← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 7802

دفع إيهام تعارض أحاديث الأحكام في كتاب الطهارة

رقية المحارب

Полный текст (219 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

٤- ذهب قوم إلى ترجيح عدم النوم مطلقاً، ولم يعتبروا الحديث المعارض، واحتجوا بعموم حديث صفوان بن عسال ﵁، وبالقياس على الإغماء (١) ، وبأن الآية في الأمر بالوضوء وهي قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين....الآية) (٢) نزلت في القيام من النوم، والآية والخبر إذا كان الذي أثارهما سبباً فلا بد من دخول السبب فيهما (٣) .وممن ذهب إلى ذلك إسحاق وأبو عبيد والمزني قال ابن المنذر وبه أقول. (٤) ٥- وذهب قوم إلى ترجيح عدم النقض بالنوم مطلقاً، ولم يعتبروا حديث صفوان وسواء كان النائم مضطجعاً أم لا، واحتجوا بالآية (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ... الآية) فذكر سبحانه نواقض الوضوء ولم يذكر النوم، وبحديث أبي هريرة ﵁ (لا وضوء إلا من صوت أو ريح) (٥) ، قالوا: لأنا أجمعنا نحن وأنتم على أن النوم ليس حدثاً في عينه، وأنتم أوجبتم الوضوء لاحتمال خروج الريح والأصل عدمه، فلا يجب الوضوء بالشك. وإلى هذا ذهب أبو موسى الأشعري، وسعيد بن المسيب، وأبو مجلز، وحميد الأعرج، والشيعة. (٦) قلت:

стр. 107

وما ذهب إليه الجمهور من أن النوم ليس بحدث على الإطلاق، ولا ينكر كون النوم حدثا على الإطلاق هو الذي تدل على صحته الأحاديث، فإن من قال بأن النوم حدثاً مطلقاً لم يجب عن حديث أنس بن مالك ﵁ وكذا حديث ابن عباس ﵁ وهما حديثان صحيحان صريحان في عدم نقض النوم للوضوء فإذا قيد النوم بنوم غير الممكن أمكن الجمع بين الأحاديث، وجعل النوم حدثاً لغير الممكن، وأما من تمكن من جلسته ولم يضطجع فإنه لا يخرج من الحدث، ومن نام نوماً يسيراً فإنه يبعد أن لا يشعر بخروج الحدث، كما أن الجمهور خصوا رسول الله ﷺ بعدم نقض نومه لوضوئه، جمعاً بين الأحاديث، فمن لم يخص الرسول ﷺ بذلك فلا جواب له عن حديث ابن عباس، وهو حديث صحيح متفق عليه. وأما من قال بأن النوم ليس بحدث مطلقاً فلا جواب له عن حديث صفوان ﵁، وما احتجوا به من عدم ذكر النوم في الآية وفي حديث أبي هريرة فهو ليس بحجة، وذلك أنه ليس من الضرورة أن تذكر جميع النواقض في الآية، وكذا جميع النواقض في الحديث. فالآية لم يذكر فيها الريح، ومع ذلك عد الريح حدثاً، ولم يحتج أحد بعدم وروده في الآية على أنه ليس بحدث، ثم هذا الحديث ورد على سبب وحادثة. ورد في رواية أخرى عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " إذا كان أحدكم في المسجد فوجد ريحاً بين أليتيه فلا يخرج حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً" (١) . فكما أن الريح لم تذكر في الآية وذكرت في هذا الحديث وعدت حدثاً؛ فكذا النوم لم يذكر في الآية وذكر في حديث صفوان فيعد حدثاً. ثم إنه لا يصار إلى الترجيح مع إمكان الجمع وقد أمكن بما تقدم. والله أعلم. المبحث الرابع: التسمية قبل الوضوء . وفي باب الوضوء يختلف الفقهاء في التسمية قبل الوضوء هل هي واجبة أم لا؟ وهل يصح الوضوء بدونها أم لا؟

стр. 108

وأصل هذا الاختلاف بعض الأحاديث المتعارضة في ظاهرها، فلذلك ذهب قوم إلى ما يفيد عندهم عدم الوجوب، وذهب آخرون إلى ما يفيد الوجوب. وقد استدل الأولون بحديث المهاجر بن قنفذ أنه أتى النبي – ﷺ وهو يبول فسلم عليه فلم يرد عليه حتى توضأ ثم اعتذر إليه فقال: "إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر". واستدلوا بحديث رفاعة بن رافع وفيه "أن لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله ". واستدل الآخرون بحديث أبي هريرة " لا صلاة لمن لا وضوء له ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله تعالى عليه". ذكر الأحاديث التي استدل بها على عدم وجوب التسمية: الحديث الأول: عن المهاجر بن قنفذ أَنَّهُ أَتَى النَّبيَّّ ﷺ وَهُوَ يَبُولُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ حَتَّى تَوَضَّأَ ثُمَّ اعْتَذَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ: "إِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ إِلاَّ عَلَى طُهْرٍ، أَوْ قَالَ: عَلَى طَهَارَةٍ". (١) . الحديث الثاني:

стр. 109

عن رفاعة بن رافع قال: فقال رسول الله عليه وسلم:"إِنَّهَا لاَ تَتِمُّ صَلاَةُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يُسْبِغَ الْوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ فَيَغْسِلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَيَمْسَحَ بِرَأْسِهِ وَرِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ثُمَّ يُكَبِّرُ اللَّهَ وَيَحْمَدُهُ ثُمَّ يَقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا أُذِنَ لَهُ فِيهِ وَتَيَسَّرَ» . فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ حَمَّادٍ (١)

стр. 110

قَالَ «ثُمَّ يُكَبِّرُ فَيَسْجُدُ فَيُمَكِّنُ وَجْهَهُ» . قَالَ هَمَّامٌ وَرُبَّمَا قَالَ «جَبْهَتَهُ مِنَ الأَرْضِ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ وَتَسْتَرْخِيَ ثُمَّ يُكَبِّرُ فَيَسْتَوِي قَاعِدًا عَلَى مَقْعَدِهِ وَيُقِيمُ صُلْبَهُ» . فَوَصَفَ الصَّلاَةَ هَكَذَا أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ حَتَّى فَرَغَ «لاَ تَتِمُّ صَلاَةُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يَفْعَلَ ذَلِكَ " (١) . ذكر الأحاديث التي تفيد وجوب التسمية: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :"لاَ صَلاَةَ لِمَنْ لاَ وُضُوءَ لَهُ وَلاَ وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ" (٢) . وجه التعارض: من يقرأ حديث المهاجر بن قنفذ يجد أن هذا الحديث يفيد أن النبي – ﷺ -يكره أن يذكر اسم الله على غير طهر.

стр. 111

ومن يقرأ حديث رفاعة بن رافع يجد أنه يفيد أن التسمية غير واجبة، حيث أحال رسول الله ﷺ واجبات للوضوء على الآية وهي قوله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيدكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين.....الآية". ولم يذكر فيها التسمية, فدل على أنها غير واجبة. أما حديث أبي هريرة فيفيد غير مفاد هذه الأحاديث، وذلك أنه ينفي صحة وضوء من لم يذكر اسم الله عليه، وبهذا نجد أن هذه الأحاديث تتعارض فيما بينها وقد درأ العلماء هذا التعارض. أقوال العلماء في درء التعارض: ١- قال الإمام الطحاوي بعد أن ذكر عدة طرق لحديث (لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) (١) قال: "فذهب قوم إلى أن من لم يسم على وضوء الصلاة فلا يجزيه وضوؤه واحتجوا في ذلك بهذه الآثار ". وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: من لم يسم على وضوئه فقد أساء، وقد طهر بوضوئه ذلك. واحتجوا في ذلك بحديث المهاجر بن قنفذ (إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كرهت أن أذكر الله إلا على طهارة) . (٢) ففي هذا الحديث أن رسول الله – ﷺ – كره أن يذكر الله إلا على طهارة، ورد السلام بعد الوضوء الذي صار به متطهرا، ففي ذلك دليل أنه قد توضأ قبل أن يذكر اسم الله. وكان قوله: (لا وضوء لمن لم يسم) يحتمل أيضا ما قاله أهل المقالة الأولى، ويحتمل لا وضوء له: أي لا وضوء له متكاملا في الثواب، كما قال: (ليس المسكين الذي ترده التمرة أو التمرتان ولا القمة ولا اللقمتان) ، فلم يرد بذلك أنه ليس بمسكين خارج من حد المسكنة كلها حتى تحرم عليه الصدقة؛ وإنما أراد بذلك أنه ليس بالمسكين المتكامل في المسكنة الذي ليس بعد درجته في المسكنة درجة.

стр. 112

وكذلك قوله – ﷺ : (ليس المؤمن الذي يبيت شبعان وجاره إلى جنبه جائع) ، فلم يرد في ذلك أنه ليس بمؤمن إيمانا خرج بتركه إياه إلى الكفر، ولكنه أراد به أنه ليس في أعلى مراتب الإيمان، وأشباه هذا كثيرة. فكذلك قوله: (لا وضوء لم يسم) لم يرد بذلك أنه ليس بالمتوضئ وضوءا لم يخرج به من الحدث، ولكنه أراد أنه ليس بمتوضئ وضوءا كاملا في أسباب الوضوء الذي يوجب الثواب. فلما احتمل هذا الحديث من المعاني ما وصفنا ولم يكن هناك دلالة يقطع بها لأحد التأويلين على الآخر وجب أن يجعل معناه موافقا لمعاني حديث المهاجر، حتى لا يتضادا. فثبت بذلك أن الوضوء بلا تسمية يخرج به المتوضئ من الحدث إلى الطهارة. وأما وجه ذلك من طريق النظر فإنّا رأينا أشياء لا يدخل فيها إلا بكلام، منها العقود التي يعقدها بعض الناس لبعض من البياعات والإجارات والمناكحات والخلع وما أشبه ذلك، فكانت تلك الأشياء لا تجب إلا بأقوال وكانت الأقوال منها إيجاب، لأنه يقول:"قد بعتك، وقد زوجتك، قد خلعتك ".فتلك أقوال فيها ذكر العقود. وأشياء تدخل فيها بأقوال وهي الصلاة والحج، فتدخل في الصلاة بالتكبير، وفي الحج بالتلبية، فكان التكبير في الصلاة والتلبية في الحج ركنا من أركانها. ثم رجعنا إلى التسمية في الوضوء، هل تشبه شيئا من ذلك؟ فرأينا غير مذكور فيها إيجاب شيء كما كان في النكاح والبيوع. فخرجت التسمية لذلك من حكم ما وضعنا، ولم تكن التسمية أيضاً ركناً من أركان الوضوء كما كان التكبير ركنا من أركان الصلاة، وكما كانت التلبية ركنا من أركان الحج، فخرج أيضاً بذلك حكمها من حكم التكبير والتلبية. فبطل بذلك قول من قال: أنه لابد منها في الوضوء كما لابد من تلك الأشياء فيما يعمل فيه.

стр. 113

فإن قائل قال: فإنا قد رأينا الذبيحة لابد من التسمية عندها ومن ترك ذلك متعمداً لم تؤكل ذبيحته، فالتسمية أيضا على الوضوء كذلك، قيل له: ما ثبت في حكم النظر أن من ترك التسمية على الذبيحة متعمداً أنها لا تؤكل، لقد تنازع الناس في ذلك. فقال بعضهم تؤكل، وقال بعضهم لا تؤكل، فأما من قال تؤكل فقد كفينا البيان لقوله. وأما من قال لا تؤكل فإنه يقول: إن تركها ناسياً تؤكل، وسواء عنده كان الذابح مسلماً أو كافراً، بعد أن يكون كتابياً. فجعلت التسمية هاهنا في قول من أوجبها في الذبيحة إنما هي لبيان الملة. فإذا سمى الذابح صارت ذبيحته من ذبائح الملة المأكولة ذبيحتها، وإذا لم يسم جعلت من ذبائح الملل التي لا تؤكل ذبائحها. والتسمية على الوضوء ليس للملة إنما هي مجعولة لذكر على سبب من أسباب الصلاة، فرأينا من أسباب الصلاة: الوضوء وستر العورة، فكان من ستر عورته لا بتسمية لم يضره ذلك. فالنظر على ذلك أن يكون من تطهر أيضا، لا بتسمية لم يضره ذلك. وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن رحمهم الله تعالى. (١) قلت: في قول الطحاوي ﵀ نظر من عدة وجوه: ١- أن حديث المهاجر بن قنفذ –﵁ ورد بلفظ (كرهت) كما أنه كان بالإمكان التطهر، فأراد النبي – ﷺ أن يفعل الأكمل والأحسن، لذا تطهر ثم رد السلام، ولو لم يكن التطهر بالإمكان لرد السلام قبل أن يتطهر، لأن التطهر للذكر مندوب؛ ورد السلام واجب، فإذا أمكن الإتيان بهما جميعاً فهو الأفضل، وإن كان يلزم من الإتيان بأحدهما تفويت الآخر وجب الإتيان بالواجب وترك المندوب. أما ما يدل على أن التطهر للذكر مندوب وليس بواجب فكثير في السنة، منه قوله ﷺ لعائشة لما حاضت في الحج: "افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري" (٢) .

стр. 114

ومعلوم أن أعمال الحج مشتملة على ذكر وتلبية ودعاء، ولم تمنع الحائض من شيء من ذلك. (١) وعلى هذا يجب الإتيان بالتسمية، ولا يلتفت إلى كراهة الذكر مع عدم الطهارة لتعذر الجمع بينهما هنا. فإن قيل: من أين لك بإيجاب التسمية؟ قلت: من قوله: "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه" فهذا نفي للصحة، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ٢- أما قوله (لا وضوء) أي لا وضوء كاملاً، فهذا يحتاج إلى دليل فإن النفي إذا وجد في النص انصرف إلى نفي الوجود، فإن دل دليل على الوجود انصرف إلى الصحة، فإن دل دليل على الصحة انصرف إلى الكمال. وهنا ينصرف النفي من الوجود إلى الصحة حيث أن المتوضئ دون تسمية قد حصل منه الوضوء وأعماله، فلا نستطيع أن نقول لمن رأيناه غسل وجهه ويديه ومسح رأسه وغسل رجليه ولم ينو بذلك الوضوء أنك لم تتوضأ؛ ولكن نقول لم يصح وضوؤك. أما أن نقول لم يكمل وضوؤك فهذا صرف للنفي إلى غير ما دل عليه دون صارف صحيح، وقد ورد حديث لو صح لكان حجة لهم ينقل النفي إلى نفي الكمال، وهو حديث ابن مسعود ولفظه: "إذا تطهر أحدكم فليذكر اسم الله عليه، فإنه يطهر جسده كله، وإن لم يذكر أحدكم اسم الله فإنه لا يطهر إلا ما مر عليه الماء" (٢) . وقد روي هذا الحديث من طريق أبي هريرة (٣) وابن عمر (٤) ، ولكن لا يصح منها شيء. ٣- أما من جهة النظر فليست تقوم بها حجة في مقابل النص. والله أعلم. المبحث الخامس: هل تجب المضمضة والاستنشاق في الوضوء . ويختلف العلماء في حكم المضمضة والاستنشاق والاستنثار، فمن بين نادب لها وموجب، أو موجب لبعضها كمن يوجب الاستنثار دون المضمضة.

стр. 115

ولكل فريق أحاديث يعارضون بها أحاديث الفريق الآخر. ومن أشهر ما يستدل به الموجبون أحاديث: ١- " من توضأ فليستنثر، ومن استجمر فليوتر". ٢- "المضمضة والاستنشاق من الوضوء الذي لابد منه". ٣- " أمرنا رسول الله – ﷺ بالمضمضة والاستنشاق". ومن أشهر ما يستدل به النادبون أحاديث: ١- "إنها لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله ". ٢- المضمضة والاستنشاق سنة". وهذه الأحاديث تتعارض في ظاهرها. ذكر ما استدل به على وجوب الاستنشاق والاستنثار: الحديث الأول: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ وَمَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ " (١) . الحديث الثاني: عن عائشة –﵂ أن رسول الله – ﷺ قال: "الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق من الْوضُوء الَّذِي لَا بُد مِنْهُ" (٢) . الحديث الثالث: عن أبي هريرة –﵁ قال: "أمرنَا رَسُول الله ﷺ َ - بالمضمَضةِ وَالِاسْتِنْشَاق" (٣) . ذكر ما يدل على عدم الوجوب: الحديث الأول:

стр. 116

عن رفاعة بن رافع قال: فقال رسول الله عليه وسلم:"إِنَّهَا لاَ تَتِمُّ صَلاَةُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يُسْبِغَ الْوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ فَيَغْسِلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَيَمْسَحَ بِرَأْسِهِ وَرِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ثُمَّ يُكَبِّرُ اللَّهَ وَيَحْمَدُهُ ثُمَّ يَقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا أُذِنَ لَهُ فِيهِ وَتَيَسَّرَ» . فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ حَمَّادٍ (١)

стр. 117

قَالَ «ثُمَّ يُكَبِّرُ فَيَسْجُدُ فَيُمَكِّنُ وَجْهَهُ» . قَالَ هَمَّامٌ وَرُبَّمَا قَالَ «جَبْهَتَهُ مِنَ الأَرْضِ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ وَتَسْتَرْخِيَ ثُمَّ يُكَبِّرُ فَيَسْتَوِي قَاعِدًا عَلَى مَقْعَدِهِ وَيُقِيمُ صُلْبَهُ» . فَوَصَفَ الصَّلاَةَ هَكَذَا أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ حَتَّى فَرَغَ «لاَ تَتِمُّ صَلاَةُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يَفْعَلَ ذَلِكَ " (١) . الحديث الثاني: عن ابن عباس –﵁ قال: قال رسول الله – ﷺ :"المَضْمَضَةُ وَالاسْتِنْشَاقُ سُنَّةٌ " (٢) . وجه التعارض: إن من يقرأ الأحاديث الأُول يجدها تدل على الوجوب، وذلك أن حديث "من توضأ فليستنثر" ورد بصيغة الأمر؛ والأمر يقتضي الوجوب. وحديث "المضمضة والاستنشاق من الوضوء الذي لابد منه" نص على أن المضمضة والاستنشاق من الوضوء فهي داخلة فيه، وكائنة من أفعاله. وحديث "أمرنا رسول الله – ﷺ بالمضمضة والاستنشاق" فيه لفظ الأمر، والأمر يقتضي الوجوب، فدلت هذه الأحاديث على أن هذه الأفعال واجبة من واجبات الوضوء. وأما الأحاديث الأخيرة فمن ظاهرها تدل على أن هذه الأفعال من السنن والمندوبات لا من الواجبات، وذلك أن حديث "إنها لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله " استدل به على أن الواجب في الوضوء ما أمر الله به، والله أمر بغسل الوجه واليدين ومسح الرأس وغسل الرجلين كما نصت عليه الآية " يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين.." (٣) وليس في الآية أمر بالمضمضة ولا الاستنشاق ولا الاستنثار، فهذه الأمور الثلاثة سنة لا واجب.

стр. 118

وحديث "المضمضة والاستنشاق سنة" صريح في أنها ليست واجبة وإنما هي مندوبة، فهذا وجه تعارض هذه الأحاديث، وقد وجه العلماء هذا التعارض ودرؤوه. أقوال العلماء في درء التعارض: ١- ذهب ابن الجوزي إلى دفع التعارض بالترجيح، فرجح أحاديث الإيجاب وقواها، وضعف حديث "المضمضة والاستنشاق سنة" (١) . ٢- ذهب النووي إلى الندب، وعلى ذلك حمل الأمر، فقال في شرحه لحديث "من توضأ فليستنثر"، وكذلك ما في معناه من الأحاديث: "فيه دلالة لمذهب من يقول الاستنشاق واجب لمطلق الأمر، ومن لم يوجبه حمل الأمر على الندب بدليل أن المأمور به حقيقة هو الانتثار وليس بواجب بالاتفاق (٢) فإن قالوا: ففي الرواية الأخرى "إذا توضأ أحدكم فليستنشق بمنخريه من الماء ثم لينتثر" (٣) فهذا فيه دلالة ظاهرة للوجوب، لكن حمله على الندب محتمل ليجمع بينه وبين الأدلة الدالة على الاستحباب. والله أعلم. (٤)

стр. 119

٣- قال ابن حجر في تعليقه على الحديث الأول " من توضأ فليستنثر":ظاهر الأمر انه للوجوب، فيلزم من قال بوجوب الاستنشاق لورود الأمر به، كأحمد وإسحاق وأبي عبيد وأبي ثور وابن المنذر (١) ؛ أن يقول به في الاستنثار، وظاهر كلام صاحب المغني يقتضي أنهم يقولون بذلك، وأن مشروعية الاستنشاق لا تحصل إلا بالاستنثار، وصرح ابن بطال بأن بعض العلماء قال بوجوب الاستنثار، وفيه تعقب على من نقل الإجماع على عدم وجوبه. ... واستدل الجمهور على أن الأمر فيه للندب بما حسنه الترمذي وصححه الحاكم من قوله ﷺ للأعرابي: " توضأ كما أمرك الله " (٢) فأحاله على الآية وليس فيها ذكر الاستنشاق. وأجيب بأنه يحتمل أن يراد بالأمر ما هو أعم من آية الوضوء، فقد أمر الله سبحانه باتباع نبيه ﷺ وهو المبين عن الله أمره، ولم يحك أحد ممن وصف وضوءه ﵊ على سبيل الاستقصاء أنه ترك الاستنشاق بل ولا المضمضة، وهو يرد على من لم يوجب المضمضة أيضا، وقد ثبت الأمر بها أيضا في سنن أبي داود بإسناد صحيح (٣) ، وذكر ابن المنذر أن الشافعي لم يحتج على عدم وجوب الاستنشاق مع صحة الأمر به إلا لكونه لا يعلم خلافا في أن تاركه لا يعيد، وهذا دليل قوي، فإنه لا يحفظ ذلك عن أحد من الصحابة ولا التابعين إلا عن عطاء، وثبت عنه أنه رجع عن إيجاب الإعادة، ذكره كله ابن المنذر" (٤) . ٤- رجح المباركفوري أحاديث الإيجاب لثبوت الأمر بذلك، ومن ترك شيئا منها أعاد الوضوء والغسل، وهذا مذهب ابن أبي ليلى وابن المبارك وأحمد وإسحاق، واستدلوا بحديث سلمة بن قيس وغيره مما في معناه. قال المباركفوري: " وقولهم هو الراجح لثبوت الأمر بهما، والأصل في الأمر الوجوب مع ثبوت مواظبته – ﷺ عليهما".

стр. 120

ورد على قول من قال: بأنهما سنتان مفنداً كل دليل فقال:" واستدلوا على عدم الوجوب في الوضوء بحديث" عشر من سنن المرسلين"، وقد رده الحافظ في التلخيص، وقال: إنه لم يرد بلفظ عشر من السنن، بل بلفظ من الفطرة، ولو ورد لم ينتهض دليلا على عدم الوجوب، لأن المراد به السنة أي الطريقة؛ لا السنة بالمعنى الاصطلاحي الأصولي، واستدلوا أيضاً بحديث ابن عباس مرفوعاً بلفظ:" المضمضة والاستنشاق سنة" رواه الدارقطني. قال الحافظ: وهو حديث ضعيف. واستدلوا أيضاً بما رواه الترمذي وحسنه وصححه الحاكم من قوله – ﷺ للأعرابي: "توضأ كما أمرك الله"، فأحاله على الآية وليس فيها ذكر المضمضة والاستنشاق والاستنثار. ورد بأن الأمر بغسل الوجه أمر بهما، وبأن وجوبها ثبت بأمر رسول الله – ﷺ ، والأمر منه أمر من الله تعالى بدليل " وما آتاكم الرسول فخذوه" (١) . قلت: إذا أنعمنا النظر وجدنا أن من رجح أحاديث إيجاب المضمضة والاستنشاق والاستنثار أقرب للصواب، وذلك لأمور: ١- أن أحاديثهم جاءت صريحة، منها الصحيح، ومنها الحسن، فحديث أبي هريرة ورد فيه" فليستنثر"، وهذا أمر والأصل في الأمر الوجوب ما لم يصرفه عنه صارف، وليس ثمة صارف صحيح وصريح. ٢- أن رسول الله – ﷺ واظب عليها، كما نقل ذلك عنه كل مستقص لوضوئه. ٣- أن ما أمر به رسول الله – ﷺ يعد مما أمر الله به، بدليل قوله تعالى:" وما آتاكم الرسول فخذوه" (٢) . لذا فإذا قال ﷺ :" إنها لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله "، فيدخل في ذلك ما أمره به رسول الله ﷺ . ٤- أن المضمضة والاستنشاق والاستنثار تدخل في الوجه وتعد منه.

стр. 121

٥- أن الاستدلال بأحاديث عدم الوجوب لا يخلو من طعن إما في الدليل فيكون ضعيفاً كحديث "المضمضة والاستنشاق سنة" أو يكون وجه الدلالة غير صريح كالاستدلال بحديث" توضأ كما أمرك الله" أو " إنها لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله"، فالاقتصار على ما ورد في الآية وانصراف الوجوب إلى ما ورد فيها فقط دون ما ثبت من أمره ﷺ ؛ أمر مخالف للمنهج الأصولي السليم، فلا يقال: إن ما أمر به رسول الله ﷺ أقل مما أمر به الله، لأن رسول الله ﷺ لا يأمر إلا بما أمره الله به. وكذلك وجه الدلالة من حديث "عشر من الفطرة.." وورد فيها المضمضة والاستنشاق، فهذا استدلال من وجه ضعيف، فقد ورد في هذه العشر ما هو واجب كالاختتان. إضافة إلى ما رد به الحافظ ابن حجر من أن السنن ليس المقصود بها المعنى الاصطلاحي، وإنما المقصود بها من هدي المرسلين، وهذه العشر تختلف في أحكامها. وقد يرد على قوله" من الوضوء الذي لا تتم الصلاة إلا به" قول أن الصلاة بغير وضوء تكون صحيحة إلا أنها غير تامة، فهو على هذا الحديث سنة لا واجب. وأيضاً فإنه قد يقال: إن الاستدلال بحديث" من الوضوء الذي لابد منه" على أن المضمضة وغيرها واجب ليس بصحيح، وذلك أن الضمير في "منه" عائد على الوضوء، والوضوء واجب للصلاة لابد منه، أما المضمضة وغيرها فإنها من الوضوء ولا يلزم كونها من الوضوء أن تكون واجبة، بل يجوز أن تسمى من الوضوء مع أنها سنة. والله أعلم. المبحث السادس: حكم تخليل اللحية الكثة في الوضوء . لقد اهتم الإسلام بالنظافة وتنقية البشرة مما يعلق بها من أوساخ، وكان مما اعتنى به اللحية -وهي الشعر النابت على الذقن والعارضين-، فجاء عن رسول الله ﷺ مشروعية تخليلها، ولكن اختلف العلماء في المشروعية هل هي واجبة أم مندوبة.

стр. 122

وسبب هذا الاختلاف بينهم، أن كل جماعة من العلماء تمسكت بحديث، فبدا للناظر أن هذه الأحاديث متعارضة. وقد احتج من ذهب إلى الإيجاب بحديث أنس –﵁ (أن النبي – ﷺ كان إذا توضأ أخذ كفا من ماء فأدخله تحت حنكه فخلل به لحيته وقال: "هكذا أمرني ربي ") . واحتج من ذهب إلى الندب بحديث ابن عباس –﵄ (أنه توضأ فغسل وجهه، فأخذ غرفة من ماء فتمضمض بها واستنشق، ثم أخذ غرفة من ماء فجعل بها هكذا أضافها إلى يده الأخرى فغسل بها وجهه، ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها يده اليمنى، ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها يده اليسرى، ثم مسح رأسه، ثم أخذ غرفة من ماء فرش بها على رجله اليمنى حتى غسلها، ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها رجله اليسرى، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ) . ذكر ما استدل به من ذهب إلى الإيجاب: عن أنس بن مالك –﵁:"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ أَخَذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَأَدْخَلَهُ تَحْتَ حَنَكِهِ فَخَلَّلَ بِهِ لِحْيَتَهُ وَقَالَ: "هَكَذَا أَمَرَنِي رَبِّى " (١) . ذكر ما استدل به من ذهب إلى الندب:

стр. 123

عن ابن عباس –﵄ "أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَمَضْمَضَ بِهَا وَاسْتَنْشَقَ ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَجَعَلَ بِهَا هَكَذَا أَضَافَهَا إِلَى يَدِهِ الْأُخْرَى فَغَسَلَ بِهِمَا وَجْهَهُ ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ الْيُمْنَى ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ الْيُسْرَى ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَرَشَّ عَلَى رِجْلِهِ الْيُمْنَى حَتَّى غَسَلَهَا ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً أُخْرَى فَغَسَلَ بِهَا رِجْلَهُ يَعْنِي الْيُسْرَى ثُمَّ قَالَ هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ " (١) . وجه التعارض: إن من ينظر في هذه الأحاديث يجدها تتعارض فيما بينها، فالحديث الأول وهو حديث أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ كان إذا توضأ أخذ كفا من ماء فأدخله تحت حنكه فخلل به لحيته وقال: هكذا أمرني ربي ، فدل هذا على أن التخليل أمر من الله، والأمر يدل على الوجوب. وحديث ابن عباس ﵄ في وصف وضوء رسول الله ﷺ لم يذكر فيه تخليل اللحية. قال الشوكاني:" إن الغرفة الواحدة وإن عظمت لا تكفي غسل باطن اللحية الكثة مع غسل جميع الوجه، فعلم أنه لا يجب" (٢) ، ومن هنا جاء التعارض بين هذه الأحاديث. أقوال العلماء في درء التعارض:

стр. 124

١- ذهب قوم إلى ترجيح أحاديث تخليل اللحية واستدلوا بها، فقالوا بوجوب تخليل اللحية في الوضوء والغسل، وذلك لنص الرسول – ﷺ على أن التخليل من الوضوء الذي أمر الله به، حيث فعله ثم قال: هكذا أمرني ربي ، كما في حديث أنس بن مالك ﵁. وممن ذهب هذا المذهب العترة والحسن بن صالح وأبو ثور والظاهرية (١) . ٢- ذهب فريق ثانٍ إلى عدم إيجاب ذلك في الوضوء وإيجابه في الغسل. واستدلوا لعدم الوجوب في الوضوء بحديث ابن عباس حيث ورد فيه غسل الوجه بغرفة واحدة، ومعلوم أن الغرف الواحدة لا يصل ماؤها تحت الشعر مع كثافة اللحية، ولأنه باطن دونه حائل معتاد فهو كداخل الفم والأنف (٢) . ولا يجب التخليل لأن الله تعالى أمر بالغسل ولم يذكر التخليل، ولأن أكثر من حكى وضوء رسول الله – ﷺ لم يحكه، ولو كان واجبا لما أخل به، ولو فعله لنقله الذين نقلوا وضوءه أو أكثرهم، وتركه لذلك دليل على أن غسل ما تحت الشعر الكثيف ليس بواجب لأن النبي – ﷺ كان كثيف اللحية فلا يبلغ الماء إلى تحت شعرها إلا بالتخليل. وفعله للتخليل في بعض أحيانه يدل على استحبابه. وفرقوا بين الوضوء والغسل بأن غسل باطن الشعر الكثيف يشق في الوضوء لتكرره بخلاف الغسل (٣) ، ومن أسباب تفريقهم قوله ﷺ :" تحت كل شعرة جنابة، فبلوا الشعر وأنقوا البشر" (٤) . ذلك التفريق إذا كان شعر اللحية كثيفاً، أما إذا كان خفيفاً فإنه يجب غسله. وهذا المذهب قال به واختاره الأكثر وعليه الجمهور. ٣-ذهب فريق ثالث إلى عدم الوجوب في الوضوء وكذلك في الغسل، وقالوا يكفيها ما مر عليها من الماء واستدلوا بفعل بعض الصحابة منهم ابن عباس. (٥)

стр. 125

٤-قال الشوكاني: "والإنصاف أن أحاديث الباب بعد تسليم انتهاضها للاحتجاج، وصلاحيتها للاستدلال لا تدل على الوجوب لأنه أفعال، وما ورد في بعض الروايات من قوله ﷺ " هكذا أمرني ربي" لا يفيد الوجوب على الأمة لظهوره في الاختصاص به، وهو يتخرج على الخلاف المشهور في الأصول: هل يعم الأمة ما كان ظاهر الاختصاص به أم لا. والفرائض لا تثبت إلا بيقين، والحكم على ما لم يفرضه الله بالفريضة كالحكم على ما فرضه بعدمها، لا شك في ذلك، لأن كل واحد منهما من التقول على الله بما لم يقل، ولا شك أن الغرفة الواحدة لا تكفي كث اللحية لغسل وجهه وتخليل لحيته، ودفع ذلك -كما قال بعضهم- بالوجدان مكابرة منه. نعم الاحتياط والأخذ بالأوثق لا شك في أولويته؛ لكن بدون مجاراة على الحكم بالوجوب (١) . قلت: لا تعارض بين هذين الحديثين وهذا كثير في الكتاب والسنة، فحديث أنس ورد فيه الإخبار عن أمر الله سبحانه لنبيه ﷺ ، وهذا الأمر للوجوب ما لم يكن له صارف، والصارف هنا عن الوجوب حديث ابن عباس حيث بين أن النبي ﷺ لم يخلل لحيته. وإذا أمر النبي ﷺ بشيء ثم ورد تركه بعدم تخليله لها في بعض أحيانه؛ دل ذلك على ندبه وأنه ليس واجباً. ... والله أعلم. المبحث السابع: الاطلاء بالنُّورة . إن الإسلام دين الطهارة والنظافة البدنية والمعنوية، فحث على نظافة الباطن من الشرك والنفاق والغل والحسد، واعتنى بنظافة الظاهر، فرغب في حلق العانة وإزالة الشعر عنها، حتى لا تجتمع الأوساخ والأقذار، وحث على نتف الإبط، حتى لا ينبعث من المؤمن روائح كريهة ينفر منها جلساؤه. وأمر بالغسل بعد كل جنابة، كما نبه على الغسل لكل جمعة، وغير ذلك كثير.

стр. 126

ومن مظاهر العناية بالبشرة وإزالة الأوساخ عنها؛ الاطلاء بالنورة، وهي نوع من الحجر الذي يحرق ويسوى منه الكلس، ويحلق به شعر العانة (١) وسائر الجسد. أما شعر العانة فلم تختلف الأحاديث في حلقه، وأما سائر الجسد فقد تعارضت فيه الأحاديث، فجاء بعضها قاضياً بجواز ذلك واستحبابه، وبعضها جاء قاضياً بنفي استحباب ذلك. ومما يدل على استحباب التنور حديث أم سلمة –﵂ (أن النبي – ﷺ كان إذا اطلى بدأ بعورته فطلاها بالنورة، وسائر جسده أهله) . ومما يدل على عدم استحبابه وعدم فعله حديث قتادة: (أن النبي – ﷺ لم يتنور، ولا أبو بكر، وعمر، ولا عثمان) . فلزم كذلك البحث في هذه الأحاديث صحة وسقماً، ومعنى وحكماً؛ لنرى بأيهما نأخذ، وكيف ندرأ هذا التعارض. ذكر الحديث الذي يدل على التنور: عن أم سلمة –﵂: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا اطًّلَى بَدَأ بِعَوْرَتِهِ فَطَلاهَا بِالنُّورَةِ، وَسَائِرَ جَسَدِهِ أهْلُهُ) (٢) . الحديث الذي يفيد نفي التنور: عن قتادة: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَتَنَوَّرْ وَلاَ أَبُو بَكْرٍ وَلاَ عُمَر وَلاَ عُثْمَان) (٣) . وجه التعارض:

стр. 127

إن من يقرأ هذه الأحاديث يجد حديث أم سلمة –﵂ يفيد أن رسول الله – ﷺ كان يتنور، ويجد حديث قتادة ينفي عن رسول الله – ﷺ التنور، وهذان معنيان مختلفان متعارضان، وقد وجه العلماء هذا الاختلاف ودرؤوا التعارض. أقوال العلماء في درء التعارض: ١- قال السيوطي بعد ذكر أحاديث عدم التنور: قلت: فرجع الأمر إلى أنه حديث واحد وهو: أولاً: ضعيف. ثانياً: معارض بالأحاديث السابقة، وهي أقوى منه سنداً ومتناً، وأكثر عدداً. وثالثاً: أن تلك مثبتة، وهذا نافٍ، والقاعدة الأصولية عند التعارض: تقديم المثبت على النافي خصوصاً أن التي روت الإثبات باشرت الواقعة وهي من أمهات المؤمنين، وهي أجدر بهذه القضية، فإنها مما يفعل في الخلوة غالباً، لا بين أظهر الناس، وكلاهما من وجوه الترجيحات، فهذه خمسة أجوبة. وسادس: وهو أنه على حسب اختلاف الأوقات، فتارة كان يتنور، وتارة كان يحلق ولا يتنور. وقد روي مثل هذا الاختلاف عن ابن عمر، فروي عنه أنه كان يتنور، وأخرج الطبراني في الكبير بسند رجاله موثوقون عن مسكين بن عبد العزيز عن أبيه قال: دخلت على عبد الله بن عمر وجاريته تحلق عنه الشعر، فقال: إن النورة ترق الجلد. فالجمع بين هذا وبين ما تقدم أنه فعل الأمرين معاً، هذا في أوقات وهذا في أوقات، نعم ثبت عن عمر أنه كان يكره التنور ويعلله بأنه من النعيم. قال سعيد بن منصور: حدثنا حبان بن علي عن محمد بن قيس الأسدي عن رجل قال: كان عمر بن الخطاب يستطيب بالحديد فقيل له: ألا تنور؟! قال: إنها من النعيم، وإنا نكرهها.

стр. 128

وقد روي عنه ما يدل على أنه إنما كره الإكثار من ذلك وهو قوله: " إياكم وكثرة الحمام، وكثرة طلاء النورة، واالتوطي على الفرش، فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين"، فهذا الأثر قاطع للنزاع، وأولى ما اعتمدته في التوقيت حديث ابن عمر: " أن النبي ﷺ كان يتنور كل شهر ويقلم أظفاره كل خمس عشرة" فيكره أقل في من ذلك (١) . ٢- قال المناوي: " أما خبر كان لا يتنور فضعيف لا يقاوم هذا الحديث القوي إسنادا، على أن هذا الحديث مثبت وذاك نافٍ، والقاعدة عند التعارض تقديم المثبت" (٢) . ٣- قال الشوكاني: " يمكن الجمع بأنه ﷺ كان يتنور تارة ويحلق أخرى" (٣) . قلت: من دراستي للأحاديث الواردة في التنور نفياً وإثباتاً، تبين لي أن أحاديث التنور ضعيفة سواء النافية أو المثبتة فيرجع الأمر على أصله وهو الإباحة. والله أعلم. المبحث الثامن: " التمندل " أو استعمال المنديل بعد الو ضوء أو الغسل . لقد اختلف العلماء في حكم استعمال المنديل بعد الوضوء أو الغسل: وسبب هذا الاختلاف أن هناك أحاديث دلت على أن النبي ﷺ لم يمسح بالمنديل بل رده حين عرض عليه، وهناك من الأحاديث ما يدل على أن النبي ﷺ كان له منديل ينشف به بعد الوضوء. فمن الأحاديث التي دلت على كراهة استعمال المنديل ما جاء في حديث ميمونة وفيه" ثم أتي بمنديل فلم ينفض بها". ومن الأحاديث التي دلت على جواز استعماله ما جاء في حديث عائشة ﵂ "كان لرسول الله ﷺ خرقة ينشف بها بعد الوضوء".

стр. 129

وحديث قيس بن سعد قال:" أتانا النبي – ﷺ فوضعنا له ماء فاغتسل، ثم أتيناه بملحفة ورسية (١) فاشتمل بها، فكأني أنظر إلى أثر الورس على عكنه (٢) ". ذكر الحديث الذي يدل على كراهة المنديل: عن ميمونة –﵂ قالت: "صَبَبْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ غُسْلًا فَأَفْرَغَ بِيَمِينِهِ عَلَى يَسَارِهِ فَغَسَلَهُمَا ثُمَّ غَسَلَ فَرْجَهُ ثُمَّ قَالَ بِيَدِهِ الْأَرْضَ فَمَسَحَهَا بِالتُّرَابِ ثُمَّ غَسَلَهَا ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ وَأَفَاضَ عَلَى رَأْسِهِ ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ ثُمَّ أُتِيَ بِمِنْدِيلٍ فَلَمْ يَنْفُضْ بِهَا " (٣) . ذكر الحديث الذي يدل على جواز استعمال المنديل: الحديث الأول: عن عائشة –﵂ قالت: "كَانَ لِرَسُولِ الله ﷺ خِرْقَةٌ يُنَشِّفُ بِهَا بَعْدَ الْوُضُوءِ" (٤) . الحديث الثاني:

стр. 130

عن قيس بن سعد –﵁ قال: زَارَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَنْزِلِنَا فَقَالَ «السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ» . فَرَدَّ سَعْدٌ رَدًّا خَفِيًّا. قَالَ قَيْسٌ فَقُلْتُ أَلاَ تَأْذَنُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَقَالَ ذَرْهُ يُكْثِرْ عَلَيْنَا مِنَ السَّلاَمِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ» . فَرَدَّ سَعْدٌ رَدًّا خَفِيًّا ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ» . ثُمَّ رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاتَّبَعَهُ سَعْدٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ أَسْمَعُ تَسْلِيمَكَ وَأَرُدُّ عَلَيْكَ رَدًّا خَفِيًّا لِتُكْثِرَ عَلَيْنَا مِنَ السَّلاَمِ. قَالَ فَانْصَرَفَ مَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَ لَهُ سَعْدٌ بِغِسْلٍ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ نَاوَلَهُ مِلْحَفَةً مَصْبُوغَةً بِزَعْفَرَانٍ أَوْ وَرْسٍ فَاشْتَمَلَ بِهَا ثُمَّ رَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ «اللَّهُمَّ اجْعَلْ صَلَوَاتِكَ وَرَحْمَتَكَ عَلَى آلِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ» . قَالَ ثُمَّ أَصَابَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الطَّعَامِ فَلَمَّا أَرَادَ الاِنْصِرَافَ قَرَّبَ لَهُ سَعْدٌ حِمَارًا قَدْ وَطَّأَ عَلَيْهِ بِقَطِيفَةٍ فَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ سَعْدٌ يَا قَيْسُ اصْحَبْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ قَيْسٌ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «ارْكَبْ» . فَأَبَيْتُ ثُمَّ قَالَ «إِمَّا أَنْ تَرْكَبَ وَإِمَّا أَنْ تَنْصَرِفَ» .

стр. 131

قَالَ فَانْصَرَفْتُ (١) . وجه التعارض: إن من ينظر في هذه الأحاديث يجد أنها تتعارض فيما تدل عليه. فحديث ميمونة يدل على كراهة استعمال المنديل في التنشيف من الوضوء أو الغسل، وذلك لأن رسول الله – ﷺ رد المنديل فلم يستعمله. وحديث قيس بن سعد –﵁ يدل على أن النبي – ﷺ لم يكره التنشف من الغسل، حيث اشتمل بملحفة بعد أن اغتسل، والملحفة تنشف الماء بعد الغسل. وكذلك فإن حديث عائشة –﵂ يدل على أن التنشف بعد الوضوء غير مكروه، لأن رسول الله – ﷺ كان له خرقة يتنشف بها. أقوال العلماء في درء التعارض: ذهب جماعة من أهل العلم إلى أخذ المنديل بعد الوضوء، وقالوا بإباحته. وروي ذلك عن بعض الصحابة منهم أنس بن مالك (٢) والحسن بن علي (٣) وبشير بن أبي مسعود (٤) وعثمان بن عفان (٥) ، وحجتهم أحاديث الإباحة، كما ذهب آخرون إلى الحظر، وروي ذلك عن بعض الصحابة، منهم جابر بن عبد الله (٦) وابن عباس. إلا أنه لم يكره ذلك في الغسل من الجنابة (٧) . وجمع بين هذه الأحاديث جماعة من العلماء. منهم: ١-أبو بكر ابن المنذر قال: "أعلى شيء في هذا الباب خبران، خبر يدل على إباحة أخذ الثوب ينشف به، والخبر الآخر يدل على ترك ذلك".

стр. 132

وذكر حديث قيس بن سعد، ثم ذكر حديث ابن عباس عن ميمونة، وبين أنه لا حظر في حديث ميمونة، فلا تعارض. قال أبو بكر:" وهذا الخبر لا يوجب حظر ذلك، ولا المنع منه، لأن النبي ﷺ لم ينه عنه، مع أن النبي ﷺ قد كان يدع الشيء المباح لئلا يشق على أمته، من ذلك قوله لبني عبد المطلب: " لولا أن تغلبوا على سقايتكم لنزعت معكم" (١) ، ودخل الكعبة وقال بعد دخوله: "لوددت أني لم أكن دخلتها أخشى أن أكون أتعبت أمتي" (٢) . وحديث قيس بن سعد يدل على إباحة ذلك، فأخذ المنديل مباح بعد الوضوء والاغتسال" (٣) . اهـ. وهذا درء حسن يزول به التعارض، بل يبين أنه لا تعارض أصلاً، وإنما هو وهم. ٢- ذهب ابن حزم إلى أنه لا حجة في الاثنين، ويبقى الأمر على حله، وبين أنه لا تضاد بين الحديثين قال: "هذا لا يضاد الأول، لأنه ﵇ اشتمل فيها فصارت لباسه (٤) حينئذ، وقال بهذا بعض السلف –وأورد رواية عن عطاء ثم قال-" ولم ينه ﵇ عن ذلك في الوضوء فهو مباح فيه" (٥) . وعلق على هذا الشيخ أحمد شاكر بقوله: "لم يرد عن النبي ﷺ في خبر صحيح نهي عن المنديل بعد الغسل ولا بعد الوضوء ولا يفهم أحد من رده المنديل بعد الغسل أنه كره ذلك. ومن فهم هكذا فإنما اشتبه عليه وجه الحق. وظاهر من مثل هذا أنه إنما رده لعدم الحاجة إليه. لا أنه مكروه شرعا" (٦) .

стр. 133

٣- ذهب الزهري إلى الكراهة وعلل ذلك بقوله: " إنما كره لأن الوضوء يوزن (١) . وعلق الشيخ أحمد شاكر بقوله: هذا تعليل غير صحيح، فإن ميزان الأعمال يوم القيامة ليس كموازين الدنيا، ولا هو مما يدخل تحت الحس في هذه الحياة، وإنما هي من أمور الغيب الذي نؤمن به كما ورد. ٤- وذهب بعض السلف إلى أن التمندل ليس مكروهاً شرعاً وإنما كره للعادة. ذكر أبو داود عن إبراهيم أنه قال: كانوا لا يرون بالمنديل بأساً، ولكن كانوا يكرهون العادة (٢) . ٥- ذهب بعض العلماء إلى أنه لا دليل ولا حجة في حديث ميمونة على الحظر، ولا حجة في أحاديث الإباحة لضعفها عنده، فبقي الأمر على الإباحة، وممن ذهب هذا المذهب النووي في شرحه لمسلم، وذكر المذاهب في التنشيف وعدها خمسة، ورجح الإباحة. (٣) ٦- ذهب ابن قدامة إلى الإباحة، وعلل ذلك بأن الأصل الإباحة، فتركُ النبي – ﷺ لا يدل على الكراهة، فإنه قد يترك المباح، وهذه -أي يعني"المنديل" في حديث ميمونة- قضية في عين يحتمل أنه ترك تلك المنديل لأمر يختص بها، ولأنه إزالة للماء عن بدنه أشبه نفضه بيديه، ولا يكره نفض الماء عن بدنه بيديه لحديث ميمونة. (٤) قلت: فالحاصل أن الاستدلال بحديث ميمونة غير متوجه لأمور: * أنه ﷺ قد يترك المباح ولا يكون تركه لكراهته له. * وأنه ربما ترك المنديل لأمر يختص بعينه دون جنسه. والاستدلال بحديث عائشة وحديث قيس غير متوجه لأمور: * أن الصريح –وهو حديث- عائشة ضعيف. * أن حديث قيس قد ضعف، وإذ قد حققنا سلامته من الضعف فإنا نقول: إنه ليس فيه تصريح بالتنشيف، بل ورد فيه أنه التحف، والالتحاف أشبه باللبس منه بالتنشيف.

стр. 134

فالتعارض المتوهم حاصل بين صريح في النهي وغير صريح في الإباحة، أو صريح غير صحيح فيها، وهذا لا يعد تعارضاً أصلاً إنما قد يتوهمه بعض القراء لذا أوردته هنا. والله أعلم. الباب الرابع: باب الغسل . وفيه مباحث. المبحث الأول: ماذا يجب على الجنب إذا أراد النوم أو الأكل أو المعاودة ؟. المبحث الثاني: هل يجب الغسل بالتقاء الختانين دون إنزال؟. المبحث الثالث: غسل الجمعة. المبحث الرابع: هل يجب الغسل من تغسيل الميت؟. المبحث الخامس: هل يجب دلك الرأس في غسل الجنابة؟. المبحث السادس: التستر عند الغسل في الخلوة. المبحث الأول: ماذا يجب على الجنب إذا أراد النوم أو الأكل أو المعاودة. إن الصلاة لقاء مع الله، ووقوف بين يديه، ودعاء وابتهال وتلاوة لكلامه، يقف المرء فيها بين رب العباد وملك الملوك. لذلك شرع لها الطهارة من الأحداث بحسبها، فإن كان الحدث أصغر لزم الوضوء فحسب، وإن كان الحدث أكبر لزم منه الغسل. ولما كان العلم بأحكام الغسل لازماً لكل فرد حيث يحتاج إليه في حياته؛ لزم من ذلك النظر في الأحاديث التي تكلمت عنه، وذكرت أحكامه، وقد يواجه الناظر في هذه الأحاديث شيء من اللبس حينما يرى بعضها يعارض بعضا. فأحببنا أن نورد ما يمكن أن يلتبس ويشكل على القارئ لنوقفه على ما يزيل عنه هذا اللبس، ونرشده إلى ما يدفع الإشكال. بإذن الله تعالى. وكما أن الأحاديث تكثر في هذا الباب فإن المباحث تتعدد، وأول ما نستهل به هذا الباب مبحث مهم جدا، وهو يجيب في طياته عن هذه التساؤل "هل يجب على الجنب الاغتسال قبل النوم أو الأكل". وهذا المبحث يتعارض فيه أحاديث يذكر بعضها وجوبَ الوضوء لذلك، ويذكر الآخر عدمَ وجوبه. فمما يذكر وجوب الوضوء: ١- عن ابن عمر ﵁ قال: "استفتى عمرُ النبيَّ ﷺ أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: نعم، إذا توضأ".

стр. 135

٢- عن علي بن أبي طالب ﵁، عن النبي – ﷺ قال: "لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة ولا كلب ولا جنب". ومما يذكر عدم وجوب الوضوء ما ورد: عن عائشة –﵂ قالت: " كان رسول الله – ﷺ ينام وهو جنب من غير أن يمس ماء". ذكر ما يوجب الوضوء للجنب قبل النوم: الحديث الأول: عن عبد الله بن عمر قال: "اسْتَفْتَى عُمَرُ النَّبِيَّ ﷺ أَيَنَامُ أَحَدُنَا وَهُوَ جُنُبٌ قَالَ نَعَمْ إِذَا تَوَضَّأَ " (١) . الحديث الثاني: عن علي بن أبي طالب ﵁، عن النبي – ﷺ قال: "لاَ تَدْخُلُ الْمَلاَئِكَةُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ وَلاَ كَلْبٌ وَلاَ جُنُبٌ" (٢) . ذكر ما يدل على إباحة النوم للجنب دون أن يمس ماء:

стр. 136

عن عائشة –﵂ قالت: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنَامُ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمَسَّ مَاءً" (١) . وجه التعارض: إن من يقرأ حديث ابن عمر –﵁ (استفتى عمر النبي – ﷺ أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: نعم إذا توضأ) ؛ يفهم من هذا الحديث أن الوضوء شرط لجواز النوم مع الجنابة، والشرط يأخذ مأخذ الأمر، وقد جاء في بعض الروايات "وليتوضأ" بصيغة الأمر، والأمر للوجوب. فيستدل بهذا الحديث على وجوب الوضوء. كما أن من يقرأ حديث علي بن أبي طالب (لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة ولا كلب ولا جنب) يستدل به على التغليظ الشديد على من ينام وهو جنب، ففيه زجر ونهي عن النوم على حاله. ومن يقرأ حديث عائشة –﵂ (كان رسول الله – ﷺ ينام وهو جنب من غير أن يمس ماء) يفهم منه أنه يجوز للجنب أن ينام على حاله من غير أن يقرب الماء جسده، فيستدل به على جواز ما كان غير جائز في الحديثين الأولين، وبهذا يحصل التعارض، فيحتاج إلى من يوضح له الطريق لحل هذا الإشكال وإزالته، وقد تكلم العلماء في ذلك، ودرؤوا هذا التعارض بما أزال الإشكال وأذهب اللبس، والحمد لله أقوال العلماء في درء التعارض: ١- ذهب الطحاوي ﵀ إلى القول بنسخ الأمر بالوضوء إيجابا سواء كان ذلك للنوم على طهارة أو كان الوضوء للذكر أو لمعاودة الجماع، وأن ذلك كان في أول الأمر إيجابا ثم نسخ الوجوب إلى الاستحباب.

стр. 137

وقد روى في ذلك أحاديث تدل على النسخ منها حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ :"إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ"، قال: فقد يجوز أن يكون أمر بهذا في حال ما كان الجنب لا يستطيع ذكر الله حتى يتوضأ، فأمر بالوضوء ليسمى عند جماعه، كما أمر رسول الله ﷺ في غير هذا الحديث، ثم رخص لهم أن يتكلموا بذكر الله وهم جنب، فارتفع ذلك. وقد روى عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يجامع ثم يعود ولا يتوضأ. فهذا ناسخ. فإن قال قائل: فقد روي عنه أنه كان يطوف على نسائه، فكان يغتسل كلما جامع واحدة منهن وذكر في ذلك حديث أبي رافع: أن رسول الله ﷺ كان إذا طاف على نسائه في يوم، فجعل يغتسل عند هذه وعند هذه، فقيل: يا رسول الله، لو جعلته غسلا واحدا، فقال:" هذا أزكى وأطهر وأطيب" قيل له: في هذا ما يدل على أن ذلك لم يكن على الوجوب، لقوله:" هذا أزكى وأطيب وأطهر"، وقد روى عنه أنه طاف على نسائه بغسل واحد. وذكر بسنده عن أنس ﵁: أن -رسول الله ﷺ طاف على نسائه بغسل واحد" (١) . ٢- ذهب ابن خزيمة إلى درء التعارض بالجمع بين الأحاديث فأورد هذه المسائل (الوضوء للجنب قبل النوم والأكل والمعاودة) . فذكر رواية لحديث ابن عمر –﵁ بلفظ الاستثناء وعدم الطلب الجازم، فأخرج بسنده عن ابن عمر عن عمر: أنه سأل رسول الله – ﷺ أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: " ينام ويتوضأ إن شاء" (٢) . وأورد بعدها بسنده رواية الباب التي لم يرد فيها استثناء.

стр. 138

وبين ﵀ أن الوضوء المأمور به والمندوب إليه هو وضوء الصلاة، ثم ساق رواية بإسناده عن عائشة –﵂ قالت: " كان رسول الله – ﷺ إذا أراد أن ينام وهو جنب، توضأ وضوءه للصلاة" (١) . ثم ذكر أيضاً استحباب غسل الذكر مع الوضوء إذا أراد الجنب أن ينام، وأورد حديث عمر من طريق آخر بلفظ:" اغسل ذكرك وتوضأ ثم ارقد" (٢) . ثم ذكر استحباب الوضوء للجنب إذا أراد أن يأكل، فأورد بسنده حديث عائشة بلفظ:"أن النبي – ﷺ كان إذا أراد أن يأكل أو ينام، وهو جنب، توضأ" (٣) ، ثم رأى أن ما ورد من أمر الوضوء للجنب قبل النوم أو الأكل؛ إنما هو أمر ندب وإرشاد وفضيلة، لا أمر فرض وإيجاب. واستدل بخبر ابن عباس أن النبي – ﷺ قال:" إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة" (٤) . ثم عقب بذكر أمر الوجوب بالوضوء للمعاودة فأورد بسنده حديث أبي سعيد عن النبي – ﷺ قال:" إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد العود فليتوضأ" (٥) . ثم ذكر أن ذلك الوضوء كوضوء الصلاة، وذهب إلى أن الأمر بالوضوء عند المعاودة أمر ندب وإرشاد، وعلل ذلك بأن المتوضئ يكون أنشط للعودة إلى الجماع، لا أن الوضوء بين الجماعين واجب ولا أن الجماع قبل الوضوء وبعد الجماع الأول محظور، ثم استدل بما أخرجه بإسناده عن أبي سعيد: عن النبي ﷺ قال:"إذا أراد أحدكم العود فليتوضأ فإنه أنشط له في العود" (٦) ٣- وجمع ابن قتيبة بقوله: ونحن نقول: إن هذا كله جائز، فمن شاء أن يتوضأ وضوءه للصلاة بعد الجماع ثم ينام، ومن شاء غسل يده وذكره ونام، ومن شاء نام من غير أن يمس ماء، غير أن الوضوء أفضل.

стр. 139

وكان رسول الله – ﷺ يفعل هذا مرة، ليدل على الفضيلة، وهذا مرة ليدل على الرخصة، ويستعمل الناس ذلك. فمن أحب أن يأخذ بالأفضل، أخذ، ومن أحب أن يأخذ بالرخصة أخذ. (١) ٤- وذكر البيهقي جمعاً استحسنه، وهو جمع أبي العباس بن شريح، قال: "فأما حديث عائشة فإنما أراد أن النبي ﷺ كان لا يمس ماء للغسل، وأما حديث عمر فمفسر ذكر فيه الوضوء، وبه نأخذ" (٢) . ٥- قال البغوي:" وإن ثبت الحديث فالنبي- ﷺ كان يفعل ذلك أحيانا ليدل على الرخصة، وكان يتوضأ في أغلب أحواله ليدل على الفضيلة. قال الإمام:"وهذه الأحاديث تدل على أن الجنب إذا أخر الغسل فلا حرج عليه". وما روي عن علي، عن النبي ﷺ قال: " لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة ولا كلب ولا جنب "، فهذا فيمن يتخذ تأخير الاغتسال عادة؛ تهاونا به، فيكون أكثر أوقاته جنبا، وأراد بالملائكة: الذين ينزلون بالبركة والرحمة، دون الملائكة الذين هم الحفظة، فإنهم لا يفارقون الجنب وغير الجنب" (٣) . ٦- ذكر ابن حجر وجها لدرء التعارض، وهو أن مس الماء المقصود به: الغسل، واحتج لهذا المعنى بما رواه أحمد من طريق عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه بلفظ" كان يجنب من الليل ثم يتوضأ وضوءه للصلاة حتى يصبح ولا يمس ماء". قال:" أو كان يفعل الأمرين لبيان الجواز، واحتج لهذا بما رواه هشيم عن عبد الملك عن عطاء عن عائشة مثل رواية أبي إسحاق عن الأسود، وما رواه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما عن ابن عمر:" أنه سأل النبي – ﷺ أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: نعم، ويتوضأ إن شاء"، وأصله في الصحيحين دون قوله إن شاء" (٤) . قلت:

стр. 140

وقد تبين لي بعد النظر في ألفاظ هذه الأحاديث المختلفة، وتتبع طرقها ورواياتها، وأقوال العلماء ومذاهبهم فيها؛ أنه لا تعارض بين هذه الأحاديث ولا اختلاف. وذلك لأمور: ١- أن حديث عمر بن الخطاب جاء فيه لفظ "ليتوضأ" وهذا يدل على الأمر، والأمر يدل على الوجوب إذا كان أمرا خالصاً جازماً لا ينصرف بصارف، وقد انصرف الأمر في هذا الحديث عن الوجوب بقرائن: أ- ورد في بعض رواياته لفظ يدل على الاختيار فإن شاء توضأ وإن شاء لم يتوضأ، وهو ما رواه ابن خزيمة، وقد تقدم ذكره. ب- أن النبي ﷺ قد بين متى يجب الوضوء وذلك بقوله: " إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة" (١) . وبذلك يكون الوضوء لغير الصلاة ليس مأموراً به أمر إيجاب. ٢- أن حديث عائشة، على افتراض صحته، فإنما نفى مس الماء في الغسل، وأما الوضوء فورد في نفس الحديث بلفظ آخر أنه توضأ، وذلك في رواية أحمد "كان يجنب من الليل ثم يتوضأ وضوءه للصلاة حتى يصبح ولا يمس ماء" وهذه رواية صريحة تجمع بين الوضوء ونفي مس الماء، فدل على أن نفي مس الماء إنما يراد به نفي الغسل. ٣- أما حديث علي بن أبي طالب فقد بينت ضعفه، وعلى افتراض صحته: فإن الجنب وإن توضأ فلا ينصرف عنه وصف الجنابة، بدليل أنه لا يقرأ القرآن ولا يمس المصحف، فإذا كانت الملائكة لا تدخل بيتاً فيه جنب؛ فإن الرجل وإن توضأ فلن تدخل الملائكة بيته، لبقاء الجنابة عليه، وكيف يكون ذلك وقد ثبت أن رسول الله ﷺ نام وهو جنب، ولم يغتسل إلا بعد أن استيقظ. فلذا أقول: إنه لا تعارض بين هذه الأحاديث، فيجوز أن ينام الجنب ويأكل ويشرب ويعاود دون أن يتوضأ، أخذاً بالرخصة، ويجوز له أن يتوضأ - وهو أفضل- للنوم من غير وضوء، فإن اغتسل فهو أفضل من ذلك كله. ... والله أعلم.

стр. 141

المبحث الثاني: هل يجب الغسل بالتقاء الختانين دون إنزال ؟ ومما يشكل في هذا المبحث أحاديث جاءت لتبين موجبا من موجبات الغسل وهو الجماع، ولكن اختلفت في بيان ما يجب الغسل منه، فمنها ما يدل على أن الموجب للغسل هو نزول الماء، ومنها ما يدل على أن الموجب له التقاء الختانين فقط، أنزل أم لم ينزل. فمما استدل به على إيجاب الغسل بإنزال الماء وعد إيجابه من التقاء الختانين أحاديث: ١- عن زيد بن خالد الجهني أنه سأل عثمان بن عفان فقال: أرأيت إن جامع الرجل امرأته فلم يمن؟ قال عثمان: " يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ويغسل ذكره"، قال عثمان: سمعته من رسول الله ﷺ . ٢- أن رسول الله ﷺ مر على رجل من الأنصار فأرسل إليه، فخرج ورأسه يقطر، فقال: "لعلنا أعجلناك"، قال: نعم يا رسول الله، قال: " إذا أعجلت أو قحطت (١) فلا غسل عليك وعليك الوضوء". ٣- "إنما الماء من الماء". ومما استدل به على إيجاب الغسل بالتقاء الختانين وإن لم ينزل: حديث: " إذا جلس بين شعبه الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل". ذكر ما استدل به على عدم وجوب الغسل من التقاء الختانين دون إنزال: الحديث الأول: أن زيد بن خالد الجهني أخبره: أَنَّهُ سَأَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَقَالَ أَرَأَيْتَ إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فَلَمْ يُمْنِ قَالَ عُثْمَانُ يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ قَالَ عُثْمَانُ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ وَطَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ ﵃ فَأَمَرُوهُ بِذَلِكَ.

стр. 142

قَالَ يَحْيَى وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . (١) الحديث الثاني: عن أبي سعيد الخدري: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَخَرَجَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ فَقَالَ «لَعَلَّنَا أَعْجَلْنَاكَ» . قَالَ نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ «إِذَا أُعْجِلْتَ أَوْ أَقْحَطْتَ فَلاَ غُسْلَ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ الْوُضُوءُ» . وَقَالَ ابْنُ بَشَّارٍ «إِذَا أُعْجِلْتَ أَوْ أُقْحِطْتَ" (٢) . الحديث الثالث: عن أبي سعيد الخدري عن النبي – ﷺ أنه قال: "إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ " (٣) . ذكر ما استدل به على إيجاب الغسل بالتقاء الختانين وإن لم ينزل: عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ الْغَسْلُ" (٤) . وجه التعارض:

стр. 143

من يقرأ في حديث زيد بن خالد ﵁ وحديثي أبي سعيد –﵁؛ يجد أن هذه الأحاديث تفيد عدم وجوب الغسل من التقاء الختانين والإيلاج إذا لم ينزل، وإنما عليه الوضوء وغسل الفرج. وقد جاءت هذه الأحاديث صريحة بذلك وهي صحيحة ثابتة، كما أن من يقرأ حديث أبي هريرة –﵁ يجد أن هذا الحديث يدل على أن من جامع وجب عليه الغسل مطلقاً، سواء أنزل أم لم ينزل. وهو حديث صحيح صريح بذلك. فلما كان هذا التعارض، وجب النظر في هذه الأحاديث ومعرفة كيف نؤلف بينها، وقد تكلم العلماء فيها بما يشفي، وهذا عرض لأقوالهم في ذلك. أقوال العلماء في درء تعارض هذه الأحاديث: ١- ذهب الشافعي إلى النسخ، حيث أورد حديث عدم الإيجاب من طريق أبي؛ وحديث الإيجاب من طريق عائشة ﵄، ثم أورد بسنده حديث رجوع أبي عن قوله فقال: "عن أبي بن كعب أنه كان يقول: ليس على من لم ينزل غسل، ثم نزع عن ذلك أبي قبل أن يموت (١) . ثم قال:" وإنما بدأت بحديث أبي في قوله "الماء من الماء"، ونزوعه، أن فيه دلالة على أنه سمع "الماء من الماء" عن النبي – ﷺ ولم يسمع خلافه فقال به، ثم لا أحسبه تركه إلا لأنه ثبت له أن رسول الله ﷺ قال بعده ما نسخه. وقال:" وحديث الماء من الماء ثابت الإسناد، وهو عندنا منسوخ بما حكيت، فيجب الغسل من الماء، ويجب إذا غيب الرجل ذكره في فرج المرأة حتى يواري حشفته".

стр. 144

ثم ذكر رأي من خالفه في قوله هذا ومناقشته له. قال: " فخالفنا بعض أصحاب الحديث من أهل ناحيتنا وغيرهم، فقالوا: لا يجب على الرجل إذا بلغ من امرأته ما شاء الغسل حتى يأتي منه الماء الدافق، واحتج فيه بحديث أبي بن كعب وغيره مما يوافقه، وقال: أما قول عائشة:"فعلته أنا ورسول الله فاغتسلنا"، فقد يكون تطوعا منهما بالغسل، ولم تقل إن النبي ﵊ قال عليه الغسل. قال الشافعي: فقلت له الأغلب أن عائشة لا تقول إذا مس الختان الختان أو جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل وتقول فعلته أنا ورسول الله فاغتسلنا؛ إلا خبرا عن رسول الله بوجوب الغسل منه، قال: فيحتمل أن تكون لما رأت النبي ﷺ اغتسل اغتسلت ورأته واجبا، ولم تسمع من النبي ﷺ إيجابه، فقلت: نعم، قال: فليس هذا خبرا عن النبي ﷺ فقلت: الأغلب أنه خبر عنه.

стр. 145

قال: وأما حديث علي بن زيد فليس مما يثبته أهل الحديث وهو لا تقوم به الحجة، فقلت له: فإن أبي بن كعب قد رجع عن قوله "الماء من الماء" بعد قوله به عمرا من عمره، وهو يشبه أن لا يكون رجع إلا بخبر يثبت عن النبي ﷺ ، قال: إن هذا لأقوى فيه من غيره وما هو بالبين، وقلت له: ما أعلم عندنا من جهة الحديث شيئا أكبر من هذا، قال: فمن جهة غير الحديث؟ فقلت: نعم، قال الله جل ثناؤه: (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى) إلى قوله (حتى تغتسلوا (١) فكان الذي يعرفه من خوطب بالجنابة من العرب أنها الجماع دون الإنزال، ولم تختلف العامة أن الزنا الذي يجب به الحد: الجماع دون الإنزال، وأن من غابت حشفته في فرج امرأة وجب عليه الحد، وكان الذي يشبه أن الحد لا يجب إلا على من أجنب من حرام، وقلت له: قد يحتمل أن يقال حديث أبي: إذا جامع أحدنا فأكسل أن ينزل أن يقول: إذا صار إلى الجماع ولم يغيب حشفته فأكسل، فلا يكون حديث الغسل إذا التقى الختانان مخالفا له، قال: أفتقول بهذا؟ فقلت: إن الأغلب أنه إذا بلغ أن يلتقي الختانان ولم ينزل، وكذلك والله أعلم الأغلب من قول عائشة "فعلته أنا والنبي – ﷺ فاغتسلنا" على إيجاب الغسل، لأنها توجب الغسل إذا التقى الختانان.
следующие страницы →