← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 8926–8965 · переход к 8931.

стр. 8926

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾؛ يوسُفُ يقولُه: لم أَخُنْ سيدى (١). قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن وَرْقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾. قال: يوسُفُ يقولُه. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾. قال: هذا قولُ يوسُفَ (٢). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: ثنا هشيمٌ، عن إسماعيلَ بن سالمٍ، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾. [قال: هو يوسفُ، لم يَخُنِ العزيزَ في امرأتِه. حدِّثت عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ يقولُ: حدَّثنا عبيدٌ (٣)، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾] (٤): هو يوسُفُ، يقولُ: لم أَخُنِ الملكَ بالغيبِ (٥). وقولُه: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾. يقولُ: فعَلْتُ ذلك ليعلَمَ سيدى

стр. 8927

أنى لم أَخُنْه بالغيبِ، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾. يقولُ: [فقلت ذلك ليعلَمَ سَيِّدى أنى لم أخُنْه بالغيبِ، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾. يقولُ] (١): وأن الله لا يُسَدِّدُ (٢) صَنيعَ من خان الأماناتِ، ولا يُرْشِدُ فعالَهم في خيانتِهموها. واتَّصَل قولُه: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾. بقولِ امرأةِ العزيزِ: ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾. لمعرفةِ السامعين لمعناه، كاتِّصالِ قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النحل: ٣٤). بقولِ المرأةِ: ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾. وذلك أن قولَه: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾. خبرٌ مبتدأٌ، وكذلك قولُ فرعونَ لأصحابِه في سورةِ الأعرافِ: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾. وهو متصلٌ بقولِ الملأِ: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ [الأعراف: ١١٠]. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)﴾. يقولُ يوسُفُ صلواتُ اللهِ عليه (٣): ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾. مِن الخطأِ والزَّلَلِ فأُزَكِّيَها، ﴿إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾. يقولُ: إن النفوسَ - نفوسَ العبادِ - تَأْمُرُهم بما تَهْواه، وإن كان هواها في غيرِ ما فيه رضا اللهِ، ﴿إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾. يقولُ: إلا أن يَرْحَمَ ربِّي مَن شاء مِن خلقِه، فيُنْجِيَه مِن اتِّباعِ هواها، وطاعتِها (٤) فيما تَأْمُره به مِن السُّوءِ، ﴿إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.

стр. 8928

و"ما" في قولِه: ﴿إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾. في موضعٍ نصبٍ، وذلك أنه استثناءٌ مُنْقَطِعٌ عما قبلَه، كقولِه: ﴿وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا﴾ [يس: ٤٣، ٤٤] بمعنى: إلا أن يُرْحَموا، و"أن" إذا كانت في معنى المصدرِ تُضارِعُ "ما". ويعنى بقولِه: ﴿إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. إِن اللَّهَ ذو صَفْحٍ عن ذنوبٍ مَن تاب مِن ذنوبِه، بتركِه عقوبتَه عليها، وفضيحتَه بها ﴿رَحِيمٌ﴾ به بعدَ توبتِه أن يُعَذِّبَه عليها. وذُكِر أن يوسُفَ قال هذا القولَ، مِن أجلِ أن يوسُفَ لما قال: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾. قال مِلَكٌ مِن الملائكةِ: ولا يومَ همَمْتَ بها؟! فقال يوسُفُ حينَئذٍ: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾. وقد قيل: إن القائلَ ليوسُفَ: ولا يومَ همَمْتَ بها، فحلَلْتَ سَراويلَك؟! هو امرأةُ العزيزِ، فأجابها يوسُفُ بهذا الجوابِ. وقيل: إن يوسُفَ قال ذلك ابتداءً مِن قِبَلِ نفسِه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ قال: لما جمَع الملكُ النسوةَ، فسأَلهن: هل راوَدْتُنَّ يوسُفَ عن نفسِه؟ ﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ الآيةَ، قال يوسُفُ: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾. قال: فقال له جِبريلُ: ولا يومَ همَمْتَ بما همَمْتَ؟! فقال: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ (١).

стр. 8929

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن إسرائيلَ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ قال: لما جمَع الملكُ النِّسْوةَ، قال لهن: أنتن راوَدْتُنَّ يوسُفَ عن نفسِه؟ ثم ذكَر سائرَ الحديثِ، مثلَ حديثِ أبى كُرَيْبٍ، عن وكيعٍ. حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عمرٌو، قال: أخبرنا إسرائيلُ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ قال: لما جمَع الملكُ (١) النسوةَ، قال: أنتن راوَدْتُن يوسُفَ عن نفسِه؟ ثم ذكَر نحوَه، غيرَ أنه قال: فغمَزه جِبريلُ، فقال: ولا حينَ همَمْتَ بها؟! فقال يوسُفُ: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ (٢). حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن مِسْعَرٍ، عن أبي حَصِينٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: لما قال يوسُفُ: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾. قال جبريلُ أو مَلَكٌ: ولا يومَ [همَمْتَ بها] (٣)؟! فقال: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ (٤). حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: ثنا مِسْعَرٌ، عن أبي

стр. 8930

حَصِينٍ، [عن سعيدِ بن جبيرٍ بنحوِه، إلا أنه قال (١): قال له المَلَكُ: ولا حينَ همَمْتَ بها (٢)؟ ولم يَقُلْ: أو جبريلُ. ثم ذكَر سائرَ الحديثِ مثلَه. حدَّثنا ابن وكيعٍ] (٣)، قال: ثنا محمدُ بنُ بشرٍ (٤) وأحمدُ بنُ بَشِيرٍ، عن مِسْعَرٍ، عن أبي حَصِينٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾. قال: فقال له الملكُ أو جبريلُ: ولا حينَ همَمْتَ بها؟ فقال يوسُفُ: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾. حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن أبي سِنانٍ، عن ابن أبي الهُذَيْلِ، قال: لما قال يوسُفُ: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾. قال له جبريلُ: ولا يومَ همَمْتَ [بما همَمْتَ به] (٥)؟! فقال: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ (٦). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن أبي (٧) سِنانٍ، عن ابن (٨) أبى الهُذَيْلِ بمثلِه.

стр. 8931

حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عمرٌو، قال: أخبرنا مِسْعَرٌ، عن أبي حَصِينٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، مثلَ حديثِ ابن وكيعٍ، عن محمدٍ بن بشرٍ وأحمدَ بن بَشيرٍ، سواءً. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا العَلاءُ (١) بنُ عبدِ الجبارِ، وزيدُ بنُ حُبابٍ، عن حمادِ بن سلمةَ، عن ثابتٍ، عن الحسنِ: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾. قال له جبريلُ: اذْكُرْ همَّك (٢). فقال: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ (٣). حدَّثنا الحسنُ، قال: ثنا عفَّانُ، قال: ثنا حمادٌ، عن ثابتٍ، عن الحسنِ: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾. قال جبريلُ: يا يوسُفُ، اذْكُرُ همَّك. قال (٤): ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ (٥). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن إسماعيلَ بن سالمٍ، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾. قال: هذا قولُ يوسُفَ. قال: فقال له جبريلُ: ولا حينَ حلَلْتَ سَراويلَك؟ قال: فقال يوسُفُ: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ الآية. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخْبرنا هُشيمٌ، عن إسماعيلَ بن سالمٍ، عن أبي صالحٍ بنحوِه.

стр. 8932

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾. ذُكِر لنا أن الملكَ الذي كان مع يوسُفَ قال له: اذْكُرُ ما همَمْتَ به، قال نبيُّ اللَّهِ: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ (١). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: بلَغَنى أن المَلَكَ قال له حينَ قال ما قال: أتَذْكُرُ همَّك؟ فقال: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾. قال الملكُ، وطعَن في جنبِه: يا يوسُفُ، ولا حينَ همَمْتَ؟ قال: فقال: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ (٣). ذكرُ مَن قال: قائلُ ذلك له المرأةُ حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسْباطَ، عن السديِّ: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ قال: قاله (٤) يوسُفُ حينَ جِئ به ليُعْلِمَ العزيزَ أنه لم يَخُنْه بالغيبِ في أهلِه، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾. فقالت امرأةُ العزيزِ: يا يوسُفُ، ولا يومَ حلَلْتَ سَراويلَك؟ فقال يوسُفُ: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ (٥).

стр. 8933

ذكرُ مَن قال: قائلُ ذلك يوسُفُ لنفسِه، مِن غيرِ تذكيرِ مذكِّرٍ ذكَّره، ولكنه تذكَّر ما كان سلَف منه في ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾. هو قولُ يوسُفَ لمَليكِه (١) حينَ أراه اللهُ عُذْرَه، فذكَّره أنه قد همَّ بها وهمَّت به، فقال يوسُفُ: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ الآية (٢). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (٥٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ﴾ يعنى ملكَ مصرَ الأكبرَ، وهو فيما ذكَر ابن إسحاقَ [الوليدُ بنُ الريَّانِ] (٣). حدَّثنا بذلك ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ عنه، حينَ تبيَّن عُذْرَ يوسُفَ، وعرَف أمانتَه وعلمَه. قال (٤) لأصحابِه: ﴿ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾. يقولُ: أَجْعَلْه من خُلَصائى دونَ غيرى (٥).

стр. 8934

وقولُه: ﴿فَلَمَّا كَلَّمَهُ﴾. يقولُ: فلمَّا كلَّم الملِكُ يوسفَ (١) وعرَف براءتَه، وعِظَمَ أمانتِه، قال له: إنك يا يوسُفُ ﴿لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾. أي: مُتَمَكِّنٌ مما أرَدْتَ وعرَض لك مِن حاجةٍ قِبَلَنا؛ لرفعةِ مكانِك ومنزلتِك لدينا، أمينٌ على ما اؤْتُمِنْتَ عليه مِن شيءٍ. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسْباطَ، عن السديِّ، قال: لما وجَد الملكُ له عُذْرًا قال: ﴿ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾. يقولُ: أَتَّخِذْه لنفسى (٢). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن أبي سِنانٍ، عن ابن (٣) أبى الهُذَيْلِ، قال (٤): قال الملِكُ: ﴿ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾. قال: قال له الملك: إنى أُرِيدُ [أن أُخْلِصَك لنفسى] (٥)، غيرَ أنى آنَفُ أن تَأْكُلَ معى. فقال يوسُفُ: أنا أحقُّ أن آنَفَ؛ أنا ابن إسحاقَ. أو [قال: ابن] (٦) إسماعيلَ - شك أبو جعفرٍ - وفى كتابى: ابن إسحاقَ ذبيحِ اللهِ (٧)، ابن إبراهيمَ خليلِ اللهِ.

стр. 8935

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنى أبى، عن سُفيانَ، عن أبي سِنانٍ، عن ابن أبي الهُذَيْلِ بنحوِه، [غيرَ أنه] (١) قال: أنا ابن إبراهيمَ خليلِ اللَّهِ، ابْنُ إسماعيلَ ذبيحِ اللَّهِ. حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي سِنانٍ، عن عبدِ اللهِ بن أبى الهُذَيْلِ، قال: قال العزيزُ ليوسُفَ: ما مِن شيءٍ إلا وأنا أُحِبُّ أن تَشْرَكُنى فيه، إلا أنى أحبُّ أن لا تَشْرَكَنى في أهلى وأن لا [يَأْكُل معى عبدى] (٢). قال: أتَأْنَفُ أن آكُلَ معك؟ فأنا أحَقُّ أن آنَفَ منك، أنا ابن إبراهيمَ خليلِ اللَّهِ، وابنُ إسحاقَ الذبيحِ، وابنُ يعقوبَ الذي ابْيَضَّتْ عيناه مِن الحزنِ (٣). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عقبةَ، عن حمزةَ الزَّيَّاتِ، عن أبى (٤) إسحاقَ، عن أبي مَيْسَرةَ، قال: لما رأَى العزيزُ لَبَقَ يوسُفَ وكَيْسَه وظَرْفَه دعاه، فكان يَتَغَدَّى ويتعشَّى معه دونَ غِلمانِه، فلما كان بينَه وبينَ المرأةِ ما كان، قالت له: تُدْنى هذا! مُرْه فلْيَتَغَدَّ الغلمانِ. قال له: اذْهَبْ فتَغَدَّ [معى الغلمانِ] (٥). فقال له يوسُفُ في وجهِه: تَرْغَبُ أَن تَأْكُلَ معى - أو تَنْكَفَ - أنا والله يوسُفُ بنُ يعقوبَ [نبيِّ اللهِ] (٦)، ابن إسحاقَ ذبيحِ اللهِ، ابن إبراهيمَ خليلِ

стр. 8936

اللهِ (١). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥)﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: قال يوسُفُ للملِكِ: اجْعَلْنى على خَزائنِ أَرضِك. وهى جمعُ خِزانةٍ، والألفُ واللامُ دخَلَتا في الأرضِ خَلَفًا مِن الإضافةِ، كما قال الشاعرُ (٢): ..................... … ..... والأحلامُ غيرُ عَوازِبٍ وهذا مِن يوسُفَ صلواتُ اللهِ عليه مسألةٌ منه للملكِ أن يُوَلِّيَه أمرَ طعامِ بلدِه وخَراجِها، والقيامَ بأسبابِ بلدِه، ففعَل ذلك الملكُ به فيما بلَغَنى. كما حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾. قال: كان لفرعونَ خَزائنُ كثيرةٌ غيرُ الطعامٍ، قال: فأسْلَم سلطانَه كلَّه إليه، وجعَل القضاءَ إليه، أمرُه وقضاؤُه نافذٌ (٣). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ المختارِ، عن شَيْبَةَ الضَّبِّيِّ في قولِه: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾. قال: على حفظِ الطعامِ (٤).

стр. 8937

وقولُه: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: إنى حفيظٌ لما اسْتَوْدَعْتَنى، عليمٌ بما ولَّيْتَنى. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾: إنى حافظٌ لما اسْتَوْدَعْتَنى، عالمٌ بما ولَّيْتَنى. قال: قد فعَلْتُ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾. يقولُ: حفيظٌ لما وُلِّيتُ، عليمٌ (٢) بأمرِه (٣). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ المختارِ، عن شَيْبةَ الضَّبِّيِّ في قولِه: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾. يقولُ: إنى حفيظٌ لما اسْتَوْدَعْتَنى، عليمٌ (٢) بِسِنِيِّ المَجاعةِ (٤). وقال آخرون: إنى حافظٌ للحسابِ، عليمٌ (٢) بالألسنِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن الأشْجَعيِّ: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾: حافظٌ للحسابِ، عليمٌ بالألسنِ (٥). وأولى القولين عندَنا بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: إنى حافظٌ لما

стр. 8938

اسْتَوْدَعْتَنى، عالمٌ بما أوْلَيْتَنى؛ لأن ذلك عَقِيبُ قولِه: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ ومسألتِه الملكَ اسْتِكْفاءَه خَزائنَ الأرضِ. فكان إعلامُه بأنَّ عندَه خبرةً في ذلك، وكفايتِه إياه، أشبهَ مِن إعلامِه حِفْظَه الحسابَ ومعرفتَه بالألسنِ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وهكذا وطَّأْنا ليوسُفَ في الأرضِ - [يعنى أرضَ مصرَ] (١) - ﴿يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾. يقولُ: يَتَّخِذُ مِن أَرضِ مصرَ مَنْزِلًا حيث يَشاءُ، بعدَ الحبسِ والضِّيقِ، ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ﴾ مِن خَلقِنا، كما أصَبْنا يوسُفَ بها، فمكَّنَّا له في الأرضِ بعد العُبودةِ والإسارِ، وبعد الإلقاءِ في الجُبِّ، ﴿وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾. يقولُ: ولا نُبْطِلُ جزاءَ عملِ مَن أحْسَن، فأطاع ربَّه، وعمِل بما أمَرَه وانْتَهَى عما نهاه عنه، كما لم نُبْطِلْ جزاءَ عملِ يوسُفَ، إذ أحْسَن فأطاع اللَّهَ. وكان تَمْكينُ اللهِ ليوسُفَ في الأرضِ، كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: لما قال يوسُفُ للملك: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾. قال الملكُ: قد فعَلْتُ. فولَّاه - فيما يَذْكُرون - عملَ إطفيرَ، وعزَل إطفيرَ عما كان عليه، يقولُ اللهُ: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾ الآيةَ. قال: فذُكِر لى - واللهُ أعلمُ - أن إطفيرَ هلَك في تلك الليالى، وأن الملكَ الريانَ بنَ الوليدِ زوَّج يوسُفَ امرأةَ إطفيرَ راعيلَ، وأنها حينَ دخَلَت عليه، قال: أليس

стр. 8939

هذا خيرًا مما كنتِ تُرِيدين؟ قال: فيَزْعُمون أنها قالت: أيُّها الصِّدِّيقُ، لا تَلُمْنى؛ فإنى كنتُ امرأةً كما تَرَى [حَسْناءَ جَمْلاءَ] (١)، ناعمةً في مُلْكٍ ودُنْيا، وكان صاحبى لا يَأْتى النساءَ. وكنتَ كما جعَلَك اللهُ في حُسْنِك وهيئتِك، فغلَبَتْنى نفسى على ما رأيْتَ، فيَزْعُمون أنه وجَدها عَذْراءَ. فأصابها، فولَدَت له رجلين؛ أفراييمَ (٢) بنَ يوسُفَ، ومنشا (٣) بنَ يوسفَ (٤). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسْباطَ، عن السديِّ: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾. قال: اسْتَعْمَله الملكُ على مصرَ، وكان صاحبَ أمرِها، وكان يَلِى البيعَ والتجارةَ، وأمْرَها كلَّه، فذلك قولُه: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾ (٥). حدَّثني يونُسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾. قال: [ملَّكْناه فيما] (٦) يَكونُ فيها حيث يشاءُ مِن [تلك الدنيا] (٧)، يَصْنَعُ فيها ما يَشاءُ؛ [فُوِّضَت إليه] (٨). قال: ولو شاء أن يَجْعَلَ [فرعونَ مِن] (٩)

стр. 8940

تحتِ يديه، ويَجْعَلَه فوقَه، لَفعَل (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرٌو، قال: أخبرنا هُشَيْمٌ، عن أبي إسحاقَ الكُوفيِّ، عن مجاهدٍ، قال: أسْلَم الملكُ الذي كان معه يوسُفُ (٢). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولثَوابُ اللهِ في الآخرةِ: ﴿خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾. يقولُ: للذين (٣) صدَّقوا الله ورسولَه مما أَعْطَى يوسُفَ في الدنيا مِن تَمْكينِه له في أرضِ مصرَ ﴿وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾. يقولُ: وكانوا يَتَّقون اللَّهَ فيَخافون عقابَه في خلافِ أمرِه، واسْتِحلالِ مَحارمِه، فيُطِيعونه في أمرِه ونهيِه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وجاء إخوةُ يوسفَ فدخَلوا عليه، فعرَفهم يوسُفُ، وهم ليوسُفَ مُنكِرون، لا يَعْرِفونه. وكان سببُ مَجيئِهم يوسُفَ، فيما ذُكِر لى، كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: لما اطْمَأَنَّ يوسُفُ في ملكِه، وخرَج مِن البلاءِ الذي كان فيه، وخلَت السِّنون المُخْصِبةُ، التي كان أمَرَهم بالإعدادِ فيها للسنين التي

стр. 8941

أخْبَرهم بها أنها كائنةٌ (١)، جُهِد (٢) الناسُ في كلِّ وجهٍ، وضرِبوا إلى مصرَ يَلْتَمِسون بها المِيرةَ مِن كلِّ بَلْدةٍ، وكان يوسُفُ حينَ رأَى ما أصاب الناسَ مِن الجَهْدِ، قد آسى (٣) بينَهم، وكان لا يُحَمِّلُ للرجلِ إلا بعيرًا واحدًا، ولا يُحَمِّلُ للرجلِ (٤) بعيرين؛ تَقْسيطًا بينَ الناسِ، وتَوسيعًا عليهم، فقدِم إخوتُه [فيمَن قَدِم] (٥) عليه مِن الناسِ يَلْتَمِسون المِيرةَ مِن مصرَ، فعرَفهم، وهم له مُنْكرون، لِما أراد اللَّهُ أَن يَبْلُغَ ليوسُفَ ﵇ فيما (٦) أراد (٧). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسْباطَ، عن السديِّ، قال: أصاب الناسَ الجوعُ، حتى أصاب بلادَ يعقوبَ التي هو بها، فبعَث بنيه إلى مصرَ، وأمْسَك أخا يوسُفَ بنيامينَ، فلمَّا دخَلوا على يوسُفَ عرَفهم، وهم له مُنْكِرون، [فلمَّا نظَر إليهم] (٥)، قال: أخْبِرونى ما أمْرُكم، فإنى أُنْكِرُ شأنَكم؟ قالوا: نحن قومٌ مِن أرضِ الشامِ، قال: فما جاء بكم؟ قالوا: جئْنا نمتارُ طعامًا. قال: كذَبْتُم، أنتم عُيونٌ، كم أنتم؟ قالوا: عشرةٌ. قال: أنتم عشرةُ آلافٍ، كلُّ رجلٍ منكم أميرُ ألفٍ، فأخْبِرونى خبرَكم. قالوا: إنا إخْوةٌ، بنو رجلٍ صِدِّيقٍ، وإنا كنا اثنى عشَرَ، وكان أبونا يُحِبُّ أخًا لنا، وإنه ذهَب معنا البَرِّيَّةَ، فهلَك منا فيها، وكان أحبَّنا (٨) إلى أبينا. قال:

стр. 8942

فإلى (١) مَن سكَن (٢) أبوكم بعدَه؟ قالوا: إلى أخٍ لنا أصغرَ منه. قال: فكيف تُخْبِروننى أن أباكم صِدِّيقٌ، وهو يُحِبُّ الصغيرَ منكم دون الكبيرٍ؟ ائْتُونى بأخيكم هذا، حتى أَنْظُرَ إليه ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ﴾. قالوا: ﴿سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾ قال: فضعُوا بعضَكم رَهينةً حتى تَرْجِعوا، فوضَعوا شمعونَ (٣). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾. قال: لا يَعْرِفونه (٤). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٥٩)﴾. يقولُ: ولما حمَّل يوسُفُ لإخوتِه أباعرَهم مِن الطعامِ، [فأوْقر لكلِّ] (٥) رجلٍ منهم بعيرَه، قال لهم: ﴿ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾ كيما أُحَمِّلَ لكم بعيرًا آخرَ، فتَزْدادوا به حِمْلَ بعيرٍ آخرَ، ﴿أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ﴾ فلا أَبْخَسُه أحَدًا؟ ﴿وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾: وأنا خيرُ مَن أنْزَل ضيفًا على نفسِه مِن الناسِ بهذه البَلْدةِ، فأنا أُضِيفُكم.

стр. 8943

كما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾: يوسفُ يقولُه (١): أنا خيرُ مَن يُضِيفُ بمصرَ (٢). حدَّثني ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: لما جهَّز يوسُفُ فيمَن جهَّز مِن الناسِ، حمَّل لكلِّ رجلٍ منهم (٣) بعيرًا بعِدَّتِهم (٤)، ثم قال لهم (٣): ﴿ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾ أَجْعَلْ لكم بعيرًا آخرَ، أو كما قال، ﴿أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ﴾. أي: لا أَبْخَسُ الناسَ شيئًا، ﴿وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾. أي: خيرٌ لكم مِن غيرى، فإنكم إن أتَيْتُم به، أَكْرَمْتُ منزلتَكم (٥)، وأحْسَنْتُ إليكم، وازْدَدْتُم به بعيرًا مع عِدَّتِكم، فإنى لا أُعْطِى كلَّ رجلٍ منكم إلا بعيرًا، ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ﴾ (٦): لا تَقْرَبوا بلدى (٧). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾. يعنى بنيامينَ، [وهو] (٨) أخو يوسُفَ لأبيه وأمِّه (٩).

стр. 8944

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ (٦٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مُخْبرًا عن قيلِ يوسُفَ لإخوتِه: ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ﴾ (١) [بأخيكم مِن أبيكم] (٢) ﴿فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي﴾. يقولُ: فليس لكم عندى طعامٌ أَكِيلُه لكم فلا تقربون. يقولُ: فلا تَقْرَبوا بلادى. وقولُه: ﴿وَلَا تَقْرَبُونِ﴾. في موضعِ جزمٍ بالنهى، والنونُ في موضعِ نصبٍ، وكُسِرَت لمَّا حُذِفَت ياؤُها، والكلامُ: ولا تَقْرَبونى. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ (٦١) وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ (٣) اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٦٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال إخوةُ يوسُفَ ليوسُفَ، إذ قال لهم: ﴿ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾ (٤): سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أبَاهُ، ونَسْأَلُه أَن يُخَلِّيَه معنا، حتى نَجِئَ به إليك، ﴿وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾. يعنون بذلك: وإنا لَفاعِلون ما قلْنا لك أنَّا نَفْعَلُه، مِن مُراوَدةِ أبينا عن أخينا منه، ولَنَجْتَهدَنَّ (٥). كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾:

стр. 8945

لنَجْتَهِدَنَّ (١) (٢). وقولُه: ﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ﴾ يقولُ تعالى ذكرُه: وقال يوسُفُ ﴿لِفِتْيَانِهِ﴾ (٢) وهم غِلْمانُه. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ﴾ (٣)، [أي: لغلمانِه] (٤) (٥). ﴿اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ﴾. يقولُ: اجْعَلوا أثمانَ الطعامِ التي (٦) أخَذْتُموها منهم، في رحالهم. و"الرِّحالُ" جمعُ "رَحْلٍ"، وذلك جمعُ الكثيرِ، فأما القليلُ مِن الجمعِ منه، فهو "أرْحُلٌ"، وذلك جمعُ ما بينَ الثلاثةِ إلى العشرةِ. وبنحوِ الذي قلْنا في معنى البضاعةِ قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ﴾. أي: أوراقَهم (٧).

стр. 8946

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثم أمَر ببضاعتِهم التي أعْطاهم بها ما أعطاهم من الطعامِ، [فجُعِلَت في رحالِهم، وهم لا يَعْلَمون (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسْباطَ، عن السديِّ (٢)، قال] (٣): وقال لفِتْيتِه، وهو يَكِيلُ لهم: اجْعَلوا بضاعتَهم في رحالِهم، لعلَّهم يَعِرفونها إذا انقلَبوا إلى أهلِهم، لعلَّهم يرجِعون إليَّ (٤). فإن قال قائلٌ: ولأيَّةِ علةٍ أمَر يوسُفُ فِتْيانَه أن يَجْعَلوا بضاعةَ إخوتِه في رحالِهم؟ قيل: يَحْتَمِلُ ذلك أوجهًا: أحدُها: أن يَكونَ خشِى ألا يَكونَ عندَ أبيه دراهمُ - إذ كانت السنةُ سنةَ جَدْبٍ وقَحْطٍ - فيَضُرَّ أخْذُه ذلك منهم به، وأحَبَّ أن يَرْجِعوا (٥) إليه. و (٦) أراد أن يَتَّسِعَ بها أبوه وإخْوتُه، مع حاجتِهم إليه، فردَّه عليهم مِن حيث لا يَعْلَمون سببَ ردِّه؛ تكرُّمًا وتفضُّلًا. والثالثُ: وهو أن يكونَ أراد بذلك ألا يُخْلِفوه الوعدَ في الرجوعِ، إذا وجَدوا في رحالِهم ثمنَ طعامٍ قد قبَضوه، وملَكَه عليهم غيرُهم، عِوَضًا مِن طعامِه (٧)،

стр. 8947

ويَتَحَرَّجوا مِن إمساكِهم ثمنَ طعامٍ قد قبضَوه، حتى يُؤَدُّوه (١) على صاحبِه، فيكونَ ذلك أدْعَى لهم إلى العودِ إليه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٦٣)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فلمَّا رجَع إخوةُ يوسُفَ [إلى أبيهم] (٢) قالوا: ﴿يَاأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ﴾. يقولُ: مُنِع منا الكيلُ فوقَ الكيلِ الذي كِيل لنا، ولم يُكَلْ لكلِّ رجلٍ منا إلا كيلُ بعيرٍ، فأرسل معنا أخانا بنيامينَ يَكُتَلْ لنفسِه كيلَ بعيرٍ آخرَ، زيادةً على كيلِ أباعِرِنا، ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ مِن أن يَنالَه مكروهٌ في سفرِه. وبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسْباطَ، عن السديِّ: فلمَّا رجَعوا إلى أبيهم قالوا: يا أبانا، إن ملكَ مصرَ أكْرَمَنا كرامةً ما (٣) لو كان رجلٌ مِن ولدِ يعقوبَ ما أكْرَمَنا كرامتَه، وإنه ارْتَهَن شمعونَ، وقال: ائْتُونى بأخيكم هذا الذي عكَف (٤) عليه أبوكم بعدَ أخيكم الذي [هلَك، فإن لم تَأْتونى به فلا تَقْرَبوا بلادى. قال يعقوبُ: ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ] (٥) مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ

стр. 8948

حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (١). قال: فقال لهم يعقوبُ: إذا أتَيْتُم مَلِكَ مصرَ فأقْرِئوه منى السلامَ، وقولوا له (٢): إن أبانا يُصَلِّي عليك، ويَدْعُو لك بما أوْلَيْتَنا (٣). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: خرَجوا حتى قدِموا على أبيهم، وكان مَنزِلُهم، فيما ذكَر لى بعضُ أهلِ العلمِ، بالعَرَباتِ (٤) من أرضِ فِلَسْطِينَ بغَوْرِ الشامِ، وبعضٌ يقولُ: بالأوْلاجِ (٥) مِن ناحيةِ الشِّعْبِ أسفلَ مِن حِسْمَى (٦)، وكان صاحبَ باديةٍ، له شاءٌ وإبلٌ، فقالوا: يا أبانا، قدِمْنا على خيرٍ رجلٍ، أنْزَلَنا فأكْرَم مُنزَلَنا، وكال لنا فأوْفانا ولم يَبْخَسْنا، وقد أَمَرَنا أن نأتِيَه بأخٍ لنا مِن أبينا، وقال: إن أنتم لم تَفْعَلوا فلا تَقْرَبُنِّي (٧)، ولا تَدْخُلُنَّ (٨) بلدى. فقال لهم يعقوبُ: ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا (٩) وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (١٠). واخْتَلَفَت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿نَكْتَلْ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ أهلِ

стр. 8949

المدينةِ، وبعضُ أهلِ مكةَ والكوفةِ: ﴿نَكْتَلْ﴾ بالنونِ، بمعنى: نَكْتَلْ نحن وهو. وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ أهلِ الكوفةِ: (يَكْتَلْ) بالياءِ، بمعنى يَكْتَلْ هو لنفسه، كما نَكتالُ لأنفسِنا (١). والصوابُ مِن القولِ في ذلك أنهما قراءتان معروفتان، مُتَّفِقتا المعنى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ الصوابَ (٢)، وذلك أنهم إنما أخْبَروا أباهم، أنه مُنع منهم زيادةُ الكيلِ على عددِ رءوسِهم، فقالوا: ﴿يَاأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ﴾، ثم سأَلوه أن يُرْسِلَ معهم أخاهم؛ ليَكْتالَ لنفسِه، فهو إذا (٣) اكْتال لنفسِه، واكْتالوا هم لأنفسِهم فقد دخَل الأخُ في عِدادِهم (٤)، فسواءٌ كان الخبرُ بذلك عن خاصَّةِ نفسِه، أو عن جميعِهم بلفظِ الجميعِ، إذ كان مفهومًا معنى الكلامِ، وما أُرِيد به. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا (٥) وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٦٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال أبوهم يعقوبُ: ﴿هَلْ آمَنُكُمْ﴾ على أخيكم مِن أبيكم الذي تَسْأَلونى أن أُرْسِلَه معكم، ﴿إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ﴾ يوسُفَ، ﴿مِنْ قَبْلُ﴾. يقولُ: مِن قبلِه.

стр. 8950

واخْتَلَفَت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا﴾ (١)؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ وبعضُ الكوفيين والبصريين: (فاللَّهُ خيرٌ حِفْظًا). بمعنى: واللهُ خيرُكم حِفْظًا. وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفيين وبعضُ أهلِ مكةَ: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا﴾ بالألفِ، على توجيهِ الحافظِ إلى أنه تفسيرٌ للخيرِ (٢)، كما يقالُ: هو خيرٌ رجلًا، والمعنى: فاللهُ خيرُكم حافظًا، ثم حُذِفَت الكافُ والميمُ (٣). والصوابُ مِن القولِ في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان مُتَقارِبتا المعنى، قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما أهلُ علمٍ بالقرآنِ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ، وذلك أن مَن وصَف الله بأنه خيرُهم حفظًا، فقد وصَفه بأنه خيرُهم حافظًا، ومَن وصَفَه بأنه خيرُهم حافظًا فقد وصَفه بأنه خيرُهم حفظًا. ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾. يقولُ: واللهُ أرحمُ راحمٍ بخلقِه، يَرْحَمُ ضَعْفِى على كِبَرِ سِنِّى، ووَحْدتى بفقدِ ولدى [ولا] (٤) يُضَيِّعُه، ولكنه يَحْفَظُه، حتى يَرُدَّه عليَّ برحمتِه (٥). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (٦٥)﴾.

стр. 8951

يقولُ تعالى ذكرُه: ولما فتَح إخوةُ يوسُفَ متاعَهم الذي حمَلوه مِن مصرَ مِن عندِ يوسُفَ ﴿وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ﴾، وذلك ثمنُ الطعامِ الذي اكْتالوه منه، ﴿رُدَّتْ إِلَيْهِمْ﴾، قالوا: ﴿يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾. يعنى أنهم قالوا لأبيهم: ماذا نَبْغى؟ هذه بضاعتُنا رُدَّت إلينا. تَطْييبًا منهم لنفسِه (١)، بما صُنِع [بهم في ردِّ] (٢) بضاعتِهم إليه (٣). وإذا وُجِّه الكلامُ إلى هذا المعنى كانت "ما" استفهامًا في موضعِ نصبٍ بقولِه: ﴿نَبْغِي﴾. وإلى هذا التأويلِ كان يُوَجِّهُه قتادةُ. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَا نَبْغِي﴾. يقولُ: ما نَبْغى وراءَ هذا؟ إن بضاعتَنا رُدَّت إلينا، وقد أُوفِى لنا الكيلُ (٤). وقولُه: ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾. يقولُ: ونَطْلُبُ لأهلِنا طعامًا، فنَشْتَرِيه لهم. يقالُ منه: مار فلانٌ أهلَه يَمِيرُهم مَيْرًا. ومنه قولُ الشاعرِ (٥): بعَثْتُك مائِرًا فمَكَثْتَ حولًا … متى يَأْتِى غِياثُك مَن تُغِيثُ ﴿وَنَحْفَظُ أَخَانَا﴾ الذي تُرْسِلُه معنا، ﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾. يقولُ: ونَزْدادُ على أحمالِنا الطعامِ حِمْلَ بعيرٍ، يُكالُ لنا ما حمَل بعيرٌ آخرُ مِن إبلِنا، ﴿ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾. يقولُ: هذا حِمْلٌ يسيرٌ.

стр. 8952

كما حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِير﴾. قال: كان لكلِّ رجلٍ منهم حِملُ بعيرٍ، فقالوا: أرْسِلْ معنا أخانا نَزْدَدْ (١) حملَ بعيرٍ. وقال ابن جريجٍ: قال مجاهدٌ: ﴿كَيْلَ بَعِير﴾: حملَ حمارٍ. قال: وهى لغةٌ. قال القاسمُ: يعنى مجاهدٌ أن الحمارَ يقالُ له في بعضِ اللغاتِ: بعيرٌ (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِير﴾. يقولُ: حملَ بعيرٍ (٣). [حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِير﴾: نَعُدُّ به بعيرًا مع إبلِنا، ﴿ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾] (٤) (٥). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٦٦)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال يعقوبُ لبنيه: لن أُرْسِلَ أخاكم معكم إلى ملكِ مصرَ ﴿حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾. يقولُ: حتى تُعْطُونِ مَوْثِقًا مِن اللهِ. بمعنى الميثاقِ،

стр. 8953

وهو ما يُوثَقُ به مِن يمينٍ وعهدٍ؛ [﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ﴾. يقولُ: لَتَأْتُنَّنِى بأخيكم] (١)، ﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾. يقولُ: إلا أن يُحِيطَ بجميعِكم ما لا تَقْدِرون معه على أن تَأْتُونى به. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ﴾. قال: عهدَهم. [حدَّثني المثنى، قال: أخْبرنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن وَرْقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه] (٢) (٣). حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شَبابةُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾: إلا أن تَهْلِكوا جميعًا (٤). [حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ. قال: وحدَّثنا إسحاقُ، قال: أخبرنا عبدُ اللَّهِ، عن وَرْقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، مثلَه] (٢) (٥). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن

стр. 8954

قتادةَ: ﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾. قال: إلا أن تُغْلَبوا، حتى لا تُطِيقوا ذلك (١). [حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ قولَه: ﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾: إلا أن يُصِيبَكم أمرٌ يَذْهَبُ بكم جميعًا، فيَكونُ ذلك عُذْرًا لكم عندى] (٢) (٣). وقولُه: ﴿فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ﴾. يقولُ: فلمَّا أعْطَوْه عهودَهم وقال يعقوبُ: الله على ما نقولُ أنا وأنتم ﴿وَكِيلٌ﴾. يقولُ: هو شهيدٌ علينا بالوفاءِ بما نقولُ جميعًا. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وقال يعقوبُ لبنيه لما أرادوا الخروجَ مِن عندِه إلى مصرَ ليَمْتاروا الطعامُ: يا بَنِيَّ، لا تَدْخُلوا مصرَ مِن طريقٍ واحدٍ، وادْخُلوها (٤) مِن أبوابٍ متفرقةٍ. وذُكِر أنه قال ذلك لهم؛ لأنهم كانوا رجالًا لهم جَمالٌ وهَيْئةٌ (٥)، فخاف عليهم العينَ إذا دخَلوا جماعةً (٦) مِن طريقٍ واحدٍ، وهم ولدُ رجلٍ واحدٍ، فأمَرَهم أن

стр. 8955

يَتَفَرَّقوا (١) في الدخولِ إليها. كما حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا يزيدُ الواسِطيُّ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾. قال: خاف عليهم العينَ (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ﴾: خشِى نبيُّ اللهِ [ ﷺ ] (٣) العينَ على بنيه؛ كانوا ذَوِى صُورةٍ وجَمالٍ (٤). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾. قال: كانوا قد أُوتُوا صورةً وجمالًا، فخشِى عليهم أنفُسَ الناسٍ (٥). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾. قال: خاف (٦) يعقوبُ ﵇ عليهم العينَ (٧).

стр. 8956

حُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ، قال: أخبرنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ﴾: خشِى يعقوبُ على ولدِه العينَ. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا زيدُ بنُ الحُبابِ، عن أبي مَعْشَرٍ؛ عن محمدِ بن كعبٍ: ﴿لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ﴾. قال: خشِى عليهم العينَ (١). قال: ثنا عمرٌو، عن أسباطَ، عن السديِّ، قال: خاف يعقوبُ ﷺ على بنيه العينَ، فقال: ﴿يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ﴾، فيقالَ: هؤلاء لرجلٍ واحدٍ! ولكن ادْخُلوا مِن أبوابٍ متفرقةٍ (٢). [حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: لما أجْمَعوا الخروجَ - يعنى ولدَ يعقوبَ - قال يعقوبُ: ﴿يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾. خشِى عليهم أعينَ الناسِ لهيئتِهم (٣)، وأنهم لرجلٍ واحدٍ] (٤). وقولُه: ﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾. يقولُ: وما أَقْدِرُ أن أَدْفَعَ عنكم مِن قضاءِ اللهِ الذي قد قضَاه عليكم مِن شيءٍ صغيرٍ ولا كبيرٍ؛ لأن قضاءَه نافذٌ في خلقِه، ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾. يقولُ: ما القضاءُ والحكمُ إلا للهِ، دونَ ما سواه مِن الأشياء، فإنه يَحْكُمُ في خلقه بما يَشاءُ، فيُنْفِذُ فيهم حكمه، ويَقْضِى فيهم ولا

стр. 8957

يُرَدُّ قضاؤُه، ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾. يقولُ: على اللَّهِ توكَّلْتُ، فوثِقْتُ به فيكم وفى حفظِكم عليَّ، حتى يَرُدُّكم إليَّ وأنتم سالمون مُعافَوْن - لا على دخولِكم مصرَ، إذا دخَلْتُموها، مِن أبوابٍ متفرقةٍ، ﴿وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾. يقولُ: وإلى اللهِ فلْيُفَوَّضُ أمورَهم المفوِّضون. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولما دخَل ولدُ يعقوبَ مِن حيث أمَرهم أبوهم، وذلك دخولُهم مصرَ مِن أبوابٍ متفرقةٍ، ﴿مَا كَانَ يُغْنِي﴾ دخولُهم إياها كذلك ﴿عَنْهُمْ﴾ مِن قضاءِ اللَّهِ الذي قضاه فيهم فحتَمه، ﴿مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾: إلا أنهم قضَوْا وطَرًا ليعقوبَ [بدخولِهموها من طرقٍ متفرقةٍ فبرُّوا صدْرَه (١) مما كان يَخاف عليهم بدخولِهم] (٢) مِن طريقٍ واحدٍ (٣)؛ مِن العينِ عليهم، فاطْمَأنت نفسُه؛ أن يكونوا أُتُوا مِن قِبَلِ ذلك، أو نالهم مِن أجلِه مكروهٌ. كما حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شَبابةُ. قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾: خيفةَ العينِ على بنيه (٤).

стр. 8958

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. قال: أخْبرنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن وَرْقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن نُميْرٍ، عن وَرْقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾. قال: خشيةَ العينِ عليهم. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ قولَه: ﴿إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾: ما تخَوَّف على بنيه مِن أعينِ الناسِ، لهيئتِهم (١) وعِدَّتِهم (٢). وقولُه: ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإن يعقوبَ لَذو علمٍ لتَعْليمِنا إياه. وقيل معناه: وإنه لذو حفظٍ لما اسْتَوْدَعْنا صدرَه مِن العلمِ. واختُلِف عن قتادةَ في ذلك؛ فحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾: أي: مما علَّمْناه (٣). حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ الزبيرِ، عن سفيانَ، عن ابن أبي عَروبةَ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾. قال: إِنه لَعاملٌ بما علِم (٤).

стр. 8959

قال المثنى: قال إسحاقُ: قال عبدُ اللَّهِ: قال سفيانُ: ﴿وَإِنَّهُ لَذُو [عِلْمٍ﴾: أي عمِلٍ بما] (١) علَّمْناه، وقال: من لا يَعْمَلُ لا يكونُ عالمًا (٢). ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ولكن كثيرًا مِن الناسِ غيرِ يعقوبَ، لا يعلمون ما يعْلَمُه؛ لأنَّا حرَمْناه ذلك، فلم يَعْلَمُه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولما دخل ولدُ يعقوبَ على يوسُفَ ﴿آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾. يقولُ: ضمَّ إليه أخاه لأبيه وأمِّه. وكان (٣) [إيواؤه إياه] (٤) كما حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسْباطَ، عن السديِّ: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾. قال: عرَف أخاه، فأنْزَلهم منزلًا، وأجْرَى عليهم الطعامَ والشرابَ، فلما كان الليلُ جاءهم بمُثُلٍ (٥)، فقال: لِيَنمْ كلُّ أخوين منكم على مِثالٍ. فلما بقِى الغلامُ وحدَه قال يوسُفُ: هذا يَنامُ معى على فِراشى. فبات معه، فجعَل يوسُفُ يَشَمُّ ريحَه، ويضُمُّه إليه، حتى أصْبَح، وجعل روبيلُ يقول: ما رأيْنا مثلَ هذا، أرِيحونا (٦) منه (٧).

стр. 8960

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: لما دخَلوا - [يعنى ولدَ يعقوبَ] (١) - على يوسُفَ، قالوا: هذا أخونا الذي أمَرْتَنا أن نأْتِيَك به، قد جِئْناك به. فذُكِر لى أنه قال لهم: قد أحْسَنْتُم وأصَبْتُم، وستَجِدون (١) ذلك عندى. أو كما قال، ثم قال: إنى أراكم رجالًا، وقد أردْتُ أن أُكْرِمَكم. ودعا [صاحبَ ضيافتِه] (٢)، فقال: أنْزِلْ كلَّ رجلين على حِدةٍ، ثم أكْرِمْهما وأحْسِنْ ضِيافتَهما، ثم قال: إنى أرَى هذا الرجلَ الذي جئْتُم به ليس معه ثانٍ، فسأضُمُّه إليَّ، فيَكونُ منزلُه معى. فأنْزَلهم رجلين رجلين، في منازلَ شتَّى، وأنزَل أخاه معه، فآواه إليه، فلما خلا به، قال: إنى أنا أخوك، أنا يوسُفُ، فلا تبْتِئسُ بشيءٍ فعلوه بنا فيما مضى؛ فإن الله قد أحْسَن إلينا، ولا تُعْلِمْهم شيئًا مما أعْلمْتُك (٣). يقولُ اللهُ: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٤). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾: ضمَّه إليه وأنْزَله، وهو بنيامينُ (٥). حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريمِ، قال: ثنى عبدُ الصمدِ بنُ مَعْقِلٍ، قال: سمِعْتُ وهبَ بنَ منبهٍ، يقولُ: وسُئِل عن قولِ يوسُفَ: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا

стр. 8961

تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. كيف أخافه (١) حينَ أُخِذ بالصُّوَاعِ، وقد كان أخْبَره أنه (٢) أخوه، وأنتم تَزْعُمون أنه لم يزَلْ متنكرًا لهم يُكايِدُهم، حتى رجَعوا؟ فقال: إنه لم يعْتَرِفْ له بالنسبةِ (٣)، ولكنه قال: أنا أخوك مكانَ أخيك الهالِك، ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: لا يَحْزُنْك مكانُه (٤). وقولُه: ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ﴾. يقولُ: فلا تسْتَكِنْ ولا تَحزنْ. وهو "فلا تَفْتَعِلْ" (٥) مِن البُؤْسِ، يقالُ منه: ابْتَأَس يَبْتئِسُ ابْتِئاسًا. وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ﴾. يقولُ: فلا تحزَنْ، و (٦) لا تَيْأَسْ (٧). حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريمِ، قال: ثنى عبدُ الصمدِ، قال: سمِعْتُ وهبَ بنَ مُنبهٍ يقولُ: ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ﴾. يقولُ: [لا يحْزُنْك مكانُه] (٨).

стр. 8962

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسْباطَ، عن السديِّ: ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: لا تَحْزَنْ (١) [على ما كانوا يَعْمَلون] (٢). فتأويلُ الكلامِ إذن: فلا تَحْزَنْ ولا تَسْتَكِنْ (٣) لشيءٍ سلَف مِن إخوتِك إليك، في نفسِك وفى أخيك مِن أمِّك، وما كانوا يفْعَلون قبلَ اليومِ بك. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (٧٠)﴾. يقولُ: ولما حمَّل يوسُفُ إبلَ إخوتِه ما حمَّلها مِن الميرةِ، وقضَى حاجتَهم، كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾. يقولُ: لما قضَى لهم حاجتَهم ووفَّاهم كيلَهم (٤). وقولُه: ﴿جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾. يقولُ: جعَل الإناءَ الذي يكِيلُ به الطعامَ في رحْلِ أخيه. والسِّقايةُ هي المِشْرَبةُ، وهى الإناءُ الذي كان يشْربُ فيه الملِكُ، ويكِيلُ (٥) به الطعامَ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 8963

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عفانُ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ، عن يونُسَ، عن الحسنِ، أنه كان يقولُ: الصُّوَاعُ والسِّقايةُ سواءٌ، هو الإناءُ الذي يُشْربُ فيه (١). قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورْقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: السَّقايةُ والصُّواعُ شيءٌ واحدٌ، كان يَشْربُ فيه يوسُفُ (٢). قال: أخْبرنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورْقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: السِّقايةُ الصُّواعُ الذي يشْرَبُ فيه يوسُفُ. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿جَعَلَ السِّقَايَةَ﴾. قال: مِشْرَبةُ الملِكِ (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿جَعَلَ (٤) السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾: وهو إناءُ الملكِ، الذي كان يشْرَبُ فيه (٥). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾.

стр. 8964

وهي السِّقايةُ التي كان يشْربُ فيها الملكُ، يعنى مَكُّوكَه (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿جَعَلَ السِّقَايَةَ﴾، وقولَه: ﴿صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾. قال: هما شيءٌ واحدٌ، السقايةُ والصُّواعُ شيءٌ واحدٌ يَشْرَبُ فيه يوسُفُ (٢). حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ، يقولُ: أخبرنا عبيدُ بنُ سليمانَ قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿جَعَلَ السِّقَايَةَ﴾ (٣): هو الإناءُ الذي كان يَشْرَبُ فيه الملكُ. حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾. قال: السِّقاية هو الصُّواعُ، وكان كأسًا مِن ذهبٍ فيما يَذْكُرون (٤). قولُه: ﴿فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾. فإنه يعنى: في متاعِ أخيه ابن أمِّه وأبيه، وهو بنيامينُ، وكذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾. أي: في متاعِ أخيه (٥)

стр. 8965

وقولُه: ﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾. يقولُ: ثم نادَى مُنادٍ، وقيل: أَعْلَمَ مُعْلِمٌ، ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ﴾. وهى القافلُة فيها الأحمالُ ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾. وبنحوِ (١) ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسْباطَ، عن السديِّ: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾: والأخُ لا يَشْعُرُ، فلمَّا ارْتحلوا أذَّن مؤذِّنٌ قبلَ أن ترْتَحِلَ (٢) العِيرُ: ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ (٣). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثم جهَّزهم بجَهازِهم وأكْرَمهم وأعْطاهم وأوْفاهم، وحمَّل لهم بعيرًا بعيرًا، وحمَّل لأخيه بعيرًا باسمِه، كما حمَّل لهم، ثم أمَر بسِقايةِ الملكِ - وهو الصُّواعُ، وزعَموا أنها كانت مِن فضةٍ - فجُعِلت في رحلِ أخيه بنيامينَ، ثم أمْهلَهم حتى إذا انْطلقوا فأمْعَنوا (٤) مِن القرية، أمَر فأُدْرِكوا، فاحْتُبِسوا، ثم نادى منادٍ: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾، قِفُوا، وانْتهى إليهم رسولُه، فقال لهم - فيما يَذْكُرون -: ألم نُكْرِمْ ضِيافتَكم، ونُوفِّكم (٥) كيلَكم، ونُحْسِنُ منزلتَكم، ونَفْعَلْ بكم ما لم نَفْعلْ بغيرِكم، وأَدْخَلْناكم علينا في بيوتِنا ومنازلِنا؟ أو كما قال لهم. قالوا: بلى، وما ذاك؟ قال:
следующие страницы →