (٤)، فهو (٢) في حالٍ مَشْهَدِه إياه أُخْرَى أن يَكونَ بعيدًا مِن ركوبِه. كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: يقولُ يوسُفُ: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ﴾ إطفيرُ (٥) سيدُه ﴿أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾: أنى لم أَكُنْ لأُخالِفَه إلى أهلِه مِن حيثُ لا يَعْلَمُه (٦). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾؛ يوسُفُ يقولُه (٧).

стр. 8926

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾؛ يوسُفُ يقولُه: لم أَخُنْ سيدى (١). قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن وَرْقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾. قال: يوسُفُ يقولُه. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾. قال: هذا قولُ يوسُفَ (٢). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: ثنا هشيمٌ، عن إسماعيلَ بن سالمٍ، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾. [قال: هو يوسفُ، لم يَخُنِ العزيزَ في امرأتِه. حدِّثت عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ يقولُ: حدَّثنا عبيدٌ (٣)، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾] (٤): هو يوسُفُ، يقولُ: لم أَخُنِ الملكَ بالغيبِ (٥). وقولُه: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾. يقولُ: فعَلْتُ ذلك ليعلَمَ سيدى

стр. 8927

أنى لم أَخُنْه بالغيبِ، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾. يقولُ: [فقلت ذلك ليعلَمَ سَيِّدى أنى لم أخُنْه بالغيبِ، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾. يقولُ] (١): وأن الله لا يُسَدِّدُ (٢) صَنيعَ من خان الأماناتِ، ولا يُرْشِدُ فعالَهم في خيانتِهموها. واتَّصَل قولُه: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾. بقولِ امرأةِ العزيزِ: ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾. لمعرفةِ السامعين لمعناه، كاتِّصالِ قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النحل: ٣٤). بقولِ المرأةِ: ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾. وذلك أن قولَه: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾. خبرٌ مبتدأٌ، وكذلك قولُ فرعونَ لأصحابِه في سورةِ الأعرافِ: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾. وهو متصلٌ بقولِ الملأِ: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ [الأعراف: ١١٠]. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)﴾. يقولُ يوسُفُ صلواتُ اللهِ عليه (٣): ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾. مِن الخطأِ والزَّلَلِ فأُزَكِّيَها، ﴿إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾. يقولُ: إن النفوسَ - نفوسَ العبادِ - تَأْمُرُهم بما تَهْواه، وإن كان هواها في غيرِ ما فيه رضا اللهِ، ﴿إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾. يقولُ: إلا أن يَرْحَمَ ربِّي مَن شاء مِن خلقِه، فيُنْجِيَه مِن اتِّباعِ هواها، وطاعتِها (٤) فيما تَأْمُره به مِن السُّوءِ، ﴿إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.

стр. 8928

و"ما" في قولِه: ﴿إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾. في موضعٍ نصبٍ، وذلك أنه استثناءٌ مُنْقَطِعٌ عما قبلَه، كقولِه: ﴿وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا﴾ [يس: ٤٣، ٤٤] بمعنى: إلا أن يُرْحَموا، و"أن" إذا كانت في معنى المصدرِ تُضارِعُ "ما". ويعنى بقولِه: ﴿إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. إِن اللَّهَ ذو صَفْحٍ عن ذنوبٍ مَن تاب مِن ذنوبِه، بتركِه عقوبتَه عليها، وفضيحتَه بها ﴿رَحِيمٌ﴾ به بعدَ توبتِه أن يُعَذِّبَه عليها. وذُكِر أن يوسُفَ قال هذا القولَ، مِن أجلِ أن يوسُفَ لما قال: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾. قال مِلَكٌ مِن الملائكةِ: ولا يومَ همَمْتَ بها؟! فقال يوسُفُ حينَئذٍ: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾. وقد قيل: إن القائلَ ليوسُفَ: ولا يومَ همَمْتَ بها، فحلَلْتَ سَراويلَك؟! هو امرأةُ العزيزِ، فأجابها يوسُفُ بهذا الجوابِ. وقيل: إن يوسُفَ قال ذلك ابتداءً مِن قِبَلِ نفسِه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ قال: لما جمَع الملكُ النسوةَ، فسأَلهن: هل راوَدْتُنَّ يوسُفَ عن نفسِه؟ ﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ الآيةَ، قال يوسُفُ: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾. قال: فقال له جِبريلُ: ولا يومَ همَمْتَ بما همَمْتَ؟! فقال: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ (١).

стр. 8929

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن إسرائيلَ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ قال: لما جمَع الملكُ النِّسْوةَ، قال لهن: أنتن راوَدْتُنَّ يوسُفَ عن نفسِه؟ ثم ذكَر سائرَ الحديثِ، مثلَ حديثِ أبى كُرَيْبٍ، عن وكيعٍ. حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عمرٌو، قال: أخبرنا إسرائيلُ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ قال: لما جمَع الملكُ (١) النسوةَ، قال: أنتن راوَدْتُن يوسُفَ عن نفسِه؟ ثم ذكَر نحوَه، غيرَ أنه قال: فغمَزه جِبريلُ، فقال: ولا حينَ همَمْتَ بها؟! فقال يوسُفُ: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ (٢). حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن مِسْعَرٍ، عن أبي حَصِينٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: لما قال يوسُفُ: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾. قال جبريلُ أو مَلَكٌ: ولا يومَ [همَمْتَ بها] (٣)؟! فقال: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ (٤). حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: ثنا مِسْعَرٌ، عن أبي

стр. 8930

حَصِينٍ، [عن سعيدِ بن جبيرٍ بنحوِه، إلا أنه قال (١): قال له المَلَكُ: ولا حينَ همَمْتَ بها (٢)؟ ولم يَقُلْ: أو جبريلُ. ثم ذكَر سائرَ الحديثِ مثلَه. حدَّثنا ابن وكيعٍ] (٣)، قال: ثنا محمدُ بنُ بشرٍ (٤) وأحمدُ بنُ بَشِيرٍ، عن مِسْعَرٍ، عن أبي حَصِينٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾. قال: فقال له الملكُ أو جبريلُ: ولا حينَ همَمْتَ بها؟ فقال يوسُفُ: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾. حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن أبي سِنانٍ، عن ابن أبي الهُذَيْلِ، قال: لما قال يوسُفُ: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾. قال له جبريلُ: ولا يومَ همَمْتَ [بما همَمْتَ به] (٥)؟! فقال: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ (٦). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن أبي (٧) سِنانٍ، عن ابن (٨) أبى الهُذَيْلِ بمثلِه.
следующие страницы →