← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 9521–9560 · переход к 9526.

стр. 9521

نحويي البصريين يقولُ: عُنى به حَمَأٌ [مصوَّرٌ تامٌّ] (١). وذكر عن العرب أنهم قالوا: سُنَّ، على مثالِ (٢) سُنَّةِ الوجهِ، أي: صورته. قال: وكأن سنةَ الشيء ذلك، أي: مثاله الذي وُضِع عليه. قال: وليس من الآسن المتغير؛ لأنه من "سنن" مضاعفٌ. وقال آخر (٣) منهم: هو الحَمأُ المصبوب. قال: [والمسنونُ المصبوب] (٤). قال (٥): وهو من قولهم: سنَنْتُ الماء على الوجه وغيره. إذا صببته. وكان بعضُ أهل الكوفة يقولُ (٦): هو المتغيرُ. قال: كأَنه أُخِذ من: سنَنْتُ الحجر على الحجر. وذلك أن يُحَكَّ أحدهما بالآخر، يقال منه (٧): سنَنتُه أسنُّه سنًّا، فهو مسنونٌ. قال: ويُقالُ للذى يَخْرُجُ مِن بينهما: سَنينٌ. و (٨) يكون ذلك مُنْتِنًا. وقال: منه سُمّى المسَنَّ؛ لأن الحديدَ يُسَنُّ عليه. وأما أهل التأويل فإنهم قالوا في ذلك نحو ما قلنا. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا عبيد (٩) الله بن يوسفَ الجُبَيْرِيُّ، قال: ثنا محمد بن كثير، قال: ثنا

стр. 9522

مسلم، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾. قال: الحمأُ النتنة (١). حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودى، قال: ثنا أبى، عن أبيه، عن جده، عن الأعمش، عن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾. قال: الذي قد أنتَن. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارة، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاك، عن ابن عباس: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾. قال: مُنْتِن (٢). حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾. قال: هو التراب المبتل المنتِنُ، فَجُعِل صَلصالًا كالفَخَّارِ. حدثني محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى (٣)، وحدثنى الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، وحدثنا الحسن، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاء، وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا شبلٌ، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾. قال: مُنْتِن (٤). حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾:

стр. 9523

والحَمأُ المسنونُ الذي قد تغيَّر وأنتن. حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر [، عن قتادة] (١) ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ (٢). قال: قد أسِنَ (٣). قال: منتنة (٤). حدثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن جويبر، عن الضحاكِ في قوله: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾. قال: من طين لازبٍ، وهو اللازقُ من الكثيب، وهو الرمل. حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمِعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾: هو (٥) الحَمأُ المنتن. وقال آخرون منهم في ذلك: هو الطينُ الرَّطْبُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس في قوله: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾. يقولُ: مِن طين رَطْبٍ (٦). القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (٢٧)﴾. يقول تعالى ذكره: ﴿وَالْجَانَّ﴾. وقد بينا فيما مضى معنى الجانّ (٧)، ولم قيل

стр. 9524

له: جانٌّ. وعنى بالجان ههنا. إبليس أبا الجنّ، يقولُ تعالى ذكره: وإبليس خلقناه من قبل الإنسان من نارِ السَّموم. كما حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ﴾: وهو إبليس خُلق قبل آدمَ، وإنما خُلق آدم آخرَ الخَلقِ، فحسَده عدو اللَّهِ إبليس على ما أعطاه الله من الكرامة، فقال: أنا نارى، وهذا طيني. فكانت السجدة لآدم والطاعة لله تعالى ذكره، فقال: ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ (١) [الحجر: ٣٤، ص: ٧٧]. واختلف أهل التأويل في معنى: ﴿نَارِ السَّمُومِ﴾؛ فقال بعضُهم: هي السَّموم الحارة التي تَقْتُلُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن شريك، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾. قال: السموم الحارة (٢) التي تَقْتُلُ (٣). حدثني المثنى، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا شَرِيكَ، عن أبي إسحاق، عن (٤) التميمي، عن ابن عباس: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾. قال: هي السموم التي تَقْتُلُ، ﴿فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾ [البقرة: ٢٦٦]. قال: هي السَّموم التي تَقْتُلُ.

стр. 9525

وقال آخرون: يعنى بذلك: من لهب نارٍ (١). ذكرُ مَن قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن مَغْراء، عن جويبرٍ، عن الضحاك في قوله: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (٢٧)﴾. قال: من لَهَبٍ من نار السموم. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن (٢) سعيد، قال: ثنا بشر بن عمارة، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابن عباس، قال: كان إبليس من حيِّ من أحياء الملائكة يقال لهم: الجن. خُلقوا من نار السموم من بين الملائكة. قال: وخُلقت الجن الذين ذكروا في القرآنِ مِن مارج من نار (٣). حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: دخَلْتُ على عمرو بن الأصمِّ أَعُودُه، فقال: ألا أُحَدِّثُك حديثا سمعته من عبد الله؟ سمعتُ عبد الله يقولُ: هذه السَّموم جزء من سبعين جزءا من السموم التي خرج منها الجان. قال: وتلا: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ (٤). وكان بعضُ أهل العربية يقولُ: السَّمومُ بالليل والنهار. وقال بعضُهم: الحرورُ

стр. 9526

بالنهار، والسموم بالليل، يقال: سَمَّ يومنا يَسُمُّ سَمومًا. حدثني المثنى، قال: ثنا محمد بن سهل بن عَسْكَرٍ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريم، قال: ثنى عبد الصمد بنُ مَعْقِلٍ، قال: سمعتُ وهَبَ بنَ مُنَبِّهٍ، وسُئِل عن الجنِّ ما هم، وهل يأكلون أو يشربون أو يموتون أو يتناكحون؟ قال: هم أجناسٌ، فأما خالص الجنِّ، فهم ريحٌ لا يأكلون ولا يَشْرَبون ولا يموتون ولا يَتَوالدون، ومنهم أجناس يأكلون ويشربون ويَتَناكَحون ويموتون، وهى هذه التي منها السَّعالى (١) والغُولُ (٢) وأشباه ذلك (٣). القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٢٩)﴾. يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : واذكر يا محمدُ ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ﴾. يقولُ: فإذا صوّرته فعدَّلتُ صورته، ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾. فصار بشرًا حيًّا، ﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ سجود تحية وتكرمة، لا سجود عبادة. وقد حدثني جعفر بن مكرم، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا شَبيبُ بنُ بشرٍ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ، قال: لما خلق الله الملائكة قال: إني خالق بشرًا مِن طين، فإذا أنا خلَقتُه فاسجدوا له. فقالوا: لا نَفْعَلُ. فأرسل عليهم نارًا فأحرقتهم،

стр. 9527

وخلق ملائكةً أُخرَى، فقال: إني خالق بشرًا من طين، فإذا أنا خلقته فاسجدوا له. فأبوا، قال: فأرسل عليهم نارًا فأحرقتهم. ثم خلق ملائكة أُخرى، فقال: إني خالق بشرًا مِن طين، فإذا أنا خلَقتُه فاسْجُدوا له. فأبوا. قال (١): فأرسل عليهم نارًا فأحرقتهم، ثم خلق ملائكةٌ، فقال: إني خالق بشرًا مِن طين، فإذا أنا خلَقتُه فاسْجُدوا له. فأبوا. قال (١): فأرسل عليهم نارًا فأحرقتهم، ثم خلق ملائكة، فقال: إني خالق بشرًا من طين، فإذا أنا خلَقتُه فاسْجُدوا له. فقالوا: سمعنا وأطعنا. إلا إبليس كان من الكافرين الأولين (٢). القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١) قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣٢)﴾. يقول تعالى ذكره: فلما خلق الله ذلك البشر، ونفخ فيه الروح بعد أن سوّاه، سجد (٣) الملائكةُ كلُّهم جميعًا (٤)، إلا إبليس، فإنه أبى أن يكون مع الساجدين في سجودِهم لآدم حين سجدوا له (١)، فلم يَسْجُد له معهم تكبرا وحسَدًا وبغيًّا. فقال الله تعالى ذكره: ﴿يَاإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾. يقولُ: ما منعك مِن أن تَكونَ مع الساجدين. فـ "أن" في قول بعض نحويى الكوفة خَفْضٌ، وفى قول بعض أهل البصرةِ نَصْبٌ بفَقْدِ الخافض. القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٣٣) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ

стр. 9528

الدِّينِ (٣٥)﴾. يقول تعالى ذكره: قال إبليس: لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأٍ مسنون، وهو من طينٍ وأنا من نارٍ، والنارُ تأكلُ الطين. وقوله: ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا﴾. يقولُ: قال (١) الله تعالى ذكره لإبليس: ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾. والرجيم المرجوم، صُرِف مِن "مفعولٍ" إلى "فعيلٍ"، وهو المشتوم. كذلك قال جماعة من أهل التأويل. ذكر بعض (١) من قال ذلك حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله (٢): ﴿فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾: والرجيم الملعون (٣). حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج قوله: ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾. قال: ملعون، والرجم في القرآنِ الشَّتْمُ. وقوله: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾. يقولُ: وإِنَّ عَضَبَ اللَّهِ عليك بإخراجه إياك من السماواتِ وطَرْدِك عنها إلى يوم المجازاة، وذلك يوم القيامة. وقد بينا معنى اللعنة في غير موضع بما أغنى عن إعادته ههنا (٤).

стр. 9529

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨)﴾. يقول تعالى ذكره: قال إبليس: ربِّ فإذ أخرجتنى مِن السماواتِ ولعَنتنى، فأَخِّرْنى إلى يومِ تَبْعَثُ خلقَك مِن قبورهم، فتَحْشُرُهم لموقف القيامة. قال الله له: فإنك ممن أُخر هلاكه إلى يوم الوقت المعلوم لهلاك جميع خلقى، وذلك حين لا يبقى على الأرضِ مِن بنى آدمَ دَيَّارٌ (١). القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠)﴾. يقول تعالى ذكره: قال إبليس: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾؛ باغوائِكَ، ﴿لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾. وكأن قوله: ﴿بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾. خرج مخرَجَ القَسَمِ، كما يقال: بالله، أو بعزة الله، لأُغوِيَنَّهم. وعنى بقوله: ﴿لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾: لأُحَسِّنن لهم معاصيك، ولأُحبِّبنَّها إليهم في الأرضِ، ﴿وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾. يقولُ: ولأَضِلَّنَّهم عن سبيل الرشادِ. ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾. يقولُ: إلا من أخلصته بتوفيقك فهديته، فإن ذلك ممن لا سلطان لى عليه ولا طاقة لى به. وقد قُرِئَ: (إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ المُخلِصِينَ) (٢). فمَن قرأ ذلك كذلك، فإنه يَعْنى به: إلا مَن أخلَص طاعتك، فإنه لا سبيل لى عليه.

стр. 9530

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾: يعنى المؤمنين (١). حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا هشام، قال: ثنا عمرو، عن سعيد، عن قتادة: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾. قال قتادة: هذه ثنيَّةُ (٢) الله تعالى ذكره (١). القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾. اختلفت القرأة في قراءة قوله: ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾؛ فقرأه عامة قرأة الحجاز والمدينة والكوفة والبصرة: ﴿هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾. بمعنى: هذا طريق إلى مستقيم. فكان معنى الكلام: هذا طريق مرجعه إليَّ، فأُجازى كُلًّا بأعمالهم. كما قال الله تعالى ذكره: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤)﴾ [الفجر: ١٤]. وذلك نظير قول القائل لمن يتوعده ويَتَهدَّدُه: طريقك عليَّ، وأنا على طريقك. فكذلك قوله: ﴿هَذَا صِرَاطٌ﴾. معناه: هذا طريقٌ عليَّ، وهذا طريقٌ إليَّ. وكذلك تأوَّل مَن قرأ ذلك كذلك.

стр. 9531

ذكرُ مَن قال ذلك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثنى الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابه، قال: ثنا ورقاء، وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، وحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد قوله: ﴿هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾. قال: الحَقُّ يَرْجِعُ إلى الله، وعليه طريقه، لا يُعَرِّجُ على شيءٍ (١). حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد بنحوه. حدثنا أحمد بن يوسفَ، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا مَرْوانُ بنُ شُجاعٍ، عن خصيفٍ، عن زياد بن أبى مريم وعبدِ اللهِ بن كثير أنهما قرأها: ﴿هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾. وقالا: عليَّ هي "إليَّ" وبمنزلتها (٢). حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، وسعيد، عن قتادة، عن الحسنِ: ﴿هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾. يقولُ: إليَّ مستقيمٌ (٣). وقرأ ذلك قيس بن عُبَادٍ وابن سيرين وقتادة فيما ذُكِر عنهم: (هَذَا صِرَاطٌ عَلِيٌّ مُسْتَقِيمٌ) برفع "عليٌّ"، على أنه نعت للصراط، بمعنى: رفيعٌ.

стр. 9532

ذكرُ مَن قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي حماد، قال: ثني جعفر البصرى، عن ابن سيرين أنه كان يَقْرَأُ: (هذا صراط عليٌّ مستقيمٌ) يعني: رفيعٌ (١). حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: (هذا صِراطٌ عليٌّ مستقيمٌ). أي: رفيع مُستقيم. قال بشرٌ: قال يزيد: قال سعيد: هكذا نقرَؤُها نحن وقتادة (٢). حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا عبد الوهاب، عن هارون، عن أبي العوَّامِ، عن قتادة، عن قيس بن عُبَادٍ: (هذا صِراطٌ عليٌّ مستقيمٌ). يقولُ: رفيعٌ (٣). والصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندنا قراءةُ مَن قرأَ: ﴿هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾. على التأويل الذي ذكرناه عن مجاهد والحسن البصرى ومَن وافقهما عليه؛ لإجماع الحجةِ من القرأة عليها، وشذوذ ما خالفها. وقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾. يقول تعالى ذكره: إن عبادى ليس لك عليهم حجةٌ، إلا مَن اتَّبَعك على ما دعوته إليه من الضلالة، ممن غوى وهلك. حدثني المثنى، قال: ثنا سُوَيدٌ، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن عبيد الله بن مَوْهَبٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ قُسَيط، قال: كانت الأنبياء لهم مساجد خارجةٌ مِن

стр. 9533

قراهم (١)، فإذا أراد النبيُّ أن يَسْتَنْبِئ رَبَّه عن شيءٍ، خرج إلى مسجده فصلَّى ما كتب الله له، ثم سأل ما بداله، [فبينما نبيٌّ] (٢) في مسجدِه، إذ جاء عدو الله حتى جلس (٣) بينه وبين القبلة، فقال النبي: أعوذُ باللهِ مِنَ الشيطان الرجيم. فقال عدو الله أرأيتَ الذي تَعَوَّذُ منه فهو هو. فقال النبي (٤): أعوذُ باللهِ من الشيطان الرجيم. فردَّد ذلك ثلاثَ مراتٍ، فقال عدو الله: أخبرني بأى شيءٍ تنجو منى. فقال النبي (٥): بل (٦) أخبِرْنى بأَيِّ شيءٍ تَغْلِبُ ابن آدمَ. مرتين، فأَخَذ كلُّ واحدٍ منهما على صاحبه، فقال النبي (٤): إن الله تعالى ذكره يقولُ: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾. قال عدو الله: قد سمِعتُ هذا قبل أن تُولَدَ. قال النبيُّ (٤): ويقولُ الله تعالى ذكره: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠]. وإني والله ما أحْسَنتُ بك قط إلا اسْتَعَدتُ بالله منك. فقال عدو الله: صدقت، بهذا تَنْجُو منى. فقال النبي (٤): فأخبرني بأي شيءٍ تَغْلِبُ ابنَ آدَمَ؟ قال: آخُذُه عند الغضَبِ وعند (٧) الهوَى (٨). القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)﴾. يقول تعالى ذكره لإبليس: وإن جهنم لموعد من تبعك أجمعين، ﴿لَهَا سَبْعَةُ

стр. 9534

أَبْوَابٍ﴾ يقولُ: لجهنم سبعة أطباقٍ، لكلِّ طبقٍ منهم - يَعْنى مِن تُبَّاعِ (١) إبليس - ﴿جُزْءٌ﴾. يعنى: قسمًا ونصيبًا مقسومًا. وذُكِر أن أبواب جهنم طبقاتٌ (٢) بعضُها فوق بعضٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: سمِعتُ أبا هارونَ الغَنَويَّ، قال: سمعتُ حِطَّانَ، قال: سمعتُ عليًّا وهو يَخْطُبُ، قال: إن أبواب جهنم هكذا. ووضع شُعبةُ إحدى يديه على الأُخرى. حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليةَ، عن أبي هارونَ الغَنَويِّ، عن حطان بن عبد الله، قال: قال عليٌّ: تَدْرون كيف أبواب النار؟ قلنا: نعم، كنحو هذه الأبواب. فقال: لا، ولكنها هكذا. فوصف أبو هارونَ أطباقًا بعضُها فوق بعضٍ، وفعل ذلك أبو بشرٍ (٣). حدَّثنا الحسنُ بن محمدٍ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيم، عن أبي هارونَ الغَنَويِّ، عن حِطَّانَ بن عبدِ اللَّهِ، عن عليٍّ، قال: هل تدرون كيف أبوابُ النارِ؟ قالوا: كنحو هذه الأبواب. قال: لا، ولكن هكذا. ووصف بعضها فوق بعض (٣).

стр. 9535

حدَّثنا هارونُ بن إسحاق، قال: ثنا مصعبُ بنُ المقدام، قال: أخبرنا إسرائيلُ، قال: ثنا أبو إسحاق، عن هُبَيرةَ، عن عليٍّ، قال: أبوابُ جهنم سبعةٌ، بعضُها فوق بعضٍ، فيَمْتَلئُ الأولُ، ثم الثاني، ثم الثالثُ، ثم تَمتَلئُ كلُّها (١). حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاق، عن هبيرة، عن عليٍّ، قال: أبوابُ جهنم سبعةٌ، بعضُها فوق بعضٍ. وأشار بأصابعه على الأولِ، ثم الثاني، ثم الثالث، حتى تُملأ كلُّها. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا يونسُ بن أبى إسحاق، عن أبيه، عن هُبيرة بن يريم (٢)، قال: سمعتُ عليًّا يقولُ: إن أبواب جهنم بعضُها فوق بعضٍ، فيُمْلأُ، فيُمْلأُ الأولُ ثم الذي يليه إلى آخرها (٣). حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عليٌّ، قال: أخبرنا محمدُ بنُ يزيد الواسطيُّ، عن جَهْضَمٍ، قال: سمعتُ عكرمة يقولُ في قوله: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾. قال: لها سبعةُ أطباقٍ (٤). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ قوله: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾. قال: أولها جهنمُ، ثم لَظًى، ثم الحُطمةُ، ثم السعيرُ، ثم سَقَرُ، ثم الجحيمُ، ثم الهاويةُ، والجحيمُ فيها أبو جهلٍ (٥).

стр. 9536

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾: وهى واللَّهِ منازلُ بأعمالهم (١). القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (٤٦) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٧)﴾. يقول تعالى ذكره: إن الذين اتقوُا الله بطاعته وخافوه، فتَجنَّبوا معاصيه في جناتٍ وعُيونٍ، يقالُ لهم: ادْخُلوها بسلام آمنين من عقاب الله، أو أن تُسلبوا نعمةً أنعمها الله عليكم، وكرامةً أكرمكم بها. وقوله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾. يقولُ: وأخرجنا ما في صدورِ هؤلاء المتقين الذين وصف صفتهم، مِن حقدٍ وضغينةٍ، من (٢) بعضهم لبعضٍ. ثم (٣) اختلف أهلُ التأويلِ في الحالِ التي يَنْزِعُ اللَّهُ ذلك من صدورهم؛ فقال بعضُهم: يَنْزِعُ ذلك بعد دخولهم الجنةَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو غَسّانَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن بشرٍ البصريِّ، عن القاسم بن عبدِ الرحمنِ، عن أبي أُمامة، قال: يَدْخُلُ أهل الجنةِ الجنةَ على ما في صدورهم في الدنيا مِن الشَّحْناءِ والضَّغائن، حتى إذا تَوافُوا وتَقابَلُوا نزَعَ اللَّهُ ما في صدورهم في الدنيا مِن غِلٍّ. ثم قرأ: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ (٤).

стр. 9537

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو فَضالةَ، عن لقمانَ، عن أبي أمامة، قال: لا يَدْخُلُ مؤمنٌ الجنةَ حتى يَنْزِعَ اللَّهُ ما في صدورهم مِن غلٍّ، ثم يُنْزَعُ منه مثل (١) السَّبُعِ الضارى (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المنهال، قال: ثنا سفيانُ بن عيينة، عن إسرائيل (٣) أبى موسى، سمِع الحسن البصريَّ يقولُ: قال عليٌّ: فينا والله أهل بدرٍ نزلت الآيةُ: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ (٤). حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ الزُّبيرِ، عن ابن عيينة: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾. قال: من عداوةٍ. حدَّثنا ابن وكيعٍ قال: ثنا محمد بن يزيد الواسطيُّ، عن جُوَيْبرٍ، عن الضحاك: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾. قال: العداوةُ (٤). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن فُضَيل، عن عطاء بن السائب، عن [رجلٍ، عن عليٍّ] (٥): ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾. قال: العداوةُ (٦). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيان، عن منصورٍ، عن إبراهيم، قال: جاء ابن جُرموزٍ قاتلُ الزبيرِ يَسْتَأْذِنُ على عليٍّ، فحجَبه طويلًا ثم أذن له، فقال له: أما أهلُ البلاء فتَجْفوهم. قال عليٌّ: بفِيكَ الترابُ؛ إنى لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير ممن قال الله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ

стр. 9538

مُتَقَابِلِينَ﴾ (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيان، عن جعفرٍ، عن عليٍّ نحوَه (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن أبانِ بن عبدِ اللَّهِ البجليِّ، عن نعيم بن أبى هندٍ، عن ربعيِّ بن حِراشٍ بنحوه، وزاد فيه: قال: فقام إلى عليٍّ رجلٌ من هَمْدان فقال: الله أعدَلُ من ذلك يا أمير المؤمنين. قال: فصاح عليٌّ صيحةً ظننتُ أن القصر تَدَهْدَه لها، ثم قال: إذا لم نكن نحن، فمن هم (٣)؟ حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا أبو معاوية الضريرُ، قال: ثنا أبو مالكٍ الأشجعيُّ، عن أبي حبيبة مولًى لطلحةَ، قال: دخل عمرانُ بن طلحة على عليٍّ بعدما فرغ من أصحاب الجمل، فرحَّب به وقال: إنى لأرجو أن يَجْعَلَنى الله وأباك (٤) من الذين قال الله: ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾. ورجلان جالسان على ناحية البساطِ، فقالا: الله أعدلُ من ذلك، تَقْتُلُهم بالأمس، وتكونون إخوانًا؟ فقال عليٌّ: قُومَا أبعد أرضٍ وأَسْحَقَها، فمن هو (٥) إذن إن لم أكن أنا وطلحة. وذكر لنا أبو معاوية الحديثَ بطوله (٦).

стр. 9539

حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال (١): ثنا عفانُ، قال: ثنا عبدُ الواحد، قال: ثنا أبو مالكٍ، قال: ثنا أبو حبيبة، قال: قال عليٌّ لابن طلحةَ: إني لأرجو أن يَجْعَلَنى اللَّهُ وأباك (٢) من الذين نزع ما في صدورهم من غلٍّ، ويَجْعَلَنا إخوانًا على سرُرٍ متقابلين (٣). حدَّثنا الحسنُ بن محمدٍ، قال: ثنا حمادُ بن خالدٍ الخياطُ، عن أبي الجُوَيْرِيةِ، قال: ثنا معاويةُ بنُ إسحاق، عن عمران بن طلحةَ، قال: لما [نظر إليّ] (٤) عليٌّ قال: مرحبًا بابن أخى. فذكر نحوه. حدَّثنا الحسنُ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبرنا هشامٌ، عن محمدٍ، قال: استأذن الأشترُ على عليٍّ وعنده ابنٌ لطلحةَ، فحبَسه، ثم أذن له، فلما دخل قال: إنى لأراك إنما حبستنى لهذا. قال: أجَلْ. قال: إني لأراه (٥) لو كان عندك ابنٌ لعثمانَ لحبستنى. قال: أجل، إني لأرجو أن أكون أنا وعثمانُ ممن قال اللهُ: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ (٦). حدَّثنا الحسنُ، قال: ثنا إسحاق الأزرقُ، قال: أخبرنا عوفٌ، عن ابن سيرين بنحوه. حدَّثنا الحسنُ، قال: ثنا يعقوب بن إسحاق الحضرميُّ، قال: ثنا السَّكَنُ بنُ المغيرة، قال: ثنا معاويةُ بن راشدٍ، قال: قال عليٌّ: إنى لأرجو أن أكون أنا وعثمان ممن قال الله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾.

стр. 9540

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة، قال: ثنا أبو (١) المتوكِّل الناجيُّ، أن أبا سعيدٍ الخدريَّ حدَّثهم، أن رسول الله ﷺ قال: "يَخْلُصُ المؤمنون مِن النارِ، فيُحْبَسون على قنطرةٍ بين الجنةِ، والنارِ، فيُقْتَصُّ لبعضهم مِن بعضٍ مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هُذِّبوا ونُقُّوا، أُذِن لهم في دُخول الجنة (٢)، فوالذى نفسُ محمدٍ بيده، لأحَدُهم أهدَى بمنزله في الجنة منه بمنزله الذي كان في الدنيا". وقال بعضُهم: ما يُشَبَّهُ بهم إلا أهلُ جُمُعةٍ حين (٣) انصرَفوا مِن جمعهم (٤). حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عفانُ بن مسلمٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زريعٍ، قال: ثنا سعيدُ بنُ أبى عروبة في هذه الآية: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾. قال: ثنا قتادة، أن أبا المتوكل الناجيَّ حدَّثهم، أن أبا سعيدٍ الخدريَّ حدَّثهم، قال: قال رسول الله ﷺ . فذكر نحوه إلى قوله: "وأُذن لهم في دخول الجنةِ". ثم جعل سائر الكلام عن قتادة، قال: وقال قتادةُ: فوالذى نفسى بيده لأحدهم أهدى بمنزله، ثم ذكر باقى الحديثِ نحو حديثِ بشرٍ، غير أن الكلام إلى آخره عن قتادة، سوى أنه قال في حديثه: قال قتادةُ: وقال بعضُهم: ما يشبَّهُ بهم إلا أهلُ الجُمعة إذا انصرفوا من الجمعة.

стр. 9541

حدَّثني نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأوْدِيُّ، قال: ثنا عمر بن زُرعةَ، عن محمدِ بن إسماعيل الزُّبيديِّ، عن كَثِيرٍ النّوّاءِ، قال: سمعته يقولُ: دخلتُ على أبى جعفرٍ محمدِ بن عليٍّ، فقلتُ: وليِّى وليُّكم، وسلمى سِلْمُكم، وعدوِّي عدوُّكم، وحربى حربُكم، إنى أسألُكَ بالله، أتبرأُ من أبى بكرٍ وعمر؟ فقال: قد ضَلَلْتُ إذن وما أنا من المهتدين، تولَّهما يا كثيرُ، فما أدْرَكك فهو في رقبتى. ثم تلا هذه الآية: ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ (١). [وقوله: ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ (٢). يقولُ: إخوانا يقابل بعضُهم وجه بعضٍ، لا يَسْتديره فينظر في قفاه. وكذلك تأوَّله أهلُ التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا مُؤملٌ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنا حُصينٌ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾. قال: لا يَنْظُرُ أحدُهم في قفا صاحبه (٣). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى وعبدُ الرحمنِ ومؤملٌ، قالوا: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله. والسُّرر جمعُ سريرٍ، كما الجُدُدُ جمعُ جديدٍ. وجُمع سُرَرًا (٤)، وأُظْهِر التضعيفُ فيها، والراءان متحرِّكتان؛ لخفة الأسماءِ، ولا يُفعَلُ ذلك في الأفعال؛

стр. 9542

لثقل الأفعال، ولكنهم يُدْغِمون في الفعل (١) أحد الحرفين فيخفُّ (٢)، فإذا دخل على الفعل ما يُسَكِّن الثاني، أظهروا حينئذٍ التضعيف. القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (٤٨) نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾. يقولُ تعالى ذكره: لا يَمَسُّ هؤلاء المتقين الذين وصف صفتهم في الجناتِ ﴿نَصَبٌ﴾ يعنى: تَعَبٌ، ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾. يقولُ: وما هم من الجنة ونعيمها وما أعطاهم الله فيها بمخرجين، بل ذلك دائمٌ أبدًا. وقوله: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. يقول تعالى ذكره لنبيِّه محمد ﷺ أخبِرْ عبادى يا محمد، أنى أنا الذي أَسْتُرُ على ذنوبهم إذا تابوا منها وأنابوا، بترك فضيحتهم بها، وعقوبتهم عليها، الرحيم بهم أن أعذِّبَهم بعد توبتهم منها عليها . ﴿وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ يقولُ: وأخبرهم أيضًا أن عذابى لمن أصرَّ على معاصيَّ، وأقام عليها، ولم يَتُبْ منها، هو العذابُ الموجعُ الذي لا يُشبهه عذابٌ. هذا من الله تحذيرٌ لخلقه التقدمَ على معاصيه، وأمرٌ لهم بالإنابة والتوبة. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾. قال: بلغنا أن نبيَّ الله ﷺ قال: "لو يَعْلَمُ العبدُ قدر عفو الله لما تورَّع من حرامٍ، ولو يَعْلَمُ قدر عذابه

стр. 9543

لبَخَعَ (١) نفسه" (٢). حدَّثنا المثنى، قال: أخبرنا إسحاقُ، قال: أخبرنا ابن المكيِّ، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: أخبرنا مصعبُ بن ثابتٍ، قال: ثنا عاصم بن عبيدِ (٣) اللَّهِ، عن ابن أبي رباحٍ، عن رجلٍ من أصحاب النبيِّ ﷺ ، قال: اطَّلع (٤) علينا (٥) رسولُ اللهِ ﷺ مِن الباب الذي يَدْخُلُ منه بنو شَيْبةَ، فقال: "ألا أراكم تضحَكُون؟ " ثم أدْبَر، حتى إذا كان عند الحجرِ رجع إلينا القَهْقَرَى، فقال: "إنى لما خرجتُ جاء جبريل ﵇، فقال: يا محمدُ، إن الله يقولُ: لِمَ تُقَنِّطُ عبادِي؟ نبِّئ عبادي أنى أنا الغفور الرحيم، وأن عذابى هو العذابُ الأليم" (٦). القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (٥١) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (٥٢) قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٥٣)﴾. يقول تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : وأَخْبِرْ عبادى يا محمد عن ﴿ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾. يعنى الملائكة الذين دخلوا على إبراهيم خليل الرحمن، حين أرسلهم ربُّهم إلى قوم لوط ليُهْلِكوهم، ﴿فَقَالُوا سَلَامًا﴾. يقولُ: فقال الضيفُ لإبراهيم: سلامًا. ﴿قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾. يقولُ: قال إبراهيم: إنا منكم خائفون.

стр. 9544

وقد بيَّنا وجه النصب في قوله: ﴿سَلَامًا﴾. وسببَ وَجَلِ إبراهيمَ مِن ضيفه، واختلاف المختلفين، ودلَّلنا على الصحيح من القول فيه فىما مضى قبلُ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع (١). وأما قولُه: ﴿فَقَالُوا سَلَامًا﴾. وهو يعنى به الضيف، فجمع الخبرُ عنهم (٢) وهم في لفظ واحدٍ، فإن الضيف اسمٌ للواحد والاثنين والجمع، مثلَ الوَزْنِ والقَطْرِ والعَدْلِ، فلذلك جُمِع خبرُه، وهو في لفظ واحدٍ. وقوله: ﴿قَالُوا لَا تَوْجَلْ﴾. يقولُ: قال الضيفُ لإبراهيمَ: لا تَوْجَلْ؛ لا تَخَفْ ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾. القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤)﴾. يقول تعالى ذكره: قال إبراهيم للملائكة الذين بشَّرُوه بغلامٍ عليم: ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾. يقولُ: فبأَيِّ شيءٍ تُبَشِّرُونَ؟ وكان مجاهدٌ يقولُ في ذلك ما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثنا الحسنُ بن محمدٍ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاءٌ، وحدَّثنى [المثنى، [قال: ثنا إسحاق] (٣)، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾. قال: عجب مِن] (٤)

стр. 9545

[كبره وكبر امرأته (١). حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ] (٢)، عن مجاهدٍ مثله. وقال: ﴿عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ﴾. ومعناه: لأن مسَّنى الكبرُ، وبأن مَسَّنِى الكبَرُ. وهو نحوُ قوله: ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [الأعراف: ١٠٥]. بمعنى: بأن (٣) لا أقول. ويمثِّلهُ في الكلام: أتيتُك أنك تُعْطِى، فلم أجدك تُعطى. القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (٥٥) قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (٥٦)﴾. يقولُ تعالى ذكره: قال ضيفُ إبراهيم له (٤): بشَّرناك بحقٍّ يقينٍ، وعِلْمٍ منَّا بأنَّ الله قد وهَب لك غلامًا عليمًا، فلا تكن من الذين يَقْنَطُون من فضل الله، فيأْيَسُون (٥) منه، ولكن أبشر بما بشَّرناك به، واقْبَلِ البُشْرَى. واختلفت القرأةُ في قراءة قوله: ﴿مِنَ الْقَانِطِينَ﴾؛ فقرأته عامة قرأة الأمصار: ﴿مِنَ الْقَانِطِينَ﴾. بالألف. وذُكر عن يحيى بن وثّابٍ أنه كان يَقْرَأُ ذلك: (القَنِطِينَ) (٦). والصوابُ من القراءة في ذلك ما عليه قرأةُ الأمصار؛ لإجماع الحجة على

стр. 9546

ذلك، وشذوذ ما خالفه. وقولُه: ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال إبراهيم للضيف: ومَن يأيسُ (١) من رحمةِ اللَّهِ إلا القومُ الذين قد أخطئوا سبيل الصواب، وتركوا قَصْدَ السبيل في تركهم رجاءَ اللهِ، ولا يَخِيبُ مَن رَجاه، فضَلُّوا بذلك عن دينِ اللَّهِ. واختلفت القرأة في قراءة قوله: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ﴾؛ فقرأ ذلك عامة قرأة المدينة والكوفة: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ﴾. بفتح النون، إلا الأعمش والكسائيَّ، فإنهما كسرا النونَ مِن: (يَقْنِطُ) (٢). فأما الذين فتحوا النونَ منه ممن ذكرنا، فإنهم قرءوا: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ [الشورى: ٢٨]. بفَتْحِ القافِ والنون. وأما الأعمش فكان يَقْرَأُ ذلك: (من بعدِ ما قنطوا)، بكسر النون. وكان الكسائيُّ يَقْرؤُه بفتح النون. وكان أبو عمرو بنُ العلاء يَقْرَأُ الحرفىن جميعًا على النحو الذي ذكرنا من قراءة الكسائيِّ. وأولى القراءاتِ في ذلك بالصواب قراءةُ من قرأه: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾. بفتح النون، (وَمَن يَقْنِطُ). بكسر النون، لإجماع الحجة من القرأة على فتحها في قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾. فكسْرُها (٣) في: (وَمَنْ يَقْنِطُ). أولى، إذ كان مجمعًا على فتحها في "قنط"؛ لأن "فَعَل" إذا كانت عينُ الفعل منها مفتوحةً، ولم تكن من الحروف الستة التي هي حروفُ الحلق، فإنها تكونُ في "يفعل" مكسورةً أو

стр. 9547

مضمومةٌ، فأما الفَتْحُ فلا يُعرَفُ [أتى ذلك في] (١) كلام العرب. القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٥٧) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ (٦٠)﴾. يقول تعالى ذكرُه: قال إبراهيمُ للملائكة: فما شأنُكم، ما أمْرُكم أيُّها المرسلون؟ قالت الملائكةُ له: ﴿إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾. يقولُ: إلى قومٍ قد اكتسبوا الكفر باللَّهِ، ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ﴾. يقولُ: إلا تُبّاع لوطٍ على ما هو عليه من الدَّينِ، فإنا لن نُهْلِكَهم، بل نُنَجِّيهم من العذاب الذي أمرنا أن نُعذّبَ به (٢) قومَ لوطٍ، سوى امرأة لوطٍ، ﴿قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾. يقولُ: قضَى اللَّهُ فيها إنها لمن الباقين، ثم هي مُهْلَكةٌ بعدُ. وقد بيَّنا معنى (٣) الغابرِ فىما مضى بشواهده (٤). القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٦٢) قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣)﴾. يقول تعالى ذكره: فلما أتى رسلُ اللَّهِ آلَ لوط، أنكرهم لوطٌ فلم يَعْرِفُهم، وقال لهم: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾. أي: نُنكِرُكم لا نَعْرِفُكم. فقالت له الرسلُ: بل نحن رسلُ الله، جئناك بما كان فيه قومُك يَشُكّون أنه نازلٌ بهم من عذابِ اللهِ على كفرهم به.

стр. 9548

حدَّثني محمد بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثنى الحسن بن محمدٍ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾. قال: أنكرهم لوطٌ. وقوله: ﴿بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾. قال: بعذاب قومِ لوطٍ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله. القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٦٤) فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (٦٥)﴾. يقول تعالى ذكره: قالت الرسلُ للوطٍ: وجئناك بالحقِّ اليقين من عند الله، وذلك الحقُّ هو العذاب الذي عذَّب الله به قوم لوطٍ. وقد ذكرتُ خبَرَهم وقصصهم في سورة "هودٍ" وغيرها، حين بعث الله رسلَه ليُعَذِّبَهم به (٢). وقولهم: ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾. يقولون: إنا لصادقون فيما أخبرناك به يا لوطُ، من أن اللَّهَ مُهْلِكُ قومِك، ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾. يقولُ تعالى ذكره مخبرًا عن رسله أنهم قالوا للوط: فأسْرِ بأهلك ببقية من الليل، واتَّبِعْ يا لوط أدبار أهلك الذين تَسْرِى بهم؛ كنْ (٣) مِن ورائهم، وسِر خلفهم وهم أمامك، ولا

стр. 9549

يَلْتَفِتْ منكم وراءه أحدٌ، وامضوا حيثُ يأمُرُكم الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمد بن عمروٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، عن ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾: لا يَلْتَفِتْ وراءه أحدٌ، ولا يُعرِّج. حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدُ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾: لا يَنظُرُ وراءه أحدٌ (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله. حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله. حدَّثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بن ثورٍ، عن معمر، عن قتادة: ﴿وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ﴾. قال: أُمر أن يكون خلفَ أهْلِهِ، يَتَّبِعُ أدبارهم في آخرِهم إذا مشوا (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾. قال: بعض الليلِ، ﴿وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ﴾: أدبار أهلِه.

стр. 9550

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦) وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وفرغنا إلى لوطٍ من ذلك الأمر، وأوحينا، ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ (١). يقولُ: إن آخرَ قومك وأولهم مجذودٌ مُسْتَأْصَلٌ صباح ليلتهم. و ﴿أَنَّ﴾ من قوله: ﴿أَنَّ دَابِر﴾. في موضع نصبٍ، ردًّا على الأمرِ بوقوع القضاء عليها، وقد يجوزُ أن تكون في موضع نصب بفقد الخافض، ويكونَ معناه: وقضينا إليه ذلك الأمر بأن دابر هؤلاء مقطوعٌ مُصبحين. وذُكر أن ذلك في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (وقلنا إنَّ دابر هؤلاء مقطوعٌ مصبحين) (٢). وغُنى بقوله: ﴿مُصْبِحِينَ﴾: إذا أصبحوا، أو: حين يُصبحون. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ قوله: ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾: يَعْنى استئصال هلاكهم مصبحين (٣). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ قال: قال ابن زيدٍ في قوله:

стр. 9551

﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾. قال: أوحينا إليه (١). وقوله: ﴿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾. يقولُ: وجاء أهلُ مدينة سَدُومَ، وهم قومُ لوطٍ، لما سمعوا أن ضيفًا قد ضاف لوطًا، مستبشرين بنزولهم مدينتهم؛ طمعًا منهم في ركوب الفاحشة. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾: استَبْشَروا بأضياف نبيِّ الله لوطٍ صلى الله عليه، حين نزلوا، لما أرادوا أن يأتُوا إليهم من المنكرِ (١). القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (٦٩) قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (٧٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال لوطٌ لقومه: إن هؤلاء الذين جئتُموهم تريدون منهم الفاحشةً ضَيْفى، وحقٌّ على الرجل إكرامُ ضيفه، فلا تَفْضَحونِ أَيُّها القومُ في ضيفى، وأكرمون في تركِكم التعرُّضَ لهم بالمكروه. وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾. يقولُ: وخافوا الله فيَّ وفى أنفسكم، أن يَحِلَّ بكم عقابه، ﴿وَلَا تُخْزُونِ﴾. يقولُ: ولا تُذِلُّون، ولا تُهينون فىهم، بالتعرُّض لهم بالمكروه، ﴿قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. يقول تعالى ذكرُه: قال للوطٍ قومُه: أو لم نَنْهَك أن تُضِيفَ أحدًا من العالمين. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. قال: ألم ننهك أن تُضِيفَ أحدًا (٢)؟

стр. 9552

القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٧١) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال لوطٌ لقومه: تزوَّجوا النساء فائْتُوهن (١)، ولا تَفْعَلُوا ما قد حرَّم الله عليكم مِن إتيانِ الرجالِ، إن كنتم فاعلين ما آمركم به، ومُنْتَهين إلى أمرى. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾: أمرهم نبيُّ الله لوطٌ أن يتزوَّجوا النساء، وأراد أن يقى أضيافه ببناته (٢). وقولُه: ﴿لَعَمْرُكَ﴾. يقولُ تعالى لنبيِّه محمدٍ ﷺ : وحياتك يا محمدُ، إن قومك من قريشٍ ﴿لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. يقول: لفى ضلالتهم وجهلهم يَتَرَدَّدون. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا مسلم بنُ إبراهيم، قال: ثنا سعيدُ بن زيدٍ، قال: ثنا عمرُو بن مالكٍ، عن أبي الجوزاء (٣)، عن ابن عباسٍ، قال: ما خلق الله وما ذرًا وما برأ نفسًا أكرم على الله من محمدٍ ﷺ ، وما سمعتُ الله أقسم بحياة أحدٍ غيره، قال الله

стр. 9553

تعالى ذكره: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (١). حدَّثنا الحسنُ بن محمدٍ، قال: ثنا يعقوبُ بنُ إسحاق الحضرميُّ، قال: ثنا الحسنُ بن أبى جعفرٍ، قال: ثنا عمرُو بن مالكٍ، عن أبي الجوزاءِ، عن ابن عباسٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. قال: ما حلَف الله تعالى بحياة أحدٍ إلا بحياة محمدٍ ﷺ ، قال: وحياتك يا محمدُ وعَمْرِك وبقائك في الدنيا، ﴿إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾: [وهى كلمةٌ من كلام العرب، ﴿لَفِي سَكْرَتِهِمْ﴾] (٢) أي: في ضلالتهم، ﴿يَعْمَهُونَ﴾ أَي: يَلْعَبون (٣). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيان، قال: سأَلْتُ الأعمش عن قوله: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. قال: لفى غَفْلَتِهِم يَتَردَّدون (٤). حدَّثنا محمدُ بنُ عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿لَفِي سَكْرَتِهِمْ﴾. قال: في ضلالتهم ﴿يَعْمَهُونَ﴾. قال: يَلْعبون (٥).

стр. 9554

حدَّثنا محمدُ بنُ عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بن ثورٍ، عن معمرٍ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿يَعْمَهُونَ﴾. قال: يَتَردَّدون (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿لَعَمْرُكَ﴾. يقولُ: لَعَيْشُك، ﴿إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. قال: يَتَمادَوْن (٢). حدَّثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: كانوا يَكْرَهون أن يقول الرجلُ: لعَمْرِى. يرونه كقوله: وحياتى. وقوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾. يقول تعالى ذكره: فأخذتهم صاعقةُ العذاب، وهي الصيحةُ. ﴿مُشْرِقِينَ﴾، يقول: إذ أشرقوا، ومعناه: إذ أشرقت الشمسُ. ونَصْبُ ﴿مُشْرِقِينَ﴾ و ﴿مُصْبِحِينَ﴾ على الحال، بمعنى: إذ أصبحوا، وإذ أشْرَقوا، يقالُ منه: صيح بهم. إذا أهلكوا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ (٣): ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾. قال: حين أشرقت الشمسُ، ذلك ﴿مُشْرِقِينَ﴾ (٤).

стр. 9555

القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥)﴾. يقولُ تعالى ذكره: فجَعَلْنا عالى أرضهم سافلها، وأمطرنا عليهم حجارةً من طينٍ (١). كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة، عن عكرمة: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ أي: من طينٍ (٢). وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾. يقول: إن في الذي فعلنا بقوم لوطٍ من إهلاكهم، وأحلَلْنا بهم من العذاب، لعلاماتٍ ودَلالاتٍ للمُتَفَرِّسين المعتبرين بعلاماتِ اللهِ وعِبره، على عواقب أمور أهل معاصيه والكفر به. وإنما يعنى تعالى ذكره بذلك قوم نبيِّ الله ﷺ من قريشٍ، يقولُ: فلقومك يا محمدُ في قوم لوطٍ، وما حلَّ بهم من عذابِ اللَّهِ حين كذَّبوا رسولَهم، وتَمادَوا في غيِّهم وضلالهم - مُعتَبرٌ. وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾. قال أهلُ التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عبدُ الأعلى بنُ واصلٍ، قال: ثنا يَعْلى بنُ عبيدٍ، قال: ثنا عبدُ الملك بنُ أبى سليمان، عن قيسٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾. قال: للمُتَفَرِّسين. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن فُضَيلٍ، عن عبد الملك، وحدَّثنا الحسنُ

стр. 9556

الزَّعْفَرانيُّ، قال: ثنى محمدُ بنُ عُبَيدٍ، قال: ثنى عبدُ الملك، عن قيسٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾. قال: للمُتَفَرِّسين. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثنا الحسنُ بن محمدٍ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيْفَةَ، قال: ثنا شبلٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامة، قال: ثنا شبلٌ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج، عن مجاهدٍ، قال: المتوسِّمين المتفرِّسين. قال: توسَّمتُ فيك الخيرَ نافلةً. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيان، عن عبد الملك بن أبى سليمان، عن قيسٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾. قال: للمتَفَرِّسين (٢). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةٌ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾. يقولُ: للناظرين (٣). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بن يزيدَ، عن جويبرٍ، عن الضحاك: لِلْمُتَوَسَمِينَ﴾. قال: للناظرين (٤). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ

стр. 9557

لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ أي: للمُعْتَبِرين (١). حدَّثنا محمدُ بنُ عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ قوله: ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾. قال: للمُعْتَبِرين (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنى حسنُ بنُ مالكٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ كثيرٍ، عن عمرو بن قيسٍ، عن عطيةَ، عن أبي سعيدٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "اتَّقُوا فراسة المؤمنِ، فإنه يَنْظُرُ بنور الله". ثم قال النبيُّ ﷺ : " ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ (٣) ". حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدٍ الطُّوسيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ كثيرٍ مولى بنى هاشمٍ، قال: ثنا عمرُو بن قيسٍ المُلائِيُّ، عن عطية، عن أبي سعيدٍ، عن رسول الله ﷺ بمثله. حدَّثني أحمدُ بنُ محمدٍ الطوسيُّ، قال: ثنا الحسنُ (٤) بن محمدٍ، قال: ثنا الفُراتُ بنُ السائبِ، قال: ثنا ميمونُ بن مهران، عن ابن عمر، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "اتَّقُوا فِرَاسةً المؤمن، فإن المؤمنَ يَنظُرُ بنور الله" (٥).

стр. 9558

حدَّثنا عبدُ الأعلى بنُ واصلٍ، قال: ثنى سعيدٌ بنُ محمدٍ الجرميُّ (١)، قال: ثنا عبدُ الواحد بنُ واصلٍ، قال: ثنا أبو بشرٍ المُزلَّقُ، عن ثابت البنانيٍّ، عن أنسٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إِنَّ للهِ عبادًا يَعْرِفون الناسَ بالتَّوَسُّم" (٢). حدَّثني يونسُ بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾. قال: المتفكِّرون والمعتبِرون الذين يَتَوَسَّمون الأشياءَ، ويَتَفَكرون فيها ويَعْتَبِرون. حدِّثتُ عن الحسين، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾. يقول: للناظرين. حدَّثني أبو شرحبيلٍ الحمصيُّ، قال: ثنا سليمانُ بنُ سلمة، قال: ثنا المؤملُ بنُ سعيد بن يوسف الرحبيُّ، قال: ثنا أبو المعلَّى أسدُ بنُ وداعة الطائيُّ، قال: ثنا وهبُ بن منبِّهٍ، عن طاوس بن كيسان، عن ثَوْبانَ، قال: قال رسول الله ﷺ : "احْذَروا فِراسةَ المؤمن، فإنه يَنْظُرُ بنورِ اللَّهِ، ويَنْطِقُ (٣) بتوفيقِ اللَّهِ" (٤). القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧)﴾. يقول تعالى ذكره: وإن هذه المدينة - مدينةَ سَدُومَ - لبطريقٍ واضحٍ مقيمٍ،

стр. 9559

يراها المجتازُ بها، لا خَفَاءَ بها، ولا يَبْرَحُ (١) مكانُها، فيَجْهَلَ ذو لُبٍّ أَمرَها، وغبَّ معصية الله والكفر به. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن نميرٍ، عن ورقاء، وحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثنى المُثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، وحدَّثنى محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾. قال: لبطريقٍ مَعْلَمٍ (٢). حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾. يقولُ: بطريقٍ واضحٍ (٣). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾. قال: طريق، السبيلُ الطريقُ. حدِّثت عن الحسين، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعت الضحاك يقولُ في قوله: ﴿لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾. يقولُ: بطريقٍ مَعْلَمٍ (٣).

стр. 9560

وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن في صنيعِنا بقوم لوطٍ ما صنعنا بهم، لعلامةً ودَلالةً بينةً لمن آمن باللَّهِ، على انتقامِه مِن أهل الكفر به، وإنقاذه من عذابه - إذا نزل بقومٍ - أهل الإيمان به منهم. كما حدَّثنا محمد بن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن سماكٍ، عن سعيد بن جبيرٍ في قوله: ﴿إِنّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾. قال: هو كالرجل يقول لأهله: علامةُ ما بينى وبينكم أن أُرسل إليكم خاتمى، أو آيةً كذا وكذا. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامة، عن سفيان، عن سماكٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾. قال: أما تَرَى الرجل يُرْسِلُ بخاتمه إلى أهله فىقولُ: هاتوا كذا (١)، هاتوا كذا (٢). فإذا رأوه علموا أنه حقٌّ (٣). القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ (٧٨) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ (٧٩)﴾. يقول تعالى ذكره: وقد كان أصحابُ الغَيْضَةِ ظالمين. يقولُ: كانوا باللَّهِ كافرين. والأيكةُ الشجرُ الملتفُّ المجتمعُ، كما قال أميةُ (٤): كبُكا الحمام على فُرو … ع الأيْكِ في الغُصُنِ (٥) الجوانح (٦) وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
следующие страницы →