Полный текст (192 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
تكون " بَينا " محذوفة الْمِيم من " بَيْنَمَا " توسعا فِي اللُّغَة لما عرف موضعهَا الَّذِي تسْتَعْمل فِيهِ وَهُوَ إضافتها إِلَى الْجمل على حذف مُضَاف من أَسمَاء الزَّمَان.
فَقَوله: " فَبينا أَنا أَمْشِي " أَي فَبين أَوْقَات مشيي كَمَا أَن تَقْدِير قَوْلك: أَتَيْتُك زمن الْحجَّاج أَمِيرا، أَي زمن إمارته.
وَقَوله: " سَمِعت صَوتا " أَي إِذا سَمِعت صَوتا فَحذف " إِذْ " وَهُوَ الْأَفْصَح عِنْد الْأَصْمَعِي وَغَيره من الْأَئِمَّة كَمَا قَالَ:
(بَينا نَحن نرقبه أَتَانَا ... )
أَي سَمِعت الصَّوْت فِي أثْنَاء أَوْقَات مشيي، وَلَو كَانَ فِي الْكَلَام لَفْظَة " إِذْ " لَكَانَ التَّقْدِير: فاجأني سَماع الصَّوْت فِي أثْنَاء أَوْقَات مشيي لِأَن " إِذْ " أُقِيمَت فِي ذَلِك مقَام المفاجأة، وَكَذَلِكَ " إِذا " كَمَا قَالَ فِي الحَدِيث بعد ذَلِك وَهُوَ جِبْرِيل ﵇ دلّ عَلَيْهِ الحَدِيث الْمُتَقَدّم.
وَفِي حَدِيث عبيد بن عُمَيْر: " سَمِعت صَوتا من السَّمَاء يَقُول: يَا مُحَمَّد، أَنْت رَسُول الله وَأَنا جِبْرِيل، فَرفعت رَأْسِي فَإِذا جِبْرِيل فِي صُورَة رجل صَاف قَدَمَيْهِ فِي أفق السَّمَاء ".
قَالَ السُّهيْلي: " وَفِي حَدِيث جَابر أَنه رَآهُ على رَفْرَف، ويروى: " على عرش بَين السَّمَاء وَالْأَرْض ".
وَقَالَ يَعْقُوب بن سُفْيَان الْحَافِظ: ثَنَا ابْن بكير ثَنَا عبد الله بن لَهِيعَة، حَدثنِي مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن، عَن عُرْوَة، عَن عَائِشَة أَن نَبِي الله
стр. 142
- ﷺ كَانَ أول شَأْنه يرى فِي الْمَنَام، فَكَانَ أول مَا رأى جِبْرِيل بأجياد أَنه خرج لبَعض حَاجته فَصَرَخَ بِهِ: يَا مُحَمَّد، يَا مُحَمَّد، فَنظر يَمِينا وَشمَالًا فَلم ير شَيْئا، ثمَّ نظر فَلم ير شَيْئا، فَرفع بَصَره فَإِذا هُوَ يرَاهُ ثَانِيًا إِحْدَى رجلَيْهِ على الْأُخْرَى على أفق السَّمَاء فَقَالَ: يَا مُحَمَّد، جِبْرِيل جِبْرِيل، يسكنهُ، فهرب مُحَمَّد ﷺ حَتَّى دخل فِي النَّاس فَنظر فَلم ير شَيْئا، ثمَّ خرج من النَّاس ثمَّ نظر فَرَآهُ فَدخل فِي النَّاس (فَنظر) فَلم ير شَيْئا، ثمَّ خرج فَنظر فَرَآهُ، فَذَلِك قَول الله : ﴿والنجم إِذا هوى مَا ضل صَاحبكُم وَمَا غوى﴾ يَعْنِي إِلَى قَوْله: ﴿علمه شَدِيد القوى﴾ وَهُوَ جِبْرِيل ﴿ذُو مرّة فَاسْتَوَى وَهُوَ بالأفق الْأَعْلَى﴾ .
وَفِي " صَحِيح البُخَارِيّ " عَن عَائِشَة أَن النَّبِي ﷺ رأى جِبْرِيل مرَّتَيْنِ فِي صورته وخلقه سَادًّا مَا بَين الْأُفق، فَهَذِهِ هِيَ الْمرة الأولى فِي ابْتِدَاء النُّبُوَّة، وَالثَّانيَِة عِنْد سِدْرَة المنتهي لَيْلَة الْإِسْرَاء.
وَفِي " صَحِيح البُخَارِيّ " أَيْضا عَن عَلْقَمَة، عَن عبد الله فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لقد رأى من آيَات ربه الْكُبْرَى﴾ قَالَ: " رأى رفرفا أَخْضَر قد
стр. 143
مَلأ الْأُفق ".
قَالَ الْحَافِظ الْبَيْهَقِيّ: " يُرِيد بذلك أَنه رأى جِبْرِيل ﵇ فِي صورته على رَفْرَف أَخْضَر ".
وَوَقع فِي " صَحِيح مُسلم ": " جَالِسا " بِالنّصب على الْحَال، وَخبر الْمُبْتَدَأ يكون محذوفا أَي كَائِن أَو مُسْتَقر أَو مَوْجُود أَو نَحْو ذَلِك.
وَمن رَوَاهُ: " جَالس " بِالرَّفْع فَهُوَ ظَاهر لِأَنَّهُ خبر الْمُبْتَدَأ وَلَا حَاجَة إِلَى الْإِضْمَار وَهُوَ الْمَعْرُوف الْمُسْتَعْمل فِي هَذَا الْبَاب كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿ثمَّ إِذا أَنْتُم بشر تنتشرون﴾ ، ﴿إِن كَانَت إِلَّا صَيْحَة وَاحِدَة فَإِذا هم خامدون﴾ ، ﴿فَإِذا هم جَمِيع لدينا محضرون﴾ ، ﴿ثمَّ نفخ فِيهِ أُخْرَى فَإِذا هم قيام ينظرُونَ﴾ ، ﴿خلق الْإِنْسَان من نظفة فَإِذا هُوَ خصيم مُبين﴾ ، ﴿وَآيَة لَهُم اللَّيْل نسلخ مِنْهُ النَّهَار فَإِذا هم مظلمون﴾ ، ﴿فَألْقى عَصَاهُ فَإِذا هِيَ ثعبان مُبين﴾ ، ﴿فَإِذا هِيَ شاخصة أبصار الَّذين كفرُوا﴾ ، وَهُوَ كثير
стр. 144
وَهَذِه هِيَ الْمَسْأَلَة الَّتِي خَالف الْكسَائي فِيهَا سِيبَوَيْهٍ لما تناظرا فَقَالَهَا سِيبَوَيْهٍ بِالرَّفْع (لَا غير) ، وَقَالَهَا الْكسَائي بِالنّصب (وَالرَّفْع) والأرجح الرّفْع لما ذَكرْنَاهُ، وسنبين ذَلِك فِي " شرح مَا نظمته فِي النَّحْو " إِن شَاءَ الله تَعَالَى بِزِيَادَة على مَا ذَكرْنَاهُ وَالله أعلم.
قَوْله: " فجئثت مِنْهُ فرقا ":
وَفِي رِوَايَة: " رعْبًا ".
وجئثت: أَوله جِيم مَضْمُومَة بعْدهَا همزَة مَكْسُورَة ثمَّ ثاء مُثَلّثَة ويروي بثاءين بعد الْجِيم وَكِلَاهُمَا بِمَعْنى وَاحِد.
وَفِي رِوَايَة: " فجئنت مِنْهُ حَتَّى هويت إِلَى الأَرْض ".
أما جئثت: فَقَالَ الْهَرَوِيّ: " مَعْنَاهُ ذعرت يُقَال: جئث الرجل وجئف وجث أَي فزع، وَقَالَهُ الْأَزْهَرِي أَيْضا.
وَقَالَ الْجَوْهَرِي: " وجئث الرجل إِذا أفزع فَهُوَ مجؤوث أَي مذعور ".
стр. 145
وَقَالَ أَبُو عبيد: " جث الرجل جثا فَهُوَ مجثوث إِذا فزع وَخَافَ ".
وَقَالَ الْمَازرِيّ: " يرْوى: فجثثت بِالْحَاء غير مُعْجمَة وَمَعْنَاهُ: أسرعت خوفًا مِنْهُ ".
وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو نعيم: ثَنَا أَحْمد بن إِسْحَاق، ثَنَا مُحَمَّد بن أَحْمد بن سُلَيْمَان، ثَنَا يُونُس بن عبد الْأَعْلَى، ثَنَا عبد الله بن وهب، أَخْبرنِي يُونُس ين يزِيد، عَن ابْن شهَاب فَذكر الحَدِيث وَقَالَ: " فحثثت ".
قَالَ مُحَمَّد بن أَحْمد: " هَكَذَا قَالَ لنا يُونُس فحثثت بِالْحَاء، وَكَانَ يُنكر على أهل الْعرَاق فجثثت بِالْجِيم ".
قَالَ: " والرواة اخْتلفت فِي هَذِه اللَّفْظَة فرويت: جئثت وجثثت وحثثت بِالْحَاء ".
قَالَ عِيَاض: " أَكثر رِوَايَات الروَاة فِي هَذَا الْحَرْف فِي الْمَوْضِعَيْنِ الْأَوَّلين فِي الْأُم: فجئثت بِالْجِيم وهمزة مَكْسُورَة بعْدهَا وثاء مُثَلّثَة، وَكَذَا للعذري فِي الْموضع الثَّالِث، وَعند الْجَمَاعَة فِيهِ: فجثثت بِالْجِيم وثاءين معجمتين بِثَلَاث، وَكَذَا عِنْد السَّمرقَنْدِي فِي املواضع الثَّلَاثَة، وَكَذَلِكَ اخْتلفت فِيهِ الرِّوَايَة عَن البُخَارِيّ.
стр. 146
وَمعنى الرِّوَايَتَيْنِ المذكورتين: فزعت، كَمَا تفسر فِي الحَدِيث من بعض رِوَايَة البُخَارِيّ: " فَرُعِبْت " مَكَان " جئثت ".
قَالَ الْكسَائي: المجؤوث والمجثوث المذعور الْفَزع.
وَلم نقيده عَن شُيُوخنَا بِالْحَاء الْمُهْملَة فِي " مُسلم " لكنه وَقع كَذَلِك للقابسي فِي مَوضِع فِي " البُخَارِيّ " وَفَسرهُ ب: " أسرعت "، وَلَا يَصح مَعْنَاهُ وَكَيف يَصح تَفْسِيره ب " أسرعت " وَهُوَ قد قَالَ فِي الحَدِيث: " حَتَّى هويت إِلَى الأَرْض " أَي سَقَطت من الْفَزع، فَكيف يجْتَمع السُّقُوط والإسراع ".
قلت: يُمكن أَن يكون مَا زَالَ يسْرع حَتَّى أعيا فَسقط وَهَذَا ظَاهر.
وَقد روى الحَدِيث أَيْضا يحيى بن أبي كثير، عَن إِبْرَاهِيم بن عبد الله بن قارظ بدل أبي سَلمَة، عَن جَابر وَقَالَ فِيهِ: " فحثثت مِنْهُ أَو كلمة تشبهها ".
قلت: فَيحْتَمل أَن يكون: " فجثيت مِنْهُ " بعد الْجِيم الْمَفْتُوحَة ثاء مُثَلّثَة ثمَّ يَاء مثناة من تَحت من غير همز، يُقَال: جثا على رُكْبَتَيْهِ يجثو ويجثي جثوا أَو جثيا.
ثمَّ قَالَ القَاضِي: " وَقَالَ بَعضهم: صَوَابه: أهويت، وَقد جَاءَ كَذَا فِي مَوضِع فِي: البُخَارِيّ " وَهُوَ أشهر وَأَصَح
стр. 147
وَقَالَ غَيره: هوى من قريب، وأهوى من بعيد.
وَقَالَ الْخَلِيل: هوى يهوي هويا وهويا.
قَالَ الْهَرَوِيّ: " وَقد يكون فِي الصعُود والهبوط يُقَال فِيهِ: هويا بِالْفَتْح إِذا هَبَط، وبالضم إِذا صعد "، وَكَذَا قَالَ الْخطابِيّ وَغَيره.
وَقَالَ لنا شَيخنَا أَبُو الْحُسَيْن بِالْعَكْسِ.
وَقَالَ غَيره: هوت الْعقَاب إِذا انْقَضتْ على صيد، فَإِذا راوغته قيل: أهوت، وَقَوله تَعَالَى: " ﴿والمؤتفكة أَهْوى﴾ أَي أَهْوى بهَا جِبْرِيل إِلَى الأَرْض، أَي ألْقى بهَا فِيهَا بعد أَن رَفعهَا إِلَى السَّمَاء.
وَقيل فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿والنجم إِذا هوى﴾ أَي سقط.
وَقَالَ أَبُو الْهَيْثَم: هويت أَهْوى إِذا سَقَطت.
وَقَالَ غَيره: أهويت يَدي إِلَى السَّيْف وَغَيره أَي أملت، وَيُقَال هويت فِيهِ أَيْضا.
стр. 148
قلت:
وَالْفرق: بِفَتْح الْفَاء وَالرَّاء الْخَوْف، وَكَذَلِكَ الرعب بِضَم الرَّاء وَالْعين وبإسكان الْعين، وَقُرِئَ بهما.
وَحكى صَاحب " الْعين " أَيْضا بِفَتْح الرَّاء وَإِسْكَان الْعين رعْبًا فَقَالَ: الرعب والرعب لُغَتَانِ يَقُول: رعبته رعْبًا ورعبا، وَقيل: الرعب الْمصدر والرعب الِاسْم فَهُوَ مرعوب ورعيب، ورعبته فَهُوَ مرعب وَهُوَ مرتعب أَي فزع.
وَقَالَ الْجَوْهَرِي: " رعبته فَهُوَ مرعوب إِذا أفزعته وَلَا تقل: أرعبته ".
قَالَ: " وَالْفرق بِالتَّحْرِيكِ الْخَوْف، وَقد فرق بِالْكَسْرِ تَقول: فرقت مِنْك وَلَا تقل: فرقتك ".
قلت:
فَقَوله فِي الحَدِيث: " فرقا " أَو " رعْبًا " كِلَاهُمَا نصب على الْمصدر تَأْكِيدًا كَقَوْلِك: ضربت ضربا، إِلَّا أَنه قرن بِالْفِعْلِ غير مصدره لِأَنَّهُ بِمَعْنَاهُ.
فَقَوله: " جئثت مِنْهُ فرقا " كَقَوْلِه: فرقت مِنْهُ فرقا، وَكَذَا رعبت مِنْهُ رعْبًا، وَأما على رِوَايَة " حثثت " بِالْحَاء الْمُهْملَة فَتكون " فرقا " مَفْعُولا من أَجله نَحْو: هربت خوفًا من زيد.
стр. 149
قَوْله: " فَرَجَعت فَقلت: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فَدَثَّرُونِي، فَأنْزل الله ﵎: ﴿يَا أَيهَا المدثر - إِلَى قَوْله - وَالرجز فاهجر﴾
قد سبق معنى قَوْله " زَمِّلُونِي " و " دَثرُونِي " وَفِي رِوَايَة صَالح بن أبي الْأَخْضَر عَن الزُّهْرِيّ: " فدثرت فجَاء جِبْرِيل ﷺ بِرجلِهِ: ﴿يَا أَيهَا المدثر قُم فَأَنْذر وَرَبك فَكبر وثيابك فطهر وَالرجز فاهجر﴾ قَالَ أَبُو سَلمَة: وَالرجز الْأَوْثَان الَّتِي كَانُوا يعْبدُونَ من دون الله ".
وَقَوله: " زَمِّلُونِي أَي غطوني بِثَوْب، وَإِذا كَانَ ذَلِك مِنْهُ بِنَفسِهِ قيل: تزمل وازمل فَهُوَ متزمل ومزمل، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا المزمل﴾ أَي الَّذِي تزمل فِي ثِيَابه أَي تلفف بهَا، فالمزمل هُوَ المتزمل أدغمت التَّاء فِي الزَّاي، وَنَحْوه المدثر فِي المتدثر، وَقُرِئَ: ﴿المتزمل﴾ على الأَصْل، و ﴿المزمل﴾ بتَخْفِيف الزَّاي وَفتح الْمِيم وَكسرهَا على أَنه اسْم فَاعل أَو مفعول من: زمله غَيره أَو زمل نَفسه.
والمدثر: لَا بس الدثار وَهُوَ مَا فَوق الشعار وَهُوَ الثَّوْب الَّذِي يَلِي الْجَسَد، وَمِنْه قَوْله ﵇: " الْأَنْصَار شعار وَالنَّاس دثار "، وَقُرِئَ: ﴿المدثر﴾ على لفظ اسْم الْمَفْعُول من: دثره، وَقيل: المُرَاد أَنه دثر هَذَا الْأَمر وَعصب بِهِ.
وَقَوله: ﴿قُم﴾ أَي من مضجعك، أَو قُم قيام عزم وتصميم.
стр. 150
﴿فَأَنْذر﴾ : أَي فحذر النَّاس من عَذَاب الله، فَترك الْمَفْعُول لِأَن الْمَعْنى: افْعَل الْإِنْذَار من غير تَخْصِيص لَهُ بِأحد.
﴿وَرَبك فَكبر﴾ : أَي صفة بالكبرياء.
﴿وثيابك فطهر﴾ : من النَّجَاسَة، أَو هُوَ أَمر بتقصيرها وَمُخَالفَة الْعَرَب فِي تطويلهم الثِّيَاب وجرهم الذيول وَذَلِكَ مِمَّا لَا يُؤمن مَعَه إِصَابَة النَّجَاسَة.
وَقيل: هُوَ أَمر بتطهير النَّفس مِمَّا يستقذر من الْأَفْعَال ويستهجن من الْعَادَات، يُقَال: فلَان طَاهِر الثِّيَاب وطاهر الجيب والذيل والأردان إِذا وصفوه بالنقاء من المعايب ومدانس الْأَخْلَاق.
وَفُلَان دنس الثِّيَاب المغادر وَذَلِكَ لِأَن الثَّوْب يلابس الْإِنْسَان ويشتمل عَلَيْهِ، فكني بِهِ عَنهُ، أَلا ترى إِلَى قَوْلهم: أعجبني زيد ثَوْبه، كَمَا تَقول: أعجبني زيد عقله وخلقه، وَيَقُولُونَ: الْمجد فِي ثَوْبه وَالْكَرم تَحت حلته.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: " وَلِأَن الْغَالِب أَن من طهر باطنة ونقاه عني بتطهير الظَّاهِر وتنقيته، وأبى إِلَّا اجْتِنَاب الْخبث وإيثار الطُّهْر ".
﴿الرجز﴾ : قرئَ بِكَسْر الرَّاء وَضمّهَا وهما لُغَتَانِ وَهُوَ الْعَذَاب، وَمَعْنَاهُ: اهجر مَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ من عبَادَة الْأَوْثَان وَغَيرهَا من المآثم، وَالْمعْنَى الثَّبَات على هجره لِأَنَّهُ كَانَ بَرِيئًا مِنْهُ.
стр. 151
قَالَ الزّجاج: " وَدخلت الْفَاء على معنى جَوَاب الْجَزَاء، الْمَعْنى: قُم فَأَنْذر، وقم فَكبر ".
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: " دخلت الْفَاء بِمَعْنى الشَّرْط كَأَنَّهُ قيل: مهما كَانَ فَلَا تدع تكبيره ".
وَفِي " تَفْسِير ابْن الْقشيرِي " قَالَ: " وَقَالَ ابْن جني: هُوَ كَقَوْلِك: زيدا فَاضْرب، أَي زيدا اضْرِب، فالفاء زَائِدَة ".
قَوْله: " ثمَّ حمي الْوَحْي وتتابع ":
أَي كثر قَالَ عِيَاض: " الكلمتان بِمَعْنى وَاحِد أَي كثر نُزُوله وَقَوي أمره وازداد، من قَوْلهم: حميت النَّار وَالشَّمْس إِذا زَاد حرهما، وَمِنْه حمي الْوَطِيس أَي قوي حره وَاشْتَدَّ، تمّ استعير فِي الْحَرْب ".
قلت: لما اشتدت الْحَرْب وهاجت يَوْم حنين قَالَ النَّبِي ﷺ : " الْآن حمي الْوَطِيس "، والوطيس: التَّنور، شبهها بِهِ.
стр. 152
قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: " قبل أَن تفرض الصَّلَاة ":
يَعْنِي نزُول أول سُورَة المدثر كَانَ أول أَمر النُّبُوَّة قبل أَن يشرع أصل الصَّلَاة، وَلَيْسَ يَعْنِي هَذِه الصَّلَوَات الْخمس فَإِن هَذِه الصَّلَوَات إِنَّمَا فرضت لَيْلَة الْإِسْرَاء على مَا شهِدت بِهِ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة، والإسراء كَانَ قبل الْهِجْرَة بِقَلِيل، فقد شَارك أول سُورَة المدثر فِي ذَلِك جملَة من الْقُرْآن فَلَا يَلِيق تَحْدِيد وَقت نُزُولهَا بذلك، وَإِنَّمَا يَعْنِي فرض الصَّلَاة الَّتِي كَانَت مَأْمُورا بهَا قبل ذَلِك على مَا يشْهد بِهِ أول سُورَة المزمل وأخرها.
وَفِي " صَحِيح مُسلم " عَن عَائِشَة قَالَت: " إِن الله افْترض الْقيام فِي أول هَذِه السُّورَة فَقَامَ رَسُول الله ﷺ وَأَصْحَابه حولا حَتَّى انتفخت أَقْدَامهم ".
وَقَالَ قَتَادَة: " كَانَ بَدْء الصَّلَاة رَكْعَتَيْنِ بِالْغَدَاةِ وَرَكْعَتَيْنِ بالْعَشي ". أخرجة الْحَافِظ الْبَيْهَقِيّ فِي " السّنَن ".
وَإِنَّمَا ذَلِك نَظِير مَا وَقع فِي رِوَايَة مُوسَى بن عقبَة عَن ابْن شهَاب قَالَ: وَكَانَت خَدِيجَة أول من آمن بِاللَّه وَصدق رَسُوله قبل أَن تفرض الصَّلَاة. وَقد أسلم قبل لَيْلَة الْإِسْرَاء طَائِفَة من الصَّحَابَة كثير.
стр. 153
فَإِن قلت: كَانَت هِيَ أول من آمن مِنْهُم.
قلت: هِيَ أول من آمن على الْإِطْلَاق فَلم يبْق لقَوْله: " قبل أَن تفرض الصَّلَاة " فَائِدَة، إِلَّا أَن تقدر الْكَلَام: آمَنت قبل أَن تفرض الصَّلَاة، وَلَا تظهر فَائِدَة هَذَا الْكَلَام إِلَّا أَن يكون المُرَاد قبل شَرْعِيَّة أصل الصَّلَاة، فَحِينَئِذٍ تتبين منزلتها وَلِهَذَا جَاءَ أَنَّهَا أول من صلى.
وَوَقع فِي بعض الرِّوَايَات عَن عَائِشَة ﵂ فِي حَدِيث المبعث زِيَادَة: " ثمَّ بحث جِبْرِيل فِي الأَرْض فنبع المَاء، فَعلم رَسُول الله ﷺ كَيفَ يتَوَضَّأ، فَتَوَضَّأ رَسُول الله ﷺ ثمَّ صلى رَكْعَتَيْنِ نَحْو الْكَعْبَة ".
قَالَ السُّهيْلي: " وَذكر الْحَرْبِيّ أَن الصَّلَاة قبل الْإِسْرَاء كَانَت صَلَاة قبل غرُوب الشَّمْس وَصَلَاة قبل طُلُوعهَا ".
قَالَ: " وَيشْهد لهَذَا القَوْل قَوْله سُبْحَانَهُ: ﴿وَسبح بِحَمْد رَبك بالْعَشي وَالْإِبْكَار﴾ يَعْنِي فِي سُورَة غَافِر ".
قَالَ: " وَقَالَ يحيى بن سَلام مثله ".
وَقَالَ: " كَانَ الْإِسْرَاء وَفرض الصَّلَوَات الْخمس قبل الْهِجْرَة بعام، وَقيل: بعام وَنصف، وَقيل: كَانَ بَعْدَمَا نبئ بِخَمْسَة أَعْوَام ".
стр. 154
قَالَ ابْن إِسْحَاق: " وحَدثني بعض أهل الْعلم أَن الصَّلَاة حِين افترضت على رَسُول الله ﷺ أَتَاهُ جِبْرِيل وَهُوَ بِأَعْلَى مَكَّة، فهمز لَهُ بعقبه فِي نَاحيَة الْوَادي، فانفجرت مِنْهُ عين، فَتَوَضَّأ جِبْرِيل وَرَسُول الله ﷺ ينظر ليريه كَيفَ الطّهُور للصَّلَاة، ثمَّ تَوَضَّأ رَسُول الله ﷺ كَمَا رأى جِبْرِيل يتَوَضَّأ، ثمَّ قَامَ بِهِ جِبْرِيل ﵇ فصلى بِهِ، وَصلى رَسُول الله ﷺ بِصَلَاتِهِ، ثمَّ انْصَرف جِبْرِيل فجَاء رَسُول الله ﷺ إِلَى خَدِيجَة فَتَوَضَّأ لَهَا ليريها كَيفَ الطّهُور للصَّلَاة كَمَا أرَاهُ جِبْرِيل، فَتَوَضَّأت كَمَا تَوَضَّأ لَهَا رَسُول الله ﷺ ، ثمَّ صلى بهَا رَسُول الله ﷺ كَمَا صلى بِهِ جِبْرِيل ﵇ فصلت بِصَلَاتِهِ ".
قَول أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن: " سَأَلت جَابر بن عبد الله أَي الْقُرْآن أنزل قبل؟ قَالَ: ﴿يَا أَيهَا المدثر﴾ ، فَقلت: أَو اقْرَأ ".
فَذكر الحَدِيث فِي نزُول ﴿يَا أَيهَا المدثر﴾ كَمَا تقدم مَحْمُول ذَلِك من جَابر على أَنه لم يبلغهُ حَدِيث نزُول اقْرَأ.
قَالَ الْحَافِظ أَبُو نعيم فِي " دلائله ": " وَجه هَذَا الحَدِيث وَمَا رُوِيَ عَن عَائِشَة أَن أول مَا نزل ﴿اقْرَأ باسم رَبك﴾ أَن مَا روته عَائِشَة صَحِيح لاقتصاصها أول مَا بُدِئَ بِهِ رَسُول الله ﷺ من الْوَحْي، وَأَن الْملك
стр. 155
فاجأه بِغَار حراء، وَأَنه قَالَ لَهُ - بعد مَا غطه ثَلَاث مَرَّات: ﴿اقْرَأ باسم رَبك﴾ ، وَقَالَت فِي الحَدِيث: ثمَّ فتر الْوَحْي فَتْرَة حَتَّى حزن رَسُول الله ﷺ ، وَغدا ليلقي نَفسه من قلَّة الجيل، فتبدا لَهُ جِبْرِيل ﵇ فسكن لذَلِك جأشه، وَأَن الَّذِي رَوَاهُ جَابر: إِن أول مَا نزل ﴿يَا أَيهَا المدثر﴾ كَانَ بعد فَتْرَة الْوَحْي، فقد أعلم النَّبِي ﷺ فِي حَدِيث جَابر أَنه أُوحِي إِلَيْهِ من قبل ثمَّ فتر الْوَحْي، وَأَن الْملك جَاءَهُ ثَانِيًا بعد فَتْرَة الْوَحْي، وَفِي ذَلِك لما قَالَت عَائِشَة تَصْدِيق وَتَحْقِيق أَن أول مَا نزل: ﴿اقْرَأ باسم رَبك الَّذِي خلق﴾ ، وَقَالَ الْحَافِظ الْبَيْهَقِيّ فِي دلائله نَحوا من ذَلِك.
وَقَالَ أَبُو عبد الله ابْن الْحَافِظ إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد بن الْفضل فِي " شَرحه لكتاب مُسلم ":
" وَجه الْجمع بَين حَدِيثي جَابر وَعَائِشَة أَن جَابِرا إِنَّمَا سمع من رَسُول الله ﷺ هَذِه الْقِصَّة مختصرة كَمَا رَوَاهَا، وَلم يسمع قصَّة الغط والتعليم وَالْأَمر بِالْقِرَاءَةِ، وَهُوَ مَحْمُول على أَنه صلوَات الله عَلَيْهِ أول مَا استقرئ وَحمل على التَّعَلُّم كَانَ بقوله: ﴿اقْرَأ باسم رَبك﴾ فَجرى ذَلِك مجْرى التَّعْلِيم وَالْهِدَايَة إِلَى الْقِرَاءَة، فَلَمَّا وَطن نَفسه على ذَلِك وربط للتبليغ جأشه أنزل عَلَيْهِ ﴿يَا أَيهَا المدثر﴾ فَأمر بالأوامر وفرضت عَلَيْهِ الْفَرَائِض وخوطب بالشرائع وَالله أعلم ".
стр. 156
قَوْله: " جَاوَرت بحراء شهرا فَلَمَّا قضيت جواري نزلت فَاسْتَبْطَنْت بطن الْوَادي فنوديت ":
يُقَال: جاورته مجاورة وجوارا وجوارا وَالْكَسْر أفْصح.
فَقَوله: " جواري " أَي مجاورتي، والمجاورة: الِاعْتِكَاف، وَفِي الحَدِيث: " كَانَ يجاور فِي الْعشْر الْأَوَاخِر ".
قَوْله: " فَرفعت رَأْسِي فَإذْ هُوَ على الْعَرْش فِي الْهَوَاء يَعْنِي جِبْرِيل ﷺ ، فَأَخَذَتْنِي رَجْفَة شَدِيدَة ":
قَالَ القَاضِي عِيَاض: " وَعند السَّمرقَنْدِي ": " وجفة " بِالْوَاو ومعناهما مُتَقَارب هُوَ كُله من كَثْرَة الِاضْطِرَاب قَالَ الله تَعَالَى: ﴿قُلُوب يَوْمئِذٍ واجفة﴾ ، وَقَالَ: ﴿يَوْم ترجف الأَرْض وَالْجِبَال﴾ .
قَالَ: وَقَوله: " فَإِذا هُوَ على الْعَرْش فِي الْهَوَاء "، وَفِي الحَدِيث الآخر: " على عرش بَين السَّمَاء وَالْأَرْض "، وَفِي الآخر: " على كرْسِي " هَذَا
стр. 157
تَفْسِير معنى الْعَرْش فِي الْحَدِيثين الْمُتَقَدِّمين وَأَنه كالكرسي والسرير وَلَيْسَ بعرش الرَّحْمَن الْعَظِيم قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلها عرش عَظِيم﴾ ، قَالَ أهل اللُّغَة: الْعَرْش السرير، وَقيل: سَرِير الْملك.
قَالَ: " وَفِي هَذَا الحَدِيث وَشبهه تَحْقِيق الْعلم بتصور الْمَلَائِكَة على صور مُخْتَلفَة، وإقدار الله لَهُم على التَّرْكِيب فِي أَي شَيْء شَاءُوا من صور بني آدم وَغَيرهَا، وَأَن لَهُم صورا فِي أصل خلقهمْ مَخْصُوصَة بهم، كل مِنْهُم على مَا خلق عَلَيْهِ وشكل ".
قَالَ الْحَافِظ أَبُو نعيم فِي " دلائله ": " وَجمع مَا تقدم ذكرنَا لَهُ من هَذِه الْأَخْبَار دَاخل فِي المعجزات، وَجرى الْأَمر فِيهِ مُرَتبا فأوله مَا كالن ﵇ يرَاهُ فِي مَنَامه كَمَا روته عَائِشَة: " أول مَا بُدِئَ بِهِ الرُّؤْيَا الصادقة ". إِذْ الرُّؤْيَا الصادقة جُزْء من أَجزَاء النُّبُوَّة فَكَانَت الرُّؤْيَا الَّتِي تجئ مثل فلق الصُّبْح مُقَدّمَة للنبوة، ثمَّ وَجب أَن يكون ﵇ عَالما بِمن يَأْتِيهِ فَكَانَ التخلي والتوحد فِي الْجبَال والغيران محببا لَهُ لوُقُوع تراءي الْملك لَهُ خَالِيا، وليقع لَهُ ﵇ الْمعرفَة بِمن يَأْتِيهِ ويناديه، فإراءه جِبْرِيل ﵇ لَهُ
стр. 158
نَفسه على صور مُخْتَلفَة من جُمْلَتهَا صورته الَّتِي هِيَ صورته لتَكون صورته المباينة لصورة الْآدَمِيّين آيَة لَهُ فِي صدق مَا ادَّعَاهُ أَنه مُرْسل بِالْوَحْي إِلَى النَّبِي ﷺ ، وَيكون مَا عدا هَذِه الصُّورَة الَّتِي هِيَ صورته تقريرا عِنْده لإتيانه إِلَيْهِ فِي صور مُخْتَلفَة حَتَّى كَانَ أَكثر مَا كَانَ يرَاهُ فِي صُورَة دحْيَة الْكَلْبِيّ، وَفِيمَا تَأَول عبد الله بن مَسْعُود وَعَائِشَة فِي قَوْله: ﴿ثمَّ دنا فَتَدَلَّى﴾ بَيَان أَن جِبْرِيل ﵇ ترَاءى للنَّبِي ﷺ بَين السَّمَاء وَالْأَرْض فِي صورته الَّتِي عَلَيْهَا خلق، وَأَن نظر النَّبِي ﷺ إِلَيْهِ حِين دنا مِنْهُ متدليا حَتَّى كَانَ قرب الْمجْلس مِنْهُ قاب قوسين أَو أدنى، وَأَنه لم يلاقه فِي هَذِه الْحَالة بل جلس منتبذا عَنهُ على سَبِيل التَّعْظِيم لَهُ، كالجالس منا إِلَى سُلْطَانه وَملكه مباينا لَهُ متباعدا عَنهُ، فَفعل جِبْرِيل ذَلِك بِهِ ﷺ مُعظما لَهُ، ثمَّ عرفه حَقِيقَة مَا كَانَ ناجاه بِهِ، فتقرر بِهَذَا عِنْد رَسُول الله ﷺ أَنه ملك وَهُوَ رَسُول الله أَتَاهُ بِالْوَحْي من قبل الله، وَلم يكن التدلي والدنو فِي أول ترائيه لَهُ بل كَانَ ذَلِك بعد الأول ليَكُون التَّعْرِيف على تدريج، إِذْ فِي الْمُنَاجَاة كَونه غير مَأْمُون من دهشة تلْحقهُ فَجرى الْأَمر فِيهِ على الْمَعْقُول من الْأَمر الْجَمِيل.
وَأما غط جِبْرِيل لَهُ ﷺ أغير مرّة وَقَوله لَهُ: اقْرَأ، فَيَقُول: مَا أَنا بقارئ، فَيحْتَمل أَن يكون مِنْهُ على وَجه التَّقْرِير لَهُ لما كَانَ عَلَيْهِ من الأمية، فقرره بذلك ثمَّ أقرأه كَمَا قرر الله مُوسَى ﵇ بالعصا حِين
стр. 159
أَرَادَ أَن يَجْعَلهَا حيه فَقَالَ: ﴿وَمَا تِلْكَ بيمينك يَا مُوسَى﴾ ليخبره بِحَقِيقَة مَا فِي يمنيه حَتَّى إِذا قَلبهَا حَيَّة تسْعَى كَانَ أبلغ لَهُ فِي الْحجَّة والتشجع فِي أَدَاء الرسَالَة وتحملها.
وَيحْتَمل أَن يكون غطه إِيَّاه إِشَارَة إِلَى ثقل الْوَحْي، وَأَن وَرَاء هَذِه الْقِرَاءَة وَجها آخر لَا يظْهر لَهُ فِيهِ جِبْرِيل وَإِنَّمَا يعرف ﵇ نُزُوله بِمَا يحدث لَهُ من الثّقل والغطيط والبرحاء وَمَا فِي مَعْنَاهُ وَغير ذَلِك.
وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد بالغط تهيؤء لقبُول الْوَحْي كَمَا فعله فِي شقّ قلبه وَشرح صَدره وَالله أعلم ".
قَالَ: " وَجَمِيع ذَلِك من الْأَدِلَّة والآيات والمعجزات الَّتِي تكون لَهُ ﷺ فِي نَفسه، إِذْ الْوَاجِب فِي إِثْبَات النُّبُوَّة إِقَامَة الْبُرْهَان للرسول فِي نَفسه ليتقرر عِنْده حَقِيقَة رسَالَته، فَيُؤذن لَهُ عِنْد ذَلِك فِي الدعْوَة، ثمَّ يمد بالبراهين الإلاهية لأمته وَأهل دَعوته وَالله أعلم.
стр. 160
فصل
وَإِذا فَرغْنَا من شرح متن هَذَا الحَدِيث لم يبْق مِمَّا وعدنا بِهِ إِلَّا الْكَلَام فِي تَعْرِيف رُوَاته على طَريقَة أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ.
فَاعْلَم أَنه حَدِيث وَاحِد صَحِيح رَوَاهُ الزُّهْرِيّ عَن رِجَاله عَن اثْنَيْنِ من الصَّحَابَة معظمة عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة، وَبَعضه عَن أبي سَلمَة عَن جَابر، وَفصل حَدِيث جَابر من حَدِيث عَائِشَة فِي رِوَايَة غير الزُّهْرِيّ على مَا سبق بَيَانه، فنتكلم على كل وَاحِد من الصحابيين، ثمَّ على الروَاة عَنْهُم فَمن بعدهمْ إِلَى آخِرهم، مقتصرين على مُجَرّد التَّعْرِيف بهم، فَإِن استقصاء أخبارهم محوج إِلَى كتاب مُفْرد، وَأَكْثَرهم قد ذكرتهم فِي " الْمُخْتَصر الْأَكْبَر من تَارِيخ دمشق " وَالله الْمُوفق.
стр. 161
عَائِشَة زوج النَّبِي ﷺ وَأحب النَّاس إِلَيْهِ:
هِيَ بنت أبي بكر الصّديق ﵄، وكناها رَسُول الله أم عبد الله، وَلم تَلد قطّ، وَلم ينْكح بكرا غَيرهَا.
وَأنزل الله براءتها فِي الْقُرْآن، وَمَات رَسُول الله ﷺ وَهِي بنت ثَمَانِي عشرَة سنة، وأقرأها النَّبِي السَّلَام عَن جِبْرِيل ﵇.
وَأخْبر أَن فَضلهَا على النِّسَاء كفضل الثَّرِيد على سَائِر الطَّعَام.
وَتوفيت عَائِشَة بِالْمَدِينَةِ فِي رَمَضَان سنة ثَمَان أَو سبع أَو سِتّ وَخمسين فِي خلَافَة مُعَاوِيَة، (وَصلى عَلَيْهَا أَبُو هُرَيْرَة) ، ودفنت بِالبَقِيعِ.
стр. 162
جَابر بن عبد الله بن عَمْرو بن حرَام أَبُو عبد الله:
وَيُقَال: أَبُو مُحَمَّد، وَيُقَال: أَبُو عبد الرَّحْمَن، الْأنْصَارِيّ الخزرجي السّلمِيّ بِفَتْح السِّين وَاللَّام، أحد بني سَلمَة بِكَسْر اللَّام، من بني الْخَزْرَج من الْأَنْصَار.
شهد الْعقبَة مَعَ السّبْعين من الْأَنْصَار وَكَانَ أَصْغَرهم يَوْمئِذٍ، وَشهد الْمشَاهد كلهَا مَعَ رَسُول الله ﷺ غير بدر وَأحد، وَأَبوهُ من كبار الصَّحَابَة من الْأَنْصَار، وَكَانَ عقبيا نَقِيبًا، وَشهد بَدْرًا وَاسْتشْهدَ يَوْم أحد.
وَمَات جَابر بِالْمَدِينَةِ سنة سبع وَسبعين، وَصلى عَلَيْهِ أبان بن عُثْمَان، وَقيل: الْحجَّاج، وَدفن بِالبَقِيعِ، وَكَانَ آخر من مَاتَ من الصَّحَابَة بِالْمَدِينَةِ، وَقيل: إِنَّه مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ أَو ثَلَاث أَو أَربع أَو ثَمَان أَو تسع وَسبعين، وَالله أعلم.
стр. 163
فصل
رَاوِي الحَدِيث عَن عَائِشَة هُوَ ابْن أُخْتهَا عُرْوَة بن الزبير، وَرَاوِيه عَن جَابر هُوَ أَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، فنترجم لكل وَاحِد مِنْهُمَا.
عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام أَبُو عبد الله الْقرشِي الْأَسدي:
أحد فُقَهَاء الْمَدِينَة السَّبْعَة من التَّابِعين، روى عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة مِنْهُم: أَبوهُ وَأمه أَسمَاء وخالته عَائِشَة وَأَخُوهُ عبد الله بن الزبير، روى عَنهُ بنوه يحيى وَعُثْمَان وَهِشَام وَمُحَمّد وَجَمَاعَة من التَّابِعين وَغَيرهم مِنْهُم عَطاء وَأَبُو سَلمَة وَصَفوَان بن سليم وَسليمَان بن يسَار وَالزهْرِيّ، وَكَانَ ثِقَة، كثير الحَدِيث، فَقِيها فَاضلا، عَالما مَأْمُونا ثبتا، وَهُوَ أحد البحور الْأَرْبَعَة من فُقَهَاء التَّابِعين بِالْمَدِينَةِ، مَاتَ سنة أَربع وَتِسْعين وَهِي سنة الْفُقَهَاء لِكَثْرَة من مَاتَ مِنْهُم فِيهَا، وَقيل: مَاتَ قبل ذَلِك، وَقيل: بعده، وَذَلِكَ بِنَاحِيَة الْفَرْع وَدفن هُنَاكَ بِمَال لَهُ بمجاح - وَهُوَ بِفَتْح الْمِيم وَالْجِيم وَآخره حاء مُهْملَة.
أَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف الْقرشِي الزُّهْرِيّ:
أحد فُقَهَاء الْمَدِينَة، من كبار التَّابِعين وعظمائهم، يُقَال: اسْمه عبد الله، وَيُقَال إِسْمَاعِيل، حدث عَن أَبِيه - وَهُوَ أحد الْعشْرَة الْمَشْهُود لَهُم
стр. 164
بِالْجنَّةِ -، وَعَن زيد بن ثَابت وَأبي قَتَادَة وَعَائِشَة وَابْن عمر وَابْن عَبَّاس وَجَابِر وَأبي هُرَيْرَة وَأبي سعيد وَغَيرهم، روى عَنهُ (ابْنه) عمر بن أبي سَلمَة وابنا أَخِيه سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن وَعبد الْمجِيد بن سُهَيْل بن عبد الرَّحْمَن وَيحيى بن سعيد وَيحيى بن أبي كثير وَالشعْبِيّ وَعَمْرو بن دِينَار وَالزهْرِيّ وَعبد الْملك بن عُمَيْر والأعرجان أَبُو حَازِم وَعبد الرَّحْمَن وَغَيرهم، وَمَات سنة ثَلَاث أَو أَربع وَتِسْعين، وَقيل: سنة مائَة، وَقيل: سنة أَربع وَمِائَة بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَ ثِقَة فَقِيها، كثير الحَدِيث إِمَامًا.
стр. 165
فصل
روى حَدِيث عَائِشَة عَن عُرْوَة ابْن شهَاب الزُّهْرِيّ، وروى حَدِيث جَابر عَن أبي سَلمَة الزُّهْرِيّ أَيْضا وَيحيى بن أبي كثير، وَكِلَاهُمَا من صغَار التَّابِعين، وَالزهْرِيّ أكبر وَأكْثر علما.
وَهُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهَاب بن عبد الله بن الْحَارِث بن زهرَة بن كلاب بن مرّة أَبُو بكر الْقرشِي الزُّهْرِيّ:
أحد الْأَعْلَام من أَئِمَّة الْإِسْلَام، روى عَن ابْن عمر وَأنس وَسَهل بن سعد والسائب بن يزِيد وَعبد الله بن ثَعْلَبَة بن صعير ومحمود بن الرّبيع وَعبد الرَّحْمَن بن أَزْهَر وَأبي الطُّفَيْل وَغَيرهم من الصَّحَابَة.
وَمن التَّابِعين عَن فهاء الْمَدِينَة السَّبْعَة غَيرهم، روى عَنهُ من التَّابِعين عمر بن عبد الْعَزِيز وَعَطَاء وَقَتَادَة وَعَمْرو بن دِينَار وَعَمْرو بن شُعَيْب وَيحيى بن سعيد وَصَالح بن كيسَان وَغَيرهم، عَلَيْهِ يَدُور علم أهل الْحجاز، وَعنهُ أَخذ أئمتهم وعلماؤهم، وَمَات سنة أَرْبَعَة وَعشْرين وَمِائَة
стр. 166
وَقيل: سنة ثَلَاث، وَقيل: خمس وَعشْرين، بضيعة لَهُ فِي آخر عمل الْحجاز وَأول عمل فلسطين خلف شغب وبدا، وَدفن هُنَاكَ ﵀.
يحيى بن أبي كثير أَبُو نصر:
وَاسم أبي كثير دِينَار، وَقيل: يسَار، وَقيل: صَالح، ابْن المتَوَكل وَهُوَ مولى لطي، بَصرِي سكن الْيَمَامَة، رَأْي أنس بن مَالك وروى عَنهُ مُرْسلا، وَسمع أَبَا سَلمَة وَسليمَان بن يسَار وَعبد الله بن أبي قَتَادَة وَإِبْرَاهِيم بن عبد الله بن قارظ وَمُحَمّد بن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ وَأَبا قلَابَة وَعِكْرِمَة وَغَيرهم، روى عَنهُ أَيُّوب وَالْأَوْزَاعِيّ وَمعمر وَهِشَام الدستوَائي وَأَبَان الْعَطَّار وَهَمَّام ابْن يحيى وحسين الْمعلم وَابْنه عبد الله بن يحيى وَغَيرهم، توفّي سنة تسع وَعشْرين وَمِائَة، وَقيل: سنة ثَلَاثِينَ، وَقيل: سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ.
قَالَ شُعْبَة: " يحيى بن أبي كثير أحسن حَدِيثا من الزُّهْرِيّ ".
وَقَالَ أَيُّوب: " مَا بَقِي على وَجه الأَرْض مثل يحيى بن أبي كثير ".
قَالَ عَامر بن يسَاف: " كَانَ يحيى بن أبي كثير حسن اللبَاس، حسن الْهَيْئَة، وَمَات وَلم يتْرك إِلَّا ثَلَاثِينَ درهما كفنوه بهَا ".
стр. 167
فصل
روى حَدِيث عَائِشَة وَجَابِر عَن الزُّهْرِيّ ثَلَاثَة عقيل وَيُونُس وَمعمر
عقيل بن خَالِد بن عقيل:
بِضَم الْعين وَفتح الْقَاف فيهمَا أَبُو خَالِد الْأَيْلِي مولى عُثْمَان بن عَفَّان، حدث عَن أَبِيه وَعَمه زِيَاد بن عقيل وَعِكْرِمَة وَزيد بن أسلم وَمَكْحُول وَمُحَمّد بن إِسْحَاق وَيحيى بن أبي كثير وَهِشَام بن عُرْوَة وَعَمْرو بن شُعَيْب وَسَلَمَة بن كهيل، وَهُوَ أحد المكثرين عَن الزُّهْرِيّ المختصين بِهِ، كَانَ يَصْحَبهُ حضرا وسفرا، روى عَنهُ من أقرانه يُونُس بن يزِيد وَاللَّيْث بن سعد وَابْن لَهِيعَة وَغَيرهم، وَسَأَلَ الْقَاسِم بن مُحَمَّد وَسَالم بن عبد الله، وَكَانَ ثِقَة من أهل أَيْلَة مصري.
قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل: " هَؤُلَاءِ الَّذين رووا عَن الزُّهْرِيّ الْكثير ".
وَفِي رِوَايَة: " هَؤُلَاءِ نقروا علم الزُّهْرِيّ، يُونُس وَعقيل وَمعمر "
стр. 168
توفّي عقيل بفسطاط مصر فَجْأَة بالمعافر سنة أَرْبَعَة وَأَرْبَعين، وَقيل: سنة إِحْدَى أَو اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَمِائَة.
يُونُس بن يزِيد بن أبي النجاد أَبُو يزِيد الْأَيْلِي أَيْضا مولى قُرَيْش:
حدث عَن هِشَام بن عُرْوَة ونافعع وَعِكْرِمَة , أبي الزِّنَاد وَغَيرهم، وَأكْثر عَن الزُّهْرِيّ وصحبة بِالشَّام ثِنْتَيْ عشرَة أَو أَربع عشرَة سنة، وَكَانَ الزُّهْرِيّ إِذْ قدم أَيْلَة نزل عِنْده، وَإِذا سَار إِلَى الْمَدِينَة زامله يُونُس، روى عَنهُ اللَّيْث وَابْن الْمُبَارك ووكيع وَابْن وهب وَغَيرهم.
قَالَ الْمفضل بن غَسَّان الْغلابِي: " وَكَانَ يُونُس وَعقيل من أهل أَيْلَة وَمَاتَا بِمصْر، مَاتَ عقيل سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين، وَمَات يُونُس سنة تسع وَخمسين وَمِائَة ".
وَقَالَ ابْن يُونُس: " مَاتَ سنة ثِنْتَيْنِ وَخمسين وَمِائَة ".
وَقَالَ غَيره: " سنة سِتِّينَ وَمِائَة ".
معمر بن رَاشد أَبُو عُرْوَة بن أبي عَمْرو الْأَزْدِيّ مَوْلَاهُم الْبَصْرِيّ:
سكن الْيمن، حدث عَن زيد بن أسلم وَيحيى بن أبي كثير وَأبي إِسْحَاق الْهَمدَانِي وَالْأَعْمَش وَهِشَام بن عُرْوَة وَعَمْرو بن دِينَار وثابت
стр. 169
الْبنانِيّ وَأَيوب وَابْن طَاوس وَعَاصِم بن أبي النجُود وَمَنْصُور وَغَيرهم، وَقدم على الزُّهْرِيّ الشَّام وَبهَا سمع مِنْهُ، روى عَنهُ أَيُّوب وَعَمْرو بن دِينَار وَأَبُو إِسْحَاق وَيحيى بن أبي كثير وهم من شُيُوخه وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَسَعِيد ابْن أبي عرُوبَة وَابْن الْمُبَارك وَإِسْمَاعِيل بن علية وَعبد الرَّزَّاق وَغَيرهم، طلب الْعلم سنة مَاتَ الْحسن.
قَالَ ابْن سعد: " كَانَ معمر رجلا لَهُ حلم ومروءة ونبل فِي نَفسه ".
قَالَ أَبُو أَحْمد الْحَاكِم: " سمع من الزُّهْرِيّ وَعَمْرو بن دِينَار وَأبي إِسْحَاق وَالْأَعْمَش وَقَتَادَة وَيحيى بن أبي كثير، وَهَؤُلَاء السِّتَّة الَّذين يَدُور عَلَيْهِم حَدِيث رَسُول الله ﷺ من التَّابِعين، لَا أعلم أحدا من النَّاس رَآهُمْ كلهم وَسمع مِنْهُم سواهُ، وَلَا اجْتَمعُوا لأحد من الْمَشَايِخ غَيره ".
مَاتَ معمر بِالْيمن سنة خمسين أَو سنة اثْنَتَيْنِ أَو ثَلَاث أَو أَربع أَو خمس وَخمسين وَمِائَة وَله ثَمَانُون سنة.
стр. 170
فصل
روى حَدِيث جَابر عَن يحيى بن أبي كثير ثَلَاثَة أَيْضا الْأَوْزَاعِيّ الإِمَام وَعلي بن الْمُبَارك وَحرب بن شَدَّاد.
أما الْأَوْزَاعِيّ:
فَهُوَ أَبُو عَمْرو عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو بن يحمد - بِضَم الْيَاء وَكسر الْمِيم - إِمَام أهل الشَّام فِي الحَدِيث وَالْفِقْه، روى عَن الزُّهْرِيّ وَيحيى بن أبي كثير وَأبي جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ وَعَطَاء بن أبي رَبَاح وَقَتَادَة وَالْأَعْمَش وَيحيى بن سعيد وَمَيْمُون بن مهْرَان وَغَيرهم من أهل الْعرَاق والحجاز وَالشَّام، روى عَنهُ الزُّهْرِيّ وَيحيى بن أبي كثير وهما من شُيُوخه، وَمَالك ابْن أنس وسُفْيَان الثَّوْريّ وَشعْبَة وَيُونُس بن يزِيد وَسعد بن عبد الْعَزِيز وَابْن الْمُبَارك وَيحيى الْقطَّان وَغَيرهم.
قَالَ ابْن سعد: " والأوزاع بطن من همذان وَهُوَ من أنفسهم، ولد سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ، وَكَانَ ثِقَة مَأْمُونا صَادِقا، فَاضلا خيرا، كثير الحَدِيث وَالْعلم وَالْفِقْه، حجَّة، وَكَانَ مكتبه بِالْيَمَامَةِ فَلذَلِك سمع من يحيى بن أبي
стр. 171
كثير وَغَيره من مَشَايِخ الْيَمَامَة، وَكَانَ سكن بيروت، وَبهَا مَاتَ سنة سبع وَخمسين وَمِائَة فِي آخر خلَافَة أبي جَعْفَر وَهُوَ ابْن سبعين سنة ".
قلت:
وَقيل فِي سنه وسنه مَوته غير ذَلِك، وَأجَاب فِي سبعين ألف مَسْأَلَة أَو نَحْوهَا من الْعلم ﵀.
عَليّ بن الْمُبَارك الْهنائِي الْبَصْرِيّ:
سمع يحيى بن أبي كثير، روى عَنهُ وَكِيع وَابْن عَلَيْهِ وَهَارُون بن إِسْمَاعِيل الْبَصْرِيّ وَأَبُو قُتَيْبَة سَالم بن قُتَيْبَة وَعُثْمَان بن عمر بن فَارس وَغَيرهم.
قَالَ أَبُو بكر مُحَمَّد بن مُوسَى الْحَازِمِي: " الْهنائِي مَنْسُوب إِلَى هناءة ابْن مَالك بن فهم بن غنم بن دوس بطن من الأزد وهم من الجهاضم وهم بِالْبَصْرَةِ ".
حَرْب بن شَدَّاد أَبُو الْخطاب الْيَشْكُرِي الْبَصْرِيّ الْقطَّان:
سمع يحيى بن أبي كثير، وروى عَنهُ عبد الرَّحْمَن بن مهْدي وَعبد الصَّمد بن عبد الْوَارِث قَالَه أَبُو نصر الكلاباذي.
стр. 172
وَقَالَ مُسلم: " أَبُو الْخطاب حَرْب بن شَدَّاد الْقطَّان، سمع شهر بن حَوْشَب وَيحيى بن أبي كثير وَالْحسن، روى عَنهُ عبد الصَّمد وَأَبُو دَاوُد وَابْن رَجَاء ".
فصل
رَاوِي حَدِيث عَائِشَة وَجَابِر عَن عقيل هُوَ اللَّيْث بن سعد، وَعَن يُونُس عبد الله بن وهب، وَعَن معمر عبد الرَّزَّاق.
اللَّيْث بن سعد بن عبد الرَّحْمَن أَبُو الْحَارِث الفهمي مَوْلَاهُم الْمصْرِيّ:
فَقِيه أهل مصر، سمع يزِيد بن أبي حبيب وَالزهْرِيّ وَأَبا الزبير الْمَكِّيّ ونافعا مولى ابْن عمر وَابْن أبي مليكَة وَعَطَاء والمقبري وَغَيرهم من التَّابِعين.
روى عَنهُ مُحَمَّد بن عجلَان وَهُوَ من شُيُوخه وَابْن لَهِيعَة وَابْن الْمُبَارك وهشيم وَابْن وهب والوليد بِمَ مُسلم وقتيبة وَغَيرهم، وَمَعَ كَونه من أَصْحَاب الزُّهْرِيّ فقد روى عَن جمَاعَة من أقرانه من أَصْحَاب الزُّهْرِيّ، كَمَا روى هَذَا الحَدِيث عَن عقيل عَن الزُّهْرِيّ.
стр. 173
وَمن أعجب مَا وَقع لي من رِوَايَته أَنه روى عَن ثَلَاثَة من أَصْحَاب الزُّهْرِيّ بَعضهم عَن بعض عَن الزُّهْرِيّ، وَقع ذَلِك فِي " كتاب الْأَرْبَعين " لأبي الْمَعَالِي ابْن الْجُوَيْنِيّ الْفَقِيه ﵀، قَالَ يحيى بن عبد الله بن بكير: حَدثنِي اللَّيْث بن سعد، عَن ابْن الْهَاد، عَن إِبْرَاهِيم بن سعد، عَن صَالح بن كيسَان، عَن ابْن شهَاب الحَدِيث.
قَالَ مُحَمَّد بن سعد: " وَكَانَ اللَّيْث قد اسْتَقل بالفتوى بِمصْر، وَكَانَ ثِقَة كَبِير الحَدِيث صَحِيحه، وَكَانَ سريا من الرِّجَال نبيلا، سخيا لَهُ ضِيَافَة ".
وَمَات بِمصْر فِي شعْبَان سنة خمس وَسبعين وَمِائَة، وَقيل: سنة أَربع وَسبعين، وَمَات مَالك بن أنس سنة تسع وَسبعين.
قَالَ الإِمَام الشَّافِعِي: " مَا فَاتَنِي أحد فأسفت عَلَيْهِ مَا أسفت على اللَّيْث وَابْن أبي ذِئْب ".
وَقَالَ أَيْضا: " اللَّيْث أفقه من مَالك إِلَّا أَن أَصْحَابه لم يقومُوا بِهِ ".
стр. 174
عبد الله بن وهب بن مُسلم أَبُو مُحَمَّد الْقرشِي مَوْلَاهُم الْمصْرِيّ:
من كبار أهل مصر فِي الْعلم والزهد والورع، صنف الْكتب وَنشر الْعلم وَلزِمَ النّسك.
سمع عَمْرو بن الْحَارِث وَابْن جريج ومالكا وَالثَّوْري وَاللَّيْث وحيوة وَغَيرهم، روى عَنهُ اللَّيْث وَسَعِيد بن أبي مَرْيَم وَإِسْمَاعِيل بن أبي أويس وَسَعِيد بن مَنْصُور وَغَيرهم، وَكثر أَصْحَابه من أهل مصر وَغَيرهَا.
وَعرض عَلَيْهِ يحيى بن خَالِد الْقَضَاء فَكتب إِلَيْهِ: " إِنِّي لم أكتب الْعلم أُرِيد أَن أحْشر بِهِ فِي زمرة الْقُضَاة وَلَكِنِّي كتبت الْعلم أُرِيد أَن أحْشر (بِهِ) فِي زمرة الْعلمَاء ".
ثمَّ طلبه لولاية الْقَضَاء أَمِير مصر من قبل الْمَأْمُون وَهُوَ عباد بن مُحَمَّد فتغيب فَسمع وَهُوَ يَقُول: " يَا رب، يقدم عَلَيْك إخْوَانِي غَدا عُلَمَاء حكما فُقَهَاء وأقدم عَلَيْك قَاضِيا، لَا يَا رب، وَلَو قرضت بِالْمَقَارِيضِ ".
وَقَالَ لَهُ أَهله: " لَعَلَّ الله يحيي الْحق على يَديك، فَقَالَ: أردتم أَن تَأْكُلُوا ديني ".
وَقَالَ لبَعْضهِم: " ألم تعلم أَن الْقُضَاة يحشرون يَوْم الْقِيَامَة مَعَ السلاطين، ويحشر الْعلمَاء مَعَ الْأَنْبِيَاء ".
стр. 175
ولد ابْن وهب سنة خمس وَعشْرين وَمِائَة، وَمَات بِمصْر سنة سبع وَتِسْعين وَمِائَة، قرئَ عَلَيْهِ " كتاب أهوال الْقِيَامَة " فَخر مغشيا عَلَيْهِ فَلم يتَكَلَّم بِكَلِمَة حَتَّى مَاتَ ".
عبد الرَّزَّاق بن همام بن نَافِع أَبُو بكر الْحِمْيَرِي مَوْلَاهُم الصَّنْعَانِيّ:
إِمَام أهل الْيمن بعد معمر وَهُوَ مثل وَكِيع بِالْكُوفَةِ وَابْن وهب بِمصْر وَابْن الْمُبَارك بخراسان.
أَخذ الْعلم والْحَدِيث عَن معمر بن رَاشد بِالْيمن، وَمَالك بن أنس بِالْمَدِينَةِ، وَابْن جريج بِمَكَّة، وسُفْيَان الثَّوْريّ بِالْكُوفَةِ، وَالْأَوْزَاعِيّ بِالشَّام وَغَيرهم، روى عَنهُ من الْأَئِمَّة أَحْمد وَيحيى وَإِسْحَاق وَعبد بن حميد وَمن لَا يُحْصى كَثْرَة.
يُقَال: لم يرحل إِلَى أحد بعد النَّبِي ﷺ كَمَا رَحل إِلَى عبد الرَّزَّاق، ولد سنة سِتّ وَعشْرين وَمِائَة، وَمَات بعد أَن عمى سنة إِحْدَى عشرَة وَمِائَتَيْنِ بِصَنْعَاء.
стр. 176
فصل
رَاوِي حَدِيث جَابر عَن الْأَوْزَاعِيّ هُوَ الْوَلِيد بن مُسلم، وَعَن عَليّ ابْن الْمُبَارك هُوَ وَكِيع بن الْجراح وَعُثْمَان بن عمر، وَعَن حَرْب بن شَدَّاد عبد الرَّحْمَن بن مهْدي وَعبد الصَّمد بن عبد الْوَارِث، فَهَذِهِ خَمْسَة رجال وهم:
الْوَلِيد بن مُسلم أَبُو الْعَبَّاس الْقرشِي الْفَقِيه مولى بني أُميَّة:
قَرَأَ الْقُرْآن على يحيى بن الْحَارِث الذمارِي وَسَعِيد بن عبد الْعَزِيز، وروى عَن مُحَمَّد بن عجلَان وَابْن جريج وَالْأَوْزَاعِيّ وَمَالك وَاللَّيْث وَالثَّوْري وَأبي إِسْحَاق الْفَزارِيّ وَابْن لَهِيعَة وَغَيرهم. قَرَأَ عَلَيْهِ هِشَام بن عمار، وروى عَنهُ اللَّيْث بن سعد وَبَقِيَّة بن الْوَلِيد وَابْن وهب وَأحمد بن حَنْبَل وَابْن الْمَدِينِيّ والْحميدِي وَزُهَيْر بن حَرْب وَغَيرهم.
وَهُوَ من ثِقَات النَّاس وأفاضلهم، كثير الحَدِيث وَالْعلم، حج سنة أَربع وَتِسْعين وَمِائَة فِي خلَافَة مُحَمَّد بن هَارُون، ثمَّ انْصَرف فَمَاتَ فِي الطَّرِيق قبل أَن يصل إِلَى دمشق وَذَلِكَ بِذِي الْمَرْوَة وَدفن بهَا، وَقيل: مَاتَ سنة خمس أَو سِتّ وَتِسْعين وَمِائَة وَله ثَلَاث وَسَبْعُونَ سنة أَو نَحْوهَا.
стр. 177
وَكِيع بن الْجراح بن مليح أَبُو سُفْيَان الرُّؤَاسِي من أنفسهم الْكُوفِي:
أحد أَرْكَان الحَدِيث.
روى عَن أَبِيه وَالْأَعْمَش وَهِشَام بن عُرْوَة وَإِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد وَابْن عون وَالثَّوْري وَشعْبَة وَابْن جريج وَسَعِيد بن عبد الْعَزِيز وَغَيرهم.
روى عَنهُ ابْن الْمُبَارك وَابْن مهْدي وَيزِيد بن هَارُون وَيحيى بن آدم وَأحمد بن حَنْبَل وَيحيى بن معِين وَعلي بن الْمَدِينِيّ وَزُهَيْر بن حَرْب وَإِسْحَاق ابْن رَاهَوَيْه وابنا أبي شيبَة أَبُو بكر وَعُثْمَان وَأَبُو بكر الْحميدِي وَأَبُو كريب وقتيبة بن سعيد وَغَيرهم.
قَالَ ابْن سعد: " حج سنة سِتّ وَتِسْعين وَمِائَة، ثمَّ انْصَرف من الْحَج فَمَاتَ بفيد فِي الْمحرم سنة سبع وَتِسْعين وَمِائَة فِي خلَافَة مُحَمَّد بن هَارُون، وَكَانَ ثِقَة مَأْمُونا عَالِيا رفيعا كثير الحَدِيث حجَّة ".
وَقيل: مَاتَ سنة سِتّ أَو سبع أَو ثَمَان وَتِسْعين.
стр. 178
عُثْمَان بن عمر بن فَارس أَبُو بكر الْبَصْرِيّ:
سمع ابْن عون وَيُونُس بن يزِيد وَعلي بن الْمُبَارك وكهمس بن الْحسن وَهِشَام بن حسان وَسلم بن زرير وَشعْبَة وَغَيرهم، روى عَنهُ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَمُحَمّد بن بشار بنْدَار وَأحمد بن مَنْصُور الرَّمَادِي وَغَيرهم، توفّي سنة ثَمَان أَو تسع وَمِائَتَيْنِ، وَهُوَ ثِقَة صَدُوق.
عبد الرَّحْمَن بن مهْدي بن حسان بن سعيد الْبَصْرِيّ الْعَنْبَري، وَقيل مولى الأزد.
سمع من الثَّوْريّ وَمَالك وَشعْبَة والحمادين وَشريك وَابْن عُيَيْنَة وَغَيرهم، روى عَنهُ ابْن الْمُبَارك وَابْن وهب وَأحمد بن حَنْبَل وَابْن معِين وَابْن الْمَدِينِيّ وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر وَأَبُو عبيد وابنا أبي شيبَة وَغَيرهم.
قَالَ أَبُو بكر الْخَطِيب: " وَكَانَ من الربانيين فِي الْعلم، وَأحد الْمَذْكُورين بِالْحِفْظِ، وَمِمَّنْ برع فِي معرفَة الْأَثر، وطرق الرِّوَايَات، وأحوال الشُّيُوخ ".
ولد سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَمِائَة، وَمَات سنة ثَمَان وَتِسْعين وَمِائَة وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَسِتِّينَ.
стр. 179
عبد الصَّمد بن عبد الْوَارِث بن سعيد أَبُو سهل بن أبي عُبَيْدَة التَّمِيمِي الْعَنْبَري مَوْلَاهُم الْبَصْرِيّ:
سمع أَبَاهُ وَشعْبَة وهماما وسليم بن حَيَّان وَعبد الله بن الْمثنى وَحرب ابْن شَدَّاد،، روى عَنهُ إِسْحَاق الْحَنْظَلِي وَعبد الله المسندي وَإِسْحَاق الكوسج وَبُنْدَار وَغَيرهم مَاتَ آخر سنة سِتّ أَو أول سنة سبع وَمِائَتَيْنِ، وَمَات أَبوهُ فِي أول الْمحرم سنة ثَمَانِينَ وَمِائَة.
فصل
رَاوِي حَدِيث عَائِشَة وَجَابِر عَن اللَّيْث هُوَ يحيى بن بكير وَعبد الله ابْن يُوسُف وَأَبُو صَالح وَابْنه شُعَيْب بن اللَّيْث، وَعَن ابْن وهب هُوَ أَبُو الطَّاهِر بن السَّرْح، وَعَن عبد الرَّزَّاق عبد الله بن مُحَمَّد وَمُحَمّد بن رَافع فَهَؤُلَاءِ سَبْعَة.
стр. 180
يحيى بن عبد الله بن بكير أَبُو زَكَرِيَّاء الْقرشِي المَخْزُومِي مَوْلَاهُم الْمصْرِيّ:
سمع مَالك بن أنس وَاللَّيْث بن سعد وَابْن لَهِيعَة وَبكر بن مُضر والمغيرة ابْن عبد الرَّحْمَن وَيَعْقُوب بن عبد الرَّحْمَن، روى عَنهُ البُخَارِيّ فِي بَدْء الْوَحْي وَغير مَوضِع، وروى عَن مُحَمَّد بن عبد الله - وَهُوَ مُحَمَّد بن يحيى بن عبد الله الذهلي - عَنهُ.
عبد الله بن يُوسُف أَبُو مُحَمَّد الْمَشْهُور بالتنيسي:
وَهُوَ دمشقي سكن تنيس فنسب إِلَيْهَا، روى عَن مَالك وَاللَّيْث بن سعد وَسَعِيد بن عبد الْعَزِيز وَيحيى بن حَمْزَة القَاضِي وَغَيرهم، روى عَنهُ يحيى بن معِين وَمُحَمّد بن يحيى الذهلي وَالْبُخَارِيّ وَالربيع بن سُلَيْمَان الجيزي وَأَبُو حَاتِم الرَّازِيّ وَغَيرهم ".
قَالَ ابْن يُونُس: " توفّي بِمصْر سنة ثَمَانِي عشرَة وَمِائَتَيْنِ، وَكَانَ ثِقَة حسن الحَدِيث، وَعِنْده " الْمُوَطَّأ " ومسائل سوى " الْمُوَطَّأ " عَن مَالك.
следующие страницы →