← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 9486–9525 · переход к 9491.

стр. 9486

ومعنى الكلام عندهم: ولو فَتَحْنا على هؤلاء المشركين من قومك يا محمدُ بابًا من السماءِ، فظلُّوا هم فيه يَعْرُجُون، لقالوا: ﴿إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مَّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾. قال قتادة: كان الحسن يقولُ: لو فُعِل هذا ببنى آدمَ، ﴿فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾. أي: يَخْتَلِفون، لقالوا: ﴿إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ﴾. وأما قوله: ﴿يَعْرُجُونَ﴾. فإن معناه: يَرْقَوْن فيه ويَصْعَدُون، يقال منه: عَرَج يَعْرُجُ عُرُوجًا. إذا رَقِى وصعد، وواحدة المعارِجِ مَعْرَجٌ ومِعْرَاجٌ؛ ومنه قولُ كُثيرٍ: إلى حَسَبٍ عَوْدٍ (١) بَنا (٢) المرء قبله … أبوه له فيه مَعارِجُ سُلَّمِ وقد حكى "عَرَجٌ يَعْرِجُ" بكسر الراء في الاستقبالِ. وقوله: ﴿لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾. يقولُ: لقال هؤلاء المشركون الذين وصف جلَّ ثناؤه صفتهم: ما هذا بحقٍّ، إنما سُكِّرت أبصارنا. واختلفت القرأة في قراءة قوله: ﴿سُكِّرَتْ﴾؛ فقرأ أهل المدينة والعراقِ: ﴿سُكِّرَتْ﴾. بتشديد الكافِ (٣). بمعنى: غُشِّيت وغطِّيت. هكذا كان يقول أبو عمرو بن العلاء فيما ذُكر لي عنه.

стр. 9487

وذكر عن مجاهدٍ أنه كان يقرأُ: (لقالوا إنما سُكِرَت) (١). حدثني بذلك الحارث، قال: ثنا القاسم، قال: سمعت الكسائيَّ، يحدِّث عن حمزةَ، عن شبلٍ، عن مجاهد أنه قرأها: (سُكِرَتْ أبْصَارُنا). خفيفة (٢). وذهَب مجاهدٌ في قراءةِ ذلك كذلك إلى: حُبست أبصارنا عن الرؤية والنظر. من سُكُورِ (٣) الريحِ، وذلك سُكونُها ورُكودُها، يقال منه: سَكَرت الريحُ. إذا سَكَنتْ وركَدت. وقد حُكِى عن أبي عمرو بن العلاء أنه كان يقولُ: هو مأخوذٌ مِن سُكْرِ الشرابِ، وأن معناه: قد غَشَّى أبصارَنا السُّكرُ. وأما أهل التأويل فإنَّهم اختلفوا في تأويله؛ فقال بعضُهم: معنى ﴿سُكِّرَتْ﴾: سُدَّت. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا ورقاء، وحدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاء، وحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، وحدثني المثنَّى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾. قال: سُدَّت (٤).

стр. 9488

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله. حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا حجاج، يعني ابن محمد، عن ابن جريجٍ، قال: أخبرني ابن كثير، قال: سُدَّت. حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾: يَعْنى: سُدَّت. فكأنَّ مجاهدًا ذهب في قوله وتأويله ذلك بمعنى "سُدَّت"، إلى أنه بمعنى: مُنعت النظرَ. كما يُسْكَرُ الماءُ فيُمْنَعُ (١) مِن الجَرْيِ، بحَبْسِه في مكان بالسِّكْرِ الذي يُسْكَرُ به. وقال آخرون: معنى (٢) ﴿سَكِّرَتْ﴾: أُخِذَت. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بن ثورٍ، عن معمر، عن قتادةَ، عن ابن عباس: ﴿لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾. يقولُ: أُخِذت أبصارُنا (٣). حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: إنما أخَذ أبصارَنا، وشَبَّه علينا، وإنما سَحَرَنا (٤). حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمرٍ، عن قتادة:

стр. 9489

﴿لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾. يقولُ: سُحِرَت أبصارنا. يقولُ: أُخِذت أبصارنا. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن أبي حمادٍ، قال: ثنا شيبان، عن قتادة، قال: من قرأ: ﴿سُكِّرَتْ﴾. مُثقَّلةً (١)، يعنى: سُدَّت، ومَن قرأ (سُكِرَتْ). مخففةً، فإنه يعنى: سُجِرت (٢). وكأن هؤلاء وجَّهوا معنى قوله: ﴿سُكِّرَتْ﴾. إلى أن أبصارَهم سُحِرت، فشُبِّه عليهم ما يُبْصِرون، فلا يُمَيزون بين الصحيحِ مما يرَون وغيره، من قول العرب: سُكِّر على فلان رأيُه. إذا اختلط عليه رأيه فيما يريد، فلم يَدْرِ (٣) الصواب فيه مِن غيره. فإذا عزَم على الرأي قالوا: ذهَب عنه التَّسْكِيرُ. وقال آخرون: هو مأخوذٌ من السُّكْر، ومعناه: غُشِّى على أبصارِنا فلا تُبْصِرُ، كما يَفْعَلُ السُّكرُ بصاحبِه، فذلك إذا دِيرَ به وغُشِّى بَصَرُه، كالسَّماديرِ (٤)، فلم يُبْصِرُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾. قال: سُكِّرت، السكرانُ (٥) الذي لا يَعْقِلُ (٦). وقال آخرون: معنى ذلك: عُمِّيَت.

стр. 9490

ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاءٍ، عن الكلبي: ﴿سُكِّرَتْ﴾. قال: عمِّيت. وأولى هذه الأقوالِ بالصوابِ عندى قولُ مَن قال: معنى ذلك: أُخِذت أبصارُنا وسُحِرت، فلا تُبْصِرُ الشيءَ على ما هو به، وذهَب (١) حدُّ (٢) إبصارِها (٣)، وانطَفأ نورُه (٤). كما يقالُ للشيءِ الحارِّ إذا ذهَبت فَوْرَتُه وسَكَن حَدُّ حَرِّه: قد [سكَر يَسْكُرُ] (٥)، كما (٦) قال [المُثَنَّى بنُ جَنْدَلٍ] (٧) الطُّهَوِيُّ (٨): جاء الشتاءُ واجْثَأَلَّ القُبَّرُ (٩) واسْتَخْفَت الأفعى وكانت تَظْهَرُ وجَعَلَت عينُ الحرُورِ تَسْكُرُ أي: تَسْكُنُ (١٠) وتَذْهَبُ وتَنْطَفئُ. وقال ذو الرمةِ (١١):

стр. 9491

قبلَ انْصِداعِ الفجرِ والتَّهَجُّرُ وخَوْضُهن الليل حينَ يَسْكُرُ يعني: حينَ تَسْكُنُ فَوْرَتُه. وذُكِر عن قيسٍ أنها تقولُ: سكرت الريحُ تَسْكُرُ سُكُورًا. بمعنى: سكَنت. وإن كان ذلك عنها صحيحًا، فإن معنى "سُكِرَت" و "سُكِّرَت" - بالتخفيفِ والتشديدِ - متقاربان، غير أن القراءةَ التي لا أستجيزُ غيرها في القرآن: ﴿سُكِّرَتْ﴾. بالتشديدِ؛ لإجماع الحجة من القرأةِ عليها، وغير جائزٍ خلافها فيما جاءت به مجمعةً عليه (١). القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦)﴾. يقول تعالى ذكرُه: ولقد جعلنا في السماءِ الدنيا منازلَ للشمس والقمرِ، وهى كواكب يَنزِلُها الشمس والقمرُ، ﴿وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ﴾، يقولُ: وزيّنا السماء بالكواكب لمن نظَر إليها وأبصرها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، وحدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاء، وحدثني المثنَّى، قال: أخبرنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ،

стр. 9492

وحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبد اللهِ، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد في قوله: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾. قال: كواكبَ (١). حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾: وبُروجها نجومها (٢). حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿بُرُوجًا﴾، قال: الكواكب (٣). القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (١٨)﴾. يقول تعالى ذكره: وحفظنا السماء الدنيا من كلِّ شيطانٍ لعينٍ، قد رجَمَه اللَّهُ ولعَنه، ﴿إلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾، يقولُ: لكن قد يَسْتَرِقُ من الشياطين السمع مما يَحْدُثُ في السماءِ بعضُها، فيَتْبَعُه شهابٌ مِن النارِ مبينٌ، يَبِينُ أثرُه فيه، إما بإخبالِه وإفساده، أو بإحراقه. وكان بعضُ نحويِّي أهل البصرة يقولُ في قوله: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾: هو استثناءٌ خارجٌ، كما قال: ما أشْتَكى إلا خيرًا. يريدُ: لَكِن (٤) أذكُرُ خيرًا.

стр. 9493

وكان يُنكِرُ ذلك من قبله بعضُهم، ويقول: إذا كانت "إلَّا" بمعنى "لكن"، عمِلت عملَ "لَكِنْ"، ولا يحتاج إلى إضمار "أذْكُرُ". ويقولُ: لو احتاج والأمرُ كذلك إلى إضمار "أذْكُرُ"، احتاج قول القائل: قام زيد لا عمرٌو. إلى إضمارِ "أذكرُ". وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا عفان بن مسلمٍ، قال: ثنا عبد الواحدِ بنُ زيادٍ، قال ثنا الأعمش عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: تصعد الشياطين أفواجًا تَسْتَرِقُ السَّمْعَ. قال: فيَنْفَرِدُ الماردُ منها فيعلو، فيُرمى بالشهاب، فيُصِيبُ جبهتَه أو جَنبه، أو حيث شاء الله منه، فيلتهب، فيَأْتى أصحابه وهو يَلْتَهبُ، فيقولُ: إنه كان من الأمر كذا وكذا (١). قال: فيَذْهَبُ أولئك إلى إخوانهم من الكهنةِ، فيزيدون عليه أضعافَه من الكذبِ، فيُخبرونهم به، فإذا رأوا شيئًا (٢) مما قالوا قد كان، صدَّقوهم بما جاءوهم به من الكذبِ (٣). حدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾. قال: أراد أن يَخْطِفَ السمعَ، وهو كقوله: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ (٤) [الصافات: ١٠].

стр. 9494

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾: وهو نحو قولِه: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريج قوله: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾. قال: خَطِفَ الخَطْفةَ. حدِّثتُ عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمعت الضحاك يقولُ في قوله: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾: هو كقوله: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾. كان (١) ابن عباس يقولُ: إن الشُّهُبَ لا تَقْتُلُ، ولكن تَحرِقُ وتُخَبِّلُ وتَجرَحُ، مِن غير أن تَقْتُلَ (٢). حدثني الحارث، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: ﴿مِن كُلَّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ﴾. قال: الرجيم الملعون. قال: وقال القاسمُ، عن الكسائيِّ، أنه قال: الرجمُ في جميع القرآنِ الشَّتْمُ. القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (١٩)﴾. يَعنى تعالى ذكره بقوله: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾: والأَرضَ دَحَوْناها فبَسَطناها، ﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾، يقولُ: وألقَيْنا في ظهورِها رَواسيَ، يَعْنى جبالًا ثابتةً. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾: وقال في آية أخرى: ﴿وَالْأَرْضَ بَعدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠].

стр. 9495

وذُكِر لنا أن أمَّ القرى مكةَ منها دُجيت الأرضُ. قوله: ﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾: رواسيها جبالُها (١). وقد بينّا معنى الرُّسُوِّ فيما مضى بشواهده المُغْنِيَةِ عن إعادته (٢). وقوله: ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (١٩)﴾. يقولُ: وأنبتنا في الأرضِ ﴿مِن كُلَّ شَيْءٍ﴾، يقولُ: مِن كُلِّ شيءٍ بقدرٍ (٣) مقدَّرٍ، وبحدٍّ معلومٍ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا المثنَّى، قال: ثنا عبد الله بن صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس قوله: ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾. يقولُ: معلومٍ (٤). حدثني محمد بن سعد، قال: ثنا أبى، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾. يقولُ: معلومٍ. حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، أو عن أبي مالك في قوله: ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾. قال: بقدرٍ. حدثنا المثنى، قال: ثنا عمرُو بن عونٍ، قال: أخبرنا هشيم، عن إسماعيلَ بن أبي خالد، عن أبي صالح، أو عن أبي مالك مثله. حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحِمّانيُّ، قال: ثنا شريكٌ، عن خُصَيفٍ، عن

стр. 9496

عكرمةَ: ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾. قال: بقدرٍ. حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا عليٌّ - يعني ابن الجعد - قال: أخبرنا شَرِيك، عن خُصيفٍ، عن عكرمة: ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾. قال: بقدرٍ. حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن خُصَيفٍ، عن عكرمة، قال: بقدرٍ (١). حدثنا أحمد، [قال: حدَّثنا أبو أحمدَ] (٢)، قال: ثنا سفيان، عن حُصينٍ، عن سعيد بن جبير: ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾. قال: معلوم. حدثنا مجاهدُ بن موسى، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا عبد الله بن يونس، قال: سمعتُ الحكم بن عُتَيْبةَ، وسأَله أبو مخزومٍ عن قوله: ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾. قال: من كلِّ شيءٍ مَقْدورٍ. حدَّثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا يزيدُ بن هارونَ، قال: أخبرنا عبدُ اللَّهِ بنُ يونسَ، قال: سمعت الحكَمَ، وسأَله أبو عُرْوةَ عن قولِ اللَّهِ : ﴿مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوزُونٍ﴾. قال: من كلِّ شيءٍ مقدورٍ. هكذا قال الحسن: وسأله أبو عُروةَ. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثنا الحسن بن محمدٍ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاء، وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، وحدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾. قال: مقدورٍ

стр. 9497

بقدرٍ (١). حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريج، عن مجاهدٍ: ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾. قال: مقدور بقدرٍ. حدثني المثنى، قال: ثنا عليُّ بن الهيثمِ، قال: ثنا يحيى بن زكريا، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: مقدورٍ بقدرٍ. حدثنا المثنى، قال: ثنا عليُّ بن الهيثمِ، قال: ثنا يحيى بن زكريا، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ: ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾. قال: بقدرٍ. حدَّثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (١٩)﴾. يقولُ: معلوم. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمر، عن قتادةَ مثلَه (٢). حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾. يقولُ: معلومٍ. وكان بعضهم يقولُ: معنى ذلك: وأنبتنا في الجبال من كلِّ شيءٍ موزون، يعنى: من الذهب والفضة والنُّحاس والرصاصِ ونحو ذلك من الأشياء التي تُوزنُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَأَنْبَتَنَا

стр. 9498

فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾. قال: الأشياء التي تُوزنُ (١). وأولَى القولين عندنا بالصوابِ القول الأوَّلُ؛ لإجماع الحجة من أهل التأويل عليه. القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (٢٠)﴾. يقول تعالى ذكره: وجعلنا لكم (٢) أيها الناسُ في الأرضِ معايشَ، وهي جمعُ معيشةٍ، ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾. اختلف أهل التأويل في المعني بقوله (٣): ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾؛ فقال بعضُهم: عَنَى به الدوابَّ والأنعامَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ (٤)، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثنا الحسن بن محمدٍ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاء، وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، وحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، جميعًا عن ورقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (٢٠)﴾: الدواب والأنعام (٥).

стр. 9499

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. وقال آخرون: عنى بذلك الوَحْشَ خاصةً. ذكرُ مَن قال ذلك حدثني محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن منصورٍ في هذه الآية: ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (٢٠)﴾. قال: الوَحْشُ (١). فتأويل ﴿وَمَن﴾ في: ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾. على هذا التأويل بمعنى (٢) "ما"، وذلك قليل في كلام العرب. وأولى ذلك بالصواب وأحسنُ أن يقال: عنى بقوله: ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (٢٠)﴾. من العبيد والإماء والدوابِّ والأنعامِ. فمعنى ذلك: وجعلنا لكم فيها معايش والعبيد والإماء والدواب والأنعام. وإذا كان ذلك كذلك، حسن أن تُوضَعَ حينئذ مكان العبيد والإماءِ والدوابِّ (٣) "مَنْ"؛ وذلك أن العرب تفعلُ ذلك إذا أرادت الخبر عن البهائمِ معها بنو آدمَ. وهذا التأويلُ على ما قلناه وصرفنا (٤) إليه معنى الكلام، إذا كانت ﴿وَمَن﴾ في موضع نصبٍ، عطفًا به على ﴿مَعَايِشَ﴾ بمعنى: جعلنا لكم فيها معايشَ، وجعَلْنا لكم فيها (٥) مَن لستم له برازقين.

стр. 9500

وقد قيل: إِنَّ ﴿وَمَن﴾ في موضعِ خفضٍ عطفًا به على الكاف والميم في (١) قوله: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ﴾. بمعنى: وجعلنا لكم فيها معايش ولمن (٢) لستم له برازقين. وأحْسَبُ أن منصورًا في قوله: هو الوحشُ. قصد هذا المعنى، وإياه أراد. وذلك وإن كان له وجهٌ في كلام العربِ، فبعيدٌ قليلٌ؛ لأنها لا تكادُ تُظاهِرُ على معنًى في حالِ الخفض، وربما جاء في شعرِ بعضهم في حال الضرورة، كما قال بعضُهم (٣): هلَّا سأَلتَ بذى الجماجم عنهم … وأبي نُعَيم ذى اللِّواءِ المُحْرَقِ (٤) فردَّ "أبا نُعَيْمٍ" على الهاء والميم في "عنهم". وقد بيَّنتُ قبحَ ذلك في كلامهم (٥). القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾. يقول تعالى ذكره: وما من شيءٍ مِن الأمطار إلا عندَنا خزائنُه، وما نُنَزِّلُه إلا بقدَرٍ لكل أرض، معلوم عندنا حده ومبلغه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: أخبرنا يزيد بن أبي زيادٍ، عن

стр. 9501

رجلٍ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: ما مِن أرضٍ أمطرَ مِن أَرضٍ، ولكنَّ اللَّهَ يَقْدُرُه في الأرضِ. ثم قرَأ: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جريرٌ، عن يزيدَ بن أبي زيادٍ، عن أبي جُحَيفةَ، عن عبد الله، قال: ما مِن عامٍ بأمطرَ من عامٍ، ولكنَّ اللَّهَ يَصْرِفُه عمن يشاءُ. ثم قرَأ (١): ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ (٢). حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا إبراهيم بن مهدى المصيصيُّ، قال: ثنا عليُّ ابن مُسْهِرٍ، عن يزيد بن أبي زيادٍ، عن أبي جُحَيفةَ، عن عبدِ اللهِ بن مسعود: ما مِن عامٍ بأمطرَ من عامٍ، ولكنَّ اللَّهَ يَقْسِمُه حيثُ يشاءُ (٣)، عاما هاهنا، وعاما هاهنا. ثم قرأ: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ (٤). حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾. قال: المطرُ خاصةً (٩). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرنا إسماعيل بن سالم، عن الحكم بن عتيبة في قوله: ﴿وَمَا نُنَزَّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾. قال: ما مِن عام بأكثر مطرًا من عام ولا أقلَّ، ولكنه يُمطَرُ قومٌ ويُحْرَمُ آخرون، وربما كان في البحر. قال: وبلغنا أنه يَنْزِلُ مع المطرِ [مِن الملائكةِ] (٥) أكثر من عددٍ ولد إبليسَ وولد

стр. 9502

آدمَ، يُحْصُون كلَّ قطرةٍ حيثُ تَقَعُ وما تُنْبِتُ (١). القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (٢٢)﴾. اختلفت القرأة في قراءة ذلك؛ فقرأته عامة القرأةِ: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾. وقرأه بعضُ قرَأةِ أهل الكوفةِ: (وأَرْسَلْنَا الرِّيحَ لَوَاقِحَ) (٢). فوحد الريحَ وهى موصوفةٌ بالجمعِ، أعنى بقولِه: ﴿لَوَاقِحَ﴾. وينبغى أن يكون معنى ذلك أن الريحَ وإن كان لفظها واحدًا (٣) فمعناها الجمع؛ لأنَّه يقال: جاءت الريحُ مِن كلِّ وجهٍ، وهبَّت من كلِّ مكانٍ. فقيل: ﴿لَوَاقِحَ﴾. لذلك، فيكون معنى جمعهم نَعْتها وهى في اللفظ واحدةٌ (٤) معنى قولهم: أرضٌ سباسبُ (٥)، وأرضُ أغفالٌ (٦)، وثوبٌ أخلاقٌ، كما قال الشاعر (٧): جاء الشتاءُ وقميصى أخلاقْ شراذِمٌ (٨) يَضْحَكُ منه التَّواقُ (٩)

стр. 9503

وكذلك تَفْعَلُ العربُ في كلِّ شيءٍ اتسَع. واختلَف أهلُ العربية في وجهِ وصف الرياح باللَّقَحِ، وإنما هي مُلْقِحةٌ لا لاقحةٌ، وذلك أنها تُلقِحُ السحاب والشجرَ، وإنما تُوصَفُ باللَّقَحِ الملقوحة لا الملقِحُ، كما يقالُ: ناقةٌ لاقحٌ. وكان بعضُ نحويِّى البصرة يقولُ: قيل: ﴿الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾. فجعلها على لاقحٍ، كأن الرياحَ لَقِحَت؛ لأن فيها خيرًا، فقد لقحت بخيرٍ. قال: وقال بعضُهم: الرياحُ تُلْقِحُ السحابَ. فهذا يدلُّ على ذلك المعنى؛ لأنها إذا أنشأته وفيها خيرٌ وصل ذلك إليه. وكان بعضُ نحويِّى الكوفة يقولُ (١): في ذلك معنيان؛ أحدهما، أن يَجْعَلَ الريحَ هي التي تَلْقَحُ بمرورها على التراب والماء فيكون فيها اللقاح. فيقال: ريحٌ لاقحٌ. كما يقالُ: ناقة لاقحٌ. قال: ويَشْهَدُ على ذلك أنه وصف ريحَ العذابِ فقال: ﴿عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ [الذاريات: ٤١]. فجعلها عقيمًا إذ (٢) لم تَلْقَحْ. قال: والوجه الآخرُ، أن يكونَ وصَفَها باللَّقَحِ وإن كانت تُلْقِحُ، كما قيل: ليلٌ نائمٌ، والنوم فيه، وسرٌّ كاتمٌ. وكما قيل: * المبروزُ والمختومُ (٣) * فجعله (٤) مبروزًا، ولم يَقُلْ: مُبْرَزًا. بناه (٥) على غيرِ فعلٍ (٦)، أي أن ذلك من

стр. 9504

صفاته، فجاز "مفعولٌ" لـ "مُفْعَلٍ"، كما جاز "فاعل" لـ "مفعول"، إذ (١) لم يُرِدِ (٢) البناء على الفعل، كما قيل: ماء دافقٌ. والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أن الرياح لواقع كما وصفها به جلَّ ثناؤه من صفتها، وإن كانت قد تُلْقِحُ (٣) السحابَ والأشجارَ، فهى لاقحةٌ مُلْقِحةٌ، ولَقْحُها حملها الماءَ، وإلقاحُها السحابَ والشجر عملُها فيه، وذلك كما قال عبد الله بن مسعودٍ. حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا المحاربيُّ، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن قيس بن سكنٍ، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ في قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾. قال: يُرْسِلُ الله الرياح فتَحْمِلُ الماءَ، فتُجرى السحابَ، فَتَدِرُّ كما تَدِرُ اللِّقْحَةُ، ثم تُمْطِرُ (٤). حدَّثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المنهال، عن قيس بن سكنٍ، عن عبدِ اللهِ: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾. قال: يَبْعَثُ اللهُ الريحَ فَتُلْقِحُ السحابَ، ثم تَمرِيه (٥)، فتدِرُّ كما تَدِرُ اللِّقْحَةُ، ثم تُمْطِرُ. حدَّثنا الحسنُ بن محمد، قال: ثنا أسباطُ بنُ محمدٍ، عن الأعمشِ، عن المنهال بن عمرو عن قيس بن السَّكن، عن عبدِ اللهِ بن مسعود في قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾. قال: يُرْسِلُ الرياح فتَحْمِلُ الماءَ مِن السماءِ، ثم

стр. 9505

تَمرِى السحابَ، فتدِرُّ كما تَدِرُ اللِّقْحَةُ. فقد بينَّ عبد الله بقوله: يُرسل الرياح فتَحْمِلُ الماء. أنها هي اللاقحةُ بحَمْلِها الماءَ، وإن كانت مُلقِحَةً بإلقاحها السحابَ والشجرَ. وأما جماعةٌ أُخَرُ مِن أهل التأويل، فإنهم وجَّهوا وصفَ الله تعالى ذكره إياها بأنها لواقِحُ، إلى أنه بمعنى مُلْقِحةٍ، وأن اللواقحَ وُضِعَت موضعَ مَلاقِحَ، كما قال نَهْشَلُ بنُ حَرِّيٍّ (١): ليُبْكَ يزيدُ بائسٌ لضراعةٍ … وأَشْعثُ ممن طوَّحَتْه الطَّوائحُ (٢) يريدُ المَطاوِحَ. وكما قال النابغةُ (٣): كِلِيني لهمٍّ يا أميمةَ ناصبِ … وليلٍ أُقاسيه بطئِ الكواكبِ بمعنى: مُنْصِب. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهديٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمش، عن إبراهيم في قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾. قال: تُلْقِحُ السحابَ (٤). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو نعيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمش، عن إبراهيمَ

стр. 9506

مثلَه. حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ مثلَه. حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليةَ، عن أبي رجاء، عن الحسن قولَه ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾. قال: لواقحُ للشجرِ. [قلت: أو] (١) للسحابِ. قال: وللسحابِ، تَمريه حتى يُمْطِر (٢) حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ سليمانَ، عن أبي سنانٍ، عن حبيب بن أبي ثابتٍ، عن عُبَيدِ بن عميرٍ، قال: يَبْعَثُ اللهُ المبشِّرةَ فتَقُمُّ الأَرضَ قَمًّا، ثم يَبْعَثُ اللهُ المثيرة فتُثير السحابَ، ثم يَبْعَثُ اللهُ المؤلِّفةَ فَتُؤَلِّفُ السحابَ، ثم يَبْعَثُ اللهُ اللواقحَ فتُلْقِحُ الشجرَ. ثم تلا عبيد: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ (٣). حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾. يقولُ: لواقحُ للسحابِ، وإن من الريحِ عذابًا، وإن منها رحمةً (٤). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿لَوَاقِحَ﴾. قال: تُلقِحُ الماءَ في السحابِ (٥). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن ابن

стр. 9507

عباسٍ: ﴿لَوَاقِحَ﴾. قال: تُلْقِحُ الشجرَ وتَمرِى السحابَ (١) حُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاك يقول في قولِه: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾: الرياحُ يَبْعَثُها الله على السحابِ فتُلْقِحُه، فيَمْتَلئُ ماءً (٢). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أحمدُ بنُ يونسَ، قال: ثنا عُبَيسُ (٣) بنُ ميمونٍ، قال: ثنا أبو المهزَّم، عن أبي هريرة، قال: سمِعتُ رسول الله ﷺ يقول: "الريحُ الجَنوبُ من الجنةِ، وهى الريحُ اللواقحُ، وهى التي ذكر اللهُ في كتابِه، وفيها مَنافِعُ للنَّاس" (٤). حدَّثني أبو الجُماهر الحمصيُّ أو الحضرميُّ (٥) محمد بن عبد الرحمنِ، قال: ثنا عبدُ العزيز بنُ موسى، قال: ثنا عُبَيسُ (٣) بن ميمونٍ أبو عبيدةَ، عن أبي المهزَّمِ، عن أبي هريرةَ، قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ . فذكر مثله سواء. وقوله: ﴿فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾. يقول تعالى ذكره: فأنزلنا من السماء مطرًا فأسقَيناكم ذلك المطرَ لشُرْب أرضِكم ومواشِيكم. ولو كان معناه: أنزلناه لتشربوه. لقيل: فسقيناكموه. وذلك أن العرب تقول إذا سقَت الرجلَ ماءً

стр. 9508

يشرَبُه (١)، أو لبنًا أو غيرَه: سقَيتُه. بغير ألفٍ، إذا كان لسَقيِه، وإذا جعَلوا (٢) له ماءً لشُرْبِ أرضه أو ماشيتِه، قالوا: أسْقَيْتُه، وأسْقَيْتُ أرضه وماشيتَه. وكذلك (٣) إذا استَسْقَت له، قالوا: أَسْقَيْتُه، واسْتَسْقَيْتُه (٤). كما قال ذو الرُّمَّةِ (٥): وقفتُ على رسمٍ لميَّةَ ناقتِي … فما زِلْتُ أَبكى عنده وأُخاطبه وأُسقِيه حتى كاد مما أبُثُّه … تُكَلِّمُنى أحجارُه ومَلاعبُه وكذلك إذا وهَبَت لرجل إهابًا (٦) ليَجْعَلَه سِقاءً، قالت: أَسْقَيتُه إياه. وقولُه: ﴿وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾، يقولُ: ولستم بخازني الماء الذي أنزَلنا من السماء فأسقَيناكموه، فتَمْنَعوه مَن أُسْقِيه؛ لأن ذلك بيديَّ وإليَّ، أُسقيه مَن أَشَاءُ، وأَمْنَعُه مَن أَشاء. كما حدَّثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: قال سفيان: ﴿وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾. قال: بمانعين (٧). القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (٢٣) وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤)﴾ يقول تعالى ذكرُه: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي﴾ من كان ميِّتًا إذا أردنا، ﴿وَنُمِيتُ﴾ من كان حيًّا إذا شئنا، ﴿وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾. يقولُ: ونحن نرِثُ الأَرضَ ومَن عليها،

стр. 9509

بأن نُميت جميعهم، فلا يبقى حيٍّ سوانا، إذا جاء ذلك الأجلُ. وقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤)﴾. اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: ولقد علمنا من مضى من الأممِ فتقدم هلاكهم قد خُلق وهو حيٌّ، ومن لم يُخْلَقُ بعد ممن سيُخْلَقُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن أبيه، عن عكرمة: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾. قال: المستقدمون من قد خُلق ومن خلا من الأمم، والمستأخرون (١) من لم يُخلق. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الحكم، قال: ثنا عمرو بن قيس، عن سعيد بن مسروق، عن عكرمة في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾. قال: هم خَلْقُ الله كلهم، قد علم مَن خَلَق منهم إلى اليوم، وقد علم من هو خالقه بعد اليوم. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا ابن التيمي، عن أبيه، عن عكرمة، قال: إن الله خلق الخلق ففرغ منهم، فالمستقدمون من خرج من الخلقِ، والمستأخرون مَن بَقى في أصلابِ الرجالِ لم يَخْرُجُ (٢). حدثني محمد بن أبي معشر، قال: أخبرني أبي (٣) أبو معشر، قال: سمعتُ عونَ بن عبدِ اللَّهِ بن عتبةَ بن مسعودٍ يُذاكر محمد بن كعب في قولِ اللهِ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾. فقال عونُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن عتبة بن مسعود:

стр. 9510

خيرُ صفوفِ الرجال المقدَّمُ، وشرُّ صفوفِ الرجالِ المؤخَّرُ، وخيرُ صفوف النساءِ المؤخَّرُ، وشر صفوفِ النساءِ المقدّمُ. فقال محمدُ بنُ كعب: ليس هكذا، ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ﴾: الميت والمقتول، و ﴿الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾: مَن يَلْحَقُ بهِم مِن بعدُ، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾. فقال عونُ بنُ عبدِ اللَّهِ: وفقك اللَّهُ، وجزاك خيرًا (١). حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا [المعتمرُ، عن أبيه] (٢)، قال: قال قتادة: ﴿الْمُسْتَقْدِمِينَ﴾: مَن مضى، ﴿الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾: من بقى في أصلاب الرجال. حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا أبو الأحوص، قال: ثنا سعيد بن مسروق، عن عكرمة، وخُصَيف، عن مجاهد في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾. قالا: مَن مات ومَن بقى (٣). حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ﴾. قال: كان ابن عباس يقولُ: آدم صلى الله عليه، ومَن مضَى (٤) من ذريته، ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾: مَن بَقى في أصلاب (٥) الرجال. حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمر، عن قتادة: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤)﴾. قال: المستقدمون آدم ومَن

стр. 9511

بعده حتى نزلت هذه الآية، والمستأخرون، قال: كلُّ مَن كان من ذريته (١). قال أبو جعفر: أظنُّه أنا قال (٢): لم يُخلَق، وما هو مخلوقٌ. حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن أبيه، عن عكرمة، قال: المستقدمون ما خرج من أصلاب الرجال، والمستأخرون ما لم يَخْرُجُ، ثم قرأ: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (٣). وقال آخرون: عنى بالمستقدمين الذين قد هلكوا، والمستأخرين الأحياء الذين لم يهلكوا. ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤)﴾: يعنى بالمُسْتَقدِمين من مات، ويَعْنى بالمُسْتَأخرين مَن هو حيٌّ لم يمت. حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقولُ في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ﴾: يعنى الأموات منكم، ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾: بقيَّتهم، وهم الأحياء. يقولُ: علمنا من مات ومَن بقي. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾. قال: المستقدمون منكم الذين

стр. 9512

مضوا في أوّل الأمم، والمستأخرون الباقون. وقال آخرون: بل معناه: ولقد علمنا المستقدمين في أوّل الخلقِ، والمستأخرين في آخرهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داود، عن عامر في هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤)﴾. قال: أول الخلقِ وآخره. حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عدى، عن داودَ، عن الشعبي في قولِ اللهِ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾. قال (١): ما اسْتَقْدَم في أول الخلقِ، وما اسْتَأْخَر في آخرِ الخلقِ. حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا على بن عاصم، عن داود بن أبى هند، عن عامر في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ﴾. قال: في العصر (٢)، والمستأخرين منكم في أصلاب الرجال وأرحام النساء. وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولقد علمنا المستقدمين من الأمم، والمستأخرين من أمة محمد ﷺ . ذكرُ مَن قال ذلك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثنى الحارث، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، وحدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا

стр. 9513

شبابةُ، قال: أخبرنا ورقاء، وحدثني المثنى، قال: أخبرنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ﴾. قال: القرونَ الأول، و ﴿الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾: أمةَ محمدٍ ﷺ (١). حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله. حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا محمدُ بنُ عبيد، قال: ثنى عبد الملك، عن قيس، عن مجاهد في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾. قال: المستقدمون ما مضى من الأمم، والمستأخرون أمة محمد ﷺ . حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن عبد الملك، عن قيس، عن مجاهد بنحوه. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن عبد الملك، عن مجاهد بنحوه، ولم يَذْكُر قيسًا (٢). وقال آخرون: بل معناه: ولقد علمنا المستقدمين منكم في الخير [والمستأخرين عنه] (٣). ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾. قال: كان الحسن يقولُ: المستقدمون في

стр. 9514

طاعةِ اللهِ، والمستأخرون في معصية الله (١). حدثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عون، قال: أخبرنا هشيم، عن عبّادِ بن راشد، عن الحسن، قال: ﴿الْمُسْتَقْدِمِينَ﴾ (٢) في الخير، و ﴿الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾. يقول: المبطئين عنه (٣). وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولقد علمنا المستقدمين منكم في الصفوف في الصلاة، والمستأخرين فيها، بسبب النساء. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن رجل، أخبرنا عن مروان بن الحكم أنه قال: كان أناسٌ يَسْتَأْخِرون في الصفوفِ مِن أجل النساء. قال: فأنزل الله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ (٤). حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا جعفرُ بنُ سليمان، قال: أخبرني عمرُو بنُ مالك، قال: سمعت أبا الجَوْزاءِ يقولُ في قول الله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾. قال: المستقدمين منكم في الصفوف في الصلاة والمستأخرين (٥). حدثني محمد بن موسى الحَرَشيُّ (٦)، قال: ثنا نوح بن قيس، قال: ثنا عمرُو بنُ

стр. 9515

مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس، قال: كانت تُصلى خلف رسولِ اللهِ ﷺ -: امرأة - قال ابن عباس: لا والله ما إن رأيتُ مثلَها قَطُّ - فكان بعض المسلمين إذا صَلَّوْا اسْتَقْدَمُوا، وبعضُ يَسْتَأْخِرون، فإذا سجدوا نظَروا إليها من تحتِ أيديهم، فأنزل الله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾. حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا نوحُ بنُ قيس، وحدثنا أبو كريب، قال ثنا مالك بن إسماعيل، قال: ثنا نوح بن قيسٍ، عن عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباسٍ، قال: كانت تُصَلِّى خلفَ رسول الله ﷺ امرأة حسناء من أحسن الناس، فكان بعضُ الناسِ يَسْتَقْدِمُ في الصف الأول لئلا يراها، ويَسْتَأْخِرُ بعضُهم حتى يكون في الصف المؤخَّرِ، فإذا ركع نظر من تحت إبطيه في الصف، فأنزل الله في شأنها: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ (١). قال أبو جعفر: وأولى الأقوال عندى في ذلك بالصحة قولُ مَن قال: معنى ذلك: ولقد علمنا الأموات منكم يا بنى آدمَ فتقدّم موته، ولقد علمنا المستأخرين الذين استأخر موتهم ممن هو حيٌّ، ومن هو حادث منكم ممن لم يَحْدُثُ بعد. لدلالة ما قبله من الكلام، وهو قوله: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾. وما بعده، وهو قوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ﴾. على أن ذلك كذلك؛ إذ كان بين

стр. 9516

هذين الخبرين، ولم يَجْرِ قبل ذلك من الكلام ما يَدلُّ على خلافه، ولا جاء بعده (١)، وجائزٌ أن تكون نزلت في شأن المستقدمين في الصف لشأن النساء، والمستأخرين فيه لذلك، ثم يكونُ اللَّهُ عمَّ بالمعنى المراد منه جميع الخلق، فقال جل ثناؤه لهم: قد علمنا ما مضى من الخلقِ وأَحْصَيْناهم وما كانوا يَعْمَلُون، ومَن هو حى منكم، ومَن هو حادث بعدكم أيها الناسُ، وأعمال جميعكم؛ خيرها وشرَّها، وأحْصَيْنا جميعَ ذلك، ونحن نَحْشُرُ (٢) جميعهم، فنجازى كلًّا بأعماله، إن خيرًا فخيرًا، وإن شرا فشرًا. فيكون ذلك تهديدًا ووعيدًا للمستأخرين في الصفوف لشأنِ النساء، ولكلِّ مَن تعدَّى حد الله وعمل بغير ما أذن [له به] (٣)، ووعدا لمن تقدَّم في الصفوف لسبب النساءِ، وسارع إلى محبة الله ورضوانه في أفعاله كلها. وقوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ﴾. يعنى بذلك جل ثناؤه: وإن ربك يا محمد هو يَجْمَعُ جميعَ الأَوَّلين والآخرين عندَه يومَ القيامة، أهل الطاعة منهم والمعصية، وكلَّ أحد من خلقه، المستقدمين منهم والمستأخرين. وبنحو ما (٤) قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ﴾. قال: أي: الأول والآخر (٥).

стр. 9517

حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا أبو خالد القرشي، قال: ثنا سفيان، عن أبيه، عن عكرمة في قوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ﴾. قال: هذا من ههنا، وهذا من ههنا. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ﴾. قال: وكلهم ميت، ثم يحشُرُهم ربُّهم. حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا على بن عاصم، عن داود بن أبى هند، عن عامرٍ: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ﴾. قال: يَجْمَعُهم اللَّهُ يومَ القيامةِ جميعًا (١). قال الحسنُ: قال على: قال داود: و (٢) سمعت عامرًا [ويُفَسِّرُه. وقوله] (٣): ﴿إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾. يقولُ: إن ربك حكيم في تدبيره خلقه، في (٤) إحيائهم إذا أحياهم، وفى إماتتهم إذا أماتهم، عليم بعددهم وأعمالهم، وبالحى منهم والميت، والمستقدم منهم والمستأخر. كما حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمر، عن قتادة، قال: كلُّ أولئك قد علمهم الله. يَعْنى المستقدمين والمستأخرين (٥). القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦)﴾.

стр. 9518

يقول تعالى ذكره: ولقد خلقنا آدم - وهو الإنسانُ - مِن صَلْصَالٍ. واختلف أهل التأويل في معنى الصلصال؛ فقال بعضُهم: هو الطين اليابس لم تُصِبْه نارٌ، فإذا نقَرتَه صَلَّ، فسمعت له صلصلة. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي، قالا: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: خُلق آدم من صلصال و (١) من حمأٍ ومِن طينٍ لازب، وأما اللازب فالجيد، وأما الحَمةُ فالحمأة، وأما الصَّلصال فالتراب المدقَّق (٢)، وإنما سُمِّيَ إنسانًا؛ لأنه عُهد إليه فنسي (٣). حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ﴾. قال: والصلصال التراب اليابس الذي يُسْمَعُ له صَلْصَلةٌ. حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمر، عن قتادة: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾. قال: الصلصال الطين اليابس، يُسْمَعُ له صَلْصَلَةٌ (٤). حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حميد بن عبد الرحمن (٥)، عن الحسن بن صالح،

стр. 9519

عن مسلم، عن مجاهد، عن ابن عباس: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ﴾. قال: الصلصال الماءُ يَقَعُ على الأرض الطيبة، ثم يَحْسُرُ عنها، فتشَقَّقُ، ثم تَصِيرُ مثل الخزف الرقاقِ (١). حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن الأعمش، عن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: خُلق الإنسانُ مِن ثلاثة؛ مِن طين لازب، وصلصال، وحمأ مسنون، والطين اللازبُ: اللازقُ الجيد، والصلصال المَدْقُوقُ (٢) الذي يُصْنَعُ منه الفَخَّارُ، والمسنون: الطين فيه الحمأة. حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ﴾. قال: هو التراب اليابس الذي يُبَل بعد يُبْسِه (٣). حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاء، عن مسلم، عن مجاهد، قال: الصلصالُ الذي يُصَلْصِلُ مثل الحَزَفِ مِن الطين الطيب (٤). حدثتُ عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيد، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ: الصلصال طينٌ صُلْب يخالطه الكَثِيبُ. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ﴾. قال: التراب اليابس. وقال آخرون: الصلصال المنتنُ. وكأنهم وجَّهوا ذلك إلى أنه من قولهم: صَلَّ

стр. 9520

اللحمُ وأَصَلَّ. إذا أنتن، يقال في (١) ذلك باللغتين كليهما (٢)؛ بـ "فَعَلَ" و "أَفْعَلَ". ذكرُ مَن قال ذلك حدثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، وحدثنا الحسن، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاء، وحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ﴾: الصلصال المنتنُ. والذي هو أولى بتأويل الآية أن يكونَ الصَّلصال في هذا الموضع الذي له (٣) صوتٌ من الصَّلصَلَةِ، وذلك أن الله تعالى وصفه في موضع آخر، فقال: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ [الرحمن: ١٤]. فشبهه [تعالى ذكره] (٤) بأنه كان كالفخَّارِ في يُبسه، ولو كان معناه في ذلك المُنْتِنَ، لم يُشَبِّهه بالفخّارِ؛ لأن الفخّار ليس بمنتنٍ فيُشَبَّهَ به في النَّتْنِ (٥) غيرُه. وأما قوله: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾. فإن الحمأ جمعُ حَمْأَة، وهو الطين المتغيرُ إلى السواد. وقوله: ﴿مَسْنُونٍ﴾. يعنى المتغير. واختلف أهل العلم بكلام العرب في معنى قوله: ﴿مَسْنُونٍ﴾؛ فكان بعضُ

стр. 9521

نحويي البصريين يقولُ: عُنى به حَمَأٌ [مصوَّرٌ تامٌّ] (١). وذكر عن العرب أنهم قالوا: سُنَّ، على مثالِ (٢) سُنَّةِ الوجهِ، أي: صورته. قال: وكأن سنةَ الشيء ذلك، أي: مثاله الذي وُضِع عليه. قال: وليس من الآسن المتغير؛ لأنه من "سنن" مضاعفٌ. وقال آخر (٣) منهم: هو الحَمأُ المصبوب. قال: [والمسنونُ المصبوب] (٤). قال (٥): وهو من قولهم: سنَنْتُ الماء على الوجه وغيره. إذا صببته. وكان بعضُ أهل الكوفة يقولُ (٦): هو المتغيرُ. قال: كأَنه أُخِذ من: سنَنْتُ الحجر على الحجر. وذلك أن يُحَكَّ أحدهما بالآخر، يقال منه (٧): سنَنتُه أسنُّه سنًّا، فهو مسنونٌ. قال: ويُقالُ للذى يَخْرُجُ مِن بينهما: سَنينٌ. و (٨) يكون ذلك مُنْتِنًا. وقال: منه سُمّى المسَنَّ؛ لأن الحديدَ يُسَنُّ عليه. وأما أهل التأويل فإنهم قالوا في ذلك نحو ما قلنا. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا عبيد (٩) الله بن يوسفَ الجُبَيْرِيُّ، قال: ثنا محمد بن كثير، قال: ثنا

стр. 9522

مسلم، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾. قال: الحمأُ النتنة (١). حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودى، قال: ثنا أبى، عن أبيه، عن جده، عن الأعمش، عن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾. قال: الذي قد أنتَن. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارة، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاك، عن ابن عباس: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾. قال: مُنْتِن (٢). حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾. قال: هو التراب المبتل المنتِنُ، فَجُعِل صَلصالًا كالفَخَّارِ. حدثني محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى (٣)، وحدثنى الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، وحدثنا الحسن، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاء، وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا شبلٌ، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾. قال: مُنْتِن (٤). حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾:

стр. 9523

والحَمأُ المسنونُ الذي قد تغيَّر وأنتن. حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر [، عن قتادة] (١) ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ (٢). قال: قد أسِنَ (٣). قال: منتنة (٤). حدثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن جويبر، عن الضحاكِ في قوله: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾. قال: من طين لازبٍ، وهو اللازقُ من الكثيب، وهو الرمل. حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمِعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾: هو (٥) الحَمأُ المنتن. وقال آخرون منهم في ذلك: هو الطينُ الرَّطْبُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس في قوله: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾. يقولُ: مِن طين رَطْبٍ (٦). القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (٢٧)﴾. يقول تعالى ذكره: ﴿وَالْجَانَّ﴾. وقد بينا فيما مضى معنى الجانّ (٧)، ولم قيل

стр. 9524

له: جانٌّ. وعنى بالجان ههنا. إبليس أبا الجنّ، يقولُ تعالى ذكره: وإبليس خلقناه من قبل الإنسان من نارِ السَّموم. كما حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ﴾: وهو إبليس خُلق قبل آدمَ، وإنما خُلق آدم آخرَ الخَلقِ، فحسَده عدو اللَّهِ إبليس على ما أعطاه الله من الكرامة، فقال: أنا نارى، وهذا طيني. فكانت السجدة لآدم والطاعة لله تعالى ذكره، فقال: ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ (١) [الحجر: ٣٤، ص: ٧٧]. واختلف أهل التأويل في معنى: ﴿نَارِ السَّمُومِ﴾؛ فقال بعضُهم: هي السَّموم الحارة التي تَقْتُلُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن شريك، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾. قال: السموم الحارة (٢) التي تَقْتُلُ (٣). حدثني المثنى، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا شَرِيكَ، عن أبي إسحاق، عن (٤) التميمي، عن ابن عباس: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾. قال: هي السموم التي تَقْتُلُ، ﴿فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾ [البقرة: ٢٦٦]. قال: هي السَّموم التي تَقْتُلُ.

стр. 9525

وقال آخرون: يعنى بذلك: من لهب نارٍ (١). ذكرُ مَن قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن مَغْراء، عن جويبرٍ، عن الضحاك في قوله: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (٢٧)﴾. قال: من لَهَبٍ من نار السموم. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن (٢) سعيد، قال: ثنا بشر بن عمارة، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابن عباس، قال: كان إبليس من حيِّ من أحياء الملائكة يقال لهم: الجن. خُلقوا من نار السموم من بين الملائكة. قال: وخُلقت الجن الذين ذكروا في القرآنِ مِن مارج من نار (٣). حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: دخَلْتُ على عمرو بن الأصمِّ أَعُودُه، فقال: ألا أُحَدِّثُك حديثا سمعته من عبد الله؟ سمعتُ عبد الله يقولُ: هذه السَّموم جزء من سبعين جزءا من السموم التي خرج منها الجان. قال: وتلا: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ (٤). وكان بعضُ أهل العربية يقولُ: السَّمومُ بالليل والنهار. وقال بعضُهم: الحرورُ
следующие страницы →