← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 7802

دفع إيهام تعارض أحاديث الأحكام في كتاب الطهارة

رقية المحارب

Полный текст (219 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ومما يمنعه حديث عائشة –﵂ قالت: (من حدثكم أن النبي ﷺ كان يبول قائماً فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعداً) . الحديث الذي يفيد إباحة البول قائماً: عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: "رَأَيْتُنِي أَنَا وَالنَّبِيُّ ﷺ نَتَمَاشَى فَأَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ خَلْفَ حَائِطٍ فَقَامَ كَمَا يَقُومُ أَحَدُكُمْ فَبَالَ فَانْتَبَذْتُ مِنْهُ فَأَشَارَ إِلَيَّ فَجِئْتُهُ فَقُمْتُ عِنْدَ عَقِبِهِ حَتَّى فَرَغَ" (١) الحديث الذي يفيد المنع من البول قائماً: عن عائشة ﵂ قالت: "مَنْ حَدَّثَكُمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَبُولُ قَائِمًا فَلَا تُصَدِّقُوهُ، مَا كَانَ يَبُولُ إِلَّا قَاعِدًا " (٢) . أقوال العلماء في درء التعارض: ١- جمع الترمذي بين هذه الأحاديث بأن حمل النبي من البول قائما على التأدب لا على التحريم " (٣) .

стр. 72

٢- ودرأ ابن حبان التعارض بين الحديثين "بأن حدث حذيفة ﵁ كان له سبب،وهو عدم الإمكان من الجلوس، وذاك أن المصطفى – ﷺ أتى سباطة قوم، وهي المزبلة، فأراد أن يبول فلم يتهيأ له الإمكان لأن المرء إذا قعد يبول على شيء مرتفع ربما تفشى البول فرجع إليه، فمن أجل عدم إمكانه من القعود لحاجة بال قائماً. وعائشة ﵂ لم تكن معه في ذلك الوقت، إنما كانت تراه في البيوت يبول قاعداً فحكت ما رأت، وأخبر حذيفة بما عاين" (١) . ٣- وكذا درأ ابن قتيبة هذا التعارض بقوله: "لم يبل قائماً قط في منزله والموضع الذي كانت تحضره عائشة –﵂-وبال قائماً في المواضع التي لا يمكن أن يطمئن فيها، إما للثق (٢) في الأرض وطين وقذر. وكذلك الموضع الذي رأى فيه رسول الله ﷺ حذيفة يبول قائما كان مزبلة لقوم، فلم يمكنه القعود فيه ولا الطمأنينة وحكم الضرورة خلاف حكم الاختيار" (٣) . ٤- وذكر الخطابي لبوله – ﷺ قائماً وجوهاً منها: ١-أنه لم يجد للقعود مكانا فاضطر إلى القيام إذ كان ما يليه من طرف السباطة مرتفعا عالياً. ٢- وقيل: إنه كان برجله جرح لم يتمكن من القعود معه وقد روي ذلك في حديث أبي هريرة-﵁ أن رسول الله ﷺ بال قائماً من جرح كان بمأبضه (٤) . ٣-وحدثونا عن الشافعي أنه قال: كانت العرب تستشفي لوجع الصلب بالبول قائماً. فترى أنه لعلة به إذ ذاك وجع الصلب (٥) .

стр. 73

٥- وقال ابن القيم: والصحيح أنه إنما فعل ذلك-أي البول قائماً- تنزها وبعدا من إصابة البول، فإنه إنما فعل هذا لما أتى سباطة قوم وهو ملقى الكناسة وتسمى المزبلة، وهي تكون مرتفعة، فلو بال فيها الرجل قاعدا لارتد عليه بوله وهو ﷺ استتر بها وجعلها بينه وبين الحائط فلم يكن بد من بوله قائماً (١) . ٦-وذكر النووي الأوجه الثلاثة التي حكاها الخطابي وزاد وجهاً رابعاً عن المارزي والقاضي عياض رحمهما الله وهو أنه بال قائماً لكونها حالة يؤمن خروج الحدث من السبيل الآخر في الغالب بخلاف حالة القعود، ولذلك قال عمر: البول قائماً أحصن للدبر. ويجوز وجه خاص أنه- ﷺ فعله للجواز في هذه المرة وكانت عادته المستمرة يبول قاعداً ويدل عليه حديث عائشة –﵂ قالت: من حدثكم أن النبي – ﷺ كان يبول قائماً فلا تصدقوه ما كان يبول إلا قاعداً (٢) . رواه أحمد بن حنبل والترمذي والنسائي وآخرون. وإسناده جيد والله أعلم. وقد روي في النهي عن البول قائماً أحاديث لا تثبت، ولكن حديث عائشة هذا ثابت فلهذا قال العلماء: يكره البول قائماً إلا لعذر، وهي كراهة تنزيه لا تحريم. قال ابن المنذر في الإشراق: اختلفوا في البول قائماً فثبت عن عمر ابن الخطاب –﵁ وزيد بن ثابت وابن عمر وسهل بن سعد أنهم بالوا قياما، قال: وروي ذلك عن أنس وعلى وأبي هريرة ﵃ وفعل ذلك بن سيرين وعروة بن الزبير وكرهه بن مسعود والشعبي وإبراهيم بن سعد وكان إبراهيم بن سعد لا يجيز شهادة من بال قائماً.

стр. 74

وفيه قول ثالث: أنه كان في مكان يتطاير إليه من البول شيء فهو مكروه، فان كان لا يتطاير فلا بأس به، وهذا قول مالك قال بن المنذر: البول جالسا أحب إلى وقائما مباح وكل ذلك ثابت عن رسول الله ﷺ هذا كلام ابن المنذر والله أعلم. (١) ٧- وأورد السيوطي هذه الأوجه الخمسة، وزاد:" وذكر المنذري وجهاً سادساً أنه لعله كان فيهما نجاسات رطبة وهي رخوة فخشي أن تتطاير عليه قال ابن سيد الناس في شرح الترمذي: كذا ولعل القائم أجدر بهذه الخشية على القاعد، قلت مع أنه يؤول إلى الوجه الثالث، وذهب أبو عوانة وابن شاهين إلى أنه منسوخ. (٢) ٨- وذكر ابن حجر الأوجه التي ذكرها النووي وعلق على الوجه الثاني بقوله:" ولو صح هذا الحديث لكان فيه غنى عن جميع ما تقدم لكن ضعفه الدارقطني والبيهقي والأظهر أنه فعله لبيان الجواز، وكان أكثر أحواله البول عن قعود. والله أعلم. وسلك أبو عوانة في صحيحه وابن شاهين فيه مسلكاً آخر فزعما أن البول عن قيام منسوخ، واستدلا عليه بحديث عائشة الذي قدمناه "ما بال قائماً منذ أنزل عليه القرآن" وبحديثها أيضاً " من حدثكم أنه كان يبول قائماً فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعداً"، والصواب أنه غير منسوخ، والجواب عن حديث عائشة أنه مستند إلى علمها فيحمل على ما وقع منه في البيوت، وأما في غير البيوت فلم تطلع عليه، وقد حفظه حذيفة وهو من كبار الصحابة، وقد بينا أن ذلك كان بالمدينة فتضمن الرد على ما نفته من أن ذلك لم يقع بعد نزول القرآن، وقد ثبت عن عمر وعلي وزيد بن ثابت وغيرهم أنهم بالوا قياماً، وهو دال على الجواز من غير كراهة إذا أمن الرشاش، والله أعلم. ولم يثبت عن النبي – ﷺ في النهي عنه شيء ... " (٣) .

стр. 75

٨- قال الزركشي: " وجمع بعضهم بين الروايتين لأن النفي في حديث عائشة ورد على صيغة (كان) بمعنى الاستمرار في الأغلب، وحديث حذيفة ليس فيه (كان) فلا يدل على مطلق الفعل ولو مرة" (١) . قلت: بعد النظر في أقوال الأئمة في الجمع بين الأحاديث يترجح لدي أن النبي ﷺ إنما بال قائماً لضرورة وإلا فعادته البول قاعداً، فمن اضطر إلى البول قائماً لعلة فلا حرج عليه، ومن لم يكن له علة فيكره له أن يبول قائماً لأن في ذلك احتمال وصول الرشاش وبعض النجاسة إليه. والله أعلم. الباب الثاني. وفيه مبحث: آنية الكفار . وتتعارض في هذا الباب أحاديث تتعلق بحكم آنية الكفار من حيث النجاسة والطهارة. فنجد أحاديث تفيد نجاسة آنية لكفار ووجوب غسلها، وأحاديث تفيد طهارة هذه الآنية وعدم وجوب غسلها. فمما يدل على النجاسة: (أما ما ذكرت من أنك بأرض قوم أهل كتاب تأكل في آنيتهم فإن وجدتم غير آنيتهم فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا فاغسلوها ثم كلوا فيها) . ومما يدل على الطهارة: ١- (كنا نغزو مع رسول الله ﷺ فنصيب من آنية المشركين وأسقيتهم، فنستمتع بها، فلا يعيب ذلك علينا) . ٢- (أنه ﷺ توضأ من مزادة مشركة) . الحديث الذي يدل على نجاسة آنية الكفار:

стр. 76

عن أبي ثعلبة الخشني –﵁ قال: (أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ الْكِتَابِ نَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ وَأَرْضِ صَيْدٍ أَصِيدُ بِقَوْسِي وَأَصِيدُ بِكَلْبِي الْمُعَلَّمِ وَالَّذِي لَيْسَ مُعَلَّمًا فَأَخْبِرْنِي مَا الَّذِي يَحِلُّ لَنَا مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ أَمَّا مَا ذَكَرْتَ أَنَّكَ بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ الْكِتَابِ تَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَ آنِيَتِهِمْ فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا ثُمَّ كُلُوا فِيهَا وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ أَنَّكَ بِأَرْضِ صَيْدٍ فَمَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ ثُمَّ كُلْ وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الْمُعَلَّمِ فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ ثُمَّ كُلْ وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الَّذِي لَيْسَ مُعَلَّمًا فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْ) (١) . الأحاديث التي تفيد طهارة آنية الكفار: الحديث الأول: عن جابر –﵁-قال: (كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنُصِيبُ مِنْ آنِيَةِ الْمُشْرِكِينَ وَأَسْقِيَتِهِمْ فَنَسْتَمْتِعُ بِهَا فَلاَ يَعِيبُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ) (٢) . الحديث الثاني:

стр. 77

عن عمران –﵁-قال: "كُنَّا فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنَّا أَسْرَيْنَا حَتَّى كُنَّا فِي آخِرِ اللَّيْلِ وَقَعْنَا وَقْعَةً وَلَا وَقْعَةَ أَحْلَى عِنْدَ الْمُسَافِرِ مِنْهَا فَمَا أَيْقَظَنَا إِلَّا حَرُّ الشَّمْسِ وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ اسْتَيْقَظَ فُلَانٌ ثُمَّ فُلَانٌ ثُمَّ فُلَانٌ يُسَمِّيهِمْ أَبُو رَجَاءٍ فَنَسِيَ عَوْفٌ ثُمَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الرَّابِعُ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا نَامَ لَمْ يُوقَظْ حَتَّى يَكُونَ هُوَ يَسْتَيْقِظُ لِأَنَّا لَا نَدْرِي مَا يَحْدُثُ لَهُ فِي نَوْمِهِ فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ عُمَرُ وَرَأَى مَا أَصَابَ النَّاسَ وَكَانَ رَجُلًا جَلِيدًا فَكَبَّرَ وَرَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ فَمَا زَالَ يُكَبِّرُ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ حَتَّى اسْتَيْقَظَ بِصَوْتِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ شَكَوْا إِلَيْهِ الَّذِي أَصَابَهُمْ قَالَ لَا ضَيْرَ أَوْ لَا يَضِيرُ ارْتَحِلُوا فَارْتَحَلَ فَسَارَ غَيْرَ بَعِيدٍ ثُمَّ نَزَلَ فَدَعَا بِالْوَضُوءِ فَتَوَضَّأَ وَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ فَصَلَّى بِالنَّاس فَلَمَّا انْفَتَلَ مِنْ صَلَاتِهِ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مُعْتَزِلٍ لَمْ يُصَلِّ مَعَ الْقَوْمِ قَالَ مَا مَنَعَكَ يَا فُلَانُ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ الْقَوْمِ قَالَ أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلَا مَاءَ قَالَ عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ ثُمَّ سَارَ النَّبِيُّ ﷺ فَاشْتَكَى إِلَيْهِ النَّاسُ مِنْ الْعَطَشِ فَنَزَلَ فَدَعَا فُلَانًا كَانَ يُسَمِّيهِ أَبُو رَجَاءٍ نَسِيَهُ عَوْفٌ وَدَعَا عَلِيًّا فَقَالَ اذْهَبَا فَابْتَغِيَا الْمَاءَ فَانْطَلَقَا فَتَلَقَّيَا امْرَأَةً بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ أَوْ

стр. 78

سَطِيحَتَيْنِ مِنْ مَاءٍ عَلَى بَعِيرٍ لَهَا فَقَالَا لَهَا أَيْنَ الْمَاءُ قَالَتْ عَهْدِي بِالْمَاءِ أَمْسِ هَذِهِ السَّاعَةَ وَنَفَرُنَا خُلُوفًا قَالَا لَهَا انْطَلِقِي إِذًا قَالَتْ إِلَى أَيْنَ قَالَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الصَّابِئُ قَالَا هُوَ الَّذِي تَعْنِينَ فَانْطَلِقِي فَجَاءَا بِهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَحَدَّثَاهُ الْحَدِيثَ قَالَ فَاسْتَنْزَلُوهَا عَنْ بَعِيرِهَا وَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ بِإِنَاءٍ فَفَرَّغَ فِيهِ مِنْ أَفْوَاهِ الْمَزَادَتَيْنِ أَوْ سَطِيحَتَيْنِ وَأَوْكَأَ أَفْوَاهَهُمَا وَأَطْلَقَ الْعَزَالِيَ وَنُودِيَ فِي النَّاسِ اسْقُوا وَاسْتَقُوا فَسَقَى مَنْ شَاءَ وَاسْتَقَى مَنْ شَاءَ وَكَانَ آخِرُ ذَاكَ أَنْ أَعْطَى الَّذِي أَصَابَتْهُ الْجَنَابَةُ إِنَاءً مِنْ مَاءٍ قَالَ اذْهَبْ فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ وَهِيَ قَائِمَةٌ تَنْظُرُ إِلَى مَا يُفْعَلُ بِمَائِهَا وَايْمُ اللَّهِ لَقَدْ أُقْلِعَ عَنْهَا وَإِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْنَا أَنَّهَا أَشَدُّ مِلْأَةً مِنْهَا حِينَ ابْتَدَأَ فِيهَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ اجْمَعُوا لَهَا فَجَمَعُوا لَهَا مِنْ بَيْنِ عَجْوَةٍ وَدَقِيقَةٍ وَسَوِيقَةٍ حَتَّى جَمَعُوا لَهَا طَعَامًا فَجَعَلُوهَا فِي ثَوْبٍ وَحَمَلُوهَا عَلَى بَعِيرِهَا وَوَضَعُوا الثَّوْبَ بَيْنَ يَدَيْهَا قَالَ لَهَا تَعْلَمِينَ مَا رَزِئْنَا مِنْ مَائِكِ شَيْئًا وَلَكِنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي أَسْقَانَا فَأَتَتْ أَهْلَهَا وَقَدْ احْتَبَسَتْ عَنْهُمْ قَالُوا مَا حَبَسَكِ يَا فُلَانَةُ قَالَتْ الْعَجَبُ لَقِيَنِي رَجُلَانِ فَذَهَبَا بِي إِلَى هَذَا الَّذِي يُقَالُ لَهُ الصَّابِئُ فَفَعَلَ كَذَا

стр. 79

وَكَذَا فَوَاللَّهِ إِنَّهُ لَأَسْحَرُ النَّاسِ مِنْ بَيْنِ هَذِهِ وَهَذِهِ وَقَالَتْ بِإِصْبَعَيْهَا الْوُسْطَى وَالسَّبَّابَةِ فَرَفَعَتْهُمَا إِلَى السَّمَاءِ تَعْنِي السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ أَوْ إِنَّهُ لَرَسُولُ اللَّهِ حَقًّا فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ بَعْدَ ذَلِكَ يُغِيرُونَ عَلَى مَنْ حَوْلَهَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَلَا يُصِيبُونَ الصِّرْمَ الَّذِي هِيَ مِنْهُ فَقَالَتْ يَوْمًا لِقَوْمِهَا مَا أُرَى أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ يَدْعُونَكُمْ عَمْدًا فَهَلْ لَكُمْ فِي الْإِسْلَامِ فَأَطَاعُوهَا فَدَخَلُوا فِي الْإِسْلَامَِ) (١) . أقوال العلماء في درء التعارض: ١- ذهب النووي إلى أن النهي الوارد في حديث أبي ثعلبة إنما المراد به النهي عن الأكل في آنيتهم التي كانوا يطبخون فيها لحم الخنزير ويشربون الخمر كما صرح به في رواية أبي داود "إنا نجاور أهل كتاب، وهم يطبخون في قدورهم الخنزير، ويشربون في آنيتهم الخمر" (٢) وإنما نهي عن الأكل فيها بعد الغسل للاستقذار ولكونها معتادة للنجاسة (٣) . ٢- قال ابن القيم في حديث جابر:" ظاهر هذا يبيح استعمال آنية المشركين على الإطلاق، من غير غسل لها وتنظيف، وهذه الإباحة مقيدة، بالشرط المذكور في حديث أبي ثعلبة، وهو العلم بأنهم لا يطبخون فيها لحم الخنزير ولا يشربون الخمر، أما إذا علم أنهم يطبخون فيها لحم الخنزير ويشربون الخمر فلا يجوز استعمالها إلا بعد الغسل والتنظيف (٤) .

стр. 80

٣- قال ابن تيمية:" الصحيح أن أوانيهم لا تستعمل إلا بعد غسلها فإن ذبائحهم ميتة، فلابد أن يصيب أوانيهم المستعملة ما يطبخونه من ذبائحهم فتنجس بذلك، فأما الآنية التي لا يغلب على الظن وصول النجاسة إليها فتستعمل من غير غسل كآنية اللبن التي لا يضعون فيها طبيخهم، أو يغسلونها قبل وضع اللبن فيها (١) . ٤- قال الإمام البغوي:" الأمر بغسل إناء الكفار فيما إذا علم نجاسته يقيناً لرواية مسلم بن مشكم. وفيه (إن لم تجدوا غيرها فارحضوها بالماء) (٢) يعني اغسلوها، فأما إذا لم يتيقن نجاسته فالأصل طهارته" (٣) . ٥- قال ابن حجر: قال ابن دقيق العيد: وقد اختلف الفقهاء في ذلك بناء على تعارض الأصل والغالب، واحتج من قال بما دل عليه هذا الحديث بأن الظن المستفاد من الغالب راجح على الظن المستفاد من الأصل، وأجاب من قال بأن الحكم للأصل حتى تتحقق النجاسة بجوابين: أحدهما: أن الأمر بالغسل محمول على الاستحباب احتياطاً جمعاً بينه وبين ما دل على التمسك بالأصل، والثاني أن المراد بحديث أبي ثعلبة حال من يتحقق النجاسة، ويؤيده ذكر المجوس لأن أوانيهم نجسة لكونهم لا تحل ذبائحهم.

стр. 81

وذكر رأي النووي كما تقدم بمعناه ثم قال: " وإن كان الأولى الغسل للخروج من الخلاف لا لثبوت الكراهة في ذلك، ويحتمل أن يكون استعمالها بلا غسل مكروهاً بناء على الجواب الأول، وهو الظاهر من الحديث، وأن استعمالها مع الغسل رخصة إذا وجد غيرها فإن لم يجد جاز بلا كراهة للنهي عن الأكل فيها مطلقاً، وتعليق الإذن على عدم غيرها مع غسلها، وتمسك بهذا بعض المالكية لقولهم أنه يتعين كسر آنية الخمر على كل حال بناء على أنها لا تطهر بالغسل، واستدل بالتفصيل المذكور لأن الغسل لو كان مطهراً لما كان للتفصيل معنى، وتعقب بأنه لم ينحصر في كون العين تصير نجسة بحيث لا تطهر أصلاً بل يحتمل أن يكون التفصيل للأخذ بالأولى، فإن الإناء الذي يطبخ فيه الخنزير يستقذر ولو غسل، كما يكره الشرب في المحجمة ولو غسلت استقذاراً، ومشى ابن حزم على ظاهريته فقال: "لا يجوز استعمال آنية أهل الكتاب إلا بشرطين: أحدهما أن لا يجد غيرها، والثاني غسلها" (١) . وأجيب بما تقدم من أن أمره بالغسل عند فقد غيرها دال على طهارتها بالغسل، والأمر باجتنابها عند وجود غيرها للمبالغة في التنفير عنها كما في حديث سلمة الآتي بعد في الأمر بكسر القدور التي طبخت فيها الميتة فقال رجل: أو نغسلها فقال: أو ذاك. فأمر بالكسر للمبالغة في التنفير عنها ثم أذن في الغسل ترخيصاً، فكذلك يتجه هنا. والله أعلم (٢) . قلت: وبعد عرض الأحاديث وأقوال العلماء تبين لي ما يلي: ١- أن حديث أبي ثعلبة جاء مفصلاً في رواية أبي داود بأن النهي فيما إذا علمت نجاسة الإناء، وأما اشتراط وجود غيره فإن هذا النهي للاستقذار والذي دعانا للقول بأنه للاستقذار ثبوت استعمال النبي – ﷺ وبعض أصحابه لآنية المشركين.

стр. 82

٢-أن حديث جابر إما أن يكون بعد ورود حديث أبي ثعلبة فيكونون على علم بالأمر بالغسل فهم يغسلونها ويستعملونها ولا يعاب عليهم الاستعمال، وهو بيان للاستمرار في الإباحة. وإما أن يكون قبل وروده فيكون حديث أبي ثعلبة بياناً لهم ليغسلوها قبل استعمالها حيث كانوا لا يعلمون ذلك. ٣-أن حديث عمران بن حصين لا دلالة فيه -عندي- على طهارة آنية المشركين، ذلك أن النبي ﷺ لم يتوضأ منها مباشرة بل أفرغ منها وتزايد الماء حتى بلغ حد كفاية الجميع وملء أسقيتهم فهو لا ريب أكثر من القلتين بكثير مما دعا المرأة للعجب واتهام النبي ﷺ بالسحر، وقد حققنا في الباب الأول أن الماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث، وإنما سقته وعرضته لاستدلال الفقهاء به. والله أعلم. الباب الثالث. باب الوضوء . وفيه مباحث: الأول: هل أكل ما مست النار من نواقض الوضوء. الثاني: هل يتوضأ من مس ذكره أم لا؟ الثالث: هل النوم من نواقض الوضوء. الرابع: التسمية قبل الوضوء. الخامس: هل يجب المضمضة والاستنشاق والاستنثار في الوضوء. السادس: حكم تخليل اللحية الكثة في الوضوء. السابع: الاطلاء بالنورة. الثامن: التمندل (استعمال المنديل بعد الوضوء) . المبحث الأول: هل أكل ما مسَّت النار من نواقض الوضوء . لما كان أصحاب رسول الله ﷺ ينقلون كل ما سمعوا عن رسول الله ﷺ ويحكون ما شاهدوا منه، فقد حفلت السيرة النبوية بحياته ﷺ وهديه في كل الأمور، العبادات والمعاملات والأخلاق وغيرها، كل ذلك ينقل بدقة وحرص شديد. ومما لا ريب فيه أنت الله شرع أموراً ثم نسخها وورد عن رسول الله ﷺ أحكام ثم غيرها، وورد عنه إطلاق ثم تقييد، وإجمال ثم تفصيل.

стр. 83

ولم يكن أهل الحديث ليدعوا شيئاً يفوتهم بل كل ذلك مدون في كتبهم، فلا يخلو إذاً ما كتبوه وما نقلوه من تعارض، لأن المصنفين قد لا يبينون المجمل من المفصل أو المطلق من المقيد أو الناسخ من المنسوخ. فيظن القارئ لكتب السنة أن هناك تعارضاً في هذه الأحاديث التي دونت ونقلت إلينا، ولذا كتب بعض العلماء مصنفات مستقلة يجمع فيها ذلك درءا للتعارض. وكان مما تعارض في كتب السنة أحاديث فيما مسته النار، فبعضها يستدل به على وجوب الوضوء مما مسته النار وأن الأكل منه ناقض للوضوء وبعضها يستدل به على عدم وجوبه وعدم نقضه للوضوء. فمما يبين وجوب الوضوء قوله ﷺ : (توضئوا مما مست النار) . ومما يبين عدم وجوبه أن رسول الله – ﷺ (أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ) . ذكر ما يدل على وجوب الوضوء مما مست النار: عن عبيد الله بن إبراهيم بن قارض أَنَّهُ وَجَدَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَتَوَضَّأُ عَلَى الْمَسْجِدِ فَقَالَ: إِنَّمَا أَتَوَضَّأُ مِنْ أَثْوَارِ أَقِطٍ (١) أَكَلْتُهَا لأَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "تَوَضَّئُوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ" (٢) . ذكر ما يدل على ترك الوضوء مما مست النار:

стр. 84

عن ابن عباس –﵁:" أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ" (١) . وجه التعارض: إن من يقرأ حديث أبي هريرة (توضئوا مما مست النار) يجده معارضاً لحديث ابن عباس (أن رسول الله ﷺ أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ) . وذلك أن حديث أبي هريرة يفيد مخالفة رسول الله – ﷺ بفعله لهذا الأمر لأنه أكل ما مسته النار ثم صلى ولم يتوضأ. أقوال العلماء في درء التعارض: ١- ذهب بعض أهل العلم إلى الأخذ بأحاديث الوضوء مما مست النار، وممن ذهب هذا المذهب ابن عمر، وأبو طلحة، وأنس بن مالك، وأبو موسى، وعائشة، وزيد بن ثابت، وأبو هريرة، وأبو غزة الهذلي، وعمر بن عبد العزيز، وأبو مجلز لاحق بن حميد، وأبو قلابة، ويحيى بن يعمر، والحسن البصري، والزهري (٢) . ٢- ذهب أكثر أهل العلم وفقهاء الأمصار إلى ترك الوضوء مما مست النار، ورأوه آخر الأمرين من فعل النبي ﷺ ، وممن ذهب هذا المذهب، الخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وعامر بن ربيعة، وأبي بن كعب، وأبو أمامة، وأبو الدرداء، والمغيرة بن شعبة، وجابر بن عبد الله، والقاسم بن محمد، ومن معهما من فقهاء أهل المدينة، والفقهاء الأربعة، وغيرهم (٣) . وقد بين الطحاوي وجه درء تعارض هذه الأحاديث في شرح معاني الآثار بحيث ذكر أحاديث الإيجاب بأسانيدها، وذكر أحاديث ترك الوضوء بأسانيدها ثم قال:

стр. 85

" قد يجوز أن يكون ما أمر به من الوضوء في الآثار الأول هو وضوء الصلاة، ويجوز أن يكون هو غسل اليد لا وضوء الصلاة، إلا أنه قد ثبت عنه بما رويناه أنه توضأ، وأنه لم يتوضأ، فأردنا أن نعلم ما الآخر من ذلك. فإذا ابن أبي داود وأبو أمية وأبو زرعة الدمشقي قد حدثونا، قالوا: حدثنا علي ابن عباس قال: ثنا شعيب بن أبي حمزة عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار" (١) . ثم ذكر ذلك من فعل أبي هريرة –﵁، ثم قال: "فثبت بما ذكرنا أن آخر الأمرين من رسول الله ﷺ هو ترك الوضوء مما غيرت النار، وأن ما خالف ذلك فقد نسخ بالفعل الثاني. هذا إن كان ما أمر به من الوضوء يريد وضوء الصلاة، وإن كان لا يريد وضوء الصلاة فلم يثبت بالحديث الأول أن أكل ما غيرت النار حدث. فثبت بما ذكرنا بتصحيح هذه الآثار أن أكل ما مست النار ليس بحدث. وقد روى ذلك جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ أيضاً". وذكر بأسانيده إلى جابر، وأبي بكر الصديق، وعمر، وابن مسعود، وعثمان، وابن عباس، وابن عمر، وأبي أمامة ﵃ أجمعين. قال أبو جعفر: فهؤلاء الجلة من أصحاب رسول الله ﷺ لا يرون في أكل ما غيرت النار وضوءاً. وقد روي عن آخرين منهم مثل ذلك، ممن قد روي عنه عن رسول الله – ﷺ أنه أمر بالوضوء مما غيرت النار. ثم ساق بأسانيده إلى عدد من الصحابة ما يثبت ذلك منهم أنس بن مالك، وأبو طلحة، وأبي، وأبو أيوب الأنصاري، رضوان الله عليهم أجمعين.

стр. 86

ثم بين بعد توجيهه للأحاديث من حيث الآثار توجيهه من حيث النظر، فقال: فإنا قد رأينا هذه الأشياء التي قد اختلف في أكلها أنه ينقض الوضوء أم لا إذا مستها النار؟ وقد أجمع أن أكلها قبل مماسة النار إياها لا ينقض الوضوء فأردنا أن ننظر، هل للنار حكم يجب في الأشياء إذا مستها، فينتقل به حكمها إليها، فرأينا الماء القراح طاهراً تؤدى به الفروض ثم رأيناه إذا سخن فصار مما قد مسته النار أن حكمه في طهارته على ما كان عليه قبل مماسته النار إياه، وأن النار لم تحدث فيه حكماً ينتقل به حكمه إلى غير ما كان عليه في البدء. فلما كان مما وصفنا كذلك، كان في النظر أن الطعام الطاهر الذي لا يكون أكله قبل أن تمسه النار حدثا، إذا مسته النار لا تنقله عن حاله ولا تغير حكمه، ويكون حكمه بعد مسيس النار إياه كحكمه قبل ذلك قياساً ونظراً على ما بينا (١) . كما بين الحازمي وجه درء هذا التعارض حيث قال: ويمكن أن يقال:" إن الوضوء مما مست النار اختلف فيه وتكافأت الروايات عن النبي – ﷺ في ذلك في الصحة والشهرة، وتكلمت الأئمة في الأول منه والآخر والناسخ والمنسوخ فأكثرهم رأوه منسوخاً. وذهب بعضهم إلى أن المنسوخ هو ترك الوضوء مما مست النار، والناسخ الأمر بالوضوء منه، وإليه ذهب الزهري وجماعة، وتمسكوا في ذلك بأحاديث منها: وذكر بسنده: ١- عن جبيرة بن عمرو عن سلمة بن سلامة بن وقش صاحب رسول الله ﷺ أنهما دخلا وليمة وسلمة على وضوء فأكلوا ثم خرجوا فتوضأ سلمة، فقال له جبيرة: ألم تكن على وضوء؟ قال: بلى! ولكني رأيت رسول الله ﷺ وخرجنا من دعوة دعونا لها رسول الله – ﷺ وهو على وضوء فأكل ثم توضأ فقلت له: ألم تكن على وضوء يا رسول الله؟ قال: بلى! ولكن الأمر يحدث وهذا مما حدث.

стр. 87

٢- عن عمرو بن أمية أنه رأى رسول الله – ﷺ أكل عضواً فصلى ولم يتوضأ، فقلنا له: فما بعد هذا؟ فقال: إنه يكون أمر ويكون بعده الأمر. قال أبو بكر: دلنا ما ذكرنا على أن الأمر بالوضوء كان بعد الرخصة، فحديث أبي هريرة يدل على الأمر بالوضوء، وحديث ابن عباس ومن تابعه يدل على الرخصة، وحديث ابن عباس بعد حديث أبي هريرة على ما بينه الشافعي حيث قال: حديث ابن عباس أدل الأحاديث على أن الوضوء مما مست النار منسوخ، وذلك أن صحبة ابن عباس لرسول الله – ﷺ متأخرة، إنما مات رسول الله – ﷺ وهو ابن أربع عشرة سنة، وقد قيل ست عشرة سنة، وقيل ثلاث عشرة سنة (١) . قال أبو بكر: ثم نظرنا هل نجد حديثاً يدل على الرخصة، وهو قبل حديث أبي هريرة؛ فوجدنا حديثاً يدل عليه وهو: "وذكر بسنده": "عن بشير بن يسار مولى بني حارث، أن سويد بن النعمان أخبره أنه خرج مع رسول الله ﷺ عام خيبر حتى إذا كانوا بالصهباء –وهي وادي خيبر- فنزل للعصر، ثم دعا بالأزواد فلم يؤت إلا بالسويق، فأمر به فثري، فأكل ثم صلى ولم يتوضأ. قال يحيى: ثري: بل بالماء. هذا حديث صحيح أخرجه البخاري في الصحيح (٢) ، عن عبد الله بن يوسف، والقعنبي عن مالك (٣) . ألا ترى أن حديث سويد بن النعمان هذا كان قبل خيبر، وإنما قدم أبو هريرة بعد فتح خيبر على ما صرحت به التواريخ، فهذا يدلك على أن الرخصة كانت غير مرة وهو طريق الجمع بين الأخبار وتصحيحها" (٤) .

стр. 88

ثم ذكر خبرا آخر يدل على أن الرخصة كانت غير مرة، وهو حديث المغيرة بن شعبة (أن رسول الله ﷺ أكل طعاماً وأقيمت الصلاة فقام، وقد كان توضأ قبل ذلك، فأتيته بماء ليتوضأ، فانتهرني وقال لي: وراءك، فساءني ذلك ثم صلى، فشكوت ذلك إلى عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله إن المغيرة بن شعبة قد شق عليه انتهارك إياه خشي أن يكون في نفسك عليه شيء، فقال: ليس في نفسي عليه شيء إلا خير، ولكنه أتاني بماء لأتوضأ، وإنما أكلت طعاماً ولو فعلت ذلك لفعل الناس ذلك من بعدي) . ومن ثم حكى ما ذهب إليه الدارمي، وهو ترجيح ما ذهب إليه الخلفاء الراشدون والأعلام من أصحاب رسول الله – ﷺ فأخذ بإجماعهم في الرخصة فيه. قال أبو بكر:" وقد ذهب بعض من رام الجمع بين هذه الأحاديث إلى أن الأمر بالوضوء منه محمول على الغسل للتنظيف كما أشار إليه الشافعي، ورجح أخبار ترك الوضوء مما مست النار بما روي من اجتماع الخلفاء الراشدين وأعلام الصحابة على ترك الوضوء منه، كما قاله الدارمي، غير أن أكثر الناس يطلقون القول بأن الوضوء مما مست النار منسوخ، ثم اجتماع الخلفاء الراشدين وإجماع الأمصار بعدهم يدل على صحة النسخ. والله أعلم (١) . فحاصل ما أجاب به العلماء عن أحاديث الوضوء جوابان: ١- أنه منسوخ بحديث جابر –﵁ قال كان آخر الأمرين من رسول الله – ﷺ ترك الوضوء مما مست النار. وهو حديث صحيح. ٢- أن المراد بالوضوء غسل الفم والكفين. (٢) زاد ابن حجر ثالثاً حديث وضوء النبي – ﷺ بعد الأكل بأنه يحتمل أن يكون وضوؤه لصلاة الظهر كان عن حدث لا بسبب الأكل من الشاة. (٣) قلت: وهذا مردود بأنه ورد الأمر بالوضوء قولاً، ولو اقتصر الأمر على الفعل لتطرق الاحتمال، أما مع وجود القول وهو حديث أبي هريرة فكيف يتطرق الاحتمال!!.

стр. 89

وممن قال بالنسخ ابن الجوزي في أخبار أهل الرسوخ حيث اختار حديث جابر (آخر الأمرين من رسول الله – ﷺ ترك الوضوء مما مست النار) دليلاً على النسخ. قال المعلق على الكتاب أبو عبد الرحمن الجزائري:" بل لا دليل فيه على النسخ وبيان ذلك من أوجه: الأول: أن الجمع ممكن فيحمل حديث أبي هريرة على الاستحباب، وحديث جابر لبيان الجواز، وإليه مال الخطابي في (المعالم) وابن تيمية في المجموع (١) وغيرهما من المحققين. ومن المقرر عند علماء الأصول:" أنه لا يصار إلى النسخ إلا إذا تعذر الجمع" وقد أمكن والحمد لله. الثاني: أن القول بالنسخ مجرد دعوى لأمرين: -الأول: أنه لا يعلم المتقدم من المتأخر من الحديثين، حتى يعلم الناسخ من المنسوخ. -الثاني: أن الفعل لا ينهض على نسخ القول، فحديث أبي هريرة قولي وحديث جابر فعلي يقوى هذا الوجه. -الثالث: وهو أن حديث جابر يحكي واقعة معينة لا عموم لها، قال شيخ الإسلام ابن تيمية –﵀: وأما جابر فإنما نقل عن النبي – ﷺ : أن آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار، وهذا نقل لفعل لا لقول، فإذا شاهدوه قد أكل لحم غنم ثم صلى ولم يتوضأ بعد أن كان يتوضأ منه صح أن يقال الترك آخر الأمرين، والترك العام لا يحاط به إلا بدوام معاشرته، وليس في حديث جابر ما يدل على ذلك بل المنقول عنه الترك في قضية معينة". (٢) قلت: ولهذا ذهب ابن القيم إلى أن حديث جابر بهذا اللفظ مختصر من حديث له يقول فيه: "أن رسول الله – ﷺ دعي إلى طعام، فأكل ثم حضرت الظهر فقام وتوضأ وصلى، ثم أكل فحضرت العصر فقام وصلى ولم يتوضأ، فكان آخر الأمرين من رسول الله – ﷺ ترك الوضوء مما مست النار" فالحديث له قصة، فبعض الرواة اقتصر على موضع الحجة، فحذف القصة وبعضهم ذكرها، وجابر روى الحديث بقصته. (٣)

стр. 90

والذي تميل إليه النفس أن خبر أبي هريرة ورد في الوضوء للصلاة وليس المراد غسل اليدين، وأنه منسوخ، وأن خبر ابن عباس ناسخ لهذا الحديث. وذلك لعدة أمور تتبين من مناقشة الأقوال السابقة: أولاً: قول الطحاوي في المراد بالوضوء: "يجوز أن يكون هو غسل اليد لا وضوء الصلاة". قلت: هو مردود بحديث جبير بن محمود عن سلمة بن سلامة بن وقش صاحب رسول الله – ﷺ أنهما دخلا وليمة ... الحديث، وفيه: (ولكني رأيت رسول الله – ﷺ وخرجنا من دعوة دعونا لها رسول الله – ﷺ وهو على وضوء، فأكل ثم توضأ فقلت له: ألم تكن على وضوء يا رسول الله، قال: بلى! ولكن الأمر يحدث وهذا مما حدث) (١) . فالذي يفهم من هذا الحديث استنكار سلمة –﵁ إعادة الوضوء حيث عهد رسول الله – ﷺ متوضئاً، ولو كان رآه غسل يديه فقط لما استنكر ذلك حيث لا علاقة لوضوئه السابق بغسل يديه، فإن غسل اليدين لتنظيفهما وإزالة الدسم منهما وارد عن رسول الله – ﷺ ومعهود منه أحياناً (٢) ، ولكن سلمة –﵁ سأل عن الوضوء السابق هل انتقض بأكل ما مسته النار حتى دعا ذلك رسول الله – ﷺ لإحداث وضوء آخر. وهذا الذي فهمه سلمة –﵁ وفهمناه من حديثه فهمه الصحابة رضوان الله عليهم حينما تكلموا عن هذه المسألة، فإن بعض من روى أحاديث ترك الوضوء سواء كانت مرفوعة أم موقوفة نفى الوضوء ولم ينف غسل اليدين والمضمضة، ومن أمثلة ذلك: ١- حديث سويد بن النعمان "أنه خرج مع رسول الله – ﷺ عام خيبر، حتى إذا كان بالصهباء " وهي أدنى خيبر" نزل فصلى العصر، ثم دعا بالأزواد فلم يؤت إلا بالسويق فأمر به فثري، فأكل فأكلنا، ثم قام إلى المغرب فمضمض ومضمضنا ثم صلى ولم يتوضأ". (٣)

стр. 91

فهذا دليل على أنهم –رضوان الله عليهم- نفوا الوضوء مع أنه حصل منه – ﷺ المضمضة، والمعهود أن المضمضة تكون باليد، فتبين أنه مع مسه الماء بيده ومضمضته إلا أنه لم يسم متوضئاً. ٢- قول ابن عباس لأبي هريرة –﵄ حينما روى حديث:"توضئوا مما مست النار". قال ابن عباس –﵁: يا أبا هريرة، فإنا ندهن بالدهن وقد سخن بالنار، ونتوضأ بالماء وقد سخن بالنار، فقال أبو هريرة: يا ابن أخي إذا سمعت الحديث من رسول الله – ﷺ فلا تضرب له الأمثال. (١) فلو كان المقصود غسل اليدين لفهم ذلك أبو هريرة وهو الراوي للحديث ولم يعارض ابن عباس، فإن خبره ينص على وضوء الصلاة، وكذلك لو كان الأمر مقصوراً على غسل اليدين لما حاج ابن عباس أبا هريرة بالوضوء بالماء المسخن بالنار. ثانياً: قوله: "أنه لا يعلم المتقدم من المتأخر من الحديثين، حتى يعلم الناسخ من المنسوخ" مردود بأن ابن عباس ﵁ حكى الحديث عن مشاهدة لفعل رسول الله ﷺ دل على ذلك ما رواه الطحاوي بسنده عن ابن عباس قال: " عجبت من ناس يتوضئون مما مست النار، والله لقد جمع رسول الله – ﷺ عليه ثيابه، ثم أتي بثريد، فأكل منها، ثم قام فخرج إلى الصلاة ولم يتوضأ". (٢) فهذا ابن عباس يحكي حالاً وصفة، ولم يكتفِ بالشاهد لفتواه في ذلك دلالة على رؤياه، ويؤيد هذا ما أخرجه عبد الرزاق حيث صرح ابن عباس بالرؤية لرسول الله ﷺ .

стр. 92

"كان ابن عباس يوم جمعة يبيت في بيت خالته ميمونة فيحدث، فقال له رجل: أخبرني مما مست النار، فقال ابن عباس: لا أخبرك إلا ما رأيت من رسول الله ﷺ كان هو وأصحابه في بيته فجاءه المؤذن فقام إلى الصلاة حتى إذا كان بالباب لقي بصحفة فيها خبر ولحم فرجع بأصحابه فأكل فأكلوا، ثم رجع إلى الصلاة ولم يتوضأ" (١) . فابن عباس كان ابن ثلاث عشرة سنة أو ما يقاربها حين توفي رسول الله – ﷺ فدل ذلك على تأخر روايته. وأبو هريرة قد روى الحديث وعمل به، ثم روي عنه أنه ترك العمل به، روى ذلك الطحاوي بسنده: (عن أبي هريرة –﵁ أن رسول الله – ﷺ أكل ثور أقط، فتوضأ ثم أكل بعده كتفاً فصلى ولم يتوضأ) (٢) . ورجال إسناد هذا الحديث ثقات غير عبد العزيز بن مسلم فإنه مقبول، وسهيل بن أبي صالح فإنه صدوق تغير بآخرة. (٣) فهذا إقرار من أبي هريرة بأن الأمر بالوضوء سابق على ترك، ويشهد لهذا ما أخرجه ابن أبي شيبة عن أبي زياد قال: (شهدت ابن عباس وأبا هريرة وهم ينتظرون جديا لهم في التنور، فقال ابن عباس: أخرجوه لنا لا يفتنا في الصلاة، فأخرجوه فأكلوا منه، ثم أن أبا هريرة توضأ فقال له ابن عباس: أكلنا رجسا؟ قال: فقال أبو هريرة: أنت خير مني وأعلم ثم صلوا) . (٤) فهذا إقرار من أبي هريرة بعلم ابن عباس في هذه المسألة وغيرها، وبهذا يتبين أن حديث أبي هريرة هو المتقدم وحديث ابن عباس هو المتأخر.

стр. 93

ثالثاً: قوله (أن الفعل لا ينهض على نسخ القول، فحديث أبي هريرة قولي وحديث ابن عباس فعلي) مردود بحديث المغيرة بن شعبة –﵁ أن رسول الله – ﷺ أكل طعاماً وأقيمت الصلاة فقام، وقد كان توضأ قبل ذلك، فأتيته بماء ليتوضأ فانتهرني وقال لي: وراءك، فساءني ذلك، ثم صلى، فشكوت ذلك إلى عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله إن المغيرة بن شعبة قد شق عليه انتهارك إياه خشي أن يكون في نفسك عليه شيء، فقال: ليس في نفسي عليه شيء إلا خير، ولكنه أتاني بماء لأتوضأ وإنما أكلت طعاماً ولو فعلت ذلك فعل الناس ذلك من بعدي) . (١) والفعلي لا يقاوم القولي لأن الفعل لا يدل بنفسه على شيء، حيث يجوز أن يكون خاصاً به – ﷺ وهنا قد انتفى الخصوص حيث لم يفعل ذلك رسول الله – ﷺ خشية أن يفعله الناس وهذه الخشية تدل على أنه قد نسخ الأمر بالوضوء. وقد يقال أن حديث المغيرة قبل حديث أبي هريرة فيكون منسوخاً، وهذا القول يرد بأن الظاهر غير هذا حيث يتبين من الحديث أن المغيرة قد عهد من الرسول ﷺ وضوءا مما مست النار لذا أعد له ماءا ليتوضأ به. رابعاً: قوله "إن حديث جابر يحكي واقعة معينة لا عموم لها" مردود بأن غير جابر حكى ترك الوضوء مما مست النار، كما حكى النسخ أبو هريرة-﵁ كذلك، وذلك بقوله: "أكل ثور أقط، فتوضأ ثم أكل بعده كتفاً فصلى ولم يتوضأ". خامساً: حديث ترك الوضوء مما مست النار راجح عدة أمور: ١- أن الترك قد عمل به الخلفاء الراشدون فيكون آكد. ٢- رجوع كثير ممن قال بالوجوب عن قوله وتركه للوضوء منهم: أبو هريرة، وأنس بن مالك، وأبو طلحة، وأبو أيوب وغيرهم. (٢)

стр. 94

٣- أن حديث الترك للوضوء أقرب للقياس حيث أن النار لم يعرف أنها تسبب نجاسة في الطعام بل لا تزيده إلا نقاء وطهراً. ٤- أنا لو قلنا بوجوب الوضوء مما مست النار لزم إيجاب الوضوء من لحوم الغنم فلا وجه إذن لتخصيص الوضوء من لحوم الإبل، وقد ثبت أن النبي ﷺ فرق بين لحوم الغنم ولحوم الإبل. عن جابر بن سمرة ﵁ (أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ أتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت توضأ وإن شئت فلا تتوضأ، قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم فتوضأ من لحوم الإبل، قال: أصلي في مرابض الغنم؟ قال: نعم، قال: أصلي في مبارك الإبل؟ قال: لا) . (١) المبحث الثاني: هل يتوضأ من مس ذكره أم لا ؟ لقد بعث الله رسوله إلى هذه الأمة يتلو عليهم آيات الله ويزكيهم ويعلمهم ويرشدهم إلى ما ينفعهم دنيا وأخرى، ولم يترك الرسول ﷺ شيئاً إلا بينه حرصاً منه على سلامة دينهم ودنياهم، ومن دقائق الأمور التي بينها الرسول ﷺ مسّ الفرج هل هو ناقض له أم لا، وفي هذه المسألة حديثان متعارضان أحدهما يوجب الوضوء والآخر لا يوجبه. ومما ورد في إيجاب الوضوء لمن مس ذكره حديث: (من مس ذكره فليتوضأ) . ومما ورد في عدم إيجاب الوضوء حديث طلق ﵁ قال: (قدمنا على نبي الله ﷺ فجاء رجل كأنه بدوي، فقال: يا نبي الله؛ ما ترى في مس الرجل ذكره بعد ما يتوضأ؟ فقال: هل هو إلا مضغة منه) . ذكر الحديث الذي يدل على أن مس الذكر من نواقض الوضوء: عن عروة قال: "دَخَلْتُ عَلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ فَذَكَرْنَا مَا يَكُونُ مِنْهُ الْوُضُوءُ. فَقَالَ مَرْوَانُ وَمِنْ مَسِّ الذَّكَرِ. فَقَالَ عُرْوَةُ مَا عَلِمْتُ ذَلِكَ.

стр. 95

فَقَالَ مَرْوَانُ أَخْبَرَتْنِي بُسْرَةُ بِنْتُ صَفْوَانَ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ ". (١) ذكر الحديث الذي يدل على أن مس الذكر ليس من نواقض الوضوء: عن قيس بن طلق عن أبيه قال: قَدِمْنَا عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ فَجَاءَ رَجُلٌ كَأَنَّهُ بَدَوِىٌّ فَقَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَا تَرَى فِي مَسِّ الرَّجُلِ ذَكَرَهُ بَعْدَ مَا يَتَوَضَّأُ فَقَالَ: "هَلْ هُوَ إِلاَّ مُضْغَةٌ مِنْهُ. أَوْ قَالَ - بَضْعَةٌ مِنْهُ". (٢) وجه التعارض:

стр. 96

يتوهم القارئ تعارض هذه الأحاديث التي ذكرناها، فحديث بسرة يفيد أن مس الذكر من نواقض الوضوء، كما أن حديث طلق يفيد خلاف ذلك بأن مس الذكر ما هو إلا كمس أي عضو من أعضاء الجسد فلا ينقض الوضوء. أقوال العلماء في درء التعارض: ١- قال ابن حبان: " خبر طلق بن علي الذي ذكرناه خبر منسوخ، لأن طلق بن علي كان قدومه على النبي – ﷺ أول سنة من سني الهجرة، حيث كان المسلمون يبنون مسجد رسول الله – ﷺ بالمدينة، وقد روى أبو هريرة إيجاب الوضوء من مس الذكر على حسب ما ذكرناه قبل، وأبو هريرة أسلم سنة سبع من الهجرة، فدل ذلك على أن خبر أبي هريرة كان بعد خبر طلق بن علي بسبع سنين" (١) . ٢- رجح الحازمي حديث بسرة على حديث طلق، وجعل سبب الترجيح كثرة عدد الرواة لهذا الحديث أي حديث إيجاب الوضوء. قال...."وقد اختلف أهل العلم في هذا الباب، وذهب بعضهم إلى هذه الأحاديث" أحاديث الإباحة" ورأوا ترك الوضوء من مس الذكر". قال: " وخالفهم في ذلك آخرون فذهبوا إلى إيجاب الوضوء، ومن ذهب إلى هذا القول ادعى أن حديث طلق منسوخ". وذكر حجة كل منهم فقال: " قال بعض من ذهب إلى الرخصة: المصير إلى حديث طلق أولى لأسباب: منها: أاشتهار طلق بصحبة النبي ﷺ . ب طول صحبته، وكثرة روايته. ج- وأما بسرة فغير مشهورة واختلاف الرواة في نسبها يدل على جهالتها، لأن بعضهم يقول: هي كنانية، وبعضهم يقول: هي أسدية، ثم لو قدرنا انتفاء الجهالة عنها ما كانت أيضاً توازي طلقاً في كثرة روايته، إذ قلة روايتها يدل على قلة صحبتها، ثم اختلاف الرواة في حديثها يدل على ضعف حديثها، ثم إن حديث النساء إلى الضعف ما هو. د- قالوا: قد روينا عن علي بن المديني ومحله من هذا الشأن ما قد عرف أنه قال ليحيى بن معين: كيف تتقلد إسناد بسرة عن أبي حفص، ومروان إنما أرسل شرطياً حتى رد جوابها إليه.

стр. 97

هـ-وروينا عن أبي حفص الفلاس أنه قال: حديث قيس بن طلق عندنا أثبت من حديث بسرة. و ثم لو سلمنا ثبوت الحديث فمن أين لكم ادعاء النسخ في ذلك، إذ ليس في حديث بسرة ما يدل على النسخ، بل أولى الطرق أن يجمع بين الحديثين كما حكاه لوين عن ابن عيينة قال: تفسير حديث النبي – ﷺ (من مس ذكره فليتوضأ) معناه أن يغسل يده إذا مسه. وقد أجاب من ذهب إلى الإيجاب بعدة أجوبة منها: ١- أنه لا ينكر اشتهار بسرة بنت صفوان بصحبة النبي – ﷺ ومتانة حديثها إلا من جهل مذاهب الحديث، ولم يحط علمه بأحوال الرواة. ٢- أن ما ذكر من اختلاف الرواة في حديثها فقد وجد في حديث طلق نحو ذلك وأولى، ثم إذا صح للحديث طريق وسلم من شوائب الطعن تعين المصير إليه ولا عبرة باختلاف الباقين، وحديث مالك الذي هو سنده لا يختلف في عدالة رواته. ٣- أما ما روي من أن عروة جعل يماري مروان في ذلك حتى دعا رجلاً من حرسه فأرسله إلى بسرة يسألها فغير قادح في المقصود لصيرورة عروة إلى هذا الحديث، ولولا ثقة الحرسي عنده لما صار إليه، وقد روي عن عروة أنه سأل بسرة عن ذلك فصدقته. ٤- أن حديث طلق لا يقاوم حديث بسرة لأسباب منها: نكارة سنده، وركاكة روايته. وساقوا عن الشافعي وابن معين وابن أبي حاتم تضعيف هذا الحديث والطعن في سنده. ٥- يجاب عن نفي النسخ بأن الدليل على ذلك من جهة التاريخ، لأن حديث طلق كان في أول الهجرة زمن كان النبي – ﷺ يبني المسجد، وحديث بسرة وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو كان بعد ذلك لتأخرهم في الإسلام". (١) ٣-وذهب الطحاوي إلى تضعيف أحاديث إيجاب الوضوء، وأورد على كل حديث علة ثم قال: "فقد ثبت فساد هذه الآثار كلها، التي يحتج بها من يذهب إلى إيجاب الوضوء من الفرج. وذكر الآثار التي تخالفها. ثم قال:

стр. 98

" فهذا حديث ملازم، صحيح مستقيم الإسناد، غير مضطرب في إسناده ولا في متنه فهو أولى –عندنا- مما رويناه أولاً من الآثار المضطربة في أسانيدها" وحكى عن ابن المديني قوله: " حديث ملازم هذا أحسن من حديث بسرة". ثم قال: " فإن كان هذا الباب يؤخذ من طريق الإسناد واستقامته، وحديث ملازم هذا أحسن إسناداً. ثم ساق ما استدل به الموجبون للوضوء من الآثار عن الصحابة ورد عليها وأعلها، ثم قال: " فلم نعلم أحداً من أصحاب رسول الله – ﷺ أفتى بالوضوء غير ابن عمر، وقد خالفه في ذلك أكثر أصحاب رسول الله – ﷺ ومن ثم ساق بعض الروايات عن علي وابن مسعود وعمار وحذيفة وعمران بن حصين وقال بعد ذلك: " فإن كان يجب في مثل هذا تقليد ابن عمر، فتقليد من ذكرنا أولى من تقليد ابن عمر، وقد روي ذلك عن سعيد بن المسيب والحسن" حيث لم يكونا يريا من مس الذكر وضوءا. وختم مبحثه ﵀ بقوله:" فبهذا نأخذ، وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن ﵏". (١) ٤- ذهب ابن الجوزي إلى تضعيف أحاديث عدم إيجاب عدم إيجاب الوضوء وأوردها وبين مغمز كل حديث. (٢) ثم قال: " وقد ادعى أصحابنا على تقدير صحة الحديث (٣) أنه منسوخ، وقالوا لأنه يكون في أول الهجرة، وأحاديثنا متأخرة، إذ من جملة رواتها أبو هريرة وإسلامه متأخر. (٤) وقال وهو قول محتمل فلم يجزم بنسخه. (٥)

стр. 99

٥- ذهب ابن تيمية إلى أن الوضوء مستحب لا واجب، جمعا بين الأحاديث فقال "والأظهر أن الوضوء من مس الذكر مستحب لا واجب. وهكذا صرح به الإمام أحمد في أحدى الروايتين عنه، وبهذا تجمع الأحاديث والآثار بحمل الأمر على الاستحباب، ليس فيه نسخ قوله (وهل هو إلا بضعة منك) وحمل الأمر على الاستحباب أولى من النسخ". (١) ٦- ذكر ابن القيم سبعة وجوه لترجيح حديث بسرة وغيره على حديث طلق: -أحدها: ضعفه. -والثاني: أن طلقاً قد اختلف عنه، فروى عنه (هل هو إلا بضعة منك) وروى أيوب بن عتبة عن قيس بن طلق عن أبيه مرفوعاً (من مس فرجه فليتوضأ) رواه الطبراني، وقال: لم يروه عن أيوب بن عتبة إلا حماد بن محمد. وهما عندي صحيحان، يشبه أن يكون سمع الحديث الأول من النبي – ﷺ قبل هذا، ثم سمع هذا بعده، فوافق حديث بسرة وأم حبيبة وأبي هريرة وزيد بن خالد الجهني وغيرهم فسمع الناسخ والمنسوخ. - الثالث: أن حديث طلق لو صح لكان حديث أبي هريرة ومن معه مقدماً عليه، لأن طلقاً قدم المدينة وهم يبنون المسجد، فذكر الحديث، وفيه قصة مس الذكر، وأبو هريرة أسلم عام خيبر، بعد ذلك بست سنين وإنما يؤخذ بالأحدث فالأحدث من أمره ﷺ . -الرابع: أن حديث طلق مبقى على الأصل، وحديث بسرة ناقل، والناقل مقدم، لأن أحكام الشارع ناقلة عما كانوا عليه. -الخامس: أن رواة النقص أكثر، وأحاديثه أشهر، فإنه من رواية بسرة وأم حبيبة، وأبي هريرة، وأبي أيوب، وزيد بن خالد. -السادس: أنه قد ثبت الفرق بين من مس الذكر وسائر الجسد في النظر والحس، فثبت عن رسول الله – ﷺ (أنه نهى أن يمس الرجل ذكره بيمينه) ، فدل على أن الذكر لا يشبه سائر الجسد، ولهذا صان اليمين عن مسه، فدل على أنه ليس بمنزلة الأنف والفخذ والرجل، فلو كان كما قال المانعون: أنه بمنزلة الإبهام واليد والرجل، لم ينه عن مسه باليمين. والله أعلم.

стр. 100

-السابع: أنه لو قدر تعارض الحديثين من كل وجه لكان الترجيح لحديث النقض، لقول أكثر الصحابة به، منهم: عمر بن الخطاب، وابنه، وأبو أيوب الأنصاري، وزيد بن خالد، وأبو هريرة، وعبد الله بن عمرو، وجابر، وعائشة، وأم حبيبة، وبسرة بنت صفوان –﵃ أجمعين-، وعن سعد ابن أبي وقاص روايتان، وعن ابن عباس –﵄ روايتان. (١) ٧- وذهب جماعة إلى الجمع بين الأحاديث وذلك باحتمال التأويل فيها، قال الإمام السندي في حاشية سنن النسائي: " وصنيع المصنف (٢) يشير إلى ترجيح الأخذ بهذا الحديث حيث أخر هذا الباب، وذلك لأنه بالتعارض حصل الشك في النقض، والأصل عدمه فيؤخذ به، ولأن حديث بسرة يحتمل التأويل بأن يجعل مس الذكر كناية عن البول لأنه غالباً يرادف خروج الحدث منه، ويؤيده أن عدم انتقاض الوضوء بمس الذكر قد علل بعلة دائمة، وهي أن الذكر بضعة من الإنسان، فالظاهر دوام الحكم بدوام علته، ودعوى أن حديث قيس بن طلق منسوخ لا تعويل عليه. والله تعالى أعلم (٣) . وتأوله آخر بأن المراد بالوضوء غسل اليد منه. ٨- ورجح الشوكاني أحاديث إيجاب الوضوء حيث قال:

стр. 101

" فالظاهر ما ذهب إليه الأولون، وقد روى عن مالك القول بندب الوضوء، ويرده ما سيأتي (١) من التصريح بالوجوب في حديث أبي هريرة وفي حديث عائشة (ويل للذين يمسون فروجهم ولا يتوضئون) أخرجه الدارقطني (٢) وهو دعاء بالشر لا يكون إلا على ترك واجب والمراد بالوضوء غسل جميع الأعضاء كوضوء الصلاة لأنه الحقيقة الشرعية وهي مقدمة على غيرها على ما هو الحق في الأصول. وقد اشترط في المس الناقض للوضوء أن يكون بغير حائل ويدل له حديث أبي هريرة". (٣) ٩- قال محمد حامد الفقي: " والذي تطمئن إليه نفس الفقيه: أنه لا تعارض بين حديث بسرة وحديث طلق، وذلك: أن للفرج من الرجل والمرأة إحساساً غير إحساس بقية الأعضاء، فمن مسه يقصد إيقاظ هذا الإحساس الخاص وجب عليه الوضوء، ومن مسه كما يمس أي عضو آخر فلا وضوء عليه، وهذا أوضح من تعليل الرسول – ﷺ في حديث طلق: هل هو إلا مضغة منه أو بضعة منه؟ والله أعلم (٤) . قلت:

стр. 102

والذي أميل إليه أن الأحاديث في إيجاب الوضوء صحيحة، وضعيفها يعتضد بغيره، والأحاديث في ترك الوضوء كذلك صحيحة كما بينه كثير من أهل العلم بالحديث، فيبقى أن يقال أن القول بالنسخ أقرب وأولى؛ وذلك لأنه كان في بدء الأمر وأحاديث إيجاب الوضوء بعد ذلك، والقاعدة تقتضي القول بالنسخ إذا علم التاريخ للحديثين المتعارضين، ولم يمكن الجمع، والجمع بتأول الوضوء بأنه يقصد به غسل اليد مردود بالتصريح بإعادة الوضوء والصلاة في بعض الروايات، أما التأويل بأن مس الذكر كناية عن البول فهو بعيد متكلف، وإن كان هناك تأويل أو جمع محتمل فالذي أراه أنه ما كان من مس بشهوة فهو الموجب لأنه مظنة نزول المذي، والمذي يجب الوضوء منه، وما كان من مس بدون شهوة فهو كمن مس جزءً من جسده فليس فيه وضوء. والله أعلم. المبحث الثالث: هل النوم من نواقض الوضوء أم لا ؟ وفي هذا المبحث اختلف الفقهاء اختلافاً كثيراً في النوم هل هو ناقض للوضوء أم لا؟ وقد تولد في اختلافهم مذاهب متعددة، ويرجع هذا الاختلاف إلى ورود بعض الأحاديث المتعارضة ظاهراً. فقد ورد عن رسول الله ﷺ ما يدل على أن النوم ناقض للوضوء كحديث صفوان بن عسال ﵁: " كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنا سفراً ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم". ومنها ما يدل على أن النوم غير ناقض للوضوء كحديث أنس بن مالك ﵁: "كان أصحاب رسول الله ﷺ ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضئون". وكحديث ابن عباس ﵄ قال: " بت عند خالتي ميمونة فقام النبي ﷺ من الليل، وفيه (ثم اضطجع فنام حتى نفخ وكان إذا نام نفخ، فأتاه بلال فآذنه بالصلاة، فقام فصلى ولم يتوضأ) . ذكر الحديث الذي يدل على أن النوم ناقض للوضوء:

стр. 103

عن صفوان بن عسال ﵁ قال: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنَا إِذَا كُنَّا سَفَرًا أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ أوَ بَوْلٍ أوَ نَوْمٍ" (١) . ذكر الأحاديث التي تدل على أن النوم لا ينقض الوضوء: الحديث الأول: عن قتادة قال: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَنَامُونَ ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلاَ يَتَوَضَّئُونَ قَالَ سَمِعْتَهُ مِنْ أَنَسٍ قَالَ: إِي وَاللَّهِ." (٢) . الحديث الثاني: عن ابن عباس:" أن النبي – ﷺ نام حتى نفخ ثم صلى، وربما قال اضطجع حتى نفخ ثم قام فصلى".

стр. 104

وعنه:" بتُّ عند خالتي ميمونة ليلة فقام النبي ﷺ من الليل فلما كان في بعض الليل قام النبي ﷺ فتوضأ من شن معلق وضوءا خفيفا -يخففه عمرو ويقلله- وقام يصلي، فتوضأت نحوا مما توضأ، ثم جئت فقمت عن يساره -وربما قال سفيان عن شماله- فحولني فجعلني عن يمينه ثم صلى ما شاء الله، ثم اضطجع فنام حتى نفخ، ثم آتاه المنادي فآذنه بالصلاة، فقام معه إلى الصلاة فصلى ولم يتوضأ" (١) . وجه التعارض: أن من يقرأ حديث صفوان ابن عسال (كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنا سفراً ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، ولكن من غائط أو بول أونوم) ، يجد أن هذا الحديث يدل على أن النوم من نواقض الوضوء حيث قرنه معها فكأنما قال من انتقض وضوؤه بأحد هذه النواقض الغائط أو البول أو النوم فيكفيه أن يمسح على خفيه عند الوضوء. ومن يقرأ حديث ابن عباس وفيه (ثم اضطجع فنام حتى نفخ، وكان إذا نام نفخ، فأتاه بلال فآذنه بالصلاة، فقام فصلى ولم يتوضأ) . يجده يدل على أن النوم ليس من نواقض الوضوء حيث نام رسول الله – ﷺ ثم قام فصلى، ولم يتوضأ، فلو كان النوم من نواقض الوضوء لتوضأ رسول الله – ﷺ بعد أن قام من نومه لأنه يكون قد انتقض وضوؤه، وكذلك يفيد حديث أنس ﵁. وقد درء العلماء هذا التعارض. أقوال العلماء في درء التعارض:

стр. 105

١- درأ الشافعي التعارض بين حديث صفوان وحديث أنس –﵁ بأن نوم الصحابة –رضوان الله عليهم- كان وهم قعود، وهذا لا يعد نوماً في لغة العرب فإن النائم يطلق على من نام مضطجعاً، وحال النوم قاعداً غير حال النائم مضطجعاً، لأن القاعد يكون متمكناً من مخرج الحدث، وإنما جعل النوم من نواقض الوضوء لكونه مظنة خروج الحدث. (١) ٢- كما أضاف ابن قدامة على ما ذهب إليه الشافعي –من تفريق نوم القاعد على نوم المضطجع- تعليلاً آخر، علل به عدم إعادة الصحابة لوضوئهم، وهو أنهم كانوا ينامون نوماً يسيراً ليس فيه غلبة، ونقض الوضوء بالنوم معلل بإفضائه إلى الحدث ومع الغلبة، والكثرة تفضي إليه، ولا يحس بخروجه بخلاف اليسير. (٢) وبهذا درأ الشافعي وابن قدامة هذا التعارض بأن جمعوا بين هذه الأحاديث. ٣- قال النووي: حديث صفوان محمول على نوم غير الممكن، وهذا يتعين المصير إليه للجمع بين الأحاديث الصحيحة (٣) . ودرأ التعارض بين حديث صفوان وحديث ابن عباس بأن نومه – ﷺ ليس كنوم غيره، فمن خصائصه أنه لا ينتقض وضوؤه بالنوم لكونه يعي وهو نائم ما يعيه وهو متيقظ، ودليل ذلك قوله – ﷺ (إن عيناي تنامان، ولا ينام قلبي) (٤) .

стр. 106

٤- ذهب قوم إلى ترجيح عدم النوم مطلقاً، ولم يعتبروا الحديث المعارض، واحتجوا بعموم حديث صفوان بن عسال ﵁، وبالقياس على الإغماء (١) ، وبأن الآية في الأمر بالوضوء وهي قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين....الآية) (٢) نزلت في القيام من النوم، والآية والخبر إذا كان الذي أثارهما سبباً فلا بد من دخول السبب فيهما (٣) .وممن ذهب إلى ذلك إسحاق وأبو عبيد والمزني قال ابن المنذر وبه أقول. (٤) ٥- وذهب قوم إلى ترجيح عدم النقض بالنوم مطلقاً، ولم يعتبروا حديث صفوان وسواء كان النائم مضطجعاً أم لا، واحتجوا بالآية (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ... الآية) فذكر سبحانه نواقض الوضوء ولم يذكر النوم، وبحديث أبي هريرة ﵁ (لا وضوء إلا من صوت أو ريح) (٥) ، قالوا: لأنا أجمعنا نحن وأنتم على أن النوم ليس حدثاً في عينه، وأنتم أوجبتم الوضوء لاحتمال خروج الريح والأصل عدمه، فلا يجب الوضوء بالشك. وإلى هذا ذهب أبو موسى الأشعري، وسعيد بن المسيب، وأبو مجلز، وحميد الأعرج، والشيعة. (٦) قلت:

стр. 107

وما ذهب إليه الجمهور من أن النوم ليس بحدث على الإطلاق، ولا ينكر كون النوم حدثا على الإطلاق هو الذي تدل على صحته الأحاديث، فإن من قال بأن النوم حدثاً مطلقاً لم يجب عن حديث أنس بن مالك ﵁ وكذا حديث ابن عباس ﵁ وهما حديثان صحيحان صريحان في عدم نقض النوم للوضوء فإذا قيد النوم بنوم غير الممكن أمكن الجمع بين الأحاديث، وجعل النوم حدثاً لغير الممكن، وأما من تمكن من جلسته ولم يضطجع فإنه لا يخرج من الحدث، ومن نام نوماً يسيراً فإنه يبعد أن لا يشعر بخروج الحدث، كما أن الجمهور خصوا رسول الله ﷺ بعدم نقض نومه لوضوئه، جمعاً بين الأحاديث، فمن لم يخص الرسول ﷺ بذلك فلا جواب له عن حديث ابن عباس، وهو حديث صحيح متفق عليه. وأما من قال بأن النوم ليس بحدث مطلقاً فلا جواب له عن حديث صفوان ﵁، وما احتجوا به من عدم ذكر النوم في الآية وفي حديث أبي هريرة فهو ليس بحجة، وذلك أنه ليس من الضرورة أن تذكر جميع النواقض في الآية، وكذا جميع النواقض في الحديث. فالآية لم يذكر فيها الريح، ومع ذلك عد الريح حدثاً، ولم يحتج أحد بعدم وروده في الآية على أنه ليس بحدث، ثم هذا الحديث ورد على سبب وحادثة. ورد في رواية أخرى عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " إذا كان أحدكم في المسجد فوجد ريحاً بين أليتيه فلا يخرج حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً" (١) . فكما أن الريح لم تذكر في الآية وذكرت في هذا الحديث وعدت حدثاً؛ فكذا النوم لم يذكر في الآية وذكر في حديث صفوان فيعد حدثاً. ثم إنه لا يصار إلى الترجيح مع إمكان الجمع وقد أمكن بما تقدم. والله أعلم. المبحث الرابع: التسمية قبل الوضوء . وفي باب الوضوء يختلف الفقهاء في التسمية قبل الوضوء هل هي واجبة أم لا؟ وهل يصح الوضوء بدونها أم لا؟

стр. 108

وأصل هذا الاختلاف بعض الأحاديث المتعارضة في ظاهرها، فلذلك ذهب قوم إلى ما يفيد عندهم عدم الوجوب، وذهب آخرون إلى ما يفيد الوجوب. وقد استدل الأولون بحديث المهاجر بن قنفذ أنه أتى النبي – ﷺ وهو يبول فسلم عليه فلم يرد عليه حتى توضأ ثم اعتذر إليه فقال: "إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر". واستدلوا بحديث رفاعة بن رافع وفيه "أن لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله ". واستدل الآخرون بحديث أبي هريرة " لا صلاة لمن لا وضوء له ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله تعالى عليه". ذكر الأحاديث التي استدل بها على عدم وجوب التسمية: الحديث الأول: عن المهاجر بن قنفذ أَنَّهُ أَتَى النَّبيَّّ ﷺ وَهُوَ يَبُولُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ حَتَّى تَوَضَّأَ ثُمَّ اعْتَذَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ: "إِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ إِلاَّ عَلَى طُهْرٍ، أَوْ قَالَ: عَلَى طَهَارَةٍ". (١) . الحديث الثاني:

стр. 109

عن رفاعة بن رافع قال: فقال رسول الله عليه وسلم:"إِنَّهَا لاَ تَتِمُّ صَلاَةُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يُسْبِغَ الْوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ فَيَغْسِلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَيَمْسَحَ بِرَأْسِهِ وَرِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ثُمَّ يُكَبِّرُ اللَّهَ وَيَحْمَدُهُ ثُمَّ يَقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا أُذِنَ لَهُ فِيهِ وَتَيَسَّرَ» . فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ حَمَّادٍ (١)

стр. 110

قَالَ «ثُمَّ يُكَبِّرُ فَيَسْجُدُ فَيُمَكِّنُ وَجْهَهُ» . قَالَ هَمَّامٌ وَرُبَّمَا قَالَ «جَبْهَتَهُ مِنَ الأَرْضِ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ وَتَسْتَرْخِيَ ثُمَّ يُكَبِّرُ فَيَسْتَوِي قَاعِدًا عَلَى مَقْعَدِهِ وَيُقِيمُ صُلْبَهُ» . فَوَصَفَ الصَّلاَةَ هَكَذَا أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ حَتَّى فَرَغَ «لاَ تَتِمُّ صَلاَةُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يَفْعَلَ ذَلِكَ " (١) . ذكر الأحاديث التي تفيد وجوب التسمية: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :"لاَ صَلاَةَ لِمَنْ لاَ وُضُوءَ لَهُ وَلاَ وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ" (٢) . وجه التعارض: من يقرأ حديث المهاجر بن قنفذ يجد أن هذا الحديث يفيد أن النبي – ﷺ -يكره أن يذكر اسم الله على غير طهر.
следующие страницы →