← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 8961–9000 · переход к 8966.

стр. 8961

تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. كيف أخافه (١) حينَ أُخِذ بالصُّوَاعِ، وقد كان أخْبَره أنه (٢) أخوه، وأنتم تَزْعُمون أنه لم يزَلْ متنكرًا لهم يُكايِدُهم، حتى رجَعوا؟ فقال: إنه لم يعْتَرِفْ له بالنسبةِ (٣)، ولكنه قال: أنا أخوك مكانَ أخيك الهالِك، ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: لا يَحْزُنْك مكانُه (٤). وقولُه: ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ﴾. يقولُ: فلا تسْتَكِنْ ولا تَحزنْ. وهو "فلا تَفْتَعِلْ" (٥) مِن البُؤْسِ، يقالُ منه: ابْتَأَس يَبْتئِسُ ابْتِئاسًا. وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ﴾. يقولُ: فلا تحزَنْ، و (٦) لا تَيْأَسْ (٧). حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريمِ، قال: ثنى عبدُ الصمدِ، قال: سمِعْتُ وهبَ بنَ مُنبهٍ يقولُ: ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ﴾. يقولُ: [لا يحْزُنْك مكانُه] (٨).

стр. 8962

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسْباطَ، عن السديِّ: ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: لا تَحْزَنْ (١) [على ما كانوا يَعْمَلون] (٢). فتأويلُ الكلامِ إذن: فلا تَحْزَنْ ولا تَسْتَكِنْ (٣) لشيءٍ سلَف مِن إخوتِك إليك، في نفسِك وفى أخيك مِن أمِّك، وما كانوا يفْعَلون قبلَ اليومِ بك. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (٧٠)﴾. يقولُ: ولما حمَّل يوسُفُ إبلَ إخوتِه ما حمَّلها مِن الميرةِ، وقضَى حاجتَهم، كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾. يقولُ: لما قضَى لهم حاجتَهم ووفَّاهم كيلَهم (٤). وقولُه: ﴿جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾. يقولُ: جعَل الإناءَ الذي يكِيلُ به الطعامَ في رحْلِ أخيه. والسِّقايةُ هي المِشْرَبةُ، وهى الإناءُ الذي كان يشْربُ فيه الملِكُ، ويكِيلُ (٥) به الطعامَ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 8963

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عفانُ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ، عن يونُسَ، عن الحسنِ، أنه كان يقولُ: الصُّوَاعُ والسِّقايةُ سواءٌ، هو الإناءُ الذي يُشْربُ فيه (١). قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورْقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: السَّقايةُ والصُّواعُ شيءٌ واحدٌ، كان يَشْربُ فيه يوسُفُ (٢). قال: أخْبرنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورْقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: السِّقايةُ الصُّواعُ الذي يشْرَبُ فيه يوسُفُ. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿جَعَلَ السِّقَايَةَ﴾. قال: مِشْرَبةُ الملِكِ (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿جَعَلَ (٤) السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾: وهو إناءُ الملكِ، الذي كان يشْرَبُ فيه (٥). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾.

стр. 8964

وهي السِّقايةُ التي كان يشْربُ فيها الملكُ، يعنى مَكُّوكَه (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿جَعَلَ السِّقَايَةَ﴾، وقولَه: ﴿صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾. قال: هما شيءٌ واحدٌ، السقايةُ والصُّواعُ شيءٌ واحدٌ يَشْرَبُ فيه يوسُفُ (٢). حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ، يقولُ: أخبرنا عبيدُ بنُ سليمانَ قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿جَعَلَ السِّقَايَةَ﴾ (٣): هو الإناءُ الذي كان يَشْرَبُ فيه الملكُ. حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾. قال: السِّقاية هو الصُّواعُ، وكان كأسًا مِن ذهبٍ فيما يَذْكُرون (٤). قولُه: ﴿فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾. فإنه يعنى: في متاعِ أخيه ابن أمِّه وأبيه، وهو بنيامينُ، وكذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾. أي: في متاعِ أخيه (٥)

стр. 8965

وقولُه: ﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾. يقولُ: ثم نادَى مُنادٍ، وقيل: أَعْلَمَ مُعْلِمٌ، ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ﴾. وهى القافلُة فيها الأحمالُ ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾. وبنحوِ (١) ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسْباطَ، عن السديِّ: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾: والأخُ لا يَشْعُرُ، فلمَّا ارْتحلوا أذَّن مؤذِّنٌ قبلَ أن ترْتَحِلَ (٢) العِيرُ: ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ (٣). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثم جهَّزهم بجَهازِهم وأكْرَمهم وأعْطاهم وأوْفاهم، وحمَّل لهم بعيرًا بعيرًا، وحمَّل لأخيه بعيرًا باسمِه، كما حمَّل لهم، ثم أمَر بسِقايةِ الملكِ - وهو الصُّواعُ، وزعَموا أنها كانت مِن فضةٍ - فجُعِلت في رحلِ أخيه بنيامينَ، ثم أمْهلَهم حتى إذا انْطلقوا فأمْعَنوا (٤) مِن القرية، أمَر فأُدْرِكوا، فاحْتُبِسوا، ثم نادى منادٍ: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾، قِفُوا، وانْتهى إليهم رسولُه، فقال لهم - فيما يَذْكُرون -: ألم نُكْرِمْ ضِيافتَكم، ونُوفِّكم (٥) كيلَكم، ونُحْسِنُ منزلتَكم، ونَفْعَلْ بكم ما لم نَفْعلْ بغيرِكم، وأَدْخَلْناكم علينا في بيوتِنا ومنازلِنا؟ أو كما قال لهم. قالوا: بلى، وما ذاك؟ قال:

стр. 8966

سِقايةُ الملكِ فقَدْناها، ولا نَتَّهِمُ عليها غيرَكم. قالوا: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ (١). وقولُه: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ﴾. قد بيَّنا فيما مضى معنى العيرِ، وهو جمعٌ لا واحدَ له مِن لفظِه. وحُكِى عن مجاهدٍ أن عِيرَ بني يعقوبَ كانت حميرًا. حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ الزبيرِ، عن سفيانَ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ﴾. قال: كانت حَميرًا (٢). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنى رجلٌ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾. قال: كانت العِيُر حميرًا (٣). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ (٧١) قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال بنو يعقوبَ لمَّا نُودُوا: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾. وأقْبلوا على المنادى ومن بحضرتهم يقولون لهم: ﴿مَاذَا تَفْقِدُونَ﴾؟ ما الذي تفْقِدون ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾. يقولُ: فقال لهم (٤) القومُ: نفْقِدُ مِشْربةَ الملكِ.

стр. 8967

واخْتَلفَت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فذُكِر عن أبي هريرةَ أنه قرَأه: (صَاعَ المَلِكِ) بغيرِ واوٍ، كأنه وجَّهه إلى الصاعِ الذي يُكالُ به الطعامُ (١). وروى عن أبي رَجاءٍ، أنه قرأه: (صوْعَ الملكِ) (٢). ورُوِى عن يحيى بن يعْمرَ أنه قرأه (صَوْعَ الملك) بالغينِ (٣)، كأنه وجَّهه إلى أنه مصدرٌ من قولِهم: صاغَ يَصُوغُ صوغًا. وأما الذي عليه قرأةُ الأمصارِ: فـ ﴿صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾. وهى القراءةُ التي لا أَسْتَجِيزُ القراءةَ بخلافها؛ لإجماعِ الحُجَّةِ عليها. والصُّواعُ هو الإناءُ الذي كان يوسُفُ يَكِيلُ به الطعامَ، وكذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في هذا الحرفِ: ﴿صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾. قال: كهيئةِ المَكُّوكِ. قال: وكان للعباسِ مثلُه في الجاهليةِ، يشْرَبُ فيه (٤).

стр. 8968

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن شعبة، عن شعبةَ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾. قال: كان مِن فضةٍ مثلَ المكُّوكِ، وكان للعباسِ منها واحدٌ في الجاهليةِ. حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ. وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن شَريكٍ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾. قال: كان مِن فضةٍ (١). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ أنه قرَأ: ﴿صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾. قال: وكان إناءه الذي يَشْرَبُ فيه، وكان إلى الطولِ ما هو (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا سُويْدُ بنُ عمرٍو، عن أبي عوانةَ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾. قال: المكُّوكُ الفارسيُّ. حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا أبو عَوانةَ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: ﴿صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾. قال: هو الْمَكُّوكُ الفارسيُّ الذي يَلْتَقِى طَرَفاه، كانت تَشْرَبُ فيه الأعاجمُ (٣) قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بن مَغْراء، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ

стр. 8969

في قولِه: ﴿صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾. قال: إناءُ الملك الذي كان يشْرَبُ فيه (١). حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا يحيى - يعنى ابنَ عَبَّادٍ - قال: [ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال:] (٢) ﴿صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾ (٣): مكُّوكٌ من فضةٍ يَشْرَبون فيه، وكان للعباسِ واحدٌ في الجاهليةِ (٤). حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثور، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾: إناءَ الملكِ الذي يَشْرَبُ فيه (٥). حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا سعيدٌ بن منصورٍ، قال: ثنا أبو عَوانةَ، عن أبى بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾. قال: هو المكُّوكُ الفارسيُّ، الذي يَلْتَقِى طرَفاه (٦). حدَّثنا القاسمُ القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: الصُّواعُ كان يشْرَبُ فيه يوسُفُ (٧). حدَّثنا محمدُ [بنُ مَعْمرٍ] (٨) البحْرانيُّ، قال: ثنا عبدُ الصمدِ بنُ عبدِ الوارثِ، قال: ثنا صدَقةُ بنُ عباد، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾. قال: كان

стр. 8970

مِن نُحاسٍ (١). وقولُه: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِير﴾. يقولُ: [ولمن جاء بالصُّواع حِمْلُ بعيرٍ من الطعامِ. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾. يقولُ] (٢): وِقْرُ بعيرٍ (٣). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ تعالى: ﴿حِمْلُ بَعِيرٍ﴾. قال: [حِمْلُ حمارٍ طعامًا] (٤)، وهي لغةٌ. حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: وحدَّثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورْقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ [قولَه: ﴿حِمْلُ بَعِيرٍ﴾] (٥). قال: حمل حمارٍ طعامًا، وهى لغةٌ (٦). حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ

стр. 8971

عن مجاهدٍ [مثله. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ] (١)، قال: قولُه: ﴿حِمْلُ بَعِيرٍ﴾. قال: حملُ حمارٍ. وقولُه: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾. يقولُ: وأنا بأن أُوَفِّيه حملَ بعيرٍ مِن الطعامِ إذا جاءني بصُواع الملكِ كفيلٌ (٢). وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولُه: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾. يقولُ: كفيلٌ (٣). حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾. الزعيمُ: هو المؤذِّنُ الذي قال: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ﴾ (٤). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

стр. 8972

[حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله] (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بكرٍ (٢) وأبو خالدٍ الأحمرُ، عن ابن جريجٍ: قال: بلغنى عن مجاهدٍ، ثم ذكر نحوه. حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْديٍّ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ، عن وِقاءِ (٣) بن إياس، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾. قال: كفيلٌ (٤). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولُه: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾. أي: وأنا به كفيل. حدَّثنا محمدُ بنُ عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾. قال: حميلٌ (٥). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾. قال: كفيلٌ (٦). حُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرج، قال: سمِعْتُ أَبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ، فذكر مثلَه.

стр. 8973

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾. قال: كفيلٌ. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: قال لهم الرسولُ: إنه مَن جاءنا به فله حملُ بعيرٍ، وأنا به كفيلٌ بذلك، حتى أُودِّيَه إليه. ومِن الزعيمِ الذي بمعنى الكفيلِ قولُ الشاعرِ (١): فلسْتُ بآمِرٍ فيها بسِلْمٍ … ولكنى على نفسى زَعيمُ وأصلُ الزعيم في كلامِ العربِ: القائمُ بأمرِ القومِ، وكذلك الكفيلُ والحميلُ، ولذلك قيل: رئيسُ القومِ زعيمُهم، ومُدَبِّرُهم، يقال منه: قد زعُم فلانٌ زعامةً وزعامةً، ومنه قولُ ليلى الأخْيَليةِ (٢): حتى [إذا إذا برَز] (٣) اللِّواءُ رأيْتَه … تحت اللواءِ على الخَميسِ (٤) زعيمَا القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (٧٣)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال إخوةُ يوسفَ: ﴿تَاللَّهِ﴾. يعنى: واللَّهِ. وهذه التاءُ في تاللهِ إنما هي واوٌ قُلِبَت تاءً، كما فُعِل ذلك في التوراةِ، وهي مِن وَرَّيْتُ، والتُّراثِ، وهى مِن ورِثْتُ، والتُّخمةِ، وهى مِن الوَخامة، قُلِبَت الواوُ في

стр. 8974

ذلك كلِّه تاءً، والواؤ في هذه الحروفِ كلِّها حرفٌ (١) من الأسماء، وليست كذلك في ﴿تَاللَّهِ﴾؛ لأنها إنما هي واوُ القسم، وإنما جُعِلَت تاءً لكثرةِ ما جرَى على ألسُنِ العربِ في الأيمانِ في قولِهم: واللهِ. فخُصَّت في هذه الكلمةِ بأن قُلِبت تاءً، ومن قال ذلك في اسمِ اللهِ، فقال: تاللهِ - لم يقُلْ: تالرحمنِ و تالرحيمِ، ولا مع شيءٍ من أسماءِ اللهِ، ولا مع شيءٍ مما يُقسم به، ولا يُقالُ ذلك إلا في ﴿تَاللَّهِ﴾ وحده. وقولُه: ﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ: لقد علِمْتُم ما جئْنَا لَنَعْصِيَ الله في أرضِكم. كذلك كان يقولُ جماعةٌ من أهلُ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بن أنسٍ في قولِه: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ: ما جئنا لنعْصِىَ في الأرضِ (٢). فإن قال قائلٌ: وما كان عِلْمُ (٣) مَن قيل له: ﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ﴾. بأنهم لم يَجِيئوا لذلك، حتى اسْتَجاز قائلو ذلك أن يقُولوه؟ قيل: اسْتَجازوا أن يقولوا ذلك؛ لأنهم، فيما ذُكِر، ردُّوا البضاعة التي وجَدوها في رحالهم، فقالوا: لو كنا سُرَّاقًا لم نَرُدَّ عليكم البضاعةَ التي وجَدْناها في

стр. 8975

رحالِنا. وقيل: إنهم كانوا قد عُرِفوا في طريقهم ومسيرِهم أنهم لا يظْلِمون أحدًا، ولا يتَناولون ما ليس لهم، فقالوا ذلك حين قيل لهم: ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾. القول في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (٧٤) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٧٥)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال أصحابُ يوسُف لإخوتِه: فما ثوابُ السَّرَقِ إن كنتم كاذبين في قولكم: ﴿مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾. قالُوا: ﴿جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: قال (١) إخوةُ يوسُفَ: ثوابُ السَّرَقِ (٢) مَن وُجِد في متاعِه السَّرِقُ ﴿فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾. يقولُ: فالذي وُجِد ذلك في رحلِه، ثوابُه بأن يُسَلَّمَ بسرِقِته (٣) إلى مَن سرَق منه حتى يَسْتَرِقَه. ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾. يقولُ: كذلك نفْعَلُ بمن ظلَم ففعل ما ليس له فعلُه، مِن أخذِه مالَ غيرِه سَرقًا. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾، أَي: سُلِّم به. ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾، أي: كذلك نَصْنَعُ بمن سرَق منا (٤).

стр. 8976

حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، قال: بلَغنا في قولِه: ﴿قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ﴾. أخبروا يوسُفَ بما يُحْكم في بلادِهم مَن سرق أُخِذ عبدًا، فقالوا: ﴿جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسباطَ، عن السديِّ: ﴿قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (٧٤) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ تأْخُذونه فهو لكم (٢). ومعنى الكلامِ قالوا: ثوابُ السَّرَقِ الموجودُ في رحلِه. كأنه قيل: ثوابُه اسْتِرْقاقُ الموجودِ في رحلِه. ثم حُذِف "اسْتِرقاقُ"، إذ كان معروفًا معناه، ثم ابْتُدِئ الكلامُ فقيل: ﴿فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾، ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾. وقد يَحْتَمِلُ وجهًا آخر أن يكونَ معناه: قالوا: ثوابُ السَّرَقِ الذي يُوجدُ السَّرقُ في رحله، فالسارقُ جزاؤُه. فيكونُ "جزاؤُه" الأولُ مرفوعًا بجملةِ الخبرِ بعدَه، ويكونُ مرفوعًا بالعائد من ذكرُه في "هو"، و "هو "مرافعُ (٣) "جزاؤُه" الثاني. ويَحْتَمِلُ وجهًا ثالثًا: وهو أن تكونَ "مَن" جزاءً (٤)، وتكون مرفوعةً بالعائدِ مِن ذكرِه في الهاءِ التي في "رحلِه"، والجزاءُ الأولُ مرفوعًا بالعائدِ مِن ذكرِه في

стр. 8977

وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ (١). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: فاسْتَخْرَجها مِن وعاءِ أخيه، قال: كان كلما فتَح متاعًا اسْتغْفَر تائبًا (٢) مما صنَع، حتى بلغ متاعَ الغلامِ، فقال: ما أظُنُّ هذا أخذ شيئًا، قالوا: بلى، فاستبْرَئْه (٣). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، عن أسْباطَ، عن السدِّيِّ، قال: ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾: فلمَّا بقِى رحلُ الغلامِ، قال: ما كان هذا الغلامُ لِيَأْخُذَه، قالوا: واللهِ، لا يُتركُ (٤) حتى تَنْظُرَ في رحله؛ لنذْهبَ وقد طابَت نفسُك، فأدْخَلَ يدَه، فاسْتَخْرَجها مِن رحلِه (٥). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: لما قال لهم الرسولُ ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢]. قالوا: ما نَعْلَمُه فينا ولا معنا، قال: لستم ببارِحِين حتى أُفتِّشَ أمتعتَكم، وأُعْذِرَ في طلبِها منكم، فبدأ بأوعيتِهم وعاءً وعاءً، يُفتِّشُها وينْظُرُ ما فيها، حتى مرَّ على وعاءِ أخيه ففتَّشه، فاسْتخْرجها منه، فأخَذ منه، فأخذ برقبته، فانْصَرَف به إلى يوسُفَ، يقولُ اللَّهُ: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ (٦). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال:

стр. 8978

"وُجد"، ويكونَ جوابُ الجزاءِ الفاءَ في "فهو"، والجزاءُ الثاني مرفوعُ "فهو" (١)، فيكونَ معنى الكلامِ حينَئذٍ: قالوا: جزاءُ السَّرَقِ، من وُجِد السَّرَقُ في رحلِه فهو ثوابُه، يُسْتَرَقُّ ويُسْتَعْبَدُ القول في تأويل قولُه: ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ففتَّش يوسُفُ أوعيتَهم ورحالَهم؛ طالبًا بذلك صُواعَ الملكِ، فبدَأ في تفتيشِه بأوعيةِ إخوتِه من أبيه، فجعَل يُفتِّشُها وِعاءً وِعاءً، قبل وعاءِ أخيه من أبيه وأمِّه، فإنه أخَّر تفتيشَه، ثم فتَّش آخرَها (٢) وعاء أخيه، فاسْتخْرج الصُّواعَ مِن وعاءِ أخيه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قولُه: ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾: ذُكِر لنا أنه كان لا يَنْظُرُ في وعاءٍ إِلا اسْتَغْفر اللَّهَ؛ تأثُّمًا مما قذَفهم به، حتى بقى أخوه، وكان أصغرَ القومِ، قال: ما أرَى هذا أخذ شيئًا قالوا: بلى فاسْتبْرِئْه (٣). ألا وقد علِموا حيث وضَعوا سِقايتَهم، ﴿ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ

стр. 8979

ذُكِر لنا أنه كان كلما بَحَث متاعَ رجلٍ منهم اسْتَغْفر ربَّه تأَثُّمًا، قد علِم أين (١) موضعُ الذي يَطْلُبُ، حتى إذا بقِى أخوه، وعلِم أن بُغْيَتَه فيه، قال: لا أَرَى (٢) هذا الغلامَ أخذه، ولا أُبالى أن لا أبْحث متاعَه. قال إخوتُه: إنه (٣) أطْيبُ لنفسِك وأنفسِنا أن تَسْتبْرِئَ متاعَه أيضًا، فلمَّا فتَح متاعَه، اسْتَخْرَج بُغْيَتَه منه. قال اللهُ: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾. واخْتلَف أهلُ العربيةِ في الهاءِ والألفِ اللتين في قولِه ﴿ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾. فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: هي مِن ذِكْرِ الصُّواع، قال: وأَنَّث. وقد قال: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾؛ لأنه عنى الصُّواعَ (٤)، قال: والصُّواعُ مذكَّرٌ، ومنهم من يُؤنِّتُ الصُّواع (٥)، وعُنى هاهنا السِّقاية، وهى مؤنثةٌ. قال: وهما اسمانِ لواحدٍ، مثلُ الثوب والملِحفةِ، مذكَّرٌ ومُؤنَّتٌ لشيءٍ واحدٍ. وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ في قولِه: ﴿ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾. ذهب إلى تأنيث السرقةِ، قال (٦): وإن (٧) يَكنِ الصُّواعُ في معنى الصاعِ، فلعل هذا التأنيثَ مِن ذلك، قال: وإن شئت جعلتَه (٨) لتأنيثِ السقايةِ. قال: والصُّواعُ: ذَكَرٌ، والصاعُ يُؤَنَّثُ ويُذكَّرُ، فمن أنَّثه قال: ثلاثُ أَصْوُعٍ، مثلُ: ثلاثُ أَدْوُرٍ، ومَن ذكَّرُه قال: أصْواعٌ مثلُ أبوابٌ.

стр. 8980

وقال آخرُ منهم: إنما أُنِّث الصُّواعُ حينَ أُنِّث؛ لأنه أُرِيدَت به السَّقاية، وذُكِّر حين ذُكِّر؛ لأنه أُريد به الصُّواعُ. قال: وذلك مثلُ الخِوان والمائدةِ، وسِنانِ الرمحِ وعاليتِه، وما أشبهَ ذلك من الشيءِ الذي يَجْتمِعُ فيه (١) اسمان؛ أحدُهما مذكَّرٌ، والآخرُ مُؤَنَّثٌ. وقولُه: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾. يقولُ: هكذا صنَعْنا ليوسُفَ، حتى يُخلِّص أخاه لأبيه وأمِّه مِن إخوتِه لأبيه، بإقرارٍ منهم أَنَّ له أَنْ يَأْخُذَه منهم، ويحْتبِسَه في يديه، ويحُول بينه وبينهم، وذلك أنهم قالوا إذ قيل لهم: ﴿قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ﴾ [يوسف: ٧٤]: جزاءُ مَن سرَق الصُّواعَ أن من وُجد ذلك في رحلِه فهو مُسْتَرَقٌ به. وذلك كان حكمَهم في (٢) دينِهم، فكاد اللهُ ليوسُفَ كما وصَف لنا، حتى أخَذ أخاه منهم، فصار عندَه بحكمهم وصُنْعِ اللَّهِ له. وقولُه: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾. يقولُ: ما كان يوسُفُ لِيَأْخُذَ أخاه في حكمِ ملِكِ مصرَ وقضائِه وطاعتِه منهم؛ لأنه لم يَكُنْ من حكمِ ذلك الملكِ وقضائِه أن يُسْترَقَّ أحدٌ بالسَّرَقِ، فلم يكُنْ ليوسُفَ أَخْذُ أخيه في حكمِ مَلك أرضِه، إلا أن يَشاءَ اللهُ بكيدِه الذي كاده له، حتى أسْلم مَن وُجد في وعائِه الصُّواعُ إخوته ورُفقاؤُه، بحكيهم عليه، وطابت أنفسُهم بالتسليمِ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ، قال: ثنا شَبابةُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن

стр. 8981

مجاهدٍ، قولُه: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾. إلا فَعْلةً (١) كادها اللهُ له، فاعْتَلَّ بها يوسُفُ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، مثلَه. حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ كادها اللهُ له، فكانت عِلَّةً ليوسُفَ. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾. قال: إلا فَعْلةً كادها اللهُ، فاعْتل بها يوسُفُ. قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قولُه: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ قال: صنَعْنا (٣). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسْباطَ، عن السديِّ: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾. يقولُ: صنَعْنا ليوسُفَ (٤). حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضَّحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾. يقولُ:

стр. 8982

صنَعْنا ليوسُفَ (١). واختلف أهلُ التأويلِ في تأويل قولُه: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾. فقال بعضُهم: ما كان ليأخُذَ أخاه في سلطانِ الملكِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قولُه: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾. يقولُ: في سلطانِ الملكِ (٢). حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ، يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾. يقولُ: في سلطان الملكِ (٣). وقال آخرون: معنى ذلك: في حكمِه وقضائِه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قولَه: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾. يقولُ: ما كان ذلك في قضاءِ الملكِ أن يَسْتَعْبِدَ رجلًا بسرقةٍ (٤).

стр. 8983

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾. قال: لم يَكُنْ ذلك في دين الملكِ، قال: حُكمِه (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ محمدُ بنُ ليثٍ المرْوزيُّ، عن رجلٍ قد سمَّاه، عن عبدِ اللَّهِ بن المباركِ، عن أبي مَوْدودٍ المَدِينيِّ، قال: سمِعْتُ محمدَ بنَ كعبٍ القُرَظيَّ يقولُ (٢): ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾. قال: دينُ الملكِ لا يُؤْخَذُ به مَن سرَق أصلًا، ولكنَّ الله كاد لأخيه، حتى تكَلَّموا ما تكَلَّموا به، فأَخَذَهم بقولِهم، وليس في قضاءِ المَلِكِ (٣). حدَّثنا الحسنُ بنُ يَحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، عن مَعمرٍ، قال: بلَغه في قولِه: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾. قال: كان حكمُ الملكِ أن مَن سرَق ضُوعِف عليه (٤). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسباطَ، عن السديِّ: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾. يقولُ: في حكمِ الملكِ. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي

стр. 8984

دِينِ الْمَلِكِ﴾. أي: بظلم، ولكنَّ اللَّهَ كاد ليوسُفَ ليَضُمَّ إليه أخاه (١). حدَّثني يُونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾. قال: ليس في دينِ الملكِ أن يُؤْخَذَ (٢) السارقُ بسرقتِه، قال: وكان الحكمَ عندَ الأنبياءِ يعقوبَ وبنيه أن يُؤْخَذَ السارقُ بسرقتِه عبدًا يُسْتَرقُ (٣). وهذه الأقوال وإن اخْتَلَفَت ألفاظُ قائليها في معنى دينِ الملكِ، فمُتقاربُة (٤) المعانى؛ لأن (٥) مَن أخَذه في سلطانِ الملكِ عامَلَه بعملِه، [فيريناه أخذَه إذا لم يغيره] (٦)، وذلك منه حكمٌ عليه، وحكمُه عليه قضاؤُه. وأصلُ الدِّين الطاعةُ، وقد بيَّنْتُ ذلك في غيرِ هذا الموضعِ بشَواهده، بما أغْنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٧). وقولُه: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، كما حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسباطَ، عن السديِّ: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾. ولكن صنَعْنا له، بأنهم قالوا: ﴿فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾.

стр. 8985

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾. إلا بعلَّةٍ كادها اللهُ، فاعْتلَّ بها يوسُفُ (١). وقولُه: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾. اختَلَفَت القرَأَةُ في قراءةِ ذلك، فقرَأه بعضُهم: (نرفع (٢) دَرجاتِ مَن نَشاءُ). بإضافةِ الدرجاتِ إلى "مَن" بمعنى: نَرْفَعُ منازلَ مَن نشاءُ رفْعَ منازله ومَراتبِه في الدنيا، بالعلمِ. على غيرِه، كما رفَعْنا مرتبةَ يوسُفَ في ذلك، ومنزلتَه في الدنيا، على منازلِ إخوتِه ومراتبِهم. وقرَأ ذلك آخرون: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ بتنوينِ الدرجاتِ (٣)، بمعنى: نَرْفَعُ من نشاءُ مَراتب ودرجاتٍ في العلمِ على غيرِه، كما رفَعْنا يوسُفَ، فمَن على هذه القراءةِ نَصَبَ، وعلى القراءةِ الأولى خَفَضَ. وقد بيَّنا ذلك في سورةِ الأنعامِ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابن جُرَيج، قولُه: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾. يوسُفُ وإخوتُه أُوتُوا علمًا، فرفَعْنا يوسُفَ فوقَهم (٤) في العلمِ (٥). وقولُه: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وفوقَ كلِّ

стр. 8986

عالمٍ مَن هو أعْلَمُ منه، حتى يَنْتَهِيَ ذلك إلى اللهِ تعالى. وإنما عنَى بذلك أن يُوسُفَ أعْلَمُ إخوتِه، وأن فوقَ يوسُفَ مَن هو أعلمُ مِن يوسُفَ، حتى ينتهىَ ذلك إلى اللَّهِ تعالى. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عامر العَقَدى، قال: ثنا سفيانُ، عن عبدِ الأعلى الثعلبيِّ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، أنه حدَّث بحديثٍ، فقال رجلٌ عندَه: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾. فقال ابن عباسٍ: بئسما قلتَ، إن الله هو عليمٌ، وهو فوق كلِّ عالمٍ. حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ؛ وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن عبدِ الأعلى، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: حدَّث ابن عباسٍ بحديثٍ، فقال رجلٌ عندَه: الحمدُ للهِ ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾. فقال ابن عباسٍ: العالِمُ اللهُ، وهو فوق كلِّ عالمٍ. حدَّثنا الحسنُ بنُ يَحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريِّ، عن عبدِ الأعلى، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: كنا عند ابن عباسٍ، فحدَّث حديثًا، فتعَجَّب رجلٌ فقال: الحمدُ للهِ ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾. فقال ابن عباسٍ: بئْسما قلتَ: الله العليمُ، وهو فوقَ كلِّ عالمٍ (١). حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، قال: أخبَرنا

стр. 8987

إسرائيلُ، عن سالمٍ (١)، عن عِكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ قال: يكونُ هذا أعلمَ مِن هذا، وهذا أعلمَ مِن هذا، واللهُ فوقَ كلِّ عالمٍ (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا سعيدٌ بن منصورٍ، قال: أخبَرنا أبو الأحوصِ، عن عبدِ الأعلى، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾. قال: اللهُ الخبيرُ العليمُ فوقَ كلِّ عالمٍ (٣). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبيدُ اللهِ، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن عبدِ الأعلى، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ قال: اللَّهُ فوقَ كلِّ عالمٍ (٤). حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا وكيعٌ؛ وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن أبي مَعْشَرٍ، عن محمد بن كعبٍ، قال: سأَل رجلٌ عليًّا عن مسألةٍ، فقال فيها، فقال الرجلُ: ليس هكذا، ولكن كذا وكذا. قال عليٌّ: أصبتَ وأخطأتُ، ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (٥). حدَّثني يعقوبُ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا ابن عُلَيَّةَ: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن خالد، عن عكرمةَ، في قولُه: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾. قال: علم الله فوق كلِّ أحدٍ (٦).

стр. 8988

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن نُمَيرٍ، عن نضرٍ (١)، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾. قال: اللَّهُ . حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يَعْلَى بْنُ عُبيد، عن سفيانَ، عن عبدِ الأعلى، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾. قال: الله أعلمُ مِن كلِّ أحدٍ (٢). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن ابن شُبْرُمةَ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾. قال: [ليس عالمٌ] (٣) إلا فوقَه عالمٍ، حتى يَنْتَهِيَ العلمُ إلى اللهِ (٤). حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عاصمٌ، قال: ثنا جُوَيْرِيَةُ، عن بَشِيرٍ الهُجَيْميِّ، قال: سَمِعْتُ الحسن قرَأ هذه الآية يومًا: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾. ثم وقَف، فقال: إنه والله ما أمْسَى على ظهرِ الأرضِ عالمٌ إلا فوقَه مَن هو أعلمُ منه، حتى يعودَ العلمُ إلى الذي علَّمه. حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عليٌّ، عن جَرِيرٍ، عن ابن شُبْرُمةَ، عن الحسنِ: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾. قال: فوقَ كل عالمٍ عالمٌ، حتى يَنْتهَى العلمُ إلى اللهِ.

стр. 8989

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولُه: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾. حتى يَنْتهىَ العلمُ إلى اللهِ، منه (١) بُدِئ، وتعَلَّمَت العلماءُ، وإليه يعودُ. [وفى] (٢) قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (وفوق كلِّ عالمٍ عليمٌ) (٣). قال أبو جعفرٍ: إن قال لنا قائلٌ: وكيف جاز ليوسُفَ أَن يَجْعَلَ السِّقايةَ في رَحْلِ أخيه، ثم يُسَرِّقَ قومًا أبْرِياءَ مِن السَّرَقِ، ويقول: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾؟ [يوسُفَ: ٧٠]. قيل: إن قولَه: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾. إنما هو خبرٌ مِن اللَّهِ عن مؤذِّنٍ أذَّن به، لا خبرٌ عن يوسُفَ، وجائزٌ أن يكونَ المؤذِّنُ أذَّن بذلك إذ (٤) فقَد الصُّواعَ، ولا يَعْلَمُ بصنيع يوسُفَ، وجائزٌ أن يكونَ كان أذَّن المؤذِّنُ بذلك عن أمرِ يوسُفَ، واسْتَجاز الأمرَ بالنداءِ بذلك؛ لعلمِه بهم أنهم قد كانوا سرَقوا سرقةً في بعضِ الأحوالِ، فأمَر المؤذِّنَ أن يُنادِيَهم بوصفِهم بالسَّرَقِ، ويوسُفُ يعني ذلك السَّرَقَ، لا سَرَقَهم الصُّواعَ. وقد قال بعضُ أهلِ التأويلِ: إن ذلك كان خطأً من فعلِ يوسُفَ، فعاقَبه الله بإجابةِ القومِ إياه: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾. وقد ذكَرْنا الروايةَ بذلك فيما مضَى. القول في تأويل قولُه: ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (٧٧)﴾.

стр. 8990

يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ﴾ هذا (١) ﴿فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ يعْنون أخاه لأبيه وأمِّه، وهو يوسُفُ. كما حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شَبابةُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾. لِيوسفَ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن وَرْقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾. قال: يعنى يوسُفَ. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾. قال: يوسُفُ. وقد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في السَّرَقِ الذي وصَفُوا به يوسُفَ؛ فقال بعضُهم: كان صنمًا لجدِّه أبى أمِّه، كسَره وألْقاه على الطريقِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرٍو البَصْرِيُّ، قال: ثنا الفيضُ بنُ الفَضْلِ، قال: ثنا مِسْعَرٌ، عن أبي حَصِينٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ

стр. 8991

قَبْلُ﴾. قال: سرَق يوسُفُ صنمًا لجدِّه أبى أمِّه، كسره وأَلْقاه في الطريقِ، فكان إخوتُه يَعِيبُونه بذلك (١). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾. ذُكِر أنه سرَق صنمًا لجدِّه أبي أمِّه، فعيَّروه بذلك (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾. أرادوا بذلك عيبَ نبيِّ اللهِ يوسُفَ، وسرقتُه التي عابوه بها صنمٌ كان الجدِّه أبى أمِّه، فأَخَذَه، إنما أراد نبيُّ الله بذلك الخيرَ، فعابوه. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ في قولِه: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾. قال: كانت أمُّ يوسفَ أَمَرَت يوسُفَ يَسْرِقُ صنمًا لخالِه يَعْبُدُه، وكانت مسلمةً (٣). وقال آخرون في ذلك ما حدَّثنا به أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمِعْتُ أبي، قال: كان بنو يعقوبَ على طعامٍ [إِذْ نظَر] (٤) يوسُفُ إلى عَرْقٍ (٥)، فخَبَّأَه، فعيَّروه بذلك: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ (٦).

стр. 8992

وقال آخرون في ذلك بما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن عبدِ اللهِ بن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ أبى الحجاجِ، قال: كان أولَ ما دخَل على يوسُفَ مِن البلاءِ، فيما بلَغَني، أن عمَّتَه ابنةَ إسحاقَ، وكانت أكبرَ ولدِ إسحاقَ، وكانت إليها (١) مِنْطقَةُ إسحاقَ، وكانوا يَتَوارَثونها بالكِبَرِ، فكان من اخْتانَها (٢) ممَّن ولِيَها كان له سَلَمًا لا يُنازَعُ فيه، يَصْنَعُ فيه ما شاء، وكان يعقوبُ حينَ وُلِد له يوسُفُ، كان قد حضَنته عمَّتُه، فكان معها وإليها، فلم يُحِبَّ أحدٌ شيئًا مِن الأشياء حُبَّها إياه، حتى إذا تَرَعْرَع وبلَغ سنواتٍ، وقَعَت نفسُ يعقوبَ عليه، أتاها فقال: يا أُخَيَّةُ، سلِّمى إليَّ يوسفَ، فواللهِ ما أَقْدِرُ على أن يَغِيبَ عنى ساعةً. قالت: واللهِ، ما أنا بتارِكتِه، واللهِ ما أقْدِرُ أن يَغِيبَ عنى ساعةً. قال: فواللهِ، ما أنا بتاركِه. قالت: فدَعْه عندى أيامًا أَنْظُرْ إليه، وأَسْكُن عنه، لعل ذلك يُسَلِّيني عنه. أو كما قالت. فلما خرَج مِن عندِها يعقوبُ عمَدت إلى مِنْطَقة إسحاقَ، فحزَمَتها على يوسُفَ مِن تحتِ ثيابِه. ثم قالت: لقد فقَدْتُ مِنْطقة إسحاقَ، فانْظُروا مَن أخَذَها ومَن أصابها. فالتُمِسَتْ ثم قالت: كَشِّفوا أهلَ البيت، فكشَّفوهم، فوجَدوها مع يوسفَ، فقالت: واللهِ، إنه لى لسَلَمٌ تصْنَعُ فيه ما شئتُ. قال: وأتاها يعقوبُ، فأخْبَرته الخبرَ، فقال لها: أنت وذاكِ إن كان فعَل ذلك فهو سَلَمٌ لك، ما أَسْتَطِيعُ غير ذلك. فأمْسكَته، فما قدَر عليه يعقوبُ حتى ماتَت. قال: فهو الذي يقولُ إخوةُ يوسُفَ حينَ صنَع بأخيه ما صنَع حين أخَذه: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ (٣). قال ابن حميدٍ: قال: ابن إسحاق: لما رأى بنو يعقوبَ ما صنعَ أخُو يوسُفَ،

стр. 8993

ولم يَشُكُّوا أنه سرق، قالوا - أسَفًا عليهم، لِما دخَل عليهم في أنفسِهم تَأْنِيبًا له -: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾. فلما سمِعها يوسُفُ قال: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا﴾، سِرًّا في نفسه، ولم يُبْدِها لهم، ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ (١). وقولُه: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾. يعنى بقولِه: ﴿فَأَسَرَّهَا﴾: فَأَضْمَرها. وقال: ﴿فَأَسَرَّهَا﴾. فأنَّت؛ لأنه عُنِى بها الكلمةُ، وهى ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾، ولو كانت جاءت بالتذكير كان جائزًا، كما قيل: ﴿تِلْكَ (٢) مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾ [هود: ٤٩]، ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى﴾ [هود: ١٠٠]. وكنى عن الكلمةِ، ولم يَجْرِ لها ذكرٌ مُتَقَدِّمٌ. والعربُ تَفْعَلُ ذلك كثيرًا، إذا كان مفهومًا المعنى المراد عند سامِعِى الكلامِ، وذلك نظيرُ قولِ حاتمٍ الطائيِّ (٣): أَمَاوِيَّ مَا يُغْنِي الثَّراءُ عن الفتى … إذا حشْرَجَت يومًا (٤) وضاق بها الصَّدْرُ يُرِيدُ: وضاق بالنَّفَسِ الصدرُ، فكنَى عنها، ولم يَجْرِ لها ذكرُ، إذ كان في قولِه: إذا حشرَجت يومًا دَلالةٌ لسامعِ كلامِه على مرادِه بقولِه: وضاق بها. ومنه قولُ اللَّهِ: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠].

стр. 8994

فقال: مِن بعدِها. ولم يجْرِ قبلَ ذلك ذكرٌ لاسمٍ مؤنثٍ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾. أما الذي أسَرَّ في نفسِه فقولُه: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾. قال: هذا القولُ (١). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمِّى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾. يقول: أسَرَّ في نفسِه قولَه: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ (٢). وقولُه: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾. يقولُ: واللَّهُ أعلمُ بما تَكْذِبون فيما تَصِفون به أخاه بنيامينَ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 8995

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شَبابةُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾. يقولون: يوسُفُ يقولُه (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثني المُثَنَّى، قال: أخبرنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن وَرْقاءَ، عن ابن أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾. أي: بما تَكْذِبون (٢). فمعنى الكلامِ إذن: فأسَرَّها يوسُفُ في نفسِه ولم يُبْدِها لهم، قال: أنتم شرٌّ عندَ اللَّهِ مَنْزِلًا ممَّن وصَفْتُموه بأنه سرَق، وأخبثُ مكانًا بما سلَف مِن أفعالِكم، واللَّهُ عالمٌ بكذبِكم، وإن جهِله كثيرٌ ممن حضَر مِن الناسِ. وذُكِر أن الصُّواعَ لما وُجِد في رحلِ أخى يوسُفَ تلاوَمَ القومُ بينَهم، كما حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسْباطَ، عن السديِّ، قال: لما اسْتُخْرِجَت السَّرِقةُ مِن رَحلِ الغلامِ انْقَطَعَت ظهورُهم، وقالوا: يا بَنى راحيلَ، ما يَزالُ لنا منكم بلاءٌ، متى (٣) أخَذْتَ هذا الصُّواعَ؟ فقال بنيامينُ: بل بنو راحيلَ الذين لا يَزالُ لهم منكم

стр. 8996

بلاءٌ، ذهَبْتُم بأخى فأهْلكْتُموه في البَرِّيَّةِ، وضَع هذا الصُّواع في رحلى الذي وضَع الدراهمَ في رِحالِكم! فقالوا: لا تَذْكُرِ الدَّراهمَ، فتُؤْخَذَ (١) بها! فلمَّا دخَلوا على يوسُفَ دعا بالصُّواعِ، فنقَر فيه، ثم أدْناه مِن أذنِه، ثم قال: إن صُواعى هذا لَيُخْبِرُنى أنكم كنتم اثنَىْ عشَرَ رجلًا، وأنكم انْطَلَقْتُم بأخٍ لكم فبِعْتُموه. فلمَّا سمِعها بنيامينُ، قام فسجَد ليوسُفَ، ثم قال: أيُّها الملكُ، سَلْ صُواعَك هذا عن أخى، أحيٌّ هو؟ فنقَره، ثم قال: هو حيٌّ، وسوف تَراه. قال: فاصْنَعْ بى ما شئتَ، فإنه إن علِم بى فسوف يَسْتَنْقِذُنى. قال: فدخَل يوسفُ فبكَى، ثم توضَّأ، ثم خرَج، فقال بنيامينُ: أيُّها الملكُ، إنى أُرِيدُ أن تَضْرِبَ صُواعَك هذا فيُخْبِرَك بالحقِّ، فسَلْه: مَن سرَقه، فجعَلَه في رَحْلى؟ فنقَره فقال: إن صُواعى هذا غضبانُ، وهو يقولُ: كيف تَسْأَلُنى. مَن (٢) صاحبى؟ وقد رَأيتَ مع مَن كنتُ؟ قال: وكان بنو يعقوبَ إذا غضِبوا لم يُطاقوا. فغضِب رُوبيلُ، وقال: أيُّها المَلِكُ، واللَّهِ لتَتْرُكَنَّا، أو لأَصِيحَنَّ صيحةً لا تَبْقَى بمصرَ امرأةٌ حاملٌ إلا أَلقَتْ ما في بطنِها، وقامت كلُّ شَعرةٍ في جسدِ رُوبيلَ، فخرَجت مِن ثيابِه، فقال يوسُفُ لابنِه: قُمْ إلى جنبِ رُوبيلَ فمَسَّه. وكان بنو يعقوبَ إذا غضِب أحدُهم فمسَّه الآخَرُ ذهَب غضبُه، فمرَّ الغلامُ إلى جنبِه فمَسَّه، فذهَب غضبُه، فقال رُوبيلُ: مَن هذا؟ إن في هذا البلدِ لبَزْرًا مِن بَزْرِ يعقوبَ! فقال يوسُفُ: مَن يعقوبُ؟ فغضِب روبيلُ، فقال: يا أيُّها الملكُ، لا تَذْكُرْ يعقوبَ؛ فإنه سَرِيُّ (٣) اللَّهِ، ابن ذَبيحِ اللَّهِ، ابن خليلِ اللَّهِ. قال يوسُفُ: أنت إذن إن (٤)

стр. 8997

كنتَ صادقًا (١). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قالت إخوةُ يوسُفَ ليوسُفَ: ﴿يَاأَيُّهَا الْعَزِيز﴾: يا أيُّها الملكُ، ﴿إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ كَلِفًا بحبِّه، يَعْنون يعقوبَ، ﴿فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ﴾. يعنون: فخُذْ أحدًا منا بدَلًا من بِنيامينَ، وخلِّ عنه، ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. يقولون: إنا نراك مِن المحسنينَ في أفعالِك. وقال محمدُ بنُ إسحاقَ في ذلك، ما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾: إنا نرى ذلك منك إحسانًا إن فعَلْتَ (٢). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ (٧٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال يوسفُ لإخوتِه: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾: أعوذُ باللَّهِ. وكذلك تَفْعَلُ العربُ في كلِّ مصدرٍ وضَعَتْه (٣) موضعَ "يَفْعَل" و "تفْعَل"، فإنها تَنْصِبُ؛ كقولِهم: حمدًا للَّهِ وشكرًا له. بمعنى: أَحْمَدُ اللَّهَ وأَشْكُرُه، والعربُ تقولُ في ذلك: معاذَ اللَّهِ، ومعاذَةَ اللَّهِ. فتُدْخِلُ فيه هاءَ التأنيثِ، كما يقولون: ما أحْسَنَ

стр. 8998

مَعْناةَ (١) هذا الكلامِ. وعوذَ اللَّهِ، وعوذةَ اللَّهِ، وعياذَ اللَّهِ. ويقولون: اللهمَّ عائذًا بك. كأنه قيل: أعوذُ بك عائذًا، أو: أدْعوك عائذًا. ﴿أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾. يقولُ: أَسْتَجِيرُ باللَّهِ مِن أن نَأْخُذَ بريئًا بسقيمٍ. كما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾. يقولُ: إن أخَذْنا غيرَ الذي وجَدْنا متاعَنا عندَه، إنا إذًا نَفْعَلُ ما ليس لنا فعلُه، ونَجورُ على الناسِ (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسباطَ، عن السديِّ: ﴿قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨) قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ يوسفُ: إذا أتَيْتُم أباكم فأقْرِئوه السلامَ، وقولوا له: إن ملِكَ مصرَ يدعو لك أن لا تموتَ حتى تَرَى ابنَك يوسفَ، حتى يَعْلَمَ (٣) أن في أرضِ مصرَ صِدِّيقِين مثلَه (٤). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٠)﴾. يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ﴾. فلمَّا يَئِسوا منه مِن أن

стр. 8999

يُخَلِّىَ يوسفُ عن بنيامينَ، ويَأْخُذَ منهم واحدًا مكانَه، وأن يُجِيبَهم إلى ما سأَلوه من ذلك. وقولُه: ﴿اسْتَيْأَسُوا﴾ اسْتَفْعَلوا، مِن يَئِس الرجلُ مِن كذا، يَيْأَسُ. كما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ﴾: يَئِسوا (١) منه ورَأَوْا شدَّتَه في أمرِه (٢). وقولُه: ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾. يقولُ: بعضُهم لبعضٍ يَتَناجَوْن، لا يَخْتَلِطُ بهم (٣) غيرُهم. والنَّجِيُّ جماعةُ القومِ المُنْتَجِين، يُسَمَّى به الواحدُ والجماعةُ، كما يُقالُ: رجلٌ عَدْلٌ، ورجالٌ عَدْلٌ، وقومٌ زَورٌ، وفِطْرٌ (٤). وهو مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: نجَوْتُ فلانًا أَنْجوهُ نَجِيًّا. جُعِل صفةً ونعتًا. ومن الدليلِ على أن ذلك كما ذكَرْنا قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢] فوصَف به الواحدَ، وقال في هذا الموضع: ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ فوصَف به الجماعةَ. ويُجْمَعُ النَّجِيُّ أَنْجِيةً، كما قال لَبيدٌ (٥): وشهِدْتُ أَنْجِيةَ الأُفاقَةِ عاليًا … كَعْبِى وأْردافُ الملوكِ شهودُ (٦) وقد يُقالُ للجماعةِ مِن الرجالِ: نجوى؛ كما قال جل ثناؤه: ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ [الإسراء: ٤٧]. وقال: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾ [المجادلة: ٧]. وهم القومُ الذين يَتَناجَوْن. وتكونُ النَّجْوَى أيضًا مصدرًا؛ كما قال

стр. 9000

اللَّهُ: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ [المجادلة: ١٠]. يُقالُ (١) منه: نَجَوْتُ أَنْجو نَجْوَى، فهى في هذا الموضعِ: المناجاةُ نفسُها، ومنه قولُ الشاعرِ (٢): بُنَىَّ بَدا خِبُّ نَجْوَى الرجالِ … فكُنْ عندَ سرِّك خَبَّ النَّجِى (٣) فالنَّجْوَى والنَّجِيُّ في هذا البيتِ بمعنى واحدٍ، وهو المناجاةُ، وقد جمَع بين اللُّغتيْن (٤). وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ قولِه: ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾، قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسباطَ، عن السُّدِّيِّ: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾. وأخْلَص لهم شِمْعونُ وقد كان ارْتَهنه، خلَوْا (٥) بينَهم نجيًّا: يَتَناجَوْن بينَهم. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قولَه: ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾: خلَصوا وحدَهم نجيًّا (٦). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾؛ أي: خلا بعضُهم ببعضٍ، ثم قالوا: ماذا تَرَوْن (٧)؟
следующие страницы →