Полный текст (331 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
وقال
وَقالُوا النُّصُولُ مَشِيبٌ جَدِيدٌ ... فَقُلْتُ الخِضابُ شَبابٌ جَدِيدُ
إساءَةُ هَذَا بِإْحسانِ ذَا ... فَإِنْ عادَ هَذَا فَهَذَا يَعُودُ
وقال
قاَلتْ أَرَى عَجَباً أَنْ نَوَّرَ الشَّعَرُمَهْلاً سُلَيْمَى فَهَذَا الشَّيْبُ والْكِبَرُ
يا هَذِهِ أَنا دَيْنٌ لْلفَناء عَلَي ال ... دُّنْيا تُنَجِّزُهُ الآصَالُ وَالْبُكَرُ
وَقَدْ بَدا لِيَ فيما قَدْ هُدِيُتُ لَهُ ... إلىَ الحْيَاةِ إلَى دار الْبلا سَفَرُ
كَمْ مِنْ أَخٍ لِيَ قَدْ سَوَّيْتُ مَضْجَعَهُ ... كَأَنَّما غابَ فِي أَكْفانِهِ قَمَر
فَمَسَّ نَفْسِي يَوْمِي مِنْهُ ما كَرِهَتْوَلا أُشْرِبَتْ بِهِ اْلأَوْهامُ واَلذِّكَرُ
غَنِيتُ حِينا وَيَوْمِي كُلُّهُ مَعَهُ ... غَداةَ سَعْدٍ وَلَيْلِى كُلُّهُ سَحَرُ
وقال في المشاورة
تَجاوَزْ عنْ جِنايَةِ كُلِّ دَهْرٍ ... وَصاحِبْ يَوْمَ حاِدثَةٍ بِصَبْرِ
وَإنْ تَأْتِيكَ ناِئَبةٌ فَشاوِر ... فَكَمْ حَمِدَ المُشاوِرُ غِبَّ أَمْرِ
وَقَسِّمْ هَمَّ نَفْسِكَ فِي نُفُوسٍ ... وَلاَ تَتَفَرَّدَنَّ بِطُولِ فِكْر
стр. 282
إذا كُظَّ الفُراتُ بِماءِ مَدٍّ ... أَغَصَّ بِهِ حَلاَقَمِ كُلِّ نَهْرِ
وقال
تَخْفَي حاجاتِي مِنَ النَّاسِ كُلِّهِمِ ... وَلَكِنَّها للهِ تَبْدُو وَتَظْهَرُ
لِمَنْ لا يَرُدُّ السَّائِليِنَ بِخَيْبَةٍوَيَدْنُو مِنَ الدَّاعِي وَيُعْطِي فَيُكْثِرُ
وقال
يا ذاَ الْغِنَى والسَّطْوَةِ الْقادِرَهْ ... والدوْلَةِ النَّاهِيَةِ الآمِرَهْ
انْتَظِرِ الدُّنْيا فَقَدْ أَقْرَبَتْ ... وَعَنْ قَلِيلٍ تَلِدُ الآخِرَهْ
وقال
إنْ حارَبَ الَهُّم قَلْبِي ... فَقَدْ أُعِينُ بِصَبْرِ
يا دَهْرُ إنْ كُنْتَ حُرّاً ... لمَا أَسَأْتَ بِحُرِّ
وقال
وَسُكَّانِ دَهْرٍ لا تَواصُلَ بَيْنَهُمْعَلَى قُرْبِ بَعْضٍ فِي التَّجاورُ مِنْ بَعْضِ
كَأَنَّ خَواتِيماً مِنْ الطِّينِ فَوْقَهُمْوَلَيْسَ لهَا حَتَّى الْقِيامَةِ مِنْ فَضِّ
стр. 283
وقال
يا خِاضباً لِلِحْيَةٍ سَوْفَ تُرْفَضْ ... بَعْدَ قَلِيلِ وَيَصْبِغُ الْمُعْرِضْ
مُسْوَدَّةٌ بِها ضَمِيرٌ أَبْيَضْ ... قامَ الخِضابُ وَاَلمِشيبُ يَرْكُضْ
وقال
كُنْ جاهِلاً أَوْ فَتَجاهَلْ تَفُرْ ... لِلْجَهْلِ فِي ذا الدَّهْرِ جاهٌ عَريِضْ
وَالدَّهْرُ مَحْرُومٌ يَرَى ما يَرَى ... كما يَرَى الْوَارِثُ عَيْنَ الْمَريِضْ
وقال
أَلَسْتُ أَرَى شَيْباً بِرَأْسِيَ طالِعاً ... وَنَتْ حِيَلِي عَنْهُ وَضاقَ بِهِ ذَرْعِي
كَأَنَّ المَناقِيشَ التَّيِ تَعْتَوِرْنَهُمَناقِيرُ طَيْرٍ تَلْتَقِي سُنْبُلَ الزَّرْعِ
وقال
لا تَكْذِبَنَّ فَخَيْرُ الْقَوْلِ أَصْدَقُهُ ... المَالُ يَفْرَقُ مِنْ كَفٍّ نُفَرِّقُهُ
فَما يَطُولُ بِها إلاَّ عَلَى وَجَلٍ ... حَتَّى يِطَيرَ إلىَ مَنْ لَيْسَ يُنْفِقُهُ
فَيَسْتَريِحَ إذا لاقاهُ مِنْ هِبَةٍ ... وَمِنْ شِراءٍ وَبَيَعٍْ كان يُقْلِقُهُ
وقال
قُلْ لِمَشِيِبي إذْ بَدَا ... وَابْيَضَّ مِنِّي الِمَفْرق
стр. 284
يا فِضَّةً حُلِّيتُهَا ... لَكِنَّها لا تَنْفَقُ
وَيا نَهاراً لايُرَ ... جِّى صُبْحَهُ مَنْ يَعْشَقُ
لا مَرْحَباً لا مَرْحَباً ... أَنْتَ الْعَدُوُّ اْلأَزْرَقُ
وقال
يا نَفْسُ صَبْراً لَعَلَّ الخَيْرَ عُقْباكِ ... خانَتْكِ بَعْدَ لَذِيذِ الْعَيْشِ دنْياكِ
مَرَّتْ بِنا بُكَراً طَيْرٌ فَقُلْتُ لهَا ... طُوباكِ يا ليَتْنَاَ إيَّاكِ طُوباكِ
لَكِنْ هُوَ الدَّهْرُ فَالْقَيْهِ عَلَى حَذَرٍفَرْبَّ مِثْلُكِ يَنْزُو تَحْتَ أَشْراكِ
فرضيه أبو العباس وكتب إليه
لِحَقْتُ الرِّضا مِنْ بَعْدِ طولِ تَغَضُّبٍبِأَبْلَقَ كَالْجِذْعِ الذَّيِ لَمْ يُثَقَّبِ
لَهُ هامَةٌ مُسَوَدَّةُ اللَّوْنِ عَيْنُها ... تُبارِى سَنا نارٍ عَلَى رَأْس مَرْقَبِ
كَمِدْرَى فَتاةٍ فِي خِمارِ حِدادِها ... مَوَكَّلَةٍ مِنْها بِرأْسٍ مُعَصَّبِ
стр. 285
مِنَ الذَّهَبِ اْلأَبرِيزِ يَلْمَعُ لَوْنُهُكمَا لاحَ فِي جُنْحِ الدُّجَى ضَوْءُ كَوْكَبِ
ولعبد الله بن المعتز بعد هذه أشعار حسان في مكاتباته لإخوانه تركنا ذكرها لنذكرها مع أشعار إخوانه إذا انتهينا إليهم، إذ كانوا مقلين، لتحسن أشعارهم بجواباته لهم إن شاء الله.
من مكاتباته
كلام له في ذم صحبة السلطان
ربما أورد الطمع ولم يصدر، ووعد ولم يوف. ومن تجاوز الكفاف لم يغنه إكثاره، ومن ارتحله الحرص أنضاه الطلب. والأماني تعمى الأبصار والبصائر، والحظ يأتي من لا يأتيه، وربما طاب وعاء حشوه المتألف، وأشقى الناس جسم تعب، ونفس خائفة، ودين يتثلم، ولئن كان البحر كثير الماء إنه لبعيد المهوى، ومن شارك السلطان في عز الدنيا قاربه في ذل الآخرة، كما أن أقرب الأشياء إلى النار أسرعها احتراقا. وما أحلى تلقى النعمة وأمر عاقبة الفراق. ولا يدرك الغنى بالسلطان لا سيما في
стр. 286
هذا الزمان، المتلون الأخلاق المتداعي البنيان، الموقظ للشر، المنيم للخير، المطلق أعنة الظلم، والحابس لروح العدل، القريب الأخذ من الاعطاء، والكابة من البهجة، والقطوب من البشر، والذل من العز، والفقر من الوجود. المر الثمرة، البعيد المجتنى، القابض على النفوس بكربه، المنحى على الأجسام بغربه. لا ينطق إلا بالشكوى ولا يسكت إلا على بلوى، ومن لم يتأمل الأمر بعين عقله، لم يقع سيف حينه إلا على مقاتله، والتثبت طريق الرأي إلى الإصابة، والاعتذار طريق المذنب إلى الإنابة، والعجلة تضمن العبرة وتجلب الحسرة، وما أحب أن أصرف عنك خطأ توثره، ولكني قدمت مالا أستجيز تأخيره من النصيحة لك والمشورة عليك.
إلى الوزير عبد الله بن سليمان
يهنئه بقدومه
الحمد لله على ما امتن به الوزير أعزه الله، من جميل السلامة وحسن الإيابة. حمداً يستمد أمر مزيده، وإخلاصاً مستدعياً لقبوله، وبارك الله له في قدومه ومسيره، في جميع أموره وجعل له منة وافية على نعمه، وأبقاه لملك يحرسه، ومؤمل ينعشه، وعاثر يرفعه، وحفظ له ما خوله كما حفظ له ما استرعاه، ووفقه فيما طوقه، وزاده كما زاد منه.
تعزية للوزير عبيد الله بن سليمان
عن ابنه أبي محمد
علم الوزير أيده الله بذخائر الأجر يغنى عن نزعته فيه، وسبقه
стр. 287
إلى الصبر يكفيني تذكره به، لكن لولى الوزير أيده الله موضع إن أخلاه دخل في جملة المضيعين لحقه، اللاهين عما عناه وقد كان من قضاء الله في أبي محمد ﵁ ما خصت به المصيبة مواقع نعم الوزير، وآثار إحسانه حاش لله إقرار بالحق، وتنجيزاً للوعد منه. وعظم الله أيها الوزير أجرك ووفر ذخرك وعمر بقيتك، وكثر عددك، وسرك ولا ساءك، وزادك ولا نقصك. ووصل بسلام الزمان نعمتك، ووليك بما تحب فيما خولك. وكل مصيبة وإن عظمت صغيرة في ثواب الله عليها، ضئيلة بين نعم الله قبلها وبعدها، وما زال أولياء الله يعرضون على المحن فيستقبلونها بالصبر؛ ويتبعونها بالشكر، وتنفذ بصائرهم مذموم أوائلها إلى محمود عواقبها، ويعدونها مراقى إلى شرف الآخرة، ومراتب لأهل السعادة في دار لا تلجها الهموم، ولا يزول فيها النعيم. وإذا تأمل الوزير ما تجاوزت هذه الحادثة عنده من النعم في ولده أبي الحسين، الذي قد نهض بما حمله، ووفى آماله، وأقر عينه، وغاظ حاسده، واكتسى لباس كرامته، وقام للخلافة بخلافته، علم أنه راع على الدهر، حقيق بتجاوز الصبر إلى الشكر، فجعل الله الخلف للوزير من الماضي طول عمر الباقي، وحرسه من المكاره كلها، وكفاه وكفانا فيه.
فصل
إنما قلمي نجى ذكرك، ولساني خادم شكرك.
стр. 288
وإلى عليل
أذن الله في شفائك، وتلقى داءك ببقائك، ومسحك بيد العافية ووجه إليك وافد السلامة، وجعل علتك ما حية لذنوبك، ومضاعفة لثوابك.
فصل من تعزية بولد
لئن حرم الأجر ببرك، لقد كفى الإثم بعقوقك، ولئن فجعت بفقده لقد أمنت الفتنة به.
فصل في قبول عذر
كيف أرد عذر من لا تهتدي إليه الموجدة، ولا تتسلط عليه التهمة. ووالله ما عرضت لك وحركت منك إلا بخلا بما ذخرته من مودتك، واعتمدت عليه من إخلاصك لخوفي مع ذلك أن تصبر غفلتك تغافلاً. وذلتك تعمداً، وهذا ما لا أحبه لك وإن كنت أحتمله منك، وما أعتذر من مطالبتك بما جعلك أهلاً للمعرفة به وجعلني بودك مستحقاً له.
فصل في حاجة
موصل كتابي فلان، وقد جعلت الثقة بك مطيته إليك، فلا تنضها بمطلك، وأسرع ردها بسابق إنجازك، وتصديق الأمل فيك والظن بك.
стр. 289
فصل
قد ملت إليك فما أعتدل، ونزلت بك فما ارتحل، ووقفت عليك فما أنتقل.
فصل
لولا أن الأطناب في وصفٍ مطية للمتخرص، وتهمة للمتخلص، لأطلت به كتابي، وكفى بمقاساة ذي النقص مذكراً بأهل التمام، وقد لبثت بعدك بقلب يود لو كان عيناً ليراك، وعين تود لو كانت قلباً، فلا تخلو من ذكراك.
وفي نحوه
كيف ينقطع ذكري لك بغير خلف منك، وينصرف قلبي عنك والتجارب تزوي إليك، والله يعلم أن خيالك شمس نفسي إذا نمت، وذكرك سراجها إذا انتبهت. وإن ذلك لأقل حقوقك، ولا ظلمت غيرك بك، ولا ملت عليه لك.
فصل في ذم
ذكرت حاجة فلان لا فصلها الله بالنجاح، ولا يسر بابها لانفتاح. ووصفت عذراً له نصح به غير نفسه، وما نصح عنها، ولكنه نصح عليها، وأنا والله أصوبك عنه، وأنصح لك فيه، فإنه
стр. 290
خبيث النية، فاسد الطوية، جائر المعاتب، طالب للمعائب، يقلب لسانه بالملق، ساتر بالتخلق وجه الخلق، موجود عند الرجاء، مفقود مع البلاء. فأتعب عقلك باختياره، ولا توحش نعمتك باصطناعه.
فصل في صفة كتاب
الكتاب والج للأبواب، جرئ على الحجاب. مفهم لا يقيم، وناطق لا يتكلم، به يشخص المشتاق، ومنه يداوي الفراق.
فصل اعتذار
ترفع أعزك الله عن ظلمي إن كنت بريئاً، وتفضل بالعفو عني وإن كنت مسيئاً، فو الله إني لا طلب غفر ذنب لم أجنه، وألتمس الإقالة مما لا أعرفه، لتزداد تطولاً، وأزداد تذللاً. وأنا أعيذ حالي عند تكرمك من حاسد يكيدها، ولحرسها بوفائك من باغ يحاول إفسادها، وأسأل الله أن يجعل حظي منك بقدر ودي لك، ومحلي من رأيك بحيث أستحق منك.
فصل في الشوق
إني لآسف على كل يوم فارغ منك، وكل لحظة لا تؤنسها رؤيتك. وسقياً لدهر كان موسوماً بالإجتماع معك، معموراً بلقائك، جمع الله شمل سروري بك، وعمر بقائي بالنظر إليك.
стр. 291
شفاعة في شغل
من عظمك النعمة عليه كثرت الرغبة إليه؛ فاستجلب بالإنعام منك إنعام الله عليك، واسترد ما نهب منك ما يهب لك، واجعل حظي من ولايتك قبول اختياري لك، هذا الرجل، واخلطه بأوليائك القايلين في ظلك، فقد أفردك رغبته، وصرف إليك وجه رجائه، وليس فيه فضل للإنتظار، ولا بقية للإذكار، فعجل إن نويت جوداً، وبادر إن نويت صنعاً، ولا تكن ممن ولايته وعد، وصرفه إعتذار.
فصل في فراق
كأن الدهر أبخل من أن يمليني بك، وأنكد من أن يسوغني قربك وإني له لصابر إلا على فقدك، وراض إلا ببعدك.
فصل في العفو
لا تشن حسن الظفر بقبح الإنتقام، وتجاوز عن مذنب لم يسلك بإقرار طريقا؛ حتى اتخذ من رجاء عفوك رفيقاً.
تهنئة بمولود
اتصل بي خبر مولودك، فسرني لك ما سرك، وأنا أسأل الله أن يتبع النعمة بك عليك ببقائه لك، وأن يعمرك حتى ترى زيادة إليه منه كما رأيتها به.
стр. 292
فصل دعاء
تولى الله عني مكافأتك، وأعان على فعل الخير نيتك، وأصحب بقاءك عزاً يبسط يدك لوليك، وعلى أعدائك، وكلاءة تذب عن ودائع مننه عندك، وزاد في نعمك وإن عظمت، وبلغك آمالك وإن إنفسحت.
مثله
لا أزال الله عنا ظلك، وأعلى في شرف المنازل مرتقاك، ولا أعدمنا فيك إحساناً باقياً، ومزيداً متصلاً، ويوماً محموداً، وغداً مأمولاً، وعزاً يمكن قبضتك، ويمد بسطتك.
تعزية
عارية سرك الله بمدتها، وآثرك بثوابها، وأثابك عند ارتجاعها، فأبشر بعاجل من صنعه، وآجل من جزائه ومثوبته.
عزم الله أجرك، وجعل الثواب عوضك، ووفقك لنيل مرضاته عنك، وإنا لله قولاً بما علم نتنجز به ما وعد.
تعزية
الخلود في الدنيا لا يؤمل، والفناء لا يؤمن، ولا سخط على حكم الله ولا وحشة مع خلافته، والأنس بطاعته، فأد ما استرد صابراً،
стр. 293
وأصبح لما استرجع مسلما؛ فإن من علم أن النعمة تفضل من واهبها شكرها مقبلة، وصبر عنها مولية، جعلك الله محتملاً للنعمة مؤدياً للشكر، صابراً عنه المحنة، محفوظاً موفور أجرها، والفوز بالصبر عليها.
ومن فصول لعبد الله قصار
الحكمة شجرة تنبت في القلب، وتثمر من اللسان. لا يقوم عز الغضب بذل الاعتذار. الشفيع جناح الطالب، والبشر رائد الراغب، المرض حبس البدن، والهم حبس الروح. الغضب يبدأ بالعصيان؛ يعظم ذنبه ويقبح صورته، ويعمل بذمه. أول الدنيا إلى إنقضائها كصور في صحيفة كلها نشر بعضها وطوى بعضها. اصبر على مصاحبة الكريم وإن اختلت حاله، فليس ينتفع بالجوهرة من لم ينتظر بقاءها. الشرير لا يظن بالناس خيراً لأنه يراهم بعين طبعه. لئن استبطأنا إجابة دعائنا، لقد سددنا طرقه بذنوبنا. كلما كثر حفاظ الأسرار ازدادت ضياعاً. أعدل الناس من أنصف عقله من هواه، ومن لم يملك ذلك فليس لعقله سلطان. بئس مال البخيل لحادث أو وارث. الحاسد مغتاظ على من لا ذنب له؛ يحفل بما لا يملكه، طالب لما لا يجده. شكرك نعمة سالفة، يقتضى لك نعمة مستأنفة. كلما حسنت نعمة الجاهل ازداد قبحاً فيها. الوعد راحة الجود، والمطل مرضه، والإنجاز بره. الساعي كاذب لمن سعى إليه، أو خائن لمن يسعى به.
стр. 294
كفى بالظلم داعياً لنقمه، وطارداً لنعمه. البلاغة أن تقرب ما تريد، ولم تطل سفن الكلام. خير المعروف ما لم يتقدمه مطل، ولم يتبعه من. إذا حضرت الآجال افتضحت الآمال. الصبر على المصيبة يفل حد الشامت بها، ويطيل عبوس المتضاحك لها. المعروف رق، والمكافأة عتق. انتظر عند الظلم عدل الله فيك، وعند المقدرة قدرة الله عليك، ولا يحملك اللجاج على اقتراف إثم، فتشفى غيظك، ويسقم دينك. أعرف الناس بالله أرضاهم بأقداره. الدنيا تهين من أكرمت، والأرض تأكل من أطعمت. من كان في يدك فهو بك أملك منك بنفسك. غضب الجاهل في قوله، وغضب العاقل في فعله، لا تعينن من وليته على جبايته بقلة جرايته، فليس يكفيك من لم يكفه. بعض التقدير للقدر دفع، كل علو خطر، وربما أدى إلى الهلاك الحذر.
стр. 295
بسم الله الرحمن الرحيم
أمر من بقي من بني العباس ممن ليس بخليفة ولا ابن
خليفة للعباسية
شِعْر
عَبْدِ اللهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْعَبَّاسِ
وَطَرُفُ مِنْ أخْباِرهِ وَالسَّبَبُ الذَّيِ ادَّعَى لَهُ الِخلافَةَ
حدثنا محمد بن موسى البربري، قال حدثنا محمد بن صالح النطاح قال حدثني أبو مسعود الكوفي؛ قال قال أبو العباس السفاح لعبد الله ابن علي عمه إن قتلت مروان فلك الخلافة بعدي، فقتل مروان لأن صالح بن علي كان من تحت يده.
حدثنا محمد بن موسى قال حدثنا بن صالح قال حدثني أبو قريش ريحان خادم أبي مسلم، وكان قد جاز المائة، قال قال أبو العباس. من يسير إلى مروان فهو ولي عهدي، فقال عبد الله بن علي أنا.
وقد ذكرنا خبر خروجه وأمانه وموته في أخبار المنصور حدثنا محمد بن زكريا اللؤلؤي قال حدثنا عبد الله بن الضحاك
стр. 296
عن الهيثم بن عدي، قال لما قتل عبد الله بن علي بني أمية قال:
الظُّلْمُ يَصْرَعُ أهْلَهُ ... وَالْبَغْيُ مَرْتَعُهُ وَخِيمُ
وَلَقَدْ يَكُونُ لَكَ الْبِع ... دُ أَخاً وَيَقْطَعُكَ الحَمِيمُ
حدثنا مشيح بن حاتم العكلي؛ قال أنشدنا يعقوب بن جعفر ابن عبد الله بن علي لما قتل بني أمية بنهر أبي فطرس
بنَيِ أُميَّةَ قَدْ أُفْنَيْتُ آخِرَكُمْ ... فَكَيْفَ لِي مِنْكُمُ بِاْلأَوَّلِ الماضِي
يُطَيِّبُ النَّفْسَ أَنَّ النَّار تَجْمَعُكُمْ ... عُوِّضْتُمُ مِنْ لظَاها شَرَّ مُعْتاضِ
فَنِيُتُم لا أقالَ اللهُ عَثْرَتَكُمْ ... بِلَيْثِ غابٍ إلىَ اْلأَعْداء نَهَّاضِ
إن كانَ غَيْظِي بِفَوْتِ مِنْكُمُ فَلَقَدْ ... رَضِيتُ فِيكُمْ بما رَبيَّ بِهِ رِاضىِ
حدثنا الغلابي قال حدثنا عبد الله بن الضحاك: قال حدثنا الهيثم ابن عدي قال: أشرف عبد الله وهو مستخف بالبصرة عند أخيه سليمان بن علي؛ فرأى رجلاً له جمال يجر أثوابه ويتبختر؛ فقيل من هذا؟ فقيل فلان الأموي، فقال يا أسفي، وإن في طريقنا بعد منهم لوعثا، وقال لمولى له بحقي عليك إلا جئتني برأسه؛ ثم أنشد قول سديف:
عَلامَ وَفِيمَ تُتْرَكُ عبد شَمْسٍ ... لهَا فِي كُلِّ راعِيَةٍ ثُغاءُ
стр. 297
فَما فِي الْقَبْرِ فِي حَرَّانَ مِنْها ... وَلَوْ قُتِلَتْ بِأَجْمَعِها فِداءُ
يعني قبر إبراهيم بن محمد الإمام، فمضى مولاه فأخبر سليمان بما قاله، فنهاه أن يقبل منه، فاعتل عليه بأنه فاته.
حدثنا عون بن محمد الكندي، قال حدثنا إسحق الموصلي قال حدثنا الحارث بن الليث مولى عبد الله بن علي عن أبيه قال جعل عبد الله بن ينظر إلى القتلى يوم الزاب، والتفت إلى أبي عون بن محمد بن صول وهما إلى جانبه فقال:
وَلَقَدْ شَفَى نَفْسِي وَأَذْهَبَ حُزْنَها ... أَخْذِي بِثَأْرِي مِنْ بَنِي مَرْوانِ
وَمِنَ آلِ حَرْبٍ لَيْتَ شَيْخِي شاهِدٌ ... سَفْكِي دِماءَ بَني أبِي سُفْيانِ
حدثني أبو العيناء قال حدثنا الأصمعي؛ قال سمعت جعفر بن سليمان يقول لما قتل عبد الله بن علي من قتل من بني أمية بلغ ذلك إلى سليمان بن علي؛ فقال ما كنت أحب لأخي أن يحتقب هذا الأمر ولقد وفى بما قال صغيراً، بقوله كان أبونا علي بن عبد الله يقول له يا بني إن تمكنت من بني أمية ما تصنع بهم؟ فيقول أذبحهم، قال وقال عبد الله بن علي لأبيه، يا أبت كل ولدك اثنان من أم وثلاثة غيري؛ فإنه لا أخ لي من أمي فأوص بي، قال فأوصى إلى سليمان ابن علي به، وكان سليمان وصى علي بن عبد الله، قال جعفر فكان
стр. 298
عبد الله لوصية علي به أحب إلى سليمان أبي من أخيه، صالح بن علي وهو لأمه وأبيه.
حدثني عمرو بن تركي القاضي قال حدثنا القحذمي عن أبيه قال وفد على علي بن عبد الله رجل من ولد الخطاب بن عبد مناف، فقال له إن الوليد بن عبد الملك شديد العلة، فتمثل على بن عبد الله بقول يزيد بن الصعق الكلابي:
أَوَارِدَةٌ عُلْيا عُكاظٍ تُصلُّهِا ... فِراسٌ وَلمَّا فَوْقَها الصَّاعُ مُهْوَعا
فقال له الرجل لئن مضى للجبلين أهله دما، قال فلما قتل عبد الله ابن علي من قتل روى له هذا الخبر، فأنشد البيت الذي تمثل به أبوه فقال عبد الله بنحو ذلك:
وَرَدْنا دِماءً مِنْ أُمَيَّة عَذْبَةً ... وَكِلْنا لهَا فِي الْقَتْلِ بِالصَّاعِ أصْوُعا
وَما فِي كَثِيرٍ مِنْهُمُ لِقَتِيلنِا ... وَفاءٌ وَلَكِنْ كَيْف بِالثَّأْرِ أَجْمَعا
إذا أَنْتَ لَمْ تَقْدِرْ عَلَى الشَّرِّ كُلِّهِوَأَعْطَيْتَ بَعْضاً فَلْيَكُنْ لَكَ مَقْنَعا
رَعَيْنا نُفوساً مِنْهُمُ بِسُيوفِنا ... وَصاحَ بِهِمْ داعِي الْفَناءِ فَأَسْمَعا
قَضَيْنا بِهِم دَيْناً وَزِدْنا عَلَيِهْمُكما زَادَ بَعْدَ الْقَرْضِ منْ قَدْ تَطَوَّعا
وَكانَ لَهُمْ مِنْ باطِلِ المُلْكِ عِارضٌفَلَمَّا عَلَتْهُ الشَّمْسُ حَقّاً تَقَشَّعا
فَلَيْت عَلِىُّ الْخَيْرِ شاهِدَ أَسْهُمٍأَصابَتْهُمُ لَمْ يُبْقِ فِي الْقَوْسِ مَنْزَعا
стр. 299
حدثنا جبلة بن محمد بن جبلة، قال حدثني أبي قال لما دخل أبو مسلم الكوفة أمر أن يكون إلى جانبه رجل تعرفه الناس، فجاءوه برجل فلقيه عبد الله بن شبرمة الضبي، فسلم عليه ودعا له فأقبل عليه لجلالته وفصاحته، فقال له الرجل هذا ابن شبرمة الضبي، قال فزوى وجهه عنه ففطن ابن شبرمة لذلك، وقال قلت في نفسي ذكر والله يوم الجمل، فقلت أيها الأمير إني من ضبة الكوقة ولست من ضبة البصرة، وقد كانت مع أمير المؤمنين علي ﵇ يوم الجمل تقاتل ضبة البصرة، قال فأقبل عليَّ وقال كن معنا فسايرته إلى أن نزل وأمرني فنزلت، فدخلت معه بيتاً فيه سيف ومصحف، فقال يا ابن شبرمة إن هذا يريد المصحف يأمرني بهذا يريد السيف فقلت قد علم الأمير أن هذا ينهاه عن هذا إلا في حقه، قال صدقت، ثم كتب كتاباً إلى عبد الله بن علي يحضه فيه على صلة الرحم وجمع الألفة والبيعة لابن أخيه المنصور، ويرغبه ويرهبه، فلما فرغ منه قال لي انظر فيه فنظرت فإذا هو لم يبق غاية، فقال زد فيه شيئاً يا ابن شبرمة، قال فلم أر للزيادة وجهاً إلا أن يكون شعراً فقلت:
قُلْ لأِخِي مُكاشَرَةٍ وَضِغْنٍ ... سَعَرْتَ الْحَربَ بَيْنَ بَنِي أبِيكا
فَأَوْرَثْتَ الضَّغائِنَ مِنْ بِنَيِهْم ... بَنِي أَبْنائِهِمْ وَبَنِي بَنِيكا
стр. 300
وَلَوْ طاوَعْتَني وَقَبِلْتَ رَأْيِي ... لَسِرْتَ لَهُمْ بِسِيرَةِ أَوَّليكَا
وَأَقْرَرْتَ الخِلافَةَ حَيْثُ حَلَّتْ ... وَلَمْ تَعْرِضْ لِمُلْك بَنِي أَخِيكَا
كَأَنَّك قَدْ أصابَكَ سَهْمُ غَرْبٍ ... وَغادَرَكَ الْعُداةُ وَأَسْلَمْوكَا
فقرأه فاستحسنه، وأنفذ الكتاب، فعاد الجواب من عبد الله ابن علي:
ذَرِيِنِي وما جَرَّتْ عَلَى يَّدَ الدَّهْرِفَما يَصْعُبُ الأمْرُ المَهولُ عَلَى حُرِّ
يَرَى الَمْوتَ لا يَنْحاشُ عَنْهُ تُكَرُّماًوَصَبْراً وإِنْ كانَ الْقِيامُ علَىَ الْجَمْرِ
حِفاظاً لِما قَدْ وَرَّثَتْنا جُدُودنُاوَصَبْراً وَمَا لِلْمَرءِ خيْرٌ مِنَ الصَّبْرِ
بِذَلِك أَوْصانَا الْكِرامُ وَلَمْ نَزَلْعَلَى تِلْكَ نَمْضِي لا نَضِجُّ مِنَ الدَّهْرِ
قال أبو بكر والأبيات للحصين بن الحمام المزني حدثنا الحسين ابن إسماعيل قال حدثنا علي بن عبد الله السلمي، قال حدثنا أبو محمد عبد الرحمن بن عبد الحميد بن فضالة بدمشق قال أخبرنا سليمان بن عبد الرحمن، قال حدثنا عتبة بن حماد الحكمي أبو خليد القاريء، قال حدثنا عبد الرحمن الأوزاعي، قال بعث إلى عبد الله بن علي وأعظمني ذلك واشتد على فأقدمت وأدخلت عليه والناس قيام سماطين بين يديه في أيديهم المكافر كوبات فأدناني ثم قال لي يا عبد الرحمن ما تقول في
стр. 301
مخرجنا هذا؟ فقلت أصلح الله الأمير قد كانت بيني وبين أخيك داود مودة فأعفني، قال لتخبرني، فقلت لأصدقنه واستبسلت للموت، فقلت حدثني يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن إبراهيم عن علقمة بن وقاص سمع عمر بن الخطاب يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه يقول إنَّما الأَعْمالُ بِالنِّيَّاتِ وَلِكُلَّ امرِيءٍ ما نَوَى، فَمَنْ كانَتْ هِجْرَتُهُ إلىَ اللهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلَى اللهِ وَرَسُولِهِ وَمَنْ كانَتْ هِجْرَتُهُ إلىَ دُنْيا يُصِيبُها أو ِامْرَأَةٍ يَنْكُحها فَهِجْرَتُهُ إلىَ ما هاجَرَ إلَيْهِ قال وفي يده قضيث ينكث به الأرض، فقال يا عبد الرحمن ما تقول في قتلنا أهل هذا البيت من بني أمية؟ فقلت كما قلت قال لتخبرني فقلت حدثني محمد بن مروان عن مطرف بن الشِّخِّيرِ عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه لا يَحِلُّ قَتْلُ المُسْلِمِ إلاَّ بِإحِدْىَ ثَلاثٍ البْارِيءُ لِدِيِنِه أَوْ رَجُلٌ قَتَلَ نَفْساً فَيُقْتَلُ بِها أوْ رَجُلٌ زَنَى بَعْدَ إحْصانٍ قال ثم أطرق هوياً، ثم قال أخبرني عن الخلافة أهي وصية من رسول الله صلى الله عليه؟ فورد على مثل ما ورد ثم قلت لأصدقنه. فقلت لو كانت وصية من النبي صلى الله عليه لكم ما ترك علي ﵇ أحداً يتقدمه، ثم سكت
سكتة وقال ما تقول في أموال بني أمية؟ فاستعفيت فقال لتخبرني فقلت إن كانت لهم حلالاً فهي عليكم حرام، وإن كانت لهم حراماً فهي عليكم حرام، قال ثم أمرني فأخرجت.
стр. 302
حدثنا أبو ذكوان قال حدثنا ابن عائشة قال قالت امرأة من نساء بني أمية لعبد الله بن علي قتلت من أهلي وذويهم اثنى عشر ألفاً فيهم ألفا لحية خضيبة، فقال عبد الله
تُكَبِّرُ عِنْدِي الْقَتْلَ وَهُوَ صَغِيٌر ... عَلَى مَأْرَبٍ وَالدَّائِراتُ تَدُورُ
وَقالَتْ قَتَلْتَ اْلأَهْلَ فِي كُلِّ بَلْدَةٍ ... وَأَنْتَ بِعَفْوٍ لَوْ تَشاءُ جَدِيرُ
فَقُلْتَ وَهَلْ فِيكُمْ لِعَفِوىَ مَوْضِعٌ ... وَلي مِنْكُمُ بَعْدَ الْقَناةِ ثُؤُورُ
لَئِنْ دَنَتِ اْلأَنْسابُ مِنَّا وَمِنْكُمْ ... لَقَدْ باعَدتها بِاْلِعراقِ قُبورُ
فَلا تُنْكِروا أنْ يُؤْخَذَا اَلحْقُّ مِنْكُمْ ... فَما فِي قِصاصٍ الُمْسِلمِينَ نَكِيرُ
وَإنْ تَكُ يُمْنانا أَصابَتْ يَسارنَا ... بِجُرْحٍ فَما جُرْحُ الْيَمين يَضيِرُ
وَقَدْ كُنْتُمُ فِي الشِّرْكِ تَحْذُونَ حذْوَنا ... وَكُلٌّ إلىَ أقْصَى المساءِ يَسِيرُ
فَلَمَّا أتَى اْلإِسْلامُ أَظْلَمَ فَخْرُكُمْ ... وَلاحَ لنَا بَدْرُ الْفَّخار يُنِيِرُ
وَلَوْ شِئْتُمُ ما غابَ عَنْكُمْ ضِياؤُهُ ... وَلكِنْ أباهُ غادِرٌ وَكَفُورُ
حدثنا عون بن محمد الكندي قال حدثني عبد الله بن أبي الخطاب عن أبيه قال لما دخلت ابنة مروان بن محمد علي بن عبد الله بن علي حين قتل مروان فقالت السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله، فقال لست به، فقالت السلام عليك أيها الأمير، قال وعليك السلام
стр. 303
قالت ليسعنا عدلكم، قال إذن لا يبقى على الأرض منكم أحد لأنكم حاربتم علياً ﵇، ودفعتم حقه ونقضتم شرطه، وقتلتم الحسين بن علي ﵇، وقطعتم رأسه، وقتلتم زيد بن علي وصلبتم جسده، وقتلتم يحيى بن زيد ومثلتم به، ولعنتم علي ابن أبي طالب ﵇ على منابركم، وضربتم علي بن عبد الله ظلماً بسياطكم، وحبستم الإمام إبراهيم في حبسكم، فعدلنا ألا نبقى منكم أحداً، فقلت فليسعنا عفوكم قال أما هذا بنعم، ثم أمر برد أموالها عليها ثم قال عبد الله بن علي:
سَنَنْتُمْ عَلَينْا الْقَتْلَ لا تُنْكِرونَهُفَذُوقُوا كَما ذُقْنا عَلَى سالف الدَّهْر
حدثنا الحسين بن فهم ومحمد بن موسى ومحمد بن سعيد قالوا حدثنا محمد بن صالح النطاح أبو عبد الله قال وجه عامر بن إسماعيل برأس مروان إلى صالح بن علي، فنظر إليه وتحول فجاءت هرة فاقتلعت لسانه وجعلت تمضغه، فقال صالح بن علي لو لم يرنا الدهر من عجائبه إلا لسان مروان في في هر لكفانا ذلك! حدثنا الغلابي قال حدثنا العتبي قال لما أتى عبد الله بن علي موت السفاح ادعى الخلافة، وجعل يقول ذاك ولا يخطب به ولا يشهره حتى دخل البعلبكي المؤذن، فاستأذن وسلم بالخلافة عليه، فخطب الناس ولم يجد بداً من أن يشهر أمره، وكان البعلبكي معه قبل أن يصير مع المنصور، ومدحته الشعراء بالخلافة فقال رؤبة:
стр. 304
يا أَيُّها اْلقاِئلُ قَوْلاً أَجْنَفا ... سَفاهَةً مِنْ قَوْلِهِ وَسَرفَا
ما قامَ عَبْدُ اللهِ إلاَّ آنِفا ... خَوْفاً عَلَى اْلإِسْلامِ أَنْ يُسْتَضْعَفَا
وَأَنْ يُرامَ نَقْضُهُ فَيَتْلفَا ... وَمِنْ صَلاحِ النَّاسِ أَنْ يُسْتَخْلَفا
عَمٌّ بِعَهْدِ ابْنِ أخٍ تَلَحَّفَا ... أَشْجَعُ مِنْ لَيْثِ عَرِينٍ أَغْضَفَا
وقال رؤبة أيضاً
إنَّ لِعَبْدِ اللهِ عِنْدِي أثَرا ... وَنِعماً جَزاؤُها أَنْ تُشْكَرَا
أَبْهَى الرِّجالِ مَنْظراً ومَخْبَرَا ... قَدَّمَهُ اللهُ فَما تَأَخَّرا
حدثني الحارث بن أبي أسامة قال حدثنا يحيى بن زكريا مولى علي بن عبد الله قال لما قتل عبد الله بن علي من بني أمية قال عبد الله ابن عمر بن عبد الله بن علي الْعَبَلي وَاْلعَبَلات من بني شمس
تَقُولُ أُمامَةُ لَمَّا رَأَتْ ... شُخوصِي عَنِ المَنْزِلِ المُنْفَسِ
وَقِلَّةَ نَوْمِي عَلَى مَضْجَعِي ... لَدَى هَجْعَةِ اْلأَعْيُنِ النُّعَّسِ
فقال فيها
أَفاضَ المَدامِعَ قَتْلَى كُدا ... وَقَتْلَى بِكُثْوَةَ لمْ تُرْمَسِ
стр. 305
وَقَتْلىَ بِوَجٍّ وَباِللاَّبَتَيْ ... نِ مِنْ يَثْرِبٍ خَيْرِ ما أَنْفُسِ
وَباِلزَّابِيَيْنِ نُفُوسٌ ثَوَتْ ... وَقَتْلىَ بِنَهْرِ أبِي فُطْرُسِ
أَولِئكَ قَوْمٌ أَناخَتْ بِهِمْ ... نَوائِبُ مِنْ زَمَنٍ مُتْعِسِ
فَزَلَّتْ حَياتِي لِمَنْ رَامَها ... وَأَنْزَلتِ الرَّغْمَ بِالِمْعَطِس
فبلغ قوله هذا عبد الله بن علي، فقال عبد الله بن علي:
شَفَى النَّفْسَ لَوْ أَنَّها تَشْتَفِي ... دِماءٌ بِنَهْرِ أبِي فُطْرُسِ
وَقَتْلَى كُدًي حِينَ أَرْدَيْتُهُمْ ... بِكُثْوَةَ وَالَوْاضِحِ اْلأَمْلَسِ
وَقَتْلَى بِوَجٍّ مِنَ الظَّالمِيِنَ ... إلىَ النَّارِ مارَتْ وَلَم تُرْمَسِ
فَمَنْ كانَ قَتْلَهُمُ ساخِطاً ... يَعَضُّ مِنَ الرَّغْمِ بِالْمْعطَسِ
حدثنا أبو الحسن مشيح بن حاتم العكلي، قال حدثنا يعقوب ابن جعفر بن سليمان الهاشمي، قال لما كتب جدي سليمان بن علي وسائر إخوته الأمان لأخيهم عبد الله بن علي على المنصور، قال لهم هذا الأمان لازم إذا وقعت عيني عليه، فلما أدخل داره عدل به ولم يره المنصور، فحبس فكتب من الحبس إلى إخوته: هذه حيلة
стр. 306
جرت على بكم ومنكم فاحتالوا لي فيها، قال وأنشدني من شعر ه في حبسه ذلك:
نَقَضَ الْعَهْدَ خائِسٌ بِالأمانِ ... مُسْتَحِلٌّ مَحارِمَ الرَّحْمنِ
سَلَبَتْنا الْوَفاءَ وَالْحِلْمَ طَوْعاً ... فَاعْتَلْينا بِهِ بَنُو مَرْوانِ
لَيْتَنِي كُنْتُ فِيِهمُ حَسَبَ الْعيْ ... شِ طَلِيقاً أَجُرُّ حَبْل اْلأَمانِي
كُلُّ عَتْبٍ تُعيِرُنيِه اللَّيالِي ... فَبِسَيْفِي جَنَيْتُهُ وَلسِاني
حدثنا محمد بن الفضل قال حدثنا عمرو بن شبة قال حدثني محمد ابن يحيى قال حدثني عبد الله بن يحيى بن علي عن عبد الله بن الحسين ابن الفرات قال رحت عشية من قرية بطريق مكة مع عبد الله وحسن ابني حسن بن حسن فضمنا المسير وداود وعيسى وعبد لله ابن علي بن عباس قال فسار عبد الله وعيسى ابنا علي أمام القوم فقال داود لعبد الله بن حسن لم لا يظهر محمد أبو ذاك قبل ملك بني العباس؟ فقال عبد الله لم يأت الوقت الذي يظهر فيه محمد بعد، ولسنا بالذين نظهر عليهم، وليقتلنهم الذين يظهر عليهم قتلا ذريعاً، قال فسمع عبد الله بن علي الحديث، فالتفت إلى عبد الله بن حسن، فقال يا أبا محمد:
سَيَكْفِيكَ الجُعالَةَ مُسْتَمِيتٌ ... خَفِيفُ الحَاِذ مِنْ فِتْيانِ جَرْمِ
стр. 307
أنا والله الذي أظهر عليهم وأقتلهم وأنتزع ملكهم، وولد عبد الله بن علي في آخر ذي الحجة سنة اثنتين ومائة، وتوفي سنة تسع وأربعين ومائة.
شِعْرُ
أبِي مُوسَى عِيسى بْنِ مُوسى
بنِ مُحَمَّدِ بنِ عَلِّيِ بن
عَبْدِ اللهِ وَطُرَفُ أَخْبارِهِ
حدثني مشيح بن حاتم العكلي قال حدثنا يعقوب بن جعفر بن سليمان قال ذكر عيسى بن موسى بين يدي أبي جعفر بن سليمان فقال ذاك شيخ الدولة وسيد الأهل، وكان أبوه موسى بن محمد غزا مع أبيه محمد في غزاة ذي الشامة المعيطي، فتوفي فقدم محمد ذا الشامة ليصلي عليه فأبى وقال أنت أحق بذلك، فقدمه فصلى عليه وبقي ذو الشامة على قبره حتى دفن، وكان يجيء إلى أبيه وهو مريض فيسأله عنه، فشكر ذلك السفاح وسائر ولد أبيه، فلم ينالوا لما جاءت دولتهم معيطياً بمكروه.
ويروى أنه دست إلى عيسى بن موسى شربة لما امتنع من البيعة للمهدي فأفلت منها بعد أن تناثر شعره، فقال في ذلك يحيى بن زياد ابن أبي جرية البرجمي:
أَفْلَتَ مِنْ شَرْبَةِ الطَّبِيبِ كَما ... أَفْلَتَ ظَبْيُ الصَّرِيمِ مِنْ قُتَرِهْ
стр. 308
مِن قابِضِ يَقْبِضُ الْعَريِضَ إذا ... رُكَّبَ سَهْمُ الحُتوفِ فِي وَتَرِهْ
دافَعَ عَنْهُ الْعَظيِمُ قُدْرَتُهُ ... صَوْلَةَ لَيْثٍ يَزِيدُ فِي خُمُرِهْ
حَتَّى أَتانا وَنارُ شَرْبَتِهِ ... تُعْرَفُ فِي سَمْعِهِ وَفِي بَصَرِهْ
أَزْعَرُ قَدْ طارَ عَنْ مَفارِقِهِ ... وَحْفٌ أَثِيتُ النَّباتِ مِنْ شَعَرِهْ
حدثني الغلابي قال حدثنا محمد بن عبد الرحمن قال دخل أو نخيلة على المنصور فأنشده أرجوزة منها:
قُلْ لِلأَميِر الْواحِدِ المُوَحِّدِ ... إنَّ الذَّي وَلاَّكَ رَبُّ الَمسجِدِ
خِلافَةً تَبْلُغُ أَقْصَى الْمُسْنَدِ ... فِيكُمْ عَلَى رَغْمِ أُنوفِ الحُسَّدِ
لَيْسَ وَلِيُّ عَهْدِها بِاْلأَرْشَدِ ... وَهْيَ عَلَى جَوْزٍ وَبُعْدِ مَقْصِدِ
مَهِّدْلهَا قَصْدَ السَّبِيلِ تَهْتَدِي ... عِيسَى فَرَحِّلْها إلىَ مُحَمَّدِ
حَتَّى تَكُونَ مِنْ يَدٍ إلىَ يَدِ ... فَقَدْ رَضِينا بِالُهمَامِ اْلأَمْرَدِ
وَقَدْ عَقَدْنا غَيْرَ أَنْ لَمْ نَشْهَدِ ... وَغَيْرَ أَنَّ اْلعَقْدَ لَمْ يُؤَكَّدِ
فوصله المنصور وكتب له بمال إلى الري فخرج وأخذه حدثنا جبلة بن محمد بن جبلة الكوفي قال حدثني أبي عن محمد ابن قيس الأشعثي، قال لما قال أبو نخيلة ما قال: ليس ولي عهدها بالأرشد؛
стр. 309
قال عيسى بن موسى وما يدري العبد، فوالله ما أتيت غياً قط! ثم قال يعرض بالمنصور:
وَما آمِر بِالسُّوءِ إلاَّ كَفاعِلٍ ... وَما سامِعٌ إلاَّ كَآخَرَ قائِل
ثم أمر بأبي نخيلة من رمى به في بئر، فتظلم أهله إلى المنصور فقال ما أعرف حقيقة دعواكم، ولو عرفتها ما كنت مقيداً شيخ بني هاشم بعبد بني حيان، فيئسوا وانصرفوا، وكان عيسى بن موسى إذا حج حج معه قوم يتعرضون لمعروفه وصدقاته وصلاته، وكان جواداً تقياً، فقال أبو الشدائد الفزاري:
عِصابَةٌ إنْ حَجَّ عِيسَى حَجُّوا ... وَإنْ أقامَ بِالْعِراقِ دَجُّوا
قَدْ نالَهُمْ نائلُهُ فَلَجُّوا ... وَالَقْوَمُ عِنْديِ حَجُّهُمْ مُعْوَجُّ
ما هَكَذا كانَ يَكُونُ الحَجُّ
فقيل له يا أبا الشدائد أتهجو الحاج؟ فقال:
إنِّي وَرَبِّ الْكَعْبَةِ المَبِنْيَّهْ ... وَاللهِ ما هَجَوْتُ مِنْ ذِي نِيَّهْ
وَلا امْرءً ذا رِعَةِ تَقَّيِهْ ... لَكنِنَّيِ أُبْقِى عَلَى الْبَقَّيهْ
مِنْ عُصْبَةٍ أَغْلَوْا عَلَى الرَّعِيَّهْ ... أَسْعارَ ذِي مَشْرًى وَذيِ عَطَّيهْ
стр. 310
حدثنا المغيرة بن محمد المهلبي قال حدثنا محمد بن عبد الله العتبي قال حدثنا أبي قال سمعت محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن يخطب الناس بالمدينة، فقرأ في خطبته طسم تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ المُبيِنِ إلى قوله وَنُرِىَ فْرعَوْن وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ مَّا كانُوا يَحْذَرُونَ ويومئ إلى ناحية المنصور، قال وإذا صوت من ناحية يسمع ولا يرى قائله:
أَتَتْكَ الرَّواحِلُ وَالْملجَما ... تُ بِعِيسَى بْنِ مُوسَى فَلاَ تَعْجَلِ
قلت أنا وهذا الشعر لابن هرمة ومنه:
وَقَالَ لِيَ النَّاسُ إنَّ الَحياءَ ... أَتاكَ مَعَ المَلِكِ المُقْبِلِْ
فَدُونَكَها يَا ابْن ساقِي الحَجيِجِ ... فَإِّني بِها عَنْكَ لَمْ أَبْخَلِ
لِقَوْلِ الْوَصِّى وَأَنْتَ ابْنُهُ ... وَصُّى نَبِيِّ الهُدَى الْمُرْسَلِ
وولى داود بن عيسى المدينة ومكة، فأقام بمكة فكتب إليه يحيى بن مسكين:
ألاَ قُلْ لِداوَدَ ذِي المَكْرما ... تِ وَالْعَدْلِ فِي بَلَدِ المْصَطَفى
أَقَمْتَ بِمَكَّةَ مُسْتَوْطِناً ... فهَاجِرْ كَهْجَرةِ مَنْ قَدْ مَضَى
وأما موسى بن عيسى فيكنى أبا عيسى فأخذ ولد أبيه وأمه إبراهيم ابن محمد الإمام وولي المدينة الرشيد والكوفة وسوادها للمهدي
стр. 311
وموسى والرشيد وولى المدينة للرشيد وأرمينية ومصر. وكان ابنه أحمد بن موسى بن عيسى بن موسى سيداً وولي اليمامة للرشيد.
حدثنا محمد بن زكريا قال حدثنا عبد الله بن الضحاك قال حدثنا الهيثم، قال لما ألح المنصور على عيسى بن موسى بن محمد أن يخلع نفسه من الخلافة، ويقدم المهدي عليه ويكون بعده قال عيسى بن موسى:
خُيِّرْتُ أَمْريْنِ ضِاعَ الحَزْمُ بَيْنَهُما ... إمَّا صَغارٌ وَإمَّا فْتِنَةٌ عَمَمُ
وَقَدْ هَمَمْتُ مِراراً أَنْ أُساقَبِهُمْ ... كَأْسَ المَنِيَّةِ لَوْلا اللهُ والَرَّحِمُ
وَلَوْ فَعَلْتُ لَزالَتْ عَنْهُمُ نِعَمٌ ... بِكُفْرِ أَمْثالهِا تُسْتَنْزَلُ النِّقَمُ
حدثنا عمرو بن تركي قال حدثنا القحذمي قال أنشد أبو نخيلة المنصور:
دُونَكَ عَبْدَ اللهِ أَهْلَ ذاكا ... خِلافَةَ اللهِ التَّيِ أَعْطاكا
بِها حَباكَ وَبِها أَصْطَفاكا ... فَقَدْ تَنَظَّرْنا لهَا أَباكا
ثُمَّ انْتَظَرْناكَ لهَا إيَّاكا ... فَنَحْنُ نَسْتَذْرِى إلىَ ذُراكا
ارمِ إلىَ مُحَمَّدٍ عَصاكا ... وَاضْرِبْ بِمَنْ وَالاكَ مَنْ عاداكا
فَابْنُكَ مَا اسَتْرعَيْتَهُ كَفاكا ... أَيُشْبِهُ اْلأَبْعَدُ منْ داناكا
стр. 312
ما تَسْتَوِي فِي فَضْلهِا يَداكا ... وَإنَّما تَخُطُّ فِي هَواكا
فَجَرِّدِ الرَّأْيَ لِمَنْ عَراكا ... ثُمَّ اعْصُبِ اْلأَقْربَ مِنْ رَضاكا
فَما يُرِيدُ النَّاسُ غَيْرَ ذاكا
وجعل المنصور يضحك وأبو نخيلة ينشده، فأمر له بمائة ألف درهم كتب له بها إلى الري، فقال له عقال بن شبة: أما أنت فقد سررت أمير المؤمنين، فإن تم ما أردت لتغتبطن، وإلا فاطلب في الأرض، فقال له أبو نخيلة.
كَيْفَ التَّخَلُّصُ مِنْ شَبا أَنْيابِها ... عَلِقَتْ مَعالِقُها وَصَرَّ الجْنُدْبُ
فلما أقبل من الري وجه إليه عيسى بن موسى ببعض مواليه فقتلوه وسلخوا وجهه حتى لا يعرف، وقالوا له هذا أوان صر الجندب، فقال لقد كان جندياً على مشئوماً، وهرب غلمان أبي نخيلة بالمال.
ومن شعر عيسى بن موسى
وَحَدْباءَ لَوْ أَطْلَقْتُها منْ عِقالهِاتَضايَقَ عَنْهَا اْلأُفْقُ وَاْلأُفْقُ واسِعُ
وَلكِننَّيِ يَعْتادُنِي مِن حَمِيَّتِي ... حِذارَ شَبابٍ تَمْتَطِيِه الْوَقائِعُ
وَخَوْفِي أَحْداثاً مَتَى ما أُنَلْ بِهاأَقِفْ مَوْقِفَ الْحْيِرانَ والنَّقْعُ ساطِعُ
стр. 313
فَأَبْقِ عَلَى ما بَيْنَنا مِنْ قَرابَةٍ ... وَراجِعْ فَخَيْرُ المذْنِبينَ المُراجِعُ
فَإنَّكَ إنْ وَلَّيْتَ ذِمَّةَ بَيْنِنا ... خِلافاً تَوَلَّتْكَ السُّيُوفُ الْقَواطِعُ
حدثنا القاضي عمرو بن تركي قال حدثنا القحذمي قال كتب عيسى بن موسى إلى المنصور حين ألح عليه في البيعة للمهدي كتاباً غليظاً جواباً لكتاب المنصور إليه: فهمت كتاب أمير المؤمنين، المزيل عنه نعم الله، والمعرضه لسخطه بما قرب فيه من القطيعة ونقض الميثاق، أوجب ما كان الشكر لله عليه، وألزم ما كان الوفاء له، فأعقب سبوغ النعم كفراً وأتبع الوفاء بالحق غدراً، وأمن الله أن يجعل ما مد من بسطته إحساناً، وتمكينه إياه استدراجاً، وكفى الله من الظالم منتصراً، والمظلوم ناصراً، ولا قوة إلا بالله، وهو حسبي وإليه المصير.
ولقد انتهت أمور يا أمير المؤمنين لو قعدت عنك فيها فضلاً عن ترك معونتك عليها لقام بك القاعد، ولطال عليك القصير، ولقد كنت واجداً فيها بغيتي، وآمناً معها نكث بيعتي، فلزمت لك طريقة الوفاء إلى أن أوردتك شريعة الرخاء، وما أنا بآيس من انتقام الله ورفع حلمه وكتب بعد ذلك:
بَدَتْ لِي أَماراتٌ مِنَ الْغَدْرِ سُمْتُها ... أَظُنُّ وَإيَّاها سَتُمْطِركُمُْ دَما
وَما يَعْلَمُ الْعالِي مَتَى هَبَطاتُهُ ... وَإنْ سارَ فِي رِيحِ الْغُرورِ مُسَلَّما
стр. 314
أَتْهضْمِنُي حَقّاً تَراهُ مُؤَخِّراً ... لِحُكْمِ إلِهي حِينَ صِرْتَ مُقَدَّما
سَنَنْتَ انْتقاضَ الْعَهْدِ فاصْبِرْ لِمْثِلِهبِنَقْضِكَ مِنْ عَهْدِي الذَّي كانَ أُبْرِما
حدثنا عمرو بن تركي القاضي قال حدثنا القحذمي، قال كتب عيسى بن موسى إلى المنصور حين ألح عليه في الخلع، وطرح عليه من أهل خراسان من هدده بالقتل:
لو سامني غيرك ما سمتني، لاستنصرتك عليه، ولا ستشفعت بك إليه، حتى تقر الحرم مقره، وتنزل الوفاء منزلته، ونحن أول دولة يستن بعملنا فيها، وينظر إلى ما اخترناه منها. وقد استعنت بك على قوم لا يعرفون الحق معرفتك ولا يلحظون العواقب لحظك، فكن لي عليهم نصيراً، ومنهم مجيراً، يجزك الله خير جزائك عن صلة الرحم، وقطع الظلم إن شاء الله فأجابه المنصور لولا أنك تسام النزول عن حق لك، وواجب في يديك لزال الضرع إليك، والتحمل عليك. ولولا أني أخاف أن تسبق أيدي هذه العصبية من أهل الدولة إليك، لما كلفتك شاقاً ولا حملتك مكروهاً، ولكني عندك بالنصح لك والإشفاق عليك في جنبة من لا يرضى منك إلا بإرادته، ولا يستمهل أيامك لسرعته، وما الذي أسمو بك إليه بدون الذي يستنزلونك عنه، والله يوفقك ويحسن الاختيار لك.
стр. 315
فلما قرأ عيسى كتابه قال:
فَرَرْتُ إِلَيْكَ مِنْ مِحَنِ اللَّيالِي ... فَسَلَّطْتَ الخُطوبَ بِما شَجاني
فَكُنْتُ كَمَنْ شَكا رَمْضاءَ حَرٍّ ... تَلَذَّعَ بِالتَّيِ تَحْتَ الدُّخانِ
تَعَجَّلْ نُصْرَتِي وَتَحرَّ حَقِّي ... وَمَنْ يَرْضَى المُغَيَّبَ بِالْعِيانِ
وَلَمْ يَرَ مِثْلَكَ الرَّامُونَ طِرْفاً ... يُكَلِّفُ ظالِعاً سَبْقَ الرِّهانِ
إذا ما كُنْتَ للْغِاوِينَ كَهْفاً ... تُعِينُهُمُ فَلَلْتَ شَبا لِسانِي
وَلَوْ أَنِّي تُطاوِعُنِي أَناتِي ... وَتُسْعدُنِي عَلَى رَفْضِ الْهَوانِ
لَما عَطَفَ الزَّمانُ عَلَيْكَ وُدِّى ... وَلَمْ أَلْجأْ إِليْكَ مِنَ الزَّمانِ
مَحَوْتَ بما أَتَيْتَ تُبوتَ حَقِّي ... وَما تَمْحُو سِوىَ آيِ الْقُرانِ
وَلَوْ طاوَعْتُ فِيكَ مَقالَ غَاوٍ ... لَنِلْتَ مَطَالِعَ النَّجْمِ الْيَمانِي
وَأَسلَمْتَ الْخِطابَ إلىَ بَلِيدٍ ... يُجادِلُ عَنْكَ مُنْقَطِعِ الْبَيانِ
وَلكِنِّي صَبَرْتُ النَّفْسَ أَرْجُو ... دُنُوًّا مِنْ بَعِيدٍ غَيْرِ دانِ
يَكُونُ مَنِ اسْتَجارَكَ مِنْ مُلِمٍّ ... كَمحْوَلٍّ عَلَى طَرَفِ اللَّسانِ
يَبِيتُ مُقَلْقَلاً يَطْوِي حَشاهُ ... عَلَى هِمَمٍ بَعُدْنَ مِنْ الأْمانِي
стр. 316
سَتُبْعدُ بَيْنَ أَهْلَك غَيْرَ شَكٍّ ... كَما بَعَدَ الْوِهادُ مِنَ الرِّعانِ
حدثنا جبلة بن محمد بن جبلة الكوفي قال حدثنا أبي، قال كان عيسى بن موسى أصدق الناس لأبي مسلم على المنصور قال عيسى بن موسى:
أَبا مُسْلمٍ إنْ كُنْتَ عاصِيَ أَمْرِنا ... وَباغَيِنا سُوءً فَلَسْتَ بُمْسِلمِ
سَيُفْنِيكَ ما أَفْنَى اْلقُرونَ التَّيِ خَلَتْوَما حَلَّ فِي أَكْنافِ عادٍ وَجُرْهُمِ
وما كانَ أَنْأَيِ مِنْكَ عِزّاً وَمَفْخَراًوَأَنْهَضَ بالْجَيْش الْهُمامِ الْعَرَمْرَم ِ
فبلغ الشعر أبا مسلم فلما قدم عاتب عليه عيسى بن موسى فجحده وقال لقد نسبه قائله إلى.
حدثنا الحسين بن إسحاق قال حدثنا أحمد بن الحارث قال لما استوت الخلافة للمهدي قال لعيسى بن موسى قبل أن يتم له سنة إنك أجبت عمك على تقديمي، وأنا أحب أن أخرجك عن هذا الأمر وأجعله لابني، فإن عصيتني استحققت ما يستحقه العاصي القاطع وإن أطعتني فما تبلغ منيتك ما أنويه لك، قال ما تحب وخلع نفسه فأمر له المهدي بعشرين ألف ألف درهم وأقطعه قطائع كثيرة، وأقطع ولده.
стр. 317
حدثنا الحسين بن فهم قال حدثنا محمد بن إسحق النفري قال حدثنا صالح بن إسحق قال كان عيسى بن موسى من أجل بني هاشم عقلا، امتنع من أن يخلع نفسه جهده ثم رأى الخلع حزماً بادر إليه، وله في ذلك كلام مأثور وأشعار حسان وأنشد له:
أَشْكوُ إلىَ مَنْ يَعْلَمُ الشَّكْوَى ... وَيَسْمَعُ اْلأَسْرارَ وَالنَّجْوَى
وَمَنْ بِهِ آمُل دَفْعَ الذَّي ... كُنْتُ لهُ مِنْ قَبْلِ أنْ أَهْوَى
صارَ إلَى ما كُنْتُ أَرْثي لَهُ ... وَأَرْتَجِيِه أَعْظمَ الْبلْوَى
يَضْرِبُنِي سَيْفِي وَيْرمِي الْعِدىَ ... نَحْرِي بِسَهْمٍ لِي ما أَشْوَى
قَدْ نَقَضَ الْعَهْدَ امْرُؤٌ ما لَهُ ... مَيْلٌ إلَى الْحَقِّ وَلا دَعْوَى
يَولِي يِمَيناً أَنَّهُ ناصِحٌ ... وَالنُّصْحُ مِنْهُ أَبَداً دَعْوَى
حدثنا أحمد بن محمد بن إسحق قال حدثني هارون بن محمد بن إسحق بن عيسى بن موسى قال حدثني أبي علي عن إبراهيم بن موسى قال كتب أبو جعفر المنصور إلى عيسى بن موسى كتاباً يحثه فيه على خلع نفسه وتقديم المهدي عليه، فكتب إليه عيسى: بسِمْ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيِمِ وَالْمُوفُونَ بِعْهدهِمْ إذا عاهدوا والصَّابِريِن فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وحِينَ الْبَأْسِ وقال عز وجل
стр. 318
وَأَوفُوا بالْعَهْد إنَّ الْعَهْد كانَ مَسْئُولاً قرأت كتاب أمير المؤمنين وتفهمته وأنعمت بالنظر إليه كما أمر وتنحرته، فوجدت أمير المؤمنين إنما يزيدني لينقصني، ويقربني ليبعدني، وما أجهل ما لي في رضاه من الحظ الجزيل، والأثر الخطير، ولكنه سامني ما تشح به الأنفس وتبذل دونه، وما لا يسمح به والد لولده ما دام له حظ فيه.
وقد علم أمير المؤمنين أنه يريد هذا الأمر لابنه لا له، وهو صائر إلى ما سيصير إليه اشغل ما يكون، وأحوج إلى حسنة قدمها، وسيئة اجتنبها ولا صلة في معصية الله، ولا قطعية ما كانت في ذات الله.
стр. 319
بقية أخبار عيسى بن موسى
قال صاحب الأغاني: وعيسى ممن ولد ونشأ بالحميمة من أرض الشام، وكان من فحول أهله. وشجعانهم وذوي النجدة والرأي والبأس والسؤدد منهم، وقبل أن أذكر أخباره فإني أبدأ بالرواية في أن الشعر له إذ كان الشعر ليس من شأنه، ولعل منكراً أن ينكر ذلك إذا قرأه.
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي وعمي قالا حدثنا عبد الله بن أبي سعد، ورأيت هذا الخبر بعد ذلك في بعض كتب ابن أبي سعد فقابلت به ما روياه فوجدته موافقا.
قال ابن أبي سعد حدثني علي بن الصباح، قال حدثني أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن عيسى بن موسى، قال لما خلع أبو جعفر عيسى ابن موسى وبويع للمهدي قال عيسى بن موسى:
خُيِّرْتُ أَمْرَينِ ضاعَ الحَزْمُ بَيْنَهمُا ... إمَّا صَغارٌ وَإمَّا فِتْنَةٌ عَمَمُ
وَقَدْ هَمَمْتُ مِراراً أَنْ أُساقِيَهُمْ ... كَأْسَ الْمَنَّيِة لَوْلا الله وَالَّرحِمُ
стр. 320
وَلَوْ فَعَلْتُ لَزاَلتْ عَنْهُمُ نِعَمٌ ... بِكُفْرِ أَمْثالها تُسْتَنْزَلُ النَّقَمُ
على هذه الرواية في الشعر روى من ذكرت؛ وعلى ما صدر من الخلاف في الألفاظ يُغَنَّي.
أنشدني طاهر بن عبد الله الهاشمي، قال أنشدني بريهة المنصوري هذه الأبيات، وحكى أن ناقداً خادم عيسى كان واقفاً بين يديه ليلة أتاه خبر المنصور، ومادره عليه من الخلع، قال فجعل يتململ على فراشه ويهمهم ثم جلس فأنشد هذه الأبيات؛ فعلمت أنه كان يهمهم بها وسألت الله أن يلهمه العزاء والصبر على ما جرى شفقة عليه.
قال ابن أبي سعد في الخبر الذي قدمت ذكره عنهم.
وحدثني محمد بن يوسف الهاشمي، قال حدثني عبد الله بن عبد الرحيم قال حدثني كلثم بنت عيسى قالت قال موسى بن محمد ابن علي بن عبد الله بن العباس رأيت كأني دخلت بستانا، فلم آخذ منه إلا عنقوداً واحداً من الحب المتراصف ما الله به عليم، فولد لي عيسى بن موسى ثم ولد لعيسى من قد رأيت: قال ابن أبي سعد في خبره هذا: وحدثني علي بن سليمان الهاشمي قال حدثني عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن مالك مولى عيسى قال حدثني أبي قال كنا مع عيسى لما سكن الحيرة وأرسل إلى ليلة من الليالي فأخرجني من
следующие страницы →