← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 9941–9980 · переход к 9946.

стр. 9941

قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في الحديث الذي ذكَرنا إسناده قبلُ؛ أن رجلًا من بنى إسرائيلَ رأى في النوم أن خرابَ بيت المقدسِ وهلاك بني إسرائيل على يَدَىْ غلامٍ يتيمٍ ابن أرملةٍ من أهل بابل، يُدْعَى بُخْتُنصَّر، وكانوا يَصدُقون فتَصدُقُ رؤياهم، فأقبَل فسأَل عنه حتى نزل على أمِّه وهو يَحتطبُ، فلما جاء وعلى رأسه حزمةٌ من حطبٍ ألقاها، ثم قعَد في جانب البيت، فضمَّه، ثم أعطاه ثلاثةَ دراهمَ، فقال: اشترِ بهذا (١) طعامًا وشرابًا. فاشترى بدرهم لحمًا وبدرهمٍ خبزًا وبدرهمٍ خمرًا، فأكلوا وشربوا حتى إذا كان اليومُ الثاني فعَل به ذلك، حتى إذا كان اليومُ الثالثُ فعل ذلك، ثم قال له: إني أُحِبُّ أن تكتبَ لى أمانًا إن أنت ملَكتَ يومًا من الدهرِ. فقال: تسخَرُ بي؟ فقال: إني لا أسخَرُ بك، ولكن ما عليك أن تتخذ بها عندى يدًا! فكلَّمته أمُّه، فقالت: وما عليك إن كان (٢)، وإلا لم يَنقُصْك شيئًا! فكتب له أمانًا، فقال (٣): أرأيتَ إن جئتُ والناسُ حولَك قد حالوا بينى وبينك، فاجعَلْ لى آيةً تعرِفُنى بها. قال: ترفَعُ صحيفتَك على قَصَبةٍ فأعرِفُك بها. فكسَاه وأَعْطَاه، ثم إن ملك بني إسرائيلَ كان يُكرِمُ يحيى بن زكريا، ويُدْنِى مجلسَه، ويستشيرُه في أمرِه، ولا يقطَعُ أمرًا دونَه، وإنه هوىَ أن يتزوَّجَ ابنة امرأةٍ له، فسأل يحيى عن ذلك، فنهاه عن نكاحِها، وقال: لستُ أَرْضاها لك، فبلَغ ذلك أمَّها فحقَدت على يحيى حينَ نهاه أن يتزوَّجَ ابنتَها، فعمَدت أمُّ الجارية حينَ جلَس الملكُ على شرابه، فألبَستْها ثيابًا رقاقًا حُمْرًا، وطيَّبْتها وألبَسْتها من الحَلْي، و (٤) ألبَستها فوق ذلك كساءً أسودَ، وأرسَلتْها

стр. 9942

إلى الملكِ، وأمرتْها أن تَسقِيَه، وأن تَعرِضَ (١) له (٢)، فإن أرادها على نفسِها أبَت عليه حتى يُعطيَها ما سأَلتْه، فإذا أعطاها ذلك سألتْه أن يأتيَ برأس يحيى بن زكريا في طَسْتٍ، ففعَلتْ، فجعَلتْ تَسقِيه وتَعرِضُ (١) له (٢)، فلما أخَذ فيه الشرابُ أرادها على نفسِها، فقالت: لا أفعَلُ حتى تُعطِينَى ما أسألُك. قال: ما (٣) تَسْأَليني؟ قالت: أسألُك أن تبعَثَ إلى يحيى بن زكريا، فأُوتَى (٤) برأسه في هذا الطَّسْتِ. فقال: ويحَك سَلِينى غيرَ هذا. فقالت له: ما أريدُ أن أسألك إلا هذا. قال: فلما أبَتْ (٥) عليه بعَث إليه، فأُتى برأسه، والرأسُ يتكلَّمُ حتى وُضِع بين يديه وهو يقولُ: لا يَحِلُّ لك (٦). فلما أصبَح إذا دمُه يَغلى، فأمَر بترابٍ فأُلقى عليه، فرقى الدمُ فوق الترابِ يغلى، فأُلقى عليه الترابُ (٧) أيضًا، فارتفع الدمُ فوقه، فلم يزَلْ يُلقَى عليه الترابُ حتى بلَغ سورَ المدينة وهو [في ذلك] (٨) يغلى وبلَغ صَيْحائينَ (٩)، فثار في الناس، وأراد أن يبعَثَ عليهم جيشًا، ويُؤمِّرَ عليهم رجلًا، فأتاه بختُنصَّرَ وكلَّمه وقال: إن الذي كنتَ أرسَلتَ تلك المرَّةَ ضعيفٌ، وإنى قد دخلتُ المدينة وسمعتُ كلام أهلها، فابعَثْني. فبعَثه، فسار بختُنصَّرَ حتى إذا بلغوا ذلك المكانَ تَحصَّنوا منه في مدائنهم،

стр. 9943

فلم يُطِقهم (١)، فلما اشتدَّ عليهم المُقامُ وجاع أصحابُه، أرادوا الرجوعَ، فخرَجت إليهم عجوزٌ من عجائز بنى إسرائيلَ، فقالت: أين أميرُ الجندِ؟ فأُتى بها إليه، فقالت له: إنه بلَغنى أنك تريدُ أن تَرجِعَ بجندِك قبل أن تَفتحَ هذه المدينةَ. قال: نعم، قد طال مُقامي، وجاع أصحابي، فلستُ أستطيعُ المقامَ فوقَ الذي كان منى. فقالت: أرأيتَك إن فتحتُ لك المدينةَ أتُعطينى ما أسألُك، فتقتلُ مَن أمَرتُك بقتله، وتَكُفُ إذا أَمَرتُكَ أَن تَكُفَّ؟ قال: نعم. قالت: إذا أصبَحت فاقسِمْ جندَك أربعة أرباعٍ، ثم أَقِمْ على كلِّ زاويةٍ ربعًا، ثم ارفَعوا بأيديكم إلى السماء فنادُوا: إِنا نستفتِحُك يا الله بدمِ يحيى بن زكريا. فإنها سوف تسَّاقَطُ. ففعَلوا، فتساقَطت المدينةُ، ودخَلوا مِن جوانبها، فقالت له: [كُفَّ يدَك] (٢)، اقتُلْ على هذا الدم حتى يَسكُن. وانطلَقتْ به إلى دم يحيى، وهو على ترابٍ كثيرٍ، فقتَل عليه، حتى سكن، سبعين ألفًا وامرأةً، فلما سكَن الدمُ قالت له: كُفَّ يدك، فإن الله ﵎ إذا قُتِل نبيٌّ لم يرضَ، حتى يُقتَلَ مَن قتَله، ومَن رضِي قتلَه. وأتاه صاحبُ الصحيفة بصحيفته، فكفَّ عنه وعن أهل بيته، وخرَّب بيتَ المقدس، وأمَر به أن تُطرَحَ فيه الجيَفُ، وقال: مَن طرح فيه جيفةً فله جزيتُه تلك السنة، وأعانه على خرابِه الرومُ من أجل أنَّ بني إسرائيل قتلوا يحيى، فلما خرَّبه بختُنصَّرَ ذهَب معه بوجوه بنى إسرائيل وسراتِهم (٣)، وذهب بدانيالَ وعَلْيا وعَزَرْيَا (٤) وميشائيلَ، هؤلاء كلُّهم من أولاد الأنبياء وذهَب معه برأس الجالوت (٥)، فلما قدِم أرضَ بابلَ وجَد صَيْحائينَ قد مات، فملَك مكانَه، وكان

стр. 9944

أكرم الناس عليه دانيالُ وأصحابُه، فحسَدهم المجوسُ (١)، فوشَوا بهم إليه، وقالوا: إن دانيالَ وأصحابَه لا يعبُدون إلهَك، ولا يأكُلون من ذبيحتِك، فدعاهم فسَألهم، فقالوا: أَجَلْ، إن لنا ربًّا نعبُدُه، ولسنا نأكُلُ مِن ذبيحتكم. فأمر بخدٍّ فخُدَّ لهم، فأُلقوا فيه، وهم ستةٌ، وأُلقى معهم [سَبُعٌ ضارٍ] (٢) ليأكُلَهم، فقال: انطلقوا فلنأكُلْ ولْنشرَبْ. فذهَبوا فأكَلوا وشربوا، ثم راحوا فوجَدوهم جلوسًا والسَّبُعُ مفترشٌ ذراعيه بينَهم، ولم يَخدِشْ منهم أحدًا، ولم يَنْكَأه (٣) شيئًا، ووجَدوا معهم رجلًا، فعدُّوهم فوجَدوهم سبعةً، فقالوا: ما بالُ هذا السابع؟ إنما كانوا ستةً! فخرج إليهم السابعُ. وكان مَلَكًا من الملائكة، فلطمه لطمةً فصار في الوحش، فكان فيهم سبعَ سنينَ، لا يراه وحشيٌّ إلا أتاه حتى يَنكِحَه، يقتصُّ منه ما كان يصنَعُ بالرجال، ثم إنه رجَع ورَدَّ الله عليه مُلكَه، فكانوا أكرم خلق الله عليه، ثم إن المجوس وشَوا (٤) به ثانيةً، فألقوا له أسدًا في بئرٍ قد ضَرِى، فكانوا يُلقُون له الصخرة فيلتقِمُها (٥)، فألقوا له دانيالَ، فقام الأسدُ في جانبٍ، ودانيالُ في جانبٍ لا يمَسُّه، فأخرَجوه، وقد كان قبل ذلك خَدَّ لهم خَدًا، فأوقَد فيه نارًا، حتى إذا أَجَّجها قذَفهم فيها، فأَطفَأَهَا اللهُ عليهم ولم يَنكَأُهم (٦) منها شيءٌ، ثم إن بختُنصرَ رأى بعد ذلك في منامه صنمًا رأسُه من ذهبٍ، وعنقُه مِن شَبَهٍ (٧)، وصدرُه من حديدٍ، وبطنُه أخلاطُ ذهبٍ وفضةٍ وقواريرَ، ورجلاه من فخَّارٍ، فبينا هو قائم ينظُرُ، إذ جاءت صخرةٌ من السماء من قبل

стр. 9945

القبلة، فكسَرت الصنمَ فجعَلتْه هشيمًا، فاستيقظ فزِعًا وأُنسيها، فدعا السحرةَ والكهنةَ، فسأَلهم، فقال: أخبرونى ما رأيتُ. قالوا: لا، بل أنتَ أخبرْنا ما رأيت فتعبُرَه لك. قال: لا أدرى. قالوا: فهؤلاء الفتيةُ الذين تُكرِّمُهم، فادعُهم فاسأَلْهم، فإن هم لم يُخْبروك بما رأيتَ فاقتُلْهم (١). فأرسل إلى دانيالَ وأصحابه، فدعاهم، فقال: أخبروني ماذا رأيتُ؟ فقال له دانيالُ: أخبرْنا ما رأيتَ فنَعبُرَه لك. قال: [لا أدرى] (٢) قد نَسيتُها. فقال له دانيالُ: كيف نعلَمُ رؤيا لم تُخبرْنا بها؟ فأمر البواب أن يقتُلَهم، فقال دانيالُ للبوَّاب: إن الملك إنما أمر بقتلنا من أجل رؤياه: فأخِّرْنا ثلاثةَ أيامٍ، فإن نحن أخبَرْنا الملكَ برؤياه وإلا فاضرِبْ أعناقَنا. فأجَّلهم فدعَوُا الله، فلمّا كان اليومُ الثالثُ أبصَر كلُّ رجلٍ مِنهم رؤيا بختُنصرَ على حدةٍ، فأتوا البوَّابَ فأخبَروه، فدخل على الملك فأخبَره، فقال: أدخِلْهم عليَّ. وكان بختُنصرَ لا يعرِفُ من رؤياه شيئًا، إلا شيئًا يذكُرونه، فقالوا له: رأيتَ كذا وكذا. فقَصُّوها عليه، فقال: صدَقتم. قالوا: نحن نَعبُرُها لك. أما الصنمُ الذي رأيتَ رأسَه مِن ذهبٍ، فإنه مُلكُك (٣)، حسنٌ مثلَ الذهب - وكان قد ملك الأرض كلَّها - وأما العنقُ مِن الشَّبَه، فهو مُلْكُ ابنك بعدَك (٤)، يملكُ فيكونُ مُلكُه حسنًا، ولا يكونُ مثل الذهبِ. وأما صدرُه (٥) من حديدٍ فهو مُلْكُ أهل فارسَ، يملكون بعد (٦) ابنك، فيكونُ مُلكُهم شديدًا مثل الحديد، وأما بطنُه الأخلاطُ، فإنه يذهَبُ

стр. 9946

ملكُ أهل فارسَ، ويتنازعُ الناسُ الملُك في كلِّ قريةٍ، حتى يكون الملِكُ يملكُ اليوم واليومين، والشهرَ والشهرين، [ثم يُقتَلُ] (١)، فلا يكونُ للناسِ قوامٌ على ذلك، كما لم يكن للصنم قوامٌ على رجلين من فخّارِ؛ فبينما هم كذلك، إذ بعث الله تعالى نبيًّا من أرض العرب، فأظهَره على بقية مُلكِ أهل فارس، وبقية مُلكِ ابنك ومُلكك، فدمَّره وأهلكه (٢) حتى لا يَبقَى منه شيءٌ، كما جاءت الصخرةُ فهدَمت الصنمَ. فعطَف عليهم بختُنصرَ فأحَبَّهم، ثم إن المجوس وشوا (٣) بدانيالَ، فقالوا: إن دانيالَ إذا شرب الخمرَ لم يَمْلِكُ نفسَه أن يبولَ. وكان ذلك فيهم عارًا، فجعل لهم بختُنصّرَ طعامًا، فأكَلوا وشربوا، وقال للبوّاب: انظر أوّلَ مَن يخرُجُ عليك يبولُ، فاضربه بالطَّبَرْزِينِ (٤)، وإن قال: أنا بختُنصّرَ. فقل: كذَبتَ، بختُنصرَ أَمَرنى. فحبَس اللهُ عن دانيال البولَ، وكان أوّلَ مَن قام من القوم يريدُ البول بختُنصّرَ، فقام مُدلًّا، وكان ذلك ليلًا، يسحَبُ ثيابَه، فلما رآه البوّابُ شدَّ عليه، فقال: أنا بختُنصرَ. فقال: كذبتَ، بختُنصرَ أمرنى أن أقتُلَ أوّلَ مَن يخرُجُ. فضربه فقتله. حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيم، قال: ثنا ابن عليةَ، عن أبي المُعَلَّى، قال: سمعتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ، قال: بعث الله عليهم في المرّة الأولى سنحاريب. قال: فردَّ اللهُ لهم الكرَّةَ عليهم، كما قال. قال: ثم عصَوا ربَّهم وعادوا لما نُهوا عنه، فبعَث عليهم في المرّة الآخرةِ بحُتَنصَّرَ، فقتل المُقاتِلةَ، وسبَى الذُّرِّيَّةَ، وأَخَذ ما وجد مِن الأموال، ودخَلوا بيتَ المقدسِ، كما قال الله : ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ

стр. 9947

أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾. دخلوه فتبَّروه وخرَّبوه، وألقَوا فيه ما استطاعوا مِن العَذِرَةِ والحيض والجيَفِ والقَذَرِ، فقال الله: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾. فرجمهم فردَّ إليهم مُلْكَهم، وخلَّص من كان في أيديهم مِن ذُرِّيَّةِ بنى إسرائيل، وقال لهم: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾. قال أبو المُعلَّى: ولا أعلَمُ ذلك إلا من هذا الحديثِ، ولم يَعِدْهم الرجعةَ إلى مُلكِهم (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾. قال: بعث (٢) مَلكُ فارس ببابلَ جيشًا، وأمَّر عليهم بختُنصّرَ، فأتوا بنى إسرائيلَ، فدمَّروهم، فكانت هذه الآخرة ووعدَها (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ نحوه. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: ثنى يَعْلَى بْنُ مُسلمٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: لما ضرَب لبُختِنصَرَ المُلْكُ بجرانِه (٤)، قال: ثلاثةً، فمَن استأخّر منكم بعدَها فلْيَمش إلى خشبته (٥). فغزا الشام، فذلك حينَ

стр. 9948

قتَّل وأخرَب (١) بيتَ المقدسِ، ونزَع حِلْيتَه، فجعَلها آنيةً ليشرب فيها الخمورَ، وخُونًا (٢) يأكُلُ عليها (٣) الخنازير، وحمل التوراة (٤) معه، ثم ألقاها في النار، وقدم فيما قدم به بمائة وصيفٍ منهم دانيالُ وعَزَرْيا وحَنَنْيا ومشائيلُ، فقال (٥): أصلحْ لى أجسامَ هؤلاء لعلِّى أختارُ منهم أربعةً يخدُموننى. فقال دانيالُ لأصحابه: إنما نُصروا عليكم بما غيَّرتم من دين آبائكم، لا تأكُلوا لحمَ الخنزير، ولا تشرَبوا الخمرَ. فقالوا للذى يُصْلِحُ أجسامَهم: هل لك أن تُطعِمَنا طعامًا، هو أهونُ عليك في المئونة مما تُطعِمُ أصحابنا؟ فإن لم نَسمَنْ قبلَهم رأيتَ رأيك! قال: ماذا؟ قال: خبزُ الشعيرِ والكُرَّاثُ. ففعل فسمِنوا قبلَ أصحابهم، فأَخَذهم بُخْتُنصَّرَ يَخدُمونه، [بَيْنا ذلك، رأى] (٦) بختُنصرَ رؤيا، فجلس فنسيها، فعاد فرقَد فرآها، فقام فنسيها، ثم عاد فرقَد فرآها، فخرَج إلى الحجرة فنسيها، فلما أصبَح دعا العلماء والكهَّانَ، فقال: أخبروني بما رأيتُ البارحة، وأوِّلوا لي رؤياى، وإلا فلْيَمش كلُّ رجلٍ منكم إلى خشبته، موعدُكم ثالثةٌ. فقالوا: هذا لو أخبَرنا برؤياه. وذكر كلامًا لم أحفَظْه، قال: وجعَل دانيالُ كلَّما مرَّ به أحدٌ من قرابته يقولُ: لو دعانى الملكُ لأخبَرْتُه برؤياه، ولأوَّلتُها له. قال: فجعَلوا يقولون: ما أحمقَ هذا الغلامَ الإسرائيليَّ. إلى أن مرَّ به كهلٌ. فقال له ذلك، فرجَع إليه فأخبرَه، فدعاه فقال: ماذا رأيتُ؟ قال: رأيتَ تمثالًا. قال: إيه. قال: ورأسُه من ذهبٍ. قال: إيه. قال: وعنقُه من فضةٍ. قال: إيه. قال: وصدرُه من حديدٍ. قال: إيه. قال:

стр. 9949

وبطنُه من صُفْرٍ (١). قال: إيه. قال: ورجلاه من آنُكٍ (٢). قال: إيه. قال: وقدماه من فخارٍ. قال: هذا الذي رأيتَ؟ قال: إيه. قال: فجاءت حصاةٌ فوقَعت في رأسه، ثم في عنقِه، ثم في صدرِه، ثم في بطنِه، ثم في رجليه، ثم في قدميه. قال: فأهلَكتْه. قال: فما هذا؟ قال: أما الذهبُ فمُلْكُك، وأما الفضةُ فمُلكُ ابنك من بعدك، ثم مُلكُ ابن ابنك. قال: وأما الفخّارُ فملُكُ النساء. فكساه جبةً [من حرير] (٣)، وسوَّره وطاف به في القرية، وأجاز خاتَمه، فلما رأت ذلك فارسُ، قالوا: ما الأمرُ إلا أمر هذا الإسرائيليِّ. فقالوا: ائتوه من نحو الفتية (٤)، ولا تذكُروا له دانيالَ، فإنه لا يصدِّقُكم عليه. فأتَوه. فقالوا: إن هؤلاء الفتيةَ الثلاثة ليسوا على دينك، وآية ذلك أنك إن قرَّبتَ إليهم لحم الخنزير والخمر لم يأكُلوا ولم يَشرَبوا. فأمر بحطبٍ كثيرٍ فوُضع، ثم [أَرْقَاهم عليه] (٥)، ثم أوقَد فيه نارًا، ثم خرَج من آخر الليل يبولُ، فإذا هم يتحدَّثون، وإذا معهم رابعٌ يُروِّحُ عنهم (٦) يُصلِّى، قال: من هذا يا دانيالُ؟ قال: هذا جبريلُ، إنك ظلَمتَهم. قال: ظلمتُهم (٧)! فأمر بهم فأُنزلوا، قال: ومسَخ اللهُ تعالى بختَنصَّرَ مِن الدوابِّ كلِّها، فجُعِل من كلِّ صِنفٍ من الدوابِّ؛ رأسًا (٨) من السباع الأسد، ومن الطير النَّسْرِ، وملك ابنُه فرأى كفًّا خرَجتْ بين لَوْحَين، ثم كتَبتْ سطرين، فدعا الكهانَ والعلماء فلم [يجد فيه] (٩) علمًا، فقالت له أمُّه: إنك لو أعدتَ إلى دانيالَ مَنزِلته

стр. 9950

التي كانت له مِن أبيك أخبَركَ. وكان قد جفاه، فدعاه، فقال: إني معيدٌ إليك منزلتَك من أبي، فأخبرْني ما هذان السطران؟ قال: أما أن تُعيد إليَّ منزلتي من أبيك، فلا حاجةَ لى بذاك، وأما هذان السطران فإنك تُقتَلُ الليلةَ. فأخرج من في القصرِ أجمعين، وأمر بقفله، فأُقفِلت الأبوابُ عليه، وأدخَل معَه أمنَ أهل القرية في نفسه معه سيفٌ، فقال: من جاءك من خلق الله فاقتُلْه، وإن قال: أنا فلانٌ. وبعَث الله عليه البطنَ فجعَل يمشِى حتى كان شطرُ الليل، فرقَد ورقَد صاحبُه، ثم نبَّهه البطنُ، فذهَب يمشى والآخرُ نائمٌ، فرجَع فاستيقَظ به، فقال له: أنا فلانٌ. فضرَبه بالسيف فقتله (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾، آخر العقوبتين، ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، كما دخله عدوُّهم قبل ذلك، ﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾، فبعث الله عليهم في الآخرة بُختَنصرَ البابليَّ المجوسيَّ، أبغضَ خلقِ اللهِ إِليه، فسبَى وقتل وحَرَّب بيت المقدسِ، وسامهم سوءَ العذاب. حدَّثنا محمدُ بنُ عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ، قال: ثم (٢) جاء وعدُ الآخرة من المرتين، ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾. قال: ليُقبِّحوا وجوهَكم. ﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾. قال: يُدمِّروا ما علَوا تدميرًا. قال: هو بختُنصرَ، بعَثه الله عليهم في المرّة الآخرة (٣).

стр. 9951

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: فلما أفسَدوا بعَث الله عليهم في المرّة الآخرة بختَنصرَ، فخرَّب المساجد وتبَّر ما علوا تتبيرًا (١). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى ابن إسحاق، قال: فيما بلغني؛ استخلَف الله على بني إسرائيلَ بعد ذلك - يعنى بعدَ قتلِهم شعياءَ - رجلًا منهم يقالُ له: [ياشيةُ بنُ آموص] (٢). فبعث اللهُ الخَضِرَ نبيًّا - كان رسولُ اللهِ ﷺ ، فيما بلغنى، يقولُ: "إنَّما سُمِّيَ الخَضِرُ خَضِرًا؛ لأنَّهُ جَلَسَ عَلَى فَرْوَةٍ بَيْضَاءَ، فَقَامَ عَنْهَا وَهِيَ تَهْتَزُّ خَضْرَاءَ" - قال: واسمُ الخضرِ، فيما كان وهبُ بنُ منبهٍ يزعم عن بني إسرائيل: إِرْمِيَا بْنُ حَلْقِيَا، وكان مِن سبطِ هارونَ بن عمران (٣). حدَّثني محمدُ بنُ سهلِ بن عسكرٍ، ومحمدُ بنُ عبد الملك بن زنجُويه، قالا: ثنا إسماعيلُ بنُ عبد الكريم، قال: ثنا عبدُ الصمد بنُ معقلٍ، عن وهبِ بن منبهٍ، وحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عمّن لا يُتَّهمُ، عن وهب بن منبهٍ اليمانيِّ، واللفظُ لحديث ابن حميدٍ، أنه كان يقولُ: قال الله ﵎ لإرْمِيَا حين بعَثه نبيًّا إلى بنى إسرائيلَ: يا إرميا، من قبل أن أخلُقَكَ اخترتُكَ، ومن قبل أن أُصوِّرَك في بطن أمِّك قدَّستُك، ومن قبل أن أُخْرِجَك من بطن أمِّك

стр. 9952

طهَّرتُك، ومن قبل أن تبلُغَ السعى نبَّيتُك (١)، ومن قبل أن تبلُغَ الأشدَّ اختبَرتُك (٢)، ولأمر عظيم اجتبيتُك (٣). فبعث الله إرميا إلى ذلك الملكِ من بني إسرائيل يسدِّدُه ويُرْشِدُه، ويأتيه بالخبر من الله فيما بينه وبين الله. قال: ثم عظُمت الأحداثُ في بني إسرائيلَ، وركبوا المعاصيَ، واستحلُّوا المحارم، ونَسُوا ما كان الله تعالى صنَع بهم، وما نجاهم من عدوِّهم سنحاريبَ وجنوده. فأوحَى الله إلى إرمياءَ أن ائتِ قومَك من بنى إسرائيل، واقصُصْ عليهم ما أمرُك به، وذكِّرْهم نعمتى عليهم، وعرِّفْهم أحداثَهم. فقال إرمياءُ: إني ضعيفٌ إن لم تُقوِّنى، عاجزٌ إن لم تُبلِّغْني، مخطئ إن لم تُسدِّدْني، مخذولٌ إن لم تَنصُرْني، ذليلٌ إن لم تُعِزَّنى. قال الله ﵎: أوَلم تعلَمْ أن الأمورَ كلَّها تصدُرُ عن مَشيئتى، وأن القلوب كلَّها والألسنةَ بيدى، أُقلِّبُها كيف شئتُ، فتُطيعُني، وإنى أنا الله الذي لا شيء مثلى، قامت السماوات والأرضُ وما فيهنَّ بكلمتى، وأنا كلَّمتُ البحار، ففهمت قولى، وأمَرتُها فعقلتُ أمرى، وحدَّدتُ عليها بالبطحاء فلا تعدَّى حدِّى، تأتى بأمواج [أمثال الجبال] (٤)، حتى إذا بلَغت حدِّى ألبستُها مذلَّةَ طاعتى خوفًا واعترافًا لأمرى، إنِّي معك، ولن يصل إليك شيءٌ معي، وإني بعثتُك إلى خَلْقٍ عظيمٍ مِن خَلقِى؛ لتُبلِّغَهم رسالاتي ولتستحقَّ بذلك مثل أجرِ مَن اتّبَعك منهم لا يَنْقُصُ ذلك من أجورهم شيئًا، وإن تُقصِّرْ عنها [تستحقَّ بذلك] (٥) مثل وزرِ مَن ترَكتَ (٦) في عماه لا ينقصُ ذلك من أوزارهم شيئًا، انطلِقْ إلى

стр. 9953

قومك فقل: إن الله ذكر بكم (١) صلاح آبائكم، فحمله ذلك على أن يَسْتَتيبَكم يا معشرَ الأبناء. وسَلْهم كيف وجد آباؤهم مغبَّةً طاعتى، وكيف وجَدوا هم مغبَّةَ معصيتى، وهل علموا أن أحدًا قبلَهم أطاعنى فشَقِى بطاعتى، أو عصاني فسعد بمعصيتى، فإن الدوابَّ مما تذكُرُ أوطانَها الصالحةَ، فتنتابُها، وإن هؤلاء القوم رتعوا في مروج الهَلكة؛ أما أحبارُهم ورهبانُهم فاتخَذوا عبادى حَوَلًا ليعبدوهم دونى وتحكَّموا فيهم بغير كتابي حتى أجهَلوهم أمرى، وأنسَوْهم ذكرى، وغرُّوهم منى؛ أما أمراؤهم وقادتُهم فبطروا نعمتى، وأمنوا مكرى، ونَبَذُوا كتابي، ونسُوا عهدى، وغيَّروا سنَّتى، فادّان لهم عبادى بالطاعة التي لا تنبغى إلا لى، فهم يُطيعونهم في معصيتى، ويُتابعونهم على البدع التي يبتدعون في ديني جرأةً عليَّ وغِرّةً، وفِرْيَةً عليَّ وعلى رسلي، فسبحان جلالي وعلوِّ مكاني، وعظمة (٢) شأني، فهل يَنبِغى لبشرٍ أن يُطاعَ في معصيتى، وهل ينبغى لى أن أخلُقَ عبادًا (٣) أَجعَلُهم أربابًا من دوني؟! وأما قراؤهم وفقهاؤهم فيتعبَّدون في المساجد، ويتزيَّنون بعمارتها لغيرى؛ لطلب الدنيا بالدين، ويتفقَّهون فيها لغير العلم، ويتعلَّمون فيها لغير العمل؛ وأما أولادُ الأنبياء، فمَكْثُورون (٤) مقهورون مُغيِّرون (٥)، يخوضون مع الخائضين، ويتمنَّون عليَّ مثلَ نُصرة آبائهم والكرامة التي أكرَمتُهم بها، ويزعُمون أن لا أحد أولي بذلك منهم منى، بغيرِ صدقٍ ولا تفكُّرٍ ولا تدبُّرٍ، ولا يذكرون كيف كان نصرُ (٦) آبائهم لى، وكيف كان جدُّهم في أمرى حينَ غيَّر المُغيِّرون، وكيف بذَلوا أنفسَهم ودماءَهم،

стр. 9954

فصبَروا وصدَقوا حتى عزَّ أمرى، وظهَر دينى، فتأنَّيتُ بهؤلاء القومِ لعلَّهم يستجيبون فأطْوَلتُ لهم، وصفَحتُ عنهم، لعلَّهم يَرجِعون، فأكثَرتُ ومدَدتُ لهم في العمرِ لعلّهم يتذكَّرون، فأعذرتُ في كلِّ ذلك، أُمطِرُ عليهم السماءَ، وأُنبِتُ لهم الأرضَ، وأُلبِسُهم العافيةَ، وأظهِرُهم على العدوِّ، فلا يزدادون إلا طغيانًا وبُعدًا منى، فحتى متى هذا؟! أبى يتمرَّسون؟ أم إيَّاىَ يُخادعون؟ وإنى أحلِفُ بعزَّتى لأُقيِّضنَّ لهم فتنةً يتحيّرُ فيها الحليمُ، ويَضِلُّ فيها رأىُ ذى الرأى، وحكمةُ الحكيمِ، ثم لأُسلِّطنَّ عليهم جبّارًا قاسيًا عاتيًا، أُلبِسُه الهيبةَ، وأنتزِعُ مِن صدرِه الرأفةَ والرحمةَ واللِّيانَ (١)، يتبَعُه عددٌ وسوادٌ مثلُ سوادِ الليلِ المظلمِ، له عساكرُ مثلُ قِطَعِ السحابِ، ومراكبُ أمثالُ العَجَاجِ، كأن حفيفَ (٢) راياتِه طيرانُ النسورِ، وإن حَمْلةَ فُرسانِه كريرُ (٣) العِقبانِ. ثم أوحَى اللَّهُ إلى إرميا: إنى مُهلكٌ بني إسرائيلَ بيافثَ - ويافثُ أهلُ بابلَ، وهم من ولدِ يافثِ بن نوحٍ - فلمّا سمع إرميا وحىَ ربَّه صاح وبكَى وشقَّ ثيابَه، ونبَذ الرمادَ على رأسِه فقال: ملعونٌ يومٌ وُلدتُ فيه، ويومُ لُقِّيتُ التوراةَ، ومن شرِّ أيامى يومٌ ولدتُ فيه، فما أُبقيتُ آخرَ الأنبياءِ إلا لما هو شرٌّ عليَّ، لو أراد بى خيرًا ما جعَلنى آخرَ الأنبياءِ من بنى إسرائيلَ، فمِن أجلى تُصيبُهم الشِّقوةُ والهلاكُ، فلما سمِع اللَّهُ تضرُّعَ الخَضِرِ وبكاءَه، وكيف يقولُ، ناداه: يا إرميا، أشَقَّ عليك ما أوحيتُ لك؟ قال: نعمْ، يا ربِّ أهلِكْنى قبلَ أن أرى في بنى إسرائيلَ ما لا أُسَرُّ به. فقال اللَّهُ: وعزَّتى العزيزةِ، لا أُهلِكُ بيتَ المقدسِ وبنى إسرائيلَ حتى يكونَ الأمرُ مِن قِبَلِكَ في ذلك. ففرِح عندَ ذلك إرميا لِمَا قال له ربُّه، وطابت نفسُه، وقال: لا، والذي بعَث

стр. 9955

موسى وأنبياءه بالحقِّ لا أمُرُ ربى بهلاكِ بني إسرائيلَ أبدًا. ثم أتى مَلِكَ بنى إسرائيلَ فأخبَره ما أوحى اللَّهُ إليه، فاستبشَر وفرِح، وقال: إن يعذِّبْنا ربُّنا فبذنوبٍ كثيرةٍ قدَّمناها لأنفسِنا، وإن عفا عنا فبقُدرتِه. ثم إنهم لبِثوا بعدَ هذا الوحى ثلاثَ سنيَن لم يزدادوا إلا معصيةً وتماديًا في الشرِّ، وذلك حيَن اقترَب هلاكُهم، فقلَّ الوحيُ حيَن لم يكونوا يتذكّرون الآخرةَ، وأمسَك عنهم حيَن أَلْهتهم الدنيا وشأنُها، فقال لهم ملكُهم: يا بنى إسرائيلَ، انتهُوا عما أنتم عليه قبلَ أن يَمَسَّكم بأسُ اللَّهِ، وقبلَ أن يُبْعَثَ عليكم قومٌ لا رحمةَ لهم بكم، وإن ربَّكم قريبُ التوبةِ، مبسوطُ اليدين بالخيرِ، رحيمٌ بمن تاب إليه. فأبَوا عليه أن يَنزِعوا عن شيءٍ مما هم عليه، وإن اللَّهَ ألقى في قلبِ بختنصَّرَ بن نَبُوزَرادانَ (١) بن سنحاريبَ بن دارْياسَ بن نُمرودَ بن فالَخِ بن عابَرِ بن نُمرودَ صاحبِ إبراهيمَ الذي حاجَّه في ربِّه، أن يسيرَ إلى بيتِ المقدسِ، ثم يفعلَ فيه ما كان جدُّه سنحاريبُ أراد أن يفعَلَ، فخرَج في ستِّمائةِ ألفِ رايةٍ يريدُ أهلَ بيتِ المقدسِ، فلمّا فصَل سائرًا أتى ملكَ بنى إسرائيلَ الخبرُ أن بختَنصّرَ قد أقبَل هو وجنودُه يُريدُكم، فأرسَل الملكُ إلى إرميا، فجاءه فقال: يا إرميا، أين ما زعَمتَ لنا أن ربَّك أوحَى إليك أن لا يُهلكَ أهلَ بيتِ المقدسِ، حتى يكونَ منك الأمرُ في ذلك؟! فقال إرميا للملك: إن ربى لا يُخلِفُ الميعادَ وأنا به واثِقٌ. فلما اقترَب الأجلُ ودنا انقطاعُ مُلكِهم وعزَم اللَّهُ على هلاكِهم، بعَث اللَّهُ مَلَكًا مِن عندِه، فقال له: اذهَبْ إلى إرميا فاستفتِه. وأمَره بالذي يَستفتِى فيه، فأقبَل المَلَكُ إلى إرمياءَ، وقد تمثَّل له رجلًا مِن بنى إسرائيلَ، فقال له إرميا: مَن أنت؟

стр. 9956

قال: أنا (١) رجلٌ مِن بنى إسرائيلَ أستفتيك في بعضِ أمرى. فأذِن له، فقال له المَلَكُ: يا نبيَّ اللَّهِ، أتيتُك أستفتيك في أهلِ رَحِمى، وصَلتُ أرحامَهم بما أمَرنى اللَّهُ به، لم آتِ إليهم إلا حسنًا، ولم آلُهم كرامةً، فلا تَزيدُهم كرامتى إيّاهم إلا إسخاطًا لى، فأفتِنِى فيهم يا نبيَّ اللَّهَ. فقال له: أحسِنُ فيما بينَك وبيَن اللَّهِ، وصِل ما أمَرك اللَّهُ أن تَصِلَ، وأبشِرْ بخيرٍ. وانصرَف عنه، فمكَث أيامًا، ثم أقبَل إليه في صورةِ ذلك الرجلِ (١) الذي كان (١) جاءه، فقعَد بيَن يديه، فقال له إرميا: مَن أنت؟ قال: أنا الرجلُ الذي أتيتُك أستفتيك في شأنِ أهلى. فقال له نبيُّ اللَّهِ: أَوَ ما طهُرت (٢) لك أخلاقُهم بعدُ، ولم ترَ منهم الذي تُحِبُّ؟ فقال: يا نبيَّ اللَّهِ، والذي بعثَك بالحقِّ ما أعلَمُ كرامةً يأتيها أحدٌ مِن الناسِ لأهلِ رحِمِه إلا قد أتيتُها إليهم وأفضلَ مِن ذلك. فقال النبيُّ: ارجِعْ إلى أهلِك فأحسِنْ إليهم. أسألُ (٣) اللَّهَ الذي يُصلِحُ عبادَه الصالحين أن يُصلحَ ذاتَ بينِكم، وأن يجمعَكم على مرضاتِه، ويُجنِّبَكم سُخْطَه. فقام المَلَكُ مِن عندِه، فلبِث أيامًا وقد نزَل بختُنصّرَ وجنودُه حولَ بيتِ المقدسِ، بأكثرَ من (٤) الجرادِ، ففزِع مِنهم بنو إسرائيلَ فزعًا شديدًا، وشقّ ذلك على مَلِكِ بنى إسرائيلَ، فدعا إرميا، فقال: يا نبيَّ اللَّهِ، أين ما وعَدك اللَّهُ؟ فقال: إنى بربى واثقٌ. ثم إن الملَكَ أقبَل إلى إرميا وهو قاعدٌ على جدارِ بيتِ المقدسِ يضحكُ ويستبشِرُ بنصرِ ربِّه الذي وعَده، فقعَد بيَن يديه، فقال له إرميا: مَن أنت؟ قال: أنا الذي كنتُ أتيتُك في شأنِ أهلى مرَّتين. فقال له النبيُّ: أوَ لم يأنِ

стр. 9957

لهم أن [يُفيقوا مِن الذي] (١) هم فيه (٢)؟ فقال له الملَكُ: يا نبيَّ اللَّهِ، كلُّ شيءٍ كان يصيبُنى مِنهم قبلَ اليومِ كنتُ أصبِرُ عليه، وأعلَمُ [أن ما بِهم] (٣) في ذلك سُخْطِى؛ فلما أتيتُهم اليومَ رأيتُهم في عملٍ لا يُرضِى اللَّهَ ولا يُحِبُّه اللَّهُ. فقال له نبيُّ اللَّهِ: على أيِّ عملٍ رأيتَهم؟ قال: يا نبيَّ اللَّهِ، رأيتُهم على عملٍ عظيمٍ من سُخطِ اللَّهِ، فلو كانوا على مثلِ ما كانوا عليه قبلَ اليومِ لم يشتدَّ عليهم غضبى، وصبَرتُ لهم ورجَوتُهم، ولكن غضِبتُ اليومَ للَّهِ ولك، فأتيتُك لأخبِرَكَ خبرَهم، وإنى أسألُك باللَّهِ الذي بعَثك بالحقِّ إلَّا ما دعوتَ عليهم ربَّك أن يُهلِكَهم. فقال إرميا: يا مَلِكَ السماواتِ والأرضِ، إن كانوا على حقٍّ وصوابٍ فأَبقِهم، وإن كانوا على سُخْطِك وعملٍ لا ترضاه فأَهلِكْهم. فلمّا (٤) خرَجت الكلمةُ من فِي إرميا (٥) أرسَل اللَّهُ صاعقةً مِن السماءِ في بيتِ المقدسِ، فالتهَب مكانُ القربانِ، وخُسِف بسبعةِ أبوابٍ مِن أبوابِها، فلما رأى ذلك إرميا صاح وشقَّ ثيابَه، ونبَذ الرمادَ على رأسِه، فقال: يا ملكَ السماء، ويا (٦) أرحم الراحمين، أين ميعادُك الذي وعَدتَنِى؟ فنودى: إرميا، إنهم لم يُصِبْهم الذي أصابهم إلا بفتياك التي أفتيتَ بها رسولَنا. فاستيقَن النبيُّ ﷺ أنها فُتياه التي أفتَى بها ثلاثَ مرَّاتٍ، وأنه رسولُ ربِّه، وطار إرميا حتى خالَط الوحشَ، ودخَل بختُنصرَ وجنودُه بيتَ المقدسِ، فوطِئ الشامَ، وقتَل بنى إسرائيلَ حتى أفناهم، وخرَّب بيتَ المقدسِ، ثم أمَر جنودَه أن يملأَ كلُّ رجلٍ منهم تُرسَه ترابًا

стр. 9958

ثم يقذِفَه في بيتِ المقدسِ، فقذَفوا فيه الترابَ حتى ملَئوه، ثم انصرَف راجعًا إلى أرضِ بابلَ، واحتمَل معه سبايا بنى إسرائيلَ، وأمَرهم أن يجمَعوا مَن كان في بيتِ المقدسِ كلَّهم، فاجتمَع عندَه كلُّ صغيرٍ وكبيرٍ من بني إسرائيلَ، فاختار منهم سبعيَن ألفَ صبيٍّ، فلما خرَجت غنائمُ جندِه، وأراد أن يَقسِمَهم (١) فيهم، قالت له الملوكُ الذين كانوا معه: أيُّها الملكُ، لك غنائمُنا كلُّها، واقسِمْ بينَنا هؤلاء الصبيانَ الذين اخترتَهم من بنى إسرائيلَ. ففعَل، وأصاب كلُّ رجلٍ منهم أربعةَ غِلْمَةٍ، وكان مِن أولئك الغلمانِ دانيالُ وحَنَانْيَا وعَزَارْيَا وميشائيلُ وسبعةُ آلافٍ من أهلِ بيتِ داودَ، وأحدَ عَشَرَ ألفًا مِن سبطِ يوسفَ بن يعقوبَ، وأخيه بنياميَن، وثمانيةُ آلافٍ من سبطِ أشرِ بن يعقوبَ، وأربعةَ عشرَ ألفًا من سبطِ زبالونَ بن يعقوبَ ونَفْثَالى بن يعقوبَ، وأربعةُ آلافٍ من سبطِ يهوذا بن يعقوبَ، وأربعةُ آلافٍ من سبطِ روبيلَ ولاوِى ابنى يعقوبَ، ومَن بقِى مِن بنى إسرائيلَ، وجعَلهم بختُنصرَ ثلاثَ فرقٍ؛ فثلثًا أقرَّ بالشامِ، وثلثًا سبَى، وثلثًا قتَل، وذهَب بآنيةِ بيتِ المقدسِ حتى أقدَمها بابلَ، وذهَب بالصبيانِ السبعين الألفِ حتى أقدَمهم بابلَ، فكانت هذه الوقعةَ الأولى التي أنزَل اللَّهُ ببنى إسرائيلَ بإحداثِهم وظُلْمِهم، فلما ولَّى بختُنصرَ عنهم راجعًا إلى بابلَ بمن معه مِن سبايا بني إسرائيلَ، أقبَل إرميا على حمارٍ له معه عصيرٌ. ثم ذكَر قصتَه حيَن أماته اللَّهُ مائةَ عامٍ، ثم بعَثه، ثم خبرَ رؤيا بختِنصرَ وأمرَ دانيالَ، وهلاكَ بُختِنصرَ، ورجوعَ مَن بقى مِن بنى إسرائيلَ في أيدى أصحابِ بختنصرَ بعدَ هلاكِه إلى الشامِ، وعمارةَ بيتِ المقدسِ، وأمرَ عُزيرٍ وكيف ردَّ اللَّهُ عليه التوراةَ (٢). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثم عمَدتْ بنو

стр. 9959

إسرائيلَ بعدَ ذلك يُحدِثون الأحداثَ، يعنى بعدَ مَهلِكِ عُزيرٍ، ويعودُ اللَّهُ عليهم، ويبعَثُ فيهم الرسلَ، ففريقًا يكذِّبون، وفريقًا يقتُلون، حتى كان آخرُ مَن بعَث اللَّهُ فيهم من أنبيائهم زكريا ويحيى بنَ زكريا وعيسى ابنَ مريم، وكانوا من بيتِ آلِ داودَ (١). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، عن عمرَ بن عبدِ اللَّهِ بن عروةَ، عن عبدِ اللَّهِ بن الزبيرِ أنه قال، وهو يحدِّثُ عن قتلِ يحيى بن زكريا، قال: [ما قُتل يحيى بنُ زكريا إلا [بامرأةٍ تبغِى مِن بغايا] (٢) بنى إسرائيلَ؛ كان فيهم مَلِكٌ، وكان] (٣) يحيى بنُ زكريا تحتَ يَدَىْ ذلك الملكِ، فهمَّت ابنةُ ذلك الملكِ بأبيها، فقالت: لو أنى تزوَّجتُ بأبى فاجتمَع لى سلطانُه دونَ النساءِ! فقالت له: يا أبتِ، تزوَّجْنى. فدعَته إلى نفسِها، فقال لها: يا بنيةُ، إن يحيى بنَ زكريا لا يُحِلُّ لنا هذا. فقالت: من لى بيحيى بن زكريا! ضيَّق عليَّ، وحال بينى وبيَن أن أتزوَّج بأبى، فأغلِبَ على مُلكِه ودنياه دونَ النساءِ. قال: فأمَرت اللعّابين ومَحَلَتْ (٤) بذلك لقتلِ (٥) يحيى بن زكريا، فقالت: ادخُلوا عليه فألعِبوه (٦)، حتى إذا فرَغتم فإنه سيُحَكِّمُكم، فقولوا: دمَ يحيى بن زكريا. فلا تقبَلوا غيرَه. وكان اسمُ الملكِ روادَ (٧)، واسمُ ابنتِه البغيَّ، وكان الملكُ فيهم إذا حدَّث فكذَب، أو وعَد فأخلَف، خُلع فاستُبدِل به غيرُه، فلما ألعَبوه وكثُر عجبُه منهم، قال: سلُونى أُعطِكم. قالوا: دمَ

стр. 9960

يحيى بن زكريا، أَعطِناه. قال: ويحَكم سلُونى غيرَ هذا، فقالوا: لا نسألُك غيرَه. فخاف على مُلكِه إن هو أخلَفهم أن يُستحَلَّ بذلك خَلْعُه، فبعَث إلى يحيى بن زكريا وهو جالسُ في محرابِهِ يُصلِّى، فذبَحوه في طَسْتٍ ثم حزُّوا رأسَه، فاحتمَله رجلٌ في يدَيه والدمُ يُحمَلُ في الطَّسْتِ معه، قال: فطلَع برأسِه يحمِلُه حتى وقَف به على الملكِ ورأسُه يقولُ في يَدَي الذي يحمِلُه: لا يَحِلُّ لك (١). فقال رجلٌ مِن بنى إسرائيلَ: أيُّها الملكُ، لو أنك وهَبتَ لى هذا الدمَ؟ فقال: وما تصنَعُ به؟ قال: أُطهِّرُ منه الأرضَ، فإنه قد كان ضيَّقها علينا. فقال: أعطُوه إياه. فأخَذه فجعَله في قُلّةٍ، ثم عمّد به إلى بيتٍ في المذبحِ، فوضَع القُلةَ فيه، ثم أغلَق عليه، ففار في القُلَّةِ حتى خرَج منها مِن تحتِ البابِ مِن البيتِ الذي هو فيه، فلما رأَى ذلك الرجلُ، فظِع (٢) به، فأخرَجه فجعَله في فلاةٍ من الأرضِ، فجعَل يفورُ، وعظُمت فيهم الأحداثُ، ومنهم مَن يقولُ: أَقرَّ مكانَه [في القربانِ] (٣) ولم يُحوَّلْ (٤). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: قال ابن إسحاقَ: فلما رفَع اللَّهُ عيسى من بين أظهرِهم وقتَلوا يحيى بنَ زكريا - وبعضُ الناسِ يقولُ: وقتَلوا زكريا - ابتعَث اللَّهُ عليهم مَلِكًا من ملوكِ بابلَ يقالُ له: خردوسُ. فسار إليهم بأهلِ بابلَ حتى دخَل عليهم الشامَ، فلما ظهَر عليهم أمَر رأسًا مِن رءوسِ جنودِه (٥) يُدعَى نَبُوزَرادانَ صاحبَ القتلِ. فقال له: إنى قد كنتُ حلَفتُ بإلهى لئن أنا ظهَرْتُ (٦) على أهلِ بيتِ

стр. 9961

المقدسِ لأقتُلنَّهم حتى تسيلَ دماؤهم في وسطِ عسكرى، إلّا أن لا أجدَ أحدًا أقتُلُه. فأمَر أن يقتُلَهم حتى يبلُغَ ذلك مِنهم نَبُوزُرادانَ، فدخَل بيتَ المقدسِ، فقام في البقعةِ التي كانوا يُقرِّبون فيها قربانَهم، فوجَد فيها دمًا يغلى، فسأَلهم فقال: يا بنى إسرائيلَ، ما شأنُ هذا الدمِ الذي يَغلِى، أخبِرونى خبرَه، ولا تكتُمونى شيئًا من أمره. فقالوا: هذا دمُ قربانٍ كان لنا كنّا قرَّبناه فلم يُتَقَبَّلْ منا، فلذلك (١) هو يَغلِى كما تراه، ولقد قرَّبنا منذُ ثمانِمائةِ سنةٍ القربانَ فتُقبِّلَ منا إلا هذا القربانُ. قال: ما صدَقتُمُونى الخبرَ. قالوا له: لو كان كأوَّلِ زمانِنا لقُبل مِنّا، ولكنه قد انقطَع منا المُلكُ والنُّبوَّةُ والوحيُ، فلذلك لم يُقبَلْ منا. فذبَح منهم نَبُوزُرادانَ على ذلك الدمِ سبعَمائةٍ وسبعين روحًا مِن رءوسِهم فلم يهدَأْ، فأمَر بسبعِمائةِ غلامٍ مِن غِلمانِهم فذُبحوا على الدمِ فلم يهدَأْ، فأمَر بسبعةِ آلافٍ مِن شِيَعهم وأزواجِهم، فذبَحهم على الدمِ فلم يَبرُدْ ولم يهدَأْ، فلما رأَى نبوزُرادان أن الدمَ لا يهدَأُ قال لهم: ويْلَكم يا بنى إسرائيلَ، اصدُقونى واصبِروا على أمرِ ربِّكم، فقد طال ما مُلِّكتم في الأرضِ، تفعَلون فيها ما شِئتم، قبلَ أن لا أتركَ مِنكم نافخَ نارٍ؛ أنثى ولا ذكرًا إلا قتَلتُه. فلما رأَوُا الجهدَ وشدَّةَ القتلِ صدَقوه الخبرَ، فقالوا له: إن هذا دمُ نبيٍّ مِنّا كان ينهانا عن أمورٍ كثيرةٍ مِن سُخْطِ اللَّهِ، فلو أطَعناه فيها لكان أرشدَ لنا، وكان يُخبِرُنا بأمرِكم، فلم نُصدِّقْه، فقتَلناه، فهذا دمُه. فقال لهم نَبُوزُرادانَ: ما كان اسمُه؟ قالوا: يحيى بنَ زكريا. فقال: الآنَ صدَقتمونى، بمثلِ هذا ينتقِمُ ربُّكم مِنكم. فلما رأى نَبُوزُرادانَ أنهم صدَقوه خرَّ ساجدًا وقال لمن حولَه: غلِّقوا أبوابَ المدينةِ، وأخرِجوا مَن كان ههنا من جيشِ خردوسَ. وخلا في بنى إسرائيلَ، ثم قال: يا يحيى بنَ زكريا، قد علم ربي وربُّك ما قد أصاب قومَك مِن أجْلِك، وما قُتل مِنهم مِن أجلِك، فاهدأْ بإذنِ اللَّهِ قبلَ أن لا أُبقىَ من قومِك أحدًا. فهدَأ دمُ يحيى بن زكريا بإذنِ اللَّهِ، ورفَع نَبُوزُرادانَ عنهم القتلَ، وقال: آمَنتُ بما آمَنَت به بنو إسرائيلَ، وصدَّقتُ وأيقَنتُ

стр. 9962

أنه لا ربَّ غيرُه، ولو كان معَه آخرُ لم يصلُحْ، ولو كان له شريكٌ لم تَستمسِكِ السماواتُ والأرضُ، ولو كان له ولدٌ لم يصلُحْ، فتبارَك وتقدَّس، وتسبَّح وتكبَّر وتعظَّم، ملكُ الملوكِ الذي [يَملِكُ السماواتِ السبعَ، بعلمٍ وحكمٍ وجبروتٍ وعزَّةٍ] (١)، الذي بسَط الأرضَ وألقَى فيها رواسىَ ألَّا (٢) تزولَ، فكذلك يَنبغِى لربى أن يكونَ ويكونَ مُلكُه. فأُوحِى (٣) إلى رأسٍ مِن رءوسِ بقيةِ الأنبياءِ أن نَبُوزَرادانَ حَبُورٌ صدوقٌ - والحبورُ بالعِبرانيةِ: حديثُ الإيمانِ - وإن نبوزَرادانَ قال لبني إسرائيلَ: إن عدوَّ اللَّهِ خردوسَ أمَرنى أن أقتلَ منكم حتى تسيلَ دماؤكم وسطَ عسكرِه، وإنى لستُ أستطيعُ أن أعصيَه. قالوا له: افعلْ ما أُمِرتَ به. فأمَرهم فحفَروا خندقًا وأمَر بأموالِهم من الخيلِ والبغالِ والحميرِ والبقرِ والغنمِ والإبلِ، فذبَحها حتى سال الدمُ في العسكرِ، وأمَر بالقتلى الذين كانوا قبلَ ذلك، فطُرِحوا على ما قُتِل مِن مواشيهم حتى كانوا فوقَهم، فلم يظُنَّ خردوسُ إلا أنَّ ما كان في الخندقِ مِن بنى إسرائيلَ، فلما بلَغ الدمُ عسكرَه، أرسَل إلى نبوزَرادانَ أن ارفَعْ عنهم، فقد بلَغتنى دماؤهم، وقد انتقَمتُ منهم بما فعَلوا. ثم انصرَف عنهم إلى أرضِ بابلَ، وقد أفنَى بنى إسرائيلَ أو كاد، وهى الوقعةُ الآخرةُ التي أنزَل اللَّهُ ببنى إسرائيلَ، يقولُ اللَّهُ عزَّ ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَاءِيلَ ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ إلى قولِه: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (٨)﴾ [الإسراء: ٤، ٨] و "عسى" من اللَّهِ حقٌّ، فكانت الوقعةُ الأولى بختنصّرَ وجنودَه، ثم ردَّ اللَّهُ لكم الكرَّةَ عليهم، وكانت الوقعةُ الآخرةُ خردوسَ وجنودَه، وهي كانت أعظمَ الوقعتين، فيها كان خرابُ بلادِهم، وقتلُ رجالِهم،

стр. 9963

وسبىُ ذَراريِّهم ونسائهم، يقولُ اللَّهُ ﵎: ﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾. ثم عاد اللَّهُ عليهم، فأكثَر عددَهم، ونشَرهم في بلادِهم، ثم بَدَّلوا وأحدَثوا الأحداثَ، واستبدَلوا بكتابِهم غيرَه، وركِبوا المعاصىَ، واستحَلُّوا المحارمَ، وضيَّعوا الحدودَ (١). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن أبي عَتَّابٍ - رجلٌ مِن تَغلِبَ كان نصرانيًّا عُمرًا مِن دهرِه، ثم أسلَم بعدُ، فقرَأ القرآنَ، وفَقِه في الدينِ، وكان، فيما ذكِر له (٢)، نصرانيًا أربعين سنةً، ثم عُمِّر في الإسلامِ أربعين سنةً - قال: كان آخرُ أنبياءِ بنى إسرائيلَ نبيًّا بعَثه اللَّهُ إليهم، فقال لهم: يا بنى إسرائيلَ، إن اللَّهَ يقولُ لكم: إنى قد سبَبتُ (٣) أصواتَكم، وأبغَضتُكم بكثرةِ أحداثِكم. فهَمُّوا به (٤)، فقال اللَّهُ ﵎ له: ائتِهم واضرِبْ لى ولهم مثلًا، فقل لهم: إن اللَّهَ ﵎ يقولُ لكم: اقضُوا بينى وبيَن كَرْمِى، ألم أخترْ له البلادَ، وطيَّبتُ له المَدَرَةَ، وحظَرتُه بالسياجِ، وعرَّشتُه السويقَ والشوكَ والسياجَ والعَوْسَجَ (٥)، وأحطتُه برِدائي، ومنَعْتُه مِن العالمِ وفضَّلتُه؟ فلقِينى بالشوكِ والجذوعِ، وكلِّ شجرةٍ لا تُؤكَلُ، ما لهذا اخترتُ البلدةَ، ولا طيَّبتُ المَدَرَةَ، ولا حظَرتُه بالسِّياجِ، ولا عرَّشتُه السويقَ، ولا حُطْتُه برِدائى، ولا منَعتُه مِن العالمِ، فضَّلتُكم وأتمَمتُ عليكم نعمتى، ثم استقبَلتمونى بكلٍّ

стр. 9964

ما أكرَهُ من معصيتى وخلافِ أمرى، لِمَهْ؟! إن الحمارَ ليعرِفُ مِزودَه، لَمِهُ؟! إن البقرةَ لتعرِفُ سيدَها (١). حلَفتُ بعزَّتى العزيزةِ، وبذراعِيَ الشديدِ، لآخُذَنَّ ردائى، ولأمرُجَنَّ (٢) الحائطَ، ولأجعَلنّكم تحتَ أرجلِ العالمِ. قال: فوثَبوا على نبيِّهم فقتَلوه، فضرَب اللَّهُ عليهم الذلَّ، ونزَع منهم المُلكَ، فليسوا في أمةٍ مِن الأممِ إلا وعليهم ذلٌّ وصغارٌ وجِزيةٌ يُؤدُّونها، والملكُ في غيرِهم من الناسِ، فلن يزالوا كذلك أبدًا، ما كانوا على ما هم عليه. قال (٣): قال: فهذا ما انتهَى إلينا (٤) من جماعِ أحاديثِ بني إسرائيلَ. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾. قال (٣): كانت الآخرةُ أشدَّ مِن الأولى بكثيرٍ، فإن الأولى كانت هزيمةً فقط، والآخرةَ كان التدميرُ، وأحرَق بختُنصرَ التوراةَ حتى لم يترُك فيها حرفًا (٥)، وخرَّب المسجدَ (٦). حدَّثنا أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن المنهال، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: بعَث عيسى ابن مريم يحيى بنَ زكريا في اثنى عشَرَ مِن الحواريِّين يعلِّمون الناسَ. قال: فكان فيما نهاهم عنه، نكاحُ ابنةِ الأخِ. قال: وكانت لملكِهم ابنةُ أخٍ تُعجِبُه يريدُ أن يتزوَّجَها، وكانت لها كلَّ يومٍ حاجةٌ يَقضيها،

стр. 9965

فلما بلَغ ذلك أمَّها، قالت لها: إذا دخَلتِ على الملكِ فسأَلكِ حاجتَك، فقوله: حاجتى أن تذبحَ لى يحيى بنَ زكريا. فلما دخَلت عليه سأَلها حاجتَها، فقالت: حاجتي أن تذبحَ يحيى بنَ زكريا. فقال: سلى غيرَ هذا. فقالت: ما أسألُكَ إلا هذا. قال: فلما أبَت عليه دعا يحيى ودعا بطَستٍ فذبَحه، فبدَرت قطرةٌ من دمِه على الأرضِ، فلم تزَلْ تَغلِى حتى بعَث اللَّهُ بختنصرَ عليهم، فجاءته عجوزٌ مِن بنى إسرائيلَ، فدلَّته على ذلك الدمِ. قال: فألقى اللَّهُ في نفسِه أن يقتلَ على ذلك الدمِ منهم حتى يَسكُنَ، فقتل سبعين ألفًا مِنهم مِن سنٍّ واحدٍ، فسكَن (١). وقولُه: ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾. يقولُ: ولِيَدخُلَ عدوُّكم الذي أبعَثُه عليكم مسجدَ بيتِ المقدسِ قهرًا منهم لكم وغلبةً، كما دخَلوه أوَّلَ مرَّةٍ حينَ أفسَدتم الفسادَ الأوَّلَ في الأرضِ. وأما قولُه: ﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾. فإنه يقولُ: وليُدمِّروا ما غلَبوا عليه من بلادِكم تدميرًا. يقالُ منه: دمَّرتُ البلدَ: إذا خرَّبتَه وأَهَلَكتَه (٢). وتبِر تَبْرًا وتَبَارًا، وتَبَّرتُه أتبِّرُه تتبيرًا. ومنه قولُ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾ [نوح: ٢٨]. يعني: هلاكًا. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 9966

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباس: ﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾. قال: تدميرًا (١). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾. قال: يُدَمِّروا ما علوا تدميرًا (٢). القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لعلّ ربَّكم يا بني إسرائيلَ أن يرحَمَكم بعدَ انتقامه منكم بالقومِ الذين يبعَثُهم اللَّهُ عليكم، ليسوءَ مبعثُه عليكم وجوهَكم، وليدخُلوا المسجدَ كما دخَلوه أوّلَ مرّةٍ، فيستنقِذَكم من أيديهم، وينتشِلَكم من الذلِّ الذي يُحِلُّه بكم، ويرفَعَكم من الخمولةِ التي تصيرون إليها، فيُعِزَّكم بعدَ ذلك. و "عسى" من اللَّهِ واجبٌ، وفعَل اللَّهُ ذلك بهم، فكثَّر عددَهم بعدَ ذلك، ورفَع خسَاستَهم، وجعل منهم الملوكَ والأنبياءَ، فقال جلّ ثناؤُه لهم: وإن عُدْتم يا معشرَ بني إسرائيلَ لمعصيتى وخلافِ أمرى، وقتلِ رسلى، عُدْنا عليكم بالقتلِ والسِّباءِ، وإحلالِ الذلِّ والصَّغارِ بكم. فعادوا، فعاد اللَّهُ عليهم بعقابِه وإحلالِ سُخطِه بهم. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك، قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابن عطيةَ، عن عُمَر بن ثابتٍ، عن أبيه، عن سعيدِ

стр. 9967

ابن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾. قال: عادوا فعاد، ثم عادوا فعاد (١)،. قال: فسلَّط اللَّهُ عليهم ثلاثةَ ملوكٍ من ملوكِ فارسَ؛ سندَبادانَ، وشهرَبادانَ، وآخرَ. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: قال اللَّهُ ﵎ بعدَ الأولى والآخرةِ: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾. قال: فعادوا فسلَّط اللَّهُ عليهم المؤمنين (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾، فعاد اللَّهُ عليهم بعائدتِه (٣) ورحمتِه، ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾. قال: عاد القومُ بشرِّ ما يحضُرُهم، فبعَث اللَّهُ عليهم ما شاء أن يبعَثَ من نقمتِه وعقوبتِه، ثم كان ختامَ ذلك أن بعَث اللَّهُ عليهم هذا الحيَّ مِن العربِ، فهم في عذابٍ منهم إلى يومِ القيامةِ؛ قال اللَّهُ في آيةٍ أخرى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: ١٦٧]. الآية، فبعَث اللَّهُ عليهم هذا الحيَّ مِن العربِ (٤). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ قال: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾، فعادوا، فبعَث اللَّهُ عليهم محمدًا ﷺ ، فهم يُعطُون الجزيةَ عن يدٍ وهم صاغرون (٥).

стр. 9968

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾. قال: بعدَ هذا. ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ﴾ لما صنَعتم، لمثلِ هذا لقتلِ (١) الأنبياءِ ﴿عُدْنَا﴾ لكم (٢) بمثلِ هذا. وقولُه: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: وجعَلنا جهنمَ للكافرين سِجنًا يُسجَنون فيها. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ مَسْعدةَ، قال: ثنا جعفرُ بنُ سليمانَ، عن أبي عمرانَ: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾. قال: سِجنًا (٣). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾. يقولُ: جعَل اللَّهُ مأواهم فيها (٤). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾. قال: مَحْبِسًا حَصُورًا (٥). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ

стр. 9969

لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾. يقولُ: سِجنًا (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ (٢)، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿حَصِيرًا﴾. قال: يُحصَرون فيها (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسيُن، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾. قال: يُحصَرون فيها. حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾: سِجنًا يُسجَنون فيها؛ حُصِروا فيها (١). حدَّثنا عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾. يقولُ: سِجنًا (٤). وقال آخرون: معناه: وجعَلنا جهنَّمَ للكافرين فراشًا ومِهادًا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال: قال الحسنُ: الحصيرُ: فِراشٌ ومهادٌ (٥).

стр. 9970

وذهَب الحسنُ بقولِه هذا إلى أن الحصيرَ في هذا الموضعِ عُنِى به الحصيرُ الذي يُبْسَطُ ويُفتَرَشُ؛ وذلك أن العربَ تسمى البساطَ الصغيرَ حصيرًا، فوجَّه الحسنُ معنى الكلامِ إلى أن اللَّهَ تعالى جعَل جهنمَ للكافرين به بساطًا ومِهادًا، كما قال: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: ٤١]. وفوجَّه الحسنُ وتأويلٌ صحيحٌ، وأما الآخرون، فوجَّهوه إلى أنه فَعِيلٌ مِن الحَصْرِ الذي هو الحبسُ. وقد بيَّنتُ ذلك بشواهدِه في سورةِ البقرةِ (١)، وقد تسمِّى العربُ الَمِلكَ حصيرًا بمعنى أنه محصورٌ، أي: محجوبٌ عن الناسِ. كما قال لبيدٌ (٢): وَمَقامَةٍ (٣) غُلْبِ (٤) الرِّقابِ كَأَنَّهُمْ … جِنٌّ لَدَى بابِ الحَصِيرِ قِيامُ يعنى بالحصيرِ: المَلِكَ. ويقالُ للبخيلِ: حصورٌ وحَصِرٌ؛ لمنعِه ما لديه مِن المالِ عن أهلِ الحاجةِ، وحبسِه إياه عن النفقةِ، كما قال الأخطلُ (٥): وَشَارِبٍ مُربحٍ بالكأْسِ نَادَمَنِى … لا بالحَصُورِ وَلا فيها بِسَوَّارِ ويُروى: بسّآرِ. ومنه الحَصِرُ في المنطقِ؛ لامتناعِ ذلك عليه، واحتباسِه إذا أراده، ومنه أيضًا الحَصورُ عن النساءِ؛ لتعذُّرِ ذلك عليه، وامتناعِه من الجماعِ. وكذلك الحَصَرُ في الغائطِ: احتباسُه عن الخروجِ. وأصلُ ذلك كلِّه واحدٌ وإن اختلَفت ألفاظُه. فأما الحَصِيران: فالجَنْبان، كما قال الطَّرِمَّاحُ (٦):

стр. 9971

قَلِيلًا تُتَلِّى حاجَةً ثُمَّ عُولِيَتْ … عَلى كُلِّ مَعْرُوشِ (١) الْحَصِيرَيْنِ بِادِنِ يعنى بالحَصِيرَين: الجَنْبَين. والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أن يقالَ: معنى ذلك: وجعَلنا جَهَنَّمَ للكافرين فراشًا ومهادًا لا يُزايِلُه. من الحصيرِ الذي هو بمعنى البساطِ؛ لأن ذلك إذا كان كذلك كان جامِعًا معنى الحبسِ والامتهادِ، مع أن الحصيرَ بمعنى البساطِ في كلامِ العربِ أشهرُ منه بمعنى الحبسِ، وأنها إذا أرادت أن تصف شيئًا بمعنى حبسِ شيءٍ، فإنما تقولُ: هو له حاصرٌ أو مُحْصِرٌ. فأما الحصيرُ فغيرُ موجودٍ في كلامِهم، إلا إذا وصَفَته بأنه مفعولٌ به، فيكونُ في لفظِ فعيلٍ ومعناه مفعولٌ به، ألا ترَى بيتَ لبيدٍ: "لدى بابِ الحصيرِ". فقال: لدى بابِ الحصيرِ. لأنه أراد: لدى بابِ المحصورِ، فصرَف مفعولًا إلى فعيلٍ، فأما فعيلٌ في الحصرِ بمعنى وصفِه بأنه الحاصرُ، فذلك ما لا نجِدُه في كلامِ العربِ؛ فلذلك قلتُ: قولُ الحسنِ أولى بالصوابِ في ذلك. وقد زعَم بعضُ أهلِ العربيةِ من أهلِ البصرةِ أن ذلك جائزٌ، ولا أعلمُ لما قال وجهًا يصِحُّ إلا بعيدًا، وهو أن يُقالَ: جاء حصيرٌ. بمعنى: حاصرٌ، كما قيل: عليمٌ. بمعنى: عالمٌ، و: شهيدٌ. بمعنى: شاهدٌ. ولم يُسمَعْ ذلك مستعملًا في الحاصرِ كما سمِعنا في عالمٍ وشاهدٍ. القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩) وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن هذا القرآنَ الذي أنزَلناه على نبيِّنا محمدٍ ﷺ يرشِدُ ويسدِّدُ من اهتدَى به ﴿لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾. يقولُ: للسبيلِ التي هي أقومُ مِن غيرِها

стр. 9972

مِن السُّبلِ، وذلك دينُ اللَّهِ الذي بعَث بهِ أنبياءَه وهو الإسلامُ، يقولُ جلَّ ثناؤُه: فهذا القرآنُ يهدِى عبادَ اللَّهِ المهتدِين بهِ إلى قصدِ السبيلِ التي ضلَّ عنها سائرُ أهلِ الملِلِ المكذِّبيَن به. كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾. قال: للتى هي أصوبُ: هو الصوابُ وهو الحقُّ. قال: والمخالفُ هو الباطلُ. وقرَأ قولَ اللَّهِ تعالى: ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة: ٣]. قال: فيها الحقُّ ليس فيها عِوَجٌ. وقرَأ: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا﴾ [الكهف: ١، ٢]. قالَ: قيِّمًا: مستقيمًا (١). وقولُه: ﴿وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: ويُبشِّرُ أيضًا مع هدايتِه مَن اهتدَى بهِ للسبيلِ الأقصدِ، الذين يؤمنون باللَّهِ ورسولِه، ويعمَلون في دنياهم بما أمَرهم اللَّهُ بهِ، وينتهون عمَّا نهاهُم عنه، بأنَّ ﴿لَهُمْ أَجْرًا﴾ مِنِ اللَّهِ على إيمانِهم وعملِهِمِ (٢) الصالحاتِ، ﴿كَبِيرًا﴾. يعنى: ثوابًا عظيمًا، وجزاءً جزيلًا، وذلك هو الجنةُ التي أعدَّها اللَّهُ لمن رضِى عملَه. كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ: ﴿أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾. قال: الجنةُ، وكلُّ شيءٍ في القرآنِ: "أجرٌ كبيرٌ"، "أجرٌ كريمٌ"، و"رزقٌ كريمٌ" فهو الجنةُ (٣). و "أنَّ" في قولِه: ﴿أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ نصبٌ بوقوعِ البشارةِ عليها، و "أنَّ" الثانيةَ معطوفةٌ عليها.

стр. 9973

وقولُه: ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: وأنَّ الذين لا يُصدِّقون بالمعادِ إلى اللَّهِ، ولا يُقرُّون بالثوابِ والعقابِ في الدنيا - فهم لذلك لا يتحاشُون من ركوبِ معاصى اللَّهِ - ﴿أَعْتَدْنَا لَهُمْ﴾. يقولُ: أعدَدْنا لهم، لقدومِهم (١) على ربِّهم يومَ القيامةِ: ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾. يعنى: موجِعًا. وذلك عذابُ جهنمَ. القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (١١)﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه مذكِّرًا عبادَه أياديَهُ عندَهم: ويدعو الإنسانُ على نفسِه أو (٢) ولدِه ومالِه بالشرِّ، فيقولُ: اللهمَّ أهلِكْه والْعنْهُ. عندَ ضجَرِه و (٣) غضبِه، كدعائِه بالخيرِ. يقولُ: كدعائِه ربَّه بأن يهَبَ له العافيةَ، ويرزُقَه السلامةَ في نفسِه ومالِه وولِده. يقولُ: فلو استُجيبَ له في دعائِه على نفسِه ومالِه وولدِه بالشرِّ كما يُستجابُ له في الخيرِ هلَك، ولكنَّ اللَّهَ بفضِله لا يستجيبُ له في ذلك. وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمِّى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾. يعنى قولَ الإنسانِ: اللهمَّ الْعنْهُ واغضَبْ عليه. فلو يُعَجَّلُ له ذلك كما يُعجَّلُ له الخيرُ،

стр. 9974

لهلَك. قال: ويُقالُ: هو ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾ [يونس: ١٢] أن يُكشَفَ ما به من ضُرٍّ. يقولُ اللَّهُ ﵎: لو أنَّه ذكَرنى وأطاعنى، واتَّبَع أمرِى عندَ الخيرِ، كما يدعُونى عندَ البلاءِ، كان خيرًا له (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾: يدعو على مالِه، فيلعَنُ مالَه وولدَه، ولو استجابَ اللَّهُ له (٢) لأهلَكَه. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾. قال: يدعو على نفسِه بما لو استُجِيب له هَلَك، وعلى خادمِه، أو على مالِه (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسيُن، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾. قال: ذلك دعاءُ الإنسانِ بالشَّرَّ على ولدِه وعلى امرأتِه، يَعجَلُ (٤) فيدعو عليه، ولا يُحبُّ أن يُصيبَه (٥). واختُلِف في تأويلِ قولِه: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾؛ فقال مجاهدٌ ومن ذكَرْتُ

стр. 9975

قولَه: معناهُ: وكان الإنسانُ عَجِلًا (١) بالدعاء على ما يَكْرهُ أن يُستجابَ له فيهِ. وقال آخرون: عنَى بذلك آدمَ؛ أنَّه عجِل حينَ نُفِخ فيه الروحُ قبلَ أن تجرىَ في جميعِ جسدِه، فرَام النهوضَ، فوصَف ولدَه بالاستعجالِ؛ لِما كان من استعجالِ أبيهم آدمَ القيامَ، قبلَ أن يَتمَّ خلقُه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، عن إبراهيمَ، أنَّ سلمانَ الفارسيَّ، قال: أَوَّلُ ما خَلَقَ اللَّهُ من آدمَ رأسُه، فجعَل ينظُرُ وهو يُخلَقُ. قال: وبقِيتْ رجلاه، فلمَّا كان بعدَ العصرِ قال: ياربِّ عَجِّلْ قبلَ الليلِ. فذلك قولُه: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ (٢). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ عمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابن عباسٍ، قال: لما نفَخ اللَّهُ في آدمَ من روحِه أتتْ النفخةُ من قِبلِ رأسِه، فجعَل لا يجرِى شيءٌ منها في جسدَه، إلا صارَ لحمًا ودمًا، فلما انتهَتْ النفخةُ إِلى سُرَّتِه، نظَر إلى جسدِه، فأعجَبه ما رأى من جسدِه فذهَب لينهَضَ فلم يقدِرُ، فهو قولُ اللَّهِ ﵎: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾. قال: ضَجِرًا لا صبر له على سرَّاءَ، ولا ضرَّاءَ (٣). القول في تأويلِ قولِه : ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ

стр. 9976

وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (١٢)﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: ومِن نعمِه (١) عليكم أيُّها الناسُ، مخالفتُه بيَن علامةِ الليلِ وعلامةِ النهارِ، بإظلامِه علامةَ الليلِ (٢)، وإضاءتِه علامةَ النهارِ؛ لتسكُنوا في هذا، وتتصرَّفوا في ابتغاءِ رزقِ اللَّهِ الذي قدَّره لكم بفضلِه في هذا، ولتعلموا باختلافِهما عددَ السنيَن وانقضاءَها، وابتداءَ دخولِها، وحسابَ ساعاتِ النهارِ والليلِ وأوقاتَها. ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾. يقولُ: وكلَّ شيءٍ بيَّناه بيانًا شافيًا لكم أيُّها الناسُ؛ لتشكروا اللَّهَ على ما أنعَم به عليكم من نعمِه، وتُخلِصوا له العبادةَ دونَ الآلهةِ والأوثانِ. وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عبدِ العزيزِ بن رُفيعٍ، عن أبي الطُفيلِ قال: قال ابن الكَوَّاءِ لعليٍّ: يا أميرَ المؤمنين، ما هذه اللَّطْخةُ التي في القمرِ؟ فقال: ويْحَك! أما تقرأُ القرآن؟ ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾، فهذه محوُه (٣). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا طلْقٌ، عن زائدةَ، عن عاصمٍ، عن عليّ بن ربيعةَ، قال: سأل ابن الكوّاءِ عليًّا فقال: ما هذا السوادُ في القمرِ؟ فقال عليٌّ: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ هو المحوُ (٤). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ،

стр. 9977

عن عبيدِ بن عُميرٍ (١)، قال: كنتُ عندَ عليٍّ، فسأله ابن الكَوّاءِ عن السوادِ الذي في القمرِ، فقال: ذاك آيةُ الليلِ مُحِيتْ (٢). حدَّثنا ابن أبى الشواربِ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا عمرانُ بنُ حُديرٍ، عن رُفيعٍ أبى كثيرةَ (٣)، قال: قال عليٌّ بنُ أبى طالبٍ، رضوانُ اللَّهِ عليه: سَلُوا عما شِئتم. فقام ابن الكوّاءِ فقال: ما السوادُ الذي في القمرِ؟ فقال: قاتلكَ اللَّهُ، هلا سألتَ عن أمرِ دينِك وآخرتِك؟ قال: ذلك مَحْوُ الليلِ (٤). حدَّثني زكريَّا بنُ يحيى بنُ أبانٍ المصريُّ، قال: ثنا ابن عُفَيرٍ، قال: ثنا ابن لَهيعةَ، عن حُيَيِّ بن عبدِ اللَّهِ، عن أبي عبدِ الرحمنِ الحُبليِّ (٥)، عن عبدِ اللَّهِ بن عمروِ بن العاصِ، أن رجلًا قال لعليٍّ: ما السوادُ الذي في القمرِ؟ قال: إِنَّ اللَّهَ يقولُ: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ (٦). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمِّى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾. قال: هو السوادُ بالليلِ (٧). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسيُن، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال

стр. 9978

ابن عباسٍ: كان القمرُ يضئُ كما تُضئُ الشمسُ، والقمرُ آيةُ الليلِ، والشمسُ آيةُ النهارِ، ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾: السوادُ الذي في القمرِ (١). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن أبى زائدةَ، قال: ذكَر ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾. قال: الشمسُ آيةُ النهارِ، والقمرُ آيةُ الليلِ، ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾. قال: السوادُ الذي في القمرِ، وكذلك خلَقه اللَّهُ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسيُن، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾. قال: ليلًا ونهارًا، كذلك خلَقَهما اللَّهُ. قال ابن جريجٍ: وأخبَرنا عبدُ اللَّهِ بنُ كثيرٍ، قال: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾. قال: ظلمةُ الليلِ وسَدْفَةُ (٣) النهارِ (٤). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾. أي منيرةً، وخلَق الشمسَ أنورَ من القمرِ وأعظمَ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، [قال: ثنا عيسى] (٥)، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:

стр. 9979

﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾. قال: ليلًا ونهارًا، كذلك جعَلهما اللَّهُ (١). واختلَف أهلُ العربيةِ في معنى قولِه: ﴿وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾. فقال: بعضُ نحْويِّى الكوفةِ معناها: مضيئةً، وكذلك قولُه: لو ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [يونس: ٦٧]. معناه: مضيئًا. كأنه ذهَبَ إلى أنَّه قيل: مُبصِرًا. لإضاءتِه للناسِ البصرَ. وقال آخرون: بل هو مِن: ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾. إذا صارَ الناسُ يُبصِرونَ فيه، فهو مبصرٌ، كقولِهم: رجلٌ مُجبِنٌ. إذا كان أهلُه وأصحابُه جبناءَ، و: رجلٌ مضعِفٌ. إذا كانت رُواتُه ضعفاءَ، فكذلك ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ إذا كان أهلُه بصراءَ. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾. قال: جعَل لكم سبحًا طويلًا. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾: أي بيَّناه تبيينًا. القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣)﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: وكلَّ إنسانٍ ألزمناه ما قُضِى له أنَّه عامِلُه وما (٢) هو صائرٌ إليه، من شقاءٍ أو سعادةٍ بعملِه في عُنقِه لا يفارقُه. وإنما قولُه: في ﴿أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ﴾. مَثَلٌ لما كانتِ العربُ تتفاءلُ به أو تتشاءمُ من سوانحِ الطيرِ (٣) وبوارِحِها (٤)، فأعلَمهم

стр. 9980

جلَّ ثناؤه أن كلَّ إنسانٍ منهم قد ألزمَه ربُّه طائرَه في عُنُقِه، نحسًا كان ذلك الذي ألزَمه من الطائرِ، وشقاءً يُورِدُه سعيرًا، أو كان سعْدًا يُورِدُه جناتِ عَدْنٍ. وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذِكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا معاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثنى أبى، عن قتادةَ، عن جابرِ بن عبدِ اللَّهِ أن نبيَّ اللَّهِ ﷺ قال: "لا عَدوَى ولا طيرةَ، ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ " (١). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾. قال: الطائرُ: عملُه. قال: والطائرُ في أشياءَ كثيرةٍ، فمنه التشاؤمُ الذي يَتشاءمُ به الناسُ بعضُهم من بعضٍ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسيُن، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: أخبرني عطاءٌ الخراسانيُّ عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾. قال: عملُه وما قُدِّر عليه، فهو ملازِمُه أينَما كان، [وزائلٌ] (٣) معَه أينما زالَ، قال ابن جريجٍ: وقال: طائرُه: عملُه. قال ابن جريجٍ: وأخبرنى عبدُ اللَّهِ بنُ
следующие страницы →