ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾: أي بلغة قومه ما كانت، قال الله : ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ الذي أُرسل إليهم، ليتخذَ بذلك الحجةَ، قال اللَّهُ : ﴿فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١).
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٥)﴾.
يقول تعالى ذكره: ولقد أرسلنا موسى بأدلتنا وحججِنا من قبلك يا محمدُ، كما أرسلناك إلى قومك بمثلها من الأدلة والحُجَجِ، كما حدَّثنا محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ ح وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسنُ الأشيبُ، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد ح وحدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾. قال: بالبينات (٢).
حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾. قال: التسعِ الآيات؛ الطوفانِ وما معه (٣).
стр. 9312
حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا [عبد اللهِ، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح] (١)، عن مجاهد: ﴿أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾. قال: التسع البينات.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله.
وقوله: ﴿أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾: كما أنزَلنا إليك يا محمدُ هذا الكتابَ، لتُخْرِجَ الناسَ مِن الظلماتِ إلى النورِ بإِذْنِ رَبِّهم. ويعنى بقوله: ﴿أَن أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾: أَنِ ادعُهم من الضلالة إلى الهُدى، ومن الكفرِ إلى الإيمان، كما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّور﴾. يقولُ: من الضلالة إلى الهدى (٢).
حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا هشام، عن عمرو، عن سعيد، عن قتادة مثله (٣).
وقوله: ﴿وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾. يقولُ : وعظهم بما سلَف من يعمى عليهم في الأيامِ التي خلَت. فاجتُزئَ بذكر الأيام من ذكر النعم التي عناها؛ لأنها أيامٌ كانت معلومةً عندَهم، أنعم الله عليهم فيها نعمًا جليلةً؛ أنقذهم فيها من آل فرعون، بعد ما كانوا فيما كانوا من العذاب المهين، وغرَّق عدوهم فرعونَ وقومَه، وأَوْرَثَهم أرضَهم وديارهم وأموالهم.
стр. 9313
وكان بعضُ أهل العربية يقولُ: معناه خوِّفهم بما نزل بعاد وثمود وأشباههم مِن العذابِ، وبالعفو عن الآخرين. قال: وهو في المعنى كقولك: خُذهم بالشدَّةِ واللين.
وقال آخرون منهم (١): قد وجَدنا لتسمية النعم بالأيام شاهدًا في كلامهم. ثم اسْتَشْهَد لذلك بقول عمرو بن كلثوم (٢).
وأيام لنا غُرٍّ طِوَالٍ … عصَينا المَلْكَ فيها أن نَدِينا
وقال: فقد يكون إنما جعَلها غرًّا طوالًا؛ لإنعامهم على الناس فيها. قال: فهذا شاهد لمن قال: ﴿وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ بنِعَمِ اللهِ، ثم قال: وقد يكون تسميتها غرًّا، لعُلُوِّهم على الملِكِ وامتناعهم فأيامهم غرٌّ لهم، وطوالٌ على أعدائهم.
قال أبو جعفر: وليس للذى قال هذا القائلُ (٣)؛ مِن أن في هذا البيت دليلا على أن الأيامَ معناها النعم - وجهٌ؛ لأن عمرو بن كلثوم إنما وصف ما وصف مِن الأيام بأنها غرٌّ، لعزِّ عشيرته فيها، وامتناعهم على الملكِ من الإذعانِ له بالطاعة، وذلك كقول الناس: ما كان لفلانٍ قطُّ يومٌ أبيضُ. يعنون بذلك أنه لم يَكُنْ له يوم مذكورٌ بخير، وأما وصفه إياها بالطُّولِ، فإنها لا توصف بالطول إلا في حال شدَّةٍ، كما قال النابغة (٤):
كِلِيني لهمٍّ يا أُميمَةَ ناصب … وليلٍ أُقاسيه بطيءِ الكواكبِ
فإنما وصَفها عمرٌو بالطولِ لشدةِ مكروهها على أعداء قومه، ولا وجه لذلك
стр. 9314
غير ما قلت.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يحيى بن طلحة اليربوعيُّ، قال: ثنا فضيل بن عياضٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾. قال: بأنعُمِ الله.
حدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيدِ، قال: ثنا يحيى بن يمانٍ، عن سفيانَ، عن عبيد المكتب، عن مجاهدٍ: ﴿وَذَكِرْهُم بِأَيَّام اللَّهِ﴾. قال: بنعمِ الله (١).
حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن عبيد المكتب، عن مجاهد مثله.
حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا عبثرٌ، عن حصين، عن حصين، عن مجاهد مثله.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ح وحدثنى الحارث، قال: ثنا الحسن (٢)، قال: ثنا ورقاء جميعًا، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد: بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾. قال: بنعم الله (٣).
حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ،
стр. 9315
عن مجاهد مثلَه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله.
حدثني المثنى، قال: أخبرنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾. قال: بالنعم التي أنعم بها عليهم؛ أنجاهم من آل فرعونَ، وفلق لهم البحرَ، وظلَّل عليهم الغمامَ، وأنزَل عليهم المنَّ والسلوى (١).
حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا حبيب بن حسان، عن سعيدِ بن جبير: ﴿وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾. قال: بنِعَمِ اللَّهِ (٢).
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة (٣): ﴿وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾. يقولُ: ذكِّرْهم بنعَمِ الله عليهم.
حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾. قال: بِنِعَمِ اللَّهِ (٤).
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قولِ اللَّهِ: ﴿وَذَكَّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾. قال: أيامه التي انتقم فيها من أهل معاصيه من الأمم، خوِّفْهم بها، وحذِّرهم إياها، وذكِّرهم أن يُصيبهم ما أصاب الذين من قبلهم.
حدثني المثنَّى، قال: ثنا الحمانيُّ، قال: ثنا محمد بن أبانٍ، عن أبي
стр. 9316
إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباسٍ، عن أبيٍّ، عن النبي ﷺ : ﴿وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾. قال: نعم الله (١).
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، عن الثوري، عن عبيد الله أو غيره، عن مجاهدٍ: ﴿وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾. قال: بنعم الله. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾. يقولُ: إن في الأيامِ التي سلفت بنِعَمى عليهم - يعنى على قوم موسى - ﴿لَآيَاتٍ﴾ يعنى: لعِبَرًا ومواعظَ ﴿لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾، يقول: لكلِّ ذى صبر على طاعة الله، وشكر له على ما أنعم عليه مِن نِعَمِه.
حدثني المثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا هشام، عن عمرو، عن سعيد، عن قتادة في قولِ اللَّهِ : ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾.
قال: نِعْمَ العبد عبد، إِذا ابْتُلى صبَر، وإذا أُعْطِى شكَر (٢).
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٦)﴾.
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : واذكر يا محمد إذ قال موسى بن عمران
стр. 9317
لقومه من بني إسرائيل ﴿اذْكُرُوا﴾ [أيُّها القومُ] (١) ﴿نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾، التي أنعَم بها عليكم؛ ﴿إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾، يقولُ: حين أنجاكم من أهل دينِ فرعونَ وطاعتِه، ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾. أي (٢) يُذيقونكم شديد العذابِ، ﴿وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [مع إذاقتهم إيَّاكم شديدَ العذاب يذبِّحون (٣) أبناءَكم] (٤). وأدخلت الواو في هذا الموضع لأنَّه أريد بقوله: ﴿وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾: الخبرُ عن أنَّ آلَ فرعون كانوا يُعَذِّبون بني إسرائيل بأنواعٍ من العذاب غير التذبيح، وبالتذبيحِ. وأما في موضع آخر من القرآن، فإنه جاء بغير الواو: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٩] في موضعٍ، وفى موضعٍ: ﴿يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأعراف: ١٤١]. ولم تدخلِ الواوُ في المواضع التي لم تَدْخلْ فيها؛ لأنَّه أريد بقوله: ﴿يُذبِّحُونَ﴾ وبقوله: ﴿ويُقَتِّلُونَ﴾ تبيينه صفاتِ العذابِ الذي كانوا يسُومونهم، وكذلك العمل في كل جملةٍ أُريد تفصيلها، فبغير الواوِ تفصيلها، وإذا أُريدَ العطفُ عليها بغيرها وغير تفصيلها فبالواو (٥).
حدثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ الزُّبيرِ، عن ابن عيينة في قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. أيادىَ اللَّهِ عندكم وأيامه (٦).
وقوله: ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾. يقولُ: ويبقون نساءكم، فيَتْرُكون
стр. 9318
قتلَهنّ، وذلك استحياؤهم كان إياهنَّ. وقد بيّنا ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع (١)، ومعناه: ويَتْرُكونهم والحياةَ (٢). ومنه الخبر الذي روى عن رسولِ الله ﷺ ، أنه قال: "اقْتُلُوا شيوخَ المشركين، واسْتَحْيُوا شَرْخَهم (٣) " (٤) بمعنى: اسْتَبْقوهم فلا تَقْتُلوهم.
﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾. يقول تعالى: وفيما يَصْنَعُ بكم آل فرعونَ من أنواع العذابِ بلاء لكم من ربِّكم ﴿عَظِيمٌ﴾ يقول (٥): أي ابتلاءٌ واختبارٌ لكم من ربِّكم عظيمٌ. وقد يكون البلاء في هذا الموضعِ نعماء [ويكونُ من البلاء الذي يصيب الناسَ من الشدائد] (٦).
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾.
يقولُ جلّ ثناؤه: واذكروا أيضًا حين اذنكم ربُّكم. و "تأذَّن" تفعّل من "آذن"، والعربُ ربما وضَعت تفعَّل موضع أفعل، كما قالوا: أَوْعَدتُه، وتَوَعَّدتُه. بمعنًى واحدٍ، وآذن: أعلَم، كما قال الحارثُ بن حِلِّزةَ (٧):
стр. 9319
آذَنَتْنا ببَيْنِها أسماءُ … رُبَّ ثاوٍ يُمَلُّ منه الثَّواءُ
يعنى بقوله: آذَنَتنا، أعلَمتنا.
وذكر عن ابن مسعودٍ ﵁، أنه كان يقرَأُ ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكُمْ) (١).
حدثني بذلك الحارثُ، قال: ثنى عبد العزيز، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش عنه.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾. قال: وإذ قال ربُّكم، ذلك التَّأذُّنُ.
وقوله: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾. يقولُ: لئن شكَرتم ربَّكم بطاعتكم إياه فيما أمركم ونهاكم. ﴿لأَزِيدَنَّكُمْ﴾: في أياديه عندَكم، ونعمه عليكم، على ما قد أعطاكم مِن النجاةِ مِن آلِ فرعونَ، والخلاص من عذابهم (٢).
وقيل في ذلك قولٌ غيرُه، وهو ما حدثنا الحسنُ بن محمدٍ، قال: ثنا الحسين بن الحسن، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: سمعتُ عليَّ بنَ صالح، يقولُ في قولِ اللهِ : ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾. قال: أي من طاعتى (٣).
حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا ابن المباركِ، قال: سمعت عليَّ ابن صالح. فذكر نحوه.
حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان: ﴿لَئِن
стр. 9320
شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾. قال: مِن طاعتى (١).
حدثني الحارثُ، قال: ثنا عبد العزيزِ، قال: ثنا مالك بنُ مِغْوَلٍ، عن أَبانِ بن أبي عياشٍ، عن الحسن في قوله: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾. قال: مِن طاعتي (٢).
ولا وجه لهذا القولِ يُفْهَمُ؛ لأنَّه لم يَجْر للطاعةِ في هذا الموضعِ ذكرٌ فيقالَ: إن شكَرتمونى عليها زدتكم منها. وإنما جرَى ذكرُ الخبر عن إنعام الله على قومِ موسى بقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. ثم أخبرَهم أن الله أعلَمهم إن شكَروه على هذه النعمة زادهم. فالواجب في المفهوم أن يكون معنى الكلامِ: زادَهم من نعمِه. لا مما لم يَجْرِ له ذكرٌ من الطاعةِ، إلا أن يكونَ أُريد به: لئن شكَرتم فأطَعْتمونى بالشكرِ، لأزيدنَّكم من أسباب الشكرِ ما يُعينُكم عليه. فيكونَ ذلك وجهًا.
وقوله: ﴿وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾. يقولُ: ولئن كفرتم أيها القومُ نعمةَ الله فجحَدتموها بترك شكره عليها، وخلافِه في أمره ونهيِه، وركوبكم معاصيَه ﴿إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾، أعذِّبُكم كما أُعذِّبُ مَن كَفَر بي مِن خلقى.
وكان بعضُ البصريين يقولُ في معنى قوله: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾: وتأذَّن ربُّكم. ويقولُ: "إذ" من حروفِ الزوائدِ، وقد دلَّلنا على فسادِ ذلك فيما مضى قبل (٣).
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُوا أَنتُمْ وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا
стр. 9321
فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾.
يقول تعالى ذكره: ﴿وَقَالَ مُوسَى﴾ لقومه ﴿إِن تَكْفُرُوا﴾ أيُّها القوم، فتجحَدوا نعمة الله التي أنعمها عليكم ﴿أَنتُمْ﴾، ويَفْعَلُ في ذلك مثل فعلِكم ﴿مَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ﴾ عنكم وعنهم مِن جميعِ خلقِه، لا حاجةَ به إلى شكرِكم إياه على نعمه عند جميعكم ﴿حَمِيدٌ﴾ ذو حَمْدِ إلى خلقه بما أنعَم به عليهم.
كما حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبد الله بن هاشم، قال: أخبرنا سيفٌ، عن أبي رَوْقٍ، عن أبي أيوب، عن عليٍّ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ﴾. قال: غنيٌّ عن خلقه. ﴿حَمِيدٌ﴾. قال: مُسْتَحْمِدٌ إليهم.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٩)﴾.
يقولُ تعالى ذكره مخبرًا عن قيلِ موسى لقومِه: يا قومِ ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾. يقولُ: خبرُ الذين من قبلكم من الأممِ التي مضَت قبلكم، ﴿قَومِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ﴾. و"قومِ نوحٍ (١) "، فبُيِّن بهم عن "الذين"، و "عادٍ" معطوفٌ بها على "قومِ نوحٍ"، ﴿وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾. يعنى: مِن بعدِ قومِ نوحٍ وعادٍ وثمودَ، ﴿لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾. يقولُ: لا يُحصى عددَهم، ولا يَعْلَمُ مبلغهم إلا الله.
стр. 9322
كما حدَّثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاقَ، عن عمرو بن ميمونٍ: ﴿وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِم لَا يَعْلَمُهُم إِلَّا اللَّهُ﴾. قال: كذَب النسَّابون (١).
حدثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمنِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله بن مسعودٍ بمثل ذلك.
حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابةُ، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاقَ، عن عمرو بن ميمون، قال: ثنا ابن مسعودٍ أنه كان يَقْرَؤُها: (وعادًا وَثَمُودَ وَالَّذِين منْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ). ثم يقولُ: كذَب النسابون (٢).
حدثني ابن المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عيسى بن جعفر، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبدِ اللَّهِ مثله.
وقوله: ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيَّنَاتِ﴾. يقولُ: جاءت هؤلاء الأمم رسلهم الذين أرسلهم الله إليهم، بدعائهم إلى إخلاص العبادة له، ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾. [يقولُ: بحُجَجٍ ودَلالاتٍ، على حقيقةِ ما دعَوهم إليه، معجزاتٍ] (٣).
وقوله: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾. اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: فعضُّوا على أصابعهم، تغيُّظًا عليهم في دعائهم إياهم إلى ما دعَوهم إليه.
стр. 9323
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنَّى، قالا: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوص، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾. قال: عضُّوا عليها تَغَيُّظًا.
حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا الثوريُّ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ، عن عبد الله في قوله: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾. قال: غيظًا، هكذا. وعضَّ يدَه (١).
حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾. قال: عَضُّوها (٢).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا عبد الله بن رجاءٍ البصريُّ، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوص، عن عبدِ اللهِ في قولِ اللَّهِ : ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾. قال: عَضُّوا على أصابعهم (٣).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن أبي إسحاق، عن أبى الأحوصِ، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾. قال: عَضُّوا على أطراف أصابعهم.
حدثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمد بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبة، عن أبي
стр. 9324
إسحاق، عن هبيرة، عن هبيرة، عن عبدِ اللَّهِ، أنه قال في هذه الآية: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾. قال: أن يَجْعَلَ إصبعه في فيه.
حدثنا الحسن بن محمدٍ، قال: ثنا أبو قَطَنٍ، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن هبيرةَ، عن عبدِ الله في قول الله جلّ وعزّ: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾. ووضع شعبة أطراف أنامله اليسرى على فيه.
حدثنا الحسن، قال: ثنا يحيى بن عبَّادٍ، قال: ثنا شعبة، قال: أخبرنا أبو إسحاق، عن هبيرة، قال: قال عبد اللهِ: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾. قال: هكذا. وأدخل أصابعه في فيه.
حدثنا الحسن، قال: وحدثناه عفان، قال: ثنا شعبة، قال أبو إسحاق: أنبأنا عن هبيرةَ، عن عبدِ اللهِ أنه قال في هذه الآية: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾. قال أبو عليٍّ: وأرانا عفان، وأدخل أطراف أصابع كفِّه مبسوطةً في فيه، وذكر أن شعبةَ أراه كذلك.
حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان وإسرائيل، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوص، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾. قال: عَضُّوا على أناملهم. وقال سفيانُ: عَضُّوا غيظًا (١).
حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾. فقرأ: ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [آل عمران: ١١٩] قال: هذا (٢): ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾. قال:
стр. 9325
أدخَلوا أصابعَهم في أفواهِهم. وقال: إذا اغتاظَ الإنسانُ عضَّ يدَه (١).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: أنهم لما سمعوا كتابَ اللَّهِ عجبوا منه، ووضَعوا أيديهم على أفواههم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾. قال: لما سمعوا كتاب الله عجبوا، ورجعوا بأيديهم إلى أفواههم (٢).
وقال آخرون: بل معنى ذلك أنهم كذبوهم بأفواههم.
ذكر من قال ذلك
حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، ح وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد في قولِ اللَّهِ: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾. قال: ردُّوا عليهم قولهم وكذَّبوهم (٣).
حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد مثله.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله.
стр. 9326
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيَّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾. يقولُ: قومُهم كذَّبوا رُسُلَهم، وردُّوا عليهم ما جاءوا به من البينات، وردُّوا عليهم بأفواههم، وقالوا: ﴿إِنَّا لَفِي شَكّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمر، عن قتادةَ في قوله: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾. قال: ردُّوا على الرسل ما جاءت به (١).
وكأن مجاهدا وجَّه قولَه: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾. إلى معنى: ردُّوا أياديَ الله التي لو قبلوها كانت أيادى ونعمًا له عندهم، فلم يقبلوها. ووجَّه قولَه: ﴿فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ إلى معنى: بأفواههم، يعني: بألسنتهم التي في أفواههم. وقد ذُكِر عن بعض العرب سماعا: أدخلك الله بالجنة. يَعْنون: في الجنة. ويُنْشَدُ هذا البيتُ (٢):
وأَرْغَبُ فيها عن لَقِيطٍ ورَهْطِه … ولكننى عن سِنْبِسٍ لستُ أرْغَبُ (٣)
يريدُ: وأرغب فيها، يعنى [بابنةٍ له] (٣)، عن لقيطٍ، ولا أَرْغَبُ بها عن قبيلتي.
وقال آخرون: بل معنى ذلك أنهم كانوا يَضَعون أيديهم على أفواه الرسل، ردا عليهم قولهم وتكذيبًا لهم.
وقال آخرون: هذا مَثَلٌ، وإنما أُريد أنهم كفُّوا عما أُمروا بقبوله من الحقِّ، ولم يؤمنوا به ولم يسلموا، وقال: يقال للرجل إذا أمسك عن الجواب فلم يُجِبْ: ردَّ يده
стр. 9327
في فمه.
وذكر بعضُهم أن العرب تقولُ: كلَّمتُ فلانًا في حاجةٍ، فرد يده في فيه. إذا سكت عنه فلم يُجِبْ، وهذا أيضًا قول لا وجه له؛ لأن الله عزَّ ذكرُه، قد أخبر عنهم أنهم قالوا: ﴿إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ﴾، فقد أجابوا بالتكذيب.
وأشبه هذه الأقوال عندى بالصواب في تأويل هذه الآية، القولُ الذي ذكرناه عن عبد الله بن مسعود؛ أنهم ردُّوا أيديهم في أفواههم، فعضوا عليها غيظًا على الرسل، كما وصف الله به إخوانهم من المنافقين، فقال: ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [آل عمران: ١١٩]. فهذا هو الكلام المعروف، والمعنى المفهوم من ردِّ اليدِ إلى الفم.
وقوله: ﴿وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ﴾. يقول : وقالوا لرُسُلِهم: إنا كفَرنا بما أَرْسَلَكم به مَن أَرْسَلَكم، من الدعاء إلى تركِ عبادة الأوثان والأصنام، ﴿وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ﴾ من حقيقة ما تَدْعوننا إليه، من توحيدِ اللهِ، ﴿مُرِيبٍ﴾. يقولُ: يُرِيبنا ذلك الشك، أي يُوجِبُ لنا الرِّيبة والتهمة فيه، يقال منه: أراب الرجلُ: إذا أتى بريبةٍ، يُرِيب إرابةً.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (١٠)﴾.
يقول تعالى ذكره: قالت رسلُ الأمم التي انتها رسلها: ﴿أَفِي اللَّهِ﴾ أنه المستحقُّ عليكم أيها الناسُ الألوهة والعبادةَ، دون جميع خلقه، ﴿شَكٌّ﴾؟
стр. 9328
وقوله: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. يقولُ: خالق السماوات والأرضِ. ﴿يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مَّن ذُنُوبِكُمْ﴾. يقولُ: يَدْعُوكم إلى توحيده وطاعته، ﴿لِيَغْفِرَ لَكُم مَّن ذُنُوبِكُمْ﴾. يقولُ: فيستر عليكم بعض ذنوبكم بالعفو عنها، فلا يُعاقبكم عليها، ﴿ويُؤَخِّرَكُمْ﴾. يقول: ويُنسى في آجالكم، فلا يُعاقبكم في العاجل فيُهلككم، ولكن يؤخرُكم إلى الوقت الذي كتب في أم الكتاب أنه يَقْبِضُكم فيه. وهو الأجلُ الذي سمَّى لكم، فقالت الأممُ لهم: ﴿إِنْ أَنتُمْ﴾ أيُّها القومُ ﴿إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا﴾ في الصورة والهيئةِ، ولستم ملائكةً، وإنما تُريدون بقولكم هذا الذي تقُولون لنا ﴿أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾. يقولُ: إنما تُريدون أن تَصْرِفونا بقولكم عن عبادة ما كان يعبده من الأوثانِ آباؤنا، ﴿فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾. يقولُ: فَأْتُونا بحجةٍ على ما تقولون، تُبَيِّنُ لنا حقيقتَه وصحته، فنَعْلَمَ أنكم فيما تقولون مُحِقُّون.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١)﴾.
يقول تعالى ذكره: [قالت الرسلُ التي أتتهم لهم] (١): ﴿إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾، صدَقتم في قولكم: ﴿إنْ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا﴾ [إبراهيم: ١٠]. فما: نحن إلا بشرٌ مِن بنى آدم، إنسٌ مثلُكم، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾. يقولُ: ولكنّ اللَّهَ يتفَضَّلُ على من يشاءُ من خلقه، فيهدِيه ويوفِّقُه
стр. 9329
للحقِّ، ويفضِّله على كثير من خلقه، ﴿وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ﴾. يقولُ: وما كان لنا أن نأتيكم بحجة وبرهان على ما ندعوكم إليه، ﴿إلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. يقولُ: إلا بأمر الله لنا بذلك، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ: وبالله فلْيثِقْ به مَن آمن به وأطاعه، فإنا به نثِقُ، وعليه نتوكلُ.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهد قولَه: ﴿فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾. قال: السلطان المبينُ: البرهان والبيِّنةُ، وقوله: ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ [آل عمران: ١٥١]. قال: بينةً وبرهانًا (١).
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (١٢)﴾.
يقولُ تعالى ذكره مخبرًا عن قيل الرسل لأممِها: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ﴾، فنثقَ به وبكفايته ودفاعه إياكم عنا، ﴿وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا﴾. يقولُ: وقد بصَّرنا طريق النجاة من عذابِه، فبيَّن لنا، ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا﴾ في، الله، وعلى ما نلقَى منكم من المكروه فيه، بسبب دعائنا إليكم إلى ما ندعوكم إليه، من البراءة من الأوثان والأصنام، وإخلاص العبادة له، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾. يقولُ: وعلى الله فليتوكلْ من كان به واثقًا من خلقه، فأما من كان به كافرًا، فإنّ وليَّه الشيطانُ.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ
стр. 9330
الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (١٤)﴾.
يقولُ عزّ ذكرُه: وقال الذين كفروا باللَّهِ لرسلهم الذين أرسلوا إليهم، حين دعَوْهم إلى توحيدِ اللَّهِ، وإخلاص العبادة له، وفراق عبادة الآلهة والأوثان: ﴿لَنُخْرِجَنَّكُم مَّنْ أَرْضِنَا﴾ يعنون: من بلادنا، فنطرُدَكم عنها، ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ يعنُون: إلا أن تعُودوا في ديننا الذي نحن عليه من عبادة الأصنام.
وأُدخِلت في قوله: ﴿لَتَعُودُنَّ﴾ لامٌ، وهو في معنى شرطٍ، كأنه جوابٌ لليمين، وإنما معنى الكلام: لنخرجنَّكم من أرضِنا، أو تعودون (١) في ملتنا.
ومعنى "أو" هاهنا معني "إلا" أو معنى "حتى"، كما يقال في الكلام: لأضرِبنك أو تُقِرَّ لي. فمن العربِ مَن يجعَلُ ما بعد "أو" في مثلِ هذا الموضع عطفًا على ما قبله؛ إن كان ما قبله جزمًا جزمُوه، وإن كان نصبًا نصبوه، وإن كان فيه لامٌ جعلوا فيه لامًا؛ إذ كانت "أو" حرفَ نسْقٍ، ومنهم مَن ينصِبُ ما بعد "أو" بكلِّ حالٍ، ليُعلم بنصبه أنه عن الأوَّلِ منقطع عما قبلَه، كما قال امرؤ القيس (٢):
بَكَى صاحبي لما رأى الدَّرْبَ دُونَهُ … وأَيْقَنَ أَنَّا لاحقانِ بِقَيْصَرَا
فَقُلْتُ لَه: لا تَبْكِ عَيْنُكَ إِنَّمَا … نحاوِلُ مُلْكا أو نَمُوتَ فَنُعْذَرَا
فنصب "نموتَ فنعذرا"، وقد رفع "نحاول"؛ لأنَّه أراد معنى: إلا أن نموتَ، أو حتى نموتَ، ومنه قولُ الآخر (٣):
لا أَسْتَطِيعُ نُزُوعًا عَنْ مَوَدَّتِها … أو يَصْنَعَ الحَبُّ بِي غيرَ الَّذِي صَنَعا
стр. 9331
وقولُه: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكُنَّ الظَّالِمِينَ﴾. الذين ظلموا أنفسهم، فأوجبوا لها عقابَ الله يكفرهم، وقد يجوز أن يكون قيل لهم: الظالمون. لعبادتهم مَنْ لا تجوز عبادته من الأوثان والآلهةِ، فيكون بوضعهم العبادة في غير موضعها، إذ كان ظلمًا، سُمُّوا بذلك (١).
وقوله: ﴿وَلَنَسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾. هذا وعدٌ مِن اللَّهِ مَن وَعَد من أنبيائِه النصرَ على الكفرة به من قومِه. يقولُ: لما تمادت أُمم الرسل في الكفرِ، وتوعَّدوا رسلَهم بالوقوعِ بهم، أوحى الله إليهم بإهلاكِ مَن كفَر بهم من أممهم، ووعدهم النصر، وكلُّ ذلك كان من الله وعيدًا وتهديدًا لمشركي قوم نبيِّنا محمد ﷺ ، على كفرهم به، وجراءتهم على نبيِّه، وتثبيتًا لمحمد ﷺ ، وأمرًا له بالصبر على ما لَقِى من المكروه فيه، من مشركي قومه، كما صبَر مَن كان قبله من أولى العزم من رسله، ومعرَّفَهُ أن عاقبةَ أمرِ مَن كفر به الهلاكُ، وعاقبته النصرُ عليهم؛ ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ﴾ [الأحزاب: ٦٢].
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَنَسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِم﴾. قال: وعدَهم النصرَ في الدنيا، والجنة في الآخرة (٢).
وقولُه: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾. يقول جل ثناؤه: هكذا فعلى بمَن (٣) خاف مَقَامَهُ بين يديَّ، وخاف وعيدى، فاتَّقانى بطاعتِه، وتجنَّب سُخْطِي، أنصُرُه على من أراد به سوءًا، وبغاه مكروها من أعدائى، أُهلِك عدوه وأخزيه، وأورثه أرضه ودياره. وقال: ﴿لِمَنْ خَافَ مَقَامِي﴾. ومعناه ما
стр. 9332
قلتُ، من أنه: لمن خاف مقامه بين يدى، بحيث أُقيمه هنالك للحساب. كما قال: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢]. معناه: وتجعلون رزقي إيَّاكم أنكم تكذبون. وذلك أن العرب تُضِيفُ أفعالَها إلى أنفسها، وإلى ما أوقعت عليه، فتقولُ: قد سُرِرتُ برؤيتك، وبرؤيتي إيَّاك. فكذلك ذلك.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥)﴾.
يقول تعالى ذكرُه: واستفتَحت الرسلُ على قومها. أي استنصرت الله عليها، ﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾. يقولُ: هَلَك كل متكبر جائرٍ عن الإقرار بتوحيدِ اللهِ، وإخلاص العبادة له. والعنيد والعاندُ والعَنُودُ، بمعنى واحد، ومن الجبار تقولُ: هو جبارٌ بَيْنُ الجَبَريَّةِ والجَبْريَّةِ (١) والجَبَرُوَّةِ [والجَبْرُوَّةِ] (٢) والجَبَرُوتِ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى وحدثنى الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا﴾. قال: الرسل كلُّها. يقول: استنصروا. ﴿عَنِيدٍ﴾. قال: معاند للحقِّ، مجانِبِه] (٣)(٤).
стр. 9333
حدَّثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، ح وحدثني الحارث، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبد الله، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا﴾. قال: الرسلُ كلُّها استنصروا، ﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنيدٍ﴾. قال: معاند للحقِّ مجانبِه.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله. وقال ابن جريج: استفتحوا على قومهم (٥).
حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾، قال: كانت الرسل والمؤمنون يستضعفهم قومهم، ويَقْهَرونهم ويكذبونهم ويدْعُونهم إلى أن يعودوا في ملَّتِهم، فأبى الله لرسله وللمؤمنين أن يعودوا في ملَّةِ الكفر، وأمرَهم أن يتوكَّلوا على الله، وأمرهم أن يستفتحوا على الجبابرة، ووعدهم أن يُسْكنهم الأرضَ من بعدهم، فأنجَز الله لهم ما وعدهم، ﴿وَاسْتَفْتَحُوا﴾ كما أمرهم الله أن يستفتحوا، ﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ (١).
حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج بن المنهال، قال: ثنا أبو عوانةَ، عن المغيرة، عن إبراهيم في قوله: ﴿عَنِيدٍ﴾. قال: هو الناكبُ عن الحقِّ (٢).
حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا مطرفٌ، عن (٣) بشرٍ، عن هشيمٍ،
стр. 9334
عن مغيرةَ، عن سماكٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾. قال: الناكبُ عن الحقِّ.
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولَه: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا﴾. يقول: استنصرت الرسلُ على قومها. قوله: ﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾: والجبارُ العنيد: الذي أتى أن يقول: لا إله إلا الله.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمر، عن قتادة: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا﴾. قال: استنصرت الرسل على قومها. ﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾. يقولُ: عنيد (١) عن الحقِّ، مُعرِض عنه.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة مثلَه، وزاد فيه: معرض عنه، أبَى أن يقولَ: لا إلهَ إلا الله (٢).
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قوله: ﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾. قال: العنيد عن الحقِّ، الذي يعيد عن الطريقِ. قال: والعربُ تقولُ: شرُّ الإبل (٣) العنيدُ، الذي يخرجُ عن الطريقِ.
حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: [﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾. قال: الجبارُ هو المتجبِّرُ (٤).
وكان ابن زيد يقولُ في معنى قوله: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا﴾ خلافَ قول هؤلاء،
стр. 9335
ويقولُ: إنما استفتحت الأممُ فأجيبت.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا﴾. قال: استفتاحُهم بالبلاء، قالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا﴾ الذي أتى به محمدٌ ﴿هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مَّنَ السَّمَاءِ﴾ كما أمطرتَها على قوم لوطٍ، ﴿أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]. قال: كان استفتاحهم بالبلاء، كما استفتح قومُ هودٍ: ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِقِينَ﴾ [الأعراف: ٧٠]. قال: فالاستفتاحُ: العذاب. قال: قيل لهم: إن لهذا أجلًا. حين سألوا اللَّهَ أَن يُنزِلَ عليهم، فقال: بل نؤخرهم [إلى يوم القيامة] (١). فقالوا: لا نريد أن نؤخَّرَ إلى يوم القيامةِ؛ ﴿رَبَّنا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا﴾ عذابنا ﴿قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [ص: ١٦]. وقرأ: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُّسَمَّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ﴾ حتى بلغ ﴿وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٢) [العنكبوت: ٥٣ - ٥٥].
القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (١٧)﴾.
يقولُ عزّ ذكره: ﴿من وَرَائِهِ﴾ من أمامِ كلِّ جبارٍ ﴿جَهَنَّمُ﴾ يَرِدُونها. و"وراء" في هذا الموضع، بمعنى "أمام"، كما يقال: إن الموتَ من ورائك: أي قُدَّامَك، وكما قال الشاعرُ (٣):
стр. 9336
أتُوعِدُنِي وَرَاءَ بَنِي رِياحٍ … كَذَبْتَ لَتَقْصُرَنَّ يَداكَ (١) دُونِي
يعني: وراء بنى رياحٍ: قدام بنى رياحٍ وأمامَهم.
وكان بعضُ نحويِّى أهل البصرة يقولُ: إنما: ﴿من وَرَائِهِ﴾. بمعنى: مِن أمامِه؛ لأنَّه وراء ما هو فيه، كما يقول لك: وكلُّ هذا من ورائك. أي: سيأتي عليك، وهو من وراءِ ما أنت فيه؛ لأن ما أنت فيه قد كان قبل ذلك، وهو من ورائه. وقال: ﴿وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ الكهف: ٧٩]. من هذا المعنى، أي: كان وراء ما هم فيه، أمامهم.
وكان بعضُ نحويِّى أهل الكوفة يقولُ: أكثر ما يجوز هذا، في الأوقاتِ؛ لأن الوقت يمرُّ عليك، فيصيرُ خلفَك إذا جُزْتَه، وكذلك ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ لأنهم يجوزُونه، فيصيرُ وراءهم.
وكان بعضُهم يقولُ: هو من حروف الأضداد، يعنى "وراء" يكون قداما وخلفًا.
وقوله: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾. يقولُ: ويُسقى من ماءٍ. ثم بين ذلك الماءَ جلّ ثناؤه، وما هو، فقال: هو صديدٌ. ولذلك ردَّ الصديد في إعرابه على الماء؛ لأنَّه بيان عنه، والصديدُ: هو القَيْحُ والدَّمُ. وكذلك تأوّلَه أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثنى الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، ح وحدَّثنا الحسنُ بنُ محمد، قال:
стр. 9337
شبابةُ، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿مِن مَّاءٍ صَدِيدٍ﴾. قال: قيحٌ ودمٌ (١).
حدثنا المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد مثله.
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَيُسْقَى مِن مَّاءٍ صَدِيدٍ﴾. والصديدُ: ما يسيلُ من (٢) لحمِه وجلدِه (٣).
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿وَيُسْقَى مِن مَّاءٍ صَدِيدٍ﴾. قال: ما يسيلُ من بين لحمِه وجلده (٤).
حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا هشام، عمن ذكره، عن الضحاك: ﴿وَيُسْقَى مِن مَّاءٍ صَدِيدٍ﴾. قال: يعنى بالصديد ما يخرج من جوف الكافرِ، قد خالط القيح والدم.
وقوله: ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾: يتحسَّاه، ﴿وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾. يقولُ: ولا يكادُ يزدَرِدُه من شدَّةِ كراهيه، وهو مُسِيغُه (٥).
والعرب تجعل "لا يكاد" فيما قد فُعِل، وفيما لم يُفْعَل. فأما ما قد فعل، فمنه
стр. 9338
هذا؛ لأن الله جلّ ثناؤه جعَل لهم ذلك شرابًا؛ وأمّا ما لم يُفعلْ، وقد دخلت فيه "كاد"، فقولُه: ﴿إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور: ٤٠]. فهو لا يراها.
وبنحو ما قلنا من أن معنى قوله: ﴿وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾: وهو يسيغه - جاء الخبرُ عن رسول الله ﷺ .
ذكرُ الرواية بذلك
حدثني محمد بن المُثَنَّى، قال: ثنا إبراهيم أبو إسحاق الطالَقانيُّ، قال: ثنا ابن المبارك، عن صفوانَ بن عمرو، عن عبيدِ اللَّهِ بن بُسرٍ (١)، عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿وَيُسْقَى مِن مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ﴾: "فَإِذا شَرِبَهُ قَطَّعَ له أمْعَاءَهُ، حتى يَخْرُجَ مِنْ دُبُرِه، يقولُ الله : ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾: [محمد: ١٥]، ويقولُ: ﴿وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِى الْوُجُوهُ بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ " (٢) [الكهف: ٢٩].
حدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا معمر، عن ابن المبارك، قال: ثنا صفوان بن عمرو، عن عبيدِ اللهِ بن بُسْرٍ، عن أبي أمامةَ، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿وَيُسْقَى مِن مَاءٍ صَدِيدٍ﴾. فذكَر مثلَه، إلا أنه قال: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا﴾.
حدثني محمد بن خلفٍ العسقلانيُّ، قال: ثنا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ الحِمْصِيُّ، قال:
стр. 9339
ثنا بقيةُ، عن صفوان بن عمرو، قال: ثنى عبيدُ الله بن بسرٍ، عن أبي أمامةَ، عن النبيِّ ﷺ مثله سواءً (١).
وقوله: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيَّتٍ﴾. فإنه يقولُ: ويأتيه الموتُ من بين يديه، ومن خلفِه، وعن يمينه وشماله، ومن كل موضع من أعضاء جسده، ﴿وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾؛ لأنَّه لا تخرج نفسه فيموت فيستريح، ولا يحيا؛ لتعلُّق نفسه بالحناجر، فلا ترجع إلى مكانها.
كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج، عن مجاهد في قوله: ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾. قال: تَعْلَقُ نفسُه عند حنجرته، فلا تخرج من فيه فيموتَ، ولا ترجع إلى مكانها من جوفه، فيجد لذلك راحةً، فتنفعه الحياة (٢).
حدثنا الحسن بن محمدٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: ثنا العوّامُ بنُ حوشبٍ، عن إبراهيم التيمى قولَه: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ﴾. قال: مِن تحتِ كلِّ شعرة في جسده (٣).
وقوله: ﴿وَمِن وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾. يقولُ: ومن وراء ما هو فيه من العذاب - يعنى: أمامه وقدَّامَه - عذابٌ غليظٌ.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبَّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ
стр. 9340
اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَّا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٨)﴾.
اختلف أهل العربية في رافع ﴿مَثَلُ﴾؛ فقال بعض نحويِّى البصرة: إنما هو كأنه قال: ومما نقُصُّ عليكم مثلُ الذين كفروا. ثم أقبل (١) يفسَّرُ، كما قال: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾ [الرعد: ٣٥]، وهذا كثيرٌ.
وقال بعض نحويِّي الكوفيين: إنما المثلُ للأعمال، ولكن العرب تقدِّمُ الأسماء؛ لأنها أَعْرَفُ، ثم تأتى بالخبرِ الذي تخبرُ عنه مع صاحبه، ومعنى الكلام: مثلُ أعمال الذين كفروا بربهم كرمادٍ، كما قيل: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠]. ومعنى الكلام: ويوم القيامة ترى وجوة الذين كذبوا على الله مسودةً. قال: ولو خفض "الأعمال" [جاز، كما قال: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ الآية [البقرة: ٢١٧]. وقوله] (٢): ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَار﴾ [الرعد: ٣٥]. قال: فـ "تجرى" هو في موضع الخبرِ، كأنه قال: أن تجرى، وأن يكون كذا وكذا. فلو أَدْخل "أن" جاز. قال: ومنه قول الشاعر (٣):
ذَرِينى إن أمرَكِ لن يُطَاعَا … وما أَلْفَيْتِنِي حِلْمِي مُضَاعًا
قال: فالحلمُ منصوبٌ بـ "ألفيتِ" على التكرير. قال: ولو رفعه كان صوابا. قال: وهذا مثَلٌ ضرَبه الله لأعمال الكفارِ، فقال: مثلُ أعمال الذين كفروا يومَ القيامةِ، التي كانوا يعملونها في الدنيا، يزعمون أنهم يريدون الله بها، مثل رمادٍ
стр. 9341
عصَفت الريحُ عليه في يوم ريح عاصف فنسفته، وذهبت به، فكذلك أعمالُ أهلِ
الكفرِ به يومَ القيامة، لا يجدون منها شيئًا ينفَعُهم عندَ اللهِ، فينجيهم من عذابه؛
لأنهم لم يكونوا يعملونها لله خالصًا، بل كانوا يشركون فيها الأوثان والأصنامَ.
يقولُ اللهُ : ﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾. يعنى: أعمالهم التي كانوا يعملونها في الدنيا، التي يشركون فيها مع الله شركاء، هي أعمالٌ عُمِلت على غيرِ هُدًى واستقامة، بل على جَوْرٍ عن الهدى بعيد، وأخذ على غير استقامة شديد.
وقيل: ﴿فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾. فوصف بالعُصوف اليوم (١)، وهو من صفةِ الريحِ؛ لأن الريح تكون فيه، كما يقال: يومٌ باردٌ، ويوم حارٌّ. لأن البرد والحرارةَ يكونان فيه، وكما قال الشاعرُ (٢):
* يَومَينِ غَيْمَينِ ويومًا شَمْسَا *
فوصَف اليومين بالغيمين، وإنما يكونُ الغَيْمُ فيهما.
وقد يجوز أن يكونَ أُريد به في يوم عاصف الريح، فحذفت الريح؛ لأنها قد ذُكرت قبل ذلك، فيكون ذلك نظيرَ قول الشاعرِ (٣):
* إذا جاء يوم مُظْلِمُ الشمس كاسفُ *
يريدُ: كاسفُ الشمسِ.
стр. 9342
و (١) قيل: هو من نعتِ الريح خاصةً، غير أنه لما جاء بعد اليوم أُتْبع إعرابَه، وذلك أن العرب تُتْبِعُ الخفض الخفضَ في النعوتِ، كما قال الشاعر (٢):
تُرِيكَ سُنَّةَ وَجْهٍ غيرِ مُقْرِفَةٍ … ملساءَ ليس بها خَالٌ ولا نَدَبُ
فخفَض "غير" إتباعًا لإعراب الوجه، وإنما هي من نعتِ السُّنَّةِ، والمعنى: سُنَّةَ وجهٍ غيرَ مُقْرِفَةٍ. وكما قالوا: هذا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ.
[وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك] (٣)
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريج في ﴿كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ﴾. قال: حملته الريحُ في يوم عاصف (٤).
حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾. يقولُ: الذين كفروا بربِّهم، وعبدوا غيره، فأعمالهم يومَ القيامة كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف، لا يقدرون على شيءٍ من أعمالهم ينفَعُهم، كما لا يُقْدَرُ على الرمادِ إِذا أُرسل (٥) في
стр. 9343
يوم عاصفٍ. [وقولُه: ﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾. أي: الخطأُ البيِّنُ، البعيدُ عن طريق الحقِّ] (١).
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠)﴾.
يقول عز ذكره لنبيِّه محمد ﷺ : ألم تَرَ يا محمدُ بعين قلبك، فتعلم أن الله أنشأ السماوات والأرض بالحقِّ، منفردًا بإنشائها، بغيرِ ظَهِيرٍ ولا معينٍ. ﴿إن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾. يقولُ: إن الذي تفرَّد بخلق ذلك وإنشائه، من غير معين ولا شريك، إن هو شاء أن يُذهبكم فيفنيكم، أذهَبكم وأفناكم ﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ﴾ آخر سواكم مكانكم، فيجدِّدُ خلقهم،
﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾. يقولُ: وما إذهابُكم وإفناؤكم وإنشاء خلقٍ آخر سواكم مكانكم، على اللَّهِ بممتنِعٍ ولا متعذِّرٍ؛ لأنَّه القادر على ما يشاء.
واختلفت القرأة في قراءة قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله خَلَقَ﴾. فقرأ ذلك عامَّةُ قَرأةِ أهل المدينة والبصرة وبعضُ الكوفيين: ﴿خَلَقَ﴾ على "فعَل".
وقرأته عامَّةُ قرأة أهل الكوفة: (خالق)، على "فاعِل"، وهما قراءتان مستفيضتان، قد قرأ بكلِّ واحدة منهما أئمةٌ من القرّاء، متقاربتا المعنى، فبأيَّتِهما قَرَأ القارئُ فمصيبٌ (٢).
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا
стр. 9344
إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ (٢١)﴾.
يَعْنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا﴾: وظهر هؤلاء الذين كفروا به - يوم القيامة - من قبورهم، فصاروا بالبَرَازِ مِن الأَرضِ، ﴿جَمِيعًا﴾. يَعْنى: كلَّهم، ﴿فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾. يقولُ: فقال التُّبَّاعُ (١) منهم للمَتبوعين، وهم الذين كانوا يَسْتَكْبِرون في الدنيا عن إخلاص العبادة لله، واتِّباعِ الرسل الذين أُرسلوا إليهم: ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾ في الدنيا.
والتَّبَعُ جمعُ تابعٍ. كما الغَيب جمعُ غائبٍ، وإنما عَنَوا بقولهم: ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾. أنهم كانوا أتباعَهم في الدنيا، يَأْتَمِرُونَ لِمَا يَأْمُرُونهم به؛ مِن عبادة الأوثانِ، والكفرِ بالله، وينتَهُون عما نَهَوْهم عنه؛ مِن اتِّبَاعِ رسلِ اللَّهِ. ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾. يَعْنُون: فهل أنتم دافعون عنا اليوم من عذابِ الله من شيءٍ؟ وكان ابن جريجٍ يقولُ نحو ذلك.
حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج قوله: ﴿فَقَالَ الضُّعَفَاءُ﴾. قال: الأتباعُ. ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾. قال: للقادةِ (٢).
وقوله: ﴿لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَكُمْ﴾. يقول عز ذكره: قالت القادةُ على الكفرِ باللَّهِ لتُبَّاعِها: ﴿لَوْ هَدَننَا اللَّهُ﴾ - يَعْنُون: لو بَينَ اللَّهُ لنا شيئًا نَدْفَعُ به عذابَه عنا اليومَ - ﴿لَهَدَيْنَاكُمْ﴾، لبيَّنا ذلك لكم، حتى تدفعوا به العذاب عن أنفسكم، ولكنَّا قد جزِعْنا من العذابِ، فلم يَنْفَعْنا جَزَعُنا منه، وصَبْرُنا عليه. ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا
стр. 9345
أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ﴾. يَعْنُون: ما لهم (١) مِن [مَرَاغٍ يَرُوغُون] (٢). عنه يقالُ منه: حاص عن كذا. إذا راغ (٣) عنه. يَحِيصُ حَيْصًا وحُيُوصًا وحَيَصَانًا.
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا سويد بن نصرٍ، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن الحكمِ، عن عمر (٤) بن أبي ليلى، أحد بني عامرٍ، قال: سمعتُ محمد بن كعبٍ القُرَظِيَّ يقولُ: بلغنى، أو ذُكِر لي، أنَّ أهل النارِ قال بعضهم لبعضٍ: يا هؤلاء، إنه قد نزل بكم من العذابِ والبلاء ما قد تَرَوْن، فهلمَّ فلنصبرُ، فلعل الصبرَ يَنْفَعُنا، كما صبر أهلُ الدنيا على طاعة الله فنفعهم الصبرُ إذ صبروا فأَجْمَعوا (٥) رأيَهم على الصبر. قال: فتَصَبَّروا (٦). فطال صبرهم، ثم جزعوا فنادَوْا: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ﴾، أي منجًى (٧).
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ﴾. قال: إن أهل النار قال بعضُهم لبعضٍ: تعالَوْا، فإنما أدرك أهل الجنة الجنةَ ببكائهم وتضرعهم إلى اللهِ
стр. 9346
فتعالَوْا (١) نَبْكي: ونتضرَّعُ (٢) إلى اللهِ، قال: فبَكَوا، فلمَّا رَأَوْا ذلك لا ينفعهم قالوا: تعالَوا، فإِنَّما أدرك أهل الجنة الجنةَ بالصبر، [تعالَوا نصبِرْ] (٣)، فصبروا صبرًا لم يُرَ مثلُه، فلم ينفعهم ذلك، فعند ذلك قالوا: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ (٤).
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٢)﴾.
يقول تعالى ذكره: وقال إبليسُ لمَّا قُضِى الأمرُ؛ يعنى لَمَّا أُدخِل أهل الجنة الجنةَ، وأهل النار النارَ، واستقر بكلِّ فريق منهم قَرارُهم: إِنَّ اللَّهَ وعَدَكم - أيُّها الأتباعُ - النار، ووعدتكم النُّصْرةَ، فأَخْلَفْتُكم وعدى، ووفَّى الله لكم بوعده. ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾. يقولُ: وما كان لي عليكم فيما وعدتكم (٥) من النُّصرة، من حُجَّةٍ تَثْبُتُ لي عليكم بصدق قولى. ﴿إِلَّا أَن دَعَوْتُكُم﴾. وهذا هذا من الاستثناء المنقطع عن الأوّل، كما تقولُ: ما ضربته إلا أنه أحمقُ. ومعناه: ولكن دعوتُكم [﴿فَاسْتَجَبْتُم لِي﴾. يقول: إلا أن دعوتكم إلى طاعتي ومعصية الله] (٦)، فاستجبتُم لدعائى [فَلَا تَلُومُونِي﴾ على إجابتكم إِيَّايَ.
стр. 9347
﴿وَلُومُوا أَنفُسَكُم﴾ عليها. ﴿ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ﴾. يقولُ: ما أنا بمُغِيثِكم. ﴿وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيِّ﴾، ولا أنتم بمُغِيثيَّ من عذابِ اللَّهِ فَمُنْجِيَّ منه. ﴿إنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ﴾. يقولُ: إنى جَحَدتُ أن أكون شريكًا للهِ فيما أشركتموني فيه من عبادتِكم ﴿مِن قَبْلُ﴾ في الدنيا. ﴿إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. يقولُ: إِنَّ الكافرين باللَّهِ ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ من اللَّهِ، مُوجِعٌ.
يقالُ: أَصْرَخْتُ الرجلَ. إذا أَغَثْتَه. إصْرَاخًا. وقد صرخ الصارحُ يَصْرُخُ، ويَصْرَخُ قليلةً، وهو الصَّرِيخُ والصُّرَاخُ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثني محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن عامر في هذه الآية: ﴿مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾. قال: خَطِيبانِ يَقُومَان يومَ القيامةِ؛ إبليس، وعيسى ابن مريم؛ فأما إبليس فيقوم في حزبه، فيقولُ هذا القول؛ وأما عيسى ﵇ فيقولُ: ﴿مَا قُلْتُ لَهَم إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١٧)﴾ [المائدة: ١١٧] (١).
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن داود، عن الشَّعْبيِّ، قال: يقومُ خطيبان يوم القيامةِ؛ أحدهما عيسى، والآخرُ إبليس؛ فأما إبليس فيقومُ في حزبه فيقولُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقَّ﴾. فتلا داود حتى بلغ: ﴿بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ﴾. فلا أدرى أتم الآية أم لا؛ وأما عيسى ﵇ فيقال له:
стр. 9348
﴿أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾، فتلا حتى بَلَغَ: ﴿فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٦ - ١١٨].
حدثنا الحسن بن محمدٍ، قال: ثنا على بن عاصم، عن داود بن أبي هند، عن عامر، قال: يقومُ خَطيبان يومَ القيامة على رءوسِ الناسِ، يقولُ اللهُ : يا عيسى ابن مريمَ ﴿أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٦ - ١١٩]. قال: ويقوم إبليس فيقولُ: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مَّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ﴾ أنا بمغيثكم، وما أنتم بمُغيثِيَّ.
حدثنا الحسين، قال: ثنا سعيد بن منصورٍ، قال: ثني خالدٌ، عن داود، عن الشعبيِّ في قوله: ﴿ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ﴾. قال: خَطيبان يقومانِ يوم القيامةِ؛ فأما إبليس فيقولُ هذا، وأما عيسى فيقولُ: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ [المائدة: ١١٧].
حدثنا المثَنى، قال: ثنا سويد بن نصرٍ، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن رشدين بن سعد، قال: أخبرني عبد الرحمن بن زيادٍ، عن دُخَينٍ الحَجْريِّ، عن عقبةَ بن عامرٍ، عن رسول الله ﷺ ، ذكر الحديثَ، قال: "يقولُ عيسى: ذلكُمُ النبيُّ الأُمِّيُّ. فيَأْتُونَنى، فيَأْذَنُ الله لي أن أقومَ، فيثُور (١) مجلسى مِن أطيب ريح شمها أحدٌ، حتى أتى رَبِّي، فيُشَفْعَنى ويَجْعَلَ لي نورًا إلى نورٍ، من شعر رأسى إلى ظُفْرِ
стр. 9349
قَدمي، ثم يقولُ الكافِرُ (١): قَدْ وجَد المؤمنونَ مَن يَشْفَعُ لهم، فقُمْ أنت فاشْفَعْ لنا؛ فإنك أنت أضْلَلْتَنا. فيقومُ، [فيَتُورُ مَجْلِسَه] (٢) أنتَنُ ريح شمها أحدٌ، ثم [يعظمُ لجَهَنَّمَ] (٣)، ويقولُ عند ذلكَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ الآية (٤).
حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن رجلٍ، عن الحسن في قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مَّن سُلْطَانٍ﴾. قال: إذا كان يوم القيامة. قام إبليس خطيبًا على منبرٍ من نارٍ، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقَّ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ﴾. قال: بناصِرِيَّ ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ﴾. قال: بطاعتكم إِيَّايَ في الدنيا (٥).
حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا سُويدٌ، قال: أخبرنا ابن المباركِ عمَّن ذكره، قال: سمعت محمد بن كعبٍ القُرَظيَّ، قال في قوله: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ﴾. قال: قام إبليس يخطبهم فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقَّ﴾، إلى قوله: ﴿ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ﴾. يقولُ: بمُغْنٍ عنكم شيئًا ﴿وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ﴾. قال: فلمَّا سمعوا مقالته مَقتُوا أنفسهم،
стр. 9350
قال: فنُودوا: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ الآية [غافر: ١١٠] (١).
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ﴾، يقولُ: ما أنا بمُغيثِكم، وما أنتم بمغيثيَّ (٢).
وقوله: ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ﴾. يقولُ: عصيتُ اللَّهَ قبلكم.
حدَّثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِغِنَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ﴾. قال: هذا قولُ إبليس يوم القيامة، يقولُ: ما أنتم بنافِعيَّ، وما أنا بنافِعِكم ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ﴾. قال: شَرِكَتُه عبادتُه (٣).
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا ورقاء جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله جلَّ وعزَّ: ﴿بِمُصْرِخِيَّ﴾ قال: بمُغيثيَّ.
حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شَبَابَةُ، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد مثله.
حدثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.