← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 9031–9070 · переход к 9036.

стр. 9031

الطاهرُ ثيابُه، ماذا له من الأجرِ؟ قال: أجرُ سبعين شهيدًا. قال: أفتُراني لاقيه؟ قال: نعم. قال: فطابت نفْسُ يوسفَ (١). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، قال: لَمَّا دخَل يعقوبُ على المَلِكِ وحاجباه قد سقَطا على عينَيْه، قال الملِكُ: ما هذا؟ قال: السِّنونَ والأحزانُ. أو: الهمومُ والأحزانُ. فقال ربُّه: يا يعقوبُ، لمَ تَشْكوني إلى خَلْقى، ألم أَفْعَلْ بك وأَفْعَلْ؟ حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا الثوريُّ، عن عبدِ الرحمنِ بن زيادٍ، عن مسلمِ بن يسارٍ رفَعه (٢) إلى النبيِّ ﷺ ، قال: "مَن بَثَّ فلم (٣) يَصْبِرُ". ثم قرَأ: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ (٤). حدَّثني عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ الآمُليُّ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن هشامٍ، عن الحسنِ، قال: كان منذُ خرَج يوسفُ من عندِ يعقوبَ إلى يومِ رجَع ثمانون سنةً، لم يُفارِقِ الحزنُ قلبَه، يَبْكِي حتى ذهَب بصرُه. قال الحسنُ: واللَّهِ، ما على الأرضِ يومئذٍ خَليقةٌ (٥) أكرمُ على اللَّهِ مِن يعقوبَ ﵇ (٦). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا

стр. 9032

تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (٨٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه، حين طمِع يعقوبُ في يوسفَ [قال لبنيه] (١): ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا﴾ إلى الموضعِ الذي جئْتُم منه، وخلَّفتُم أخويْكم (٢) به، ﴿فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ﴾. يقولُ: الْتَمِسوا يوسفَ وتَعَرَّفوا مِن خبرِه - وأصلُ التَّحَسُّسِ التفعُّلُ من الحَسِّ - ﴿وَأَخِيهِ﴾. يعنى بنيامينَ، ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾. يقولُ: ولا تَقْنَطُوا من أن يُرَوِّحَ اللَّهُ عنا ما نحن فيه مِن الحزنِ على يوسفَ وأخيه، بفرَجٍ مِن عندِه، فيُرِيَنِيهما (٣)، ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾. يقولُ: [لا يَقْنَطُ] (٤) مِن فرَجِه ورحمتِه، ويَقْطَعُ رجاءَه منه، ﴿إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾. يعنى: القومُ الذين يَجْحَدون قدرتَه على ما شاء تكْوينَه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسباطَ، عن السُّديِّ: ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾: بمصرَ، ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾. قال: مِن فرَجِ اللَّهِ أَن يَرُدَّ يوسفَ. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾. أي: مِن رحمةِ (٥) اللَّهِ (٦).

стр. 9033

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ نحوَه (١). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثم إن يعقوبُ قال لبَنيه - وهو على حُسْنِ ظنِّه بربِّه، مع الذي هو فيه من الحزْنِ -: ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا﴾ إلى البلادِ التي منها جِئْتُم، ﴿فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾. أي: مِن فَرَجِه، ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٢). حُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرَجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أَخْبَرنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾. يقولُ: مِن رحمةِ اللَّهِ (٣). حدَّثني يونسُ، قال: أخْبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾. قال: مِن فرَجِ اللَّهِ، يُفَرِّجُ عنكم الغمَّ الذي أنتم فيه (٤). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨)﴾. وفي هذا (٥) الكلامِ متروكٌ قد اسْتُغْنِى بذكرِ ما ظهَر عما حُذِف؛ وذلك:

стр. 9034

فخرَجوا راجعينَ إلى مصرَ حتى صاروا إليها، فدخَلوا على يوسفَ، ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾. أي: الشدَّةُ مِن الجَدْبِ والقَحْطِ، ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾. كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: وخرَجوا إلى مصرَ راجعينَ إليها ببضاعةٍ مُزْجاةٍ؛ أي قليلةٍ، لا تَبْلُغُ ما كانوا يَتَبايَعون (١) به، إلا أن يُتَجاوَزَ لهم فيها، وقد رأَوْا ما نزل بأبيهم، [وتتابُعَ] (٢) البلاءِ عليه في ولدِه وبصرِه، حتى قدِموا على يوسفَ، ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ﴾، رجاةَ (٣) أن يَرْحَمَهم في شأنِ أخيهم، ﴿مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ (٤). وعنَى بقولِه: ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾: بدراهمَ، أو ثَمَنٍ (٥) لا يجوزُ في ثمنِ الطعامِ إلا لمن يَتَجاوَزُ فيها. وأصلُ الإزجاءِ السَّوْقُ بالدَّفْعِ. كما قال النابغةُ (٦) الذُّبْيانيُّ (٧): وهَبَّتِ الرِّيحُ مِن تِلْقَاءِ ذى أُرُلٍ (٨) … تُزْجِي معَ الليلِ مِن صُرَّادِها (٩) صِرَمًا (١٠)

стр. 9035

يعنى: تَسُوقُ وتَدْفَعُ. ومنه قولُ أَعْشَى بنى ثَعْلَبَةَ (١): الواهِبُ المائةَ الهِجانَ (٢) وعَبْدَها … عُوذًا (٣) تُزَجِّي خلفَها أطفالَها وقولُ حاتمٍ (٤): لِيَبْكِ على مِلْحانَ ضَيْفٌ مُدَفَّعٌ … وأَرْمَلَةٌ (٥) تُزْجِي مَعَ الليلِ أَرْمَلا يعنى أنها تَسُوقُه بينَ يَدَيْها، على ضَعفٍ منه عن المشيِ وعجزٍ. ولذلك قيل: ﴿بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾؛ لأنها غيرُ نافِقَةٍ، وإنما تُجَوَّزُ تجويزًا على دَفْعٍ (٦) مِن آخِذِيها. وقد اخْتَلف أهلُ التأويلِ في البيانِ عن تأويل. ذلك، وإن كانت معاني بيانِهم متقاربةً. ذكرُ أقوالِ أهلِ التأويلِ في ذلك حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن إسرائيلَ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾. قال: رَدِيئةٌ زُيُوفٌ، لا تَنْفُقُ حتى يُوضَعَ منها. حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ العَنْقَزيُّ، قال: ثنا

стр. 9036

إسرائيلُ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾ قال: الرَّديئةُ التي لا تَنْفُقُ حتى يُوضَعَ منها (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُيينَةَ، عن عثمانَ بن أبي سليمانَ، عن ابن أبي مُليكةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾. قال: خَلَقُ الغِرارَةِ والحبلِ والشيءِ. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرنا ابن عُيينةَ، عن عثمانَ بن أبي سليمانَ، عن ابن أبي مُلَيْكَةَ، قال: سمِعتُ ابنَ عباسٍ (٢)، وسُئِل عن قولِه: ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾. قال: رِثَّةُ المتاعِ؛ الحبلِ والغِرارةِ والشئِ (٣). حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا ابن عُيينةَ، عن عثمانَ بن أبي سليمانَ، عن ابن أبي مُلَيْكَةَ، عن ابن عباسٍ مثلَه. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾. قال: البِضاعةُ الدراهمُ، والمُزْجاةُ غيرُ طائلٍ (٤). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخْبَرنا هُشَيْمٌ، عن ابن أبي زيادٍ، عمَّن حدَّثه، عن ابن عباسٍ، قال: كاسدةٌ غيرُ طائلٍ. حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عيَّاشٍ، قال: ثنا أبو حَصينٍ، عن سعيدِ

стр. 9037

ابن جُبيرٍ وعكرمةَ: ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾. قال سعيدٌ: ناقصةٌ. وقال عكرمةُ: دراهمُ فُسُولٌ (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عيَّاشٍ، عن أبي حَصينٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ وعكرمةَ مثلَه. حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن أبي حَصينٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ وعكرمةَ: ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾. قال أحدُهما: ناقصةٌ. وقال الآخرُ: رَدِيئةٌ. وبه قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن يزيدَ بن أبي زيادٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن الحارثِ، قال: كان سمنًا وصوفًا. حدَّثنا الحسنُ، قال: ثنا عليُّ بنُ عاصمٍ، عن يزيدَ بن أبي زيادٍ، قال: سأَل رجلٌ عبدَ اللَّهِ بنَ الحارثِ وأنا عنده عن قولِه: ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾. قال: قليلةٌ؛ متاعُ الأعرابِ، الصوفُ والسمنُ (٢). حدَّثنا إسحاقُ بنُ زيادٍ القطَّانُ أبو يعقوبَ البصريُّ (٣)، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ البَلْخيُّ، قال: ثنا مروانُ بنُ معاويةَ الفَزاريُّ، عن مروانَ بن عمرٍو

стр. 9038

العُذْريِّ (١)، عن أبي إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾. قال: الصَّنَوْبَرُ وحَبَّةُ (٢) الخضراءِ (٣). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن يزيدَ بن الوليدِ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾. قال: قليلةٌ، ألا تَسْمَعُ إلى (٤) قولِه: (فَأَوْقِرْ رِكابَنا)؟ وهم يَقْرءُون كذلك (٥). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخْبَرنا مغيرةُ، عن إبراهيمَ أنه قال: ما أُراها إلا القليلةَ؛ لأنها في مصحفِ عبدِ اللَّهِ: (وأَوْقِرْ ركابَنا). يعنى قولَه: ﴿مُزْجَاةٍ﴾. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن القَعْقاعِ بن يزيدَ، عن إبراهيمَ، قال: قليلةٌ، ألم (٦) تَسْمَعْ إلى قولِه: (وأَوْقِرْ رِكابَنا). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، عن أبي بكرٍ الهُذليِّ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ والحسنِ: ﴿بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾. قال سعيدٌ: الرَّدِيئة. وقال الحسنُ: القليلةُ (٧).

стр. 9039

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن يزيدَ، عن عبدِ اللَّهِ بن الحارثِ، قال: متاعُ الأعرابِ؛ سمنٌ وصوفٌ. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن أبيه، عن عطيةَ قال: دراهمُ ليست (١) بطائلٍ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي، نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مُزْجَاةٍ﴾. قال: قليلةٌ. حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شَبابةُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مُزْجَاةٍ﴾. قال: قليلةٌ (٣). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. قال: ثنا قَبيصةُ بنُ عقبةَ، قال: ثنا سفيانُ، عن يزيدَ بن أبي زيادٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن الحارثِ: ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾. قال: شيءٌ مِن صوفٍ، وشيءٌ مِن سمنٍ. قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخْبَرنا هُشيمٌ، عن منصورٍ، عن الحسنِ، قال: قليلةٌ. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بكرٍ (٤)، عن ابن جُريجٍ، عمَّن

стр. 9040

حدَّثه، عن مجاهدٍ: ﴿مُزْجَاةٍ﴾. قال: قليلةٌ. حدَّثنا القاسمُ،، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عيَّاشٍ، عن أبي حَصينٍ، عن عكرمةَ، قال: ناقصةٌ. وقال سعيدُ بنُ جُبيرٍ: فُسُولٌ. قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن أبي بكرٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ: ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾. قال: رَدِيئةٌ. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا المحاربيُّ، عن جُويبرٍ، عن الضَّحَّاكِ، قال: كاسدةٌ [لا تَنْفُقُ] (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أَخْبَرنا هُشيمٌ، عن جُويبرٍ، عن الضحَّاكِ، قال: كاسدةٌ. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عَبْدَةُ، عن جويبرٍ، عن الضحَّاكِ، قال: كاسدةٌ غيرُ طائلٍ. حُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾. يقولُ: كاسدةٌ غيرُ نافِقَةٍ (٢). حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْرِيُّ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن

стр. 9041

أبي حَصينٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ: ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾. قال: الناقصةُ. وقال عكرمةُ: فيها تَجَوُّزٌ. قال: ثنا إسرائيلُ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: الدراهمُ الرَّدِيئةُ التي لا تَجوزُ إلا بنقصانٍ (١). قال: ثنا إسرائيلُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: الدراهمُ الرُّذالُ التي لا تَجوزُ إلا بنقصانٍ. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسباطَ، عن السُّديِّ قال: السُّديِّ قال: دراهمُ فيها جوازٌ. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾ أي: يسيرةٌ. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ مثلَه (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أَخْبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾. قال: المُزْجاةُ: القليلةٌ. حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾. أي قليلة لا تَبْلُغُ ما كنَّا نَشْتَرِى به منك إلا أن تَتجاوَزَ لنا فيها (٣). وقولُه: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾: بها، وأعْطِنا بها ما كنتَ تُعْطِينا قبلُ بالثمنِ

стр. 9042

الجيِّدِ، والدراهمِ الجائزةِ الوافيةِ التي لا تُرَدُّ. كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾. أي: أعْطِنا ما كنتَ تُعْطِينا قبلُ، فإِن بضاعتَنا مُزْجَاةٌ (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسباطَ، عن السديِّ: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾. قال: كما كنتَ تُعْطِينا بالدراهمِ الجيادِ (٢). وقولُه: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قالوا: وتَفَضَّلْ علينا بما بينَ سعرِ الجيادِ والرَّدِيئةِ، فلا تَنْقُصْنا مِن سعرِ طعامِك لرَدِيءِ بضاعتِنا. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾. يقولُ: إن اللَّهَ يُثِيبُ المتفضِّلينَ على أهلِ الحاجةِ بأموالِهم. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسباطَ، عن السديِّ: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾. قال: [بفَضْلِ ما] (٣) بينَ الجيادِ والرَّدِيئةِ (٤). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن أبي بكرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾: لَا تنْقُصْنا من السعرِ مِن أجْلِ رَدِيءِ دراهمِنا (٥).

стр. 9043

واخْتَلفوا في الصدقةِ، هل كانت حلالًا للأنبياءِ قبل نبيِّنا محمدٍ ﷺ أو كانت حرامًا؟ فقال بعضُهم: لم تكن حلالًا لأحدٍ مِن الأنبياءِ ﵈. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن أبي بكرٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، قال: ما سأل نبيٌّ قطُّ الصدقةَ، ولكنَّهم قالوا: ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾: لا تَنْقُصْنا مِن السعرِ (١). ورُوِى عن ابن عُيينةَ ما حدَّثني به الحارثُ، قال: ثنا القاسمُ، قال: يُحْكَى عن سفيانَ بن عُيَيْنَةَ أنه سُئِل: هل حَرُمتِ الصدقةُ على أحدٍ مِن الأنبياءِ قبلَ النبيِّ ﷺ ؟ فقال: ألم تَسْمَعْ قولَه: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾. قال الحارثُ: قال القاسمُ: يَذْهَبُ ابن عُيينة إلى أنهم لم يقولوا ذلك إلا والصدقةُ لهم حَلالٌ وهم أنبياءُ؛ فإن الصدقةَ إنما حرُمت على محمدٍ ﷺ و (٢) عليهم (٣). وقال آخَرون: إنما عنَى بقولِه: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾: وتَصَدَّقْ علينا بردِّ أخينا إلينا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ قولَه:

стр. 9044

﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾. قال: رُدَّ إلينا أخانا (١). وهذا القولُ الذي ذكَرْناه عن ابن جُريجٍ و (٢) إن كان قولًا له وجهٌ، فليس بالقولِ المختارِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾. لأن الصدقةَ في المتعارَفِ (٣) إنما هي إعطاءٌ الرجلَ ذا الحاجةِ (٤) بعضَ أملاكِه؛ ابتغاءَ ثوابِ اللَّهِ عليه، وإن كان كلُّ معروفٍ صدقةً. فتوجيهُ تأويلِ كلامِ اللَّهِ إلى الأغلبِ مِن معناه في كلامِ مَن نزَل القرآنُ بلسانِه أوْلَى وأحْرَى. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال مجاهدٌ. حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا مَرْوانُ بنُ معاويةَ، عن عثمانَ بن الأسودِ، قال: سمِعتُ مجاهدًا، وسُئل: هل يُكْرَهُ أن يقولَ الرجلُ في دعائه: اللهمَّ تَصَدَّق عليَّ؟ فقال: نعم، إنما الصدقةُ لمن يَبْتَغى (٥) الثوابَ (٦). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (٨٩)﴾. ذُكِر أن يوسفَ صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه، لمَّا قال له إخوتُه: ﴿يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ

стр. 9045

يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾. أدْرَكَتْه الرِّقَّةُ، وباح لهم بما كان يَكْتُمُهم (١) مِن شأنِه. كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ذُكِر لي أنهم لمَّا كلَّموه بهذا الكلامِ غَلَبَتْه نفسُه، فارْفَضَّ دمعُه باكيًا، ثم باح لهم بالذي يَكْتُمُ منهم، فقال: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾. ولم يَعْنِ بذِكْرِ أخيه ما صنَعه هو فيه حين أخَذه، ولكن للتفريقِ بينَه وبين أخيه، إذ صنَعوا بيوسفَ ما صنَعوا (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ الآية. قال: فرحِمهم عند ذلك، فقال لهم: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾ (٣). فتأويلُ الكلامِ: هل تَذْكُرون ما فعَلْتم بيوسفَ وأخيه إذ فرَّقْتُم بينَهما، وصَنَعْتم ما صنَعْتم، ﴿إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾. يعنى في حالِ جهلِكم بعاقبةِ ما تَفْعَلون بيوسفَ، وما إليه صائرٌ أمرُه وأمرُكم؟ القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال إخوةُ يوسفَ له حينَ قال لهم ذلك يوسفُ: ﴿أَإِنَّكَ لأَنْتَ يُوسُفُ﴾. فقال: نعم ﴿أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾، بأن

стр. 9046

جمَع بينَنا بعدَ ما فرَّقتم بينَنا، ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾. يقولُ: إنه مَن يَتَّقِ اللَّهَ فيُرَاقِبْه بأداءِ فرائضِه، واجتنابِ معاصيه، ﴿وَيَصْبِرْ﴾. يقولُ: ويَكُفَّ نفسَه، فيَحْبِسْها عما حرَّم اللَّهُ عليه مِن قولٍ أو عملٍ، عند مصيبةٍ نزَلت به مِن اللَّهِ؛ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾. يقولُ: فإن اللَّهَ لا يُبْطِلُ ثوابَ إحسانِه، وجزاءَ طاعتِه إيَّاه، فيما أمَره ونهاه. وقد اخْتَلفت القَرَأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿أَإِنَّكَ لأَنْتَ يُوسُفُ﴾؛ فقرَأ ذلك عامَّةُ قَرَأةِ الأمصارِ: ﴿أَإِنَّكَ﴾ على الاستفهامِ (١). وذُكِر أن ذلك في قراءةِ أُبَيِّ بن كعبٍ: (أَوَ أنت يوسفُ). وُرِوى عن ابن مُحَيْصِنٍ أنه قرَأ: (إِنَّكَ لأَنْتَ يُوسُفُ) على الخبرِ، لا على الاستفهامِ (٢). والصوابُ من القراءةِ في ذلك عندنا قراءةُ مَن قرَأه بالاستفهامِ؛ لإجماعِ الحجَّةِ من القَرَأَةِ عليه. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: لمَّا قال لهم ذلك، يعني قولَه: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾؟ كَشَفَ الغطاءَ فعرَفوه، فقالوا: ﴿أَإِنَّكَ لأَنْتَ يُوسُفُ﴾ الآية (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى مَن سمِع عبدَ اللَّهِ بنَ إدريسَ يَذْكُرُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾. يقولُ (٤): يَتَّقِ

стр. 9047

معصيةَ اللَّهِ ويَصْبِرْ على السَّجْنِ (١). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (٩١)﴾. يقولُ جلّ ثناؤُه: قال إخوةُ يوسفَ له: تاللَّهِ لقد فضَّلك اللَّهُ علينا، وآثَرَك بالعلمِ والحلمِ والفضلِ، ﴿وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾. يقولُ: وما كنا في فعْلِنا الذي فعَلْنا بك - في تفريقِنا بينَك وبينَ أبيك وأخيك، وغيرِ ذلك من صنيعنا الذي صنَعْنا بك - إلا خاطئين: يعنون مُخْطِئين. يُقالُ منه: خطِئَ فلانٌ يَخْطَأُ خَطَأً وخِطْأً. وأَخْطَأَ يُخطِئَ إخطاءً. ومن ذلك قولُ أميةَ بن الأَسْكَرِ (٢): وإنَّ مُهاجِرَيْنِ تكنَّفاهُ … لعَمْرُ اللَّهِ قد خطِئا وحابا (٣) وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسباطَ، عن السديِّ، قال: لمَّا قال لهم يوسفُ: ﴿أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي﴾. اعْتَذَروا إليه، وقالوا: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾. [حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ (٤)، عن ابن إسحاقَ: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾] (٥). فيما كنا صنَعْنا بك (٦).

стр. 9048

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾. وذلك بعدما عرَّفهم أنفسَهم، يقولُ: جعَلك اللَّهُ رجلًا حليمًا (١). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٩٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال يوسفُ لإخوتِه: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾. يقولُ: لا تعييرَ (٢) عليكم ولا إفسادَ لما بينى وبينَكم من الحُرْمَةِ، وحقِّ الأُخُوَّةِ، ولكن لكم عندى الصفحُ والعفوُ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾: لم يُثَرِّبْ عليهم أعمالَهم (٣). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ الزُّبيرِ قولَه: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾. قال: قال سفيانُ: لا تغييرَ (٤) عليكم (٥).

стр. 9049

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾: أي لا تأنيبَ عليكم اليومَ عندى فيما صنَعتم (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسباطَ، عن السديِّ، قال: اعْتَذَروا إلى يوسفَ، فقال: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾. يقولُ: لا أَذْكُرُ لكم ذنبَكم (٢). وقولُه: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾. وهذا دعاءٌ من يوسفَ لإخوتِه بأن يَغْفِرَ اللَّهُ لهم ذنبَهم فيما أتَوْا إليه وركِبوا منه مِن الظلمِ، يقولُ: عفا اللَّهُ لكم عن ذنبِكم وظلمِكم، فستَره عليكم، ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾. يقولُ: واللَّهُ أرحمُ الراحمين بمن (٣) تاب مِن ذنبِه، وأناب إلى طاعتِه، بالتوبةِ مِن معصيتِه. كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾. حين اعْتَرفوا بذنبِهم (٤). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (٩٣)﴾. قال أبو جعفرٍ: ذُكِر أن يوسفَ ﷺ لمَّا عرَّف نفسَه إخوتَه، سأَلهم عن أبيه (٥)، فقالوا: ذهَب بصرُه من الحزنِ. فعندَ ذلك أعطاهم قميصَه، وقال لهم: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا﴾.

стр. 9050

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسباطَ، عن السديِّ، قال: قال لهم يوسفُ: ما فعَل أبى بعدى؟ قالوا: لما فاته بنيامينُ عمِى من الحزنِ. قال: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (١). وقولُه: ﴿يَأْتِ بَصِيرًا﴾. يقولُ: يَعُدْ بصيرًا. ﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. يقولُ: وجِيئوني بجميعِ أهلِكم. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ (٩٤)﴾. يقولُ تعالى ذكره: ولمَّا فصَلت عِيرُ بنى يعقوبَ من عند يوسفَ متوجِّهةً إلى يعقوبَ، قال أبوهم يعقوبُ: ﴿إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾. ذُكِر أن الريحَ استأذنت ربَّها في أن تَأْتىَ يعقوبَ بريحِ يوسفَ قبلَ أن يَأْتِيَه البشيرُ، فأذِن لها؛ فأتَتْه بها. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخْبَرنا ابن وهبٍ، قال: ثني أبو شُرَيْحٍ، عن أبي أيوبَ الهَوْزَنيِّ، حدَّثه، قال: استأذنتِ الريحُ أن تَأْتىَ يعقوبَ بريحِ يوسفَ - حين بعَث بالقميصِ إلى أبيه - قبلَ أن يَأْتِيَه البشيرُ، ففعَل؛ قال يعقوبُ: ﴿إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ (٢).

стр. 9051

حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، عن أبي سنانٍ، عن ابن أبي الهُذَيْلِ، عن ابن عباس في قولِه: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ (١) قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾. قال: هاجت ريحٌ، فجاءت بريحِ يوسفَ من مسيرةِ ثمانِ ليالٍ، فقال: ﴿إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن أبي سنانٍ، عن ابن أبي الهذيلِ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾. قال: هاجت ريحٌ، فجاءت بريحِ قميصِ يوسفَ من مسيرةِ ثمانِ ليالٍ. حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا ابن فُضَيْلٍ، عن ضِرارٍ، عن ابن أبي الهُذَيْلِ، قال: سمِعْتُ ابنَ عباسٍ يقولُ: وجَد يعقوبُ ريحَ يوسفَ وهو منه على مسيرةِ ثمانِ ليالٍ (٣). حدَّثنا ابن وكيعٍ والحسنُ بنُ محمدٍ، قالا: ثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن أبي سِنانٍ، عن ابن أبي الهُذَيْلِ، قال: كنتُ إلى جنبِ ابن عباسٍ، فسُئل: مِن كم وجَد يعقوبُ ريحَ القميصِ؟ قال: مِن مسيرةِ سبعِ ليالٍ أو ثمانِ ليالٍ (٤). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن أبي سنانٍ، عن ابن (٥) أبي الهُذَيْلِ، قال:

стр. 9052

قال لي أصحابي: إنك تأتى ابنَ عباسٍ، فسَلْه لنا. قال: فقلتُ: ما أَسْأَلُه عن شيءٍ، ولكنى (٢) أَجْلِسُ خلفَ السَّرِيرِ، فيَأْتِيه الكوفيُّون فيَسْأَلون عن حاجتِهم وحاجتي، فسمِعْتُه يقولُ: وجَد يعقوبُ ريحَ قميصِ يوسفَ من مسيرةِ ثمانِ ليالٍ. قال ابن أبى الهُذَيْلِ: فقلتُ: ذاك كمكانِ البصرةِ من الكوفةِ. حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عليُّ بنُ عاصمٍ، عن ضِرارِ بن مرةَ، عن عبدِ اللَّهِ بن أبى الهُذيْلِ، قالَ: سمِعْتُ ابنَ عباسٍ يقولُ: وجَد يعقوبُ ريحَ قميصِ يوسفَ من مسيرةِ ثمانِ ليالٍ. قال: فقلتُ في نفسي: هذا كمكانِ البصرةِ من الكوفةِ. حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ؛ وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن أبي سنانٍ، عن ابن أبي الهُذَيْلِ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾. قال: وجَد ريحَ قميصِ يوسف من مسيرةِ ثمانِ ليالٍ. قال: قلتُ له: ذاك كما بينَ البصرةِ إلى الكوفةِ. واللفظُ لحديثِ أبي كُريبٍ. حدَّثنا الحسينُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عاصمٌ وعليٌّ، قالا: أَخْبَرنا شعبةُ، قال: أخْبَرني أبو سنانٍ، قال: سمِعْتُ عبدَ اللَّهِ بنَ أبى الهُذَيْلِ، عن ابن عباسٍ في هذه الآيةِ: ﴿إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾. قال: وجَد ريحَه من مسيرةِ ما بينَ البصرةِ إلى الكوفةِ (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا آدمُ العَسْقَلانيُّ، قال: ثنا شعبةُ، قال: ثنا أبو سِنانٍ، قال: سمِعْتُ عبدَ اللَّهِ بنَ أبى الهُذَيْلِ يُحَدِّثُ عن ابن عباسٍ مثلَه. قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، [عن أبي سنانٍ] (٢)، عن عبدِ اللَّهِ بن أبى

стр. 9053

الهُذيلِ، قال: كنَّا عند ابن عباسٍ فقال: ﴿إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾. قال: وجَد ريحَ قميصِه من مسيرةِ ثمانِ ليالٍ. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخْبَرنا إسرائيلُ، عن أبي سنانٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن أبى الهُذيلِ، قال: سمِعْتُ ابنَ عباسٍ يقولُ: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾. قال: لمَّا خرَجتِ العيرُ هاجت ريحٌ، فجاءت يعقوبَ بريحِ قميصِ يوسفَ، فقال: ﴿إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾. قال: فوجَد ريحَه من مسيرةِ ثمانِ ليالٍ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ: ذُكِر لنا أنه كان بينَهما يومَئذٍ ثمانون فَرْسَخًا، يوسفُ بأرضِ مصرَ، ويعقوبُ بأرضِ كَنْعانَ، وقد أتَى لذلك زمانٌ طويلٌ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ قولَه: ﴿إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾. قال: بلَغنا أنه كان بينَهم يومَئذٍ ثمانون فَرْسخًا. وقال: ﴿إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾. وكان قد فارقه قبلَ ذلك سبعًا وسبعين سنةً (٢). حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي سِنانٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن أبى الهُذَيْلِ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾. قال: وجَد ريحَ القميصِ من مسيرةِ ثمانيةِ أيامٍ. قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي سنانٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن أبى

стр. 9054

الهُذَيْلِ، عن ابن عباس قوله: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾. قال: فلما خرجتِ العيرُ هبَّتْ ريحٌ، فذهبت بريح قميص يوسف إلى يعقوب، فقال: ﴿إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾. قال: ووجد ريحَ قميصه من مسيرة ثمانية أيام (١). حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: لما فصلت العير من مصرَ اسْتَرْوَح يعقوب ريحَ يوسف، فقال لمن عندَه مِن ولده: ﴿إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾. وأمَّا قوله: ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾. فإنه يعنى: لولا أن تُعَنِّفونى، وتُعجِّزوني، وتلوموني، وتُكذِّبوني. ومنه قول الشاعرِ (٢): يا صاحِبَى دَعَا لَوْمِي وتَفْنِيدى … فليس ما فات من أمري (٣) بمردود ويُقالُ: أَفْنَد فلانًا الدهرُ. وذلك إذا أفْسَده، ومنه قولُ ابن مُقْبِلٍ (٤): دع الدهرَ يَفْعَلُ ما أراد فإنه .... إذا كُلف الإفنادَ بالناسِ أفندا (٥) واختلف أهل التأويل في معناه، فقال بعضُهم: معناه: لولا أن تُسَفِّهوني. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن عُيَيْنَةَ، عن أبي سنانٍ، عن ابن أبي الهُذَيْلِ، عن ابن عباس: ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾. قال: تُسَفِّهون.

стр. 9055

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبى، عن إسرائيل، عن أبي سنانٍ، عن ابن أبي الهُذَيْلِ، عن ابن عباس مثله (١). وبه قال: ثنا أبى، عن سفيان، عن حُصَيْفٍ، عن مجاهد: ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ قال: تُسَفِّهون (٢). حدثني المثنى وعليُّ بن داودَ، قالا: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس قوله: ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾. يقولُ: تُجَهِّلون (٣). حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي سنانٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن أبى الهُذَيْلِ، عن ابن عباس: ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾. قال: لولا أن تُسَفِّهون. حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو نعيمٍ، قالا جميعًا: ثنا سفيان، عن خُصَيْفٍ، عن مجاهد: ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾. قال: لولا أن تُسَفِّهون. حدثني المثنى، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا شَريكٌ، عن أبي سنانٍ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وسالم، عن سعيدٍ: ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾. قال أحدهما: تُسَفِّهون. وقال الآخرُ: تُكَذِّبون. حدثني يعقوب، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرنا عبد الملك بن أبي سليمان، عن

стр. 9056

عطاءٍ: ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾. قال: لولا أن تُكَذِّبون، لولا أن تُسَفِّهون (١). حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يزيد بن هارون، عن عبد الملك، عن عطاءٍ، قال: تُسَفِّهون. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾. يقولُ: لولا أن تُسَفِّهون (٢). حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادة: ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾. قال (٣): لولا أن تُسَفِّهون. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزَّاقِ، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي سنان، عن عبدِ اللَّهِ بن أبى الهُذَيْلِ، قال: سَمِعْتُ ابن عباس يقولُ: ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾. يقولُ: تُسَفِّهون (٤). حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد قوله: ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾. قال: ذهَب عقله (٥). حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد: ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾. قال: قد ذهب عقله. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد؛ وحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن وَرْقاءَ، عن ابن

стр. 9057

أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾. قال: قد ذهَب عقله. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾. قال: لولا أن تقولوا: ذهَب عقلك. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾. يقولُ: لولا أن تُضَعِّفونى (١). حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾. قال: الذي ليس له عقلٌ ذلك المُفَنَّدُ. يقولُ (٢): لا يَعْقِلُ (٣). وقال آخرون: معناه: لولا أن تُكَذِّبون. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا سويدُ بنُ عمرو الكلبى، عن شريك، عن سالم [عن سعيد] (٤): ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ قال: تُكَذِّبون (٥). قال: ثنا عمرٌو، عن أسباط، عن السدي، قال: لولا أن تُهَرِّمونِ وتُكَذِّبون. قال: ثنا محمد بن بكر، عن ابن جُريجٍ، قال: بلغنى عن مجاهد، قال: تُكَذِّبون. قال: ثنا عَبْدة وأبو خالدٍ، عن جويبرٍ، عن الضحاك، قال: لولا أن

стр. 9058

تكذِّبونِ (١). حدثتُ عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعتُ الضَّحَّاكَ يقولُ في قوله: ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾: تُكَذِّبون. حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرو، قال: أخبرنا هُشَيْمٌ، عَنْ عبد الملكِ، عن عطاء في قوله: ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾. قالَ: تُسفِّهونِ أَوْ تَكذِّبون. حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾. يقولُ: تكذِّبون (٢). وقال آخرون: معناه: تُهرِّمون. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيل، عن [أبي يحيى] (٣)، عن مجاهد: ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾. قال: لولا أن تهرِّمون (٤). حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عُبيدُ اللَّهِ، عن إسرائيل، عن [أبي يحيى] (٥)، عن مجاهدٍ مثله. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، قال:

стр. 9059

تُهرِّمون (١). حدثني يعقوب، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا أبو الأَشْهَبِ، عن الحسن: ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾. قال: تهرِّمون (١). حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيمٌ، عن أبي الأشهبِ وغيره، عن الحسن مثله (١). وقد بيَّنَّا أن أصل التفنيد الإفساد، وإذ كان ذلك كذلك فالسفاهة (٢) والهرم والكَذِبُ، وذَهابُ العقل، وكلُّ معاني الإفساد، تدخل في التفنيد؛ لأن أَصْلَ ذلكَ كلِّه الفساد. والفساد في الجسم: الهَرَمُ وذَهابُ العقل والضعفُ. وفى الفعل: الكذبُ واللوم بالباطل، ولذلك قال جرير بن عطية (٣): يا عاذِلَيَّ دَعَا المَلامَ وأَقْصِرَا … طالَ الهَوَى وأطلْتُما التَّفْنِيدا يعني الملامة. فقد تبيَّن - إذْ كانَ الأمْرُ على ما وصفنا - أَنَّ الأقوال التي قالها من ذكرنا قوله في قوله: ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾، على اختلافِ عباراتهم عن تأويله، متقاربةُ المعانى، محتملٌ جميعها ظاهرُ التنزيل؛ إذ لم يكن في الآية دليل على أنَّه مَعْنيٌّ به بعض ذلك دون بعضٍ. القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥)﴾.

стр. 9060

يقول تعالى ذكره: قال الذين قال لهم يعقوبُ مِنْ ولده: ﴿إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾: تالله أيها الرجلُ إنك منْ حُبِّ يُوسُفَ وذِكْرِه، لَفى خَطائك (١) [وزَلَلِكَ] (٢) القديم لا تنساه ولا تتسلَّى عنه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مِن قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس قوله: ﴿إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾. يقولُ: خَطائك (١) القديم (٣). حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾. أي: من حُبَّ يوسف لا تنساه ولا تسلاه (٤). قالوا لوالدهم كلمةً غليظةً لم يكن ينبغى لهم أن يقولوها لوالدهم ولا لنبيِّ الله ﷺ (٥). حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو، عن أسْباطَ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾. قال: في شأن يوسف (٦). حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: قال سفيان: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾. قال: من حبّك ليوسُفَ (٧).

стр. 9061

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو، عن سفيان نحوه. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥)﴾. قال: في حبِّك القديم (١). حدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾. أي: إنَّكَ لمن (٢) ذكر يوسف في الباطل الذي أنتَ عليه (٣). حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾. قال: يَعْنونَ حزنه القديم على يوسف. وفى ﴿ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾: لقى خطائِكَ القديم. القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٩٦)﴾. يقولُ تعالى ذكره: فلما أن جاء يعقوب البشير من عند ابنه يوسف، وهو المبشِّرُ برسالة يوسفَ، وذلك بريدٌ، فيما ذُكر، كان يوسف أبرَدَهُ (٤) إليه، وكان البريد فيما ذكر والبشير يهوذا بن يعقوب أخا يوسف لأبيه. ذكرُ مَن قال ذلك حدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ﴾. يقولُ:

стр. 9062

البشير: البريدُ (١). حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾. قال: البريدُ (٢). حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا محمد بن يزيد الواسطى، عن جويبر، عن الضحاك: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾. قال: البريدُ. قال: ثنا شَبَابَةُ، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾. قال: يهوذا بن يعقوب (٣). [حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿الْبَشِيرُ﴾. قال: يهوذا بن يعقوبَ] (٤). حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ، قال: هو (٥) يهوذا بن يعقوبَ. [قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: هو يهوذا بن يعقوب] (٦). حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: ﴿فَلَمَّا أَنْ

стр. 9063

جَاءَ الْبَشِيرُ﴾. قال: يهوذا بن يعقوبَ كان البشيرَ (١). حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن الزبير، عن سفيان، عن ابن جريج، عن مجاهد: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾. قال: هو يهوذا بن يعقوبَ. قال سفيان: وكان ابن مسعودٍ يقرأ: (وجاء البشيرُ من بين يدي العيرِ) (٢). حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا المحاربي، عن جويبرٍ، عن الضحاك: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾. قال: البريدُ هو يهوذا بن يعقوبَ. قال: ثنا عمرو، عن أسباطَ، عن السديِّ، قال: قال يوسُفُ: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. قال يهوذا: أنا ذهبتُ بالقميص ملطَّخًا بالدم إلى يعقوبَ، فَأَخبَرتُه أَنَّ يُوسُفَ أكله الذئبُ، وأنا أذهب اليوم بالقميص وأخبره أنه حيٌّ، فأُفرِحه كما أحزَنتُه. فهو كان البشير (٣). حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا هشيمٌ، عن جويبر، عن الضحاك: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾. قال: البريد. وكانَ بعضُ أهل العربية من أهل الكوفة يقولُ: "أَنْ" في قوله: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾ وسقوطها بمعنى واحدٍ. وكان يقولُ هذا في "لما" و "حتّى" خاصةً، يَذْكُرُ أَنَّ العرب تُدْخِلُها فيهما أحيانا وتسقطها أحيانًا، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَلَمَّا

стр. 9064

أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا﴾ [العنكبوت: ٣٣]. وقال في موضع آخر: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا﴾ [هود: ٧٧] وقال: هي صلة لا موضع لها في هذين الموضعين. يُقالُ: حتَّى كان كذا وكذا، وحتى أن كان كذا وكذا. وقوله: ﴿أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ﴾. يقولُ: ألقى البشير قميص يوسُفَ على وجه يعقوبَ. كما حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾ ألقى القميص على وجهه. وقوله: ﴿فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾. يقولُ: رجع وعاد مُبصِرًا بعينيه بعدما قد عَمِي، ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. يقولُ : قال يعقوب لمن كان بحضرته حينئذ من ولده: ألم أَقُلْ لَكُمْ يا بَنيَّ إِنِّي أعلمُ من اللهِ أَنَّهُ سيَرُدُّ عليَّ يوسُفَ، ويجمعُ بينى وبينه؟ وكنتم لا تعلمون أنتم من ذلك ما كنتُ أعلَمُه، لأنَّ رُؤْيا يوسُفَ كانت صادقةً، وكانَ اللهُ قد قضَى أَن أَخِرَّ أنا وأنتم له سُجودًا، فكنتُ موقنًا بقضائه. القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (٩٧) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٩٨)﴾. يقول تعالى ذكره: قال ولد يعقوب الذين كانوا فرَّقوا بينه وبين يوسُفَ: يا أبانا، سَلْ لنا ربَّكَ يَعْفُ عنَّا، ويَسْتُرُ علينا ذنوبنا التي أذنبناها فيك وفي يوسُفَ، فلا يُعاقبنا بها في القيامة ﴿إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾، فيما فعلنا به، فقد اعترفنا بذنوبنا، ﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: قال يعقوبُ: سوف أسألُ ربِّي أن يعفو عنكم ذنوبكم التي أذْنَبتُموها فيَّ وفى يوسُفَ.

стр. 9065

ثم اختلف أهل التأويل (١) في الوقت الذي أَخَّرَ الدعاء إليه يعقوب لولده بالاستغفار لهم من ذنبهم، فقال بعضُهم: أَخَّرَ ذلك إلى السَّحَرِ. ذكر من قال ذلك حدثني أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت عبد الرحمن بن إسحاق يذكرُ عَنْ مُحارب بن دثارٍ، قال: كان عمٌّ لى يأتى المسجد، فسمع إنسانًا يقولُ: اللهم دعوتَنى فَأَجِبتُ، وأمَرتَنى فَأَطعتُ، وهذا سَحَرٌ، فاغْفِرْ لي. قال: فاستمع الصوت فإذا هو من دارِ عبدِ الله بن مسعودٍ، فسأل عبدَ اللَّهِ عن ذلك، فقال: إنَّ يعقوبَ أَخَّرَ بنيه إلى السحَرِ بقوله: ﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ (٢). حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن فضيل، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن محارب بن دثارٍ، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ: ﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾. قال: أخَّرهم إلى السحر. قالَ: ثنا أبو سفيان الحِمْيَرِيُّ، عن العوَّامِ، عن إبراهيم التيمي في قول يعقوبَ لبنيه: ﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾. قال: أَخَّرهم إلى السَّحَرِ (٣). قال: ثنا عمرو، عن خَلَّادٍ الصَّفَّارِ، عن عمرو بن قيس: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ

стр. 9066

لَكُمْ رَبِّي﴾. قال: في صلاة الليل (١). حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريجٍ: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾. قال: أَخَّرَ ذلكَ إِلى السَّحَرِ (٢). وقال آخرون: أخَّر ذلك إلى ليلة الجمعة. ذكرُ مَن قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا سليمان بن عبد الرحمن أبو أيوب الدمشقيُّ، قال: ثنا الوليد، قال: أخبرنا [ابن جريجٍ، عن عطاءٍ وعكرمة، عن] (٣) ابن عباس، عن رسول الله ﷺ : ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾. يقولُ: حتَّى تأتي لَيْلَةُ الجمعة، وهو قول أخى يعقوب لبنيه" (٤). حدثنا أحمد بن الحسن الترمذيُّ، قال: ثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقيُّ، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: أخبرنا ابن جريج، عن عطاء وعكرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "قَدْ (٥) قال أَخِي يَعْقُوبُ: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾. يَقُولُ: حتى تأتِيَ لَيْلَةُ الجُمُعَةِ" (٦).

стр. 9067

وقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. يقولُ: إِنَّ رَبِّي هو الساتر على ذنوب التائبين إليه من ذنوبهم، الرحيمُ بهم أن يعذِّبَهم بعد توبتهم منها. القول في تأويل قوله : ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٩٩) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (١٠٠)﴾. يقول جل ثناؤه: فلما دخل يعقوب وولده وأهلوهم على يوسُفُ ﴿آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾. يقولُ: ضمَّ إليه أبويه، فقال لهم: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾. فإن قال قائلٌ: وكيف قال لهم يوسُفُ: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ بعد ما دخلوها، وقد أخبر الله عنهم أنَّهم لما دخلوها على يوسُفَ، وضم إليه أبويه، قال لهم هذا القول؟ قيلَ: قد اختلف أهل التأويل في ذلكَ؛ فقال بعضُهم: إِنَّ يعقوبَ إِنما دخل على يوسف هو وولده، وآوَى يوسُفُ أبويه إليه قبل دخول مصر؛ وذلك أن يوسف تلقَّى أباه - تَكرِمةً له - قبل أن يدخُلَ مصر، فآواه إليه، ثُمَّ قال له ولَمَنْ معه: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ بها. قبل الدخول (١).

стр. 9068

ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرٌو، عن أسباط، عن السدي: فحملوا إليه أهلهم وعيالهم، فلما بلغوا مصر، كلَّم يوسُفُ الملك الذي فوقه، فخرج هو والملوك يتلقَّونهم، فلما بلغوا، مصر، قال: ادْخُلُوا مِصْرَ إن شاءَ اللهُ آمِنِينَ. فَلَمَّا دَخَلُوا على يوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ (١). حدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز. قال: ثنا جعفر بن سليمانَ، عن فَرْقَدٍ السَّبَخيِّ، قال: لما أُلقى القميص على وجهه ارتدَّ بصيرًا، وقال: ﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [يوسف: ٩٣] فحمل يعقوب وإخوة يوسُفَ، فلما دنَا أُخبِر يوسُفُ أنه قد دنا منه، فخرج يتلقاه. قال: وركب معه أهل مصر، وكانوا يعظِّمونَه، فلما دنا أحدهما من صاحبه، وكان يعقوب يمشى وهو يتوكَّأُ على رَجُلٍ من ولده يُقال له: يهوذا. قال: فنظر يعقوب إلى الخيل والناس، فقال: يا يهوذا، هذا فرعون مصر؟ قال: لا، هذا ابنك. قال: فلما دنا كلُّ واحدٍ منهما من صاحبه، فذهب يوسف يبدؤه بالسلام، فمنع من ذلك، وكان يعقوب أحق بذلك منه وأفضل، فقال: السلام عليك يا ذاهب الأحزانِ عنِّى. هكذا قال: يا ذاهب الأحزانِ عنى (٢). حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: قال (٣) حجاجٌ (٤): بلغنى أن يُوسُفَ والملك خرجا في أربعة آلاف يستقبلون يعقوب وبنيه.

стр. 9069

قال: وحدَّثنى من سمِع جعفر بن سليمان يحكى عن فرقد السَّبَخيِّ، قال: خرج يوسف يتلقَّى يعقوب، وركب أهل مصر مع يوسفَ. ثم ذكر بقية الحديثِ، نحو حديثِ الحارث، عن عبد العزيز. وقال آخرون: بل قوله: ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾. استثناء من قول يعقوب لبنيه: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾. قال: وهو (١) من المؤخَّرِ الذي معناه التقديم. قالوا: وإنما معنى الكلام: قال: أستغفر لكم ربِّى (٢) إن شاء الله، إنه هو الغفور الرحيم. فلما دخلوا على يوسف آوَى إليه أبويه وقال: ادخلوا مصر، ورفع أبويه. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريج: قال سوف أسْتَغْفِرُ لكم ربي إن شاء الله آمنين. وبين ذلك ما بينه من تقديم القرآنِ (٣). يعنى ابن جريج: وبين ذلك ما بينَه من تقديم القرآن. أنه قد دخل بين قوله: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾. وبين قوله: ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ من الكلامِ ما قد دخل. وموضعه عنده أن يكونَ عَقِيبَ قوله: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾. والصواب من القول في ذلك عندنا ما قاله السُّديُّ، وهو أن يوسف قال ذلك لأبويه ومن معهما من أولادهما وأهاليهم قبل دخولهم مصر حين تلقَّاهم؛ لأن ذلك في ظاهر التنزيل كذلك، فلا دلالة تدلُّ على صحة ما قال ابن جريجٍ، ولا وجهَ لتقديم شيءٍ من كتاب الله عن موضعه أو تأخيره عن مكانه إلا بحجةٍ واضحةٍ.

стр. 9070

وقيل: عُنى بقوله: ﴿آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾: أبوه وخالته. وقال الذين قالوا هذا القولَ: كانت أمُّ يوسف قد ماتت قبلُ، وإنما كانت عند يعقوب يومئذٍ خالته أختُ أمِّه، كان نكحها بعد أمِّه. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسباط، عن السديِّ: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾. قال: أبوه وخالته (١). وقال آخرون: بل كان أباه وأمَّه. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾. قال: أباه وأمَّه (٢). وأولى القولين في ذلك بالصواب ما قاله ابن إسحاق؛ لأن ذلك هو الأغلب في استعمال الناس، والمتعارفُ بينهم في أبوين، إلا أن يصح ما يُقالُ من أن أمَّ يوسف كانت قد ماتت قبل ذلك، بحجة يجب التسليم لها، فيُسَلَّمُ حينئذٍ لها. وقوله: ﴿وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ مما كنتم فيه في باديتكم من الجدب والقحط. وقوله: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾. يعنى: على السرير. كما حدثنا ابن وكيعٍ قال: ثنا عمرو، عن أسباط، عن السديِّ: ﴿وَرَفَعَ
следующие страницы →