← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 9451–9490 · переход к 9456.

стр. 9451

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن فُضَيلٍ، عن الأعمشِ، عن المنهالِ بن عمرٍو، عن قيس بن السَّكن، قال: قال عبدُ اللهِ: الأرضُ كلُّها نارٌ يومَ القيامةِ، والجنةُ مِن ورائِها، تُرَى أكوابُها وكواعبُها، والذي نفسُ عبدِ اللهِ بيدِه، إن الرجلَ ليَفِيضُ عرقًا حتى يرشَحَ (١) في الأرضِ قدمُه، ثم يرتفعُ حتى يَبْلُغَ أَنفَه، وما مسَّه الحسابُ. فقالوا: مِمَّ ذاك يا أبا عبدِ الرحمنِ؟ قال: مما يَرَى الناسُ و (٢) يَلْقَون (٣). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ (٤)، عن الأعمشِ، عن خَيْثَمةَ، قال: قال عبدُ اللَّهِ: الأرضُ كلُّها يومَ القيامةِ نارٌ، والجنةُ من ورائِها، تُرَى كواعبُها وأكوابُها، ويُلْجِمُ الناسَ العرقُ، أو يَبلُغُ منهم العرقُ، ولم يَبلُغوا الحسابَ (٥). وقال آخرون: بل تُبدَّلُ الأرضُ أرضًا من فضةٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: سمِعتُ المغيرةَ بنَ مالكٍ، يُحدِّثُ عن المُجَاشِعِ أو المُجَاشِعيِّ - شكَّ أبو موسى - عمَّن سمِع عليًّا يقولُ في هذه الآيةِ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾. قال: الأرضُ من فضةٍ، [والجنةُ] (٦) من ذهبٍ.

стр. 9452

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن شعبةَ، عن المغيرةِ بن مالكٍ، قال: ثنى رجلٌ من بنى مُجاشِعٍ، يقالُ له: عبدُ الكريمِ، أو أبو (١) عبدِ الكريمِ، قال: ثنى هذا الرجلُ أَرَاه بسَمَرْقَنْدَ. أنه سمِع عليَّ بنَ أبي طالبٍ قرأ هذه الآيةَ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾. قال: الأرضُ من فضةٍ، [والجنةُ] (٢) من ذهبٍ. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن شعبةَ، عن مغيرةَ بن مالكٍ، عن رجلٍ من بنى مُجاشعٍ، يقالُ له: عبد الكريمِ، أو (٣) يكنى أبا عبدِ الكريمِ، قال: أقامني على رجلٍ بخُراسانَ، فقال: حدَّثني هذا أنه سمِع عليَّ بنَ أبي طالبٍ، فذكَر نحوَه (٤). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ الآية. فزعَم أنها تكونُ فضةً (٥). حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني ابن لَهِيعةَ، عن يزيدَ بن أبي حبيبٍ، عن سنانِ (٦) بن سعدٍ، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: يُبدِّلُها اللَّهُ يومَ القيامةِ بأرضٍ من فضةٍ. وقال آخرون: يُبدِّلُها خُبْزةً.

стр. 9453

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو سعدٍ سعيدُ بن دلٍّ من صَغانيانَ (١)، قال: ثنا الجارودُ بن معاذٍ الترمذِيُّ، قال: ثنا وكيعُ بنُ الجراحِ، عن عمرَ (٢) بن بشير (٣) الهَمْدانيِّ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾. قال: تُبدَّلُ خُبزةً بيضاءَ، يأكلُ المؤمنُ من تحت قدميه (٤). حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا وكيعٌ، عن أبي معشرٍ، عن محمدِ بن كعبٍ القُرظَيِّ، أو عن محمدِ بن قيسٍ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾. قال: خُبْزَةً يأكُلُ منها المؤمنون من تحت أقدامِهم. وقال آخرون: تُبدَّلُ الأَرضُ غير الأرضِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا حجاجُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن كعبٍ في قولِه: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾. قال: تَصِيرُ السماواتُ جِنانًا، ويَصِيرُ مكانَ البحرِ النارُ. قال: وتُبدَّلُ الأرضُ غيرَها (٥). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ المُحاربيُّ، عن إسماعيلَ

стр. 9454

ابن رافعٍ المدنيِّ، عن يزيدَ، عن رجلٍ من الأنصارِ، عن محمدِ بن كعبٍ القرظيِّ عن رجلٍ من الأنصارِ، عن أبي هريرةَ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: " [يُبَدِّلُ اللهُ] (١) الأَرْضَ غيرَ الأَرْضِ والسَّمَاوَاتِ، فَيبسطُها ويَسْطَحُها ويَمُدُّها مَدَّ الأديمِ العُكاظِيِّ، لا تَرَى فيها عِوَجًا ولا أمْتًا، ثُمَّ يَزْجرُ اللهُ الخَلْقَ زَجْرَةً، فإذا هم في هذه المُبَدَّلَةِ في مِثْلِ مَواضِعِهم من الأُولى؛ ما كانَ في بَطْنِها [ففي بَطْنِها] (٢)، وما كانَ على ظَهْرِها كانَ على ظَهْرِها، وذلك حينَ يَطْوِى السماوَاتِ كَطَيِّ السِّجِلِّ للكِتَابِ، ثُمَّ يَدْحُو بهما، ثُمَّ تُبَدَّلُ الأرضُ غيرَ الأَرْضِ والسَّمَاوَاتُ" (٣). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بشيرٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرِو بن ميمونٍ الأَوْدِيِّ، قال: يُجْمَعُ الناسُ يومَ القيامةِ في أرضٍ بيضاءَ، لم يُعْمَلْ فيها خطيئةٌ، مقدارَ أربعين سنةً، يُلْجمُهم العرقُ. وقالت عائشةُ في ذلك ما حدَّثنا ابن أبى الشواربِ وحميدُ بنُ مسعدةَ وابنُ بَزِيعٍ، قالوا: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، عن داودَ، عن عامرٍ، عن عائشةَ، قالت: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، إذا بُدِّلَت الأرضُ غيرَ الأرضِ، وبَرَزُوا للهِ الواحدِ القهَّارِ، أين الناسُ يومئذٍ؟ قال: "على الصِّرَاطِ" (٤). حدَّثنا حميدُ بنُ مسعدةَ وابنُ بَزِيعٍ، قالا: ثنا بشرُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، عن عائشةَ، عن النبيِّ ﷺ نحوَه (٥).

стр. 9455

حدَّثني إسحاقُ بنُ شاهينٍ، قال: ثنا خالدٌ، عن داودَ، عن عامرٍ، عن مسروقٍ، قال: قلت لعائشةَ: يا أمَّ المؤمنين، أرَأيتِ قولَ اللَّهِ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾: أين الناسُ يومئذٍ؟ فقالت: سأَلتُ رسولَ اللهِ ﷺ عن ذلك فقال: "عَلى الصِّرَاطِ" (١). حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا الحسنُ بنُ عنبسةَ الورَّاقُ، قال: ثنا [عبدُ الرحيمِ] (٢) - يعنى ابنَ سليمانَ الرازيَّ، عن داودَ بن أبي هندٍ، عن عامرٍ، عن مسروقٍ، عن عائشةَ، قالت: سأَلتُ رسولَ اللهِ ﷺ عن قولِ اللهِ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾. قلت: يا رسولَ اللهِ، إِذا بُدِّلت الأرضُ غيرَ الأرضِ، أين يكونُ الناسُ؟ قال: "على الصِّرَاطِ". حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عاصمُ بنُ عليٍّ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ زكريا، عن داودَ، عن عامرٍ، عن مسروقٍ، عن عائشةَ بنحوِه. حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، عن عائشةَ أمِّ المؤمنين، قالت: أنا أولُ الناسِ سأَل رسولَ اللهِ ﷺ عن هذه الآيةِ. ثم ذكَر نحوَه. حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا رِبْعِيُّ بنُ إبراهيمَ الأَسَديُّ، أخو إسماعيلَ بن إبراهيمَ (٣)، عن داودَ بن أبي هندٍ، عن عامرٍ، قال: قالت عائشةُ: يا رسولَ اللَّهِ، أرأيتَ إذا بُدِّلت الأرضُ غيرَ الأرضِ، أين الناسُ يومَئذٍ؟ قال: "على الصِّراطِ".

стр. 9456

حدَّثنا الحسنُ، قال: ثنا عليُّ بنُ الجَعْدِ، قال: أخبَرنى القاسمُ، قال: سمِعتُ الحسنَ، قال: قالت عائشةُ: يا رسولَ اللَّهِ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾: فأين الناسُ يومئذٍ؟ قال: "إن هذا لشيءٌ (١) ما سأَلَني عنه أحدٌ". قال: "على الصراطِ يا عائشةُ" (٢). حدَّثنا الحسنُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ إبراهيمَ، قال: ثني الوليدُ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن حسانَ بن بلالٍ المزنيِّ، عن عائشةَ، أنها سأَلتْ رسولَ اللهِ ﷺ عن قولِ اللهِ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾. قال: قالتْ: يا رسولَ اللهِ، فأين الناسُ يومئذٍ؟ قال: "لقد سألتِني عن شيءٍ ما سألنِي عنه أحدٌ مِن أمَّتي، ذاك إذا الناسُ على جِسْرِ جهنمَ". حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾: ذُكِر لنا أن عائشةَ قالت: يا نبيَّ (٣) اللهِ، فأين الناسُ يومَئذٍ؟ فقال: "لقد سألتِني عن شيءٍ ما سأَلني عنه أحدٌ مِن أمتى قبلَكِ". قال: "هم يومَئِذٍ على جِسْرِ جَهَنَّمَ". حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، أن عائشةَ سأَلت رسولَ اللهِ ﷺ ، فذكَر نحوَه، إلا أنه قال: "على الصراطِ" (٤). حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن يحيى بن أبى كثيرٍ،

стр. 9457

عن أبي (١) أسماءَ، عن ثوبانَ، قال: سأل حَبْرٌ من اليهودِ رسولَ اللهِ ﷺ ، فقال: أين الناسُ يومَ تُبدَّلُ الأرضُ غيرَ الأرضِ؟ قال: "هم في الظُّلْمَةِ دونَ الجِسْرِ" (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عوفٍ (٣)، قال: ثنا أبو المغيرةِ، قال: ثنا ابن أبي مريمَ، قال: ثنا سعيدُ بنُ ثَوْبَانَ الكَلاعيُّ، عن أبي أيوبَ الأنصاريِّ، قال: أتى النبيَّ ﷺ حَبرٌ من اليهودِ، وقال: أرأيتَ إذ يقولُ اللهُ في كتابِه: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾: فأين الخلقُ عندَ ذلك؟ قال: "أَضْيافُ اللَّهِ، فلن يُعجِزَهم ما لديه" (٤). وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معناه: يومَ تُبدَّلُ الأرضُ التي نحن عليها اليومَ، يومَ القيامةِ غيرَها، وكذلك السماواتُ اليومَ تُبدَّلُ غيرَها، كما قال جلَّ ثناؤُه، وجائزٌ أن تكونَ المبدَّلةُ أرضًا أُخرى من فضةٍ، وجائزٌ أن تكونَ نارًا، وجائزٌ أن تكونَ خُبزًا، وجائزٌ أن تكونَ غيرَ ذلك، ولا خبرَ في ذلك عندَنا من الوجهِ الذي يَجِبُ التسليمُ له أيُّ ذلك يكونُ، فلا قولَ في ذلك يَصِحُّ إلا ما دلَّ عليه ظاهرُ التنزيلِ. وبنحوِ ما قلنا في معنى قولِه: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ﴾ قال أهلُ التأويلِ.

стр. 9458

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾. قال: أرضًا كأنها الفضةُ، والسماواتُ كذلك أيضًا (١). وقولُه: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾. يقولُ: وظهَروا للهِ المنفردِ بالربوبيةِ - الذي يَقْهَرُ كُلَّ شيءٍ فيَغِلبُه، ويَصرِفُه لما يشاءُ، كيف يشاءُ، فَيُحْيِي خَلْقَه إِذا شاء، ويُمِيتُهم إذا شاء، لا يَغلِبُه شيءٌ ولا يَقهَرُه - من قبورِهم أحياءً الموقفِ القيامةِ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالَى: ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٤٩) سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (٥٠) لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٥١)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وتُعايِنُ الذين كفَروا باللهِ، فاجتَرموا في الدنيا الشركَ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾. يعنى: يومَ تُبدَّلُ الأرضُ غيرَ الأرضِ والسماواتُ: ﴿مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾. يقولُ: مقرنةً أيديهم وأرجلُهم إلى رقابِهم بالأصفادِ، وهى الوَثاقُ من غُلٍّ وسلسلةٍ، واحدُها صَفَدٌ، يُقالُ منه: صَفَدْتُه في الصَّفَدِ صَفْدًا وصِفادًا، والصَّفَادُ: القيدُ، ومنه قولُ عمرِو بن كُلثومٍ (٢). فَآبُوا بالنِّهابِ وبالسَّبابا … وأُبْنا بالمُلُوكِ مُصَفَّدِينا ومن جعَل الواحدَ من ذلك صِفادًا، جمَعه صُفُدًا لا أصفادًا. وأما من العطاءِ، فإنه يقالُ منه: أصفدتُه إصفادًا، كما قال الأعشى (٣):

стр. 9459

تَضَيَّفْتُه (١) يَوْمًا [فَأَكْرَمَ مَجْلِسِى] (٢) … وأَصْفَدَنِي عندَ (٣) الزَّمانَةِ قائِدًا وقد قيل في العطاءِ أيضًا: صفَدنى صَفْدًا، كما قال النابغةُ الذبيانيُّ (٤): هذا الثَّناءُ فَإِنْ تَسْمَعْ لقائلِه … [فما عَرَضْتُ] (٥) أَبَيْتَ اللَّعْنَ بالصَّفَدِ وبنحوِ الذي قلنا في معنى قولِه: ﴿مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾. قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنى عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾. يقولُ: في وَثَاقٍ (٦). حدَّثني محمدُ بنُ عيسى الدامَغانيُّ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ، قال: الأصفادُ السلاسلُ. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾. قال: مقرّنين في القيودِ والأغلالِ (٧). حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا عليُّ بنُ هاشمِ بن البريدِ، قال: سمعتُ الأعمَشَ يقولُ: الصَّفَدُ القيدُ (٨).

стр. 9460

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾. قال: صُفِدت فيها أيديهم وأرجلُهم ورقابُهم، والأصفادُ الأغلالُ (١). وقولُه: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ﴾. يقولُ: قُمُصُهم التي يَلْبَسونها، واحدُها سِرْبالٌ، كما قال امرؤ القيسِ (٢): * لَعُوبٍ تُنَسِّينِى إِذَا قُمْتُ سِرْبالي * حدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ﴾. قال: السرابيلُ القُمْصُ (٣). وقولُه: ﴿مِنْ قَطِرَانٍ﴾. يقولُ: من القطِرانِ الذي يُهْنأُ (٤) به الإبلُ، وفيه لغاتٌ ثلاثٌ؛ يقالُ: "قَطِران" و"قَطْران" بفتح القافِ وتسكينِ الطاءِ منه. وقيل: إن عيسى بنَ عمرَ (٥) كان يقرَأُ: (مِنْ قِطْرَانٍ) بكسرِ القافِ وتسكينِ الطاءِ (٦). ومنه قولُ أبي النَّجمِ (٧): * جَوْنٌ كَأَنَّ العَرَقَ المَنتُوحَا * * لَبَّسَهُ القِطْرَانَ والمُسُوحَا * بكسرِ القافِ، وقال أيضًا:

стр. 9461

كأنَّ قِطْرَانًا إِذًا تَلاهَا تَرْمى بِهِ الرِّيحُ إِلى مَجْرَاها بالكسر. وبنحوِ ما قلنا في ذلك يقولُ مَن قرَأ ذلك كذلك. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن الحسنِ: ﴿مِنْ قَطِرَانٍ﴾. يعني: الخَضْحَاضُ، هِنَاءُ الإبلِ. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ: ﴿مِنْ قَطِرَانٍ﴾. قال: قَطِرانُ الإبلِ (١). وقال بعضُهم: القَطِرانُ النُّحاسُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: ﴿قَطِرَانٍ﴾: نُحاسٍ. قال ابن جريجٍ: قال ابن عباسٍ: ﴿مِنْ قَطِرَانٍ﴾: نُحاسٍ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:

стр. 9462

﴿مِن قَطِرَانٍ﴾. قال: مِن (١) نُحاسٍ (٢). وبهذه القراءةِ - أعنى: بفتحِ القافِ وكسرِ الطاءِ، وتصيِيرِ ذلك كلِّه كلمةً واحدةً - قرَأ ذلك جميعُ قرأةِ الأمصارِ، وبها نقرَأُ؛ لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ عليه. وقد رُوِى عن بعضِ المتقدمين أنه كان يقرَأُ ذلك: (مِنْ قَطْرٍ آنٍ) (٣) بفتحِ القافِ وتسكينِ الطاءِ وتنوينِ الراءِ وتصيِيرِ "آنٍ" من نعتِه، وتوجيهِ معنى "القَطْرِ" إلى أنه النُّحاسُ، ومعنى "الآنِ" إلى أنه الذي قد انتهى حرُّه في الشدَّةِ. وممن كان يقرأُ ذلك كذلك - فيما ذُكِر لنا - عكرمةُ مولي ابن عباسٍ، حدَّثني بذلك أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا حُصَينٌ عنه (٤). ذكرُ مَن تأوَّل ذلك على هذه القراءةِ التأويلَ الذي ذكرتُ فيه حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ في قولِه: (سرابيلُهم من قطرٍ آنٍ). قال: صفرٌ (٥)، والآنُ الذي قد انتهى حرُّه (٦). حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا داودُ بنُ مِهْرانَ، عن يعقوبَ، عن جعفرٍ، عن سعيد بن جبيرٍ نحوَه. حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا هشامٌ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن

стр. 9463

جعفرٍ، عن سعيدٍ بنحوِه. حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ أبي حمادٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ بن جبيرٍ، أنه كان يقرَأُ: (سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطْرٍ آنٍ). حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عفانُ، قال: ثنا المباركُ بنُ فَضَالةَ، قال: سمِعتُ الحسنَ يقولُ: كانت العرب تقولُ للشيءِ إذا انتهى حرُّه: قد أَنَى حرُّ هذا، قد أُوقِدتْ عليه جهنمُ منذ خُلِقتْ، فَأَنَى حرُّها (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ بن أنسٍ في قولِه: (سَرَابِيلُهُمْ من قَطْرٍ آنٍ). قال: القَطْرُ النُّحاسُ. والآنُ: يقولُ: قد أَنى حرُّه، وذلك أنه يقولُ: ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤]. حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عفانُ بنُ مسلمٍ، قال: ثنا ثابتُ بنُ يزيدَ، قال: ثنا هلالُ بنُ خَبَّابٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في هذه الآيةِ: (سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطْرٍ آنٍ). قال: من نُحاسٍ. قال: آنٍ: أنى لهم أن يُعَذَّبُوا به (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبَرنا هشيمٌ، عن حصينٍ، عن عكرمة في قولِه: (مِنْ قَطْرٍ آنٍ). قال: الآنُ (٣) الذي قد انتهَى حرُّه. حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن

стр. 9464

ابن عباسِ قولَه: (مِنْ قَطْرٍ آنٍ). قال: هو النحاسُ المذابُ (١). حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ بنُ عطاءٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ: (مِنْ قَطْرٍ آنٍ). يعنى: الصُّفْرُ المذابُ. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، [عن مَعْمَرٍ] (٢)، عن قتادةَ: (سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطْرٍ آنٍ). قال: من نُحاسٍ (٣). حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا هشامٌ، قال: ثنا أبو حفصٍ، عن هارونَ، عن قتادةَ أنه كان يقرأُ: (مِنْ قَطْرٍ آنٍ). قال: من صُفْرٍ قد انتهَى حرُّه. وكان الحسنُ يَقرؤُها: (مِنْ قَطْرٍ آنٍ). وقولُه: ﴿وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾. يقولُ: وتَلْفَحُ وجوهَهم النارُ، فتحرقُها؛ ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾. يقولُ: فعَل اللهُ ذلك بهم؛ جزاءً لهم بما كسَبوا من الآثامِ في الدنيا، كيما يُثيبَ كلَّ نفسٍ بما كسَبت من خيرٍ وشرٍّ، فيَجْزِيَ المحسنَ بإحسانِه، والمسيءَ بإساءتِه، ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. يقولُ: إن الله عالمٌ بعملِ كلِّ عاملٍ، فلا يحتاجُ في إحصاءِ أعمالِهم إلى عَقْدِ كفٍّ ولا معاناةٍ، وهو سريعٌ حسابُه لأعمالِهم، قد أحاط بها عِلْمًا، لا يَعْزُبُ عنه منها شيءٌ، وهو مجازيهم على جميعِ ذلك صغيرِه وكبيرِه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالَى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾. يقولُ تعالَى ذكرُه: هذا القرآنُ بلاغٌ للناسِ، أبلَغَ الله به إليهم، في الحجةِ عليهم وأعذَرَ إليهم، بما أنزَل فيه من مواعظِه وعبرِه.

стр. 9465

﴿وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾. يقولُ: وليُنذَروا عقابَ اللَّهِ، ويحذَروا به نقمَاتِه، أَنزَله إلى نبيِّه ﷺ . ﴿وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾. يقولُ: وليعلَمُوا بما احْتَجَّ به عليهم من الحُججِ فيه، أنما هو إله واحدٌ، لا آلهةٌ شتَّى، كما يقولُه المشركون باللهِ، وألَّا إلهَ إلا هو، الذي له ما في السماواتِ وما في الأرضِ، الذي سخَّر لهم الشمسَ والقمرَ، والليلَ والنهارَ، وأنزَل من السماءِ ماءً، فأخرَج به من الثمراتِ رزقًا لهم، وسخَّر لهم الفُلكَ لتجرى في البحرِ بأمرِه، وسخَّر لهم الأنهارَ. ﴿وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. يقول: وليتذكَّرَ فيتعظَ بما احتجَّ اللهُ به عليه، من حُجَجِه التي في هذا القرآنِ، فينزجرَ عن أن يجعَلَ معه إلهًا غيرَه، ويُشْرِكَ (١) في عبادتِه شيئًا سواه - أهلُ الحِجَى والعقولِ، فإنهم أهلُ الإعتبارِ والادِّكارِ، دونَ الذين لا عقولَ لهم ولا أفهام، فإنهم كالأنعامِ، بل هم أضلُّ سبيلًا. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ﴾. قال: القرآنُ. ﴿وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾. قال: بالقرآنِ. ﴿وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٢). آخرُ تفسيرِ سورةِ إبراهيمَ ﵌، يتلوه تفسيرُ سورةِ الحجرِ، وصلَّى اللهُ على محمدٍ النبيِّ وآلِه وسلَّم.

стр. 9466

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تفسيرُ سورةِ الحِجْرِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١)﴾. أما قولُه جلَّ ثناؤُه وتقدَّست أسماؤُه: ﴿الر﴾. فقد تَقَدَّم بيانُنا (١) فيما مضَى قبلُ (٢). وأما قولُه: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾. فإنه يَعْنى: هذه الآيات آياتُ الكُتُبِ التي كانت قبل القرآنِ، كالتوراةِ والإنجيلِ، ﴿وَقُرْآنٍ﴾. يقولُ: وآياتُ قرآنٍ ﴿مُبِينٍ﴾. يقولُ: يَبِينُ لَمَنْ (٣) تأَمَّله وتَدَبَّره رُشْدُه وهُداه. كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾، قال: يَبِينُ واللَّهِ هداه ورُشْدُه وخيرُه (٤). حدَّثنا المُثنَّى، قال: ثنا أبو نعيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن مجاهدٍ: ﴿الر﴾: فواتحُ يَفْتَتِحُ اللهُ (٥) بها كلامَه، ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾. قال: التوراةُ

стр. 9467

والإنجيلُ (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا هشامٌ، عن عمرٍو، عن سعيدٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾. قال: الكتُبُ التي كانت قبل القرآن (٢). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢)﴾. اختلَفت القرأةُ في قراءةِ قوله: ﴿رُبَمَا﴾؛ فقرَأت ذلك عامةُ قرَأةِ أهلِ المدينةِ وبعضُ الكوفيين: ﴿رُبَمَا﴾. بتخفيفِ الباءِ. وقرَأته عامةُ قرأةِ الكوفةِ والبصرةِ بتشديدِها (٣). والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان، ولغتان معروفتان، بمعنًى واحدٍ، قد قرَأ بكلِّ واحدةِ منهما أئمةٌ مِن القرأَةِ، فبأيتِهما قرَأ القارى فهو مُصِيبٌ. واختلَف أهلُ العربيةِ في معنى "ما" التي مع "رُبَّ"؛ فقال بعضُ نحويِّي البصرةِ: أُدْخِلَ مع "ربَّ" "ما"؛ ليتَكَلَّمَ بالفعلِ بعدها، وإن شِئْتَ جعَلت "ما" بمنزلةِ شيءٍ، فكأنَّك قلتَ: ربَّ شيءٍ يَوَدُّ. أي: ربَّ وُدٍّ يَوَدُّه الذين كفَروا. وقد أنكَر ذلك مِن قولِه بعضُ نحويِّى الكوفةِ، وقال: المصدرُ لا يحتاجُ إلى عائدٍ، و "الوُدُّ" قد وقع على "لو": ربما يَوَدُّون لو كانوا؛ أن يَكُونوا. وقال: وإذا

стр. 9468

أُضْمِر الهاءُ في "لو" ليس (١) بمفعولٍ، وهو موضعُ المفعولِ، ولا يَنْبَغى أن يُتَرْجَمَ المصدرُ بشيءٍ، وقد ترجمَه بشيءٍ، ثم جعَله وُدًّا، ثم أعاد عليه عائدًا، فكان الكسائي والفرَّاءُ (٢) يقولان: لا تكادُ العربُ تُوقِعُ "رُبَّ" على مستقبَلٍ، وإنما يُوقِعونها على الماضي مِن الفعلِ، كقولِهم: ربَّما فعَلتُ كذا. و: ربما جاءني أخوك. قالا: وجاء في القرآنِ مع المستقبلِ: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ﴾. وإنما جاز ذلك؛ لأن ما كان في القرآنِ مِن وعدٍ ووعيدٍ وما فيه، فهو حقٌّ، كأنه عِيانٌ، فجرَى الكلامَ فيما لم يَكُنْ بعدُ منه مجراه فيما كان، كما قيل: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة: ١٢]. وقولِه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ﴾ [سبأ: ٥١]. كأنه ماضٍ وهو منتظَرٌ؛ لصدقِه في المعنى - وأنه لا مكذِّبَ له - وإن القائل ليقولُ إذا نَهَى أو أمَر فعصاه المأمورُ: أما واللهِ لرُبَّ ندامةٍ لك تَذْكُرُ قولى فيها. لعلمِه بأنه سيَنْدَمُ ويقولُ، واللهُ ووعدُه أصدقُ مِن قولِ المخلوقين. وقد يجوزُ أن يَصْحَبَ "ربَّما" الدائمُ (٣)، وإن كان في لفظ "يَفْعَلُ"، يقالُ: ربَّما يموتُ الرجلُ فلا يُوجَدُ له كفنٌ. وإن أُوليتِ الأسماءَ، كان معَها ضميرٌ "كان"، كما قال أبو (٤) دواد (٥): ربَّما الجاملُ (٦) المؤبَّلُ (٧) فيهم … وعَناجِيجُ (٨) بينَهن المِهارُ

стр. 9469

فتأويلُ الكلامِ: ربما يودُّ الذين كفَروا باللهِ، فجحَدوا وحدانيتَه، لو كانوا في دار الدنيا مسلمين. كما حدَّثنا عليُّ بنُ سعيدِ بن مسروقٍ الكنديُّ، قال: ثنا خالدُ بنُ نافعٍ الأشعريُّ، عن سعيدِ بن أبي بُرْدةَ، عن أبي بُرْدةَ، عن أبي موسى، قال: بلَغنا أنه إذا كان يومُ القيامةِ، واجتَمع أهلُ النارِ في النارِ، ومعهم مَن شَاء اللَّهُ مِن أهلِ القبلةِ، قال الكفارُ لمن في النارِ مِن أهل القبلةِ: ألستم مسلمين؟ قالوا: بلى. قالوا: فما أغنى عنكم إسلامُكم، وقد صِرْتم معَنا في النارِ؟ قالوا: كانت لنا ذُنوبٌ فأُخِذنا بها. فسمِع اللهُ ما قالوا، فأمَر بكلِّ مَن كان مِن أهلِ القبلةِ في النارِ فَأُخْرِجوا، فقال مَن في النارِ مِن الكفارِ: يا ليتَنا كنا مسلمين. ثم قرَأ رسولُ اللهِ: " ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١) رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ " (١). حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ الهيثمِ أبو قَطَنٍ القُطَعِيُّ ورَوْحُ بنُ عبادةَ القَيْسيُّ وعفانُ بنُ مسلمٍ - واللفظُ لأبي قَطَنٍ - قالوا: ثنا القاسمُ بنُ الفضلِ، [عن عبيدِ] (٢) اللهِ بن أبى جَرُوةَ، قال: كان ابن عباسٍ وأنسُ بن مالكٍ يتأوَّلان هذه الآيةَ: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾. قالا: ذاك يومَ يَجْمَعُ اللَّهُ أهلَ الخطايا مِن المسلمين والمشركين في النارِ. وقال عفان: حين يُحْبَسُ أهلُ الخطايا مِن المسلمين والمشركين - فيقولُ المشركون: ما أغْنَى عنكم ما كنتم تَعْبُدون - زاد أبو قَطَنٍ: قد جُمِعنا وإياكم - وقال أبو قَطَنٍ

стр. 9470

وعفانُ: فيَغْضَبُ الله لهم بفضلِ رحمتِه. ولم يَقُلْه روحُ بنُ عُبادةَ. وقالوا جميعًا: فيُخْرِجُهم اللهُ، وذلك حينَ يقولُ اللهُ: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ (١). حدَّثنا الحسنُ، قال: ثنا عفانُ، قال: ثنا أبو عَوانةَ، قال: ثنا عطاءُ بنُ السائبِ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾. قال: يُدْخِلُ الجنةَ ويَرْحَمُ، حتى يقولَ في آخرِ ذلك: مَن كان مسلمًا فلْيَدْخلِ الجنةَ. قال: فذلك قولُه: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ (٢). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾: ذلك يومَ القيامةِ، يَتَمَنَّى الذين كفَروا لو كانوا موحِّدين (٣). حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن سلمةَ بن كُهَيلٍ، عن أبي الزعراءِ، عن عبدِ اللهِ في قولِه: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾. قال: هذا في الجَهَنَّمِيين إذ رأَوْهم يَخْرُجون مِن النارِ (٤).

стр. 9471

حدَّثني المُثَنَّى، قال: أخبَرنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا ابن أبى جَرْوةَ (١) العبديُّ، أن ابنَ عباسٍ وأنسَ بنَ مالكٍ كانا يتأوَّلان هذه الآيةَ: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾. يتأوّلانها: يومَ يَحْبِسُ اللهُ أهلَ الخطايا مِن المسلمين مع المشركين في النارِ. قال: فيقولُ لهم المشركون: ما أغْنَى عنكم ما كنتُم تَعْبُدون في الدنيا؟ قال: فيَغْضَبُ اللهُ لهم بفضلِ رحمتِه فيُخْرِجُهم، فذلك حين يقولُ: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ (٢). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ، قال: ما يَزالُ اللَّهُ يُدْخِلُ الجنة ويَرْحَمُ ويُشَفِّعُ، حتى يقولَ: مَن كان مِن المسلمين فلْيَدْخُلِ الجنةَ. فذلك قولُه: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ (٣). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُليةَ، عن هشامٍ الدَّسْتوائيِّ، قال: ثنا حمادٌ، قال: سألْتُ إبراهيمَ عن هذه الآيةِ: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾. قال: حُدِّثت أن المشركين قالوا لمن دخَل النارَ مِن المسلمين: ما أَغْنَى عنكم ما كنتم تَعْبُدون؟ قال: فيَغْضَبُ اللَّهُ لهم، فيقولُ للملائكةِ والنبيين: اشْفَعوا. فيَشْفَعُون، فيَخْرُجون مِن النارِ، حتى إن إبليسَ ليَتَطاولُ رجاءَ أَن يَخْرُجَ معهم، قال: فعندَ ذلك ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ (٤). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا حمادٌ، عن إبراهيمَ أنه قال في قولِ

стр. 9472

اللهِ : ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾. قال: يقولُ مَن في النارِ مِن المشركين للمسلمين: ما أغْنَت عنكم: لا إلهَ إلا اللَّهُ؟ قال: فيَغْضَبُ اللَّهُ لهم، فيقولُ: مَن كان مسلمًا فَلْيَخْرُجُ مِن النارِ. قال: فعندَ ذلك: ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرَنا معمرٌ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾، قال: إن أهلَ النارِ يَقُولون: كنا أهلَ شِرْكِ وكُفْرٍ، فما شأنُ هؤلاء الموحِّدين، ما أَغْنَى عنهم عبادتُهم إياه؟ قال: فيُخْرِجُ مِن النارِ مَن كان فيها مِن المسلمين. قال: فعندَ ذلك ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ (١). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ، و (٢) عن خُصَيفٍ، عن مجاهدٍ، قالا (٣): يقولُ أهلُ النارِ للموحِّدين: ما أَغْنَى عنكم إيمانُكم؟ قال: فإذا قالوا ذلك، قال: أَخْرِجوا مَن كان في قلبِه مِثقالُ ذرّةٍ. فعندَ ذلك [قولُه: ﴿رُبَمَا] (٤) يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ (٥). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا مسلمٌ، قال: ثنا هشامٌ، عن حمادٍ، قال: سأَلْتُ إبراهيمَ عن قولِ اللَّهِ : ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾: قال الكفارُ يُعَيِّرون أهلَ التوحيدِ: ما أغْنَى عنكم: لا إلهَ إلا اللَّهُ؟ فيَغْضَبُ اللَّهُ لهم،

стр. 9473

فيَأْمُرُ النبيِّين والملائكةَ فيَشْفَعون، فيَخْرُجُ أهلُ التوحيدِ [مِن النارِ] (١)، حتى إن إبليس ليَتَطاولُ رجاءَ أن يَخْرُجَ. فذلك قولُه: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾. حدَّثنا أحمدُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا عبدُ السلامِ، عن خُصَيفٍ، عن مجاهدٍ، قال: هذا في الجَهَنَّمِيين إذا رأَوهم يَخْرُجون مِن النارِ: ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ (٢). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المنهالِ، قال: ثنا حمادٌ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن مجاهدٍ، قال: إذا فرَغ اللهُ مِن القضاءِ بينَ خلقِه، قال: مَن كان مسلمًا فلْيَدخُلِ الجنةَ. فعندَ ذلك: ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثنى الحسنُ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾. قال: يومَ القيامةِ (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ بنُ عطاءٍ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾.

стр. 9474

قال: فيها وجهان اثنان؛ يقولون: إذا حضر الكافر الموتُ ودَّ لو كان مسلمًا. ويقولُ آخرون: بل يُعَذِّبُ اللَّهُ ناسًا مِن أهل التوحيدِ في النارِ بذُنوبهم، فيَعْرِفُهم المشركون فيقولون: ما أغنت عنكم عبادة ربِّكم وقد ألقاكم في النارِ؟ فيَغْضَبُ لهم، فيُخْرِجُهم، فيقولُ: ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن أبي جعفر، عن الربيعِ، عن أبي العالية في قوله: ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾. قال: نزَلت في الذين يخرجون من النار. حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾: وذلك والله يوم القيامةِ، وَدُّوا لو كانوا في الدنيا مسلمين. حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمر، عن قتادةَ: ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن مجاهد، عن ابن عباسٍ، قال: ما يَزَالُ اللهُ يُدْخِلُ الجنةَ ويُشَفِّعُ، حتى يقول: مَن كان مِن المسلمين فلْيَدْخُلِ الجنةَ. فذلك حين يقولُ: ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾. القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾. يقول تعالى ذكره لنبيِّه محمد ﷺ : ذَرْ يا محمدُ هؤلاء المشركين يَأْكلوا في هذه الدنيا ما هم آكِلوه، ويَتَمَتَّعوا من لذاتها وشهواتهم (١) فيها، إلى أجَلِهم الذي

стр. 9475

أجَّلْتُ لهم، ويُلهِهِمُ الأملُ عن الأخذ بحظِّهم من طاعة الله فيها، وتزودهم لمعادِهم منها بما يقرِّبُهم مِن ربِّهم، فسوف يعلمون غدًا إذا وردوا عليه وقد هلكوا على كُفْرِهم بالله وشركهم، حين يُعاينون عذابَ اللهِ، أنهم كانوا مِن تَمَتَّعِهم بما كانوا يَتَمَتَّعون فيها من اللذاتِ و (١) الشهوات، كانوا في خَسارٍ وتبابٍ. القول في تأويل قوله: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ﴾. يقول تعالى ذكرُه: وما أهلكْنا يا محمدُ ﴿مِن﴾ أهل قرية من أهل القرى التي أهْلَكْنا أهلها فيما مضَى، ﴿إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ﴾. يقولُ: إلا ولها أجلٌ مؤقَّتٌ، ومدةٌ معروفةٌ، لا نُهْلِكُهم حتى يبلغوها، فإذا بلغوها أهلكناهم عند ذلك. فيقول (٢) لنبيِّه محمد ﷺ : فكذلك أهل قريتك التي أنت منها، وهى مكة، لا نُهْلكٌ (٣) مشركي أهلِها إلا بعد بلوغ كتابهم أجلَه؛ لأن من قضائى أَلَّا أُهْلِكَ أَهلَ قريةٍ إلا بعد بلوغ كتابهم أجلَه. القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾. يقول تعالى ذكرُه: ما يَتَقَدَّمُ هلاكُ أمةٍ قبل أجلها الذي جعله الله أجلًا لهلاكها، ولا يَسْتَأْخِرُ هلاكها عن الأجلِ الذي جعل لها أجلًا. كما حدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاقُ، قال: ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريِّ في قوله: ﴿ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَئْخِرُونَ﴾. قال: نَرَى (٤)

стр. 9476

أنه إذا حضَر أجلُه، فإنه لا يُؤَخَّرُ ساعةً ولا يُقَدَّمُ، وأما ما لم يَحْضُرُ أجله (١)، فإن الله يُؤَخِّرُ ما شاء، ويُقَدِّمُ ما شاء (٢). القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) لَوْمَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧)﴾. يقول تعالى ذكره: وقال هؤلاء المشركون لك، من قومِك، يا محمد: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾؛ وهو القرآنُ الذي ذكَّر الله بما (٣) فيه [من المواعظ] (٤) خلقَه، ﴿إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ في دعائك إيانا إلى أن نتبعَك ونَذَرَ آلهتنا، ﴿لَو مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ﴾. قالوا: هَلَّا تَأْتِينا بالملائكة شاهدةً لك على صدق ما تقول، ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾. يَعْنى: إن كنت صادقا في أن الله بعثك إلينا رسولًا، وأنزل عليك كتابًا، فإنَّ الربَّ الذي فعل ما تَقُولُ بك، لا يَتَعَذَّرُ عليه إرسال ملك من ملائكته معك، حجةً لك علينا، وآيةً لك على نبوَّتِك وصدقِ مقالتك. والعربُ تَضَعُ موضِعَ "لوما" "لولا"، وموضعَ "لولا" "لوما"، و (٥) من ذلك قول ابن مُقْبِلٍ (٦): لَوْما الحياءُ ولَوْما الدينُ عِبْتُكما … ببعضِ ما فيكما إذ عِبْتُما عَوَرِى يُريدُ: لولا الحياء.

стр. 9477

وبنحو الذي قلنا في معنى "الذكرِ" قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهيرٍ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾. قال: القرآنُ (١). القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿مَا نُنَزِّلُ (٢) الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (٨)﴾. اختلفت القرأةُ في قراءةِ قوله: ﴿مَا نُنَزِّلُ (٣) الْمَلَائِكَةَ﴾. فقرأ ذلك عامةُ قرأة المدينة والبصرةِ: (ما تَنَزَّلُ الملائِكَةُ). بالتاءِ مِن "تَنَزَّلُ"، وفتحِها، ورَفْعِ (٤) "الملائكة" (٥). بمعنى: ما تَنَزَّلُ الملائكةُ، على أن الفعل للملائكة. وقرَأ ذلك عامةُ قرأة أهل الكوفةِ: ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ﴾. بالنون في "نُنَزِّلُ"، وتشديدِ الزاي، ونَصْبِ "الملائكة" (٦)، بمعنى: ما نُنَزِّلُها نحن. و"الملائكةُ" حينئذ منصوبٌ بوقوع "نُنَزِّلُ" عليها. وقرَأه بعضُ قرأةِ أهل الكوفة: (ما تُنَزَّلُ الملائكةُ). برَفعِ "الملائكة"، والتاء في "تُنَزَّلُ" وضَمِّها، على وجهِ ما لم يُسَمَّ فاعلُه (٧).

стр. 9478

قال أبو جعفرٍ: وكلُّ هذه القراءات الثلاث متقارباتُ المعانى، وذلك أن الملائكةَ إذا نَزَّلها الله على (١) رسولٍ من رسلِه، تَنزَّلَت إليه، وإذا تنزلت إليه، فإنما تَنْزِلُ بإنزالِ اللَّهِ إياها إليه. فبأيِّ هذه القراءات الثلاثِ قرأ ذلك القارئُ، فمصيبٌ الصواب في ذلك، وإن كنتُ أُحِبُّ لقارئِه ألا يَعْدُو في قراءته إحدى القراءتين اللتين ذكَرت من قراءة أهل المدينة، والأخرى التي عليها جمهور قرأة الكوفيين؛ لأن ذلك هو القراءةُ المعروفة في العامة؛ والأُخرى - أعنى قراءة من قرَأ ذلك: (ما تُنَزَّلُ). بضمِّ التاءِ مِن "تُنَزَّلُ" ورفعِ "الملائكةِ" - شاذّةٌ (٢)، قليلٌ من قرَأ بها (٣). فتأويل الكلام: ما نُنَزِّلُ ملائكتَنا إلا بالحقِّ. يعنى بالرسالة إلى رُسُلنا، أو بالعذاب لمن أردنا تعذيبَه، ولو أرسلنا إلى هؤلاء المشركين على ما يَسْأَلون إرسالهم معَك آيةً فكفَروا، لم يُنظروا فيؤخَّروا بالعذابِ، بل عُوجِلوا به، كما فعلنا ذلك بمَن قبلهم من الأمم حين سألوا الآياتِ، فكفَروا حين أتتهم الآيات، فعاجلناهم بالعقوبة. وبنحو الذي قُلْنا في تأويل قوله: ﴿مَا نُنَزَّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾. قال أهلُ التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى. وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، وحدثنا الحسن بن محمدٍ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاء، وحدثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، جميعا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد في قوله: ﴿مَا نُنَزَّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾. قال:

стр. 9479

بالرسالة والعذاب (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله. القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾. يقول تعالى ذكره: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِكْرَ﴾ وهو القرآنُ، ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. قال: وإنا للقرآن لحافظون، من أن يزادَ فيه باطلٌ ما ليس منه، أو يُنْقَصَ منه ما هو منه؛ من أحكامه وحدوده وفرائضه. والهاء في قوله: ﴿لَهُ﴾. من ذكر "الذكرِ". وبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قال أهل التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، وحدَّثني الحسنُ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. قال: عندنا (١). حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولَه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا

стр. 9480

الذِّكرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾: و (١) قال في آيةٍ أُخرى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَطِلُ﴾ - والباطلُ إبليسُ - ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢]. فأَنزَله الله ثم حفظه، فلا يَسْتَطيعُ إبليس أن يَزيدَ فيه باطِلًا، ولا يَنْتَقِصَ منه حقًّا، حفظه اللهُ مِن ذلك (٢). حدثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. قال: حفظه الله من أن يزيد فيه الشيطان باطلًا، أو يَنْقُصُ منه حقًّا (٣). وقيل: إن (٤) الهاء في قوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. مِن ذكرِ محمد ﷺ ، بمعنى: وإنا لمحمدٍ حافظون ممن أراده بسوءٍ مِن أعدائه. القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (١٠) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١١)﴾. يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : ولقد أرسلنا يا محمد من قبلك في الأممِ الأوَّلين رسلًا. وترَك ذِكْرَ الرسل اكتفاءً بدلالة قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ﴾ عليه. وعَنَى به ﴿شيع الْأَوَّلِينَ﴾ أمم الأوَّلين، واحدتُها شِيعَةٌ، ويقال أيضًا لأولياء الرجل: شيعته. وبنحو الذي قُلْنا في ذلك قال أهل التأويل.

стр. 9481

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ﴾. يقولُ: أممِ الأَوَّلين (١). حدثني المُثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا هشام، عن عمرو، عن سعيدٍ، عن قتادة في قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ﴾. قال: في الأممِ. وقوله: ﴿وَمَا يَأْتِيهِم مَّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾. يقولُ: وما يأتى شِيعَ الأوَّلين من رسول من اللهِ يُرْسِلُه إليهم بالدعاء إلى توحيده والإذعان بطاعته، ﴿إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾، يقول: إلا كانوا يَسْخَرون بالرسولِ الذي يُرْسِلُه اللَّهُ إليهم، عُتوًّا منهم وتمرُّدًا على ربِّهم. القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (١٣)﴾. يقول تعالى ذكره: كما سلَكنا الكفر في قلوبِ شِيَع الأوَّلين؛ الاستهزاء (٢) بالرسلِ، كذلك نَفْعَلُ ذلك في قلوب مشركي قومك، الذين أجرَموا الكفر (٣) باللهِ. ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾. يقولُ: لا يُصَدِّقون بالذكرِ الذي أنزلتُه (٤) إليك. والهاء في قوله: ﴿نَسْلُكُهُ﴾. من ذكر الاستهزاء بالرسل والتكذيب بهم. كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ:

стр. 9482

﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾. قال: التكذيبَ. حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمر، عن قتادة: ﴿كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾. قال: إذا كذَّبوا سلَك الله في قلوبهم ألا يُؤْمِنوا به (١). حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن حميدٍ، عن الحسن في قوله: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾. قال: الشرك (٢). حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج بن المنهالِ، قال: ثنا حماد بن سلمةَ، عن حميدٍ، قال: قرأتُ القرآنَ كلَّه على الحسن في بيت أبي خليفةَ، ففسَّره أجمعَ على الإثبات، فسألته عن قوله: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾. قال: أعمالٌ سيعملونها (٣) لم يعمَلوها (٤). حدثني المثنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبرنا ابن المباركِ، عن حماد بن سلمةَ، عن حميد الطويل، قال: قرأت القرآن كلَّه على الحسن، فما كان يُفَسِّره إلا على الإثباتِ، قال: وقَفْتُه على: ﴿نَسْلُكُهُ﴾. قال: الشركَ. قال ابن المبارك: سمعت سفيان يقولُ في قوله: ﴿نَسْلُكُهُ﴾، قال: نَجْعَلُه. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾. قال: هم كما قال الله، هو

стр. 9483

أضلَّهم ومنعهم الإيمانَ (١). يقال منه: سلَكه يَسْلُكُه سَلكًا وسلوكًا، وأسلكه يُسلِكُه إسلاكًا. ومِن السلوكِ قولُ عديِّ بن زيدٍ (٢): وكنت لزازَ خَصْمِك لم أُعَرَّدْ … وقد سلَكوك في يومٍ عصيبِ من الإسلاكِ قولُ الآخرِ (٣): حتى إذا أسلكوهم في قُتائِدَةٍ … شلًّا كما تَطْرُدُ الجَمالةُ الشُّرُدَا وقوله: ﴿وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾. يقول تعالى ذكره: لا يُؤْمِنُ بهذا القرآنِ قومك الذين سلكت في قلوبهم التكذيب، حتى يَرَوُا العذاب الأليم، أخذًا منهم سُنةَ أسلافِهم من المشركين قبلهم، من قوم عاد وثمود وضُربائهم من الأمم التي كذَّبت رُسُلَها فلم تُؤْمِنْ بما جاءها من عندِ اللهِ، حتى حلَّ بها سَخَطُ اللَّهِ فهلكت. ما قُلْنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿كَذَلِك نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾: وقائعُ اللَّهِ في مَن خلا قبلكم من الأممِ (٤). القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مَّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ

стр. 9484

يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾. اختلَف أهلُ التأويل في المعْنِيِّين بقولِه: ﴿فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى الكلام: ولو فتَحْنا على هؤلاء القائلين لك يا محمدُ: ﴿لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِقِينَ﴾. بابًا مِن السماء، فظلَّت الملائكةُ تَعْرُجُ فيه، وهم يَرَوْنهم عيانًا، لقالوا: ﴿إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾. ذكرُ مَن قال ذلك حدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مَّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يعْرُجُونَ﴾. يقول: لو فتحنا عليهم بابًا من السماءِ فظَلَّت الملائكةُ تَعْرُجُ فيه (١)، لقال أهل الشرك: إنما أخذ أبصارنا، وشَبَّه علينا، وإنما سَحَرَنا. فذلك قولهم: ﴿لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (٢). حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة، عن ابن عباس: ﴿فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾: فظلَّت الملائكةُ يَعْرُجون فيه، يراهم بنو آدم عيانًا، لقالوا: ﴿إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) لَوْمَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧)﴾. قال: ما بينَ ذلك إلى قوله: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤)﴾. قال: رجع إلى قوله: ﴿لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ﴾ ما بينَ

стр. 9485

ذلك. قال ابن جريجٍ: قال ابن عباسٍ: فظلَّت الملائكةُ تَعْرُجُ، فنظروا إليهم، لقالوا: ﴿إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾. قال: قريشٌ تقوله (١). حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مَّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾. قال: قال ابن عباسٍ: لو فتَح الله عليهم من السماءِ بابًا، فظلَّت الملائكةُ تَعْرُجُ فيه. يقولُ: يَخْتَلِفون فيه جائين وذاهبين، لقالوا: ﴿إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ (٢). حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيد بن سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مَّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾: يعنى الملائكةَ. يقولُ: لو فتحتُ على المشركين بابا من السماءِ فنظروا إلى الملائكةِ تَعْرُج بين السماءِ والأرضِ، لقال المشركون: ﴿نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ﴾: سُحِرنا، وليس هذا بالحق، ألا ترى أنهم قالوا قبل هذه الآية: ﴿لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِقِينَ﴾؟ حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا هشام، عن عمرَ (٣)، عن نصر، عن الضحاك في قوله: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾. قال: لو أني فتَحت بابًا من السماءِ تَعْرُجُ فيه الملائكة بين السماء والأرض، لقال المشركون: ﴿بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ﴾. ألا ترى أنهم قالوا: ﴿لَوْمَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾؟ وقال آخرون: إنما عُنِى بذلك بنو آدمَ.

стр. 9486

ومعنى الكلام عندهم: ولو فَتَحْنا على هؤلاء المشركين من قومك يا محمدُ بابًا من السماءِ، فظلُّوا هم فيه يَعْرُجُون، لقالوا: ﴿إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مَّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾. قال قتادة: كان الحسن يقولُ: لو فُعِل هذا ببنى آدمَ، ﴿فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾. أي: يَخْتَلِفون، لقالوا: ﴿إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ﴾. وأما قوله: ﴿يَعْرُجُونَ﴾. فإن معناه: يَرْقَوْن فيه ويَصْعَدُون، يقال منه: عَرَج يَعْرُجُ عُرُوجًا. إذا رَقِى وصعد، وواحدة المعارِجِ مَعْرَجٌ ومِعْرَاجٌ؛ ومنه قولُ كُثيرٍ: إلى حَسَبٍ عَوْدٍ (١) بَنا (٢) المرء قبله … أبوه له فيه مَعارِجُ سُلَّمِ وقد حكى "عَرَجٌ يَعْرِجُ" بكسر الراء في الاستقبالِ. وقوله: ﴿لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾. يقولُ: لقال هؤلاء المشركون الذين وصف جلَّ ثناؤه صفتهم: ما هذا بحقٍّ، إنما سُكِّرت أبصارنا. واختلفت القرأة في قراءة قوله: ﴿سُكِّرَتْ﴾؛ فقرأ أهل المدينة والعراقِ: ﴿سُكِّرَتْ﴾. بتشديد الكافِ (٣). بمعنى: غُشِّيت وغطِّيت. هكذا كان يقول أبو عمرو بن العلاء فيما ذُكر لي عنه.

стр. 9487

وذكر عن مجاهدٍ أنه كان يقرأُ: (لقالوا إنما سُكِرَت) (١). حدثني بذلك الحارث، قال: ثنا القاسم، قال: سمعت الكسائيَّ، يحدِّث عن حمزةَ، عن شبلٍ، عن مجاهد أنه قرأها: (سُكِرَتْ أبْصَارُنا). خفيفة (٢). وذهَب مجاهدٌ في قراءةِ ذلك كذلك إلى: حُبست أبصارنا عن الرؤية والنظر. من سُكُورِ (٣) الريحِ، وذلك سُكونُها ورُكودُها، يقال منه: سَكَرت الريحُ. إذا سَكَنتْ وركَدت. وقد حُكِى عن أبي عمرو بن العلاء أنه كان يقولُ: هو مأخوذٌ مِن سُكْرِ الشرابِ، وأن معناه: قد غَشَّى أبصارَنا السُّكرُ. وأما أهل التأويل فإنَّهم اختلفوا في تأويله؛ فقال بعضُهم: معنى ﴿سُكِّرَتْ﴾: سُدَّت. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا ورقاء، وحدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاء، وحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، وحدثني المثنَّى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾. قال: سُدَّت (٤).

стр. 9488

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله. حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا حجاج، يعني ابن محمد، عن ابن جريجٍ، قال: أخبرني ابن كثير، قال: سُدَّت. حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾: يَعْنى: سُدَّت. فكأنَّ مجاهدًا ذهب في قوله وتأويله ذلك بمعنى "سُدَّت"، إلى أنه بمعنى: مُنعت النظرَ. كما يُسْكَرُ الماءُ فيُمْنَعُ (١) مِن الجَرْيِ، بحَبْسِه في مكان بالسِّكْرِ الذي يُسْكَرُ به. وقال آخرون: معنى (٢) ﴿سَكِّرَتْ﴾: أُخِذَت. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بن ثورٍ، عن معمر، عن قتادةَ، عن ابن عباس: ﴿لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾. يقولُ: أُخِذت أبصارُنا (٣). حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: إنما أخَذ أبصارَنا، وشَبَّه علينا، وإنما سَحَرَنا (٤). حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمرٍ، عن قتادة:

стр. 9489

﴿لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾. يقولُ: سُحِرَت أبصارنا. يقولُ: أُخِذت أبصارنا. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن أبي حمادٍ، قال: ثنا شيبان، عن قتادة، قال: من قرأ: ﴿سُكِّرَتْ﴾. مُثقَّلةً (١)، يعنى: سُدَّت، ومَن قرأ (سُكِرَتْ). مخففةً، فإنه يعنى: سُجِرت (٢). وكأن هؤلاء وجَّهوا معنى قوله: ﴿سُكِّرَتْ﴾. إلى أن أبصارَهم سُحِرت، فشُبِّه عليهم ما يُبْصِرون، فلا يُمَيزون بين الصحيحِ مما يرَون وغيره، من قول العرب: سُكِّر على فلان رأيُه. إذا اختلط عليه رأيه فيما يريد، فلم يَدْرِ (٣) الصواب فيه مِن غيره. فإذا عزَم على الرأي قالوا: ذهَب عنه التَّسْكِيرُ. وقال آخرون: هو مأخوذٌ من السُّكْر، ومعناه: غُشِّى على أبصارِنا فلا تُبْصِرُ، كما يَفْعَلُ السُّكرُ بصاحبِه، فذلك إذا دِيرَ به وغُشِّى بَصَرُه، كالسَّماديرِ (٤)، فلم يُبْصِرُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾. قال: سُكِّرت، السكرانُ (٥) الذي لا يَعْقِلُ (٦). وقال آخرون: معنى ذلك: عُمِّيَت.

стр. 9490

ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاءٍ، عن الكلبي: ﴿سُكِّرَتْ﴾. قال: عمِّيت. وأولى هذه الأقوالِ بالصوابِ عندى قولُ مَن قال: معنى ذلك: أُخِذت أبصارُنا وسُحِرت، فلا تُبْصِرُ الشيءَ على ما هو به، وذهَب (١) حدُّ (٢) إبصارِها (٣)، وانطَفأ نورُه (٤). كما يقالُ للشيءِ الحارِّ إذا ذهَبت فَوْرَتُه وسَكَن حَدُّ حَرِّه: قد [سكَر يَسْكُرُ] (٥)، كما (٦) قال [المُثَنَّى بنُ جَنْدَلٍ] (٧) الطُّهَوِيُّ (٨): جاء الشتاءُ واجْثَأَلَّ القُبَّرُ (٩) واسْتَخْفَت الأفعى وكانت تَظْهَرُ وجَعَلَت عينُ الحرُورِ تَسْكُرُ أي: تَسْكُنُ (١٠) وتَذْهَبُ وتَنْطَفئُ. وقال ذو الرمةِ (١١):
следующие страницы →