← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 9101–9140 · переход к 9106.

стр. 9101

القُرى، فَدعَوْا مَنْ أرسلنا إليهم، فكذَّبوهم، وردُّوا ما أتوا به من عندِ اللَّهِ، ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ الذين أرسلناهم إليهم، منهم أن يُؤْمِنُوا بالله، ويُصَدِّقُوهم فيما أتوهم به من عندِ اللهِ، وظنَّ الذين أرسلناهم إليهم من الأمم المكذبةِ، أن الرسل الذين أرسلناهم، قد كذبوهم، فيما كانوا أخبروهم عن الله، من وعده إياهم نصرهم عليهم، ﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾، وذلك قول جماعة من أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا أبو السائب سَلْمُ بن جُنادَةً، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، عن ابن عباس في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾. قال: لما أيست الرسلُ أن يَسْتَجِيبَ لهم قومهم، وظن [قومهم أن الرسل قد] (١) كَذَبوهم، جاءهم النصر على ذلك، فننجِّى من نشاء (٢). حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا أبو معاوية الضرير، قال: ثنا الأعمش، عن مسلم، عن ابن عباس بنحوه. غير أنه قال في حديثه، قال: أيست الرسل. ولم يَقُلْ: لما أيست. حدثنا محمد بن بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبيرٍ: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ أن يُسلم قومهم، وظنّ قومُ الرسل أن الرسل قد كَذَّبوا - ﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ (٣).

стр. 9102

حدثنا ابن بشار قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن ابن عباس مثله (١). حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمران بن عيينة، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾. قال: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ من قومهم، وظنّ قومُهم أن الرسل قد كَذَبوا ﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ (٢). حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن حُصينٍ، عن عمران السُّلَمى، عن ابن عباس: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾: أيس الرسل من قومهم أن يُصَدِّقُوهم، وظنّ قومهم (٣) أن الرسل قد كذبتهم (٤). حدثنا عمرو بن عبد الحميد، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن حُصين، عن عِمرانَ بن الحارث السلمي، عن عبدِ اللهِ بن عباس في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾. قال: استيأس الرسل من قومهم أن يَسْتَجِيبُوا لهم، ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾. قال: ظنّ قومُهم أنهم جاءوهم بالكذب (٥). حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت حصينا، عن عِمرانَ بن الحارث، عن ابن عباس: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ من أَن يَسْتَجِيبَ لهم

стр. 9103

قومُهم، وظنّ قومُهم أن قد كَذَّبوهم، ﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾. حدثني أبو حَصِينٍ عبد الله بن أحمد بن يونس، قال: ثنا عَبْثَرٌ، قال: ثنا حصين، عن عمران بن الحارث، عن ابن عباس في هذه الآية: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ (١). قال: استيأس الرسل من قومهم أن يُؤمنوا، وظنَّ قومهم أن الرسل قد كَذَّبوهم فيما وعدوا، وكذَّبوا - ﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾. حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عدى، عن شعبةَ، عن حصين، عن عمران بن الحارث، عن ابن عباس، قال: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ من نصر قومهم، ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾: ظنَّ قومهم أنهم قد كَذبوهم. حدثنا الحسن بن محمدٍ، قال: ثنا محمد بن الصباح، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حُصَيْنٌ، عن عمران بن الحارث، عن ابن عباس في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾. قال: من قومهم أن يُؤمنوا بهم، وأن يستجيبوا لهم، وظن قومُهم أن الرسل قد كَذبوهم - ﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾. يعنى: الرسل. حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن حُصين، عن عمران بن الحارثِ، عن ابن عباس بمثله سواء. حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن هارونَ، عن عباد القُرَشي، عن عبد الرحمن بن معاوية، عن ابن عباس: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾، خفيفةً (٢)، وتأويلها عندَه: وظنَّ القوم أن الرسل قد كَذبوا (٣).

стр. 9104

حدثنا أبو بكر، قال: ثنا طَلْقُ بْنُ غَنَّامٍ، عن زائدة، عن الأعمش، عن مسلم، عن ابن عباس، قال: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ من قومهم أن يُصدِّقوهم، وظنَّ قومهم أن قد كذبتهم رسلهم - ﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ (١). حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾. يعنى: أيس الرسل من أن يَتَّبِعَهم قومُهم، وظنَّ قومُهم أن الرسل قد كَذَبوا، فينصرُ اللهُ الرسل، ويبعَثُ العذاب (٢). حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾: حتى إذا استيأس الرسل من قومهم أن يُطيعوهم ويَتَّبعوهم، وظنَّ قومُهم أن رسلهم كذبوهم - ﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ (٢). حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا محمدُ بنُ فُضيل، عن حُصينٍ، عن عمران بن الحارث، عن ابن عباس: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ من قَومِهم، ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾. قال: فما أبطأ عليهم إلا من ظنَّ أنهم قد كذبوا. قال: ثنا آدم العسقلاني، قال: ثنا شعبة، قال: أخبرنا حصين بن عبد الرحمن، عن عمران بن الحارث قال: سمعت ابن عباس يقولُ: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾. خفيفة (٣). وقال ابن عباسٍ: ظنَّ القوم أن الرسل قد كَذَبوهم،

стр. 9105

خفيفةً (١). حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ [الآية. قال: حتى إذا استيأس الرسل] (٢) من قومهم، وظنَّ قومُهم أن الرسل قد كَذَّبوهم (٣). قال: ثنا محمدُ بنُ فُضَيلٍ، عن خُصَيفٍ، قال: سألت سعيد بن جبير عن قوله: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾: من قومهم، وظن الكفار أنهم هم كُذبوا. حدثني يعقوب والحسنُ بنُ محمد، قالا: ثنا إسماعيل ابن عُليَّةَ، قال: ثنا كلثوم بن جبرٍ (٤): عن سعيد بن جبير قوله: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ [وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾. قال: استيأس الرسل] (٢) من قومهم أن يُؤمنوا، وظنَّ قومُهم أن الرسل قد كَذبتهم. حدثني المثنى، قال: ثنا عارمٌ أبو النعمان، قال: ثنا حماد بن زيدٍ، قال: ثنا شعيب، قال: ثنى إبراهيم بن أبى حُرَّة (٥) الجزَرِيُّ (٦)، قال: سأل فتى من قريش سعيد بن جبيرٍ، فقال له: يا أبا عبدِ اللهِ، كيف تقرأ هذا الحرف؟ فإنى إذا

стр. 9106

أتيتُ عليه تمنيتُ أن لا أَقرَأَ هذه السورة: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾. قال: نعم، حتى إذا استيأس الرسل من قومهم أن يُصدِّقوهم، وظنَّ المُرسَلُ (١) إليهم أن الرسلَ كَذَبوا. قال: فقال الضحاك بن مزاحم: ما رأيت كاليومِ قَطُّ رجلًا يُدْعَى إلى علمٍ فيتلكَّأُ، لو رحلتُ في هذه إلى اليمن كان قليلًا (٢). حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج، قال: ثنا ربيعة بن كلثوم، قال: ثنى أبي، أن (٣) مسلم بن يسار سأل (٤) سعيد بن جبيرٍ، فقال: يا أبا عبدِ اللَّهِ، آيةٌ بلغت منى كلَّ مبلغ: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾، [فهذا الموتُ أن تظن (٥) الرسل أنهم قد كذبوا] (٦)، [أو نظنَّ] (٧) أنهم قد كذبوا - مخففة - قال: فقال سعيد بن جبير: يا أبا عبد الرحمن، حتى إذا استيأس الرسل من قومهم أن يستجيبوا لهم، وظنَّ قومُهم أن الرسلَ كَذَبتهم - ﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾، ﴿فَنُجِّيَ (٨) مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾. قال: فقام مسلمٌ إلى سعيد فاعتنقه، وقال:

стр. 9107

فرج الله عنك كما فرَّجت عنى (١). حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا يحيى بن عبّادٍ، قال: ثنا وُهَيبٌ، قال: ثنا أبو المعلى العطارُ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾. قال: استيأس الرسل من إيمان قومهم، وظنَّ قومهم أن الرسل قد كَذَبوهم ما كانوا يُخبرونهم ويبلغونهم (٢). قال: ثنا شَبابَةُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد قوله: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ من أن يُصدِّقهم قومهم، وظنَّ قومهم أن الرسل قد كَذَبوا - جاء الرسل نصرنا (٣). حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن، عن مجاهد مثله. [حدثني المثنَّى، قال: أخبرنا أبو حذيفةَ، قال: حدثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله] (٤). حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج، قال: ثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير في هذه الآية: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ من قومهم، وظنّ قومُهم أن الرسل قد كذبت (٥).

стр. 9108

قال: ثنا حماد، عن كُلْثُومِ بن جَبرٍ، قال: قال لي سعيد بن جبير: سألني سيدٌ من ساداتكم (١) عن هذه الآية، فقلتُ: استيأس الرسل من قومهم، وظنَّ قومهم أن الرسل قد كذبت. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾. قال: استيأس الرسل أن يُؤمِنَ قومهم بهم، وظنّ قومُهم المشركون أن الرسل قد كُذبوا ما وعدهم الله من نصره إياهم عليهم وأُخْلِفُوا. وقرأ: ﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾. قال: جاء الرسل النصر حينئذٍ. قال: وكان أَبَيٌّ يَقْرَؤُها: (كَذَبوا) (٢). حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيدٍ، عن أبي المتوكل، عن أيوب بن أبى صفوان، عن عبدِ اللهِ بن الحارثِ، أنه قال: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ من إيمانِ قومهم، ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾: وظنَّ القومُ أنهم قد كذبوهم فيما جاءُوهم به (٣). حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا عبد الوهَّابِ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ، قال: ظنَّ (٤) قومُهم أن رسلهم قد كذبوهم فيما وعدوهم به (٥). حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا محمدُ بنُ فُضيلٍ، عن جحش بن زياد الضَّبيِّ، عن تميمِ بن حَذْلَمٍ، قال: سمعت عبد الله بن مسعودٍ يقولُ في هذه

стр. 9109

الآية: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾. قال: استيأس الرسل من إيمان قومِهم أن يُؤمنوا بهم، وظنَّ قومهم حين أبطأ الأمرُ، أنهم قد كذبوا (١)؛ بالتخفيف (٢). حدثنا أبو المثنّى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي المُعَلَّى، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾. قال: استيأس الرسل من نصر قومهم (٣)، وظنَّ قومُ الرسل أن الرسل قد كذبوهم (٤). حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا عمرو بن ثابتٍ، عن أبيه، عن سعيد بن جبيرٍ: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ أن يُصدقوهم (٥)، وظن قومُهم أن الرسل قد كذبوهم. قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيل، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ أَن يُصدِّقَهم قومهم، [وظنَّ قومهم] (٦) أن الرسل قد كذبوهم (٧). حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: ثنا عُبيدُ بنُ سليمان، قال: سمعت الضحاك (٨) في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾.

стр. 9110

يقولُ: استيأسوا من قومهم أن يُجيبوهم ويُؤمنوا بهم، ﴿وَظَنُّوا﴾. يقول: وظنَّ قومُ الرسل أن الرسل قد كذبوهم الموعد. والقراءة على هذا التأويل الذي ذكرنا في قوله: ﴿كُذِبُوا﴾، بضم الكافِ، وتخفيف الذال، وذلك أيضًا قراءة بعض قرأَةِ أهل المدينة، وعامة قرأة أهل الكوفة (١). وإنما اخترنا هذا التأويل وهذه القراءة؛ لأن ذلك عقيب قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي (٢) إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. فكان ذلك دليلا على أن إياس الرسل كان من إيمان قومهم الذين أُهلكوا، وأن المضمر في قوله: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾. إنما هو من ذكرِ الذين من قبلهم من الأمم الهالكة، وزاد ذلك وضوحًا أيضًا إتْبَاعُ اللَّهِ في سياق الخبر عن الرسل وأممهم قوله: ﴿فَنُجِّيَ (٣) مَنْ نَشَاءُ﴾ إذ الذين أُهلكوا هم الذين ظنُّوا أن الرسل قد كَذبتهم، فكذبوهم ظنًّا منهم أنهم قد كذبوهم. وقد ذهب قوم ممن قرأ هذه القراءةَ إلى غير التأويل الذي اخترنا، ووجهوا معناه إلى: حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم، وظنَّت الرسل أنهم قد كُذبوا فيما وُعِدوا من النصر.

стр. 9111

ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا عثمان بن عمر (١)، قال: ثنا ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، قال: قرأ ابن عباس: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾. قال: كانوا بشرًا، ضَعُفوا ويئسوا (٢). قال: ثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريجٍ، قال: أخبرني ابن أبي مليكة، عن ابن عباس قرأ (٣) ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾، خفيفةً. قال ابن جريجٍ: أَقُولُ كما يَقولُ: أُخْلِفُوا. قال عبد الله: قال (٤) لى ابن عباسٍ: كانوا بشرًا. وتلا ابن عباسٍ: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]. قال ابن جريج: قال ابن أبي مليكة: ذهب بها إلى أنهم ضعفوا، فظنُّوا أنهم (٥) أُخلفوا. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مُؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضُّحَى، عن مسروق، عن عبدِ اللهِ أنه قرأ: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾، مخففةً. قال عبد الله: هو الذي تكره (٦).

стр. 9112

قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفيان، عن سليمان (١)، عن أبي الضُّحَى، عن مسروق، أن رجلا سأل عبد الله بن مسعود: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾. قال: هو الذي تكره (٢)، مخففةً. قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي بِشْرٍ، عن سعيد بن جُبَيرٍ أنه قال في هذه الآية ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾. قلت: كذبوا! قال: نعم، ألم (٣) يكونوا بشرًا؟ حدثنا الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾. قال: كانوا بشرًا، قد ظنُّوا. وهذا تأويل، وقولُ غيره من أهل التأويل أولى عندى بالصواب، وخلافه من القول أشبه بصفاتِ الأنبياء والرسل، إن جاز أن يرتابوا بوعدِ اللَّهِ إياهم، ويَشكُوا في حقيقة خبره، مع معاينتهم من حجج الله وأدلته ما لا يعانيه المرسل إليهم، فيُعذَروا في ذلك؛ إِنَّ المرسَلَ إليهم لأولى في ذلك منهم بالعذر (٤). وذلك قول إن قاله قائل لا يَخْفَى أمرُه، وقد ذكر هذا التأويل الذي ذكرناه أخيرًا عن ابن عباس لعائشة فأنكرته أشدَّ النُّكرةِ فيما ذُكر لنا.

стр. 9113

ذكرُ الرواية بذلك عنها، رضوان الله عليها: حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا عثمان بن عمر، قال: ثنا ابن جُريجٍ، عن ابن أبي مُلَيْكةً، قال: قرأ ابن عباس: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾. فقال: كانوا بشرًا ضَعُفوا ويَئِسُوا. قال ابن أبي مليكة: فذكرت ذلك لعروةَ، فقال: قالت عائشةُ: مَعَاذَ اللَّهِ، ما حدَّث الله رسوله شيئًا قط إلا علم أنه سيكونُ قبل أن يموت، ولكن لم يَزَلِ البلاء بالرسل، حتى ظنَّ الأنبياءُ أن من تبعهم قد كذبوهم، فكانت تقرؤُها (قد كُذِّبوا) تُنقِّلُها. قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: أخبرني ابن أبي مليكة أن ابن عباس قرأ: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾، خفيفةً. قال عبد الله: ثم قال لى ابن عباس: كانوا بشرًا. وتلا ابن عباس: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]. قال ابن جُرَيجٍ: قال ابن أبي مليكة: يَذْهَبُ بها إلى أنهم ضَعُفوا؛ فظنُّوا أنهم أُخْلِفُوا. قال ابن جُريجٍ: قال ابن أبى مُليكةَ: وأخبرنى عروة عن عائشةَ، أنها خالفت ذلك وأبته، وقالت: ما وعد الله محمدًا ﷺ من شيء إلا وقد علم أنه سيكونُ، حتى مات، ولكنه لم يَزَلِ البلاء بالرسل، حتى ظنُّوا أن من معهم من المؤمنين قد كَذَبوهم. قال ابن أبي مليكة في حديث عروة: كانت عائشة تقرؤُها: (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِّبوا)، مثقَّلةً للتكذيبِ. قال: ثنا سليمان بن داودَ الهاشميُّ، قال: ثنا إبراهيم بن سعدٍ، قال: ثنى صالح بن كيسان، عن ابن شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ، قال: قلت لها: قولُه: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾؟ قال: قالت عائشة:

стр. 9114

لقد استيقنوا أنهم قد كُذِّبوا. قلت: كُذِبوا؟ قالت: مَعاذَ اللهِ، لم تَكُنِ الرسلُ تظنُّ [ذلك بربِّها] (١)، إنما هم أتباعُ الرسلِ؛ لما استأخَر عنهم الوحيُ واشتدَّ عليهم البلاءُ، ظنَّت الرسلُ أن أتباعَهم قد كَذَّبوهم - ﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن مَعْمَرٍ (٣)، عن الزُّهريِّ، عن عُروةَ، عائشةَ، قالت: حتى إذا استيأَس الرسلُ ممن كذَّبهم من قومِهم أن يُصَدِّقوهم، وظنَّت الرسلُ أن مَن قد آمَن من قومِهم قد كَذَّبوهم، جاءهم نصرُ اللهِ عندَ ذلك. فهذا ما رُوِى في ذلك عن عائشةَ، غيرَ أنها كانت تَقرأُ: (كُذِّبُوا) بالتشديدِ وضمِّ الكافِ، بمعنى ما ذكَرنا عنها، من أن الرسلَ ظنَّت بأتباعِها الذين قد آمنوا بهم، أنهم قد كَذَّبوهم، فارتدُّوا عن دينِهم، استبطاء منهم للنصرِ. وقد بيَّنا أن الذي نَخْتَارُ من القراءةِ في ذلك والتأويلِ غيرُه في هذا الحرفِ خاصةً (٤). وقال آخرون ممن قرَأ قوله: (كُذِّبُوا) بضمِّ الكافِ وتشديدِ الذالِ: معنى ذلك: حتى إذا استيأَس الرسلُ من قومهم أن يُؤْمِنوا ويُصَدِّقوهم، وظنَّت

стр. 9115

الرسلُ - بمعنى: واستيقَنت - أنهم قد كذَّبهم أممُهم، جاءت الرسلُ نُصْرَتُنا. وقالوا: الظنُّ في هذا الموضِعِ (١) بمعنى العلمِ، من قولِ الشاعرِ (٢): فَظَنُّوا بألْقَىْ فَارِسِ مُتَلَبِّبٍ … سَرَاتُهُم في الفارِسِيِّ المُسَرَّدِ (٣) ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، وهو قولُ قتادةَ: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ من إيمانِ قومِهم، (وظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِّبُوا)، أي: استيقَنوا أنه لا خيرَ عندَ قومهم ولا إيمانَ - ﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَورٍ، عن مَعمرٍ، عن قتادةَ: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾. قال: من قومِهم، (وظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِّبُوا). قال: وعلمِوا أنهم قد كُذِّبوا - ﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ (٤). وبهذه القراءة كانت تَقْرَأُ عامةُ قرَأَةِ المدينةِ والبصرةِ والشامِ، أعنى بتشديدِ الذالِ من (كُذِّبوا)، وضمِّ كافِها (٥). وهذا التأويلُ الذي ذهَب إليه الحسنُ وقتادةُ في ذلك - إذا قِرئ بتشديدِ الذالِ وضمِّ الكافِ - خلافٌ لما ذكرنا من أقوالِ جميعِ مَنْ حكينا قولَه من الصحابة؛ لأنه

стр. 9116

لم يوجِّهِ (١) الظنَّ في هذا الموضعِ منهم أحدٌ إلى معنى العلمِ واليقينِ، مع أن الظنَّ إنما استعمَله العربُ في موضعِ العلمِ، فيما كان من علمٍ أُدرِك من جهةِ الخبرِ، أو من غيرِ وجهِ المشاهدةِ والمعاينةِ؛ فأما ما كان من علمٍ أُدْرِك من وجهِ المشاهدةِ والمعاينة، فإنها لا تستعملُ فيه الظنَّ، لا تَكَادُ تَقولُ: أَظُنُّني حَيًّا، وأَظُنُّني إنسانًا، بمعنى: أعلَمُنى إنسانًا، وأعْلَمُنى حيًّا. والرسلُ الذين كذَّبتْهم أممُهم، لا شك أنها كانت لأممِها شاهدةٌ، ولتكذيبِها إياها منها سامعةٌ، فيقال فيها: ظنَّت بأممِها أنها كذَّبتها. ورُوِى عن مجاهدٍ في ذلك قولٌ هو خلافُ جميعِ ما ذكَرنا من أقوالِ الماضين الذين سمَّينا أسماءَهم وذكَرنا أقوالَهم، وتأويلٌ خلافُ تأويلِهم، وقراءةٌ غيرُ قراءةِ جميعِهم؛ وهو أنه، فيما ذُكِر عنه، كان يَقْرَأُ: (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كَذَّبُوا) بفتح الكاف والذّال وتخفيف الذّال. ذكرُ الروايةِ عنه بذلك حدَّثنى أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا أبو عُبيدٍ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ أنه قرَأها: (كَذَبُوا) بفتحِ الكافِ، بالتخفيفِ (٢). وكان يتأوَّلُه كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: استيأَس الرسلُ أن يعذَّبَ قومُهم، وظنَّ قومُهم أن الرسلَ قد كَذَبَوا - ﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾. قال: جاء الرسلَ نصرُنا. قال مجاهدٌ: قال في

стр. 9117

"المؤمنِ": ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [غافر: ٨٣]. قال: قولُهم نحن أعلمُ منهم، ولن نُعذَّبَ. وقوله: ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [غافر:٨٣]. قال: حاق بهم ما جاءت به رسلُهم من الحقِّ. وهذه قراءةٌ لا أستجيزُ القراءةَ بها، لإجماعِ الحجةِ من قرَأةِ الأمصارِ على خلافِها، ولو جازت القراءةُ بذلك لاحتملَ وجهَا من التأويلِ وهو أحسنُ مما تأوَّله مجاهدٌ، وهو: حتى إذا استيأَس الرسلُ من عذابِ اللهِ قومَها المكذِّبة بها، وظنَّت الرسلُ أن قومَها قد كَذَّبوا وافترَوا على اللَّهِ بكفرِهم بها. ويكونُ الظنُّ حينئذٍ موجَّهًا إلى معنى العلمِ، على ما تأوَّله الحسنُ وقتادةُ. وأما قولُه: ﴿فَنُجِّيَ (١) مَنْ نَشَاءُ﴾. فإن القرَأةَ اختلَفت في قراءتِه؛ فقرَأه عامةُ قرَأةِ أهلِ المدينةِ ومكةَ والعراقِ: (فَنُنْجِى) - مُخَفَّفَةً (٢) - ﴿مَنْ نَشَاءُ﴾ بنونين (٣)؛ بمعنى: فنُنْجى نحن من نشاء من رسلِنا والمؤمنين بنا، دونَ الكافرين الذين كذَّبوا رسلَنا، إذا جاء الرسلَ نصرُنا. واعتلَّ الذين قَرءوا ذلك كذلك، أنه إنما كُتب في المصحفِ بنونٍ واحدةٍ، وحكمُه أن يَكُونَ بنونين، لأن إحدى النونين حرفٌ من أصلِ الكلمةِ، من أنجى يُنْجِى، والأخرى النونُ التي تأتِي لمعنى (٤) الدَّلالةِ على الاستقبالِ، من فعلِ جماعةٍ مخبرةٍ عن أنفسِها، لأنهما (٥) حرفان، أعنى النونين من

стр. 9118

جنسٍ واحدٍ. يُخْفَى الثاني منهما عن الإظهارِ في الكلامِ، فحُذِفت من الخطِّ، واجتزِئ بالمثْبَتةِ (١) من المحذوفةِ، كما يُفعل ذلك في الحرفين اللَّذين يُدغمُ أحدُهما في صاحبِه. وقرَأ ذلك بعضُ الكوفيِّين على هذا المعنى، غير أنه أدغَم النونَ الثانيةَ وشدَّد الجيمَ. وقرَأه [آخرُ منهم] (٢) بتشديدِ الجيمِ، ونصبِ الياءِ، على معنى: فُعِل ذلك به، من نجَّيتُه أُنَجِّيه. وقرَأ ذلك بعضُ المكيين (٣): (فَنَجا (٤) مَنْ نَشاءُ) بفتحِ النونِ والتخفيفِ، من: نجا من عذابِ اللَّهِ مَنْ نشاءُ - يَنْجُو (٥). والصوابُ من القراءة في ذلك عندَنا قراءةُ من قرَأه: (فَنُنْجِي مَنْ نَشَاءُ) بنونين؛ لأن ذلك هو القراءةُ التي عليها القرَأةُ في الأمصارِ، وما خالَفه ممن قرَأ ذلك ببعضِ الوجوهِ التي ذكرناها، فمنفردٌ بقراءته عما عليه الحجةُ مجمعةٌ من القرَأةِ، وغيرُ جائزٍ خلافُ ما كان مستفيضًا بالقراءةِ في قرَأةِ الأمصارِ. وتأويلُ الكلامِ: فنُنَجِّي الرسلَ، ومن نشاءُ من عبادِنا المؤمنين، إذا جاء نصرُنا. كما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثني

стр. 9119

أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: (فَنُنْجى مَنْ نَشاءُ)؛ فننجِّى الرسلَ ومَنْ نشَاءُ، ﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾؛ وذلك أن الله ﵎ بعثَ الرسلَ فدعَوا قومَهم، وأخبَروهم أنه من أطاع نجَا، ومن عصَاه عُذِّب وغَوَى (١). وقولُه: ﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾. يَقُولُ: ولا تُرَدُّ عقوبتُنا وبطشُنا بمن بطَشْنا به من أهلِ الكفرِ بنا، عن القومِ الذين أجرَموا فكَفروا باللهِ، وخالَفوا رسلَه، وما أتَوهم به من عندِه. القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لقد كان في قصصِ يوسفَ وإخوتِه عِبرةٌ لأهلِ الحِجا والعقولِ، يعتبِرون بها، وموعظةٌ يتعِظون بها، وذلك أن الله جلَّ ثناؤُه بعدَ أن أُلقِى يوسفُ في الجبِّ ليَهْلِكَ، ثم بِيع بَيعَ العبيدِ بالخسيسِ من الثمنِ، وبعدَ الإسارِ والحبسِ الطويلِ ملَّكه، مصرَ، ومكَّن له في الأرضِ، وأعلَاه على مَن بغاه سوءًا من إخوتهِ، وجمَع بينَه وبينَ والديه وإخوتِه بقدرتِه، بعد المدّةِ الطويلةِ، وجاء بهم إليه من الشُّقَّةِ النائيةِ (٢) البعيدةِ، فقال جلَّ ثناؤُه للمشركين من قريشٍ، من قومِ نبيِّه محمدٍ ﷺ : لقد كان لكم أيُّها القومُ في قَصَصِهم عبرةٌ لو اعتبَرتم به؛ إن الذي فعَل ذلك بيوسفَ وإخوتِه لا يَتَعَذَّرُ عليه أن (٣) يفعلَ مثلَه بمحمدٍ ﷺ

стр. 9120

فيُخْرِجَه من بين أظهرِكم، ثم يُظهرَه عليكم، ويُمَكِّنَ له في البلادِ، ويُؤَيِّده بالجندِ والرجالِ، من الأتباعِ والأصحابِ، وإن مرّت به شدائدُ، [وأتَت] (١) دونَه الأيامُ والليالي [والدهورُ] (٢) والأزمانُ. وكان مجاهدٌ يقولُ: معنى ذلك: لقد كان في قصصِهم عبرةٌ ليوسفَ وإخوتِه. ذكرُ [الروايةِ بذلك] (٣) حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾ ليوسفَ وإخوتِه. حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شَبابةُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: عبرةٌ ليوسفَ وإخوتِه (٤). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. قال: يوسفُ وإخوتُه. وهذا القولُ الذي قاله مجاهدٌ وإن كان له وجهٌ يَحْتَمِلُه التأويلُ، فإن الذي قلنا

стр. 9121

في ذلك أولى به؛ لأن ذلك عقيبَ الخبرِ عن نبيِّنا محمدٍ ﷺ ، وعن قومِه من المشركين، وعقيبَ تهديدِهم ووعيدِهم، على الكفرِ باللهِ وبرسولِه محمدٍ ﷺ . ومنقطِعٌ عن خبرِ يوسفَ وإخوتِه، ومع ذلك أنه خبرٌ عامٌّ عن جميعِ ذوى الألبابِ أن قصصَهم لهم عبرةٌ، [وغيرُ مخصوصٍ] (١) بعضٌ به دونَ بعضٍ. فإذا كان الأمرُ على ما وصَفْنا في ذلك، فهو بأن يَكُونَ خبرًا عن أنه عِبرةٌ لغيرِهم (٢) أشبه (٣)، والروايةُ التي ذكَرناها عن مجاهدٍ روايةُ ابن جريجٍ أشبهُ به أن تَكُونَ من قولِه؛ لأن ذلك موافقٌ القولَ الذي قلناه في ذلك. وقولُه: ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ما كان هذا القولُ حديثًا يُختلَقُ ويُتَكَذَّبُ ويُتَخَرَّصُ. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى﴾. والفِرْيةُ: الكذبُ، ﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾. يقولُ: ولكنه تصديقُ الذي بينَ يديه من كتبِ اللهِ التي أنزَلها قبلَه على أنبيائِه؛ كالتوراةِ والإنجيلِ والزَّبورِ، ويُصَدِّقُ ذلك كلَّه ويَشْهَدُ عليه، أن جميعَه حقٌّ من عند اللهِ (٤). كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾. والفرقانُ تصديقُ الكتب التي قبلَه، ويشهَدُ عليها.

стр. 9122

وقولُه: ﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وهو أيضًا تفصيلُ كلِّ ما بالعبادِ إليه حاجةٌ؛ مِن بيانِ أمرِ اللهِ ونَهْيه، وحلالِه وحرامِه، وطاعتِه ومعصيتِه. وقولُه: ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وهو بيانُ أمرِه، ورشادُه (١) مَن جَهِلَ سبيل الحقِّ فَعَمِى عنه، إذا اتَّبَعه فاهْتَدى به مِن ضلالتِه، ﴿وَرَحْمَةً﴾ لَمَنْ آمَن به وعَمِل بما فيه، يُنْقِذُه مِن سَخَطِ اللَّهِ وأليمِ عذابِه، ويُورِثُه في الآخرةِ جِنانَه والخلودَ في النعيمِ المقيمِ، ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ: لقومٍ يُصدِّقون بالقرآنِ، وبما فيه مِن وعْدِ اللهِ ووعيدِه، وأمرِه ونَهْيِه، فيَعْمَلون بما فيه من أمرِه، ويَنْتَهون عما فيه مِن نَهْيِه. آخِرُ تفسيرِ سورةِ يوسفَ [ ﷺ ، يتلوه تفسير السورة التي يُذكرُ فيها الرعدُ. وصلَّى اللهُ على محمد وآلِه وسلَّم كثيرًا] (٢).

стр. 9123

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أولُ تفسيرِ السورةِ التي يُذكرُ فيها الرعدُ القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١)﴾. قال أبو جعفرٍ: قد بَيَّنَّا القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿الر﴾ [يوسف: ١]، و ﴿المر﴾، ونظائرِها من حروفِ المعجمِ، التي افْتُتِح بها أوائلُ بعضِ سورِ القرآنِ فيما مَضَى، بما فيه الكفايةُ مِن إعادتها، غيرَ أنَّا نذكُرُ من الروايةِ ما جاء خاصًّا به كلَّ سورةٍ افتُتِح أوَّلُها بشيءٍ منها. فمما جاءِ من الروايةِ في ذلك في هذه السورةِ عن ابن عباسٍ مِن نَقْلِ أبى الضُّحى مسلمِ بن صُبيحٍ، وسعيدِ بن جبيرٍ عنه، التفريقُ بينَ معنى ما ابْتُدِئَ به أَوَّلُها، مع زيادةِ الميمِ التي فيها، على سائرِ السورِ (١) ذواتِ الراءِ، ومعنى ما ابُتدِئ به أخواتُها، مع نُقْصانِ ذلك منها عنها. ذكرُ الرواية بذلك عنه حدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، عن هشيمٍ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿المر﴾. قال: أنا اللهُ أرى (٢).

стр. 9124

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا شريكٌ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن أبي الضُّحَى، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿المر﴾ قال: أنا اللهُ أرى (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو نعيمٍ الفضلُ بنُ دُكَينٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن مجاهدٍ: ﴿المر﴾: فواتحُ يَفْتحُ بها كلامَه (٢). وقولُه: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: تلك التي قَصَصتُ عليك خبرَها، آياتُ الكتابِ الذي أنزلتُه قبلَ هذا الكتابِ الذي أنزلتُه إليك، إلى مَن أنزلتُه إليه مِن رسلي قبلَك. وقيل: عَنَى بذلك التوراةَ والإنجيلَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾: الكتب التي كانت قبلَ القرآنِ (٣). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو نعيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن مجاهدٍ: ﴿المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾. قال: التوراةُ والإنجيلُ (٤). وقولُه: ﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ﴾ فاعمَلْ بما فيه، واعتصِمْ به. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 9125

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو نعيمٍ الفضلُ بنُ دُكَينٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ﴾. قال: القرآنُ. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ﴾. أي: هذا القرآنُ (١). وفى قولِه: ﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾. وَجْهان من الإعرابِ؛ أحدُهما، الرفعُ على أنه كلامٌ مبتدأٌ، فيكونُ مرفوعًا بـ ﴿الْحَقُّ﴾، و ﴿الْحَقُّ﴾ به. وعلى هذا الوجهِ تأويلُ مجاهدٍ وقتادةَ، الذي ذَكَرنا قبلُ عنهما. والآخَرُ، الخفضُ على العطفِ به على ﴿الْكِتَابِ﴾، فيكونُ معنى الكلامِ حينئذٍ: تلك آياتُ التوراةِ والإنجيلِ والقرآنِ. ثم يَبْتَدِئُ ﴿الْحَقُّ﴾. بمعنى: ذلك الحقُّ. فيكونُ رفعه بمضمرٍ مِن الكلامِ قد اسْتُغْنِي بدلالةِ الظاهرِ عليه منه. ولو قيل: معنى ذلك: تلك آياتُ الكتابِ الذي أُنزِل إليك من ربِّك الحقُّ. وإنما أُدْخِلت الواوُ في ﴿وَالَّذِي﴾، وهو نعتٌ لـ ﴿الْكِتَابِ﴾، كما أَدْخَلها الشاعرُ في قولِه (٢): إلى المَلِكِ القَوْمِ وابنِ الهُمَامِ … ولَيْثِ الكَتِيبة في المُزْدَحَمْ فعَطَف بالواوِ، وذلك كلُّه مِن صفةِ واحدٍ - كان مذهبًا من التأويلِ، ولكن ذلك إذا تُؤُوِّل كذلك، فالصوابُ من القراءةِ في: ﴿الْحَقُّ﴾ الخفضُ (٣)، على أنه

стр. 9126

نعتٌ لـ ﴿وَالَّذِي﴾. وقولُه: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾ مِن مشركي قومِك [﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾] (١): لا يُصدِّقون بالحقِّ الذي أُنزِل إليك مِن ربَّك، ولا يُقِرُّون بهذا القرآنِ وما فيه مِن مُحْكَمِ آيِه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: اللهُ يا محمدُ هو الذي رَفَع السماواتِ السبعَ بغيرِ عَمَدٍ تَرَونها، فجَعَلها للأرضِ سَقْفًا مَسْموكًا. والعَمَدُ جمعُ عمودٍ، وهى السَّوارى، وما يُعْمَدُ به البناءُ، كما قال النابغةُ (٢): وَخَيِّسِ (٣) الجِنِّ إلى قد أذِنْتُ لهم … يَبْنُون تَدْمُرَ بِالصُّفَّاحِ (٤) والعَمَدِ وجمعُ العمودِ عَمَدٌ، كما جمعُ الأديم أَدَمٌ. ولو جُمِع بالضمِّ فقيل: عُمُدٌ. جاز، كما يُجْمَعُ الرسولُ رُسُلٌ، والشَّكورُ شُكُرٌ. واختَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾؛ فقال بعضُهم: تأويلُ ذلك: اللَّهُ الذي رَفَع السماواتِ بِعَمَدٍ (٥) لا تَرَونها.

стр. 9127

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أحمدُ بنُ هشامٍ، قال: ثنا معاذُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا عمرانُ بنُ حُدَيرٍ، عن عكرمةَ، قال: قلتُ لابنِ عباسٍ: إن فلانًا يقولُ: إنها على عَمَدٍ. يعنى السماء. قال: فقال: اقرأْها: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾، أي: لا تَرَونها. (١) حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدِ بن الصبَّاحِ، قال: ثنا معاذُ بنُ معاذٍ، عن عمرانَ بن حُدَيرٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ مثلَه. حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عفانُ، قال: ثنا حمادٌ، قال: ثنا حميدٌ، عن الحسنِ بن مسلمٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾. قال: بِعَمَدٍ لا تَرَونها (٢). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحجاجُ، قال: ثنا حمادٌ، عن حميدٍ، عن الحسنِ بن مسلمٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾. قال: هي لا تَرَونها. حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شَبابةً، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾. يقولُ: عَمَدٍ لا (٣) تَرَوْنها (٤). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن الحسنِ وقتادةَ قولَه:

стр. 9128

﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾. قال قتادةُ: قال ابن عباسٍ: بعَمَدٍ ولكن لا تَرَونها (١). حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا شريكٌ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾. قال: ما يُدْرِيك، لعلها بعَمَدٍ لا تَرَونها (٢)؟ ومَن تأوَّلَ ذلك كذلك، قصدَ مذهبَ تقديمِ العربِ الجحدَ مِن آخرِ الكلامِ إلى أوَّلِه، كقولِ الشاعرِ (٣)؟ ولا أَرَاهَا تَزَالُ ظالمةً … تُحْدِثُ لى نَكْبَةً (٤) وتَنْكَؤُها (٥) يريدُ: وأَرَاها لا تزالُ ظالمةً. فقَدَّم الجَحْدَ عن موضعِه من "تزالُ"، وكما قال الآخرُ (٦): إذا أَعْجَبَتْكَ الدَّهْرَ حَالٌ مِن امْرِيءٍ … فَدَعْه وَوَاكِلْ حاله واللَّيَاليا يَجِئْنَ على ما كان مِن صالحٍ به … وإنْ كان فيما لا يَرَى الناسُ الِيَا يعني: وإن كان فيما يرى الناسُ لا يَأْلو. وقال آخرون: بل هي مرفوعةٌ بغيرِ عَمَدٍ.

стр. 9129

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ خَلَفٍ العَسْقَلانيُّ، قال: أخبَرنا آدمُ، قال: ثنا حمادٌ بنُ سَلمةَ، عن إياسِ بن معاويةَ في قولِه: ﴿رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾. قال: السماءُ مُقَبَّبَةٌ على الأرضِ مثلَ القُبَّةِ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾. قال: رَفَعها بغيرِ عَمَدٍ (٢). وأَولى الأقوالِ في ذلك بالصحةِ أن يقالَ كما قال اللهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾. فهى مرفوعةٌ بغيرِ عَمَدٍ نَراها، كما قال ربُّنا جلَّ ثناؤُه، ولا خبرَ بغيرِ ذلك، ولا حجةَ يجبُ التسليمُ لها بقولٍ سِواه. وأما قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾. فإنه يعنى: عَلَا عليه. وقد بَيَّنَّا معنى الاستواءِ، واختلافَ المختلفِين فيه، والصحيحَ مِن القولِ فيما قالوا فيه، بشواهده فيما مَضَى، بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٣). وقولُه: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾. يقولُ: وأجْرَى الشمسَ والقمرَ في السماءِ، فسَخَّرهما فيها (٤) لمصالحِ خلقِه، وذَلَّلَهما لمنافعِهم، ليَعْلموا بجَرْيِهما فيها عَدَدَ السنين والحسابَ، ويَفْصِلوا به بين الليلِ والنهارِ. وقولُه: ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: كلُّ ذلك يَجْرِى في السماءِ لأَجَلٍ مُسَمًّى، أي: لوقتٍ معلومٍ، وذلك إلى فَناءِ الدنيا وقيامِ

стр. 9130

القيامةِ التي عندَها تُكَوَّرُ الشمسُ، ويُخْسَفُ القمرُ، وتَنْكَدِرُ النجومُ. وحُذِف "ذلك" مِن الكلامِ لفَهْمِ السامعِين مِن أهلِ لسانِ مَن نَزَل بلسانِه القرآنُ معناه، وأن ﴿كُلٌّ﴾ (١) لابدَّ لها مِن إضافةٍ إلى ما تُحيطُ به. وبنحوِ الذي قُلنا في [قولِه: ﴿لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾] (٢). قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾. قال: الدنيا (٣). وقولُه: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يَقْضِي اللَّه الذي رَفَع السماواتِ بغيرِ عَمَدٍ تَرَونها أمورَ الدنيا والآخرةِ كلَّها، ويُدبِّرُ ذلك كلَّه وحده بغيرِ شريكٍ ولا ظهيرٍ ولا معينٍ، سُبْحانه. وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾: يَقْضِيه وحدَه (٣). قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه (٤).

стр. 9131

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه. وقولُه: ﴿يُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾. يقولُ: يُفصِّلُ لكم ربُّكم آياتِ كتابِه فيُبَيِّنُها لكم، احْتجَاجًا بها عليكم أيُّها الناسُ، ﴿لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾. يقولُ: لتُوقِنوا بلقاءِ اللَّهِ والمعادِ إليه، فتُصَدِّقوا بوَعْدِه ووَعِيدِه، وتَنْزَجروا عن عبادةِ الآلهةِ والأوثانِ، وتُخلِصوا له العبادةَ إذا تَيَقَّنتُم (١) ذلك. وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾: وأن الله ﵎ إنما أنزَل كتابه وأَرسَل رُسُلَه؛ ليُؤْمَنَ بوَعْدِه، وليُسْتَيْقَنَ بلقائِه (٢). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: والله الذي مَدَّ الأرضَ، فبَسَطَها طولًا وعرضًا. وقولُه: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وجَعَل في الأرضِ جبالًا ثابتةً.

стр. 9132

والرَّواسي جمعُ راسيةٍ، وهى الثابتةُ، يقالُ منه: أرسيتُ الوَتِدَ في الأرضِ. إذا أثبَتَّه، كما قال الشاعرُ (١): بهِ (٢) خاِلداتٌ (٣) ما يَرِمْنَ (٤) وهايدٌ (٥) … وأَشْعَثُ (٦) أَرْسَتْه الوَلِيدَةُ بالفِهْرِ (٧) يعني: أَثْبَتَتْه. وقولُه: ﴿وَأَنْهَارًا﴾. يقولُ: وجَعَل في الأرضِ أنهارًا مِن ماءٍ. وقولُه: ﴿وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾. فـ ﴿وَمِنْ﴾ الله في قولِه: ﴿وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾. مِن صلةِ ﴿جَعَلَ﴾ الثاني، لا الأولِ. ومعنى الكلامِ: وجَعَل فيها زوجَين اثنين من كلِّ الثمراتِ. وعنى بـ ﴿زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾: مِن كلِّ ذَكَر اثنان، ومن كلِّ أنثى اثنان، فذلك أربعةٌ؛ من الذكورِ اثنان، ومِن الإناثِ اثنتان (٨)، في قولِ بعضِهم. وقد بَيَّنَّا فيما مَضَى أن العرب تُسَمِّي الاثنين زوجَين، والواحدَ مِن الذكورِ زوجًا لأُنثاه، وكذلك الأُنثى الواحدةَ زَوْجًا، وزوجةً لذَكَرِها، بما أغنَى عن إعادتِه

стр. 9133

في هذا الموضعِ (١). ويزيدُ ذلك إيضاحًا قولُ اللَّهِ : ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ [النجم: ٤٥]. فسَمَّى الاثنين الذكر والأنثى زوجَين. وإنما عَنَى بقولِه (٢): ﴿زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾. نوعَين وضَربَين. وقولُه: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾. يقولُ: يجلِّلُ الليلَ النهارَ فيُلْبِسُه ظُلْمتَه، والنهارَ الليلَ بضيائِه. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾. أي: يُلْبِسُ الليل النهارَ (٣). وقولُه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن فيما وَصَفتُ وذَكَرتُ من عجائبِ خلقِ اللَّهِ وعظيمِ قدرتِه التي خَلَق بها هذه الأشياءَ - لَدَلالاتٍ وحُجَبًا وعِظاتٍ لقومٍ يتفكَّرون فيها، فيَسْتَدِلُّون ويَعْتَبِرون بها، فيَعْلَمون أن العبادةَ لا تَصْلُحُ ولا تجوزُ إلا لَن خَلَقها ودَبَّرها، دونَ غيرِه مِن الآلهةِ والأصنامِ التي لا تقدِرُ على ضَرٍّ ولا نفعٍ، ولا لشيءٍ غيرها، إلا لمَن أنشأ ذلك فأحْدَثه مِن غيرِ شيءٍ، ﵎، وأن القُدْرةَ التي أبْدَع بها ذلك، هي القدرةُ التي لا يتعذَّرُ عليه إحياءُ مَن هَلَك من خلقِه، وإعادةُ ما فني وابتداعُ ما شاء ابْتِداعَه بها. والقولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ

стр. 9134

فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)﴾ [يعنى تعالى ذكرُه بقوله] (١): ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾: وفي الأرضِ قِطَع منها مُتقارباتٌ مُتَدانياتٌ، يَشْرَبُ بعضُها مِن بعضٍ بالجوارِ، وتختلِفُ بالتفاضُلِ مع تَجاورِها وقربِ بعضِها من بعضٍ، فمنها قطعةٌ سَبِخةٌ (٢) لا تُنْبِتُ شيئًا، في جِوارِ قطعةٍ طيبةٍ تُنْبِتُ وتَنفَعُ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾. قال: السَّبَخةُ والعَذِية (٣)، والمالحُ والطيبُ (٤). حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾. قال: سِباخٌ وعُذُوبةٌ (٥). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو نعيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا سعيدٌ بن سليمانَ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ

стр. 9135

سليمانَ، عن أبي سنانٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾. قال: العَذِيَةُ (١) والسَّبَخَةُ. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾: يعنى الأرضَ السَّبِخةَ والأرضَ العَذِيَة (١)، يكونان جميعًا مُتجاوراتٍ، يُفضَّلُ (٢) بعضُها على بعضٍ في الأُكُلِ (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ (٤): العَذِيَةُ والسَّبَخةُ، مُتجاوراتٌ جميعًا، تُنْبِتُ هذه، وهذه إلى جَنْبِها لا تُنْبِتُ. حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شَبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ عن مجاهدٍ قولَه: ﴿قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾: طَيِّبُها [وعَذْبُها] (٥)، وخبيثُها السِّباخُ (٦). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه. قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

стр. 9136

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾: قُرًى قَرُبَت، متجاوراتٌ بعضُها مِن بعضٍ (١). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن مَعمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾. قال: قُرًى متجاوراتٌ (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا هشيمٌ، عن أبي إسحاقَ الكوفيِّ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾. قال: الأرضُ السَّبِخَةُ، بينها الأرضُ العَذِيَةُ (٢). حُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾: يعنى الأرضَ السَّبِخَةَ والأرضَ العَذِيَة (٣)، متجاوراتٌ، بعضُها عند بعضٍ. حدَّثنا الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا إسرائيلُ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾. قال: الأرضُ تُنْبِتُ حُلوًا، والأرضُ تُنْبِتُ، حامضًا، وهى متجاورةٌ، تُسقَى بماءٍ واحدٍ (٤). حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾.

стр. 9137

قال: يكون هذا حُلوًا وهذا حامضًا، وهو يُسْقَى بماءٍ واحدٍ، وهُنَّ مُتجاوراتٌ (١). حدَّثني عبدُ الجبارِ بنُ يحيى الرَّمْليُّ، قال: ثنا ضَمْرةُ بنُ ربيعةَ، عن ابن شَوْذبٍ في قولِه: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾. قال: عَذِيَةٌ (٢) ومالحةٌ. وقولُه: ﴿وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى (٣) بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وفي الأرضِ مع القطَعِ المختلفاتِ المعانى منها، بالملوحةِ والعذوبةِ، والخبيثِ والطيبِ، مع تجاورِها وتقاربِ بعضِها من بعضٍ، بساتينُ من أعنابٍ، وزرعٌ ونخيلٌ أيضًا، متقاربةٌ في الخِلْقةِ، مختلفةٌ في الطعومِ والألوانِ، مع اجتماعِ جميعِها على شِرْبٍ واحدٍ، فمِن طيِّبٍ طعمُه منها، حَسَنٍ منظرُه، طيبة رائحتُه، ومِن حامضٍ طعمُه، ولا رائحةَ له. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾. قال: مجتمِعٌ وغيرُ مجتمِعٍ، ﴿يُسْقَى (٤) بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾. قال: الأرضُ الواحدةُ يكُونُ فيها الخَوْجُ والكمَّثْرى والعنبُ الأبيضُ والأسودُ،

стр. 9138

بعضُها أكثر حملًا من بعض، وبعضُه حلوٌ وبعضُه حامضٌ، وبعضُه أفضلُ من بعضٍ (١). حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شَبابةُ، قال: حدَّثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَجَنَّاتٌ﴾. قال: وما معها (٢). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ. قال المثنى: وثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله. واختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ أَهلِ المدينةِ والكوفةِ: (وَزَرْعٍ وَنَخِيلٍ). بالخفضِ (٣)، عطفًا بذلك على "الأعنابِ"، بمعنى: وفي الأرضِ قطعٌ متجاوراتٌ، وجنَّاتٌ من أعنابٍ ومن زرعٍ ونخيلٍ. وقرَأ ذلك بعضُ (٤) أهل البصرة: ﴿وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ﴾. بالرفعِ (٥)، عطفًا بذلك على "الجنَّاتِ"، بمعنى: وفى الأرضِ قطعٌ متجاوراتٌ وجناتٌ من أعنابٍ، وفيها أيضًا زرعٌ ونخيلٌ. والصوابُ من القول في ذلك أن يُقالَ: إنهما قراءتان متقاربتا المعنى، وقرَأ بكلِّ

стр. 9139

واحدةٍ منهما قراءٌ مشهورون، فبأيتهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ؛ وذلك أن الزرعَ والنخلَ إذا كانا في البساتينِ، فهما في الأرضِ، وإذا كانا في الأرضِ، فالأرضُ التي هما فيها جنةٌ، فسواءٌ وُصِفا بأنهما في بستانٍ أو في أرضٍ. وأما قولُه: ﴿وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾. فإن الصِّنْوانَ جمعُ صِنْو، وهى النخَلاتُ يَجْمَعُهن أصلٌ واحدٌ، لا يفرَّق فيه بيَن جميعِه واثْنيه إلا بالإعرابِ في النونِ. وذلك أن تكون نونُه في اثنيه مكسورةً بكلِّ حالٍ، وفي جميعه متصرفةً (١) في وجوهِ الإعرابِ، ونظيرُه القِنْوانُ، واحدُها قِنْوٌ. وبنحوِ الذي قلنا في معنى الصِّنوان قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ: ﴿صِنْوَانٌ﴾. قال: المُجْتَمِعُ، ﴿وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾ المُتفرِّقُ (٢). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ، قال: ﴿صِنْوَانٌ﴾: هي النخلةُ التي إلى جنبِها نخلاتٌ إلى أصلِها، ﴿وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾: النخلةُ وحدَها (٣). حدَّثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ بن عازبٍ: ﴿صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾. قال: الصِّنوانُ النَّخْلتان

стр. 9140

أصلُهما واحدٌ، ﴿وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾: النخلةُ والنخلتان المتفرِّقتان (١). حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، قال: سمِعتُ البراءَ يقُولُ في هذه الآيةِ، قال: النخلةُ يكونُ لها النخلاتُ، ﴿وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾: النخلُ المتفرقُ. حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عمرُو بن الهيثمِ أبو قَطَنٍ، ويحيى بن عبّادٍ، وعفانُ - واللفظُ لفظُ أبي قَطَنٍ - قال: ثنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ في قولِه: ﴿صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾. قال: الصنوانُ النخلة إلى جنبها النخلات، ﴿وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾: المتفرِّقُ. حدَّثنا الحسنُ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ في قولِه: ﴿صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾. قال: الصنوانُ النخَلاتُ الثلاثُ والأربعُ والثنتان، أصلُهنَّ واحدٌ، ﴿وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾: المتفرِّقُ (٢): حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ وشريكٌ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ في قولِه: ﴿صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾. قال: النخلتان يكون أصلُهما واحدًا، ﴿وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾: المتفرّقُ. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه ﴿صِنْوَانٌ﴾. يقولُ: مجتمعٌ (٣).
следующие страницы →