← Фикх общий

Фикх общий · id 782

اللباب في فقه السنة والكتاب

محمد صبحي حلاق

Полный текст (548 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الفصل الثالث سجود الشكر يُسْتَحبُّ لمن وردت عليه نعمةٌ، أو دُفعَتْ عنه نقمةٌ، أو بُشِّرَ بما يَسُرُّه، أن يخرَّ ساجدًا لله تعالى؛ لحديث أبي بكرةَ: أن النبي ﷺ كان إذا أتاهُ أمرٌ يَسُرُّهُ، أو بُشِّرَ به خرَّ ساجدًا شكرًا لله تعالى، وهو حديث حسن (١). ولحديث عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: سجدَ النبي ﷺ فأطال السجود، ثم رفع رأسَهُ، فقال: "إن جبريلَ أتاني فبشَّرني، فسجدتُ لله شكرًا"، وهو حديث صحيح بطرقه وشواهده (٢). ولحديث البراء بن عازب ﵁: "أن النبي ﷺ بعثَ عليًّا إلى اليمن - فذكر الحديثَ - قال: فكتبَ علي بإسلامهم، فلمَّا قرأ رسولُ الله ﷺ الكتابَ خَرّ ساجدًا؛ شكرًا لله تعالى على ذلك"، وهو حديث صحيح (٣). أما حكم سجود الشكر فهو كحكم سجودِ التلاوة. * * *

стр. 177

الباب السابع باب صلاة الكسوف ١ - النداء لها: عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: "لَمَّا كُسِفَت الشمسُ على عهد النبي ﷺ نوديَ: إن الصلاة جامعةٌ، .. "، وهو حديث صحيح (١). ٢ - أصح ما ورد في صفتها ركعتان في كل ركعةٍ ركوعان: عن عائشة ﵂ قالت: خَسَفَت الشمسُ في حياة رسول الله ﷺ ، فخرج رسولُ الله ﷺ إلى المسجد، فقام فكبر وصفَّ الناسُ وراءَهُ، فقرأَ قراءةً طويلةً، ثم كبَّر فركع ركوعًا طويلًا، هو أدنى من القراءة الأولى، ثم رفع رأسه فقال: "سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمدُ"، ثم قام فقرأ قراءةً طويلة هي أدنى من القراءة الأولى، ثم كبَّرَ فركعَ ركوعًا هو أدنى من الركوع الأول، ثم قال: "سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمدُ" ثم هجد، ثم فعل في الركعة الأخرى مثلَ ذلك، حتى استكمل أربعَ ركعاتٍ، وأربع سجداتٍ، وانجلتِ الشمسُ قبل أن ينصرفَ. ثم قام فخطب الناسَ فأثنى على الله بما هو أهلُهُ، ثم قال: "إن الشمسَ والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفَان لَموت أحدٍ، ولا لحياته، فإذا رأيتمُوهُمَا، فافزعُوا إلى الصَّلاة"، وهو حديث صحيح (٢). وعن ابن عباس ﵄ قال: خسفت الشمس فصلَّى رسولُ الله ﷺ ، فقام قيامًا طويلًا نحوًا من سورة البقرة، ثم ركع ركوعًا طويلًا، ثم رفعَ فقام قيامًا طويلًا، وهو دون القيام الأول، ثم ركعَ ركوعًا طويلًا، وهو دون الركوع الأول، ثم سجد، ثم قامَ قيامًا طويلًا، وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلًا، وهو دون الركوع الأول، ثم رفعَ فقام قيامًا طويلًا، وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلًا، وهو دون الركوع الأول، ثم سجد، ثم انصرف وقد تجلَّت الشمسُ فقال: "إنَّ الشمسَ والقمرَ آيتان من آيات الله لا يُخْسَفَان لموت أحدٍ، ولا لحياتِهِ، فإذا رأيتمُ ذلك، فاذكروا الله"، وهو حديث صحيح (٣).

стр. 178

قال الشوكاني (١): "وقد اختلف العلماء في صفتها بعد الاتفاق على أنها سنةٌ غير واجبةٍ، كما حكاه النووي في شرح مسلم، والمهدي في البحر وغيرهما" (٢). ٣ - الجهر بالقراءة في صلاة الكسوف: عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ جَهَرَ في صلاة الخُسوف بقراءته، فصلَّى أربعَ ركعات في ركعتين، وأربعَ سجداتٍ. أخرجاه. وفي لفظٍ: "صلى صلاة الكسوف، فجهر بالقراءة فيها"، رواه الترمذي وصححه. وفي لفظٍ قال: "خسفت الشمسُ على عهد رسول الله ﷺ ، فأتى المصلَّى فكبر، فكبَّر الناسُ، ثم قرأ فجهرَ بالقراءة، وأطال القيام"، رواه أحمد (٣). ٤ - يُسَنُّ للإمام أن يخطُبَ بالناسِ بعد السلام من الصلاة: لحديث عائشةَ الصحيح المتقدم في البند رقم (٢). ٥ - الحثُّ على الصدقة والاستغفار والذِّكْرِ في الكسوف: عن أسماءَ بنتِ أبي بكر ﵂ قالت: لقد أمرَ رسول الله ﷺ بالعَتَاقةِ (٤) في كسوف الشمسِ"، وهو حديث صحيح (٥)، وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "إن الشمسَ والقمر آيتان من آيات الله، لا يخسفان لموت أحدٍ، ولا لحياته، فإذا رأيتمُ ذلكَ فادعُوا الله، وكبِّروا، وتصدَّقُوا، وصلَّوا"، وهو حديث صحيح (٦). وعن أبي موسى ﵁ قال: خسفت الشمسُ فقامَ النبي ﷺ فصلَّى وقال: "إذا رأيتم شيئًا من ذلك فافزعوا إلى ذكر الله، ودعائهِ، واستغفارهِ"، وهو حديث صحيح (٧).

стр. 179

٦ - يخرج وقتُ الصلاة بالتجلِّي: عن المغيرة بن شعبةَ ﵁ قال: انكسفت الشمسُ على عهد رسولِ الله ﷺ يومَ ماتَ إبراهيم، فقالَ الناسُ: انكسفتْ لموتِ إبراهيمَ، فقال النبي ﷺ : "إن الشمس والقمرَ آيتانِ من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتمُوها فادعوا الله تعَالى، وصلُّوا حتى ينجلي"، وهو حديث صحيح (١). * * *

стр. 180

الباب الثامن باب صلاة الاستسقاء أ - من أسباب حدوث الجدْب . عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "لم يُنْقِصْ قومٌ الميكالَ، والميزانَ، إلا أُخذِوا بالسِّنين، وشدةِ المؤْنَةِ، وجورِ السلطان عليهم، ولم يمنَعُوا زكاةَ أموالهم إلَّا مُنعوا القطرَ من السماء"، وهو حديث حسن (١). ب - أنواع استسقائه ﷺ -: الأول: خروجه إلى المصلى، وصلاتُهُ، وخطبتُه. الثاني: يوم الجمعة على المنبر أثناء الخطبة. الثالث: استسقاؤه على منبر المدينة، استسقى مجرَّدًا في غير يوم الجمعة ولم يُحْفظْ عنه فيه صلاةٌ. الرابع: أنه استسقى وهو جالس في المسجد، فرفع يديه، ودعا الله . الخاص: أنه استسقى عندَ أحجارِ الزيت، قريبًا من الزوراءِ، وهي خارجُ باب المسجد. السادس: أنه استسقى في بعض غزواته لما سبقه المشركونَ إلى الماء، وأغيثَ ﷺ في كل مرة استسقى فيها (٢). • دليل النوع الأول: حديث ابن عباس ﵄ قال: خرج رسولُ الله ﷺ متواضعًا متبذلًا، متخشعًا، مترسِّلًا، متضرعًا، فصلَّى ركعتين كما يصلِّي في العيد" لم يخطبْ خطبتكم هذه، وهو حديث حسن (٣).

стр. 181

• ودليل النوع الثاني: حديث أنس بن مالك ﵁ أن رجلًا دخل المسجدَ يومَ جُمعة من باب كان نحو دار القضاءِ، ورسولُ الله ﷺ قائمٌ يخطبُ، فاستقبل رسولَ الله ﷺ قائمًا، ثم قال: يا رسولَ الله هلكت الأموالُ، وانقطعت السُّبُلُ، فادعُ اللهَ يُغِثنا. قال: فرفعَ رسولُ الله ﷺ يديهِ، ثم قال: "اللهمّ أغثنا، اللهم أغثنا"، وهو حديث صحيح (١). • ودليل النوع الثالث: حديث شُرحبيلَ بنِ السِّمط، أنه قالَ لكعب: يا كعب بنَ مُرَّةَ حدثنَا عن رسول الله ﷺ ، واحذَرْ، قالَ: جاءَ رجلٌ إلى النبي ﷺ فقال: يا رسولَ الله! استسْقِ اللهَ، فرفَعَ رسولُ الله ﷺ يديه، فقال: "اللهمَّ اسقنا غيثًا مَرِيئًا (٢) مريعًا (٣) طَبقًا (٤)، عاجلًا غيرَ رائثٍ (٥)، نَافعًا غيرَ ضارٍّ" قال: فما جمَّعوا (٦) حتى أُحيُوا، مريعا … قال: فأتَوْهُ فشكوْ إليه المطرَ فقالوا: يا رسول الله، تهدَّمتِ البيوتُ، فقالَ: "اللهم حوالينا ولا عَلَيْنَا" قال: فجعلَ السَّحَابُ ينقطعُ يمينًا وشمالًا، وهو حديث صحيح (٧). • ودليل النوع الرابع: حديث جابر بن عبد الله ﵁، قال: أتت النبيَّ ﷺ بواكي فقال: "اللهم اسقنَا غيثًا مُغيثًا، مَرِيئًا، مريعًا، نافعًا غير ضار، عاجلًا غير آجل" قال: فأطبقت عليهم السماءُ، وهو حديث صحيح (٨). • ودليل النوع الخامس: حديث عمير مولى بني آبي اللحمِ: أنه ﷺ استسقى عندَ أحجار الزيت بالدعاء، وهو حديث صحيح (٩).

стр. 182

• ودليل النوع السادس: ما ذكره ابن القيم الجوزية (١): أنه ﷺ استسقى في بعض غزواته لما سبقه المشركون إلى الماء، فأصاب المسلمين العطشُ، فشكوا إلى رسول الله ﷺ ، وقال بعض المنافقين: لو كان نبيًّا، لاستسقى لقومه، كما استسقى موسى لقومه، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: "أوقد قالوها؟ عسى ربكم أن يسقيكم"، ثم بسط يديه، ودعا، فما ردَّ يديه من دعائِهِ حتى أظلَّهُمُ الستَحَابُ، وأمطروا فأعمَّ السيلُ الوادي، فشربَ الناسُ فارتَوَوْا. جـ - يُسنَّ رفعُ الأيدي بالدعاء عند طلب السُّقْيَا: عن أنس ﵁ قال: كان النبي ﷺ لا يرفعُ يديه في شيءٍ من دعائه إلا في الاستسقاء؛ فإنه كان يرفعُ يديه حتى يرى بياضُ إبْطَيْهِ، وهو حديث صحيح (٢). د - على أي شيء تتضمن الخطبةُ: تتضمن الذِّكْرَ، والترغيبَ في الطاعة، والزَّجرَ عن المعصية، ويستكثر الإمامُ ومن معه من الاستغفار والدُّعاءِ برفع الجدب. لحديث أبي إسحاق السبيعي الذي أخرجه البخاري (٣). وحديث ابن مسعود الذي أخرجه البخاري (٤)، ومسلم. وحديث أنس الذي أخرجه البخاري، ومسلم (٥). هـ - تحويل رداء الإمام حين استقبالِ القبلة: عن عبد الله بن زيد ﵁ قال: رأيتُ النَّبيَّ ﷺ يومَ خرجَ يستسقي قالَ: فحوَّلَ إلى الناس ظهرَهُ، واستقبلَ القبلةَ يدعُو، ثم حوَّلَ رداءَهُ، ثم صلّى ركعتين جهر فيهما بالقراءة، وهو حديث صحيح (٦). * * *

стр. 183

الباب التاسع صلاة المسافر ١ - وجوبُ القصر في السفر: لحديث عائشة ﵂ قالت: "فُرضت الصلاةُ ركعتين، ثم هاجَرَ النبي ﷺ ففُرِضَتْ أربعًا، تركت صلاة السفر على الأولى"، وهو حديث صحيح (١). ولحديث يعلى بن أمية قال: قلتُ لعمرَ بن الخطاب: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١] فقد أمِنَ الناسُ فقال: عجبتُ مما عجِبتَ منه، فسألت رسولَ - الله ﷺ عن ذلك، فقال: "صدقة تصدَّقَ اللهُ بها عليكم، فاقبلوا صَدَقَتهُ"، وهو حديث صحيح (٢). ولحديث ابن عمر قال: صحبت النبي ﷺ ، وكان لا يزيدُ في السفرِ على ركعتينِ، وأبا بكرٍ وعمرَ وعثمانَ كذلك، وهو حديث صحيح (٣). قال الشوكاني (٤): "والظاهر من الأدلة في القصر والإفطارِ، عدمُ الفرق بين مَنْ سفره في طاعةٍ، ومن سفره في معصية، لا سيما القصر، لأن صلاة المسافر شرعها الله كذلك، فكما أن الله شرع للمقيم صلاة التمام من غير فرقٍ بين من كان مطيعًا، ومن كان عاصيًا بلا خلاف، كذلك شرع للمسافر ركعتين من غير فرق، وأدلةُ القصرِ متناولة للعاصي تناولًا زائدًا على تناول أدلة الإفطار له، لأن القصر عزيمة، وهي لم تشرع للمطيع دون العاصي، بل مشروعة لهما جميعًا بخلاف الإفطار، فإنه رخصةً للمسافر، والرخصةُ تكون لهذا دون هذا في الأصل، وإن كانت هنا عامةً، وإنما المراد بطلانُ القياس " ا هـ.

стр. 184

٢ - مسافة القصْر: قال ابن القيم الجوزية (١): "ولم يحد لأمتِه مسافةً محدودة للقصر والفطر، بل أطلقَ لهم ذلك في مُطلق السفر والضرب في الأرض، كما أطلق لهم التيممَ في كل سفر، وأما ما يُروى عنه من التحديد باليوم أو اليومين أو الثلاثةِ، فلم يصح عنه منها شيءٌ البتة، واللّه أعلم" اهـ. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "كل اسم ليس له حدٌّ في اللغة، ولا في الشرع؛ فالمرجعُ فيه إلى العُرْف، فما كان سفرًا في عُرف الناس؛ فهو السفرُ الذي علق به الشارعُ الحكمَ" اهـ. وقال المحدث الألباني (٢) ﵀: "وقد اختلف العلماء في المسافة التي تُقصَر فيها الصلاة اختلافًا كثيرًا جدًّا، على نحو عشرين قولًا، وما ذكرناه عن ابن تيمية، وابن القيم أقربُها إلى الصواب، وأليقُ بيُسْر الإسلام؛ فإنَّ تكليفَ الناس بالقصرِ في سَفَر محدود بيوم، أو بثلاثةِ أيام، وغيرها من التحديدات يستلزمُ تكليفهم بمعرفة مسافات الطرقِ التي قد يطرقونها، وهذا مما لا يستطيعه أكثر الناس، لا سيما إذا كانت مما لم تُطْرَق من قبل! ". وفي الحديث فائدة أخرى، وهي أن القصرَ مبدؤُه من بعد الخروج من البلدةِ، وهو مذهب الجمهور من العلماء؛ كما في "نيل الأوطار" (٣/ ٨٣)، قال: "وذهب بعض الكوفيين إلى أنه إذا أراد السفر يصلِّي ركعتين، ولو كان في منزله؛ ومنهم من قال: إذا رَكِبَ قَصَر إنْ شاء، ورجح ابن المنذر الأول بأنهم اتفقوا على أنّه يَقصرُ إذا فارقَ البيوت، واختلفُوا فيما قبلَ ذلك؛ فعليه الإتمامُ على أصل ما كان عليه، حتى يثبُتَ أنّ له القصرَ" قال: "ولا أعلم النبي ﷺ قصر في سفر من أسفاره، إلا بعد خروجه من المدينة". قلت: - القائل الشيخ الألباني ﵀ والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وقد خرجتُ طائفة منها في "الإرواء" من حديث أِنس، وأبي هريرة، وابن عباس وغيرهم، فانظر: رقم (٥٦٢).

стр. 185

وعن شعبة عن يحيى بن يزيد الهنائي قال: سألتُ أنسًا ﵁ عن قصر الصلاةِ فقال: كان رسول الله ﷺ إذا خرج مسيرةَ ثلاثةِ أميالٍ، أو ثلاثةِ فراسخَ، صلَّى ركعتين، (شعبة الشاكُّ)، وهو حديث صحيح. قال المحدث الألباني ﵀ في "الصحيحة" (١/ ٣٠٧، ٣٠٨): "يدل هذا الحديثُ على أن المسافر إذا سافر مسافة ثلاثة فراسخَ (والفرسخُ نحوُ ثماني كيلومترات) جاز له القصرُ. وقد قال الخطابي في "معالم السن" (٢/ ٤٩): "إن ثبتَ الحديث؛ كانتِ الثلاثة الفراسخ حدًّا فيما يقصرُ إليه الصلاةُ، إلَّا أني لا أعرف أحدًا من الفقهاء يقول به". وفي هذا الكلام نظر من وجوه: الأول: أن الحديث ثابت، وحسبك أن مسلمًا أخرجه ولم يضعفه غيره. الثاني: أنه لا يضرُّ الحديثَ، ولا يمنعُ العملَ به عدمُ العلم بمن قال به من الفقهاء، لأن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود. الثالث: أنه قال به راويه أنس بن مالك ﵁ وأفتى به يحيى بن يزيد الهنائي راويه عنه كما تقدم .. "اهـ. قال الحافظ (١): "وهو أصحُّ حديث ورد في ذلك وأخرجُهُ، وقد حمله مَن خالفه على أن المراد المسافةُ التي يبتدأ منها القصرُ لا غايةُ السفرِ، ولا يخفى بُعْدُ هذا الحمل .. " اهـ. ٣ - من أقام لقضاء حاجته، ولم يُجمعْ إقامته يقصرُ إلى عشرين يومًا: لحديث جابر ﵁ قال: أقامَ النبي ﷺ بتبوكَ عشرين يومًا يقصر الصلاةَ وهو حديث صحيح (٢). وإذا عزم الإقامة أتمَّ بعد تسعةَ عشر يومًا. لحديث ابن عباس ﵄ قال: لما فتحَ النبي ﷺ مكةَ؛ أقام فيها تسعَ عشرةَ يُصلِّي

стр. 186

ركعتين، قالَ: فنحن إذا سافرنا فأقمنا تسع عشرة قصرنا، وإن زدنا أتممنا، وهو حديث صحيح (١). ٤ - صلاة التطوع في السفر: قال ابن القيم الجوزية (٢): "وكان من هديه ﷺ في سفره الاقتصارُ على الفرضِ، ولم يُحْفَظْ عنه ﷺ أنه صلَّى سُنةَ الصلاةِ قبلها ولا بعدَها، إلا ما كان من الوتر، وسنةِ الفجرِ، فإنه لم يكن ليدعَها حَضَرًا، ولا سفرًا" اهـ. قال ابن عمر، وقد سئل عن ذلك: فقال: صحبت رسول الله ﷺ في السفر، فلم يزد على ركعتين، حتى قبضه الله، وصحبت أبا بكر فلم يزدْ على ركعتين، حتى قبضهُ اللّهُ، وصحبتُ عمرَ فلم يزد على ركعتين، حتى قبضه الله. ثم صحبتُ عثمان، فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وقد قال الله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، وهو حديث صحيح (٣). ثم قال ابن القيم: "وإلَّا فقد صح عنه ﷺ ، أنه كان يُسبح على ظهرِ راحلته حيث كان وجهه" اهـ. عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ ، كان يُصلي سبحتهُ، حيثما توجَّهت به ناقته، وهو حديث صحيح (٤). ٥ - السفرُ يوم الجمعة: قال الشيخ الألباني ﵀ (٥): "وليس في السُّنَّةِ ما يمنع من السفر يوم الجمعة مطلقًا، بل رُوي عنه ﷺ أنه سافر يومَ الجمعة من أول النهار، ولكنه ضعيف؛ لإرساله" ا هـ. عن الأسود بن قيس عن أبيه قال: أبصر عمر بن الخطاب ﵁ رجلًا عليه هيئة

стр. 187

السفر، فسمعه يقول: لولا أن اليومَ يوم جمعةٍ لخرجتُ، قال عمر ﵁: اخْرُجْ؛ فإنَّ الجمعةَ لا تحبِسُ عن السفر، وهو أثر صحيح الإسناد (١). قال الألباني (٢) ﵀ " … وحديثُ الزهري (٣) مرسلٌ، ومعناه صحيحٌ ما لم يَسْمَع النداءَ، فإذا سمعه وجب عليه الحضور، والله أعلم" اهـ. ٦ - الجمعُ بين الصلاتين في السفر: عن أنس ﵁ قال: كان رسولُ الله ﷺ إذا رحلَ قبل أن تزيغَ الشمسُ أخرَ الظهرَ إلى وقت العصر، ثم نزل يجمعُ بينهما، فإن زاغتْ قبلَ أن يرتحل صلّى الظهرَ، ثم ركب، وهو حديث صحيح (٤). وعن معاذ ﵁: "أنَّ النبي ﷺ كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبلَ أن تزيغَ الشمسُ أخَّر الظهر حتى يجمعها إلى العصر يصلِّيهما جميعًا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهرَ والعصرَ جميعًا ثم سارَ، وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخَّرَ المغربَ حتى يُصلِّيها مع العشاء، وإذا ارتحلَ بعد المغربِ عجَّلَ العشاءَ فصلَّاها مع المغرب"، وهو حديث صحيح (٥). ٧ - الجمع بين الصلاتين في الحضَرِ: قال الإمام النووي (٦): "وذهب جماعةٌ من الأئمة إلى جواز الجمع في الحضر؛ للحاجة لمن لا يتخذُه عادةً، وهو قول ابن سيرين، وأشهبَ من أصحاب مالك، وحكاه الخطابي عن القفال الشاشي الكبير من أصحاب الشافعي، عن إسحاق المروزي، عن جماعة من أصحاب الحديث، واختاره ابن المنذر" اهـ. ويؤيد هذا المذهب، ظاهرُ قولِ ابن عباس ﵄ عند مسلم في صحيحه رقم (٥٠/ ٧٠٥)، قال: "صلى رسول الله ﷺ الظهرَ والعصرَ جميعًا بالمدينة من غير

стр. 188

خوف، ولا سفرٍ، قال أبو الزبير: فسألت سعيدًا: "لِمَ فعلَ ذلك؟ فقال: سألت ابن عباس كما سألتني قال: أراد ألَّا يحرجَ أحدًا من أمته"، وهو حديث صحيح. وفي لفظ آخر لمسلم في صحيحه رقم (٥٤/ ٧٠٥): "جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، بالمدينة في غير خوف، ولا مطر، (في حديث أبي كريب) قال: قلت لابن عباس. لِمَ فعلَ ذلك؟ قال: كي لا يُحْرِجَ أَمَّتهُ"، وهو حديث صحيح. ومما تقدم يظهر أنَّ جوازَ الجمع للحاجة متوجِّهٌ في المسألة لما أفاده ظاهرُ حديث ابن عباس: "أراد ألَّا يحرج أمتهُ"؛ إذ لم يعلل الجمع بمرضٍ، ولا غيره، وإنما عللهُ بدفع الحرج الذي هو الضيقُ والمشقة، وما دام الأمر كذلك فإنه يستقر به جوازُ الجمع للحاجة. ٨ - الجمع بأذان وإقامتين من عير تطوع بينهما: عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ صلى الصلاتين بعرفة بأذانٍ واحدٍ وإقامتين وأتى المزدلفة فصلَّى بها المغربَ والعشاءَ بأذان واحد وإقامتين، ولم يُسَبِّحْ بينَهما، ثم اضطجع حتى طلع الفجرُ، وهو حديث صحيح (١). * * *

стр. 189

الباب العاشر باب صلاة العيدين ١ - حكم صلاة العيدين: صلاة العيد واجبةٌ، لأنه ﷺ مع ملازمته لها قد أمر بالخروج إليها: عن أم عطية ﵂ قالت: أمرنا رسولُ الله ﷺ أن نخرجهنَّ في الفطر والأضحى، العواتقَ، والحيضَ، وذوات الخدور، فأما الحيض فيعتزلنَ الصلاةَ - وفي لفظ: المصلَّى - ويشهدنَ الخيرَ، ودعوةَ المسلمين. قلت: يا رسولَ الله، إحدانا لا يكون لها جلبابٌ، قال: "لِتُلْبسها أختُها من جلبابِهَا"، وهو حديث صحيح (١). ٢ - وقتُ صلاة العيد: عن عبد الله بن بُسْرٍ - صاحب رسول الله ﷺ -: "أنه خرجَ مع الناس يوم عيد فطرٍ أو أضحى، فأنكرَ إبطاءَ الإمام، وقال: إنا كُنَّا قد فرغنا ساعتنا هذه، وذلكَ حين التسبيح" (٢)، وهو حديث صحيح (٣). والحديث يدل على أن وقتها يبدأ بعد طلوع الشمس، ويدلُّ كذلك على استحباب التبكير إليها، وكراهةِ تأخيرها زائدًا على المعتاد. ٣ - لا أذان ولا إقامة للعيدين، وكذلك ولا نداءَ: الصلاةُ جامعة: عن ابن عباس ﵄، وعن جابر بن عبد الله الأنصاري قالا: لم يكن يُؤَذنُ يومَ الفطر، ولا يومَ الأضحى، ثم سألته بعد حين عن ذلك؟ فأخبرني قال: أخبرني جابر بن عبد الله الأنصاري، أنْ لا أذانَ للصلاة يومَ الفطر، حين يخرجُ الإمام، ولا بعد ما يخرج، ولا إقامة ولا نداءَ ولا شيءَ، لا نداءَ يومئذٍ ولا إقامةَ، وهو حديث صحيح (٤).

стр. 190

٤ - عدد ركعات صلاة العيدين وتكبيراتها: صلاة العيد ركعتانِ، يكبر في الركعة الأولى سبع تكبيرات قبل القراءة، ويكبر في الركعة الثانية خمسَ تكبيرات غير تكبيرة الانتقال قبل القراءة. "يسكت بين كل تكبيرتين سكتة يسيرةً، ولم يحفظ عنه ذِكر معين بين التكبيرات، إلا أن البيهقي (١)، ذكر عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: يحمدُ الله ويثني عليه، ويصلِّي على النبي ﷺ ، ذكره الخلال، وكان ابن عمر - مع تحرِّيه للاتباع - يرفع يديه مع كل تكبيرةٍ" (٢). عن ابن عباس: "أن النبي ﷺ صلَّى يوم الفطر ركعتين، لم يُصلِّ قبلها ولا بعدها، ثم أتى النساءَ ومعه بلالٌ، فأمُرهنَّ بالصدقة، فجعلنَ يُلْقِينَ، تلقي المرأةُ خرْصَها وسخابَها"، وهو حديث صحيح (٣). عن عائشة ﵂: "أن رسول الله ﷺ كان يكبِّر من الفطر والأضحى في الأولى سبعَ تكبيراتٍ، ومن الثانية خمسًا، سوى تكبيرتي الركوع"، وهو حديث حسن (٤). عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال النبي ﷺ : "التكبير في الفطر سبع في الأولى، وخمسٌ من الآخرة، والقراءةُ بعدهما كلتيهما"، وهو حديث حسن (٥). ٥ - القراءة في صلاة العيدين: عن عُبَيْدِ الله بن عبد الله بن عتبةَ، عن أبي واقد الليثي، قال: سألني عمر بن الخطاب عما قرأ به رسول الله ﷺ في يوم العيد؟ فقلت: بـ ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ و ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾، وهو حديث صحيح (٦). عن النعمان بن بشير ﵁، قال: "كان رسول الله ﷺ يقرأ في العيدين وفي الجمعة بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ قال: وإذا اجتمع العيدُ والجمعة في يوم واحد؛ يقرأ بهما أيضًا في الصلاتين"، وهو حديث صحيح (٧).

стр. 191

٦ - الخطبة بعد صلاة العيد: عن ابن عباس ﵄، قال: "شهدتُ العيد مع رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وعمر، وعثمانَ ﵃، فكلُّهم كانوا يصلُّون قبل الخُطبةِ"، وهو حديث صحيح (١). وعن ابن عمر ﵄ قال: "كان رسول الله ﷺ ، وأبو بكر وعمر ﵄ يصلون العيدين قبل الخطبة"، وهو حديث صحيح (٢). ٧ - إذا اجتمع العيد والجمعة: إذا اجتمع العيدُ والجمعةُ، فمن صلَّى العيد، سقطَ عنه وجوبُ الجمعة، ويصلِّي مكانها صلاةَ الظهر وحدانًا. عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله، ﷺ أنه قال: "قد اجتمعَ في يومِكُم هذا عيدان: فمن شاء، أجزأه من الجمعة، وإنّا مُجْمعُونَ"، وهو حديث حسن (٣). وعن عطاء بن أبي رباح، قال: "صلى بنا ابن الزبير في يوم عيد من يوم جمعة، أول النهار، ثم رحنا إلى الجمعة، فلم يخرج إلينا، فصلينا وحدانًا، وكان ابن عباس بالطائف، فلما قدم؛ ذكرنا ذلك له، فقال: أصاب السُّنَّةَ"، وهو حديث صحيح (٤). ٨ - إذا فاته العيد يصلي ركعتين: عن عبيد الله بن أبي بكر بن أنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ قال: "كان أنس إذا فاتتهُ صلاةُ العيد مع الإمام، جمعَ أهلَهُ فصلَّى بهم مثلَ صلاةِ الإمام في العيد"، وهو حسن لغيره (٥). وقال ابن المنذر (٦): "ومن فاتته صلاةُ العيد، صلَّى ركعتين كصلاة الإمام" اهـ.

стр. 192

٩ - إذا لم يعلم بالعيدِ إلا بعد الزوال، خُرِجَ للعيد من الغدِ: عن أبي عمير بن أنس، عن عمومةٍ له من أصحاب رسول الله ﷺ : أن ركْبًا جاؤوا إلى النبي ﷺ يشهدُون أنهم رأوا الهلال بالأمسِ، فأمرهم أن يُفْطِروا، وإذا أصبحوا أن يَغْدُوا إلى مُصَلَّاهم"، وهو حديث صحيح (١). وقال ابن المنذر (٢): "إذا لم يعلموا بعيدهم إلا بعدَ الزوال، خرجُوا من الغد، وصلَّوا صلاةَ العيد" اهـ. ١٠ - ما يُسْتَحَبُّ يومَ العيد: أ - التجمل ولبسُ أحسنِ الثياب: عن عبد الله بن عمر قال: "أخذ عمرُ جُبَّةً من إستبرق تُباع في السُّوقِ، فأخذها، فأتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، ابتعْ هذه، تجمَّلْ بها للعيد والوفود، فقال له رسول الله ﷺ : "إنما هذه لباسُ من لا خلاق (٣) له"، وهو حديث صحيح (٤). ب - الخروج إلى خارج البلد: عن أبي سعيد ﵁ قال: "كان رسولُ الله ﷺ يخرجُ يومَ الفطر والأضحى إلى المصلَّى، فأولُ شيءٍ يبدأ به الصلاةَ، ثم ينصرفُ، فيقومُ مقابلَ الناسِ - والناسُ جُلوسٌ على صفوفهم - فيعظهم، ويوصيهم ويأمُرهم، فإن كان يريدُ أن يقطع بعثًا، أو يأمرَ بشيءٍ أمرَ به، ثم ينصرفُ"، وهو حديث صحيح (٥). جـ - مخالفةُ الطريق: عن جابر ﵁ قال: "كان النبي ﷺ إذا كان يومُ عيد خالف الطريقَ"، وهو حديث صحيح (٦).

стр. 193

د - الأكل قبل الخروج في الفطرِ دون الأضحى: عن أنس ﵁ قال: "كان رسولُ اللهِ ﷺ لا يغدو يومَ الفطر حتى يأكلَ تمراتٍ"، وهو حديث صحيح (١). وعن بريدة ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ لا يخرجُ يومَ الفطْرِ حتَّى يَطْعَمَ، ولا يطعمُ يومَ الأضحى حتى يصلِّيَ"، وهو حديث حسن (٢). هـ - التكبير في أيام العيدين: قال تعالى في سورة البقرة الآية (١٨٥): ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، وذلك في الفطر، وقال تعالى في سورة البقرة الآية (٢٠٣): ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾، وقال تعالى في سورة الحج الآية (٣٧): ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾، وذلك في الأضحى. ووقته في الفطر من حين يخرجُ إلى المصلَّى حتى يصلّي: عن الزهري: "أن رسول الله ﷺ كان يخرج يومَ الفطر، فيكبر حتى يأتي المصلَّى، وحتى يقضيَ الصلاةَ، فإذا قضى الصلاة قطعَ التكبير"، إسناده صحيح مرسلًا (٣). وعن عبد الله بن عمر: "أن رسول الله ﷺ كان يخرجُ في العيدين مع الفضل بن عباس، وعبد الله بن عباس، وعلي، وجعفر، والحسن، والحسين، وأسامة بن زيد، وزيد بن حارثة، وأيمن بن أم أيمن ﵂ رافعًا صوته بالتهليل والتكبير، فيأخذُ طريقَ الحذائينَ حتى يأتي المصلَّى، وإذا فرغ رجعَ على الحذائينَ حتى يأتي منزلَهُ"، وهو حديث صحيح (٤). ووقت التكبير في الأضحى من صبح يوم عرفة إلى عصرِ آخرِ أيام التشريق:

стр. 194

قال الألباني (١): "وقد صحَّ عن علي ﵁: "أنه كان يكبر بعد صلاة الفجر يوم عرفة، إلى صلاة العصرِ من آخر أيام التشريقِ، ويكبر بعد العصر". رواه ابن أبي شيبة (٢/ ١٦٥) من طريقين، أحدهما جيدٌ، ومن هذا الوجه رواه البيهقي (٣/ ٣١٤) ثم روي مثله عن ابن عباس، وسنده صحيح، وروى الحاكم (١/ ٣٠٠) عنه، وعن ابن مسعود مثله" اهـ. وأما صيغة التكبير فالأمر فيها واسع. قال الألباني (٢): "وقد ثبت تشفيعُ التكبير عن ابن مسعود ﵁: "أنه كان يكبر أيام التشريق: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد". أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ١٦٧)، وإسناده صحيح، ولكنه ذكره في مكان آخر بالسند نفسه بتثليث التكبير، وكذلك رواه البيهقي (٣/ ٣١٥) عن يحيى بن سعيد عن الحكم، (وهو ابن فروح أبو بكار)، عن عكرمة عن ابن عباس بتثليث التكبير، وسنده صحيح أيضًا .. " اهـ. * * *

стр. 195

الباب الحادي عشر صلاة الخوف قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]. أنواع صلاة الخوف: الأول: صلاة الإمام بكل طائفة ركعتين بسلام: لحديث جابر وفيه: "قال: فنودي بالصلاة، فصلَّى بطائفة ركعتين، ثم تأخروا، وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، قال: فكانت لرسول الله ﷺ أربعَ ركعاتٍ، وللقوم ركعتانِ"، وهو حديث صحيح (١). الثاني: اشتراك الطائفتين مع الإمام، وتقدُّمُ الثانية، وتأخُر الأولى، والسلامُ جميعًا: عن جابر بن عبد الله، قال: شهدت مع رسول الله ﷺ صلاةَ الخوف، فصَفَّنَا صَفَّيْنِ: صف خلف رسول الله ﷺ والعدوُّ بيننا وبين القبلة، فكبر النبي ﷺ وكبَّرنا جميعًا، ثم ركع وركعنا جميعًا، ثم رفعَ رأسَهُ من الركوع ورفعنا جميعًا، ثم انحدر بالسجود والصفُّ الذي يليه، وقام الصفُّ المؤخَّرُ في نحر العدوِّ، فلما قضى النبي ﷺ السجودَ، وقامَ الصفُّ الذي يليه، انحدرَ الصفُّ المؤخَّرُ بالسجودِ وقاموا، ثم تقدمَ الصفُّ المؤخرُ، وتأخر الصفُّ المقدمُ، ثم ركع النبي ﷺ وركعنا جميعًا، ثم رفع رأسَهُ من الركوع ورفعنَا جميعًا، ثم انحدرَ بالسجود والصفُّ الذي يليه الذي كان مؤخرًا في الركعة الأولى، وقام الصفُّ المؤخرُ في نحور العدوّ، فلما قضى النبي ﷺ السجودَ والصفُّ الذي يليه، انحدرَ الصفُّ المؤخَّرُ بالسجود، فسجدوا ثم سلَّم النبي ﷺ وسلَّمنا جميعًا، قال جابر: كما يصنعُ حرسكم هؤلاءِ بأمرائهم (٢).

стр. 196

الثالث: صلاة الإمام بكل طائفة ركعةً، وقضاءُ كلِّ طائفةٍ ركعةً: عن ابن عمر ﵄ قال: صلَّى رسول الله ﷺ صلاةَ الخوفِ، بإحدى الطائفتين ركعةً والطائفة الأخرى مواجهةٌ العدوَّ، ثم انصرفوا، وقامُوا في مقام أصحابهم مقبلينَ على العدو، وجاءَ أولئكَ، ثم صلَّى بهم النبي ﷺ ركعةً، ثم سلَّم النبي ﷺ ، ثم قضى هؤلاء ركعةً، وهؤلاء ركعةً" (١). الرابع: اشتراكُ الطائفتين مع الإمام في القيام والسلام: عن مروانَ بن الحكم أنه سأل أبا هريرة: هَلْ صليتَ مع رسولِ الله ﷺ صلاةَ الخوف؟ فقال أبو هريرة ﵁: نعم، قال: متى؟ قال: عام غزوة نجد، قام رسول الله ﷺ لصلاة العصر، وقامت معه طائفة، وطائفة أخرى مقابل العدوَّ، وظهورُهم إلى القبلة، فكبرَ رسولُ الله ﷺ فكبروا جميعًا الذين معه والذين يقابلون العدوَّ، ثم ركع رسول الله ﷺ ركعةً وَاحدةً، وركعتْ معه الطائفة التي تليه، ثم سجدَ وسجدت الطائفة التي تليه، والآخرونَ قيامٌ مقابل العدوِّ، ثم قام رسول الله ﷺ وقامت الطائفة التي معه فذهبوا إلى العدو فقابلوهم، وأقبلت الطائفةُ التي كانت مقابل العدوِّ فركعوا وسجدوا ورسول الله ﷺ قائم كما هو، ثم قاموا فركع رسول الله ﷺ ركعةً أخرى، وركعوا معه، وسجدَ وسجدوا معه، ثم أقبلت الطائفةُ التي كانت مقابل العدوِّ فركعوا وسجدوا ورسولُ الله ﷺ قاعدٌ ومن معه، ثم كان السلام فسلَّم رسول الله ﷺ وسلَّموا جميعَّا فكان لرسول الله ﷺ ركعتان ولكلِّ رجلٍ من الطائفتين ركعتان ركعتانِ، وهو حديث صحيح (٢). الخامس: صلاة الإمام بكل طائفة ركعةً، وانتظاره لقضاء كلِّ طائفة ركعةً: عن صالح بن خواتٍ، عمن صلَّى معَ رسول الله ﷺ يومَ ذات الرقاع (٣)، صلاةَ الخوفِ: "أن طائفةً صلَّتْ معه (٤) وطائفة وُجَاهَ العدوِّ، فصلى بالذين معه ركعةً ثم ثبتَ

стр. 197

قائمًا وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا فصلُّوا وُجَاهَ العدو، وجاءت الطائفةُ الأخرى فصلّى بهم الركعة التي بقيتْ، ثم ثبت جالسًا، وأتموا لأنفسهم ثم سلَّم بهم"، وهو حديث صحيح (١). قلت: كل الأنواع مجزئة؛ لأنها وردت في أنحاء كثيرة، وكلُّ نحو روي عن النبي ﷺ فهو جائز يفعلُ الإنسان ما هو أخفُّ عليه، وأوفقُ بالمصلحةِ حالتئذٍ، وإذا اشتد الخوفُ، والتحمَ القتالُ، صلَّاها الراكبُ والرَّاجلُ ولو إلى غير القبلةِ، ولو بالإيماء. لحديث ابن عمر ﵄ في تفسير سورة البقرة بلفظ "فإن كان خوفٌ هو أشدُّ من ذلك، صلُّوا رجالًا قيامًا على أقدامِهم، أو ركبانًا مستقبلي القبلة، أو غير مستقبليها" (٢). * * *

стр. 198

الباب الثاني عشر صلاة الجمعة ١ - تجب صلاة الجمعة على كل مكلف إلَّا المرأةَ، والعبدَ، والمسافر، والمريضَ: قال تعالى في سورة الجمعة الآية (٩): ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. عن طارق بن شهاب أنَّ رسول الله ﷺ قال: "الجمعةُ حقٌّ واجبٌ على كلِّ مسلمٍ في جماعةٍ، إلا أربعةً: مملوكٌ، وامرأةٌ، وصبي، ومريض" (١). وعن حفصة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "رَوَاحُ الجمعةِ واجبٌ على كل محتَلمِ"، وهو حديث صحيح (٢). ٢ - المحافظة طى صلاة الجمعة والتبكير إليها: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من اغتسلَ يومَ الجمعة غُسْلَ الجنابةِ، ثم راحَ فكأنما قرَّبَ بَدَنَةً، ومن راحَ في الساعةٍ الثانية فكأنما قرَّبَ بقرةً، ومن راحَ في الساعةٍ الثالثة فكأنما قرَّبَ كبشًا أقرنَ، ومن راحَ في السَاعة الرابعة فكأنما قرَّبَ دجاجةً، ومن راحَ في الساعة الخامسةِ فكأنما قرَّبَ بيضةً، فإذا خَرج الإمَام حضرت الملائكة يستمعونَ الذِّكْرَ"، وهَو حديث صحيح (٣). وعن سلمان الفارسي ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "لا يغتسلُ رجلٌ يوم الجمعة ويتطهرُ بما استطاعَ من طُهْرٍ، وَيَدَّهنُ من دهنِهِ، أو يمسُّ مِنْ طيبِ بيته، ثم يروحُ إلى

стр. 199

المسجد، ولا يفرقُ بين اثنين، ثم يُصلِّي ما كُتِبَ لَهُ، ثم ينصتُ للإمامِ إذا تكلَّمَ إلَّا غُفِرَ لَهُ ما بين الجمعة إلى الجمعة الأخرى"، وهو حديث صحيح (١). وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "من اغتسل، ثم أتى الجمعةَ فصلَّى ما قُدِّر لَهُ، ثم أنصتَ حتى يَفْرغُ من خطبته، ثم يصلِّي معه، غُفرَ لَهُ ما بينه وبين الجمعةِ الأخرى، وفضلُ ثلاثةٍ أيام"، وهو حديث صحيح (٢). ٣ - التحذير من التهاون بصلاة الجمعة: عن عبد اللّه بن مسعود ﵄ أن النبي ﷺ قال لقوم يتخلَّفُونَ عن الجمعة: "لقد همَمْتُ أن آمرَ رجلًا يصلِّي بالناس، ثم أحرِّقَ على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم"، وهو حديث صحيح (٣). وعن عبد اللّه بن عمر، وأبي هريرة، أنهما سمعا رسولَ اللّه ﷺ يقول على أعواد منبره: "لينتهين أقوامٌ عن وَدْعِهمُ الجمعات، أو ليختمنَّ اللهُ على قلوبهم، ثم ليكونُنَّ من الغافلين"، وهو حديث صحيح (٤). وعن أبي الجعد الضمري وله صحبة أن رسولَ اللّه ﷺ قال: "من تَركَ ثلاثَ جُمَع تهاونًا طبع الله على قلبه"، وهو حديث صحيح (٥). ٤ - وقتُ صلاةِ الجمعة وقتُ الظهر: لكونها بدلًا عنه، وقد ورد ما يدلُّ على أنها تجزئ قبلَ الزوال: عن سلمةَ بن الأكوع ﵁ قال: "كُنَّا نُصَلِّي معَ النبي ﷺ الجمعةَ، ثم ننصرف وليس للحيطان ظلٌّ نستظل فيه"، وهو حديث صحيح (٦). وعن أنس ﵁ قال: "كُنَّا نبكرُ بالجمعةِ، ونقيلُ بعدَ الجمعة"، وهو حديث صحيح (٧).

стр. 200

وعن سهل بن سعد قال: ما كنا نقيلُ، ولا نتغذى إلا بعد الجمعة - زاد ابن حجر - في عهد رسول اللّه ﷺ ، وهو حديث صحيح (١). وعن جابر ﵁: "أن النبي ﷺ كان يصلي الجمعة، ثم يذهبون إلى جمالِهم فيريحونها حتى تزول الشمسُ"، وهو حديث صحيح (٢). ٥ - بكم تنعقد الجمعة ؟ ذكر الحافظ (٣) خمسة عَشَرَ مذهبًا فقال: "وجملةُ ما للعلماء في ذلك خمسة عشَرَ قولًا: أحدها: تصحُّ من الواحد، نقله ابن حزم. الثاني: اثنان كالجماعة، وهو قول النخعي، وأهلِ الظاهر، والحسنِ بن يحيى. الثالث: اثنان مع الإمام عند أبي يوسفَ ومحمدٍ. الرابع: ثلاثة معه عند أبي حنيفة. الخامس: سبعة، حكي عن عكرمة. السادس: تسعة عند ربيعة. السابع: اثنا عشر عنه في رواية. الثامن: مثله غير الإمام عند إسحاق. التاسع: عشرون في رواية ابن حبيب عن مالك. العاشر: ثلاثون في روايته أيضًا عن مالك. الحادي عشر: أربعون بالإمام عند الشافعي. الثاني عشر: أربعون غيرَ الإمام رُوي عن الشافعي، وبه قال عمر بن عبد العزيز وطائفةٌ. الثالث عشر: خمسون عند أحمدَ، وفي رواية كليب عن عمرَ بن عبد العزيز. الرابع عشر: ثمانون حكاه المازري. الخامس عشر: جمعٌ كثير بغير قيدٍ. ولعل هذا الأخير أرجحها من حيث الدليل … " اهـ.

стр. 201

وقال الإمام الشوكاني (١) بعد أن أورد كلام ابن حجر السابق: "واعلم أنه لا مستند لاشتراط ثمانين، أو ثلاثين، أو عشرين، أو تسعة أو سبعة، كما أنه لا مستند لصحتها من الواحدِ المنفرد، وأما من قال: إنها تصحُّ باثنين فاستدلَّ بأن العدد واجبٌ بالحديث والإجماعِ، ورأى: أنه لم يثبت دليلٌ على اشتراط عدد مخصوصٍ، وقد صحَّت الجماعةُ في سائر الصلوات باثنينِ، ولا فرقَ بينها وبين الجماعة، ولم يأت نصٌّ من رسول الله ﷺ بأن الجمعةَ لا تنعقدُ إلا بكذا، وهذا القول هو الراجحُ عندي" اهـ. ٦ - هديه ﷺ في خطبة الجمعة: أ- افتتاح الخطبة بالمأثور: ثبت أن رسول اللّه ﷺ كان يفتتح خُطَبه بخطبة الحاجة: [إنَّ] الحمد لله، [نحمدُه و] نستعينُه ونستغفرهُ، ونعوذُ بالله من شرور أنفسنا [ومن سيِّئات أعمالنا]، من يهده الله فلا مُضِل له، ومن يضللْ فلا هادىَ له، وأشهد أنْ لا إله إلا الله (وحده لا شريكَ له)، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢] ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الآيتان: ٧٠، ٧١]. أما بعد فإن أصدقَ الحديثِ كتابُ الله، وخير الهدي هديُ محمد ﷺ ، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ محدثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعة ضلالةٌ، وكلَّ ضلالةٍ فى النار"، وهو حديث صحيح (٢).

стр. 202

ب - إطالة الصلاة، وقصر الخطبة: عن عمَّار قال: سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: "إن طُول صلاةِ الرَّجلِ، وقصَرَ خُطبته مئنَّةٌ - علامة - من فقهه، فأطيلوا الصلاةَ، وأقصروا الخطبةَ، وإن من البيانِ لَسِحْرًا"، وَهو حديث صحيح (١). ج - أن تكون الخطبةُ على منبرٍ: عن ابن عمر ﵄ قال: سمعتَ النبي ﷺ يخطُبُ على المنبر، فقال: "من جاء إلى الجمعةِ فليغتسل"، وهو حديث صحيح (٢). واعلم أن السُّنَّةَ في المنبر أن يكون ذا ثلاث درجاتٍ، لا أكثرَ، والزيادةُ عليها بدعة، وكثيرًا ما تُعَرِّض الصفَّ للقطع، والفرار من ذلك بجعله في الزاوية الغربية من المسجد، أو المحراب بدعةٌ أخرى، وكذلك جَعْلهُ مرتفعًا في الجدار الجنوبي كالشرفة يصعد إليه بدرج لصيق الجدار بدعة ثالثة. د - أن يخطبَ قائمًا، وأن يجلسَ بين الخطبتين: عن ابن عمر ﵄ قال: "كان النبي ﷺ يخطبُ قائمًا، ثم يقعدُ، ثم يقوم، كما تفعلون الآنَ"، وهو حديث صحيح (٣). هـ - أن تحتوي الخطبةُ على آيات من القرآن: عن يعلى بن أمية، قال: سمعتُ النبي ﷺ يقرأ على المنبر: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧)﴾ [الزخرف: ٧٧] وهو حديث صحيح (٤).

стр. 203

عن أم هشام بنت حارثة بن النعمان ﵄ قالت: ما أخذتُ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ إلا عن لسان رسول اللّه ﷺ يقرؤها كلَّ جمعة على المنبر إذا خطبَ الناسَ، وهو حديث صحيح (١). و - رفع الصوت في الخطبة عند اللزوم: عن جابر بن عبد اللّه، قال: "كان رسول اللّه ﷺ إذا خطبَ احمرَّت عيناهُ، وعلا صوتُهُ، واشتد غضبُهُ، حتى كأنَّهُ منذِرُ جَيْشٍ، يقول: صبَّحَكُم ومسَّاكم .. "، وهو حديث صحيح (٢). ز - يناقش الخطأ والخلل في الخطبة دون تجريح أو تشهير: عن شبيب أبي رَوْحٍ، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ عن النبي ﷺ أنه صلى صلاةَ الصبح، فقرأ الرومَ، فالتبسَ عليه، فلما صلَّى قال: "ما بال أقوام يصلُّون معنا لا يحسِنُون الطُّهُور، فإنما يَلْبِسُ علينا القرآن أولئك"، وهو حديث حسن (٣). وعن أنس ﷺ قالَ: فأخذ يُواصلُ - أي الصيام - رسولُ اللّه ﷺ وذاك في آخر الشهر، فأخذ رجال من أصحابه يواصِلُون، فقال النبي ﷺ : "ما بَالُ رجالٍ يواصِلُون، إنكم لستم مثلي .. "، وهو حديث صحيح (٤). ج - عدمُ رفع اليدين عند الدعاء في الخطبة الثانية: عن عُمارة بن رؤيبةَ، رأى بِشْرَ بنَ مروانَ على المنبر رافعًا يديه، فقال: قبَّح اللّه هاتين اليدين، لقد رأيتُ رسولَ اللّه ﷺ ما يزيدُ على أن يقول بيده هكذا، وأشار بأصبعه المسبِّحةِ، وهو حديث صحيح (٥). ط - ألَّا يقفَ الخطيبُ عند أسفل المنبر للدعاء، وألَّا يتباطأ في الصعود على المنبر، وألَّا يشتغل بالدعاء إذا صعدَ المنبر، مستقبل القبلةِ قبلَ الإقبال على الناس، والسلام عليهم: قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٦): "دعاء الإمام بعد صعودِه لا أصلَ له" اهـ.

стр. 204

٧ - إذا نَعِسَ الرجلُ في مجلسه يومَ الجمعة فليتحوَّلْ إلى غيره: عن ابن عمر ﵄ قال: قالَ رَسول اللّه ﷺ : "إذا نَعسَ أحدُكُم في مجلسه يومَ الجمعة فليتحولْ إلى غيره"، وهو حديث صحيح (١). ٨ - وجوبُ الإنصاتِ، وحرمةُ الكلام أثناء الخطبة: عن أبي هريرة ﵁ أَنَّ النبي ﷺ قال: "إذا قُلْتَ لصاحبكَ يومَ الجمعة: أنصتْ والإمام يَخْطُبُ، فقد لغوتَ"، وهو حديث صحيح (٢). ٩ - من أدرك ركعة من صلاة الجمعة فقد أدركها: عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "من أدرك ركعةً من الجمعة أو غيرها، فقد تمَّتْ صلاتُهُ"، وهو حديث صحيح (٣). ١٠ - ما يقرأ الإمامُ في صلاة الجمعة: عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ : "كان يقرأ في صلاة الجمعة سورة الجمعة والمنافقين"، وهو حديث صحيح (٤). وعن النعمان بن بشير ﵁ قال: "كان يقرأ في العيدين، وفي الجمعة، بسبِّح اسمَ ربِّكَ الأعلى، وهل أتاك حديثُ الغاشية"، وهو حديث صحيح (٥). ١١ - التنفُّلُ بعدَ صلاة الجمعة: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللّه ﷺ : "إذا صلى أحدُكُم الجمعة فليصلِّ بعدَها أربعًا"، وهو حديث صحيح (٦). وعن ابن عمر ﵄: "أنه ﷺ كانَ يصلِّي بعدَ الجمعة ركعتين في بيته"، وهو حديث صحيح (٧).

стр. 205

١٢ - التنفل لمن أتى الجمعة ما شاء من غير حصرٍ حتى يخرجَ إمامُهُ: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللّه ﷺ : "من اغتسلَ، ثم أتى الجمعة فصلَّى ما قُدِّرَ له، ثم أنصتَ حتى يفرغَ الإمام من خطبته، ثم يصلِّي معه غُفِرَ لَهُ ما بينه وبين الجمعة الأخرى، وفضلُ ثلاثةِ أيامٍ"، وهو حديثَ صحيح (١). قال ابن القيم الجوزية (٢): "إن النبي ﷺ كان إذا فرغ بلال من الأذان أخذ في الخطبة، ولم يقم أحدٌ يركع ركعتين البتة، ولم يكن إلا أذانٌ واحدٌ، فمتى كانوا يصلون السُّنَّةَ؟ " اهـ. ١٣ - الجمعة في المسجد الجامع: عن عائشة ﵂ أنها قالت: "كان الناسُ ينتابونَ الجمعةَ من منازلهم، ومن العوالي … "، وهو حديث صحيح (٣). ١٤ - اجتماعُ العيدِ والجمعةِ في يوم واحد: عن زيد بن أرقم ﵁ وسأله معاوية: هل شهدتَ مع رسول اللّه ﷺ عيدين اجتمعا؟ قال: نعم، صلَّى العيدَ أولَ النَّهارِ، ثم رخَّص في الجمعةِ فقال: "من شاء أن يجمعَ فليجمع"، وهو حديث صحيح (٤). ١٥ - يستحب للإمام أن يقيم الجمعة ليشهدها من لم يشهد العيد: عن أبي هريرة ﵁ عن رسول اللّه ﷺ أنه قال: "قد اجْتَمَعَ في يومكم هذا عيدانِ، فمن شاء أجزأه من الجمعة، وإنا مجمعون"، وهو حديث صحيح (٥). ١٦ - ما يُسْتَحَبّ من الأذكارَ والأدعية يوم الجمعة: أ - الإكثار من الصلاة والسلام على النبي ﷺ -: عن شداد بن أوس قال: قال رسول اللّه ﷺ : "إنَّ من أفضل أيامكم يومُ الجمعة؟

стр. 206

فيه خُلِقَ آدمُ، وفيه اففخة، وفيه الصَّعْقَةُ، فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه؛ فإنَّ صلاتَكمُ معروضة عليَّ" فقال رجل: يا رسول اللّهِ، كيف تعرضُ صلاتُنَا عليك وقد أَرِمتَ - يعني بليت -؟ فقال: "إنَّ الله حرَّم على الأرض أن تأكلَ أجسادَ الأنبياء"، وهو حديث صحيح (١). ب - قراءةُ سورة الكهف: عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: "من قرآ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاءَ له من النور ما بين الجمعتين"، وهو حديث صحيح (٢). ج - الإكثار من الدعاء رجاء أن يصادِف ساعة الإجابة: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ في الجمعة لساعةً، لا يوافقُها مُسْلِمٌ وهو قائمٌ يُصَلِّي يسألُ اللّه خيرًا إلا أعطاهُ اللّه تعالىَ إياهُ، وقال بيَده" قلنا: يُقَلِّلُها يُزَهِّدُها، وهو حديث صحيح (٣). * * *

стр. 207

الباب الثالث عشر صلاة الجماعة ١ - حكم صلاة الجماعة: أولًا: أحاديث تفيد وجوبَ صلاة الجماعة: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللّه ﷺ : "أثقل الصلاة على المنافقين صلاةُ العشاء، وصلاةُ الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأَتَوْهُمَا ولو حَبْوًا، ولقد هممتُ أن آمرَ بالصلاةَ فتقامُ، ثم آمرُ رجُلًا فيصلِّي بالناسِ، ثم أنطلقُ معي برجالٍ معهم حُزَمٌ من حطبٍ إلى قومٍ لا يشهدون الصلاة، فأحرِّقَ عليهم بيوتهم بالنار"، وهو حديث صحيح (١). وعن أبي هريرة ﵁: أن رجلًا أعمى قال: يا رسول الله، ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسألَ رسولَ اللّه ﷺ أن يُرخِّص له فيصلِّي في بيته، فرخصَ له، فلما ولَّى دعاهُ فقال: "هل تسمعُ النداءَ؟ " قال: نعم، قال: "فأجب"، وهو حديث صحيح (٢). وعن عبد اللّه بن مسعود ﵁ قال: "لقد رأيتُنا وما يتخلَّفُ عنها إلا منافق معلومُ النفاقِ، ولقد كان الرجلُ يؤتى به يُهَادَى بين الرجلين حتى يقامَ في الصفِّ"، وهو حديث صحيح (٣). ثانيًا: أحاديثُ صارفةٌ لوجوب صلاة الجماعة إلى السُّنَّةِ: عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "صلاةُ الجماعَة تفضلُ على صلاةِ الفذِّ بسبعٍ وعشرينَ درجةً"، وهو حديث صحيح (٤). وعن محمود بن الربيع الأنصاري أنَّ عِتبانَ بنَ مالك كان يؤمُّ قومَهُ وهو أعمى، وأنَّهُ قال لرسول اللّه ﷺ : يا رسول اللّه، إنها تكونُ الظُّلمةُ والسيلُ، وأنا رجلٌ ضريرُ البصرِ، فصلِّ يا رسولَ اللّه في بيتي مكانًا أتخذهُ مصلَّى، فجاءه رسولُ اللّه ﷺ فقال:

стр. 208

"أين تحبّ أن أصلِّي؟ " فأشار إلى مكان من البيت، فصلَّى فيه رسولُ اللّه ﷺ ، وهو حديث صحيح (١). وعن محجن ﵁ أنَّهُ كان في مجلس مع رسول اللّه ﷺ ، فأُذِّنَ بالصلاة، فقام رسول اللّه ﷺ فصلَّى، ثم رجعَ، ومحجنُ في مجلسه لم يصلِّ معه، فقال لهُ رسولُ اللّه ﷺ : "ما منعك أن تصلِّي مع الناس، ألستَ برَجَلَ مسلم؟ " فقال: بلى يا رسول اللّه، ولكني قد صَلَّيْتُ في أهلي، فقال له رسول اللّه ﷺ : "إذا جِئتَ فصلِّ مع الناسِ، وإن كنت قد صَلَّيتَ"، وهو حديث صحيح (٢). وعن أبي موسى ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "أعظمُ الناس أجرًا في الصلاة أبعَدُهم مَمْشَى، والذي ينتظرُ الصلاةَ حتى يصلِّيها مع الإمام أعظمُ أجرًا من الذي يُصلِّيَ ثم ينام"، وهو حديث صحيح (٣). فصلاة الجماعة من آكد السُّنَنِ، وأعظمُ الشعائرِ الإسلاميةِ، وأفضلُ القُرَبِ الدينية؛ لما تقدَّم فيها من أحاديث صحيحةٍ. ٢ - حضورُ النساءِ المساجدَ، وفضلُ صلاتهن في بيوتهنَّ: عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "إذا استأذنتْ أحدَكُم امرأتُهُ إلى المسجدِ، فلا يمنَعْها"، وهو حديث صحيح (٤). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللّه ﷺ : "أيُّما امْرأةٍ أصابَتْ بَخُورًا، فلا تَشْهَدْ معنا العِشَاءَ الآخِرَةَ"، وهو حديث صحيح (٥). وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "لا تمنعوا نساءكم المساجدَ، وبيوتُهنَّ خير لهنَّ"، وهو حديث صحيح (٦). عن عبد اللّه بن سويد الأنصاري، عن عمته أُمِّ حميد امرأةِ أبي حميد الساعدي:

стр. 209

أنها جاءت النبيَّ ﷺ فقالت: يا رسول اللّه، إني أحبُّ الصلاةَ معك، قال: "قد علمتُ أنك تحبينَ الصلاة معي، وصلاتُك في بيتك خيرٌ لك من صلاتك في حُجْرَتك، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك فَي دارِكِ، وصلاتُك في دارِك خيرٌ لك من صَلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومِك خيرٌ لكَ من صلاتك في مسجدي"، قال: فأمرتْ فَبُنِيَ لها مسجدٌ فيَ أقصى شيء من بيتها، وأظلمه، فكانت تصلي فيه حتى لقيت اللّه ، وهو حديث صحيح (١). ٣ - تنعقد صلاة الجماعة باثنين: لحديث ابن عباس ﵄ قال: "نمتُ عندَ ميمونة والنبي ﷺ عندها تلك الليلةَ، فتوضَّأ ثم قام يُصلي، فقمتُ على يساره، فأخذني فجعلني عن يمينه .. "، وهو حديث صحيح (٢). ٤ - إذا كثر الجمعُ في صلاة الجماعة كان الثوابُ أكْثَرَ: عن أبي بن كعب، قال: صلَّى بنا رسول اللّه ﷺ يومًا الصبحَ فقال: "أشاهدٌ فلانٌ؟ " قالوا: لا، قال: "أشاهد فلانٌ" قالوا: لا، قال: "إن هاتين الصلاتين أثقلُ الصلوات على المنافقينَ، ولو تعلمون ما فيهما لأتيتُموهما ولو حَبْوًا على الرُّكب، وإن الصفَّ الأَول على مثل صفِّ الملائكة، ولو علمتمُ ما فضيلتُه لابتدرتُموه، وإن صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كَثُرَ فهو أحبُّ إلى اللّه تعالى"، وهو حديث حسن بشواهده (٣). ٥ - السَّعي إلى المسجد بالسكينة: عن أبي قتادةَ ﵁ قال: بينما نحن نصلِّي مع النبي ﷺ ؛ إذ سَمع جَلَبَة رجالٍ، فلمَّا صَلَّى قال: "ما شَأنُكُم؟ " قالوا: استعجلنا إلى الصلاة، قال: "فلا تفعلُوا إذا أتيتم الصلاةَ، فعليكم بالسَّكِينةِ فما أدركتم فصلُّوا، وما فاتكم فأتِمُّوا"، وهو حديث صحيح (٤)

стр. 210

وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا سمعتمُ الإقامةَ فامشُوا إلى الصلاة وعليكم السكينةُ والوقارُ، ولا تُسْرِعُوا، فما أدركتم فصلَّوا، ومأ فاتكم فأتِمُّوا"، وهو حديث صحيح (١). ٦ - ما يقول إذا خرج من بيته: عن أنس ﵁ قال: قال رسول اللّه ﷺ : "من قال: - يعني إذا خرج من بيته - بسم اللّه، توكَّلتُ على الله، ولا حولَ ولا قوة إلا باللّه، يقال له: هُديتَ، وكُفيتَ، ووقيتَ، وتنحى عنه الشيطان"، وهو حديث صحيح (٢). وعن ابن عباس ﵄ قال: " … فأتاه بلال فآذَنَهُ بالصلاة، فقام فصلَّى ولم يتوضأ. وكان في دعائهِ: "اللهم اجعلْ في قلبي نورًا، وفي بصري نورًا، وفى سمعي نورًا، وعن يميني نورًا، وعن يساري نورًا، وفوقي نورًا، وتحتي نورًا، وأمامي نورًا، وخلفي نورًا، وعَظّمْ لي نورًا"، وهو حديث صحيح (٣). ٧ - ما يقول عند الدخول إلى المسجد والخروجِ منه: عن فاطمة بنتِ رسول اللّه ﷺ قالت: كانَ رسولُ اللّه ﷺ إذا دخل المسجدَ يقول: "بسم اللّه، والسلام على رسول اللّه، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك". وإذا خرجَ قال: "بسم الله، والسلام على رسول اللّه، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبوابَ فضلكَ"، وهو حديث صحيح (٤). ٨ - تحيةُ المسجد: عن أبي قتادةَ السُّلمي أن رسول اللّه ﷺ قال: "إذا دخل أحدكم المسجدَ فليركعْ ركعتينِ قبل أن يجلسَ"، وهو حديث صحيح (٥).

стр. 211

٩ - تحيةُ المسجدِ الحرامِ: الآفاقي إذا دخل مُحْرِمًا أول ما يبدأُ به الطوافُ كما فعل الرسول ﷺ في حَجَّتِه، لم يأتِ ما يخرِجُ المسجدَ الحرامَ عن عموم حديث أبي قتادةَ السُّلمي المتقدمِ، فليست للمسجد الحرام تحيةٌ خاصَّة تختلف عن سائر المساجد. أما الحديث المشتهر على الألسنة: "تحيةُ البيتِ الطوافُ"، فلا أصلَ له كما قال المحدِّث الألباني ﵀ في "الضعيفة" رقم (١٠١٢) وعلّق عليه بقوله: "ولا أعلمُ في السُّنَةِ القولية، أو العملية ما يشهدُ لمعناه، بل إنَّ عموم الأدلة الواردة في الصلاة قبل الجلوسِ في المسجَد تشمل المسجدَ الحرامَ أيضًا، والقول بأن تحيته الطوافُ مخالفٌ للعموم المشارِ إليه، فلا يُقبل إلا بعد ثبوته، وهيهاتَ، لاسيما وقد ثبت بالتجربة أنه لا يمكن للداخل إلى المسجد الحرام الطوافُ كلَمَّا دخل المسجدَ في أيام المواسم، فالحَمد للّه الذي جعلَ في الأمر سَعَةً: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. وإن مما ينبغي التنبهُ له أن هذا الحكمَ إنما هو بالنسبة لغير المحرم، وإلا فالسنة في حقه أن يبدأ بالطوافِ، ثم بالركعتين بعدَه" اهـ. ١٠ - إذا دخل المسجدَ والإمام يخطبُ للجمعة: عن جابر بن عبد اللّه ﵄ قال: جاء سُلَيْك الغطفاني يومَ الجمعةِ، ورسول اللّه ﷺ يخطبُ، فجلس، فقال له: "يا سُليكُ، قم فاركع ركعتين وتجوَّزْ فيهما"، ثم قال: "إذا جاء أحدكم يومَ الجمعة والإمام يخطُبُ، فليركَعْ ركعتين، وليتجوزْ فيهما"، وهو حديث صحيح (١). ١١ - إذا دخل المسجد وأقيمتِ الصلاةُ: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا أقيمت الصلاةُ، فلا صلاةَ إلا المكتوبةُ"، وهو حديث صحيح (٢). ١٢ - فضل التكبيرة الأولى مع الإمام: عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول اللّه ﷺ : "من صلَّى للّهِ أربعينَ يومًا في

стр. 212

جماعةٍ، يُدرك التكبيرةَ الأولى، كُتبتْ له براءتان: براءةٌ من النار، وبراءةٌ من النفاق"، وهو حديث حسن (١). ١٣ - المسبوق يدخلُ مع الإمام على أيِّ حال كان، ولا يعتد بركعة لا يدركُ ركوعها: عن علي بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : "إذا أتي أحدكم الصلاةَ، والإمام على حالٍ، فليصنعْ كما يصنع الإمام"، وهو حديث صحيح (٢). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللّه ﷺ : "إذا جئتم إلى الصلاة ونحنُ سجودٌ فاسجُدُوا، ولا تعدُّوها شيئًا، ومن أدركَ الرَّكعة فقد أدركَ الصلاةَ"، وهوَ حديث حسن (٣). وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من أدرك ركعةً من الصلاة مع الإمام فقد أدركَ الصلاةَ"، وهو حديث صحيح (٤). وعن المغيرة بن شُعبةَ قال: تخلَّفْتُ معَ رسُولِ الله ﷺ في غزوة تبوكَ، فَتَبَرَّزَ، وذكر وضوءَهُ، ثم عَمَدَ النَّاسَ وعبد الرحمن يُصَلِّي بهم، فصلَّى مع الناسِ الركعة الأخيرة، فلما سلَّم عبدُ الرحمن قام رسولُ اللّه ﷺ يُتم صلاتَهُ، فلمَّا قضاها أقبل عليهم فقال: "قد أحسْنُتم وأصبْتُمُ"، يغبطهم أن صلَّوا الصلاةَ لوقتها، وهو حديث صحيح (٥). ١٤ - صلاة الفذِّ خلفَ الصفِّ مجزئة جمعًا بين أحاديث الباب: عن علي بن شيبان: أن رسولَ اللّه ﷺ رأى رجلًا يصلِّي خلفَ الصف، فوقف حتى انصرف الرجلُ، فقال له: "استقبلْ صلاتكَ، فلا صلاةَ لمنفرد خلف الصفِّ"، وهو حديث حسن (٦).

стр. 213

وعن وابصةَ بن معبدٍ: أن رسولَ اللّه ﷺ رأى رَجُلًا يُصَلِّي خلفَ الصف وحدَهُ، فأمَرَهُ أنْ يُعيدَ صلاتَه"، وهو حديث صحيح (١). وعن أبي بكرةَ: أنه انتهى إلى النبي ﷺ وهو راكعٌ، فركعَ قبلَ أن يصلِّ إلى الصف، فذكرَ ذلك للنبي ﷺ فقال: "زادك اللهُ حِرصًا ولا تَعُدْ"، وهو حديث صحيح (٢). ١٥ - يُؤمَرُ الإمام بالتخفيف: عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا صلَّى أحدُكم للناسِ فليُخَفِّفْ، فإن فيهم الضعيفَ، والسقيمَ، والكبيرَ، فإذا صلَّى لنفسه فليطوِّل ما شاء"، وهو حديث صحيح (٣). وعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إني لأدْخلُ في الصلاة وأنا أريدُ إطالتها، فأسمعُ بكاءَ الصبيِّ فأتجوَّزُ في صلاتي، مما أعلم من شدَّة وجْد أمَه من بكائه"، وهو حديث صحيح (٤). وعن أنس ﵁ قال: كان النبي ﷺ يوجِزُ الصلاةَ ويُكْمِلُها، وفي رواية: ما صلَّيت خَلْفَ إمامٍ قَطُّ أخَفَّ صلاةً، ولا أتمَّ صلاةً من النبي ﷺ ، وهو حديث صحيح (٥). ١٦ - إطالةُ الإمامِ الركعةَ الأولى، وانتظارُ من أحسَّ به داخلًا ليدركَ الركعة: عن أبي سعيد: لقد كانت الصلاةُ تُقامُ، فيذهبُ الذاهبُ إلى البقيع، فيقضي

стр. 214

حاجته، ثم يتوضأ، ثم يأتي ورسولُ اللّه ﷺ في الركعة الأولى مما يطولُها، وهو حديث صحيح (١). ١٧ - وجوبُ متابعةِ الإمام، والنهيُ عن مسابقته: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنَّه قال: "إنما جعِلَ الإمامُ ليؤتمَّ به، فلا تختلفوا عليه، فإذا ركعَ فاركعوا، وإذا قال: سمع اللّه لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمدُ، وإذا سجد، فاسجدوا، وإذا صلَّى جالسًا فصلوا جلوسًا أَجمعون، وأقيموا الصفَّ في الصلاة، فإنَّ إقامة الصفِّ من حُسْنِ الصلاة"، وهو حديث صحيح (٢). * قلت: أما قوله ﷺ : "إذا صلى جالسًا فصلوا جُلُوسًا"، حديث منسوخ. عن عائشة ﵂ قالت: أمر رسولُ اللّه ﷺ أبا بكرٍ أن يُصَلِّي بالناس في مرضهِ فكان يصلي بهم. قال عروةُ: فوجدَ رسولُ اللّه ﷺ في نفسه خِفَّةً فخرجَ، فإذا أبو بكر يؤمُّ الناسَ، فلما رآهُ أبو بكرٍ استأخرَ فأشار إليه أن كما أنتَ، فجلس رسولُ اللّه ﷺ حِذَاءَ أبي بكر إلى جنبهِ، فكان أبو بكر يصلي بصلاة رسول اللّه ﷺ ، والناس يصلُّونَ بصلاةِ أبي بكر"، وهو حديث صحيح (٣). * عن أنس ﵁ قال: قال رسول اللّه ﷺ : "أيها الناسُ إني إمامُكم فلا تسبقوني بالركوع، ولا بالسجودِ، ولا بالقيامِ، ولا بالقعود، ولا بالانصراف"، وهو حديث صحيح (٤). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسولُ اللّه ﷺ : "أما يخشى أحَدُكم إذا رفَعَ رأسَهُ قبل الإمامِ، أن يُحوّلَ اللّهُ رأسَهُ رأسَ حمار، أو يُحوّلَ اللّه صورَتَه صورةَ حمارٍ؟ "، وهو حديث صحيح (٥).

стр. 215

١٨ - من أحقُّ بالإمامةِ: عن أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: قال رسولُ اللّه ﷺ : "يؤمُّ القومَ أقرؤُهُم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواءً فأعلمهم بالسُّنَّة، فإن كانوا في السنة سواءً فأقدمهم هجرةً، فإن كانوا في الهجرة سَواءً، فأقدمُهُم سلمًا، وَلا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ في سلطانهِ، ولا يَقْعُد في بيتهِ على تكرمته إلَّا بإذنه" قالَ الأشجُّ في روايته مكان (سِلْمًا): (سِنًّا)، وهو حديث صحيح (١). ١٩ - إمامةُ الصبيِّ: عن عمرو بن سلمة قال: لَمَّا كانَتْ وَقْعَةُ الفَتْح، بادَرَ كُل قومٍ بإسلامِهم، وبدر أبي قومي بإسلامِهِم، فَلَمَّا قَدِمَ قال: جِئتكُم من عندِ النبي ﷺ حقًّا، فقالَ: "صَلُّوا صَلاةَ كذا في حين كذا، وصلاةَ كذا في حين كذا" فإذا حضرت الصلاةُ فليؤذن أحدُكُم، وليؤمَّكُم أكْثركم قرآنًا". فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآنًا منِّي؛ لما كنتُ أتلقَّى من الرُّكبان، فقدَّموني بينَ أيديهم، وأنا ابنُ سِتِّ سنينَ، أو سبع سنينَ، وكانت عليَّ بُرْدَةٌ كنتُ إذا سجدت تقلصت عني؛ فقالت امرأةٌ من الحي: ألا تغطُّون عَنَّا اسْتَ قارِئكُمْ، فاشتروا، فقطعوا لي قميصًا، فما فَرِحْتُ بشيءٍ فرحي بذلك القميص"، وهو حديث صحيح (٢). ٢٠ - إمامةُ الأعمى والعبد والمولى: عن أنسٍ ﵁: "أن النبي ﷺ استخلفَ ابنَ أم مكتومٍ على المدينة مرتين يُصَلِّي بهم وهو أعمى"، إسناده حسن (٣). وعن ابن عمر لما قَدِمَ المهاجرون الأولونَ نزَلُوا العصبَة - موضعًا بقُبَاءَ - قبل مقدمِ النبي ﷺ كان يؤمُّهم سالمُ مولى أبي حذيفة، وكان أكثرهم قرآنا، وَكان فيهم عمرُ بن الخطاب، وأبو سلمة بن عبدِ الأسدِ، وهو حديث صحيح (٤).
следующие страницы →