← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 9381–9420 · переход к 9386.

стр. 9381

ذلك مِتَّ، وعلى ذلك تُبعثُ إن شاء اللَّهُ. ثم يُفسَحُ له في قبره سبعون ذراعًا، ويُنَوَّر له فيه، ثم يُفتَحُ له بابٌ إلى الجنةِ، فيُقالُ له: انظُرْ إلى ما أعد الله لك فيها. فيزدادُ غِبْطَةً وسرورًا، ثم يُفتَحُ له باب إلى النارِ، فيُقالُ له: انظرْ ما صرَف الله عنك لو عصيته. فيزدادُ غِبْطَةً وسرورًا، ثم يُجعلُ نَسمُه في النَّسَم الطيِّبِ، وهى طيرٌ خضرٌ تَعلَّقُ بشجرِ الجنة، ويُعاد جسده إلى ما بُدئ منه من الترابِ، وذلك قول الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ " (١). حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا أبو قَطَنٍ، قال: ثنا المسعودى، عن عبد الله بن مخارق، عن أبيه، عن عبدِ اللَّهِ، قال: إن المؤمنَ إذا مات أُجلس في قبره، فيقالُ له: مَن ربُّك؟ وما دينُك؟ ومَن نبيُّك؟ فيُثبِّتُه اللَّهُ، فيقولُ: ربى الله وديني الإسلام، ونبيِّيَ محمدٌ. قال: فقرأ عبدُ اللَّهِ ﴿يُثَبَّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ (٢). حدثنا الحسن، قال: ثنا أبو خالد القرشى، عن سفيان، عن أبيه، وحدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن أبيه، عن خيثمة، عن البراء في قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال: عذابُ القبرِ (٣). حدثنا الحسن، قال: ثنا عفان، قال: ثنا شعبة، عن علقمة بن مَرثَدٍ، عن سعدِ

стр. 9382

ابن عبيدةَ، عن البراءِ، عن النبيِّ ﷺ في قول الله تعالى: ﴿يُثَبَّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. قال شعبة شيئًا لم أحفظْه، قال: في القبرِ (١). حدَّثني محمد بن سعدِ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿يُثَبَّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾. إلى قوله: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾. قال: إن المؤمن إذا حضره الموتُ شهدته الملائكةُ، فسلَّموا عليه، وبشَّروه بالجنةِ، فإذا مات مشوا في جنازته، ثم صَلُّوا عليه مع الناس، فإذا دُفن أُجلِس في قبره، فيقال له: مَن ربُّك؟ فيقولُ: ربى اللَّهُ. ويقالُ له: مَن رسولُك؟ فيقول: محمد. فيقال له: ما شهادتك؟ فيقولُ: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسولُ اللَّهِ. فيُوسَّعُ له في قبرِه مَدَّ بصره (٢). حدثنا الحسنُ، قال: ثنا حجاجٌ، قال: قال ابن جريج: سمعتُ ابن طاوسٍ يخبرُ عن أبيه، قال: لا أعلمه إلا قال: هي في فتنة القبرِ. في قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ (٣). حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جريرٌ، عن العلاء بن المسيَّبِ، عن أبيه، أنه كان يقولُ في هذه الآيةِ ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾: هي في صاحبِ القبرِ. حدثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرنا هشيمٌ، عن العوامِ، عن

стр. 9383

المسيَّبِ بن رافعٍ: ﴿يُثَبَّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾. قال: نزلت في صاحبِ القبرِ (١). حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا عباد بن العوامِ، عن العلاء بن المسيَّبِ، عن أبيه المسيَّبِ بن رافع نحوَه (٢). حدَّثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن سعدٍ، قال: أخبَرنا أبو جعفر الرازيُّ، عن الربيع في قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾. قال: بلغنا أن هذه الأمةَ تُسْألُ في قبورها، فيثبِّتُ الله المؤمنَ في قبره حين يُسْأَلُ. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو ربيعةً فهدٌ، قال: ثنا أبو عوانةَ، عن الأعمش، عن المنهالِ بن عمرو، عن زاذانَ، عن البراء بن عازب، قال: قال رسول الله ﷺ ، وذكَر قبضَ روح المؤمنِ، قال: فترجع روحه في جسدِه، ويبعث الله إليه ملَكَين شدِيدَى الانتهارِ، فيُجلسانه وينتهرانه، يقولان: من ربُّك؟ ". قال: "فيقولُ: اللَّهُ. وما دينك؟ قال: الإسلام". قال: "فيقولان لَه: ما هذا الرجل أو النبيُّ الذي بُعِث فيكم؟ فيقولُ: محمدٌ رسولُ اللَّهِ". قال: "فيقولان له: وما يُدريك؟ قال: "فيقولُ: قرأتُ كتابَ اللَّهِ، فَآمَنْتُ به وصَدَّقْتُ. فذلك قولُ اللَّهِ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ " (٣). حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿يُثَبَّتُ

стр. 9384

اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. قال: نزَلت في الميِّتِ الذي يُسألُ في قبرِه عن النبيِّ ﷺ (١). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِ اللهِ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. قال: بلَغَنا أن هذه الأمةَ تُسألُ في قبورِها، فيثبِّتُ اللهُ المؤمنَ حيث يُسألُ (٢). حدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا شريكٌ، عن إبراهيمَ بن مهاجرٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال: هذا في القبرِ مخاطبتُه، وفى الآخِرَةِ مثلُ ذلك (٣). وقال آخرون: معنى ذلك: يثبِّتُ اللهُ الذين آمنوا بالإيمانِ في الحياةِ الدنيا: وهو القولُ الثابتُ، وفي الآخرةِ: المسألةُ في القبرِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال: لا إلهَ إلا اللهُ، ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾: المسألةُ في القبرِ (٤). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ

стр. 9385

الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. أما الحياةُ الدنيا، فيثبتُهم بالخيرِ والعملِ الصالحِ، وقولُه: ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾: أي في القبرِ (١). والصوابُ من القولِ في ذلك ما ثبَت به الخبرُ عن رسولِ اللهِ ﷺ في ذلكِ، وهو أن معناه: يثبِّتُ اللهُ الذين آمنوا بالقولِ الثابتِ في الحياةِ الدنيا، وذلك تثبيتُه إياهم في الحياة الدنيا بالإيمانِ باللهِ وبرسولِه محمدٍ ﷺ ، ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ بمثلِ الذي ثبَّتهم به في الحياةِ الدنيا، وذلك في قبورِهم حين يُسأَلون عن الذي هم عليه من التوحيدِ والإيمانِ برسولِه ﷺ . وأما قولُه: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾. فإنه يعني أن الله لا يوفِّقُ المنافقَ والكافرَ في الحياةِ الدنيا، وفي الآخرةِ عند المسألةِ في القبرِ، لِما هدَى له المؤمنَ من الإيمانِ باللهِ ورسولِه ﷺ . وبنحوِ الذي قلنا في ذلك، قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: أما الكافرُ فتنزلُ (٢) الملائكةُ إذا حضَره الموتُ، فيبسُطون أيديَهم - والبسطُ هو الضربُ - يضربون وجوهَهم وأدبارَهم عند الموتِ، فإذا أُدخِل قبرَه أُقعِد، فقيل له: مَنْ ربُّك؟ فلم يُرْجِعْ إليهم شيئًا، وأنساه اللهُ ذكرَ ذلك، وإذا قيل له: مَن الرسولُ الذي بُعِث إليك؟ لم يهتدِ له، ولم يُرجِعْ إليهم (٣) شيئًا، يقولُ اللهُ:

стр. 9386

﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾. حدَّثني المثنى، قال: ثنا فهدُ بنُ عوفٍ أبو ربيعةَ، قال: ثنا أبو عوانةَ، عن الأعمشِ، عن المنهالِ بن عمرٍو، عن زاذانَ، عن البراءِ، قال: قال رسولُ اللهُ ﷺ ، وذكَر الكافرَ حين تُقبضُ روحُه، قال: "فتُعادُ روحُه في جسدِه". قال: "فيأتيه ملكان شَدِيدَا الانتهارِ، فيُجْلِسانِه فينتهرانِه، فيقُولان له من ربُّك؟ فيقولُ: لا أدرى". قال: "فيَقولان له: ما دينُكَ؟ فيقولُ: لا أدرى". قال: "فيقالُ له: ما هذا النبيُّ الذي بُعثِ فيكم؟ ". قال: "فيقولُ: سمعتُ الناسَ يقولُون ذلك، لا أدْرى". قال: "فيقولان: لا دَرَيْتَ! ". قالَ: "وذلك قولُ اللهِ: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ (١) ". وقولُه: ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾. يعنى تعالى ذكرُه بذلك: وبيدِ اللهِ الهدايةُ والإضلالُ، فلا تنكِروا أيها الناسُ قُدرتَه، ولا اهتداءَ مَن كان منكم ضالًّا، ولا ضلالَ من كان منكم مهتديًا، فإن بيدِه تصريفَ خلقِه، وتقليبَ قلوبِهم، يفعلُ فيهم ما يشاءُ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ألم تنظُرْ يا محمدُ إلى الذين ﴿بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾. يقولُ: غيَّروا ما أنعَم اللهُ به عليهم مِن نعمةٍ (٢)، فجعَلوها كُفْرًا به، وكان تبديلُهم نعمةَ اللهِ كفرًا في نبيِّ اللهِ محمدٍ ﷺ ؛ أنعم اللهُ به على قريشٍ فأخرَجه منهم،

стр. 9387

وابتعَثه فيهم رسولًا؛ رحمةً لهم، ونعمةً منه عليهم، فكفَروا به وكذَّبوه، فبدَّلوا نعمةَ اللهِ عليهم به كفرًا. وقولُه: ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾. يقولُ: وأنزَلوا قومَهم من مُشركي قريشٍ دارَ البَوارِ؛ وهى دارُ الهلاكِ. يقالُ منه: بار الشيءُ يبورُ بَوْرًا، إذا هلَك وبطَل. ومنه قولُ ابن الزِّبَعْرَى، وقد قيل: إنه لأبي سفيانَ بن الحارثِ بن عبدِ المطلبِ (١): يا رسولَ المَلِيكِ إِنَّ لِسانِي … رَائِقٌ (٢) ما فَتَقْتُ إذ أنا بُورُ ثم تُرْجِم عن دارِ البوارِ وما هي، فقيل: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾. يقولُ: وبئس المستقرُّ هي جهنمُ لَمَن صلَاها. وقيل: إن الذين بدَّلوا نعمةَ اللهِ كفرًا بنو أميةَ وبنو مخزومٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بشارٍ وأحمدُ بنُ إسحاقَ، قالا: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن عليّ بن زيدٍ، عن يوسفَ بن سعدٍ، عن عمرَ بن الخطابِ في قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ﴾. قال: هما الأفجرانِ من قريشٍ، بنو المغيرةِ وبنو أميةَ؛ فأما بنو المغيرةِ فكفِيتُموهم يومَ بدرٍ، وأما بنو أميةَ فمُتِّعوا إلى حينٍ (٣).

стр. 9388

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ الفضلُ بنُ دُكَينٍ، قال: أخبَرنا حمزةُ الزياتُ، عن عمرِو بن مُرّةَ، قال: قال ابن عباسٍ لعمرَ ﵄: يا أميرَ المؤمنين، هذه الآيةُ: ﴿الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾. قال: هم الأفجرانِ من قريشٍ، أخوالى وأعمامُك؛ فأما أخوالى فاستأْصلهم اللهُ يومَ بدرٍ، وأما أعمامُك فأملَى اللهُ لهم إلى حينٍ (١). حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرٍو [ذى مُرٍّ] (٢)، عن عليٍّ: ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾. قال: الأفجران من قريشٍ (٣). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرو ذى مُرٍّ، عن عليٍّ مثلَه. حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ وشريكٌ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرٍو ذى مُرٍّ، عن عليٍّ قولَه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾. قال: بنو المغيرةِ وبنو أميةَ؛ فأما بنو المغيرةِ فقطَع اللهُ دابرَهم يومَ بدرٍ، وأما بنو أميةَ فمُتِّعوا إلى حينٍ. حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي

стр. 9389

إسحاقَ، قال: سمِعتُ عمرًا ذا مُرٍّ، قال: سمِعتُ عليًّا يقولُ في هذه الآيةِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾. قال: الأفجرانِ من بني أسدٍ وبني مخزومٍ. حدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا شعبةُ، عن القاسمِ بن أبى بَزَّةَ، عن أبي الطفيلِ، عن عليٍّ، قال: هم كفارُ قريشٍ. يعنى في قولِه: ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ﴾ (١). حدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن القاسمِ بن أبى بَزَّةَ، عن أبي الطفيلِ، أنه سمِع عليَّ بنَ أبي طالبٍ، وسأَله ابن الكوّاءِ عن هذه الآيةِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾. قال: هم كفارُ قريشٍ يومَ بدرٍ (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو النضرِ هاشمُ بنُ القاسمِ، عن شعبةَ، عن القاسمِ بن أبي بَزّةَ، قال: سمِعتُ أبا الطفيلِ، قال: سمِعت عليًّا. فذكر نحوَه. حدَّثنا أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن إسماعيلَ بن سُمَيْعٍ، عن مسلمٍ البطينِ، عن أبي أرطاةَ، عن عليٍّ في قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾. قال: هم كفَّارُ قريشٍ. هكذا قال أبو السائبِ: مسلمٌ البطينُ،

стр. 9390

عن أبي أرطاةَ. حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ الزعفرانيُّ، قال: ثنا أبو معاويةَ الضريرُ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ سُميْعٍ، عن مسلمٍ، عن (١) أرطاةَ، عن عليٍّ في قولِه تعالى: ﴿الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾. قال: كفارُ قريشٍ (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا يعقوبُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا شعبةُ، عن القاسمِ بن أبي بَزةَ، عن أبي الطفيلِ، عن عليٍّ، قال في قولِ اللهِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾. قال: هم كفارُ قريشٍ. حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا شعبةُ، عن القاسمِ بن أبى بَزةَ، قال: سمِعتُ أبا الطفيلِ يحدِّثُ، قال: سمِعتُ عليًّا يقول في هذه الآيةِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾. قال: كفارُ قريشٍ يومَ بدرٍ. حدَّثنا الحسنُ، قال: ثنا الفضلُ بنُ دُكَيْنٍ، قال: ثنا بسامٌ (٣) الصَّيرفيُّ، قال: ثنا أبو الطفيلِ عامرُ بنُ واثلةَ، ذكَر أن عليًّا قام على المنبرِ، فقال: سلونى قبلَ ألَّا تسألونى، ولن تسألوا بعدى مثلى. فقام ابن الكوّاءِ فقال: ﴿بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ قال: منافقو قريشٍ (٤).

стр. 9391

حدَّثنا الحسنُ، قال: ثنا محمدُ بنُ عبيدٍ، قال: ثنا بسامٌ، عن رجلٍ قد سماه الطَّنَافِسِيُّ، قال: جاء رجلٌ إلى عليٍّ فقال: يا أميرَ المؤمنين، ﴿الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ قال: في قريشٍ. حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا بسامٌ الصيرفيُّ، عن أبي الطفيلِ، عن عليٍّ أنه سُئلِ عن هذه الآيةِ: ﴿الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾. قال: منافقو قريشٍ. حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عفانُ، قال: ثنا حمادٌ، قال: ثنا عمرُو بنُ دينارٍ، أن ابنَ عباسٍ قال في قولِ اللهِ: ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾. قال: هم المشركون من أهلُ بدرٍ (١). حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبدُ الجبارِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عمرٍو، قال: سمِعتُ عطاءً يقولُ: سمِعتُ ابنَ عباسٍ يقولُ: هم واللهِ أهلُ مكةَ ﴿الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا صالحُ بنُ عمرَ، عن مُطَرِّفِ بن طَرِيفٍ، عن أبي إسحاقَ، قال: سمِعتُ عمرًا ذا مُرٍّ يقولُ: سمِعتُ عليًّا يقولُ على المنبرِ، وتلَا هذه الآيةَ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾. قال: هما الأفجرانِ من قريشٍ؛ فأما أحدُهما فقطَع اللهُ دابرَهم يومَ بدرٍ، وأما الآخرُ فمُتِّعوا إلى حينٍ (٣).

стр. 9392

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثنا الحسنُ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدِ قولِه: ﴿بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾. قال: كفارُ قريشٍ (١). حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، عن مجاهدٍ، قال: كفارُ قريشٍ. حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾: كفارُ قريشٍ. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا ابن عيينةَ، عن عمرِو بن دينارٍ، عن عطاءٍ، قال: سمِعتُ ابنَ عباسٍ يقولُ: هم واللهِ ﴿الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ قريشٌ. أو قال: أهلُ مكةَ (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ وابنُ بشارٍ، قالا: ثنا غُنْدَرٌ، عن شعبةَ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في هذه الآية: ﴿الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾. قال: قتلَى يومِ بدرٍ. حدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنى عبدُ الصمدِ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾. قال:

стр. 9393

هم كفارُ قريشٍ. حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ومحمدُ بن المُثَنَّى، قالا: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا هشيمٌ، عن حُصَينٍ، عن أبي مالكٍ وسعيدِ بن جبيرٍ، قالا: هم قتلى بدرٍ من المشركين. حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن عيينةَ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ في: ﴿الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾. قال: هم واللهِ أهلُ مكةَ. قال أبو كريبٍ: قال سفيانُ: يعني كفارَهم (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحجاجُ، قال: ثنا حمادٌ، عن عمرِو بن دينارٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾. قال: هم المشركون من أهلِ بدرٍ. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبَرنا هشيمٌ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن أبي إسحاقَ، عن بعض أصحابِ عليٍّ، عن عليٍّ في قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾. قال: هم الأفجرانِ من قريشٍ، من بني مخزومٍ وبني أميةَ؛ أما بنو مخزومٍ فإن الله قطَع دابرَهم يومَ بدرٍ، وأما بنو أميةَ فمُتِّعوا إلى حينٍ. حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا مُعَلَّى بنُ أسدٍ، قال: أخبرَنا خالدٌ، عن حصينٍ، عن أبي مالكٍ في قولِ اللهِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾. قال: هم القادةُ من المشركين يومَ بدرٍ. حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرَنا هشيمٌ، عن حصينٍ،

стр. 9394

عن أبي مالكٍ وسعيد بن جبيرٍ، قالا: هم كفارُ قريشٍ، مَن قُتِل ببدرٍ. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرَنا هشيمٌ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ، قال: هم كفارُ قريشٍ، مَن قُتِل ببدرٍ. حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرَنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ الآية. قال: هم مشركو أهلِ مكةَ. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، قال: أخبرَني محمدُ بنُ إسحاقَ، عن بعضِ أصحابِه، عن عطاءِ بن يسارٍ، قال: نزَلت هذه الآيةُ في الذين قُتِلوا من قريشٍ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ الآية (١). حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾: كنا نُحَدَّثُ أنهم أهلُ مكةَ؛ أبو جهلٍ وأصحابُه الذين قتَلهم (٢) اللهُ يومَ بدرٍ، قال اللهُ: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ (٣). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾. قال: هم قادةُ المشركين يومَ بدرٍ، أحلُّوا قومَهم دارَ البوارِ ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا﴾ (٤).

стр. 9395

حدَّثنا يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾. قال: هؤلاء المشركون من أهلِ بدرٍ. وقال آخرون في ذلك بما حدَّثني به محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبي، [عن أبيه] (١)، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا﴾: فهو جَبَلةُ بنُ الأيهمِ، والذين اتبَعوه من العربِ فلحِقوا بالرومِ (٢). وبنحوِ الذي قلنا في معنى قولِه: ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾. قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرَنا هشيمٌ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾. قال: أحلُّوا مَن أطاعهم من قومِهم. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن ابن: عباسٍ: ﴿دَارَ الْبَوَارِ﴾. قال: الهلاكِ. قال ابن جريجٍ: قال مجاهدٌ: ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾. قال: أصحابُ بدرٍ. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿دَارَ

стр. 9396

الْبَوَارِ﴾: النار. قال: وقد بَيَّنَ اللهُ ذلك وأخبَركَ (١) به، فقال: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا﴾: هي دارُهم في الآخرةِ (٣). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (٣٠)﴾. يقولُ تعالَى ذكرُه: وجعَل هؤلاء الذين بدَّلوا نعمةَ اللهِ كفرًا لربَّهم أندادًا. وهي جماعُ نِدٍّ. وقد بيَّنتُ معنى "الندِّ" فيما مَضَى بشواهدِه بما أغنَى عن إعادتِه (٤). وإنما أراد أنهم جعَلوا للهِ شركاءَ. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾: والأندادُ الشركُ (٥). وقولُه: ﴿لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾. اختلَفت القرَأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأَته عامَّةُ قرأةِ الكوفيين: ﴿لِيُضِلُّوا﴾ (٦). بمعنى: كي يُضِلُّوا الناسَ عن

стр. 9397

سبيلِ اللهِ بما فعلوا من ذلك. وقرأته عامةُ قرأةِ أهلِ البصرةِ: (ليَضِلُّوا) (١). بمعنى: كي يَضِلَّ جاعِلو الأندادِ للهِ عن سبيلِ اللهِ. وقولُه: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّهِ محمدٍ ﷺ : قلْ يا محمدُ لهم: تمتَّعوا في الحياةِ الدنيا، وعيدًا من اللهِ لهم لا إباحةً لهم التمتعَ بها، ولا أمرًا على وجهِ العبادةِ، ولكنْ توبيخًا وتهدُّدًا ووعيدًا، وقد بيَّن ذلك بقولِه: ﴿فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾. يقولُ: استمتِعوا في الحياةِ الدنيا، فإنها سريعةُ الزوالِ عنكم، وإلى النارِ تصيرون عن قريبٍ، فتعلَمون هنالك غِبَّ تمتُّعِكم في الدنيا بمعاصي اللهِ، وكفرِكم فيها به. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ (٣١)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّهِ محمدٍ ﷺ : قل يا محمدُ لعبادىَ الذين آمَنوا بك، وصدّقوا أن ما جئتهم به من عندِي ﴿يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾. يقولُ: قُلْ لهم: فلْيُقيموا الصلواتِ (٢) الخمسَ المفروضةَ عليهم بحدودِها، ولْيُنْفِقوا مما رزَقناهم فخوّلْناهم من فضلِنا، ﴿سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾: فليُؤدّوا ما أوجبتُ عليهم من الحقوقِ فيها سرًّا وإعلانًا، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ﴾. يقولُ: لا يُقبلُ فيه فديةٌ وعوضٌ من نفسٍ وجَب عليها عقابُ اللهِ، بما كان منها من معصيةِ ربِّها في الدنيا، فيقبلَ منها الفديةُ. وتُتركَ فلا تُعاقبَ. فسمَّى اللهُ جلّ ثناؤه الفديةَ عوضًا؛ إذ كان أَخْذَ عِوَضٍ (٣) من

стр. 9398

معتاضٍ منه. وقولُه: ﴿وَلَا خِلَالٌ﴾. يقولُ: وليس هنالك مُخالَّةٌ خليلٍ، فيصفَحُ عمَّن استوجبَ العقوبةَ عن العقابِ لمخالَّتِه، بل هنالك العدلُ والقسطُ. فـ "الخلالُ"، مصدرٌ من قولِ القائلِ: خاللتُ فلانًا، فأنا أُخالِلُه (١) مخالةً وخلالًا، ومنه قولُ امرئ القيسِ (٢): صرَفْتُ الهَوَى عَنْهُنَّ مِن خَشْيَةِ الرَّدَى … ولستُ بِمَقْليِّ الخِلالِ ولا قالِ وجزْمُ قولِه: ﴿يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾. بتأويلِ الجزاءِ، ومعناه الأمرُ، يُرادُ: قلْ لهم: ليقيموا الصلاةَ. حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾. يعنى الصلواتِ الخمسَ، ﴿وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾. يقولُ: زكاةً أموالِهم (٣). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا هشامٌ، عن عمرٍو، عن سعيدٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ﴾. قال قتادةُ: إِنَّ الله ﵎ قد علِمَ أنَّ في الدنيا بيوعًا وخِلالًا يتخالُّون بها في الدنيا، فينظرُ (٤) رجلٌ من يخالُّ (٥)، وعلامَ يصاحبُ؟ فإن كان لله فليداومْ، وإن كان لغيرِ اللهِ، فإنها ستنقطعُ عنه (٦) (٧).

стр. 9399

القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (٣٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: اللهُ الذي أنشَأ السماواتِ والأرضَ مِن غيرِ شيءٍ، أَيُّها الناسُ، وأنْزَل مِن السماءِ غَيْثًا أحْيا به الشجرَ والزرعَ، فأَثْمَرَت رزقًا لكم تأْكُلونه ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ﴾ وهى السفنُ، ﴿لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾ لكم، تَرْكَبونها وتَحْمِلون فيها أمتعتَكم مِن بلدٍ إلى بلدٍ، ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ﴾؛ ماؤُها شرابٌ لكم. يقولُ تعالى ذكرُه: الذي يَسْتَحِقُّ عليكم العبادةَ وإخلاصَ الطاعةِ له، مَن هذه صفتُه، لا مَن لا يَقْدِرُ على ضُرٍّ ولا نفعٍ، لنفسِه ولا لغيرِه، مِن أوثانِكم، أيُّها المشركون، وآلهتِكم. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، وحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، يعنى الزَّعْفَرانيَّ، قال: ثنا شَبابةُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، وحدَّثنى المُثَنَّى، قال: أخبرنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، وحدَّثنى المُثَنَّى قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ﴾. قال: بكلِّ بَلْدةٍ (١). القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٣٣)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: اللهُ الذي خلَق السماواتِ والأَرضَ، وفعل الأفعالَ التي

стр. 9400

وصَف، وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ يَتَعاقَبان عليكم، أيُّها الناسُ، بالليلِ والنهارِ؛ لصلاحِ أنفسِكم ومعَاشِكم، دائبين في اختلافِهما عليكم. وقيل: معناه أنهما دائِبان في طاعةِ اللهِ. حدَّثنا خلفُ بنُ واصلٍ، عن رجلٍ، عن مُقاتِلِ بن حَيَّانَ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾. قال: دُءُوبُهما في طاعةِ اللهِ (١). وقولُه: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾: يَخْتَلِفان عليكم باعْتِقابٍ، إذا ذهَب هذا جاء هذا، [وإذا ذهَب هذا جاء هذا] (٢)، بمنافعِكم وصلاحِ أسبابِكم، فهذا لكم لتصرُّفِكم فيه لمعَاشِكم، وهذا لكم للسَّكَنِ، تَسْكُنون فيه، ورحمةٌ منه بكم. القولُ في تأويلِ قوله : ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأعْطاكم - مع إنعامه عليكم بما أنْعَم به عليكم؛ مِن تسخيرِ هذه الأشياءِ التي سخَّرها لكم، والرزقِ الذي رزقَكم من نباتِ الأرضِ وغروسِها - من كلِّ شيءٍ سَأَلْتُموه ورغِبْتُم إليه شيئًا. وحذَف الشيءَ الثانيَ اكْتِفاءً بـ "ما" التي أُضِيفَت إليها "كلِّ"، وإنما جاز حذفُه؛ لأن "مِنَ" تُبَعِّضُ ما بعدَها، فكفَتْ بدَلالِتها على التبعيضِ من المفعولِ، فلذلك جاز حذفُه، ومثلُه قولُه تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣]. يعنى به: وأُوتِيَت من كلِّ شيءٍ في زمانِها شيئًا.

стр. 9401

وقد قيل: إن ذلك إنما قيل على التكثير، نحوَ قولِ القائلِ: فلانٌ يَعْلَمُ كُلَّ شيءٍ، وأتاه كلُّ الناسِ. وهو يعنى بعضَهم، وكذلك قولُه: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٤٤]. وقيل أيضًا: إنه ليس شيءُ إلا وقد سأَله بعضُ الناسِ، فقيل: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾. أي: قد أتَى بعضَكم منه شيئًا، وآتى آخر شيئًا مما قد سأَله. وهذا قولُ بعضِ نحويى أهلِ البصرةِ. وكان بعضُ نحويى أهلِ الكوفةِ يقولُ: معناه: وآتاكم مِن كلِّ ما سأَلْتُموه لو سأَلْتُموه، كأنه قيل: وآتاكم مِن كلِّ سُؤْلِكم (١)، وقال: ألا تَرَى أنك تَقولُ للرجلِ لم يَسْأَلْك شيئًا: واللهِ لأُعْطِيَنَّك سُؤْلَك ما بلَغَتْ مسألتُك وإن لم تَسْأَلْ. فأما أهلُ التأويلِ، فإنهم اخْتَلَفوا في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: وآتاكم مِن كلِّ ما رغِبْتُم إليه فيه. ذكرُ مَن قال ذلك حدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، وحدَّثنى الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شَبابةُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: من كلِّ ما سألْتُموه ورغِبْتُم إليه فيه (٢). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، وحدَّثنى المُثَنَّى، [قال: ثنا إسحاقُ] (٣)، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن وَرْقاءَ، عن

стр. 9402

ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، وحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ، مثلَه (١). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن الحسنِ: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾. قال: مِن كلِّ الذي سأَلْتُموه. وقال آخرون: بل معنى ذلك: وآتاكم مِن كلِّ الذي سأَلْتُموه والذي لم تَسْأَلُوه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا خلفٌ، يعني ابنَ هشامٍ، قال: ثنا مَحْبوبٌ، عن داودَ بن أبي هِنْدٍ، [عن رُكانةَ بن هاشمٍ] (٢): ﴿مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾. قال: ما سأَلْتُموه وما لم تَسْأَلُوه. وقرَأ ذلك آخرون: (وآتاكم مِن كلِّ ما سأَلْتُموه) (٣) بتنوينِ "كل"، وتركِ إضافتِها إلى "ما"، بمعنى: وآتاكم مِن كلِّ شيءٍ لم تَسْأَلُوه ولم تَطْلُبوه منه؛ وذلك أن العبادَ لم يَسْأَلُوه الشمسَ والقمرَ والليلَ والنهارَ، وخلَق ذلك لهم مِن غيرِ أن يَسْأَلُوه.

стр. 9403

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني أبو حَصِينٍ عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بن يُونُسَ، قال: ثنا بَزِيعٌ (١)، عن الضحاكِ بن مزاحِمٍ في هذه الآيةِ: (وآتاكم من كلٍّ ما سأَلْتُموه). قال: ما لم تَسْأَلُوه (٢). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبيدٌ، عن الضحاكِ، أنه كان يَقْرَأُ: (من كلٍّ ما سأَلْتموه)، ويُفَسِّرُه: أعطاكم أشياءَ ما سأَلْتُموها ولم تَلْتَمِسوها، ولكن أعْطَيْتُكم برحمتى وسَعَتى. قال الضحاكُ: فكم مِن شيءٍ أعطانا اللهُ ما سأَلْناه ولا طلَبْناه (٢). حُدِّثْتْ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ (٣)، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: (وآتاكم من كلٍّ ما سأَلْتُموه). يقولُ: أعطاكم أشياءَ ما طلَبْتُموها ولا سأَلْتُموها، صدَق اللهُ، كم مِن شيءٍ أعْطاناه اللهُ ما سأَلْناه إياه، ولا خطَر لنا على بالٍ (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: (وآتاكم من كلٍّ ما سأَلْتُموه). قال: لم تَسْأَلُوه من كلِّ الذي آتاكم (٤). والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا: القراءةُ التي عليها قَرَأَةُ الأمصارِ؛ وذلك إضافةُ "كلِّ" إلى "ما"، بمعنى: وآتاكم من (٥) سُؤْلِكم شيئًا، على ما قد بيَّنا قبلُ؛ لإجماعِ الحُجَّةِ من القرَأةِ عليها، ورفضِهم القراءةَ الأخرى.

стр. 9404

القولُ في تأويلِ قوله : ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإن تَعُدُّوا، أيها الناسُ، نعمةَ اللهِ التي أَنْعَمَها عليكم، لا تُطِيقوا إحصاءَ عددِها، والقيامَ بشكرِها، إلا بعونِ اللهِ لكم عليها، ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾. يقولُ: إن الإنسانَ الذي بدَّل نعمةَ اللهِ كفرًا ﴿لَظَلُومٌ﴾. يقولُ: لشاكرٌ غيرَ مَن أَنْعَم عليه، فهو بذلك - من فعله -، واضعٌ الشكرَ في غيرِ موضعِه، وذلك أن الله هو الذي أنْعَم عليه بما أَنْعَم، واسْتَحَقَّ عليه إخلاصَ العبادةِ له، فعبَد غيرَه، وجعَل له أندادًا ليُضِلَّ عن سبيلِه، وذلك هو ظلمُه. وقولُه: ﴿كَفَّارٌ﴾. يقولُ: هو جَحودٌ نعمةَ اللهِ التي أنْعَم بها عليه؛ لصرفِه العبادةَ إلى غيرِ مَن أَنْعَم عليه، وتركِه طاعةَ مَن أَنْعَم عليه. حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: ثنا مِسْعَرٌ، عن سعدِ بن إبراهيمَ، عن طَلْقِ بن حَبيبٍ، قال: إن حقَّ اللهِ أَثقلُ مِن أَن يَقومَ به العبادُ، وإِنَّ نعمَ اللهِ أكثرُ مِن أن يُحْصِيَها العبادُ، ولكن أَصْبِحوا تَوَّابِين، وأمْسُوا توابين (١). القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: واذْكُرْ يا محمدُ ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾: يعنى الحرمَ، بلدًا آمنًا أهلُه وسكانُه، ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ

стр. 9405

الْأَصْنَامَ﴾. يقالُ منه: جنَبْتُه الشرَّ، فأنا أَجْنُبُه جَنْبًا، وجنَّبْتُه الشرَّ، فأنا أُجَنِّبُه تَجْنيبًا، وأجْنَبتُه ذلك، فأنا أُجْنِبُه إجنابًا، ومِن "جنَبْتُ" قولُ الشاعرِ (١): وتنفضُ مهدَه شفَقًا عليه … وتَجْنُبُه قلائصَنا الصِّعابَا ومعنى ذلك: أبْعِدْنى وبَنيَّ من عبادةِ الأصنامِ. والأصنامُ جمعُ صنمٍ، والصنمُ هو التمثالُ المصوَّرُ، كما قال رُؤْبةُ بنُ العَجَّاجِ في صفةِ امرأةٍ (٢): وَهْنانةٌ كالزُّونِ (٣) يُجْلَى صَنَمُهْ … تَضْحَكُ عن أَشْنَبَ عَذْبٍ مَلْثَمُهْ وكذلك كان مجاهدٌ يقولُ. حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾. قال: فاسْتَجاب اللهُ لإبراهيمَ دعوتَه في ولدِه، قال: فلم يَعْبُدْ أحدٌ مِن ولدِه صنمًا بعدَ دعوتِه - والصنمُ: التمثالُ المُصَوَّرُ، ما لم يَكُنْ صنمًا (٤) فهو وَثَنٌ - قال: واسْتجاب اللهُ له، وجعَل هذا البلدَ آمنًا، ورزَق أهلَه مِن الثمراتِ، وجعَله إمامًا، وجعَل من ذريتِه مَن يُقِيمُ الصلاةَ، وتقبَّل دعاءَه، فأراه مناسِكَه، وتاب عليه (٥). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، قال: كان إبراهيمُ التيميُّ

стр. 9406

يَقُصُّ، ويقولُ في قَصصِه: مَن يَأْمَنُ (١) البلاءَ بعدَ خليلِ اللهِ إبراهيمَ حين يقولُ: رَبّ اجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنامَ (٢). وقولُه: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾. يقولُ (٣): يا ربِّ، إن الأصنامَ ﴿أَضْلَلْنَ﴾، يقولُ: أَضْلَلْنَ (٤) كثيرًا من الناسِ عن طريقِ الهُدَى وسبيلِ الحقِّ، حتى عبَدوهن، وكفَروا بك. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾. يعنى: الأوثانَ. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا هشامٌ، عن عمرٍو، عن سعيدٍ، عم قتادةَ: ﴿إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾. قال: الأصنامُ. وقولُه: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾. يقولُ: فمَن تَبِعنى على ما أنا عليه مِن الإيمانِ بك، وإخلاصِ العبادةِ لك، وفراقِ عبادة الأوثانِ، ﴿فَإِنَّهُ مِنِّي﴾. يقولُ: فإنه مُشتَنٌّ بسُنَّتى، وعاملٌ بمثلِ عملى، ﴿وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. يقولُ: ومَن خالَف أمرى، فلم يَقْبَلْ منى ما دعَوْتُه إليه، وأَشْرَك بك، فإنك غفورٌ لذنوبِ المُذْنبين الخَطَّائين بفضلِك، رحيمٌ بعبادِك، تَعْفو عمن تَشاءُ منهم. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: اسْمَعُوا إلى قولِ خليلِ اللهِ إبراهيمَ، لا واللهِ، ما كانوا طعَّانين ولا لعَّانين، وكان يقالُ: إِن مِن أَشْرِّ عِبادِ اللهِ كُلَّ طَعَانٍ

стр. 9407

لعان، قال نبيُّ اللهِ ابن مريمَ ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١) [المائدة: ١١٨]. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أصبغُ بنُ الفرجِ، قال: أخبَرني ابن وهبٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ الحارثِ، أن بكرَ بنَ سَوَادةَ حدَّثه، عن عبدِ الرحمنِ بن جبيرٍ، عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو بن العاصِ، أن رسولَ اللهِ ﷺ تلا قولَ إبراهيمَ: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وقالَ (٢) عيسى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]. فرفَع يديه، ثم قال قال: "اللهم أمَّتى، اللهم أمَّتى". وبكَى، فقال اللهُ ﵎: يا جبريلُ، اذْهَبْ إلى محمدٍ - وربُّك أعلمُ - فاسْأَله ما يُبْكِيه (٣)؟ فأتاه جبريلُ فسأله، فأخْبرَه رسولُ اللهِ ﷺ ما (٤) قال. قال: فقال اللهُ: يا جبريلُ، اذْهَبْ إلى محمدِ فقلْ له: إنا سنُرْضِيك في أمتِك ولا نَسُوءُك (٥). القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧)﴾. وقال إبراهيمٌ خليلُ الرحمنِ هذا القولَ، حينَ أسْكن إسماعيلَ وأُمَّه هاجَرَ -

стр. 9408

فيما ذُكِر - مكةَ. كما حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ والحسنُ بنُ محمدٍ، قالا: ثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ، عن أيوبَ، قال: نُبِّئتُ عن سعيدِ بن جبيرٍ، أنه حدَّث عن ابن عباسٍ، قال: إن أولَ من سعَى بينَ الصفا والمروةِ لأمُّ إسماعيلَ، وإن أولَ ما أَحْدَث نساءُ العربِ جَرَّ الذُّيولِ لِمن (١) أمِّ إسماعيلَ (٢). قال: لما فرَّت مِن سارةَ أَرْخَت مِن ذيلِها؛ لتُعَفِّىَ أثرَها، فجاء بها إبراهيمُ ومعها إسماعيلُ، حتى انْتَهى بهما إلى موضعِ البيتِ، فوضَعَهما ثم رجَع، فاتَّبَعَته فقالت: إلى إيشْ (٣) تَكِلُنا؟ إلى طعامٍ تَكِلُنا؟ إلى شرابٍ تَكِلُنا؟ فجعَل لا يَرُدُّ عليها شيئًا، فقالت: آللهُ أمَرَك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذن لا يُضَيِّعَنا. قال: فرجَعَت، ومضَى حتى إذا اسْتَوى على ثَنِيَّةِ كَدَاءٍ، أَقْبَل على الوادى، فدعا فقال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾. قال: ومع الإنسانةِ شَنَّةٌ فيها ماءٌ، فنفد الماءُ، فعطِشَت وانْقَطَع لبنُها، فعطِش الصبيُّ، فنظَرَت: أيُّ الجبالِ أَدْنَى مِن الأَرضِ؟ فصعِدَت بالصفا، فتسَمَّعَت هل تَسْمَعُ صوتًا، أو تَرَى أنيسًا؟ فلم تَسْمَعْ، فانْحَدَرت، فلمَّا أتَت على الوادى سعَت، وما تُرِيدُ السعيَ، كالإنسانِ المجهودِ الذي يَسْعَى، وما يُرِيدُ السعيَ، فنظَرَت: أيُّ الجبالِ أدنى من الأرضِ؟ فصعِدَت المروةَ، فتسمَّعَت هل تَسْمَعُ صوتًا، أو تَرَى أَنيسًا؟ فسمِعَت صوتًا، فقالت كالإنسانِ الذي يُكَذِّبُ سمعَه: صَهٍ. حتى اسْتَيْقَنَت، فقالت: قد أَسْمَعْتَنى صوتَك فأغِثْنى،

стр. 9409

فقد هلَكْتُ وهلَك مَن معى. فجاء الملَكُ، فجاء بها، حتى انْتَهَى بها إلى موضعِ زمزمَ، فضربَ بقدمِه ففارَت عينًا، فعجِلتْ الإنسانةُ، فجعَلتْ تُفْرِعُ (١) في شَنِّها، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "رحم اللهُ أمَّ إسماعيلَ، لولا أنها عجِلَت لَكانت زمزمُ عينًا مَعِينًا". وقال لها الملَكُ: لا تَخافى الظَّمَأَ على أهلِ هذا البلدِ، فإنما هي عينٌ لشربٍ ضِيفانِ اللهِ. وقال: إن أبا هذا الغلامِ سيَجِيءُ، فيَبْنيان للهِ بيتًا هذا موضعُه. قال: ومرَّت رُفْقةٌ مِن جُرْهُمَ تُرِيدُ الشامَ، فرأَوُا الطيرَ على الجبلِ، فقالوا: إن هذا الطيرَ لعائفٌ على ماءٍ، فهل علِمْتُم بهذا الوادى من ماءٍ؟ فقالوا: لا. فأشْرَفوا، فإذا هم بالإنسانةِ، فأتَوْها فطلَبوا إليها أن يَنْزِلوا معها، فأذِنَت لهم. قال: وأتَى عليها ما يأتى على هؤلاء الناسِ مِن الموتِ، فماتتْ، وتزوَّج إسماعيلُ امرأةً منهم، فجاء إبراهيمُ، فسأَل عن منزلِ إسماعيلَ حتى دُلَّ عليه، فلم يَجِدْه ووجَد امرأةً له فَظَّةً غليظةً، فقال لها: إذا جاء زوجُك فقولي له: جاء هاهنا شيخٌ مِن صفتِه كذا وكذا، وإنه يقولُ لك: إنى لا أَرْضَى لك عَتَبَةَ بابِك فحوِّلْها. وانْطَلَق، فلمَّا جاء إسماعيلُ أَخْبَرَتْه فقال: ذاك أبي، وأنتِ عَتَبَةُ بابى. فطلَّقها وتزوَّج امرأةً أخرى منهم، وجاء إبراهيمُ حتى انْتَهَى إلى منزلِ إسماعيلَ، فلم يَجِدْه ووجَد امرأةً له سهلةً طَليقةً، فقال لها: أين انْطَلَق زوجُك؟ فقالت: انْطَلَق إلى الصيدِ. قال: فما طعامُكم؟ قالت: اللحمُ والماءُ. قال: اللهم بارِكْ لهم في لحمِهم ومائهم، اللهم بارِكْ لهم في لحمِهم ومائِهم. ثلاثًا، وقال لها: إذا جاء زوجُك فأخْبِرِيه، قُولى: جاء هاهنا شيخٌ مِن صفتِه كذا وكذا، وإنه يقولُ لك: قد رضِيتُ لك عَتَبةَ بابِك فأثْبِتْها. فلما جاء إسماعيلُ أخْبَرَته. قال: ثم جاء الثالثةَ، فرفَعا القواعدَ مِن البيتِ (٢).

стр. 9410

حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثني يحيى بنُ عبَّادٍ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: جاء إبراهيمُ نبيُّ اللهِ بإسماعيلَ وهاجَرَ، فوضَعَهما بمكةَ في موضعِ زمزمَ، فلما مضَى نادَته هاجَرُ: يا إبراهيمُ، إنما أَسْأَلُك - ثلاثَ مراتٍ - من أمرَك أن تَضَعَنى بأرضٍ ليس فيها زرعٌ، ولا ضرعٌ، ولا أنيسٌ ولا ماءٌ، ولا زادٌ؟ قال: ربى أمرَنى. قالت: فإنه لن يُضَيِّعنا. قال: فلما قفَّا إبراهيمُ قال: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ﴾. يعنى من الحزنِ، ﴿وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾، فلما ظمِئ إسماعيلُ جعَل يَدْحَضُ (١) الأَرضَ بِعَقِبِه، فذهَبَت هَاجَرُ حتى علَت الصفا، والوادى يومَئذٍ لاخٍ، يعني: عميقٌ، فصعِدَت الصفا، فأشْرَفَت لتَنْظُرَ هل تَرَى شيئًا؟ فلم تَرَ شيئًا، فانْحَدَرَت فَبَلَغَت الواديَ فسَعَت فيه، حتى خَرَجَت منه، فأتَت المروةَ، فصعِدَت، فاسْتَشْرَفَت هل تَرَى شيئًا؟ فلم تَرَ شيئًا، ففعَلَت ذلك سبعَ مراتٍ، ثم جاءت من المروةِ إلى إسماعيلَ وهو يَدْحَضُ الأَرضَ بعقبِه، وقد نبعَت العينُ وهى، زمزمُ، فجعَلَت تَفْحَصُ الأرضَ بيدِها عن الماءِ، فكلما اجتَمع ماءٌ أخَذَته بقَدَحِها، وأَفْرَغَته في سِقائِها. قال: فقال النبيُّ ﷺ : "يَرْحَمُها اللهُ لو ترَكَتْها لكانت عينًا سائحةً تَجْرِى إلى يومِ القيامةِ". قال: وكانت جُرْهُم يومَئذٍ بوادٍ قريبٍ من مكةَ. قال: ولزِمت الطيرُ الواديَ حينَ رأَت الماءَ، فلمَّا رأَت جُرْهُمُ الطيرَ لزِمَت الواديَ. قالوا: ما لزِمَته إلا وفيه ماءٌ. فجاءوا إلى هاجَرَ فقالوا: إن شئتِ كنا معكِ وآنَسْناكِ، والماءُ ماؤُكِ. قالت: نعم. فكانوا معها حتى شبَّ إسماعيلُ، وماتت هاجَرُ، فتزَوَّج إسماعيلُ امرأةً منهم، قال: فاسْتَأْذن إبراهيمُ سارَةً أن يأتِيَ هَاجَرَ، فأذِنَت له، وشرَطت عليه ألا يَنْزِلَ، فقدم إبراهيمُ، وقد ماتت

стр. 9411

هاجَرُ، فذهَب إلى بيتِ إسماعيلَ، فقال لامرأتِه: أين صاحبُكِ؟ قالت: ليس هاهنا، ذهَب يَتَصَيَّدُ. وكان إسماعيلُ يَخْرُجُ مِن الحرمِ فيَتَصَيَّدُ ثم يَرْجِعُ، فقال إبراهيمُ: هل عندَك ضِيافةٌ؟ هل عندَك طعامٌ أو شرابٌ؟ قالت: ليس عندى، وما عندى أحدٌ. فقال إبراهيمُ: إذا جاء زوجُك فأقْرِئيه السلامَ، وقُولى له: فلْيُغَيِّرْ عتبةَ بابِه. وذهَب إبراهيمُ، وجاء إسماعيلُ، فوجَد رِيحَ أبيه، فقال لامرأتِه: هل جاءك أحدٌ؟ فقالت: جاءنى شيخٌ، كذا وكذا - كالمُسْتَخِفَّة بشأنِه - قال: فما قال لكِ؟ قالت: قال لى: أقْرِئى زوجَك السلامَ، وقُولى له: فلْيُغَيِّرْ عتبةَ بابِه. فطلَّقها وتزَوَّج أخرى، فلبِث إبراهيمٌ ما شاء اللهُ أن يَلْبَثَ، ثم اسْتَأْذَن سارَةَ أَن يَزُورَ إسماعيلَ، فأذِنَت له، وشرَطَت عليه ألا يَنْزِلَ، فجاء إبراهيمُ حتى انْتَهَى إلى بابِ إسماعيلَ، فقال لامرأتِه: أين صاحبُكِ؟ قالت: ذهَب يَتصَيَّدُ، وهو يَجِيءُ الآن إن شاء اللهُ، فانْزِلْ يَرْحَمُك اللهُ. قال لها: هل عندَك ضِيافةٌ؟ قالت: نعم. قال: هل عندَك خبزٌ أو بُرٌّ أو تمرٌ أو شعيرٌ؟ قالت: لا. فجاءت باللبنِ واللحمِ، فدعا لهما بالبركةِ، فلو جاءت يومَئذٍ بخبزٍ أو بُرٌّ أو شعيرٍ أو تمرٍ، لكانت أكثرَ أَرضِ اللهِ بُرًّا وشعيرًا وتمرًا، فقالت له: انْزِلْ انْزِلْ حتى أَغْسِلَ رأسَك. فلم يَنْزِلْ، فجاءته بالمقَامِ فوضَعَته عن شقِّه الأيمنِ، فوضَع قدمَه عليه، فبقِى أثرُ قدمِه عليه، فعَسَلَت شِقَّ رأسِه الأيمنَ، ثم حوَّلت المَقامَ إلى شقِّه الأيسرِ، فغسَلَت شقَّه الأيسرَ، فقال لها: إذا جاء زوجُك فأقْرِئيه السلامَ، وقُولى له: قد اسْتَقامَت عَتَبةُ بابِك. فلما جاء إسماعيلُ وجَد رِيحَ أبيه، فقال لامرأتِه: هل جاءك أحدٌ؟ فقالت: نعم، شيخٌ أحسنُ الناسِ وجهًا، وأطيبُه رِيحًا، فقال لى: كذا وكذا، وقلتُ له: كذا وكذا، وغسَلْتُ رأسَه، وهذا موضعُ قدمَيْه (١) على المَقامِ. قال: وما قال لكِ؟ قالت: قال لي: إذا

стр. 9412

جاء زوجُك فأقْرِئيه السلامَ، وقُولى له: قد اسْتَقامت عتبةُ بابِك. قال: ذاك إبراهيمُ. فلبِث ما شاء اللهُ أن يَلْبَثَ، وأمَره اللهُ ببناءِ البيتِ، فبناه هو وإسماعيلُ، فلمَّا بَنَياه قيل: ﴿أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧]. فجعَل لا يَمُرُّ بقومٍ إلا قال: أيُّها الناسُ، إنه قد بُنِى لكم بيتٌ فحُجُّوه، فجعَل لا يَسْمَعُه أحدٌ؛ صخرةٌ، ولا شجرةٌ (١)، ولا شيءٌ، إلا قال: لبْيك اللهم لبْيك. قال: وكان بينَ قوله: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾. وبينَ قولِه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [إبراهيم: ٣٩]. كذا وكذا عامًا. لم يَحْفَظْ عطاءٌ (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾. وإنه بيتٌ طَهَّرِهِ اللهُ مِن السُّوءِ، وجعَله قبلةً، وجعَله حَرَمَه، اخْتارَه نبيُّ اللهِ إبراهيمُ لولدِه (٣). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾. قال: مكةَ، لم يَكُنْ بها زرعٌ يومَئذٍ (٤). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: أخبرني ابن كثيرٍ - قال القاسمُ في حديثِه: قال أخبرني عمرُو بنُ كثيرٍ - قال أبو جعفرٍ: فغيَّرْتُه أنا فجَعَلْتُه: قال: أخبرني ابن كثيرٍ، وأَسْقَطْتُ عمرًا؛ لأنى لا أَعْرِفُ إنسانًا يقالُ له: عمرُو بنُ كثيرٍ حدَّث عنه ابن جريجٍ، وقد حدَّث به معمرٌ عن كثيرِ

стр. 9413

ابن كثيرِ بن المطلبِ بن أبى وَدَاعةَ، وأخْشَى أن يكونَ حديثُ ابن جريجٍ أيضًا عن كثيرِ بن كثيرٍ - قال: كنتُ أنا وعثمانُ بنُ أبي سليمانَ في أُناسٍ مع سعيدِ بن جبيرٍ ليلًا، فقال سعيدُ بنُ جبيرٍ للقوم: سَلُونى قبل ألَّا تَسْأَلُونى (١). فسأَله القومُ فَأَكْثَرُوا، وكان فيما سُئِل عنه أن قِيل له: أحقُّ ما سمِعْنا في المقامِ؟ فقال سعيدٌ: ماذا سمِعْتُم؟ قالوا: سمِعْنا أن إبراهيمَ رسولَ اللهِ حينَ جاء مِن الشامِ، كان حلَف لامرأتِه ألا يَنْزِلَ مكةَ حتى يَرْجِعَ، فقُرِّب له المَقامُ، فنزَل عليه، فقال سعيدٌ: ليس كذاك، حدَّثنا ابن عباسٍ، ولكنه حدَّثنا حينَ كان بينَ أمِّ إسماعيلَ وسارَةَ ما كان، أقْبَل بإسماعيلَ، ثم ذكَر مثلَ حديثِ أيوبَ، غير أنه زاد في حديثِه، قال: قال أبو القاسمِ ﷺ : "ولذلك طاف الناسُ بين الصفا والمروةِ". ثم حدَّث، وقال: قال أبو القاسمِ ﷺ : "طلَبوا النزولَ معها وقد أحَبَّت أمُّ إسماعيلَ الأُنْسَ، فنزَلُوا وبعَثوا إلى أهلِهم فقدِموا، وطعامُهم الصيدُ، يَخْرُجون من الحرمِ، ويَخْرُجُ إسماعيلُ معهم يَتَصَيَّدُ، فلمَّا بلَغ أنْكَحوه، وقد تُوُفِّيَت أمُّه قبلَ ذلك". قال: وقال رسولُ اللهِ ﷺ : "لما دعا لها (٢) أن يُبارَكَ لهم في اللحمِ والماءِ، قال لها: هل من حَبٍّ أو غيرِه مِن الطعامِ؟ قالت: لا. ولو وجَد يومَئذٍ لها حبًّا لدعا لها بالبركةِ فيه". قال ابن عباسٍ: ثم لبِث ما شاء اللهُ أن يَلْبَثَ، ثم جاء فوجَد إسماعيلَ قاعدًا تحتَ دَوْحةٍ إلى ناحيةِ البئرِ، يَيْرِى نَبْلًا له، فسلَّم عليه، ونزَل إليه، فقعَد معه، وقال: يا إسماعيلُ، إن الله قد أمرَنى بأمرٍ. قال إسماعيلُ: فأطِعْ ربَّك فيما أمرَك. قال إبراهيمُ: أمَرني أن أبْنيَ له بيتًا. قال إسماعيلُ: أيْنَ؟ قال ابن عباسٍ: فأشار له إبراهيمُ إلى أكمةٍ بينَ يديه مرتفعةٍ على ما حولَها، يَأْتِيها السيلُ مِن نَواحِيها ولا يَرْكَبُها. قال: فقاما يحْفِران عن القواعدِ،

стр. 9414

يَرْفَعانها، ويقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧]، ربَّنا تقَبَّلْ منا إنك سميعُ الدعاءِ. وإسماعيلُ يَحْمِلُ الحجارةَ على رقبتِه، والشيخُ إبراهيمُ يَبْنِى، فلمَّا ارْتَفع البنيانُ، وشقَّ على الشيخِ تناوُلُه، قرَّب إليه إسماعيلُ هذا الحجرَ، فجعَل يقومُ عليه ويَبْنى، ويُحَوِّلُه في نواحى البيتِ حتى انْتَهَى. يقولُ ابن عباسٍ: فذلك مَقامُ إبراهيمَ وقيامُه عليه (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن شَريكٍ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾. قال: أسْكَن إسماعيلَ وأمَّه مكةَ (٢). حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا شَريكٌ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ قال: حينَ وَضَع إسماعيلَ (٣). قال أبو جعفر ﵀: فتأويلُ الكلامِ إذن: ربَّنا إني أَسْكَنْتُ بعضَ ولدى بوادٍ غيرِ ذي زرعٍ، وفي قولِه ﷺ هذا دليل على أنه لم يَكُنْ هنالك يومَئذٍ ماءٌ؛ لأنه لو كان هنالك ماءٌ، لم يَصِفْه بأنه غيرُ ذى زرعٍ، عندَ بيتِك الذي حرَّمتَه على جميعِ خلقِك أن يَسْتَحِلُّوه. وكان تحريمُه إياه فيما ذُكِر، كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أن عمرَ بنَ الخطابِ قال في خطبتِه: إن هذا البيتَ أولُ مَن

стр. 9415

وليه أُناسٌ مِن طَسْمٍ، فعصَوْا رَبَّهم، واسْتَحَلُّوا حُرْمتَه، واسْتَخَفُّوا بحقِّه، فأهْلَكهم اللهُ، ثم ولِيَه أُناسٌ مِن جُرْهُمَ، فعصَوْا رَبَّهم، واسْتَحَلُّوا حُرْمتَه، واسْتَخَفُّوا بحقِّه، فأهلَكَهم اللهُ، ثم ولِيتُموه معاشرَ قريشٍ، فلا تَعْصُوا ربَّه، ولا تَسْتَحِلُّوا حرمتَه، ولا تَسْتَخِفُّوا بحقِّه، فواللهِ لصَلاةٌ فيه أحبُّ إليَّ من مائةِ صلاةٍ بغيرِه، واعْلَموا أن المعاصيَ فيه على نحوٍ من ذلك (١). وقال: ﴿إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ ولم يَأْتِ بما وقَع عليه الفعلُ، وذلك أن حظَّ الكلامِ أن يُقالَ: إنى أسْكَنْتُ مِن ذريتى جماعةً، أو رجلًا، أو قومًا. وذلك غيرُ جائزٍ مع "مِن"، لدلالتِها على المرادِ مِن الكلامِ، والعربُ تَفْعَلُ ذلك معها كثيرًا، فتقولُ: قتَلْنا مِن بنى فلانٍ، وطعِمْنا مِن الكلإِ، وشرِبنا مِن الماءِ. ومنه قولُ اللهِ : ﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٥٠]. فإن قال قائلٌ: وكيف قال إبراهيمُ حينَ أسْكَن ابنَه مكةَ: ﴿إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾. وقد روَيْتَ في الأخبار التي ذكرْتَها أن إبراهيمَ بنَى البيتَ بعدَ ذلك بمدةٍ؟ قيل: قد قيل في ذلك أقوالٌ، قد ذكَرْتُها في سورةِ "البقرةِ" (٢)، منها أن معناه: عندَ بيتِك المحرمِ، الذي كان قبلَ أن تَرْفَعَه مِن الأرضِ، حينَ رفَعْتَه أَيامَ الطُّوفانِ، ومنها: عندَ بيتِك المحرمِ الذي قد مضَى في سابقِ علمِك أنه يَحْدُثُ في هذا البلدِ. وقولُه: ﴿الْمُحَرَّمِ﴾ على ما قاله قتادةُ، معناه: المُحَرَّمُ مِن استحلالِ حُرُماتِ اللهِ فيه، والاسْتِخْفافِ بحقِّه.

стр. 9416

وقولُه: ﴿رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾. يقولُ: فَعَلْتُ ذلك يا ربَّنا؛ كي تُؤَدَّى فرائضُك، مِن الصلاة التي أوْجَبْتَها عليهم في بيتِك المحرمِ. وقولُه: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾. يُخْبِرُ بذلك تعالى ذكرُه عن خليلِه إبراهيمَ، أنه سأَله في دعائِه أن يَجْعَلَ قلوبَ بعضِ خلقِهِ تَنْزِعُ إِلى مساكنِ ذريتِه، الذين أسْكَنهم بوادٍ غيرِ ذي زرعٍ، عندَ بيتِه المحرمِ، وذلك منه دعاءٌ لهم بأن يَرْزُقَهم حجَّ بيتِه الحرامِ. كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامُ بنُ سَلْمٍ، عن عمرِو بن أبي قيسٍ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾: ولو قال: أفئدةَ الناسِ تَهْوِى إليهم، لحجَّت اليهودُ والنصارى والمجوسُ، ولكنه قال: ﴿أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ فهم المسلمون (١). حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾. قال: لو كانت (٢): أفئدةَ الناسِ، لَازْدَحَمَت عليه فارسُ والرومُ، ولكنه: ﴿أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ﴾ (٣). حدَّثنا ابن حميدٍ وابنُ وكيعٍ قالا: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾. قال: لو قال: أفئدةَ الناسِ تَهْوِى إليهم، لَازْدَحَمت عليهم (٤) فارسُ والرومُ (٥).

стр. 9417

حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عليٌّ، يعني ابنَ الجَعْدِ، قال: أخبرنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، قال: سأَلْتُ عكرمةَ عن هذه الآيةِ: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾. فقال: قلوبُهم تَهْوِى إلى البيتِ. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن شعبةَ، عن الحكمِ، عن عكرمةَ وعطاءٍ وطاوسٍ: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾: البيتُ تَهْوِى إليه قلوبُهم؛ يأْتُونه (١). حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ عبَّادٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن الحكمِ، قال: سأَلْتُ عطاءً وطاوسًا وعكرمةَ عن قولِه: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾. قالوا: الحجُّ. حدَّثنا الحسنُ، قال: ثنا شَبَابَةُ وعليُّ بنُ الجَعْدِ، قالا: أخبرنا شعبة (٢)، عن الحكمِ، عن عطاءٍ وطاوسٍ وعكرمةَ في قولِه: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾. قالوا: هواهم إلى مكةَ أن يَحُجُّوا (٣). حدَّثني المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، قال: سألتُ طاوسًا وعكرمةَ وعطاء بنَ أبي رَباحٍ عن قولِه: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾. فقالوا: اجْعَلْ هواهم الحجَّ. حدَّثنا الحسنُ، قال: ثنا يحيى بنُ عبادٍ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن عطاءِ بن

стр. 9418

السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لو كان إبراهيمُ قال: فاجْعَلْ أفئدةَ الناسِ تَهْوِى إليهم. لحَجَّه اليهودُ والنصارى والناسُ كلُّهم، ولكنه قال: ﴿أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾. قال: تَنْزِعُ إليهم (٢). حدَّثنا الحسنُ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ بنُ عطاءٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ مثلَه. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ مثلَه (٣). وقال آخرون: إنما دعا لهم أن يَهْوَوُا السُّكْنى بمكَةَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾. قال: إن إبراهيمَ خليلَ الرحمنِ سأَل الله أن يَجْعَلَ أُناسًا من الناسِ يَهْوَوْن سُكْنَى - أو سَكَنَ - مكةَ (٤). وقولُه: ﴿وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وارْزُقُهم من ثمراتِ النباتِ والأشجارِ ما رزَقْتَ سكانَ الأرْيافِ والقرى، التي هي ذواتُ المياهِ

стр. 9419

والأنهارِ، وإن كنتَ أسْكَنْتَهم واديًا غيرَ ذى زرعٍ، ولا ماءٍ. فرزَقَهم جلَّ ثناؤُه ذلك. كما حدَّثنا المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا هشامٌ، قال: قرَأْتُ على محمدِ بن مسلمٍ الطائفيِّ أن إبراهيمَ لما دعا للحرمِ: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: ١٢٦]. نقَل اللهُ الطائفَ مِن فِلَسْطِينَ (١). وقولُه: ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾. يقولُ: ليَشْكُروك على ما رزَقْتَهم، وتُنْعِمُ به عليهم. القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٣٨)﴾. وهذا خبرٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه عن استشهادِ خليلِه إبراهيمَ إياه على ما نوَى وقصَد بدعائِه وقيلِه: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ الآية، وأنه إنما قصَد بذلك رضا اللهِ عنه (٢)، في محبتِه أن يكونَ ولدُه مِن أهلِ (٢) الطاعةِ للهِ تعالى، وإخلاصِ العبادةِ له، على مثلِ الذي هو له، فقال: ربَّنا إنك تَعْلَمُ ما تُخْفِى قلوبُنا عندَ مسألتِنا ما نَسْأَلُك، وفى غير ذلك [مِن أحوالِنا، وما نُعْلِنُ مِن دعائِنا، فنَجْهَرُ به، وغيرَ ذلك] (٣) من أعمالِنا، وما يَخْفَى عليك يا ربَّنا مِن شيءٍ، يكونُ في الأرضِ، ولا في السماءِ؛ لأن ذلك كلّه ظاهرٌ لك، مُتَجَلٍّ بادٍ؛ لأنك مُدَبِّرُه وخالقُه، فكيف يَخْفى عليك؟!

стр. 9420

القولُ في تأويلِ قوله : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٩)﴾. يقولُ: الحمدُ للهِ الذي رزَقَنى على كِبَرِ مِن السنِّ ولدًا؛ إسماعيلَ وإسحاقَ. ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾، يقولُ: إن ربي لَسميعٌ دعائى الذي أَدْعُوه به، وقوله: ﴿اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾، وغيرَ ذلك من دعائى ودعاءِ غيرى، وجميعَ ما نطَق به ناطقٌ، لا يَخْفَى عليه منه شيءٌ. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن فُضَيْلٍ، عن ضرار بن مُرَّةً، قال: سمعتُ شيخًا يُحَدِّثُ سعيدَ بنَ جبيرٍ، قال: بُشِّر إبراهيمُ بعدَ سبعَ عشْرةَ ومائةِ سنةٍ (١). القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (٤٠)﴾. يقولُ: ربِّ اجْعَلْنى مُؤَدِّيًا ما أَلْزَمْتَنى من فريضتِك التي فرَضْتَها عليَّ مِن الصلاةِ، ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾، يقولُ: واجْعَلْ أيضًا مِن ذريتى مُقِيمى الصلاةِ لك. ﴿رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ يقولُ: ربَّنا وتَقَبَّلْ عملى الذي أَعْمَلُه لك، وعبادتي إياك. وهذا نظيرُ الخبرِ الذي رُوِى عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال: "إِنَّ الدعاءَ هو العبادةُ". ثم قرَأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ " (٢) [غافر: ٦٠]. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ
следующие страницы →