← Фикх общий

Фикх общий · id 782

اللباب في فقه السنة والكتاب

محمد صبحي حلاق

Полный текст (548 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الباب الأول: باب مواقيتِ الصلاةِ. الباب الثاني: باب الأذانِ والإقامةِ. الباب الثالت: بابُ شروطِ الصلاة. الباب الرابع: بابُ كيفيةِ الصلاةِ. الفصل الأول: فصلُ صفةِ الصلاةِ. الفصل الثاني: فصلُ أركانِ الصلاةِ. ألفصل الثالث: فصلُ واجبات الصلاةِ. الفصل الرابع: فصل سُنَنِ الصلاة القولية والفعلية. الفصل الخامس: فصلُ مكروهات الصلاةِ. الفصل السادس: فصل ما يُباحُ في الصلاة. الفصل السابع: فصل مبطلات الصلاة. الفصل الثامن: فصل الأدعية والأذكار بعد الصلاة. الباب الخامس: باب صلاةِ التطوُّع. الباب السادس: باب السجود. الفصل الأول: فصل سجود السَّهْوِ. الفصل الثاني: فصل سجود التلاوة. الفصل الثالث: فصل سجودِ الشكر. الباب السابع: باب صلاة الكسوف. الباب الثامن: باب صلاة الاستسقاءِ. الباب التاسع: باب صلاة السفرِ. الباب العاشر: باب صلاة العيدين. الباب الحادي عشر: باب صلاةِ الخوفِ. الباب الثاني عشر: باب صلاةِ الجمعةِ. الباب الثالث عشر: باب صلاة الجماعة. الباب الرابع عشر: باب الجنائز.

стр. 107

الباب الأول مواقيت الصلاة ١ - مواقيتُ الصلوات الخمس: ١ - الظهر: وقته من زوالِ الشمس إلى أن يصير ظِلُّ كلِّ شيءٍ مثلَهُ. ٢ - العصر: وقته من صيرورة الظلِّ مثلَه إلى غروب الشمس. ٣ - المغرب: وقتُه من غروب الشمس إلى أن يغيبَ الشفقُ. ٤ - العشاء: وقتُها من غياب الشفقِ إلى نصفِ الليل. ٥ - الفجر: وقتُه من طلوع الفجرِ إلى طلوع الشمس. لحديث جابر بن عبد اللّه: "أن جبريل أتى النبي ﷺ يُعَلِّمُهُ مواقيتَ الصلاة، فتقدم جبريلُ ورسولُ الله ﷺ خَلْفَهُ، والناسُ خلفَ رسول اللّه ﷺ ، وصلّى الظُّهْرَ حين زالت الشمسُ، وأتاهُ حين كان الظلُّ مثلَ شخصِهِ وصنعَ كما صنعَ، فتقدَّم جبريلُ ورسولُ اللَّه ﷺ خَلْفَهُ، والناسُ خلفَ رسول اللّه ﷺ ، فصلَّى العصرَ، ثم أتاه حينَ وجبتِ الشمسُ فتقدَّمَ جبريلُ ورسولُ الله ﷺ خلَفَهُ، والناسُ خلفَ رسول اللّه ﷺ ، فصلَّى المغرب، ثم أتاهُ حين غابَ الشفقُ، فتقدمَ جبريلُ ورسولُ اللّه ﷺ خلفَهُ، والناسُ خلفَ رسول اللّه ﷺ ، فصلَّى العشاءَ، ثم أتاه حين انشقَّ الفجرُ، فتقدَّمَ جبريلُ ورسولُ الله ﷺ خَلْفهُ، والناسُ خلف رسول اللّه ﷺ ، فصلَّى الغداةَ، ثم أتاهُ اليومَ الثاني حين كان ظِلُّ الرجُلِ مِثلَ شخصِهِ فصنعَ مثلَ ما صنعَ بالأمسِ، فصلَّى الظهرَ ثم آتاهُ حين كان ظلُّ الرجل مثلَ شخصيْهِ، فصنع كما صنعَ بالأمس، فصلَّى العصرَ، ثم أتاهُ حين وجبتِ الشمسُ، فصنع كما صنع بالأمس، فصلَّى المغرب فَنِمْنَا، ثم قُمنَا، ثم نمنا، ثم قمنا، فأتاه فصنعَ كما صنعَ بالأمس، فصلَّى العشاءَ، ثم أتاه حينَ امتدَّ الفجرُ وأصبحَ، والنجومُ باديةٌ مشتبكةٌ، فصنعَ كما صنعَ بالأمس، فصلَّى الغداةَ، ثم قال: ما بين هاتين الصلاتينِ وقتٌ"، وهو حديث صحيح (١).

стр. 108

ولحديث عبد اللّه بن عمرو أن رسول اللّه ﷺ قال: "وَقْتُ الظُّهْرِ إذا زالتِ الشمسُ، وكان ظلُّ الرجل كطوله، ما لم يَحْضُرِ العصْر، ووقتُ العصرِ ما لم تَصْفَرَّ الشمسُ، ووقتُ صلاةِ المغربِ ما لم يغبِ الشفقُ، ووقتُ صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط، ووقتُ صلاة الصبح من طلوع الفجر، ما لم تطلُعِ الشمسُ، فإذا طلعتِ الشمسُ فأمْسِكْ عن الصلَاة؛ فإنها تطلعُ بين قرني شيطانٍ"، وهو حديث صحيح (١). والمقصود بالشَّفَق (٢): "بقيةُ ضوءِ الشمس وحُمْرتُها في أول الليل إلى قريب من العَتَمَةِ، وقال الخليل: الَشفقُ الحُمْرَةُ من غروبِ الشمس إلى وقت العشاء الأخير، فإذا ذهب قيل: غابَ الشفقُ، وقال الفراءُ: سمعتُ بعضَ العرب يقولُ: عليه ثوبٌ كأنَهُ الشفقُ، وكان أحمرَ" اهـ. ٢ - استحبابُ تقديم الظهرِ في أول الوقت في غير شدَّة الحرِّ: لحديث جابر بن سَمُرة قال: "كان النبي ﷺ يُصلِّي الظهرَ إذا دَحَضتِ الشمسُ"، وهو حديث صحيح (٣). دحضتِ الشمس: أي زالتْ. ٣ - استحبابُ الإبرادِ بالظهرِ في شدَّة الحرِّ: لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللّه ﷺ : "إدْا اشتدَّ الحرُّ فأبردُوا بالصلاة، فإن شدةَ الحر من فَيْحِ جهنَّم"، وهو حديث صحيح (٤). ٤ - استحبابُ التبكير بالعصر: لحديث أنس ﵁ قال: كان رسولُ اللّه ﷺ يُصَلي العصرَ والشمسُ مرتفعةٌ حيةٌ، فيذهب الذاهبُ إلى العوالي فيأتيهم والشمسُ مرتفعةٌ"، وهو حديث صحيح (٥).

стр. 109

٥ - إثْمُ من أخَّرَ العَصْرَ إلى الاصفرار: لحديث أنس ﵁ قال: سمعت رسولَ اللّه ﷺ يقول: "تلكَ صلاةُ المنافقِ، يجلسُ يرقُبُ الشمسَ حتى إذا كانت بين قرني الشيطانِ قام فَنَقَرَهَا أربعًا، لا يذكرُ اللهَ إلا قليلًا"، وهو حديث صحيح (١). ٦ - إثم مَنْ فاتَتْهُ صلاةُ العصرِ: لحديث ابن عمر ﷺ ، أن رسول اللّه ﷺ قال: "الذي تفوتُهُ صلاةُ العصر كأنما وتِرَ أهلُهُ وَمَالُهُ"، وهو حديث صحيح (٢). ولحديث أبي المليح قال: كُنَّا مع بريدَةَ في غزوةٍ، في يومٍ ذي غيمٍ، فقال: بكِّروا بصلاة العصرِ؛ فإن النبي ﷺ قال: "من ترك صلاةَ العصرِ فقد حَبطَ عملُهُ"، وهو حديث صحيح (٣). ٧ - المحافظة على الصلاة الوسطى: لقوله تعالى في سورة البقرة (٢٣٨): ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾. ولحديث ابن مسعود ﵁ قال: حَبَسَ المشرِكون رسول اللّه ﷺ عن صلاة العصرِ حتى احمرَّتِ الشمسُ أو اصفرَّت، فقال رسول اللّه ﷺ : "شَغَلُونا عن الصلاة الوسطى صلاةِ العصرِ، ملأ اللّه أجوافَهُم وقبورَهُم نارًا، أو حشا اللّهُ أجوافَهم وقبورَهم نارًا"، وهو حديث صحيح (٤). ٨ - استحبابُ تعجيلِ المغرب، وكراهةُ تأخيرها: لحديث سلمةَ بن الأكوع: "أَن رسول اللّه ﷺ كان يُصلي المغربَ إذا غربتِ الشمس وتوارتْ بالحجاب"، وهو حديث صحيح (٥).

стр. 110

ولحديث عقبة بن عامر أن النبي ﷺ قال: "لا تزال أمتي بخير، أو على الفطرةِ ما لم يؤخِّروا المغرب، حتى تَشْتَبِكَ النجومُ"، وهو حديث حسن (١). ٩ - استحبابُ تأخير العشاءِ ما لم تكن مشقَّةٌ: لحديث عائشةَ قالت: أعتم النبي ﷺ ذاتَ ليلة حتى ذهب عامةُ الليلِ، وحتَّى نام أهل المسجد، ثم خرج فصلَّى، فقال: "إنه لوقتُها لولًا أن أشُقَّ على أمتي"، وهو حديث صحيح (٢). ولحديث أنس قال: أخَّرَ النبي ﷺ صلاةَ العشاءِ إلى نصفِ الليلِ، ثم صلَّى، ثم قال: "قد صلَّى الناسُ ونامُوا، أما إنَّكم في صلاةٍ ما انتظَرتُموها"، قال أنس: كأني أنظرُ إلى وَبِيصِ خاتَمِهِ ليلَتَئِذٍ، وهو حديث صحيح (٣). ١٠ - كراهِيةُ النومِ قَبلَها، والسَّمَرُ بعدَها إلا في مصلحةٍ: لحديث أبي بَرْزَة الأسلميِّ: "أنَّ النبي ﷺ كان يستحِبُّ أن يُؤخِّر العشاءَ، التي يدعُونَها العَتَمَةَ، وكان يكرَهُ النومَ قَبَلَها والحديثَ بعدَها"، وهو حديث صحيح (٤). ولحديث ابن مسعود قال: "جَدَبَ لنا رسولُ اللّه ﷺ السَّمَر (٥) بعد العشاءِ"، وهو حديث صحيح (٦). ولحديث عمرَ قال: "كان رسولُ اللّه ﷺ يَسْمُرُ عِندَ أبي بكر الليلةَ؛ كذلكَ في الأمرِ من أمرِ المسلمين وأنا مَعَهُ"، وهو حديث صحيح (٧).

стр. 111

١١ - استحبابُ التغليس بالفجر: لحديث عائشةَ قالت: "كُنَّ نساءُ المؤمنات يشهدْنَ مع النبي ﷺ صلاةَ الفجر متلفِّعات بمروطِهِنَّ، ثم ينقلِبْنَ إلى بُيُوتهنَّ حين يقضينَ الصلاة، لا يعرفُهُنَّ أحدٌ من الغَلَسِ"، وهو حديث صحيح (١). ١٢ - من أدركَ بعض الصلاة في الوقت فإنَّهُ يُتمُّها: لحديث عائشةَ قالت: قال رسولُ اللّه ﷺ : "من أدرك من العَصْرِ سجدةً قبلَ أن تغرُبَ الشمسُ، أو من الصُّبحِ قبلَ أن تطلُعَ الشمسُ، فقد أدركها"، وهو حديث صحيح (٢). ولحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول اللّه ﷺ قال: "مَنْ أدركَ من الصُّبح ركعةً قبل أن تطلعَ الشمسُ، فقد أدرك الصُّبحَ، ومن أدركَ ركعةً من العصر قبلَ أن تغرُبَ الشَّمسُ فقد أدركَ العصرَ"، وهو حديث صحيح (٣). وهذا الحكم عام في كل صلاة؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول اللّه ﷺ قال: مَنْ أدركَ ركعةً من الصلاة فقد أدرك الصلاة"، وهو حديث صحيح (٤). ١٣ - حكمُ تارك الصلاة: أجمع المسلمون عَلى أن مَن تركَ الصلاةَ؛ جحودًا بها، وإنكارًا كفرَ وخرجَ عن الإسلام. وأما من ترك الصلاة - مع إيمانه بها، واعتقادِه بفرضيتها - تكاسُلًا أو تشاغُلًا عنها، فقد اختلفوا في الحكم عليه، وسببُ الخلاف أحاديث جاءت عن رسول اللّه ﷺ تسمِّي تاركَ الصلاةِ كافرًا، من غير تفريقٍ بين الجاحدِ والمتكاسِلِ. عن جابر بن عبد اللّه قال: قال رسول اللّه ﷺ : "بين الرَّجُل وبينَ الكُفْر تركُ الصَّلاةِ"، وهو حديث صحيح (٥).

стр. 112

وعن بريدة قال: سمعتُ رسولَ ﷺ يقول: "العهدُ الذي بَيْنَنَا وبينكُمُ الصلاةُ، فمن تَرَكَهَا فقد كَفَرَ"، وهو حديث صحيح (١). لكن الراجح من أقوال العلماء أن المرادَ بالكفر هنا الكفرُ الأصغرُ الذي لا يُخْرجُ عن الملة، جمعًا بين هذه الأحاديث، وأحاديث أُخر. (منها): عن ابن مُحيرز أن رجلًا من بني كنانة يُدعَى المُخدجي سمع رجلًا بالشامِ يُدعى أبا محمد يقول: إن الوتر واجب، قال المخدجيُّ: فرحتُ إلى عبادةَ بن الصامت فأخبرتُهُ، فقال عبادة: كذبَ أبو محمد سمعتُ رسول اللّه ﷺ يقول: "خَمسُ صلوات كتبهن اللّهُ على العبادِ، مَنْ أتى بهنَّ لم يُضيَع منهنَّ شيئًا استخفافًا بحقِّهِنَّ، كان له عند الله عهدٌ أن يدخلهُ الجنةَ، ومن لم يأتَ بهنَّ فليسَ لَهُ عندَ اللّه عهدٌ، إنْ شاءَ عذَّبَهُ، وإن شاء غَفَرَ له"، وهو حديث صحيح (٢). فلما ردَّ رسولُ اللّه ﷺ أمْرَ من لم يأت بهنَّ إلى مشيئة اللّه، علمنا أن تَرْكَهُنَّ دون الكفرِ والشرك؛ لقوله تعالى في سورة النساء (٤٨): ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. وعن أبي هريرة قال: سمعتُ رسول اللّه ﷺ يقولُ: "إنَّ أوَلَ ما يُحاسَبُ به العبدُ يومَ القيامة الصلاةُ المكتوبةُ، فإن أَتَمَّها وإلَّا قيلَ: انظروا هلْ له من تطوُّع؟ فإن كان له تطوُّع أُكْمِلَت الفريضةُ من تطوِّعهِ، ثم يُفعلُ بسائرِ الأعمالِ المفروضة مثلُ ذلك"، وهو حديث صحيح (٣). وعن عبادة بن الصامت قال: قال رسول اللّه ﷺ : "من شَهدَ أن لا إله إلا اللّه وحدَهُ لا شريكَ له، وأنَّ محمدًا عبُده ورسولُهُ، وأنَّ عيسى عبدُ اللّه وكلمتُهُ ألقاها إلى مريمَ، وروحٌ منه، والجنةُ والنَّارُ حقٌّ، أدخله اللّه الجنةَ على ما كان من العملِ"، وهو حديث صحيح (٤).

стр. 113

١٤ - أمْرُ الصبيِّ بالصلاة تمرينًا لا وجوبًا: عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: "رُفِعَ القلمُ عن ثلاثةٍ: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلمَ، وعن المجنون حتى يَعْقِلَ"، وهو حديث صحيح (١). ويجب على ولي أمرِ الصبيِّ أن يأْمُرَهُ بالصلاة وإن كانت غَيْرَ واجبةٍ، ليتعوَّد المحافظة عليها. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول اللّه ﷺ : "مُرُوا أولادكم بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها لعشرِ سنينَ، وفرِّقوا بينهم في المضاجع"، وهو حديث صحيح (٢). ١٥ - من نام عن صلاةٍ أو نسِيَها فوقتُها حين يذْكُرُهَا: لحديث أنس بن مالكٍ قال: قال نبي ﷺ : "من نَسيَ صلاةً، أو نامَ عنها، فكفارتُها أن يُصَلِّيَهَا إذا ذَكَرهَا"، وهو حديث صحيح (٣). ١٦ - هل يقضي من ترك الصلاة عمدًا حتى خرجَ وقْتها ؟. قال ابن حزم (٤): "مسألة: وأما من تعمد ترك الصلاة حتى خرجَ وقتُها فهذا لا يقدرُ على قضائِها أبدًا، فليكثر من فعل الخيرات، وصلاةِ التطوع؛ ليثقل ميزانه يوم القيامة، وليتبْ، وليستغفر اللّه ". ثم يقول (٥): "إن اللّه تعالى جعل لكلِ صلاةٍ فرض وقتًا محدود الطرفين، يدخلُ في حين محدود، ويبطلُ في وقت محدود، فلا فرق بين من صلاها قبل وقتها، وبين من صلاها بعد وقتها؛ لأن كليهما صلى في غير الوقت. وأيضًا فإن القضاء إيجاب شرع، والشرع لا يجوزُ لغير اللّه تعالى على لسان رسوله ﷺ ، ولو كان القضاءُ واجبًا على العامدِ لِتَرْكِ الصلاةِ حتى يخرج وقتُها، لَمَا أغفل اللّه

стр. 114

تعالى، ولا رسوله ﷺ ذلك، ولا نسياهُ، ولا تعمدا إعناتنا بترك بيانه، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] ". وحاول القاضي السياغي (١): الرد على ابن حزم والمقبلي ولكنه لم يفلحْ، واللّه أعلم. ١٧ - إذا أسلم الكافرُ لم يقضِ الصلاةَ: عن عبد الله بن مسعود قال: يا رسولَ اللّه، أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟ قال ﷺ "أما من أحسن منكم في الإسلام فلا يؤاخذ بها، ومن أساء أخذ بعمله في الجاهلية والإسلامِ"، وهو حديث صحيح (٢). وعن عمرو بن العاص، أن رسول اللّه ﷺ قال: "أما علمتَ أن الإسلامَ يهدمُ ما كان قبله؟ وأن الهجرةَ تهدمُ ما كان قبلها؟ وأن الحج يهدم ما كان قبله"، وهو حديث صحيح (٣). ١٨ - الصلواتُ الخمسُ المفروضة، فضلُها ومنزلتها في الإسلام: عن أنس بن مالك ﵁ قال: "فرضت على النبي ﷺ الصلواتُ ليلة أُسريَ به خمسين، ثم نقصتْ حتى جعلت خمسًا، ثم نودي: يا محمدُ، إنه لا يبدلُ القولُ لديَّ وإن لك بهذه الخمس خمسين"، وهو حديث صحيح (٤). وعن طلحة بن عبيد الله قال: جاء رجل إلى رسول اللّه ﷺ من أهل نجدٍ، ثائِر الرأسِ، يسمع دوي صوته ولا يفقه ما يقول، حتى دنا، وهو يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : "خمسُ صلوات في اليوم والليلة" فقال: هل عليَّ غيرها؟ قال: "لا، إلا أن تطوع .. "، وهو حديث صحيح (٥). وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول اللّه ﷺ : "بُنيَ الإسلامُ على خمسِ: شهادة أن لا إله إلا اللّه، وأنَّ محمدًا رسولُ الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحجِّ، وصومِ رمضانَ"، وهو حديث صحيح (٦).

стр. 115

١٩ - الأوقاتُ التي يُنهى عن الصلاة فيها: أوقات الكراهةِ خمسة: ١ - بعد الفجر حتى ترتفع الشمسُ. ٢ - عند الزوال. ٣ - بعد العصر حتى تغرب الشمسُ. ٤ - بعد صلاة الفجر. ٥ - بعد صلاة العصر. عن عقبة بن عامر الجهني قال: "ثلاث ساعاتٍ كان رسولُ اللّه ﷺ ينهانا أن نُصلي فيهنَّ، أو أن نقبر فيهنَّ موتانا: حين تطْلع الشمسُ بازعةً حتى ترتفع، وحينَ يقومُ قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحينَ تضيفُ الشمسُ للغروب"، وهو حديث صحيح (١). وقد أوضح النبي ﷺ علَّة النَّهي عن الصلاةِ في هذه الأوقاتِ في الحديث الآتي: عن أبي أمامة قال: قال عمرو بن عَنبسة السلمي: يا نبي اللّه، أخبرني عما علَّمك اللّه وأجهلُهُ، أخبرني عن الصلاة؟ قال: "صلّ صلاة الصبح، ثم أقصرْ عن الصلاة حتى تطلعَ الشمسُ حتى ترتفع؛ فإنها تطلع حين تطلعُ بين قرني شيطان، وحينئذٍ يسجد لها الكفار، ثم صلِّ؛ فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى يستقل الظل بالرمح ثم أقصر عن الصلاة فإنه حينئذٍ تُسْجَرُ جهنَّم، فإذا أقبلَ الفيء فصلِّ فإن الصلاة مشهودة محضورة، حتى تصلي العصرَ، ثم أقصرْ عن الصلاة، حتى تغربَ الشمس؛ فإنها تغرُبُ بين قرني شيطان، وحينئذٍ يسجدُ لها الكفارُ"، وهو حديث صحيح (٢). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعتُ رسول اللّه ﷺ يقول: "لا صلاةَ بعدَ الصبحِ حتى ترتفعَ الشمسُ، ولا صلاةَ بعد العصر حتى تغيب الشمسُ"، وهو حديث صحيح (٣). والنهي محمول على ما لا سببَ له، لحديث أم سلمة ﵂ أنه ﷺ صلَّى ركعتين بعدَ العصرِ، فسألته عن ذلك فقال: "يا بنتَ أبي أمية، سألتِ عن الركعتين بعد العصر، وإنه أتاني ناسٌ من عبد القيس، فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر فهما هاتان"، وهو حديث صحيح (٤).

стр. 116

ولحديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال لبلال عند صلاة الصبح: "يا بلال، أخبرني بأرجى عمل عملته في الإسلام؛ فإني سمعتُ دُف نعليك بين يدي في الجنة؟ " قال: ما عملتُ عملًا أرجى عندي: أني لم أتطهرْ طهورًا في ساعةٍ من ليل أو نهار إلا صلَّيتُ بذلك الطهورِ ما كُتِبَ لي أن أصلِّيَ، وهو حديث صحيح (١). ولحديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال نبي اللّه ﷺ : "من نسي صلاةً، أو نام عنها، فكفارتها أن يصلِّيها إذا ذَكَرَها"، وهو حديث صحيح (٢). ولحديث أبي قتادة السّلَميِّ: أن رسول اللّه ﷺ : " .. إذا دخل أحدُكم المسجدَ فليركَع ركعتينِ قبل أنْ يجلسَ"، وهو حديث صحيح (٣). فيظهر مما تقدَّم من أدلةٍ أن الصلاة المنهيَّ عنها في الأوقاتِ الخمسةِ هي صلاة التطوع المطلق الذي لا سبب له. ٢٠ - النهيُ عن التطوعِ إذا أقيمت الصلاةُ: لحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا أقيمت الصلاةُ فلا صلاةَ إلا المكتوبةُ"، وهو حديث صحيح (٤). ٢١ - كراهةُ الصلاة في الحمَّامِ: لحديث أبي سعيد الخدري، أن النبي ﷺ قال: "الأرضُ كلُّها مسجد إلَّا المقبرةَ والحمَّامَ"، وهو حديث صحيح (٥). ٢٢ - حرمةُ الصلاة على القبور وإليها: عن أبي مرْثَدٍ الغنوَيِّ قال: سمعتُ رسولَ اللّه ﷺ يقول: "لا تُصَلُّوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها"، وهو حديث صحيح (٦).

стр. 117

عن أبي هريرة أن رسول اللّه ﷺ قال: "قاتل الله اليهودَ والنَّصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، وهو حديث صحيح (١). وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول اللّه ﷺ في مرضه الذي مات فيه: "لعنَ اللهُ اليهودَ والنصارى، اتَّخَذُوا قبور أنبيائِهم مساجدَ"، وهو حديث صحيح (٢). ٢٣ - كراهةُ الصلاةِ بلباسٍ يشغلُ القلبَ، أو في مكان فيه نقوشٌ أو تصاويرُ: عن عائشةَ قالت: قام رسول اللّه ﷺ يصلِّي في خميصةٍ ذات أعلام، فلما قضى صلاته، قال: "اذهبوا بهذه الخميصةِ إلى أبي جهم بن حذيفة، وأَتوني بأنبجانية (٣)؛ فإنَّها ألهتني آنفًا في صلاتي"، وهو حديث صحيح (٤). وعن أنس ﵁ قال: كان قِرَامٌ لعائشة، سترتْ به جانبَ بيتها، فقال لها النبي ﷺ : "أميطي عنِّي؛ فإنه لا تزالُ تصاويُرُه، تعرضُ لي في صلاتي"، وهو حديث صحيح (٥). ٢٤ - كراهةُ الصلاة في مَبَارِك الإبلِ: لحديث البراء بن عازب قالَ: سُئِلَ رسول اللّه ﷺ عن الصلاة في مَبَارِكِ الإبل فقال: "لا تصلُّوا في مبارك الإبل؛ فإنها من الشياطين"، وسُئلَ عن الصلاة في مرابضِ الغنم فقال: "صلوا فيها؛ فإنها بركة"، وهو حديث صحيح (٦). ٢٥ - يُكْرَهُ لغير الإمام التزامُ مكانٍ خاصٍّ في المسجد: لحديث عبد الرحمن بن شِبْلٍ قال: "نهى رسول اللّه ﷺ عن نَقْرَةِ الغراب، وافتراشِ السَّبُعِ، وأن يُوَطنَ الرَّجُل المكان في المسجد، كما يوطنُ البعيرُ"، وهو حديث حسن لغيره (٧).

стр. 118

قال القاسمي (١): "يهوى بعضُ ملازمي الجماعات مكانًا مخصوصًا، أو ناحيةً من المسجد، إما وراء الإمام، أو جانب المنبر، أو أمامه، أو طرفَ حائطه اليمين أو الشمال، أو الصفة المرتفعة في آخره، بحيث لا يلذُّ له التعبد ولا الإقامة إلا بها، وإذا أبصر من سبقه إليها فربما اضطرهُ إلى أن يتنحى له عنها؛ لأنها محتكرة، أو يذهب عنها مغضبًا، أو متحوقلًا، أو مسترجعًا، وقد يفاجيء الماكث بها بأنها مقامه من كذا وكذا سنة، وقد يستعين بأشكاله من جهلة المتنسكين على أن يقام منها، إلى غير ذلك من ضروب الجهالات التي ابتليت بها أكثر المساجد، ولا يخفى أن محبة مكانٍ من المسجد على حدة تنشأ من الجهل أو الرياء والسمعة، وأن يقال أنه لا يصلي إلا في المكان الفلاني، أو أنه من أهل الصفِّ الأول مما يحبط العمل ملاحظته ومحبته، نعوذ باللّه. وهبْ أن هذا المتوطن لم يقصد ذلك فلا أقلَّ أنه يفقدُ لذة العبادة بكثرة الإلفِ والحرص على هذا المكان؛ بحيث لا يدعوه إلى المسجد إلا موضعه، وقد ورد النهيُ عن ذلك - كما في الحديث الحسن المتقدم آنفًا -" اهـ.

стр. 119

الباب الثاني الأذان والإِقامة ١ - حكم الأذان: الصحيح في حكم الأذانِ أنه فرضٌ على الكفاية، فليس لأهل مدينةٍ ولا قريةٍ أن يَدَعُوا الأذانَ والإقامة؛ لحديث أبي قُلابةَ عن مالك بنَ الحُوَيْرث قال: أتينا النبيَّ ﷺ في نفر من قومي، فأقمنا عنده عشرين ليلةً، وكان رحيمًا رفيقًا، فلما رأى شوقَنَا إلى أهالينا قال: "ارجعوا فكونوا فيهم، وعلِّموهم، وصلُّوا، فإذا حضرت الصلاةُ فليؤذِّنْ لكم أحدُكم، وليؤمكم أكبركم"، وهو حديث صحيح (١). ولحديث أنس بن مالك ﵁: "أن النبي ﷺ كان إذا غَزَا بِنَا قومًا، لم يكن يَغْزُو بنا حتى يُصبحَ وينظرَ، فإن سمعَ أذانًا كفَّ عنهم، وإن لم يسمع أذَانًا أغار عليهم"، وهو حديث صحيح (٢). ٢ - فضلُ الأذانِ: عن معاوية ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إن المؤذنينَ أطولُ النّاسِ أعناقًا يومَ القيامة"، وهو حديث صحيح (٣). وعن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه ﷺ : "الإمامُ ضامنٌ، والمؤذنُ مؤتمنٌ اللهم أَرْشدْ الأئمةَ، واغْفِر للمؤذنينَ"، وهو حديث صحيح (٤). وعن عبد الرحمن بن عبد اللّه بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري، ثم المازني، عن أبيه أنه أخبرهُ، أن أبا سعيد الخُدري قال له: إني أراكَ تحبُّ الغنمَ والباديةَ، فإذا كنتَ في غنمكَ أو باديتك فأذَّنتَ بالصلاةِ، فارفعْ صوتكَ بالنداءِ، فإنَّهُ: "لا يسمع مدى صوت المؤذن جنٌّ ولا إنسٌ ولا شيءٌ، إلَّا شَهِدَ لَهُ يومَ القيامة" قال أبو سعيد: سمعتُهُ من رسول الله ﷺ ، وهو حديث صحيح (٥).

стр. 120

٣ - صفةُ الأذان: عن عبد اللّه بن زيد، قال: لما أمر رسول اللّه ﷺ بالناقوس يُعْمَلُ ليضربَ به للناس؛ لجمع الصلاة، طاف بي وأنا نائم رجلٌ يحملُ ناقوسًا في يده، فقلت: يا عبد الله، أتبيعُ الناقوس؟ قال: وما تصنعُ به؟ فقلت: ندعو به إلى الصلاةِ، قال: أفلا أدلُّكَ على ما هو خيرٌ من ذلك؟ فقلت له: بلى، قال: فقال: تقول: اللّه أكبر، اللّه أكبر، اللّه أكبر، اللّه أكبر، أشهد أن لا إله إلا اللّه، أشهد أن لا إله إلا اللّه، أشهد أن محمدًا رسول اللّه، أشهد أن محمدًا رسول اللّه، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، اللّه اكبر، اللّه اكبر، لا إله إلا اللّه". قال: ثم استأخر عني غير بعيد، ثم قال: وتقول إذا أقمت الصلاة: اللّه اكبر، اللّه أكبر، أشهد أن لا إله إلا اللّه، أشهد أن محمدًا رسول اللّه، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، اللّه أكبر، اللّه أكبر، لا إله إلا اللّه، فلما أصبحتُ أتيتُ رسولَ اللّه ﷺ فأخبرتُه بما رأيتُ، فقال: "إنها لرؤيا حقٍّ إن شاء اللّه، فقم مع بلال فألقِ عليه ما رأيتَ فليؤذن به، فإنه أندى صوتًا منك" فقمت مع بلال، فجعلتُ ألقيه عليه ويؤذِّنُ به، قال: فسمع ذلك عمر بن الخطاب وهو في بيته، فخرج يجرُّ رداءَه، ويقولُ: والذي بعثك بالحق يا رسول اللّهْ لقد رأيتُ مثل ما رأى، فقال رسول اللّه ﷺ : "فلله الحمدُ"، وهو حديث حسن (١). ٤ - يُسْتَحَبُّ للمؤذِّن أن يجمع بين كل تكبيرتين في نَفَسٍ، وعلى السامع أن يجيبه كذلك: لحديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول اللّه ﷺ : "إذا قالَ المؤذنُ: اللّه أكبر اللّه أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر، الله أكبر، ثم قال: أشهدُ أن لا إله إلا الله، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، ثم قال: أشهد أن محمدًا رسول اللّه، قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، تم قال: حي على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا باللّه، ثم قال: حي على الفلاح، قال: لا حولَ ولا قوةَ

стр. 121

إلا باللّه، ثم قال: اللّه أكبر، الله أكبر، قال: اللّه أكبر الله أكبر، ثم قال: لا إله إلا الله، قال: لا إله إلا اللّه، من قلبه دخل الجنة"، وهو حديث صحيح (١). ٥ - يستحبُّ الترجيع: الترجيع: هو العَوْدُ إلى الشهادتين مرتينِ برفع الصوتِ بعد قولهما مرتين بخفضِ الصوتِ (٢) . عن أبي محذورة أنَّ نبي اللّه ﷺ علَّمَهُ هذا الأذان: اللّه أكبر، اللّه أكبر، أشهد أن لا إله إلَّا اللّه، أشهدُ أن لا إله إلا اللّه، أشهدُ أن محمدًا رسولُ اللّه، أشهد أن محمدًا رسول اللّه". ثم يعود فيقول: "أشهد أن لا إله إلا اللّه، أشهد أن لا إله إلا اللّه، أشهدُ أنَّ محمدًا رسولُ اللّهِ، أشهد أن محمدًا رسولُ اللّه، حي على الصلاة (مرتين) حي على الفلاح (مرتين)، زاد إسحاق: "اللّه أكبر اللّه أكبر، لا إله إلا اللّه". وهو حديث ضعيف بتثنية التكبير (٣)، أما بتربيع التكبير فهو صحيح (٤). قلت: رواية التثنية في التكبير لا تصحُّ عن عبد اللّه بن زيد، بل هي باطلةٌ عنه؛ لأنها إنما وقعت غلطًا من بعض الرواة. وكذلك روايةُ التثنية عن أبي محذورة وردتْ من طرق صحيحةٍ في الظاهر، إلا أن جميعها معلول؛ لأنها غلط من بعض الرواة أيضًا. وانظر: تفصيل ذلك كله في كتابنا "إرشاد الأمة إلى فقه الكتاب والسنة" جزء الصلاة. ٦ - مشروعية التثويب في الأذانِ الأول للفجر: لحديث ابن عمر ﵁ قال: "كان في الأذان الأول بعد الفلاح: الصلاةُ خير من النوم مرتين"، بسند حسن (٥). وفي رواية لأبي داود (٦) عن أبي محذورة عن النبي ﷺ : "الصلاةُ خيرٌ من النوم، الصلاة خيرٌ من النوم، في الأولى من الصُّبْحِ"، وهي رواية صحيحة.

стр. 122

قلت: وعلى هذا ليس "الصلاة خيرٌ من النوم" من ألفاظ الأذان المشروع للدعاء إلى الصلاة، والإخبار بدخول وقتها، بل هو من الألفاظ التي شُرِعَتْ؛ لإيقاظ النائم في الأذان الأول قبلَ دخولِ الوقتِ. ٧ - أذانُ بلالٍ قبلَ الفجرِ لإيقاظِ النائمِ مُسْتَحَبٌّ: عن ابن عمر وعائشة ﵂ قالا: قال رسول اللّه ﷺ : "إنَّ بلالًا يؤذِّنُ بليلٍ، فكلوا واشربُوا حتى ينادي ابنُ أم مكتومٍ"، وهو حديث صحيح (١). وقد بيَّنَ الرسول ﷺ الحكمةَ من تقديم في الأذانِ في الفجر على الوقتِ: لحديث ابن مسعود، عن النبي ﷺ قال: "لا يمنعنَّ أحدَكُم، أو أحدًا منكم أذانُ بلال من سحورِهِ؛ فإنه يؤذِّنُ، أو ينادي بليلٍ، ليرجِعَ قائِمُكُم، ولينتبه نائمُكُم، وليسَ أن يقولُ الفجرُ، أو الصبحُ"، وهو حديث صحيح (٢). ٨ - يستحبُّ لمن سمع الأذانَ والإقامة أن يقولَ مثلَ ما يقول المؤذِّنُ: لحديث أبي سعيد الخدري كت قال قال رسول اللّه ﷺ : "إذا سمعتم النداءَ فقولوا: مثلمَا يقول المؤذِّنُ"، وهو حديث صحيح (٣). ولحديث عمر بن الخطاب ﵁ في فضل القول كما يقول المؤذِّنُ كلمةً كلمة سوى الحيعَلَتين، فيقولُ: "لا حول ولا قوة إلا باللّه"، وهو حديث صحيح (٤). ٩ - يُسْتَحَبُّ أن يدعُو بالواردِ بعدَ النداءِ: عن جابر بن عبد اللّه ﵁ أن رسول اللّه ﷺ قال: "من قال حين يسمعُ النداءَ: اللَّهُمَّ ربَّ هذه الدعوة التامَّة، والصلاةِ القائمة، آت محمدًا الوسيلةَ والفضيلةَ، وابعثْهُ مقامًا محمودًا الذي وعدْتَهُ، حلَّتَ له شفاعتي يومَ القيامةَ"، وهو حديث صحيح (٥).

стр. 123

١٠ - يُسْتَحَبُّ الإكثارُ من الدعاءِ بين الأذان والإقامةِ: لحديث أنس ﵁ قال: قال رسول اللّه ﷺ : "لا يُرَد الدعاءُ بين الأذان والإقامة"، وهو حديث صحيح (١). ١١ - النَّهْيُ عن أخْذ الأُجْرَةِ على الأذانِ: لحديث عثمانَ بن أَبي العاص ﵁ قال: يا رسولَ اللّه اجعلْني إمامَ قومي، فقال: "أنت إمامُهُم واقتدِ بأضعَفِهم، واتخذ مؤذِّنًّا لا يأخذُ على أذانِهِ أجرًا"، وهو حديث صحيح (٢). ١٢ - يُسْتَحَبُّ للمؤذِّن أن يلتفتَ برأسِه وعُنُقِهِ يمينًا عند قوله: "حي على الصلاة" وشمالًا عند قولهِ: "حي على الفلاح ": لحديث أبي جحيفة قال: "أتيتُ النبي ﷺ بمكةَ، وهو بالأبطح في قُبَّة له حمراءَ من أدمٍ، قال: فخرج بلالٌ بوضوئِهِ، فَمِنْ نائلٍ، وناضحٍ، قال: فخرج النبي ﷺ وعليه حُلَّةٌ حمراءُ كأني أَنْظْرُ إلى بياض ساقيهِ، قال: فتوضأ وأذّن بلال، قال: فجعلتُ أتتبعُ فاهُ ههنا وههنا (يقول: يمينا وشمالًا)، يقول: حي على الصلاة، حي على الفلاح .. "، وهو حديث صحيح (٣). ١٣ - يُسْتَحَبُّ إدخالُ الإصبع في الأذنِ عند الأذانِ: لحديث أبي جحيفة قال: "رأيت بلالًا يؤذنُ ويدورُ، ويتبعُ فاهُ هاهنا، وهاهنا، وإصبعَاهُ في أذنيه … "، وهو حديث صحيح (٤). ١٤ - يُسْتَحَبُّ الأذانُ والإقامةُ للفائتة: عن أبي عُبيدة بن عبد اللّه بن مسعودٍ عن أبيه، أنَّ المشركينَ شَغَلُوا النبي ﷺ يومَ

стр. 124

الخندق عن أربع صلواتٍ حتى ذهبَ من الليلِ ما شاء اللّه، فأمر بلالًا فأذَّنَ، ثم أقامَ فصلَّى الظهرَ، ثم أقامَ فصلَّى العصرَ، ثم أقامَ فصلَّى المغربَ، ثم أقامَ فصلَّى العشاءَ"، وهو حديث صحيح (١). ١٥ - لا يؤذن للعيدِ، ولا يُقالُ: الصلاة جامعةٌ: لحديث جابر بن سمرة قال: صليتُ مع النبي ﷺ العيدينِ، غيرَ مرةٍ ولا مرتين بغير أذانٍ ولا إقامة"، وهو حديث صحيح (٢). قال ابن القيم الجوزية (٣): "وكانَ ﷺ إذا انتهى إلى المصلَّى أخذَ في الصلاة، أي: صلاة العيد من غير أذانٍ، ولا إقامةٍ، ولا قول: الصلاةُ جامعةٌ، والسنةُ: ألَّا يُفْعَلَ شيءٌ من ذلك" اهـ. ١٦ - كم بينَ الأذانِ والإقامة ؟: ترجم الإمام البخاري (٤): "بابُ كم بين الأذانِ والإقامة؟ "، ولكن لم يثبت التقديرُ. قال ابنُ بطالٍ: "لا حدَّ لذلك غيرُ تمكنِ دخول الوقتِ واجتماع المصلِّينَ". ١٧ - النَّهْيُ عن الخروج من المسجد بعد الأذانِ: لحديث أبي الشَّعْثَاء قال: "كُنَّا قعودًا في المسجد مع أبي هريرة، فأذّنَ المؤذنُ، فقامَ رجلٌ من المسجدِ يمشي، فأتبعَهُ أبو هريرة بصرهُ حتى خرجَ من المسجد، فقال أبو هريرة ﵁: أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ "، وهو حديث صحيح (٥).

стр. 125

١٨ - يستحب للمؤذن أن يؤذن وهو قائم: لقول رسول اللّه ﷺ : "يا بلالُ، قُمْ فنادِ بالصلاةِ"، وهو حديث صحيح (١). ١٩ - يستحب للمؤذن أن يؤذِّن وهو مستقبل القبلة: قال ابن المنذر (٢): "أجمع أهلُ العلم على أن من السُّنَّةِ أن تُسْتَقْبَلَ القِبْلَة بالأذانِ" اهـ. فروع باب الأذان والإِقامة فرع رقم (١): التسبيحُ الذي اعتاده الناسُ عِوضًا عن الأذان الأول في الفجر بدعة: وقال الشقيري (٣): "وقولهم - قبل الفجرِ على المنائِرِ - يا ربِّ عفوًا بجاه المصطفى كرمًا، بدعة وتوسل جاهلي، وكذا التسبيح أو القراءةُ، أو الأشعارُ، بِدعٌ في الدين، مغيرة لسنة الأمين ﷺ .. " اهـ وقال ابن الجوزي (٤): "وقد رأينا من يقومُ بالليلِ كثيرًا على المنارةِ فيعظُ ويذكر، ومنهم من يقرأ سُورًا من القرآن بصوتٍ مرتفع، فيمنعُ الناسَ من نومهم، ويخلطُ على المتهجدين قراءتهم، وكلُّ ذلك من المنكراتِ" اهـ. فرع رقم (٢): مسحُ العينين بالسبابتين عثد تشهد المؤذنِ بدعة: عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه لما سمع قولَ المؤذِّن: "أشهد أن محمدًا رسول اللّه"، قال هكذا - وقبَّلَ باطنَ الأُنْمُلَتَيْنِ السَّبَّابَتَيْنِ، ومسح عينيه - فقال ﷺ : "من فعلَ مثلَ ما فعلَ خليلي حلَّت عليه شفاعتي"، وهو موضوع (٥).

стр. 126

فرع رقم (٣): ضعف الدليل على عدم مشروعيةِ الأذانِ للإمامِ: عن جابر بن عبد اللّه قال: "نهى رسول اللّه ﷺ أن يكون الإمامُ مؤذَّنًّا"، وهو حديث ضعيف (١). فرع رقم (٤): ضَعْفُ الدليلِ على أن من أذَّنَ فهو يقيمُ: عن زياد بن الحارث الصِّدائي قال: لما كان أولُ أذانِ الصبح أمرني - يعني النبي ﷺ فأذنْتُ، فأراد بلال أن يُقيِمَ فقال له نبي اللّه: "إن أخا صداءٍ أذَّنَ، ومن أذَّنَ فهو يقيمُ" قال: فأقمتُ، وهو حديث ضعيف (٢).

стр. 127

الباب الثالث شروط الصلاة الشرط لغة: العلامةُ، ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: ١٨] أي: علاماتُ الساعةِ، وفي لسان الفقهاءِ: ما يلزمُ من عدمه العدم (١). شروطُ صحةِ الصلاةِ: ١ - العلم بدخول الوقت ؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] فلا تصح الصلاةُ قَبلَ دخول وقتِها، ولا بعدَ خروجِهِ إلَّا لِعُذْرٍ. ٢ - الطهارة من الحدثين: لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]. ولحديث ابن عمرَ ﵄ أن النبي ﷺ قال: "لا يقبلُ الله صلاةً بغير طُهُورٍ، ولا صدقةً من غُلولٍ"، وهو حديث صحيح (٢). ٣ - طهارةُ الثوبِ والبدن والمكان الذي يصلّى فيه: أما طهارة الثوبِ؛ فلقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]. ولحديث معاوية قال: قلتُ لأمِّ حبيبة: "هل كانَ النبي ﷺ يصلِّي في الثوب الذي يُجامِعُ فيه؟ قالتْ نعم إذا لم يكن فيه أذى"، وهو حديث صحيح (٣). وأما طهارة البدن؛ فلقوله ﷺ لعلي وقد سأله عن المذي: "توضأ واغْسلْ ذَكَرَكَ"، وهو حديث صحيح (٤). ولقوله ﷺ للمستحاضة: "اغسلي عنك الدم وصلِّي"، وهو حديث صحيح (٥).

стр. 128

وأما طهارة المكان؛ فلقوله ﷺ لأصحابه وقد بال الأعرابي في المسجد: "أريقوا على بولهِ سَجْلًا من ماءٍ"، وهو حديث صحيح (١). ٤ - سَتْرُ العورةِ؛ لقوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] . أي: استروا عوراتِكم، وكانوا يطوفُون بالبيت عُرَاةً. وعورةُ الرجل ما بين سُرَّتِهِ وركبتِهِ، كما جاء بذلك الحديثُ: "عورةُ الرجلِ ما بين سُرَّتِهِ إلى ركبته"، وهو حديث حسن (٢). * ولقوله ﷺ : "يا معمرُ غطِّ فَخذَيْكَ؛ فإن الفخذين عَورةٌ"، وهو حديث صحيح بشواهده (٣). قال الشيخ الألباني (٤) ﵀: " … فلا ينبغي التردُّدُ في كونِ الفخذِ عورةً؛ ترجيحًا للأدلة القولية، فلا جَرَمَ أنْ ذهبَ إليه أكثرُ العلماءِ، وجزم به الشوكانيُّ - في نيل الأوطار - (٢/ ٥٢ - ٥٣)، السيل الجرار (١/ ١٦٠ - ١٦١)، نعم، يمكن القولُ بأنَّ عورة الفخذينِ أخفّ من عورة السَّوْأتَيْنِ، وهو الذي مال إليه ابنُ القيم في "تهذيب السنن" كما كنتُ نقلتُه عنه في "الإرواء" (١/ ٣٠١) " اهـ.

стр. 129

ولحديث عائشةَ، عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يقبل اللّهُ صلاةَ حائضٍ (١) إلَّا بخمار"، وهو حديث صحيح (٢). والخمار: ما تغطِّي به المرأةُ رأسَها، وإذا وجبَ سَتْرُ الرأسِ فَسَتْرُ غيرهِ أولى، ودل على هذا حديث عائشة قالت: "لقد كان رسول اللّه ﷺ يصلِّي الفجرَ، فيشهدُ معه نساءٌ من المؤمنات، مُتلفعاتٍ (٣) في مروطهنَّ (٤)، ثم يرجعن إلى بيوتهن ما يعرفُهن أحدٌ"، وهو حديث صحيح (٥). ولأحاديث النهي عن الصلاة في الثوب الواحد، ليس على عاتق المصلِّي منه شيْءٌ: (منها): عن أبي هريرة، قال: قال النبي ﷺ : "لا يصلِّي أحدُكُم في الثوب الواحد ليس على عاتقهِ شيءٌ"، وهو حديث صحيح (٦). (ومنها): عن أبي هريرة، قال: أشهد أني سمعتُ رسول اللّه ﷺ يقول: "من صلَّى في ثوب فليخالفْ بين طرفيهِ"، وهو حديث صحيح (٧). ٥ - استقبالُ القبلةِ: لقوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]. وكان رسول اللّه ﷺ : إذا قام إلى الصلاة استقبلَ الكعبةَ في الفرضِ والنفلِ، وأمر ﷺ بذلك فقال للمسيء صلاتَهُ: "إذا قُمتَ إلى الصلاة فأسبغ الوضُوءَ، ثم استقبل القبلة فَكبِّرْ .. "، وهو حديث صحيح (٨). ويجوز تركُ الاستقبال في شدةِ الخوفِ، وفي النافلةِ في السَّفرِ على الراحلةِ (٩):

стр. 130

وأما النوافلُ فقد خففَ الشارعُ فيها، وسوَّغ تأديتَها على ظهر الراحلةِ إلى جهة القبلةِ وغير جهتِها. لحديث عبد الله بن عامر عن أبيه، قال: رأيتُ النبي ﷺ يصلِّي على راحلتِه حيث توجهت بِهِ"، وهو حديث صحيح (١). ولحديث أنس بن سيرينَ قال: "استقبلنا أنسًا - ابن مالك - حين قدم الشام فتلقيناه بعينِ التمر، فرأيتهُ يصلِّي على حمار ووجهُهُ من ذا الجانب - يعني عن يسار القبلة - فقلت: رأيتك تُصلِّي لغير القبلة، فقال: لولا أني رأيتُ رسولَ اللّه ﷺ فعلَهُ لم أفعله"، وهو حديث صحيح (٢). ٦ - النية؛ لحديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعتُ رسولَ اللّه ﷺ يقول: "إنما الأعمالُ بالنياتِ، وإنما لكلِّ امرئ ما نوى .. "، وهو حديث صحيح (٣). قال ابن القيم الجوزية (٤): "كان ﷺ إذا قام إلى الصلاة قال: "اللّه أكبر" ولم يقلْ شيئًا قبلها، ولا تلفظ بالنية البتةَ، ولا قال: أصلي للّه صلاةَ كذا مستقبل القبلة أربع ركعات إمامًا أو مأمومًا، ولا قال: أداء ولا قضاء، ولا فرضَ الوقتِ، وهذه عشرُ بدعٍ لم يَنْقُلْ عنه أحدٌ قطٌ بإسناد صحيح ولا ضعيف، ولا مسندٍ ولا مرسلٍ لفظةً واحدةً منها البتةَ، بل ولا عن أحد من أصحابهِ، ولا استحسَنَهُ أحد من التابعين، ولا الأئمةُ الأربعةُ، .. " اهـ.

стр. 131

فروع تتعلق بشروط الصلاة فرع رقم (١): من صلى وعليه نجاسةٌ لا يدري بها فصلاته صحيحة، ولا إعادة عليه، وإن عَلِمَ بها أثناءَ الصلاة: فإن أمكنه إزالتها بان كانت في نعليهِ، أو في ثوب زائد على ما يسترُ العورةَ أزالَها وأتمَّ صلاته. لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: بينما رسول اللّه ﷺ يُصلِّي بأصحابه؛ إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره، فلما رأى ذلك القومُ ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول اللّه ﷺ صلاته قال: "ما حملكم على إلقاء نعالكم؟ " قالوا: رأيناك ألقيت نعليكَ فألقينا نِعَالَنَا، فقال رسول اللّه ﷺ : "إن جبريل ﷺ أتاني فأخبرني أن فيهما قذرًا" أو قال: "أذى" وقال: "إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظرْ: فإن رأى في نعليه قذرًا أو أذىً فليمسحهُ وليصلِّ فيهما"، وهو حديث صحيح (١). فرع رقم (٢) من تحرى القبلةَ فصلَّى إلى الجهة التي ظنَّها، ثم تبيَّن له خطؤُهُ فلا إعادة عليه؛ لحديث عامر بن ربيعةَ، قال: "كنا مع النبي ﷺ في ليلة مظلمةٍ، فأشكلتْ علينا القبلةُ، فصلَّيْنَا، فلما طلعت الشَّمْسُ، إذا نحنُ صلينا إلى غير القبلة، فنزلت: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، وهو حديث حسن (٢).

стр. 132

الباب الرابع كيفية الصلاة الفصل الأول: صفة الصلاةِ كان رسولُ اللّه ﷺ إذا قام إلى الصلاةِ استقبل الكعبة في الفرض والنفل، قائمًا قريبًا من السُّتْرَة. ثم كان ﷺ يستفتحُ الصلاةَ بقوله: "الله أكبر"، وكان يرفع يديه مع التكبير، ثم يضعُ يده اليمنى على اليسرى فوق صدرِه، ثم يرمي ببصره نحو الأرض، ثم يستفتح القراءةَ بأدعيةٍ كثيرةٍ متنوعةٍ، يحمد اللّه تعالى فيها ويمجده، ويثني عليه، ثم يستعيذُ باللّه تعالى من الشيطان الرجيم، ثم يقرأ بسم اللّه الرحمن الرحيم ولا يجهرُ بها، ثم يقرأ الفاتحة ويقطعها آيةً آيةً، فإذا انتهى من الفاتحة قال: آمينَ، ويجهرُ ويمدُّ بها صوته ثم يقرأ بعد الفاتحة سورةً غيرها وكان يطيلها أحيانًا، ويقصرها أحيانًا. وكان ﷺ يجهرُ بالقراءة في صلاة الصبح، وفي الركعتين الأوليين من المغرب والعشاء، ويسرُّ بها في الظهر والعصر، والثالثة من المغربِ والأخريين من العشاء. وكان يجهر بها أيضًا في صلاة الجمعة والعيدين، والاستسقاء، والكسوف، وكان يجعلُ الركعتين الأخيرتينِ أقْصَرَ من الأوليينِ قَدْرَ النصفِ، قدر خمس عشرة آيةً، وربما اقتصر فيهما على الفاتحة. ثم كان ﷺ إذا فرغَ من القراءة سكت سكتةً، ثم رفعَ يديه وكبَّر وركَعَ، وكان يضعُ كفَّيه على ركبيتهِ، ويفرِّجُ بين أصابعهِ، ويمكِّنُ يديهِ من ركبتيهِ كَأنه قابضٌ عليهما. وكان يجافي مرفقيه عن جنبيه، ويبسطُ ظَهْرَهُ ويسوِّيه، حتى لو صُبَّ عليه الماءُ لاستقرَّ. وكان يطمئن في ركوعهِ، ويقول: سبحانَ ربِّيَ العظيم ثلاثًا، وكان يقول في هذا الركوع أنواعًا من الأذكار والأدعية، تارة بهذا، وتارة بهذا، وكان ينهى عن قراءة القرآن في الركوع والسجود. ثم كان ﷺ يرفع صُلْبَهُ من الركوع قائلًا: سمعَ اللّه لمن حَمِدَهُ، وكان يرفع يديه

стр. 133

عند هذا الاعتدال، ويقولُ وهو قائم: ربَّنا ولكَ الحمدُ، وكان تارة يزيد على ذلك، ثم كان يكبِّر ويَهْوِي ساجدًا، ويضعُ يديهِ على الأرضِ قبلَ ركبتهِ، وكان يعتمدُ على كفيه ويُبْسطُهما، ويضمُّ أصابعهما ويوجِّهُهما قِبَل القبلة، وكان يجعَلهما حذو منكبيه، وأحيانًا حَذْوَ أذنيهِ، ويمكِّنُ أنْفَهُ وجبهته من الأرض، وكان يقول: أُمِرْتُ أن أسجُدَ على سبعةِ أعظمٍ: على الجبهةِ، وأشار بيده على أنفه، واليدينِ والركبتين وأطرافِ القدمينِ. وكان يقول: "لا صلاة لمن لا يصيبُ أنفه من الأرض ما يصيبُ الجبينَ". وكان يطمئن في سجوده، ويقول: سبحان ربي الأعلى ثلاثًا، وكان يقول أنواعًا من الأذكار والأدعية، تارةً هذا، وتارةً هذا. وكان يأمر بالاجتهاد والإكثارِ من الدعاء في هذا الركنِ، ثم كان ﷺ يرفع رأسه مكبِّرًا، ثم يفرش رجله اليسرى، فيقعدُ عليها مطمئنًا، وكان ينصِبُ رجله اليمنى ويستقبلُ بأصابِعها القبلةَ. وكان يقول: اللهم اغفر لي وارحمني، واجبرني وارفعني، واهدني وعافني، وارزقني ثم يكبر ويسجدُ السجدةَ الثانية كالأولى، ثم يرفع رأسَهُ مكبرًا، ثم يستوي قاعدًا على رجله اليسرى معتدلًا، حتى يرجعَ كلُّ عظمٍ إلى موضعِه، ثم ينهضُ معتمدًا على الأرض إلى الركعة الثانية. وكان يصنعُ فيها مثلَ ما يصنع في الأولى، إلا أنه كان يجعلُها أقْصَرَ من الأولى، ثم كان ﷺ يجلس للتشهد بعد الفراغِ من الركعة الثانية، فإذا كانت الصلاة ركعتينِ جلس مفترشًا، كما كان يجلسُ بين السجدتين، وكذلك يجلس في التشهد الأول من الثلاثية والرباعية. وكان إذا قعد في التشهد وضع كفَّه اليُمْنَى على فخذه اليمنى، ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى، وكان يبسط اليسرى، ويقبضُ اليمنى، ويشير بالسبابة، ويرمي ببصره إليها، وكان إذا رفعَ أصبعه يحرِّكُها يدعُو بها ويقول: "لهي أشدُّ على الشيطان من الحديد" يعني: السبابة. ثم كان ﷺ يقرأ في كل ركعتين التحية، وكان يصلِّي على نفسه في التشهد الأول وغيره، وشرعَ ذلك لأمتِهِ، وكان يدعو في صلاته بأدعية متنوعةٍ.

стр. 134

ثم كان ﷺ يسلِّم عن يمينه: "السلام عليكم ورحمه اللّه" وعن يساره كذلك، وكان أحيانًا يزيد في التسليمة الأولى "وبركاته". كل ما تقدم من صفة صلاتِهِ ﷺ فيه الرجالُ والنساء ولم يرد في السُّنَّةِ ما يقتضي استثناءَ النساءِ من بعض ذلك، بل إن عمومَ قوله ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلِّي يشمَلُهنَّ" اهـ (١).

стр. 135

الفصل الثاني أركان الصلاة ١ - القيام في الفرض للقادر عليه: لقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]. ولحديث عمران بن حُصين قال: "كانت بي بواسيرُ، فسألت النبي ﷺ عن الصلاةِ، فقال: "صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جَنْبٍ"، وهو حديث صحيح (١). ٢ - تكبيرة الإحرام: لحديث علي ﵁ قال: قال رسول اللّه ﷺ : "مفتاح الصلاة الطَّهُور، وتحريمها التكبيرُ، وتحليلها التسليمُ"، وهو حديث حسن (٢). ولحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال للمسيء صلاته: "إذا قمت إلى الصلاة فكبِّر"، وهو حديث صحيح (٣). ٣ - قراءةُ الفاتحة في كل ركعة: لحديث عبادة بن الصامتِ يبلغُ به النبي ﷺ : "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحةِ الكتابِ"، وهو حديث صحيح (٤). ولحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ أمر المسيء صلاته بالقراءة، ثم قال: "ثم افعلْ ذلك في صلاتك كلها"، وهو حديث صحيح (٥). ٤ - الركوعُ والطُّمأنينةُ فيه: لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧].

стр. 136

ولقوله ﷺ للمسيء صلاتَه: "ثم اركعْ حتى تطمئنَّ راكعًا"، وهو حديث صحيح، تقدم تخريجه. ٥ - الاعتدالُ بعد الركوع والطمأنينة فيه: لحديث أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: قال رسول اللّه ﷺ : "لا تجزئ صلاةٌ لا يقيمُ الرجلُ فيها صُلْبَهُ في الركوع والسجود"، وهو حديث صحيح (١). وقال النبي ﷺ للمسيء صلاتَه: "ثم ارفعْ حتى تعتدلَ قائمًا"، وهو حديث صحيح تقدم تخريجه. ٦ - السجودُ والطمأنينةُ فيه: لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]. ولقوله ﷺ للمسيء صلاته: "ثم اسجُدْ حتى تطمئنَّ ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئَّن جالسًا، ثم اسجدْ حتى تطمئنَّ ساجدًا"، وهو حديث صحيح (٢). * وأعضاءُ السجود سبعةٌ: لحديث ابن عباس أن رسول اللّه ﷺ قال: "أمرتُ أن أسجُدَ على سبعة أعْظُمٍ: الجَبْهة (وأشار بيده على أنفه) واليدين، والرجلينِ، وأطراف القدمينِ، ولا نكفِتَ الثياب، ولا الشعرَ"، وهو حديث صحيح (٣). ٧ - الجلوسُ بين السجدتين، والطمأنينةُ فيه: لحديث أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: قال رسول اللّه ﷺ : "لا تجزئ صلاةٌ لا يقيم الرجلُ فيها صُلبَهُ في الركوع والسجود"، وهو حديث صحيح (٤). ولحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ أمر المسيء صلاته بقوله: "اسجدْ حتى تطمئنَّ ساجدًا، ثم ارفعْ حتى تطمئنَّ جالسًا .. "، وهو حديث صحيح (٥).

стр. 137

٨ - التشهد في القعود الأخير: لحديث عبد اللّه بن مسعود ﵁ قال: "كنا إذا صلَّينا خلفَ النبي ﷺ قلنا: السلامُ على جبريل وميكائيلَ، السلامُ على فلانٍ وفلانٍ. فالتفتَ إلينا رسولُ اللّه ﷺ فقال: "إن الله هو السلامُ، فإذا صلَّى أحدُكم فليقلْ: "التحياتُ لله، والصلواتُ، والطيباتُ، السلامٌ عليكَ أيُّها النبيُّ ورحمةُ الله وبركاتُه، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين - فإنكم إذا قلتموها أصابتَ كلَّ عبدٍ لله صالحٍ في السماءِ والأرض - أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهدُ أن محمدًا عبدُهُ ورسولَه"، وهو حديث صحيح (١). قلت: ورد في صيغة التشهدِ رواياتٌ عدّةٌ كلها صحيحة - انظرها: في كتابنا "إرشاد الأمة إلى فقه الكتاب والسنة" جزء الصلاة، وأصحُّها تشهُّد ابن مسعود المتقدم، واللّه أعلم. ٩ - الصلاةُ على النبي ﷺ بعد التشهُّدِ الأخير: لحديث فُضَالةَ بن عبيدٍ قال: سمع النبي ﷺ رجلًا يدعُو في صلاته، فلم يصلِّ على النبي ﷺ فقال النبي ﷺ : "عَجل هذا" ثم دعاهُ فقال له - أو لغيره: "إذا صلَّى أحدُكم، فليبدأ بتحميد الله، والثناء عليه، ثم ليصلِّ على النبي ﷺ ثم ليدعُ - بعدُ - بما شاءَ"، وهو حديث صحيح (٢). ولحديث أبي مسعود قال: أتانا رسولُ اللّه ﷺ ونحنُ في مجلس سعد بن عُبَادةَ، فقال له بشيرُ بنُ سعدٍ: أمرَنَا اللّه أن نُصَلِّيَ عليكَ، فكيف نُصَلِّي عليك؟ قال: فسكتَ رسول اللّه ﷺ حتى تمنَّيْنَا أنه لم يسأل، ثم قال رسولُ اللّه ﷺ : "قولوا: اللهمَّ صلِّ على محمد وعلى آلِ محمدٍ، كما صليت على الِ إبراهيم، وبارك على محمدٍ وعلى آلِ محمد، كما باركتَ على آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيدٌ، والسلامُ كما قد عَلِمْتُمْ"، وهو حديث صحيح (٣).

стр. 138

١٠ - التعوذ من أربع قبلَ السلام: لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللّه ﷺ : "إذا تشهَّدَ أحدُكُم فليستعِذْ بالله من أربع: يقولُ: اللهمَّ إني أعوذُ بكَ من عذاب جهنَّم، ومن عذابِ القبرِ، ومن فتنةِ المحَيا والمماتِ، ومن شرِّ فتنة المسيحِ الدجال"، وهو حديث صحيح (١). ١١ - السلام: لقوله ﷺ : "مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلُها التسليمُ"، وهو حديث حسن (٢). ولحديث عبد اللّه بن مسعود ﵁: "أن النبي ﷺ كان يسلم عن يمينه وعن شماله حتى يُرى بياضُ خدِّه، السلام عليكم ورحمة اللّه، السلام عليكم ورحمة اللّه"، وهو حديث صحيح (٣).

стр. 139

الفصل الثالث واجبات الصلاة ١ - التشهدُ الأول: لحديث ابن مسعود ﵁ قال: إن محمدًا ﷺ قال: "إذا قعدتُم في كل ركعتين فقولوا: التحياتُ للّه، والصلواتُ والطيباتُ، السلامُ عليك أيُّها النبيُّ ورحمةُ اللّه وبركاته، السلامُ علينا وعلى عباد اللّه الصالحين، أشهدُ أن لا إلهَ إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ثم ليتخيَّرْ أحدُكم من الدعاءِ أعجبَه إليه، فليدعُ به ربَّه "، وهو حديث صحيح (١). وقد أمر به النبي ﷺ المسيء صلاته فقال: "فإذا جلستَ في وَسَط الصلاة، فاطمئنَّ وافترشْ فخذكَ اليسرى، ثم تشهدْ"، وهو حديث حسن (٢). ٢ - اتخاذُ الستْرةِ بين يدي المصلِّي تمنعُ المرورَ أمامَه: لحديث سهل بن أبي حثمةَ، يبلغُ به النبي ﷺ قال: "إذا صلى أحدُكُم إلى سترة فليدْنُ منها؛ لا يقطع الشيطانُ عليه صلاتَهُ"، وهو حديث صحيح (٣). لا يدنُو من السترة وتتحقق بالجدارِ، والأسطوانةِ، والعَصَا المغروزة، والراحلة يعرضُها فيصلِّي إليها. عن سهل بن سعد قال: كان بين مُصَلَّى رسولِ اللّه ﷺ وبين الجدارِ ممرٌّ شاةٍ"، وهو حديث صحيح (٤). وعن ابن عمر قال: كان رسول اللّه ﷺ إذا خرجَ يومَ العيد يأمرُ بالحربةِ فتوضعُ بين يديه، فيصلي إليها والناسُ وراءَه، وكان يفعلُ ذلك في السَّفرِ"، وهو حديث صحيح. وعن طلحة بن عُبيد اللّهِ قال: كُنَّا نصلِّي والدوابُّ تمرُّ بين أيدينا، فذكرنا ذلك للنبي

стр. 140

- ﷺ فقال: "مثلُ مؤخرةِ الرَّحلِ يكون بين يدي أحدِكم، ثم لا يضرُّهُ ما مرَّ بين يديه"، وهو حديث صحيح (١). وعن عبد اللّه بن عمر ﵁ كان إذا دخل الكعبةَ مشى قبلَ وجههِ حينَ يدخلُ، وجعل الباب قبل ظهره، فمشى حتى يكون بينه وبين الجدار الذي قبل وجهه قريبًا من ثلاثة أذرع صلَّى، يتوخى المكانَ الذي أخبره به بلال: "أن النبي ﷺ صلى فيه، قال: وليس على أحدنا بأسٌ إنْ صلَّى في أي نواحي البيت شاء"، وهو حديث صحيح (٢). * لا يدع المصلِّي أحدًا يمرُّ بينه وبين السترة: لحديث ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا كان أحدكم يصلِّي، فلا يدعْ أحدًا يمرُّ بين يديه، فإن أبى فليقاتِلهُ؛ فإنَّ معهُ القرينَ"، وهو حديث صحيح (٣). ولحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعتُ النبي ﷺ يقول: "إذا صلى أحدُكم إلى شيءٍ يستُرهُ من النَّاسِ، فأرادَ أحدٌ أن يجتازَ بين يديه فليدْفعْهُ، فإنْ أبى فليقاتِلهُ؛ فإنَّما هو شيطانٌ"، وهو حديث صحيح (٤). * يقطع صلاةَ من لم يتخذ سترة: الحمارُ والمرأةُ والكلبُ الأسودُ: لحديث عبد اللّه بن الصامت عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول اللّه ﷺ : "إذا قام أحدُكم يُصَلِّي فإنَّهُ يستُرُهُ إذا كان بين يديه مثْلُ آخرَةِ الرَّحْلِ، فإذا لم يكنْ بينَ يديْه مثلُ آخرَةِ الرَّحْلِ، فإنَّهُ يقطعُ صلاتَهُ المرأةُ، والحمَارُ، والكلبُ الأسودُ" قلت: يا أبا ذَرّ ما بالُ الكَلبِ الأسْود من الكلبِ الأحمرِ من الكلب الأصفر؟ قال: يابْنَ أخي، سالتُ رسول اللّه ﷺ كما سألتني فقال: "الكلبُ الأسودُ شيطان"، وهو حديث صحيح (٥). * تحريم المرورِ بين يدي المصلِّي: لحديث أبي النَّضْر مولى عمر بن عُبيد اللّه عن بُسْرِ بن سعيدٍ عن أبي جهيمٍ عبد اللّه

стр. 141

بن الحارث بنِ الصِّمَّةِ الأنصاري قال: قال رسول اللّه ﷺ : "لو يعلم المارُّ بين يَدَي المصلِّي ماذَا عليه لكان أن يقفَ أربعين خيرًا له من أن يمرَّ بينَ يديه"، قال أبو النضر: لا أدري قال: أربعينَ يومًا، أو شهرًا، أو سنةً، وهو حديث صحيح (١). * سترة الإمام سترة للمأموم: لحديث ابن عباس قال: "أقبلتُ راكبًا على أتانٍ، وأنا يومئذٍ قد ناهزتُ الاحتلامَ، ورسولُ اللّه ﷺ يُصلي بالناس بمنىً إلى غير جدارٍ، فمررتُ بين يدي بعض الصفِّ، فنزلتُ وأرسلتُ الأتانَ ترتع، فدخلتُ في الصف، فلم يُنكر ذلك عليَّ أحدٌ"، وهو حديث صحيح (٢).

стр. 142

الفصل الرابع سننُ الصلاةِ القولية والفعلية أولًا: سنن الصلاة القولية: ١ - دعاء الاستفتاح: عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول اللّه ﷺ إذا كبَّر للصلاةِ، سكتَ هُنَيْهَةً قبل أن يقرأ، فسألتُهُ، فقال: "أقول: اللهم باعدْ بيني وبين خطاياي كمَا باعدتَ بين المشرقِ والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما يُنقى الثوبُ الأبيض من الدَّنَس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد"، وهو حديث صحيح (١). ٢ - الاستعاذةُ: لقوله تعالى في سورة النحل الآية (٩٨): ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾، ولحديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ : أنه كان إذا قام إلى الصلاة استفتح ثم يقول: "أعوذُ باللّه السميع العليم من الشيطانِ الرجيم؛ من هَمْزِهِ ونفْخِهِ ونَفْثِهِ"، وهو حديث صحيح (٢). ٣ - التأمينُ: لحديث وائل بن حُجْرٍ قال: كان رسول اللّه ﷺ إذا قرأ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾؛ قال: "آمين" ورفع بها صوتَهُ، وهو حديث صحيح (٣). ولحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللّه ﷺ : "إذا أمَّنَ الإمامُ فأمِّنوا؛ فإنَّهُ من وافقَ تأمينُهُ تأمين الملائكةِ غُفِرَ لَهُ ما تقدم من ذنبه".

стр. 143

٤ - قراءة السورة بعد الفاتحة في الأُولَيَينِ: لحديث أبي قتادة: "أن النبي ﷺ كان يقرأ في الظهر في الأوليين بأمِّ الكتابِ وسورتين، وفي الركعتين الأُخريين بفاتحة الكتاب، ويسمعنا الآية أحيانًا، ويُطول في الركعة الأولى ما لا يُطيلُ في الثانية، وهكذا في العصر، وهكذا في الصبح"، وهو حديث صحيح (١). وتُسنُّ القراءةُ في الأخريين أحيانًا: لحديث أبي سعيد الخدري ﵁: "أن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدْر ثلاثينَ آيةً، وفي الأخريين قدْرَ قراءة خمس عشرة آيةً، أو قالَ: نصفَ ذلك، وفي العصر في الركعتين الأوليين، في كل ركعةٍ قَدْرَ قراءةِ خمسَ عشْرةَ آيةً، وفي الأخريين قدر نصف ذلك"، وهو حديث صحيح (٢). ويُسَنُّ الجهرُ بالقراءة في صلاة الصبح، وفي الأوليينِ من المغرب والعشاء، ويُسنُّ الإسرارُ بالقراءة في الظهرِ والعصر، والثالثةِ من المغرب، والأخريينِ من العشاء: قال الإمام النووي (٣): "فالسنةُ الجهرُ في ركعتي الصبح والمغرب والعشاء، وفي صلاة الجمعة، والإسرارُ في الظهر والعصر، وثالثةِ المغرب والثالثةِ والرابعةِ من العشاءِ، وهذا كله بإجماع المسلمين مع الأحاديث الصحيحة المتظاهرة على ذلك". وقال ابن حزم (٤): "واتفقوا أن القراءةَ في ركعتي الصبح، والأوليين من المغرب والعشاء من جهر فيها فقد أصابَ، ومن أسر في الأخريين من العَتَمَةِ، وفي الثالثة من المغرب، وفي جميع الظهرِ والعصرِ فقد أصاب". وأقرَّه ابن تيمية على ذلك. قلت: وإليك بعضَ الأحاديث التي أشار إليها الإمامُ النووي، ﵀:

стр. 144

١ - عن قُطْبَةَ بن مالكٍ: أنه سمع النبي ﷺ يقرأ في الفجر: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ [ق: ١٠]، وهو حديث صحيح (١). ٢ - عن عَمْرو بن حُريث: أنه سمع النبي ﷺ يقرأ في الفجر: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: ١٧] وهو حديث صحيح (٢). ٣ - عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الفجر يومَ الجمعة: السجدة ﴿الم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١] وأن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الجمعة، سورة الجمعة والمنافقين، وهو حديث صحيح (٣). قال المحدث الألباني (٤) ﵀: "وأما القراءةُ في الأوليين فلا أعلمُ في ذلك حديثًا صريحًا، فالعمدةُ في ذلك على الاتفاقِ الذي سبق نقلُه عن النووي" اهـ. ٥ - التسبيحُ في الركوع والسجود: لحديث حذيفة قال: صلَّيتُ مع النبي ﷺ ذات ليلةٍ … وفيه: ثم ركع، فجعلَ يقول: "سبحان ربِّي العظيم"، ثم سجد فقال: "سبحان ربي الأعلى"، وهو حديث صحيح (٥). ٦ - تكبيرةُ الركوع والسجود والرفعِ والخفضِ: لحديث أبي هريرة ﵁ قالَ: كان رسول اللّه ﷺ إذا قَامَ إلى الصلاةِ يكبرُ حين يقومُ، ثم يكبرُ حين يركعُ، ثم يقولُ: "سمع اللّه لمن حمده" حين يرفع صُلبَهُ من الركوع، ثم يقول وهو قائم: "ربنا ولك الحمدُ" ثم يكبر حين يهوي ساجدًا، ثم يكبرُ حين يرفعُ رأسهُ، ثم يكبرُ حين يسجدُ، ثم يكبر حين يرفعُ رأسهُ، ثم يفعل مثل ذلك في الصلاة كُلِّها حتى يقضيها، ويكبر حين يقومُ من المثنى بعد الجلوس. ثم يقول أبو هريرة: إني لأشْبَهُكم صلاةً برسول اللّه ﷺ ، وهو حديث صحيح (٦).

стр. 145

٧ - الزيادةُ في الاعتدالِ من الركوع على قول: ربَّنا ولك الحمد بإحدى هذه الزيادات: لحديث عبد اللّه بن أبي أوفى قال: كان رسول اللّه ﷺ يدعو بهذا الدعاء: "اللهم ربنا لك الحمدُ، مِلءَ السموات، وملءَ الأرض، وملء ما شئتَ من شيءٍ بعد"، وهو حديث صحيح (١). ولحديث عبد اللّه بن عباس أن النبي ﷺ كان إذا رفعَ رأسه من الركوع قال: "اللهم ربنا لك الحمدُ، ملءَ السموات، وملءَ الأرض، وما بينهما، وملءَ ما شئتَ من شيء بعدُ، أهل الثناءِ والمجدِ لا مانع لمَا أعطيتَ، ولا معطي لما منعت، ولا ينفعُ ذا الجدّ منكَ الجَدُّ"، وهو حديث صحيح (٢). ولحديث رفاعة بن رافع الزرقيِّ قال: كُنَّا يومًا نُصلي وراء النبي ﷺ ، فلما رفع رأسَهُ من الركعة، قال: "سمع الله لمن حمده" قال رجل وراءهُ: (ربنا ولكَ الحمدُ حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه"، فلما انصرف قال: "من المتكلم؟ " قال: أنا. قال: "رأيتُ بضعةً وثلاثين ملكًا يبتدرونها، أيُّهُمْ يكْتبُها أَوَّلُ"، وهو حديث صحيح (٣). ٨ - الدعاء بين السجدتين: لحديث ابن عباس ﵄ قال: كان رسول اللّه ﷺ يقول بين السجدتين في صلاة الليل: "ربِّ اغفر لي، وارحمني، واجْبُرْني، وارزقني، وارفعني"، وهو حديث صحيح (٤). ٩ - الصلاةُ على النبيِّ ﷺ بعد التشهدِ الأول لفعلهِ ﷺ ذلك: عن عائشةَ قالت: كُنَّا نُعِدّ لَهُ سِوَاكَهُ وطَهُورَهُ، فيبعثهُ اللّهُ ما شاءَ أن يبعثَهُ من الليل، فيتسوَّكُ ويتوضّأُ ويُصَلّي تِسعَ ركعاتٍ، لا يجلسُ فيها إلا في الثامنةِ فيذكرُ اللّه، ويحمدُهُ، ويدعوهُ، ثم ينهضُ ولا يُسَلّمُ، ثم يقومُ فيصلي التاسعةَ. ثم يقعدُ فيذكرُ اللّه، ويحمدُهُ، ويدعوهُ، ثم يسلمُ تسليمًا يُسْمِعُنَا .. "، وهو حديث صحيح (٥).
следующие страницы →