← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 8996–9035 · переход к 9001.

стр. 8996

بلاءٌ، ذهَبْتُم بأخى فأهْلكْتُموه في البَرِّيَّةِ، وضَع هذا الصُّواع في رحلى الذي وضَع الدراهمَ في رِحالِكم! فقالوا: لا تَذْكُرِ الدَّراهمَ، فتُؤْخَذَ (١) بها! فلمَّا دخَلوا على يوسُفَ دعا بالصُّواعِ، فنقَر فيه، ثم أدْناه مِن أذنِه، ثم قال: إن صُواعى هذا لَيُخْبِرُنى أنكم كنتم اثنَىْ عشَرَ رجلًا، وأنكم انْطَلَقْتُم بأخٍ لكم فبِعْتُموه. فلمَّا سمِعها بنيامينُ، قام فسجَد ليوسُفَ، ثم قال: أيُّها الملكُ، سَلْ صُواعَك هذا عن أخى، أحيٌّ هو؟ فنقَره، ثم قال: هو حيٌّ، وسوف تَراه. قال: فاصْنَعْ بى ما شئتَ، فإنه إن علِم بى فسوف يَسْتَنْقِذُنى. قال: فدخَل يوسفُ فبكَى، ثم توضَّأ، ثم خرَج، فقال بنيامينُ: أيُّها الملكُ، إنى أُرِيدُ أن تَضْرِبَ صُواعَك هذا فيُخْبِرَك بالحقِّ، فسَلْه: مَن سرَقه، فجعَلَه في رَحْلى؟ فنقَره فقال: إن صُواعى هذا غضبانُ، وهو يقولُ: كيف تَسْأَلُنى. مَن (٢) صاحبى؟ وقد رَأيتَ مع مَن كنتُ؟ قال: وكان بنو يعقوبَ إذا غضِبوا لم يُطاقوا. فغضِب رُوبيلُ، وقال: أيُّها المَلِكُ، واللَّهِ لتَتْرُكَنَّا، أو لأَصِيحَنَّ صيحةً لا تَبْقَى بمصرَ امرأةٌ حاملٌ إلا أَلقَتْ ما في بطنِها، وقامت كلُّ شَعرةٍ في جسدِ رُوبيلَ، فخرَجت مِن ثيابِه، فقال يوسُفُ لابنِه: قُمْ إلى جنبِ رُوبيلَ فمَسَّه. وكان بنو يعقوبَ إذا غضِب أحدُهم فمسَّه الآخَرُ ذهَب غضبُه، فمرَّ الغلامُ إلى جنبِه فمَسَّه، فذهَب غضبُه، فقال رُوبيلُ: مَن هذا؟ إن في هذا البلدِ لبَزْرًا مِن بَزْرِ يعقوبَ! فقال يوسُفُ: مَن يعقوبُ؟ فغضِب روبيلُ، فقال: يا أيُّها الملكُ، لا تَذْكُرْ يعقوبَ؛ فإنه سَرِيُّ (٣) اللَّهِ، ابن ذَبيحِ اللَّهِ، ابن خليلِ اللَّهِ. قال يوسُفُ: أنت إذن إن (٤)

стр. 8997

كنتَ صادقًا (١). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قالت إخوةُ يوسُفَ ليوسُفَ: ﴿يَاأَيُّهَا الْعَزِيز﴾: يا أيُّها الملكُ، ﴿إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ كَلِفًا بحبِّه، يَعْنون يعقوبَ، ﴿فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ﴾. يعنون: فخُذْ أحدًا منا بدَلًا من بِنيامينَ، وخلِّ عنه، ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. يقولون: إنا نراك مِن المحسنينَ في أفعالِك. وقال محمدُ بنُ إسحاقَ في ذلك، ما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾: إنا نرى ذلك منك إحسانًا إن فعَلْتَ (٢). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ (٧٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال يوسفُ لإخوتِه: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾: أعوذُ باللَّهِ. وكذلك تَفْعَلُ العربُ في كلِّ مصدرٍ وضَعَتْه (٣) موضعَ "يَفْعَل" و "تفْعَل"، فإنها تَنْصِبُ؛ كقولِهم: حمدًا للَّهِ وشكرًا له. بمعنى: أَحْمَدُ اللَّهَ وأَشْكُرُه، والعربُ تقولُ في ذلك: معاذَ اللَّهِ، ومعاذَةَ اللَّهِ. فتُدْخِلُ فيه هاءَ التأنيثِ، كما يقولون: ما أحْسَنَ

стр. 8998

مَعْناةَ (١) هذا الكلامِ. وعوذَ اللَّهِ، وعوذةَ اللَّهِ، وعياذَ اللَّهِ. ويقولون: اللهمَّ عائذًا بك. كأنه قيل: أعوذُ بك عائذًا، أو: أدْعوك عائذًا. ﴿أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾. يقولُ: أَسْتَجِيرُ باللَّهِ مِن أن نَأْخُذَ بريئًا بسقيمٍ. كما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾. يقولُ: إن أخَذْنا غيرَ الذي وجَدْنا متاعَنا عندَه، إنا إذًا نَفْعَلُ ما ليس لنا فعلُه، ونَجورُ على الناسِ (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسباطَ، عن السديِّ: ﴿قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨) قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ يوسفُ: إذا أتَيْتُم أباكم فأقْرِئوه السلامَ، وقولوا له: إن ملِكَ مصرَ يدعو لك أن لا تموتَ حتى تَرَى ابنَك يوسفَ، حتى يَعْلَمَ (٣) أن في أرضِ مصرَ صِدِّيقِين مثلَه (٤). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٠)﴾. يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ﴾. فلمَّا يَئِسوا منه مِن أن

стр. 8999

يُخَلِّىَ يوسفُ عن بنيامينَ، ويَأْخُذَ منهم واحدًا مكانَه، وأن يُجِيبَهم إلى ما سأَلوه من ذلك. وقولُه: ﴿اسْتَيْأَسُوا﴾ اسْتَفْعَلوا، مِن يَئِس الرجلُ مِن كذا، يَيْأَسُ. كما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ﴾: يَئِسوا (١) منه ورَأَوْا شدَّتَه في أمرِه (٢). وقولُه: ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾. يقولُ: بعضُهم لبعضٍ يَتَناجَوْن، لا يَخْتَلِطُ بهم (٣) غيرُهم. والنَّجِيُّ جماعةُ القومِ المُنْتَجِين، يُسَمَّى به الواحدُ والجماعةُ، كما يُقالُ: رجلٌ عَدْلٌ، ورجالٌ عَدْلٌ، وقومٌ زَورٌ، وفِطْرٌ (٤). وهو مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: نجَوْتُ فلانًا أَنْجوهُ نَجِيًّا. جُعِل صفةً ونعتًا. ومن الدليلِ على أن ذلك كما ذكَرْنا قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢] فوصَف به الواحدَ، وقال في هذا الموضع: ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ فوصَف به الجماعةَ. ويُجْمَعُ النَّجِيُّ أَنْجِيةً، كما قال لَبيدٌ (٥): وشهِدْتُ أَنْجِيةَ الأُفاقَةِ عاليًا … كَعْبِى وأْردافُ الملوكِ شهودُ (٦) وقد يُقالُ للجماعةِ مِن الرجالِ: نجوى؛ كما قال جل ثناؤه: ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ [الإسراء: ٤٧]. وقال: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾ [المجادلة: ٧]. وهم القومُ الذين يَتَناجَوْن. وتكونُ النَّجْوَى أيضًا مصدرًا؛ كما قال

стр. 9000

اللَّهُ: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ [المجادلة: ١٠]. يُقالُ (١) منه: نَجَوْتُ أَنْجو نَجْوَى، فهى في هذا الموضعِ: المناجاةُ نفسُها، ومنه قولُ الشاعرِ (٢): بُنَىَّ بَدا خِبُّ نَجْوَى الرجالِ … فكُنْ عندَ سرِّك خَبَّ النَّجِى (٣) فالنَّجْوَى والنَّجِيُّ في هذا البيتِ بمعنى واحدٍ، وهو المناجاةُ، وقد جمَع بين اللُّغتيْن (٤). وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ قولِه: ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾، قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسباطَ، عن السُّدِّيِّ: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾. وأخْلَص لهم شِمْعونُ وقد كان ارْتَهنه، خلَوْا (٥) بينَهم نجيًّا: يَتَناجَوْن بينَهم. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قولَه: ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾: خلَصوا وحدَهم نجيًّا (٦). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾؛ أي: خلا بعضُهم ببعضٍ، ثم قالوا: ماذا تَرَوْن (٧)؟

стр. 9001

وقولُه: ﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾. اخْتَلف أهلُ العلمِ في المعنيِّ بذلك، فقال بعضُهم: عُنِى به كبيرُهم في العقلِ والعلمِ، لا في السِّنّ، وهو شِمْعونُ. قالوا: وكان رُوبيلُ أكبرَ منه في الميلادِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قولِ اللَّهِ: ﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾. قال: هو شِمْعونُ الذي تخلَّف، وأكبرُ منه - أو (١) أكبرُ منهم في الميلادِ - رُوبيلُ. حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾ شِمْعونُ الذي تخلَّف، وأكبرُ منه في الميلادِ رُوبيلُ (٢). حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثني المثنى، قال: أخْبَرنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ الزبيرِ، عن سفيانَ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾. قال: شِمْعونُ الذي تخلَّف، وأكبرُهم في الميلادِ رُوبيلُ. وقال آخرون: بل عنَى به كبيرَهم في السِّنِّ، وهو روبيلُ.

стр. 9002

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾: وهو روبيلُ أخو يوسفَ، وهو ابن خالتِه، وهو الذي نهاهم عن قتلِه (١). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾. قال: رُوبيلُ، وهو الذي أشار عليهم أن لا يَقْتُلوه (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسباطَ، عن السديِّ: ﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾ في العلمِ (٣): إن ﴿أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾ الآية. فأقام روبيلُ بمصرَ، وقبَل (٤) التسعةُ إلى يعقوبَ فأخْبَروه الخبرَ، فبكَى وقال: يا بَنِيَّ، ما تذهبون مرَّةً إلا نقَصْتُم واحدًا؟! ذهَبْتُم مرةً فنقَصْتُم يوسفَ، وذهَبْتُم الثانيةَ فنقَصْتُم شِمْعونَ، وذهَبْتُم الآنَ فنقَصْتُم روبيلَ (٥)! حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾. قال: ماذا تَرَوْن؟ فقال رُوبيلُ - كما ذُكِر لى، وكان كبيرَ القومِ -: ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ (٦) وَمِنْ قَبْلُ مَا

стр. 9003

فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ﴾ الآية (١). وأولى الأقوالِ في ذلك بالصحةِ قولُ مَن قال: عُنِى بقولِه: ﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾ رُوبيلُ؛ لإجماعِ جميعِهم على أنه كان أكبرَهم سنًّا، ولا تَفْهَمُ العربُ في المخاطَبَةِ - إذا قيل لهم: فلانٌ كبيرُ القومِ. مطلقًا بغيرِ وصلٍ - إلا أحدَ مَعْنَيَيْن؛ إما في الرِّياسةِ عليهم والسؤدَدِ، وإما في السنِّ؛ فأما في العقلِ فإنهم إذا أرادوا ذلك وصَلوه، فقالوا: هو كبيرُهم في العقلِ. فأما إذا أُطْلِق بغيرِ صلتِه بذلك، فلا يُفْهَمُ إلا ما ذكَرْتُ. وقد قال أهلُ التأويلِ: لم يكن لشِمْعُونَ - وإن كان قد كان مِن العلمِ والعقلِ بالمكانِ الذي جعَله اللَّهُ به - على إخوتِه رياسةٌ وسُؤْدَدٌ، فيُعْلَمَ بذلك أنه عُنِى بقولِه: ﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾. فإذ (٢) كان ذلك كذلك، فلم يَبْقَ إلا الوجهُ الآخرُ؛ وهو الكِبَرُ في السنِّ، وقد قال الذين ذكَرْنا جميعًا: رُوبيلُ كان أكبرَ القومِ سنًّا. فصحَّ لذلك (٣) القولُ الذي اخْتَرْناه. وقولُه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾. يقولُ: ألم تَعْلَموا أيُّها القومُ أن أباكم يعقوبَ قد أخَذ عليكم عهودَ اللَّهِ ومواثيقَه لنأتِيَنَّه به (٤) جميعًا، إلا أن يُحاطَ بكم، [﴿وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ﴾] (٥) ومِن قبلِ

стр. 9004

فعلتِكم هذه تفريطُكم في يوسفَ. يقولُ: أو لم تَعْلَموا مِن قبلِ هذا تفريطَكم في يوسفَ؟ وإذا صُرِف [تأويلُ الكلامِ] (١) إلى هذا الذي قلناه، كانت "ما" حينئذٍ في موضعِ نصبٍ. وقد يجوزُ أن يكونَ قولُه: ﴿وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ﴾ خبرًا مبتدَأً، ويكونَ قولُه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ خبرًا متناهيًا، فتكونَ "ما" حينئذٍ في موضعِ رفعٍ، كأنه قيل: ومِن قبلِ هذا تفريطُكم في يوسفَ، فتكونَ "ما" مرفوعةً بـ ﴿وَمِنْ قَبْلُ﴾ هذا وقد (٢) يجوزُ أن تكونَ "ما" (٣) صلةً في الكلامِ، فيكونَ تأويلُ الكلامِ: ومِن قبلُ ما (٤) تفريطُكم في يوسفَ. وقولُه: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾ التي أنا بها - وهى مصرُ - فأُفَارِقَها ﴿حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ بالخروجِ منها. كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾ التي أنا بها اليومَ ﴿حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ بالخروجِ منها (٥). حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: قال شِمْعونُ: ﴿لَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ

стр. 9005

خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾. وقولُه: ﴿أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾: أَو يَقْضِىَ لى ربى بالخروجِ منها، وترْكِ أخى بنيامينَ، وإلا فإنى غيرُ خارجٍ، ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾. يقولُ: واللَّهُ خيرُ مَن حكَم، وأعدلُ مَن فصَل بينَ الناسِ. وكان أبو صالحٍ يقولُ في ذلك بما حدَّثني الحسينُ بنُ يزيدَ السَّبِيعيُّ، قال: ثنا عبدُ السلامِ بنُ حربٍ، عن إسماعيلَ بن أبى خالدٍ، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾. قال: بالسيفِ (١). وكأن أبا صالحٍ وجَّه تأويلَ قولِه: ﴿أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ إلى (٢): أو يَقْضِىَ اللَّهُ لى بِحربِ مَن منَعنى مِن الانصرافِ بأخى بنيامينَ إلى أبيه يعقوبَ، فأُحارِبَه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (٨١)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ رُوبيلَ لإخوتِه حينَ أخَذ يوسفُ أخاه بالصُّواعِ الذي اسْتُخْرِج من وعائِه: ﴿ارْجِعُوا﴾ إخوتى ﴿إِلَى أَبِيكُمْ﴾ يعقوبَ. فقولوا له: ﴿يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ﴾ بنيامينَ ﴿سَرَقَ﴾. والقَرَأةُ على قراءةِ هذا الحرفِ بفتحِ السينِ والراءِ والتخفيفِ: ﴿إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾. ورُوِى عن ابن عباسٍ: (إِنَّ ابنَك سُرِّقَ) بضمِّ السينِ وتشديدِ الراءِ. على وجهِ

стр. 9006

ما لم يُسَمَّ فاعلُه (١)، [بمعنى: أنه سُرَّق] (٢). ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾. واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك، فقال بعضُهم: معناه: وما قلنا: إنه سرَق. إلا بظاهرِ علْمِنا بأن ذلك كذلك؛ لأن صُواعَ الملكِ أُصِيب في وعائِه دونَ أوعيةِ غيرِه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ﴾ فإنى ما كنتُ راجعًا حتى يَأْتِيَنى أمرُه، ﴿فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾؛ أي: قد وُجِدت السرقةُ (٣) في رحْلِه ونحن نَنْظُرُ، لا علمَ لنا بالغيبِ ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾ (٤). وقال آخَرون: بل معنى ذلك: وما شهِدْنا عندَ يوسفَ بأن السارقَ يُؤْخَذُ بسرقتِه إلا بما علِمْنا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخْبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: قال لهم يعقوبُ ﵇: ما دَرَى (٥) هذا الرجلُ أن السارقَ يُؤْخَذُ بسرقتِه إلا بقولِكم! فقالوا: ﴿مَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ لم نَشْهَدْ أن السارقَ يُؤْخَذُ بسَرِقتِه إلا وذلك الذي

стр. 9007

علِمْناه (١). قال: وكان الحكمُ عندَ الأنبياءِ يعقوبَ وبنيه أن يُؤْخَذَ السارقُ بسرقتِه عبدًا يُسْتَرَقُّ (٢). وقولُه: ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾. يقولُ: وما كنا نُرَى أن ابنَك يَسْرِقُ ويصيرُ أمرُنا إلى هذا، وإنما قلنا: ﴿وَنَحْفَظُ أَخَانَا﴾ [يوسف: ٦٥]. مما لنا إلى حفظِه منه السبيلُ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسينُ بنُ الحُرَيْثِ أبو عمارٍ المَرْوَزيُّ، قال: ثنا الفضلُ بنُ موسى، عن الحسينِ بن واقدٍ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ: ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾. قال: ما كنا نَعْلَمُ أن ابنَك يَسْرِقُ (٣). حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شَبابةُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابن أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قولَه: ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾: لم نَشْعُرْ أنه سَيَسْرِقُ (٤). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾. قال: لم نَشْعُرْ أنه سَيَسْرِقُ. حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن

стр. 9008

مجاهدٍ: ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾. قال: لم نَشْعُرْ أنه سَيَسْرِقُ. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ. وأبو سفيانَ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾. قال: ما كنَّا نَظُنُّ ولا نَشْعُرُ أنه سَيَسْرِقُ. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾. قال: ما كنا نُرَى أنه سَيَسْرِقُ (١). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾. قال: ما كنا نَظُنُّ أن ابنَك يَسْرِقُ (٢). وأَوْلى التأويلين بالصوابِ عندَنا في قولِه: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ قولُ مَن قال: وما شهِدْنا بأن ابنَك سرَق إلا بما علِمْنا من رؤيتِنا للصُّواعِ في وعائِه. لأنه عَقيبُ قولِه: ﴿إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾، فهو بأن يكونَ خبرًا عن شهادتِهم بذلك أَوْلى مِن أن يكونَ خبرًا عما هو منفصلٌ. وذُكر أن الغيبَ في لغةِ حِمْيَر هو الليلُ بعينِه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٨٢)﴾. يقولُ: وإن كنتَ متَّهِمًا لنا لا تُصَدِّقُنا على ما نقولُ من أن ابنَك سرَق، فاسْألِ ﴿الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾، وهى مصرُ. يقولُ: سَلْ مَن فيها من أهلِها،

стр. 9009

﴿وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ وهى القافلةُ التي كنَّا فيها، التي أقبلنا منها معها (١)، عن خبرِ ابنِك، وحقيقةِ ما أخْبَرْناك عنه مِن سَرَقِه (٢)، فإنك تُخْبَرُ مصداقَ ذلك، ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ فيما أخْبَرْناك من خبرِه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قولَه: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾: وهى مصرُ (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾. قال: يَعْنون مصرَ (٤). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: قد عرَف رُوِبيلُ في رجْعِ قولِه لإخوتِه أنهم أهلُ تُهَمةٍ عندَ أبيهم، لِمَا كانوا صنَعوا في يوسفَ. وقولُهم له: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾، فقد علِموا ما علِمْنا، وشهِدوا ما شهِدْنا إن كنتَ لا تُصَدِّقُنا، ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ (٥). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٨٣)﴾.

стр. 9010

قال أبو جعفرٍ: وفى الكلامِ متروكٌ، وهو: فرجَع إخوةُ بنيامينَ إلى أبيهم، وتخلَّف روبيلُ، فأخْبَروه خبرَه، فلمَّا أخْبَروه أنه سرَق قال: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾. يقولُ: بل زيَّنتْ لكم أنفسُكم أمرًا همَمْتُم به وأرَدْتُموه (١) ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾. يقولُ: فصبرى على ما نالنى مِن فقدِ ولدى صبرٌ جميلٌ، لا جزعَ فيه ولا شكايةَ، عسَى اللَّهُ أن يَأْتِيَنى بأولادى جميعًا فيَرُدُّهم عليَّ، ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾ بوَحْدَتى (٢) بفقدِهم، وحُزْنى عليهم، وصدْقِ ما يقولون مِن كذبِه (٣)، ﴿الْحَكِيمُ﴾ في تدبيرِه خلقَه. وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قولَه: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾. يقولُ: زيَّنت، وقولُه: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾. يقولُ: بيوسفَ وأخيه ورُوبيلَ (٤). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: لما جاءوا بذلك إلى يعقوبَ - يعنى بقولِ روبيلَ لهم - اتَّهمهم، وظنَّ أن ذلك كفعلتِهم بيوسفَ، ثم قال: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾؛ أي بيوسفَ وأخيه ورُوبِيلَ (٥).

стр. 9011

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤)﴾. يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾: وأعْرَض عنهم يعقوبُ، ﴿وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾. يعنى: يا حَزَنَا عليه! يُقالُ: إن الأسفَ هو أشدُّ الحزنِ والتندُّمِ، يُقالُ منه: أسِفْتُ على كذا آسَفُ عليه أسَفًا. يقولُ اللَّهُ جلَّ ثناؤُه: وابيضَّتْ عينا يعقوبَ مِن الحزنِ ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾. يقول: فهو مكظومٌ على الحزنِ، يعنى أنه مملوءٌ منه ممسِكٌ عليه لا يُبِينُه. صُرِف "المفعولُ" منه إلى "فعيلِ". ومنه قولُه: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]. وقد بيَّنا معناه بشواهدِه فيما مضَى (١). وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ما قلنا في تأويلِ قولِه: ﴿وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾: أعْرَض عنهم، وتتامَّ حزنُه، وبلَغ مجهودَه حين لحِق بيوسفَ أخوه، وهُيِّج عليه حزنُه على يوسفَ، فقال: ﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قولَه: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾. يقولُ

стр. 9012

يا حَزَنَا على يوسفَ (١). حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شَبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ؛ وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن نُميرٍ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قولَه: ﴿يَاأَسَفَى﴾: يا حَزَنَا. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾: يا جزَعاه. حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾: يا جَزَعاه (٢) حَزَنًا. حدَّثني المثنى، قال: أخْبَرنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابن أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾. قال: يا جَزَعَا (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قولَه: ﴿يَاأَسَفَى﴾؛ أي حَزَناه. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾. قال: يا حَزَناه (٤). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ حميدٍ المَعْمَريُّ، عن معمرٍ، عن قتادةَ

стр. 9013

نحوَه. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ (١). [حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ؛ وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن أبى حُجيرةَ، عن الضحَّاكِ: ﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾. قال: يا حَزَنا على يوسفَ (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أبي مرزوقٍ، عن جُويبرٍ، عن الضحَّاكِ] (٣): ﴿يَاأَسَفَى﴾: يا حَزَناه. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، قال: ثنى هُشْيمٌ، قال: أخْبَرنا جويبرٌ عن الضحَّاكِ: ﴿يَاأَسَفَى﴾: يا حَزَنا على يوسفَ (٤). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ قال: أخْبَرنا الثوريُّ، عن سفيانَ العُصْفُريِّ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، قال: لم يُعْطَ أحدٌ غيرُ هذه الأمةِ الاسترجاعَ؛ ألا تَسْمَعون إلى قولِ يعقوبَ: ﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ (٤)؟ حدَّثني المُثنَّى، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ نحوَه.

стр. 9014

ذكرُ مَن قال ما قلنا في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾. قال: كظيمُ الحزنِ. حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شَبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾. قال: كظيمُ الحزنِ (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن نُميرٍ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه. حدَّثني المثنَّى، قال: أخْبَرنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابن أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾. قال: الحزنُ. حدَّثني المثنَّى، قال: أخْبَرنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾: مكمودٌ. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾. قال: كظيمٌ على الحزنِ. حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخْبَرنا هشيمٌ، عن جُويبرٍ، عن الضحَّاكِ، في قولِه: ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾. قال: الكظيمُ الكَمِيدُ (٢).

стр. 9015

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا المحاربيُّ، عن جُويبرٍ، عن الضحَّاكِ: ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾. قال: كَميدٌ. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخْبَرنا جويبرٌ، عن الضحَّاكِ، قولَه: ﴿كَظِيمٌ﴾. قال: كميدٌ. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾. يقولُ: يُرَدِّدُ حزنَه في جوفِه ولم يَتَكَلَّمْ بسوءٍ (١). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ، في قولِه: ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾. قال: كظيمٌ على الحزنِ فلم يَقُلْ بأسًا (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا الحسينُ (٣) بنُ الحسنِ، قال: ثنا ابن المباركِ، قال: أخْبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ، في قولِه: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾. قال: كظيمٌ على الحزنِ فلم يَقُلْ إلا خيرًا (٤). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن يزيدَ بن زُرَيْعٍ (٥)، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ: ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾. قال: مكروبٌ (٦). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسباطَ، عن السديِّ: ﴿فَهُوَ

стр. 9016

كَظِيمٌ﴾. قال: مِن الغيظِ. حدَّثني يونسُ، قال: أخْبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، في قولِه: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾. قال: الكظيمُ: الذي لا يَتَكَلَّمُ، بلَغ به الحزنُ حتى كان لا يُكَلِّمُهم (١). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (٨٥)﴾. يعنى تعالى ذكرُه: قال ولدُ يعقوبَ الذين انْصَرفوا إليه من مصرَ له حين قال: ﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾: تاللَّهِ لا تَزالُ تَذْكُرُ يوسفَ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿تَفْتَأُ﴾: تَفْتُرُ من حبِّه. حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شَبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿تَفْتَأُ﴾: ما (٢) تَفْتُرُ مِن حُبِّه. هكذا (٣) قال الحسنُ في حديثِه، وهو غلطٌ، إنما هو: تَفْتُرُ من حُبِّهِ، تَزالُ تَذْكُرُ يوسفَ (٤).

стр. 9017

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن نُميرٍ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾. قال: لا تَفْتُرُ من حبِّه. حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿تَفْتَأُ﴾: تَفْتُرُ من حبِّه. قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾. قال: لا تَزالُ تَذْكُرُ يُوسفَ. حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن إسرائيلَ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾. قال: لا تزالُ تَذْكُرُ يوسفَ. قال: لَا تَفْتُرُ من حبِّه (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ قال: لا تزالُ تَذْكُرُ يوسفَ. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ قال: لا تَزالُ تَذْكُرُ يوسفَ (٢). يُقال منه: ما فتِئْتُ أقولُ ذاك، وما فتَأْتُ لغةٌ، أفْتِئُ وأفْتَأُ فَتْئًا وفُتُوءًا. وحُكِى أيضًا: ما أَفْتَأْتُ به. ومنه قولُ أوسِ بن حَجَرٍ (٣):

стр. 9018

فما فَتِئَتْ حتى كأنَّ غُبارَها … سُرادِقُ يومٍ ذى رِياحٍ ترَفَّعُ وقولُه (١) الآخرُ (٢): فما فتِئَتْ خِيلٌ تَثُوبُ وتدَّعِى … ويَلْحَقُ منها لاحقٌ وتَقَطَّعُ بمعنى: فما زالت. وحُذِفت "لا" مِن قولِه: ﴿تَفْتَأُ﴾. وهى مرادةٌ في الكلامِ؛ لأن اليمينَ إذا كان ما بعدَها خبرًا لم يَصْحَبْها الجحدُ، ولم تَسْقُطِ اللامُ التي يُجابُ بها الأيمانُ، وذلك كقولِ القائلِ: واللَّهِ لآتينَّك. وإذا كان ما بعدَها مجحودًا تُلُقِّيتْ بـ "ما" أو بـ "لا"، فلما عُرِف موقعُها حُذِفت من الكلامِ، لمعرفةِ السامعِ بمعنى الكلامِ، ومنه قولُ امرئَ القَيْس (٣): فقلْتُ يمينَ اللَّهِ أَبْرَحُ قاعدًا … ولو قَطَّعوا رأسى لديكِ وأوْصالى فحُذِفت "لا" من قولِه (٤): أَبْرَحُ قاعدًا؛ لِمَا ذكَرْتُ من العلَّةِ، كما قال الآخرُ (٥): فلا وأبى دَهْماءَ زالت عزيزةً … على قومِها ما فتَّل الزَّنْدَ قادحُ يُريدُ: لا زالتْ. وقولُه: ﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾. يقولُ: حتى تكونَ دنِفَ الجسمِ،

стр. 9019

مخبولَ العقلِ. وأصلُ الحرَضِ الفسادُ في الجسمِ والعقلِ؛ من الحزنِ أو العشقِ، ومنه قولُ العَرْجيِّ (١): إنى امرُؤٌ لجَّ بى حُبٌّ فأحْرَضَنى … حتى بَلِيتُ وحتى شفَّنى السَّقَمُ يعنى بقولِه: فأحرضنى: أذابنى فترَكنى مُحْرَضًا. يُقالُ منه: رجلٌ حَرَضٌ، وامرأةٌ حَرَضٌ، وقومٌ حَرَضٌ، ورجلانِ حَرَضٌ. على صورةٍ واحدةٍ للمذكَّرِ والمؤنثِ، وفى التثنيةِ والجمعِ. ومن العربِ مَن يقولُ للذكَرِ: حارضٌ. وللأنثى حارضةٌ. فإذا وصَف بهذا اللفظِ ثنَّى وجمَع، وذكَّر وأنَّث. ووُحِّد "حَرَضٌ" بكلِّ حالٍ ولم يَدْخُلْه التأنيثُ؛ لأنه مصدرٌ. فإذا أُخْرِج على "فاعلٍ" على تقديرِ الأسماءِ، لزِمه ما يَلْزَمُ الأسماءَ مِن التثنيةِ والجمعِ، والتذكيرِ والتأنيثِ. وذكَر بعضُهم سماعًا: رجلٌ مُحرضٌ. إذا كان وَجِعًا، وأنْشَد في ذلك بيتًا: طلَبَتْه الخيلُ يومًا كاملا … ولو الْفَتْه لأَضْحَى مُحْرَضا وذُكر أن منه قولَ امرِئَ القيسِ (٢): أرَى المرءَ ذا الأذْوادِ يُصْبِحُ مُحْرَضًا … كإحراضِ بَكْرٍ في الديارِ مرِيضِ وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾: يعنى الجهدَ في

стр. 9020

المرضِ، البالىَ. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن نُميرٍ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾. قال: دونَ الموتِ (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ قال: ثنا ابن فُضيلٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾. قال: الحَرَضُ ما دونَ الموتِ (٢). حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٢). قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ،، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شَبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾: حتى تَبْلَى أو تَهْرَمَ.

стр. 9021

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾: حتى تكونَ هَرِمًا (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ قال: ثنا عمرٌو عن أبي بكرٍ الهُذَليِّ، عن الحسنِ: ﴿حَرَضًا﴾. قال: هَرِمًا (٢). قال: ثنا المحاربيُّ، عن جُويبرٍ، عن الضحَّاكِ، قال: الحَرَضُ الشئُ البالى (٣). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخْبَرنا هشيمٌ، عن جُويبرٍ، عن الضحَّاكِ في قولِه: ﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾. قال: الحَرَضُ الشئُ البالى الفانى. قال: ثنا سُوَيْدُ بنُ نصرٍ، قال: أخْبَرنا ابن المباركِ، عن أبي معاذٍ، عن عُبيدِ بن سليمانَ، عن الضحَّاكِ: ﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾: الحَرَضُ البالى. حُدِّثت عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، يقولُ: أخبَرنا عبيدُ بنُ سليمانَ، عن الضحَّاكِ، يقولُ في قولِه: ﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾: هو البالى المُدْبرُ (٤). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسباطَ، عن السُّدِّيِّ: ﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾: باليًا. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: لمَّا ذكَر يعقوبُ يوسفَ، قالوا - يعنى ولدَه الذين حضَروه في ذلك الوقتِ، جهلًا وظلمًا -:

стр. 9022

﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾. أي: تكونَ فاسدًا لا عقلَ لك، ﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾ (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخْبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾. قال: الحَرَضُ الذي قد رُدَّ إلى أرذلِ العمرِ، حتى لا يَعْقِلَ، أو تهلِكَ فتكونَ هالكًا قبلَ ذلك. وقولُه: ﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾. يقولُ: أو تكونَ ممن هلَك بالموتِ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن فُضيلٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾. قال: الموتُ (٢). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾: من الميِّتين. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا المُحاربيُّ، عن جُويبرٍ، عن الضحَّاكِ: ﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾. قال: الميِّتين (٣). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمْرُو بنُ عونٍ، قال: أخْبَرنا هشيمٌ، عن جُويبرٍ، عن الضحَّاكِ مثلَه.

стр. 9023

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، عن أبي بكرٍ الهُذليِّ، عن الحسنِ: ﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾. قال: الميِّتين (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾. قال: أو تموتَ. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾. قال: من الميِّتين (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسباطَ، عن السديِّ: ﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾. قال: من (٣) الميِّتين (٤). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٦)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال يعقوبُ للقائلين له مِن ولدِه: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾ لستُ إليكم أشْكُو بثِّي وحُزْنى، وإنما أَشكو ذلك إلى اللَّهِ. ويعنى بقولِه: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي﴾: ما أَشكو همِّى وحُزنى إلَّا إلى اللهِ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 9024

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي﴾. قال ابن عباسٍ: ﴿بَثِّي﴾: همِّي (١). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمَةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: قال يعقوب عن علمٍ باللَّهِ: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾؛ لِمَا رأَى مِن فَظاظَتِهم وغلظتِهم وسوءِ لفظِهم به: لم أَشْكُ ذلك إليكم ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢). حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن عوفٍ، عن الحسنِ: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾. قال: حاجتى وحُزْنى إلى اللَّهِ. حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا هَوْذَةُ بنُ خليفةَ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ مثلَه (٣). وقيل: إن البثَّ أشدُّ الحزنِ. وهو عندى مِن: بثَّ الحديثَ. وإنما يُرادُ منه: إنما أَشْكو خبرى الذي أنا فيه من الهمِّ، وأَبُثُّ حديثى وحُزْنى إلى اللَّهِ. حدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن عوفٍ، عن الحسنِ: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي﴾. قال: حُزْني. حدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن عوفٍ، عن الحسنِ: ﴿إِنَّمَا

стр. 9025

أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي﴾. قال: حاجتي (١). وأما قولُه: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. فإن ابنَ عباسٍ كان يقولُ في ذلك - فيما ذُكِر عنه - ما حدَّثني به محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: أَعْلَمُ أن رُؤْيا يوسفَ صادقةٌ، وأنى سأَسْجُدُ (٢) له (٣). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسباطَ، عن السُّديِّ: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. قال: لمَّا أَخْبَروه بدعاءِ المَلِكِ، أحسَّتُ نفسُ يعقوبَ، وقال: ما يكونُ في الأرضِ صِدَّيقٌ إلا نبيٌّ. فطَمِع، قال: لعلَّه يوسفُ (٤). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ الآية: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ يعقوبَ لم يَنْزِلْ به بلاءٌ قطُّ إِلا أَتَى حُسْنُ ظنِّه باللَّهِ مِن ورائِه (٥). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عيسى بن يزيدَ، عن الحسنِ، قال: قيل: ما بلَغ وَجْدُ يعقوبَ على ابنِه؟ قال: وَجْدَ سبعيَن ثَكْلَى. قال: فما كان له من الأجرِ؟ قال: أجرُ مائةِ شهيدٍ. قال: وما ساء ظَنُّه باللَّهِ ساعةً مِن ليل ولا نهارٍ (٦).

стр. 9026

حدَّثنا به ابن حميدٍ مرّةً أخرى، قال: ثنا حكَّامٌ، عن أبي معاذٍ، عن يُونسَ، عن الحسنِ، عن النبيِّ ﷺ مثلَه (١). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن المباركِ بن (٢) مجاهدٍ، عن رجلٍ من الأَزْدِ، عن طلحةَ بن مُصَرِّفٍ الإياميِّ، قال: ثلاثةٌ لا تَذْكُرْهنَّ، وَاجْتَنِبْ ذَكْرَهنَّ؛ لا تَشْكُ مرضَك، ولا تَشْكُ مصيبتَك، ولا تُزَكِّ نفسَك. قال: وأُنْبِئتُ أن يعقوبَ بنَ إسحاقَ دخَل عليه جارٌ له، فقال له: يا يعقوبُ، ما لى أَراك قد انْهَشَمْتَ وفَنِيتَ، ولم تَبْلُغْ مِن السِّنِّ ما بلَغ أبوك؟ قال: هشَمنى وأفنانى ما ابتلاني اللَّهُ به؛ مِن همِّ يوسفَ وذكْرِه. فَأَوْحَى اللَّهُ إليه: يا يعقوبُ، أَتَشْكُوني إلى خَلْقى؟ فقال: يا ربِّي، خطيئةٌ أخْطَأْتُها، فاغْفِرْها لى. قال: فإنِّي قد غفَرْتُ لك. وكان بعدَ ذلك إذا سُئِل، قال: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٣). حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنى مُؤَمَّلُ بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا سفيانُ، عن حَبيبِ بن أبي ثابتٍ، قال: بلَغنى أن يعقوبَ كبِر حتى سقَط حاجباه على وَجْنَتَيْه، فكان يَرْفَعُهما بخِرْقَةٍ، فقال له رجلٌ: ما بلَغ بك ما أَرَى؟ قال: طولُ الزمانِ، وكثرةُ الأحزانِ. فَأَوْحى اللَّهُ إليه: يا يعقوبُ تَشْكوني؟ قال: خطيئةٌ فاغْفِرْها (٤). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا ثورُ بنُ يزيدَ، قال: دخَل

стр. 9027

يعقوبُ على فرعونَ وقد سقَط حاجباه على عينيْه، فقال: ما بلَغ بك هذا يا إبراهيمُ؟ فقالوا (١): إنه يعقوبُ. فقال: ما بلَغ بك هذا يا يعقوبُ؟ قال: طولُ الزمانِ، وكثرةُ الأحزانِ. فقال اللَّهُ: يا يعقوبُ أَتَشْكوني؟ فقال: يا ربِّ، خطيئةٌ أخطأتُها، فاغْفِرْها لي. حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا عبدُ الوَهَّابِ، قال: ثنا هشامٌ، عن ليثِ بن أبي سُليمٍ، قال: دخَل جِبْرِيلُ على يوسفَ السجنَ، فعرَفه، فقال: أيُّها الملَكُ الحَسَنُ وجهُه، الطيبُ (٢) ريحُه، الكريمُ على ربِّه، ألا تُخْبِرُني عن يعقوبَ؛ أحيٌّ هو؟ قال: نعم. قال: أيُّها الملَكُ الحسنُ وجهُه، الطيبُ (٢) ريحُه، الكريمُ على ربِّه، فما بلَغ مِن حزنِه؟ قال: حُزنَ سبعين مُثْكَلَةٍ. قال: أيُّها الملَكُ الحسنُ وجهُه، الطيبُ (٢) ريحُه، الكريمُ على ربِّه، فهل في ذلك من أجرٍ؟ قال: أجرُ مائةِ شهيدٍ (٣). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن ليثِ بن أبي سُليمٍ، عن مجاهدٍ، قال: حُدِّثتُ أن جبريلَ أتَى يوسفَ صلَّى اللَّهُ عليهما وهو بمصَر في صورةِ رجلٍ، فلمَّا رآه يوسفُ عرَفه، فقام إليه، فقال: أيُّها الملَكُ الطيبُ ريحُه، الطاهرُ ثيابُه، الكريمُ على ربِّه، هل لك بيعقوبَ مِن علم؟ قال: نعم. قال: أيُّها الملَكُ [الطيبُ ريحُه] (٤)، الطاهرُ ثيابُه، الكريمُ على ربِّه، [فكيف هو؟ قال: ذهَب بصرُه. قال: أيُّها الملَكُ الطاهرُ ثيابُه، الكريمُ على ربِّه] (٥)، وما الذي أَذْهَب بصرَه؟

стр. 9028

قال: الحزْنُ عليك. قال: أيُّها المَلَكُ الطيبُ ريحُه، الطاهرُ ثيابُه، الكريمُ على ربِّه، فما أُعْطِي على ذلك؟ قال: أجرَ سبعين شهيدًا (١). حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخْبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال أبو (٢) شُريحٍ: سَمِعتُ مَن يُحدِّثُ أن يوسفَ سأل جبريلَ: ما بلَغ مِن حزنِ يعقوبَ؟ قال: حزُنَ سبعين ثَكْلَى. قال: فما بلَغ أجرُه؟ قال: أجرَ سبعين شهيدًا. قال: أَخْبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخْبَرني نافعُ بنُ يَزِيدَ، عن [عُبيدِ اللَّهِ] (٣) بن أبي جعفرٍ، قال: دخَل جبريلُ على يوسفَ في البئرِ، أو في السجنِ، فقال له يوسفُ: يا جبريلُ، ما بلَغ حُزْنُ أبي؟ قال: حُزْنَ سبعين ثَكْلَى. قال: فما بلَغ أجرُه من اللَّهِ؟ قال: أجرَ مائةِ شهيدٍ (٤). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريمِ، قال: ثني عبدُ الصمدِ بنُ مَعْقِلٍ، قال: سمِعتُ وهَبَ بنَ مُنَبِّهٍ يقولُ: أَتَى جبريلُ يوسفَ بالبُشْرَى وهو في السجنِ، فقال: هل تَعْرِفُنى أيُّها الصِّدِّيقُ؟ قال: أرَى صورةً طاهرةً، ورُوحًا طيبةً، لا تُشْبِهُ أرواحَ الخاطِئينَ. قال: فإني رسولُ ربِّ العالَمينَ، وأنا الرُّوحُ الأمينُ. قال: فما الذي أدْخَلك عليَّ مُدْخَلَ المُذْنِيين، وأنت أطيبُ الطَّيِّبينَ، ورأسُ المُقرَّبينَ، وأمينُ ربِّ العالَمين؟ قال: ألم تَعْلَمُ يا يوسفُ أنّ اللَّهَ

стр. 9029

يطَهِّرُ البيوتَ بطُهْرِ النَّبيِّين، وأن الأرضَ التي تَدْخُلونها (١) هي أطهرُ الأَرَضِينَ، وأن اللَّهَ قد طهَّر بك السِّجنَ وما حولَه [يا طَهِرَ] (٢) الطاهرين وابنَ المُطَهَّرين؟ إنما يُتَطَهَّرُ بفضلِ طُهْرِك وطُهرِ آبائِك الصالحين المخلَصين. قال: كيف لي باسمِ الصِّدِّيقينَ، وتَعُدُّنى مِن المخلَصين، وقد أُدْخِلْتُ مُدْخَلَ المذنبينَ، وسُمِّيتُ بالضَّالِّين المُفْسِدينَ؟ قال: لم يَفْتَتِنُ قلبُك، ولم تُطِعْ سيِّدتَك (٣) في معصيةِ ربِّك، ولذلك سمَّاك اللَّهُ في الصِّدِّيقينَ، وعَدَّك مِن المخلَصين، والْحَقَك بآبائِك الصالحينَ. قال: هل (٤) لك علمٌ بيعقوبَ أيُّها الرُّوحُ الأمينُ؟ قال: نعم، وهَب اللَّهُ له الصبرَ الجميلَ، وابتلاه بالحزْنِ عليك فهو كظيمٌ. قال: فما قَدْرُ حزنِه؟ قال: حزنُ سبعين ثَكْلَى. قال: فماذا له مِن الأجرِ يا جبريلُ؟ قال: قدرُ مائةِ شهيدٍ (٥). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن ثابتٍ البُنانيِّ، قال: دخَل جبريلُ على يوسفَ في السجنِ، فعرَفه يوسفُ. قال: فأتاه فسلَّم عليه، فقال: أيُّها الملَكُ الطَّيِّبُ ريحُه، الطاهرُ ثيابُه، الكريمُ على ربِّه، هل لك مِن علمٍ بيعقوبَ؟ قال: نعم. قال: أيُّها الملَكُ الطيِّبُ ريحُه، الطاهرُ ثيابُه، الكريمُ على ربِّه، هل تَدْرِى ما فعَل؟ قال: [ابيضَّت عيناه] (٦). قال: أيُّها الملَكُ الطيِّبُ ريحُه، الطاهِرُ ثيابُه، الكريمُ

стр. 9030

على ربِّه، [مم ذاك؟ قال: من الحزنِ عليك. قال: أيُّها الملَكُ الطيِّبُ ريحُه، الطاهرُ ثيابُه، الكريمُ على ربِّه] (١)، وما بلَغ مِن حزْنِه؟ قال: حُزْنَ سبعين مُثْكَلَةٍ. قال: أيُّها الملَكُ الطَّيِّبُ ريحُه، الطاهرُ ثيابُه، الكريمُ على ربِّه، هل له على ذلك مِن أجرٍ؟ قال: نعم، أجرُ مائةِ شهيدٍ (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسباطَ، عن السُّديِّ، قال: أتى جبريلُ يوسفَ وهو في السجنِ فسلَّم عليه، وجاءه في صورةِ رجلٍ حسنِ الوجهِ، طيِّبِ الريحِ، نقيِّ الثيابِ، فقال له يوسفُ: أيُّها الملَكُ الحسنُ وجهُه، الكريمُ على ربِّه، الطيِّبُ ريحُه، حَدَّثْنى كيف يعقوبُ؟ قال: حزِن عليك حزنًا شديدًا. قال: فما بلَغ مِن حزنِه؟ قال: حُزنَ سبعين مُثْكَلةٍ. قال: فما بلَغ مِن أجرِه؟ قال: أجرَ سبعين أو مائةِ شهيدٍ. قال يوسفُ: فإلى مَن أوَى بعدى؟ قال: إلى أخيك بنيامينَ. قال: فتُراني ألْقاه أبدًا؟ قال: نعم. فبكَى يوسفُ لما لقِى أبوه بعدَه، ثم قال: ما أُبالي ما لقِيتُ إنِ اللَّهُ أَرانِيه (٣). قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، عن إبراهيمَ بن يزيدَ، عن عمرِو بن دينارٍ، عن عكرمةَ، قال: أتَى جبريلُ يوسفَ وهو في السِّجنِ فسلَّم عليه، فقال له يوسفُ: أيُّها الملَكُ الكريمُ على ربِّه، الطيِّبُ ريحُه، الطاهرُ ثيابُه، هل لك (٤) مِن علمٍ بيعقوبَ؟ قال: نعم (٥)، ما أشدَّ حزنَه (٦)! قال: أيُّها الملَكُ الكريمُ على ربِّه، الطيبُ ريحُه،

стр. 9031

الطاهرُ ثيابُه، ماذا له من الأجرِ؟ قال: أجرُ سبعين شهيدًا. قال: أفتُراني لاقيه؟ قال: نعم. قال: فطابت نفْسُ يوسفَ (١). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، قال: لَمَّا دخَل يعقوبُ على المَلِكِ وحاجباه قد سقَطا على عينَيْه، قال الملِكُ: ما هذا؟ قال: السِّنونَ والأحزانُ. أو: الهمومُ والأحزانُ. فقال ربُّه: يا يعقوبُ، لمَ تَشْكوني إلى خَلْقى، ألم أَفْعَلْ بك وأَفْعَلْ؟ حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا الثوريُّ، عن عبدِ الرحمنِ بن زيادٍ، عن مسلمِ بن يسارٍ رفَعه (٢) إلى النبيِّ ﷺ ، قال: "مَن بَثَّ فلم (٣) يَصْبِرُ". ثم قرَأ: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ (٤). حدَّثني عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ الآمُليُّ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن هشامٍ، عن الحسنِ، قال: كان منذُ خرَج يوسفُ من عندِ يعقوبَ إلى يومِ رجَع ثمانون سنةً، لم يُفارِقِ الحزنُ قلبَه، يَبْكِي حتى ذهَب بصرُه. قال الحسنُ: واللَّهِ، ما على الأرضِ يومئذٍ خَليقةٌ (٥) أكرمُ على اللَّهِ مِن يعقوبَ ﵇ (٦). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا

стр. 9032

تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (٨٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه، حين طمِع يعقوبُ في يوسفَ [قال لبنيه] (١): ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا﴾ إلى الموضعِ الذي جئْتُم منه، وخلَّفتُم أخويْكم (٢) به، ﴿فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ﴾. يقولُ: الْتَمِسوا يوسفَ وتَعَرَّفوا مِن خبرِه - وأصلُ التَّحَسُّسِ التفعُّلُ من الحَسِّ - ﴿وَأَخِيهِ﴾. يعنى بنيامينَ، ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾. يقولُ: ولا تَقْنَطُوا من أن يُرَوِّحَ اللَّهُ عنا ما نحن فيه مِن الحزنِ على يوسفَ وأخيه، بفرَجٍ مِن عندِه، فيُرِيَنِيهما (٣)، ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾. يقولُ: [لا يَقْنَطُ] (٤) مِن فرَجِه ورحمتِه، ويَقْطَعُ رجاءَه منه، ﴿إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾. يعنى: القومُ الذين يَجْحَدون قدرتَه على ما شاء تكْوينَه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسباطَ، عن السُّديِّ: ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾: بمصرَ، ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾. قال: مِن فرَجِ اللَّهِ أَن يَرُدَّ يوسفَ. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾. أي: مِن رحمةِ (٥) اللَّهِ (٦).

стр. 9033

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ نحوَه (١). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثم إن يعقوبُ قال لبَنيه - وهو على حُسْنِ ظنِّه بربِّه، مع الذي هو فيه من الحزْنِ -: ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا﴾ إلى البلادِ التي منها جِئْتُم، ﴿فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾. أي: مِن فَرَجِه، ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٢). حُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرَجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أَخْبَرنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾. يقولُ: مِن رحمةِ اللَّهِ (٣). حدَّثني يونسُ، قال: أخْبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾. قال: مِن فرَجِ اللَّهِ، يُفَرِّجُ عنكم الغمَّ الذي أنتم فيه (٤). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨)﴾. وفي هذا (٥) الكلامِ متروكٌ قد اسْتُغْنِى بذكرِ ما ظهَر عما حُذِف؛ وذلك:

стр. 9034

فخرَجوا راجعينَ إلى مصرَ حتى صاروا إليها، فدخَلوا على يوسفَ، ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾. أي: الشدَّةُ مِن الجَدْبِ والقَحْطِ، ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾. كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: وخرَجوا إلى مصرَ راجعينَ إليها ببضاعةٍ مُزْجاةٍ؛ أي قليلةٍ، لا تَبْلُغُ ما كانوا يَتَبايَعون (١) به، إلا أن يُتَجاوَزَ لهم فيها، وقد رأَوْا ما نزل بأبيهم، [وتتابُعَ] (٢) البلاءِ عليه في ولدِه وبصرِه، حتى قدِموا على يوسفَ، ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ﴾، رجاةَ (٣) أن يَرْحَمَهم في شأنِ أخيهم، ﴿مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ (٤). وعنَى بقولِه: ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾: بدراهمَ، أو ثَمَنٍ (٥) لا يجوزُ في ثمنِ الطعامِ إلا لمن يَتَجاوَزُ فيها. وأصلُ الإزجاءِ السَّوْقُ بالدَّفْعِ. كما قال النابغةُ (٦) الذُّبْيانيُّ (٧): وهَبَّتِ الرِّيحُ مِن تِلْقَاءِ ذى أُرُلٍ (٨) … تُزْجِي معَ الليلِ مِن صُرَّادِها (٩) صِرَمًا (١٠)

стр. 9035

يعنى: تَسُوقُ وتَدْفَعُ. ومنه قولُ أَعْشَى بنى ثَعْلَبَةَ (١): الواهِبُ المائةَ الهِجانَ (٢) وعَبْدَها … عُوذًا (٣) تُزَجِّي خلفَها أطفالَها وقولُ حاتمٍ (٤): لِيَبْكِ على مِلْحانَ ضَيْفٌ مُدَفَّعٌ … وأَرْمَلَةٌ (٥) تُزْجِي مَعَ الليلِ أَرْمَلا يعنى أنها تَسُوقُه بينَ يَدَيْها، على ضَعفٍ منه عن المشيِ وعجزٍ. ولذلك قيل: ﴿بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾؛ لأنها غيرُ نافِقَةٍ، وإنما تُجَوَّزُ تجويزًا على دَفْعٍ (٦) مِن آخِذِيها. وقد اخْتَلف أهلُ التأويلِ في البيانِ عن تأويل. ذلك، وإن كانت معاني بيانِهم متقاربةً. ذكرُ أقوالِ أهلِ التأويلِ في ذلك حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن إسرائيلَ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾. قال: رَدِيئةٌ زُيُوفٌ، لا تَنْفُقُ حتى يُوضَعَ منها. حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ العَنْقَزيُّ، قال: ثنا
следующие страницы →