← Фикх общий

Фикх общий · id 782

اللباب في فقه السنة والكتاب

محمد صبحي حلاق

Полный текст (548 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

٤ - حكم الصوم: الصوم في رمضان ركن من أركان الإسلام. قال تعالى في سورة البقرة الآية (١٨٣): ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "بني الإسلام على خمسة: على أن يُوحَّدَ اللّه وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، والحج"، وهو حديث صحيح (١). ٥ - فضل الصوم: أولًا: آيات بينات من كتاب اللّه، تحض على الصوم تقربًا لله، وتبين فضائله: كقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٤] . " لما في الصوم من خير في هذه الحالة، يبدو منه لنا عنصر تربية الإرادة، وتقوية الاحتمال، وإيثار عبادة اللّه على الراحة، وكلها عناصر مطلوبة في التربية الإسلامية، كما يبدو لنا ما في الصوم من مزايا صحية - لغير المريض - حتى ولو أحس الصائم بالجهد" (٢) - اهـ. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)﴾ [الأحزاب: ٣٥]. ثانيًا: آيات بينات من كتاب اللّه تتحدث عن جعل الصيام من كفارات مثل حلق الرأس في الإحرام لعذر من مرض ، أو أذى في الرأس، وعدم القدرة على الهدي، وقتل المعاهد خطأ، وحنث اليمين، وقتل الصيد في الإحرام، والظهارِ. قال تعالى في سورة البقرة الآية (١٩٦): ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ

стр. 247

ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. وقال تعالى في سورة النساء الآية (٩٢): ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. وقال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٨٩]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [المائدة: ٩٥]. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٣، ٤]. ثالثًا: الصيام والقرآن يشفعان لصاحبهما: عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسولَ اللّه ﷺ قال: "الصيام والقرآنُ يشفعانِ للعبد يومَ القيامة، يقول الصيامُ: أي ربِّ منعتُهُ الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيهِ، ويقولُ القرآنُ: منعتُهُ النومَ بالليل فشفعني فيه، قالَ: فَيُشَفَّعَانِ"، وهو حديث صحيح (١). رابعًا: باب الريان للصَّائمين: عن سهل ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن في الجنةِ بابًا يقال له الرَّيانُ، يدخل منه

стр. 248

الصائمون يومَ القيامة لا يدخلُ منه أحد غيرهم، يقال: أين الصائمون؟ فيقومون، لا يدخل منه أحدٌ غيرهم، فإذا دخلوا أغلق، فلم يدخل منه أحد"، وهو حديث صحيح (١). وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من أنفق زوجين في سبيل الله نودي من أبواب الجنة: يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دُعيَ من باب الصلاة، ومن كان من أهَل الجَهاد دُعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دُعيَ من باب الريان، ومن كان من أهل الصدقة دُعيَ من باب الصدقة"، فقال أبو بكر ﵁: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ما على من دُعِيَ من تلكَ الأبوابِ من ضرورة، فهل يُدعى أحدٌ من تلك الأبواب كلها؟ قال: "نعم وأرجو أن تكونَ منهم"، وهو حديث صحيح (٢). خامسًا: الصيام وقاية للعبد المسلم من النار: عن أبي أمامة الباهلي ﵁ عن النبي ﷺ قال: "مَنْ صَام يومًا في سبيل الله، جعل الله بينه وبين النَّار خندقًا كما بين السماءِ والأرضِ"، وهو حديث حسن (٣). وعن عثمان بن أبي العاص ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الصومُ جُنَّة من النار جُنَّةِ أحَدِكُم من القتال"، وهو حديث حسن (٤). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "من صامَ يومًا في سبيل الله، بَعَّدَ الله وَجْهَهُ عن النَّارِ سبعين خريفًا" - أي عامًا وهو حديث صحيح (٥).

стр. 249

وعن أبي عبيدة بن الجراح ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "الصَّومُ جُنَّة، ما لم يخرقها"، وهو حديث حسن (١). وعن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: "الصيامُ جُنَّة من النَّارِ، فمن أصبح صائمًا فلا يجهل يومئذٍ، وإن امرؤٌ جهل عليه فلا يشتمهُ ولا يَسبهُ، وليقُل: إني صائمٌ، والذي نفس محمدٍ بيده، لخلوف (٢) فم الصائم أطيَبُ عند اللهِ من ريح المسْكِ"، وهو حديث صحيح (٣). وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من صامَ يومًا في سبيل الله، زَحْزَحَهُ اللهُ عن النَّارِ سبعين خريفًا"، وفي رواية: "أربعين"، وهو حديث صحيح لغيره (٤). سادسًا: الصوم يدخل الجنة: عن أبي أمامة ﵁ قال: أتيْتُ رسول الله ﷺ فقلتُ: مُرْنِي بأمر آخُذُهُ عنك قال: "عليك بالصَّومِ؟ فإنَّهُ لا مثْلَ لَهُ"، وفي رواية: قلتُ: يا رسولَ الله مُرْنِي بأمرٍ ينفعني اللهُ بِهِ قال: "عليكَ بالصِّيامِ؟ فإنَّهُ لا مثْلَ لَهُ"، وفي رواية أنه سأله: أي العملِ أفضلُ؟ قالَ: "عليكَ بالصَّومِ؟ فإنَّهُ لا عدْلَ لَهُ"، وفي رواية أخرى: قلت: يا رسول الله مُرْني بعمل: قال: "عليكَ بالصَّوْم؛ فإنه لا عدْلَ له"، قال: قلت: يا رسول الله مُرْني بعمل، قال: "عليك بالصوم؛ فإنه لا عدْل له"، وهو حديث صحيح (٥). عن حذيفة ﵁ قالَ: أسندت النبي ﷺ إلى صَدْرِي، فقال: "من قالَ لا إله إلا الله -

стр. 250

ابتغاء وجه الله - خُتِمَ لَهُ بها دخل الجنَّة، ومن صامَ يومًا ابتغاء وجه اللهِ ختِمَ له بها دخلَ الجنة، ومن تصدَّقَ بصدقةٍ ابتغاءَ وجهِ الله خُتِمَ لَهُ بِها دَخَلَ الجنَّةَ"، وهو حَديث صحيح (١). سابعًا: يُوَفَّى الصائمون أجورهم بغير حساب: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كُلُّ عمل ابن آدمَ يُضاعَفُ الحسنةُ عَشْرُ أمثالها إلى سبعمائة ضعفٍ، قال الله : إلَّا الصَّوْمَ فإنهُ لي وأنا أجْزِي به (٢)، يَدعُ شهوتَهُ وطَعَامَهُ من أجلي، للصَّائمِ فرحتَانِ: فرحةٌ عندَ فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلُوفُ فيه أطيبُ عندَ الله من ريح المسَكِ"، وهو حديث صحيح (٣). وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال الله : "كل عملِ ابن آدمَ له إلا الصِّيام هو لي وأنا أجزي به، فوالذي نفسُ محمد بيده لخلفةُ فمِ الصائم أطيبُ عند الله من ريح المسك"، وهو حديث صحيح (٤). وعن محمد بن زياد قال: سمعت أبا هريرة عن النبي ﷺ يرويه عن ربكم قال: "لكلِّ عملٍ كفارةٌ والصومُ لي وأنا أجزي به، ولخلوف فم الصائم أطيبُ عند الله من ريح المسك"، وهو حديث صحيح (٥). ثامنًا: الصوم يساعد على إضعاف شهوة الجماع: عن عبد الرحمن بن يزيد قال: دخلت مع علقمة والأسود على عبد الله، فقال

стр. 251

عبد الله: كنا مع النبي ﷺ شبابًا لا نجدُ شيئًا، فقال لنا رسول الله ﷺ : "يا معشرَ الشباب، من استطاعَ الباءة فليتزوج؛ فإنه أغضُّ للبصر وأحصنُ للفرجِ، ومن لم يستطع فعليه بالصومِ؛ فإنه له وجاء"، وهو حديث صحيح (١). ٦ - فضل رمضان وفضل العمل به: أولًا: رمضان شهر القرآن: قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥]. أنزل الله كتابه المجيد على نبيه العظيم ﷺ ، في ليلة القدر من شهر رمضان الخير، هدى لقلوب العباد، وفرقانًا بين الحق والباطل، وتبيانًا لطريق الخير، وتمييزًا لطرق الضلالة والشر. ثانيًا: في رمضان تفتح أبواب الجنان، وتغلق أبواب النيران ، وتصفد مردة الجن بالسلاسل والأغلال: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أتاكُم رمضانُ شهرٌ مباركٌ، فرضَ الله عليكم صيامه، تُفتحُ فيه أبوابُ السَّماءِ، وتُغلقُ فيه أبوابُ الجحيمِ، وتُغَلُّ فيه مردة الشياطين، للّه فيه ليلةٌ خيرٌ من ألف شهر من حُرِمَ خيرها فقد حْرِم"، وهو حديث حسن (٢). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا دخل شهرُ رمضان فُتحَتْ أبوابُ السماء وغُلِّقت أبوابُ جهنم، وسُلسِلت الشياطينُ"، وهو حديث صحيح (٣). وعن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "هذا رمضان قد جاءكم تفتح فيه أبوابُ الجنةِ، وتُغلقُ فيه أبوابُ النار، وتُسَلسلُ فيه الشياطين"، وهو حديث صحيح (٤). عن عرفجة قال: عُدْنا عُتبة بن فرقد فتذاكرنا شهر رمضانَ، فقال: ما تذكرونَ، قلنا: شهر رمضانَ قالَ: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تفتحُ فيه أبوابُ الجنَّةِ وتغلقُ فيه

стр. 252

أبواب النَّار وتغلُّ فيه الشياطينُ، وينادي مناد كل ليلة: يا باغي الخيرِ هَلُمَّ ويا باغي الشر أقصرْ"، وهو حديث حسن (١) ثالثًا: رمضان شهر غفران الذنوب: عن أبي هريرة ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : "من صامَ رمضان إيمانًا واحتسابًا (٢) غفرَ له ما تقدم من ذنبه"، وهو حديث صحيح (٣)، وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قالَ: "الصَّلواتُ الخمس، والجمعةِ إلى الجمعة، ورمضانُ إلى رمضانَ مكفراتٌ ما بينهنَّ إذا اجتنبَ الكبائر (٤) "، وهو حديث صحيح (٥). عن كعب بن عجرة قال: قال رسول الله ﷺ : "احضروا المنبر"، فحضرنا فلما ارتقى درجة قال: "آمين"، فلما ارتقى الدرجة الثانية قال: "آمين"، فلمَّا ارتقى الدرجة الثالثة قال: "آمين"، فلمَّا نزل قلنا يا رسول الله، لقد سمعنا منكَ اليوم شيئًا ما كُنَّا نسمعهُ قال: "إنَّ جبريل ﵊ عرضَ لي فقال: بعدًا لمن أدركَ رمضانَ فلم يُغفر له قلتُ: آمين، فلما رقيتُ الثانية قال: بُعدًا لمن ذُكِرْتُ عنْدَهُ فلم يصلِّ عليكَ، قلت: آمين، فلما رقيت الثالثة قال: بعدًا لمن أدركَ أبواه الكبَر عندَهُ أوَ أحدهما، فلم يُدْخلاهُ الجنَّة قلتُ: آمين"، وهو حديث صحيح (٦).

стр. 253

رابعًا: من نطق بالشهادتين، وصلى المكتوبة وأدى الزكاة، وصام رمضان كان من الصديقين والشهداء: عن عمرو بن مرة الجهني قال: جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أرأيتَ إن شهدتُ أن لا إله إلا الله، وأنكَ رسولُ الله، وصليتُ الصلوات الخمسَ، وأديتُ الزكاةَ، وصمتُ رمضانَ وقمتُه فممن أنا؟ قالَ: "من الصديقين والشهَداء"، وهو حديث صحيح (١). خامسًا: الجود ومدارسة القرآن مستحبات في كل وقت، إلا أنهما آكد في رمضان: عن ابن عباس ﵄ قال: "كان النبي ﷺ أجودَ النَّاس بالخيرِ، وكان أجودَ ما يكون في رمضانَ حين يلقاهُ جبريلُ، وكان جبريلُ ﵇ يلقاهُ كل ليلة في رمضانَ حتى ينسلخَ، يعرضُ عليه النبي ﷺ القرآنَ، فإذا لقيهُ جبريلُ ﵇ كان أجودَ بالخير من الريح المرسَلَة"، وهو حديث صحيح (٢). سادسًا: الثوَاب الجزيل لمن فطَّر صائمًا: عن زيد بن خالد الجهني قال: قال رسول الله ﷺ : "من فطَّرَ صائمًا كانَ لَهُ مثلَ أجرِهِ، غَيْرَ أنَّهُ لا يَنْقُصُ مِنْ أجْرِ الصَّائِم شيء"، وهو حديث صحيح (٣).

стр. 254

سابعًا: الاجتهاد بالعمل في العَشْر الأخير من رمضان: عن عائشة ﵂ قالت: "كان النبي ﷺ إذا دَخَلَ العَشْرُ شَدَّ مِئزره (١)، وأحيا ليله، وأيقظَ أهلَه"، وهو حديث صحيح (٢). عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسولُ الله ﷺ يَجْتَهدُ في العشر الأواخِرِ، ما لا يجتهد في غيره"، وهو حديث صحيح (٣). ٧ - التدرج في تشريع الصوم: عن معاذ بن ﵁ قال: أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال، وأحيل الصيام ثلاثة أحوال … وقال في الصيام: قال: فإن رسول الله ﷺ كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، ويصوم عاشوراء. فأنزل الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٣ - ١٨٤] فكان من شاء أن يصوم صام، ومن شاء أن يفطر ويطعم كل يوم مسكينا أجزأه ذلك، وهذا حول. فأنزل الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ إلى ﴿أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] فثبت الصيام على من شهد الشهر، وعلى المسافر أن يقضي، وثبت الطعام للشيخ الكبير والعجوز اللذين لا يستطيعان الصوم"، وهو حديث صحيح لغيره (٤). ٨ - شروط صحة الصوم: أ - الإسلام: فلا يصح الصوم من كافر. ب - العقل: فلا يصح الصوم من مجنون.

стр. 255

ج - النية المبيتة: فلا يصح الصوم دون نية مبيتة. د - الخلو من المانع: فلا يصح صوم الحائض والنفساء. هـ - استيعاب الوقت: من تبين الوقت إلى غروب الشمس. عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: "رُفِعَ القلمُ عن ثلاثةٍ: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل"، وهو حديث صحيح (١). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "أليس إذا حاضت لم تصلِّ ولم تصُمْ؟ فذلك نقصان دينها"، وهو حديث صحيح (٢). وعن حفصة ﵂ عن النبي ﷺ قال: "من لم يَجْمَعْ الصيام قبل الفجر، فلا صيام له"، وهو حديث حسن (٣). وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أقبلَ الليلُ من هاهُنا، وأدبرَ النهارُ من هاهنا، وغربت الشمسُ، فقد أفطرَ الصائمُ"، وهو حديث صحيح (٤). ٩ - يجب صيام رمضان لرؤية هلاله من عدل: عن ابن عمر ﵁ قال: "تراءى الناس الهلال، فأخبرتُ رسولَ الله أني رأيته، فصام وأمر الناس بالصيام"، وهو حديث صحيح (٥). ١٠ - أو يجب صيام رمضان بإكمال عدة شعبان ثلاثين يومًا: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ أو قال أبو القاسم ﷺ : "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غُبِّيَ عليكم، فأَكْملُوا عدة شبعان ثلاتين"، وهو حديث صحيح (٦).

стр. 256

وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ ، أنه ذكرَ رمضانَ فقال: "لا تصومُوا حتى تَرَوا الهلالَ، ولا تفطِروا حتى تروهُ، فإنْ أُغْمِيَ عليكم فاقْدِروا له"، وهو حديث صحيح (١). ١١ - الحبلى والمرضع إذا لم تطيقا الصوم، أو خافتا على أولادهما فلهما الفطر، وعليهما الفدية، ولا قضاء عليهما: عن ابن عباس ﵄ قال: "رُخِّص للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة في ذلك وهما يُطيقانِ الصومَ أن يُفْطِرَا إن شاءا أو يُطْعمَا كُلَّ يومٍ مسكينًا ولا قضاء عليهما ثم نُسِخَ ذلك في هذه الآية: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وثبت للشيخ الكبير والعجوز إذا كانا لا يطيقان الصومَ، والحبلى والمرضع إذا خافتا أفطرتا وأطعمتا كل يوم مسكينًا"، بسندٍ صحيح (٢). وهذا الحكم الذي ذكره ابن عباس في الآية لا مخالف له فيه من الصحابة، بل نقل عنهم ما يوافقه: عن ابن عباس ﵄ قال: "إذا خافت الحامل على نفسها، والمرضع على ولدها في رمضان، قال: يفطران ويطعمان مكان كل يوم مسكينًا ولا يقضيان صومًا"، بسندٍ صحيح (٣)، وعنه أيضًا أنه رأى أم ولد له حاملًا أو مرضعًا فقال: "أنت بمنزلة الذي لا يطيقه، عليك أن تطعمي مكان كل يوم مسكينًا ولا قضاء عليك"، بسند صحيح (٤). وسئل ابن عمر ﵄ عن المرأة الحامل إذا خافت على ولدها فقال: "تفطر وتطعم مكان كل يوم مسكينًا مدًّا من حنطة"، بسند صحيح (٥). وعن أيضًا قال: "الحامل والمرضع تفطر ولا تقضي"، بسند حسن (٦). وسألت امرأة ابن عمر وهي حبلى فقال: "أفطري وأطعمي عن كل يوم مسكينًا ولا تقضي"، بسند حسن (٧)، وعن سعيد بن المسيب قال في قوله ﵎: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ

стр. 257

مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] قال: "هو الكبير الذي كان يصوم فكبر وعجز عنه، وهي الحامل التي ليس عليها الصيام، فعلى كل واحد منهما طعام مسكين، مد حنطة لكل يوم حتى يمضي رمضان"، بسند حسن (١). وعن أنس بن مالك الكعبي، قال: "غارت علينا خيل رسول الله ﷺ فأتيت رسول الله ﷺ فوجدته يتغذى فقال: "ادن فكل"، فقلت: إني صائم، فقال: "ادن أحدثك عن الصوم - أو الصيام - إن الله ﵎ وضع عن المسافر شطر الصلاة، وعن الحامل والرضع الصوم" - أو الصيام -، والله لقد قالهما النبي ﷺ كليهما أو أحدهما، فيا لهف نفسي ألا أكون طعمت طعام النبي ﷺ ، وهو حديث حسن (٢). ١٢ - إذا رأى الهلال أهْلُ بَلَدٍ لَزِمَ سائر البلادِ الموافقةِ: للأحاديث المصرحة بالصيام لرؤية الهلال والإفطار لرؤيته كما في حديث أبي هريرة، وحديث ابن عمر المتقدمان في الفقرة رقم (١٠) من هذا الفصل - وهي خطاب لجميع الأمة، فمن راه منهم في أي مكان كان ذلك رؤية لجميعهم. عن كُريب أنَّ أمَّ الفضل بنت الحارثِ بعثتْهُ إلى معاويةَ بالشام، قال: فقدمتُ الشامَ فقضيتُ حاجتها، واستهل عليَّ رمضانُ وأنا بالشامِ، فرأيتُ الهلالَ ليلةَ الجمعةِ، ثم قدمت المدينةَ في آخر الشهر، فسألني عبدُ اللهِ بن عباسٍ ﵄ ثم ذكرَ الهلال فقال: متى رأيتمُ الهلالَ؟ فقلتُ: رأينا ليلة الجمعة، فقالَ: أنتَ رأيتهُ؟ فقلتُ: نعم، ورآه الناسُ، وصامُوا وصامَ معاويةُ، فقال: لكنَّا رأيناهُ ليلةَ السبتِ، فلا نزالُ نصومُ حتى نكملَ ثلاثين، أو نراهُ، فقلت: أولا تكتفي برؤيةِ معاويةَ وصيامِهِ؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله ﷺ (٣). وقد أحسن المحدث الشيخ الألباني ﵀ في التوفيق بين الحديث وبين الاستدلال به: قال (٤): "إن حديث ابن عباس ورد فيمن صام على رؤية بلده، ثم بلغه في أثناء

стр. 258

رمضان أنهم رأوا الهلال في بلدٍ آخر قبله بيوم، ففي هذه الحالة يستمر في الصيام مع أهل بلده حتى يكملوا ثلاثين، أو يروا هلالهم. وبذلك يزول الإشكال، ويبقى حديث أبي هريرة وغيره على عمومه، يشمل كل من بلغه رؤية الهلال من أي بلد أو إقليم من غير تحديد مسافة أصلًا، كما قال ابن تيمية في "الفتاوى" (٢٥/ ١٠٧) " اهـ ١٣ - تجب على الصائم النية قبل الفجر في صوم الفريضة: عن حفصة زوج النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: "من لم يُجمع الصيام قبل الفجر، فلا صيام له"، وهو حديث حسن (١). • أما النية في صوم التطوع، فإنها تصح قبل الزوال: عن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: دخل عليَّ النبي ﷺ ذاتَ يومٍ فقال: "هل عندكم شيء؟ "، فقلنا: لا، قال: "فإني إذنْ صائمُ"، ثم أتانا يومًا آخرَ، فقلنا: يا رسول الله أُهْديَ لنا حَيْسٌ، فقال: "أَرِنيه؛ فلقد أصبحتُ صائمًا"، فأكل، وهو حديث صحيح (٢). * * *

стр. 259

الفصل الثاني مبطلات الصوم ١ - يبطل الصوم بالأكل والشرب عمدًا ، لا خلاف في ذلك، أما النسيان فلا؛ لحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا نَسِيَ فأكلَ وَشَرِبَ فَليتمَّ صومَهُ، فإنما أطعمه الله وسقاهُ"، وهو حديث صحيح (١). ٢ - ويبطل الصوم بالجماع عمدًا ، لا خلاف في ذلك؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: "بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ ، إذ جاءه رجلٌ فقال: يا رسول الله هلكتُ قال: "ما لكَ؟ " قال: وقعتُ على امرأتي وأنا صائم. فقال رسول الله ﷺ : "هل تجد رقبةً تعتقها؟ " قال: لا، قال: "فهل تستطيع تصوم شهرين متتابعين؟ " قال: لا، قال: "فهل تجدُ إطعام ستين مسكينًا؟ " قال: لا، قال: فمكث النبي ﷺ فبينا نحنُ على ذلك أُتِيَ النبي ﷺ بِعَرقٍ فيها تمر - والعَرَق: المِكتل - قال: "أين السائل؟ " فقال: أنا، قال: "خُذ هذا فتصدَّق به"، فقال الرجلُ: على أفقرَ مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها - يريد الحرَّتين - أهلُ بيت أفقرُ من أهلِ بيتي، فضحك النبي ﷺ حتى بَدَتْ أنيابُه ثم قال: "أطعِمْه أهلَكَ"، وهو حديث صحيح (٢). وفي رواية (٣): أنه ﷺ : "وصُمْ يومًا مكانه"، وهي رواية صحيحة. ٣ - ويبطل الصوم بالقيء عمدًا ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من ذَرَعَهُ قيء وهو صائم، فليس عليه قضاء، وإن استقاء فليقض"، وهو حديث صحيح (٤). ٤ - يحْرم الوصال ؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: "نهى رسولُ الله ﷺ عن الوصال

стр. 260

رحمةً لهم، فقالوا: إنك تواصلُ، قال: "إني لستُ كهيئتكم؟ إني يُطعمني ربي ويسقين"، وهو حديث صحيح (١). ٥ - إنزال المني يفسد الصوم ، لأنه مصحوب - عادة - بشهوة ودفق، سواء أنزل في مداعبة الزوجة، أم أنزل بالاستمناء، أم أنزل بالفكر، والنظر: أ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسولَ الله ﷺ قال: "الصيامُ جُنَّةٌ فلا يرفُثْ ولا يجهل، وإن امرؤٌ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم مرتين، والذي نفسي بيده، لخَلُوفُ فم الصائم أطيبُ عند الله تعالى من ريح المسك، يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، الصيامُ لي وأنا أجزي به، والحسنةُ بعشرِ أمثالها"، وهو حديث صحيح (٢). وفي رواية (٣) بلفظ: "كل عمل ابن آدم له، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله: إلا الصيام فهو لي وأنا أجزي به يَدعُ الطعامَ من أجلي، ويدعُ الشرابَ من أجلي، ويدعُ لذته من أجلي، ويدعُ زوجتَه من أجلي، ولخلوفُ فم الصائم أطيبُ عند الله من ريح المسك، وللصائم فرحتان، فرحةٌ حين يفْطِر، وفرحةٌ عند لقاء ربه"، بسند صحيح. ووجه الاستدلال: أن قوله ﷺ في الحديث: "يترك شهوته من أجلي"، و"يدع لذته من أجلي" يشمل جميع أفراد الشهوة واللذة؛ لأن كلمة "شهوته"، "لذته" مفرد مضاف، وهو من صيغ العموم، فالصائم مطالب بترك جميع شهوته ولذته، والمراد هنا شهوة الفرج، وهي تشمل إنزال المني على أي صورة، فإذا أنزل المني بطل صومه. ب - عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يُقَبِّلُ وهو صائم، ويباشر وهو صائم، ولكنه أملككم لإرْبه"، وهو حديث صحيح (٤). وفي رواية (٥): " … وأيكم يملكُ إِرْبَهُ كما كان رسول الله ﷺ يملك إِرْبَه"، وهي رواية صحيحة.

стр. 261

لا يصح الاستدلال بجواز القُبلة والمباشرة للصائم على عدم فساد الصوم بإنزال المني، لأن النص ورد باستثناء شهوة القبلة والمباشرة للصائم، فيبقى ما عداها من الشهوات - المتعلقة بالفرج - على التحريم. أَرَب: إرْب: معناهما واحد: وهو حاجة النفس ووطرها، يقال: لفلان عند فلان أَرَب، وإِرْب، وإِرْبة، ومأربة: أي حاجة. والإِرْب أيضًا: العضو" (١) ا هـ. قال المازري في "المعلم بفوائد مسلم" (٢/ ٣٣ - ٣٤): "والذي أشارت إليه عائشة ﵂ في الحديث المتقدم إليه يرجع فقه المسألة، لأنها أشارت إلى أن النبي ﷺ يقف عند القبلة، ويأمن على نفسه أن يقع فيما سواه بخلاف غيره من أمته، فينبغي أن تعتبر حالة المقبّل، فإن كانت القُبلة تثير من المقبّل الإنزال كانت محرمة عليه، لأن الإنزال المكتسب يُمنع منه الصائم، فكذلك ما أوقع فيه وأدى إليه، وإن كان إنما يكون عنها المذي فيجري ذلك على حكم القضاء منه؛ فمن رأى أن القضاء منه واجب أوجب الكف عن القبلة، ومن رأى أن القضاء منه مستحب استحب الكف، وإن كانت القبلة لا تؤدي إلى شيء مما ذكر ولا تحرك لذة، فلا معنى للمنع منها إلا على طريقة من يحمي الذريعة، فيكون للنهي عن ذلك وجه" اهـ. ج - دلالة الآثار التي استدل بها على أن الإنزال لا يفطر الصائم، ودلالتها غير مسلمة: ١ - عن حكيم بن عقال أنه قال: "سألت عائشة: ما يحرم عليّ من امرأتي وأنا صائم؟ قالت: فرجها"، بسند صحيح (٢). ٢ - عن مسروق: "سألت عائشة: ما يحل للرجل من امرأته صائمًا؟ قالت: كل شيء إلا الجماع"، سنده صحيح (٣). في هذين الأثرين تجد إباحة الاستمتاع بالزوجة وبجسدها ما لم يصل إلى الجماع،

стр. 262

وفيهما أيضًا: ما يجوز للرجل من امرأته وما يحرم عليه منها، وليس فيهما ما يجوز للرجل أن يصل إليه في نفسه. ٣ - عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "لا بأس بها إذا لم يكن معها غيرها، يعني القبلة" سنده صحيح (١). ٤ - عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: "أعرابي أتاه فسأله، فرخص له في القبلة والمباشرة ووضع اليد ما لم تعد إلى غيره"، سنده صحيح (٢). وفي هذين الأثرين تجد أن حد الجواز هو القبلة والمباشرة فإذا تجاوز ذلك إلى القبلة أو المباشرة مع الإنزال، فقد تجاوز دائرة المباح إلى المحرم، فالإنزال محرم على الصائم، فإن أنزل متعمدًا بطل صومه. ٥ - عن جابر بن زيد: "أنه سئل عن رجل نظر إلى امرأته في رمضان فأمنى من شهوتها هل يفطر؟ قال: لا، ويتم صومه"، سنده حسن (٣). في هذا الأثر حصل الإنزال بمجرد النظرة، وهو لم يتعمد الإنزال، فصومه صحيح ولا قضاء عليه. د - من أنزل متعمدًا فسد صومه، وعليه القضاء، ولا كفارة - ككفارة الجماع - عليه، إذ الكفارة لم تثبت إلا في الجماع، وقياس من أنزل المني عليه قياس مع الفارق. كما أن المذي والودي لا يفسدان الصوم؛ لأن نزولهما لا يكون مصحوبًا بلذة ودفق. انظر: كتابي "إرشاد الامة إلى فقه الكتاب والسنة"، جزء الصوم؛ لترى الرد على الأقوال الأخرى التي خالفت ما اعتمدناه. ٦ - يندب تعجيل الفطر، لحديث سهل بن سعد أن رسول الله ﷺ قال: "لا يزال الناسُ بخير ما عجَّلوا الفِطرَ"، وهو حديث صحيح (٤). ٧ - ما يستحب عليه الإفطار؛ لحديث أنس بن مالك ﵁ قال: "كان النبي ﷺ

стр. 263

يُفْطِرُ قبلَ أن يُصلي على رُطباتٍ فإنْ لم تكنْ رُطباتٌ، فتميراتٍ، فإن لم تكن تميراتٌ، حسا حسواتٍ من ماء"، وهو حديث صحيح (١). ٨ - ويندب تأخير السحور؛ بحيث ينتهي من الطعام والشراب، قبيل طلوع الفجر بقليل، لحديث زيد بن ثابت ﵁ قال: "تسحرنا مع النبي ﷺ ، ثم قامَ إلى الصلاة. قلت: كم كان بين الأذانِ والسحورِ؟ قال: قَدْرُ خمسين آية"، وهو حديث صحيح (٢). * * *

стр. 264

الفصل الثالث قضاء الصوم ١ - يجب على من أفطرَ لعذرٍ شرعيٍّ أن يقضي ؛ كالمسافر، والمريض، والحائض؛ لقوله تعالى في سورة البقرة الآية (١٨٤): ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر﴾. ولحديث معاذة في أن امرأةً سألت عائشةَ فقالت: أتقضي إحدانَا الصلاة أيام محيضها؟ فقالت عائشة: أحرورية أنتِ؟ قد كانت إحدانا تحيضُ على عهدِ رسولِ الله ﷺ ثم لا تؤمَرُ بقضاءٍ، وهو حديث صحيح (١). وفي رواية لمسلم بلفظ: "كانت يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة". أحرورية أنت: نسبة إلى حروراء، وهي قرية بقرب الكوفة، كان أول اجتماع الخوارج بها، فمعنى قول عائشة: أن طائفة من الخوارج يوجبون على الحائض قضاء الصلاة الفائتة في زمن الحيض، وهو خلاف الحديث، وإجماع علماء المسلمين. ٢ - الفطر للمسافر رخصة: عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ : أن حمزة بن عمرو الأسلمي، قال للنبي ﷺ أَأَصوم في السفر؟ - وكان كثير الصيام - فقال: "إنْ شئت فصُم، وإن شئتَ فأفطر"، وهو حديث صحيح (٢). ٣ - إذا خشي المسافر المقاتل التلف أو الضعف عن القتال، فالفطر عزيمة: عن أبي سعيد قال: "سافرنا مع رسول الله ﷺ إلى مكة ونحن صيام قال: فنزلنا منزلًا، فقال رسول الله ﷺ : "إنكم قد دنوتم من عدوِّكم، والفطرُ أقوى لكم"، فكانت رخصةً، فمنا من صامَ، ومنا من أفطرَ، ثم نزلنا منزلًا آخرَ، فقال: "إنكم مُصَبِّحو عدوَّكم، والفطر أقوى لكم فأفطِروا"، فكانت عزيمة، ثم لقد رأيتنا نصوم بعد ذلك مع رسول الله ﷺ في السفر، وهو حديث صحيح (٣).

стр. 265

٤ - قضاء الفوات من رمضان لا يجب على الفور؛ بل يجب على التراخي وجوبًا موسعًا: عن عائشة ﵂ قالت: "كان يكون عليَّ الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضيهُ إلَّا في شعبان"، وهو حديث صحيح (١). قال الحافظ في "فتح الباري": "وفي الحديث دلالة على جواز تأخير قضاء رمضان مطلقًا؛ سواء كان لعذر أو لغير عذر". واعلم أن المبادرة إلى القضاء أولى من التأخير، لدخولها في عموم الأدلة الدالة على الإسراع في عمل الخير وعدم التسويف، لقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وقوله : ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١]. ولا يجب التتابع في القضاء؛ لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ويجوز التفريق في القضاء. قال أبو داود في "مسائله" ص (٩٥): "سمعتُ أحمد بن حنبل سُئِل عن قضاء رمضان؟ قال: إن شاء فرق وإن شاء تابع" اهـ. ولا يلزم من أخَّر قضاء رمضان حتى دخل عليه رمضان آخر، إلا القضاء؛ سواء أخَّر القضاء بتفريط أم بدون تفريط؛ لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ فليس فيه غير القضاء، والزيادة على هذا زيادة على الشرع وأمر بما لم يأمر به، ولا صارف للآية عن ظاهرها. كما أن ظاهر الآية يدل على أن القضاء واجب موسع، لا حد له، ولا دليل على تحديد آخر وقت القضاء. ٥ - جواز صيام التطوع لمن عليه قضاء: قال تعالى في سورة البقرة الآية (١٨٥): ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. في الآية دليل على أن وقت قضاء رمضان موسع، فإذا أراد المسلم الذي عليه قضاء

стр. 266

شيء من الصيام الاشتغال ببعض التطوعات من الصيام؛ كصيام يوم عرفة أو صيام عاشوراء، أو صيام الأيام البيض، فالظاهر جواز ذلك وبه قال الأحناف والشافعية ورواية عن أحمد، مع مراعاة الأسراع في عمل الخير والمبادرة إلى قضاء الواجب، لأن الأولى صوم الدين أولًا. ٦ - من مات وعليه صوم، صام عنه وليه: عن عائشة ﵂ أن رسولَ الله ﷺ قال: "من مات وعليه صيامُ، صام عنه وليُّهُ"، وهو حديث صحيح (١). ٧ - الكبير العاجز عن الأداءِ والقضاء يُكفر عَنْ كُلِّ يومٍ بإطعامِ مسكين: عن عطاءَ أنه سمعَ ابن عباسٍ يقرأ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]. قال ابن عباس: "ليست بمنسوخة، هو الشيخ الكبير، والمرأةُ الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فليطعمان مكان كل يوم مسكينًا"، وهو حديث صحيح (٢). * * *

стр. 267

الباب الثاني صوم التطوع الفصل الأول: ما يستحب صومه ١ - صيام ست أيام من شوال: عن عمر بن ثابت بن الحارث الخزرجي، عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أنَّهُ حدَّثَهُ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "من صامَ رمضانَ ثم أتبعهُ سِتًّا من شوالٍ كان كصيامِ الدهرِ"، وهو حديث صحيح (١). قال الشوكاني (٢): "ظاهر الحديث أنه يكفي صيام ست من شوال، سواء كانت من أوله، أو من وسطه، أو من آخره، ولا يشترط أن تكون متصلة به لا فاصل بينها وبين رمضان إلا يوم الفطر، وإن كان ذلك هو الأولى، ولأن الاتباع وإن صدق على جميع الصور، فصدقه على الصورة التي لم يفصل فيها بين رمضان، وبين الست إلَّا يوم الفطر الذي لا يصح صومه - لا شك أنه أولى، وأما أنه لا يحصل الأجر إلا لمن فعل كذلك فلا؛ لأن من صام ستًّا من آخر شوال فقد أتبع رمضان بصيام ست من شوال بلا شك، وذلك هو المطلوب" اهـ. ٢ - صيام تسع ذي الحجة: عن هنيدة بن خالد، عن امرأته، عن بعض أزواج النبي ﷺ قالت: "كان رسولُ الله ﷺ يصوم تسع ذي الحجة، ويومَ عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر، أول اثنين من الشهر والخميس"، وهو حديث حسن (٣). ٣ - صيام شهر المحرم: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أفضل الصيام، بعد رمضان شهرُ الله المحَرَّمُ، وأفضلُ الصلاةِ بعد الفريضةِ، صلاةُ الليل"، وهو حديث صحيح (٤).

стр. 268

٤ - صيام شهر شعبان: عن أبي سلمة، قال: سألتُ عائشة ﵂ عن صيام رسول الله ﷺ فقالت: "كان يصومُ حتى نقولَ: قَدْ صامَ، ويُفطِرُ حتى نقولَ: قد أفطرَ، ولم أرَهُ صائمًا من شهر قطُّ أكثرَ من صيامِهِ من شعبان، كان يصومُ شعبان كُلَّهُ، كان يصومُ شعبانَ إلَّا قليلًا"، وهو حديث صحيح (١). ٥ - صيام الاثنين والخميس: عن عائشة ﵂ قالت: "كان النبي ﷺ يتحرَّى صومَ الاثنين والخميس"، وهو حديث صحيح (٢). ٦ - صيام أيام البيض: عن أبي قتادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاث من كُلِّ شهر، ورمضانُ إلى رمضان، فهذا صيام الدهر كُلِّه .. "، وهو حديث صحيح (٣). والأيام البيض: هي أيام الليالي البيض، وهي الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، من كلِّ شهر قَمَرِي. ٧ - أفضل التطوع صيام يوم وإفطار يوم: عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "لا صوم فوقَ صومِ داودَ ﵇: شطر الدهرِ، صُم يومًا، وأفطِرْ يومًا"، وهو حديث صحيح (٤). ٨ - فضل صيام يوم عرفة، ويوم عاشوراء: عن أبي قتادة ﵁ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "صيامُ يوم عَرفة، أحتسبُ على الله أنْ يُكَفِّرَ السنةَ التي قبلهُ والسنةَ التي بعدهُ، وصيام يوم عاشوراء، أحتسبُ على الله أن يكفِّرَ السنةَ التي قبله"، وهو حديث صحيح (٥).

стр. 269

الفصل الثاني ما يكره صومه ١ - يكره صومُ الدهر (١): عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: "بلغ النبي ﷺ أني أسردُ الصومَ، وأصلي الليل، فإما أرسلَ إليَّ وإما لقيتهُ فقال: ألم أخبر أنكَ تصومُ ولا تُفطرُ، وتصلي؟ "فصمْ وأفطرْ وقُمْ ونَمْ، فإن لعينيك عليكَ حظًّا، وإنَّ لنفسكَ وأهلكَ عليكَ حظًّا"، قال: إني لأقوى لَذلك، قال: "فصُمْ صيام داود ﵇"، قَال: وكيَف؟ قال: "كان يصومُ يومًا ويفطر يومًا ولا يَفِرُّ إذا لاقى"، قال: مَن لي بهذه يا نبي الله؟ قال عطاء: لا أدري كيف ذكر صيام الأبد؟، قال النبي ﷺ : "لا صامَ من صامَ الأبد"، مرتين، وهو حديث صحيح (٢). ٢ - يكره إفراد يوم الجمعة: عن محمد بن عبادٍ قال: سألتُ جابرًا ﵁ أنهى النبي ﷺ عن صومِ يوم الجمعةِ؟ قال: نعم، زاد غيرُ أبي عاصم "يعني أن ينفردَ بصومه"، وهو حديث صحيح (٣)، وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعتُ النبي ﷺ يقول: "لا يصومُ أحدُكم يومَ الجمعة إلَّا يومًا قبلَهُ أو بعدَهُ"، وهو حديث صحيح (٤). ٣ - يكره إفراد يوم السبت: عن الصماء بنت بُسْر السُّلمي، أن النبي ﷺ قال: "لا تصوموا يوم السبت، إلا ما افترض عليكم، وإن لم يجد أحدُكم إلَّا لِحَاءَ عنبةٍ أو عودَ شجرة، فليمضغه"، وهو حديث صحيح (٥). * * *

стр. 270

الفصل الثالث ما يحرم صومه ١ - يحرم صوم العيدين: عن أبي سعيد ﵁ قال: سمعتُ منه حديثًا فأعجبني، فقلتُ له: أنتَ سمعتَ هذا من رسول الله ﷺ ؟ - قال: فأقولُ على رسول الله ﷺ ما لم أسمع؟ قال: سمعتهُ يقول: "لا يصلُحُ الصيامُ في يومين: يوم الأضحى، ويوم الفطرِ مِن رمضان"، وهو حديث صحيح (١). ٢ - يحرم صوم أيام التشريق: عن ابن كعب بن مالك، عن أبيه، أنه حدثه: أنَّ رسول الله ﷺ بَعَثَهُ وأوسَ بن الحدَثَانِ أيام التشريق فنادى: "أنَّهُ لا يدخُلُ الجنةَ، إلَّا وأيامُ منى أيام أكل وشربٍ"، وهو حديث صحيح (٢)، أيام منى: هي أيام النحر والتشريق. ٣ - يُرخص للمتمتع فقط إذا لم يجد الهدي أن يصوم أيام التشريق: عن عائشة وابن عمر ﵄ قالا: "لم يُرَخصْ في أيام التشريق أن يُصمن إلا لمن لم يجد الهدي"، وهو حديث صحيح (٣). وعن ابن عمر ﵄ قال: "الصيامُ لمن تمتع بالعمرة إلى الحج إلى يوم عرفة، فإن لم يجد هديًا ولم يَصُم، صام أيام منى"، وعن عائشة مثله (٤). ٤ - يحرم استقبال رمضان بيوم أو يومين: عن صِلَةَ قال: كُنَا عند عمَّار، فأتيَ بشاةٍ مصلية فقال: كلوا، فتنحى بعضُ القوم، قال: إني صائم، فقال عمَّار ﵁: "من صامَ اليوم الذي يشكُّ فيه، فقد عصى أبا القاسم ﷺ "، وهو حديث صحيح (٥). ٥ - تنتفي حرمة صوم يوم الشك إذا وافق عادةً له: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا يتقدَّمَنَّ أحدُكم رمضانَ بصوم يوم أو يومين، إلا أن يكونَ رجلٌ كان يصومُ صومَهُ، فليصُمْ ذلك اليوم"، وهو حديث صحيح (٦).

стр. 271

الباب الثالث الاعتكاف ١ - دليل مشروعية الاعتكاف: قال تعالى في سورة البقرة الآية (١٨٧): ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾. وعن عائشة ﵂ قالت: "كان النبي ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان، حتى قبضه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده"، وهو حديث صحيح (١). ٢ - يصح الاعتكاف في كل وقت في المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، المسجد الأقصى، المسجد النبوي. عن أبي وائل، قال: قال حذيفة لعبد الله بن مسعود ﵄: عكوفًا بين دارك، ودار أبي موسى، وقد علمت أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاث"، فقال عبد الله: "لعلك نسيت وحفظوا، أو أخطات وأصابوا"، وهو حديث صحيح غريب عالٍ. قلت: وإسناده على شرط البخاري (٢). وقد عمل بعضُ السَّلف بهذا الحديث. فأخرج عبد الرزاق في "المصنف" (رقم: ٨٠١٩)، عن عطاء بسندٍ صحيح قال: "لا جوار - أي اعتكاف - إلا في مسجد مكة، ومسجد المدينة … ". وأخرج ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣/ ٩١) وعبد الرزاق في "المصنف" رقم (٨٠٠٨) بسند صحيح، عن ابن المسيب قال: "لا اعتكاف إلَّا في مسجدِ نبيٍّ". مسجد نبي: يعني المساجد الثلاث. ٣ - الاعتكاف في رمضان آكد لاسِيَّما في العشر الأواخر منه: لحديث عائشة الصحيح المتقدم في الفقرة (١) من هذا الباب.

стр. 272

٤ - يستحب الاجتهاد في العمل في العشر الأواخر من رمضان: عن عائشة ﵂ قالت: "كان النبي ﷺ إذا دخلَ العشرُ شدَّ مئزره وأحيا ليله، وأيقظ أهله"، وهو حديث صحيح (١). ٥ - يُستحب قيام الليالي التي هي مظنّة ليلة القدر: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من يَقُمْ ليلةَ القدر إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه"، وهو حديث صحيح (٢). ٦ - من أدعية من وجد ليلة القدر: عن عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسولَ الله أرأيت إنْ علمتُ أيُّ ليلةٍ، ليلةُ القدر ما أقولُ فيها؟ قال: "قولي: اللهم إنكَ عفو تحبُّ العفو فاعْفُ عنِّي"، وهو حديث صحيح (٣). ٧ - المعتكف لا يخرج إلا لحاجة: عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ لَيُدْخِلُ رأسَهُ وهو في المسجد، فأرجلهُ، وكان لا يدخل البيتَ إلَّا لحاجة، إذا كان معتكفًا"، وهو حديث صحيح (٤). * * *

стр. 273

الكتاب الرابع كتاب الزكاة ويتضمن سبعة أبوابٍ

стр. 274

الكتاب الرابع كتاب الزكاة ويتضمن سبعة أبواب الباب الأول: باب أحكام الزكاة. الباب الثاني: باب زكاة الحيوان. الفصل الأول: نصاب الإبل. الفصل الثاني: نصاب البقر. الفصل الثالث: نصاب الغنم. الفصل الرابع: في الجمع والتفريق والأوقاص. الباب الثالث: باب زكاة الذهب والفضة. الباب الرابع: باب زكاة النبات. الباب الخامس: باب مصارف الزكاة. الباب السادس: باب صدقة الفطر. الباب السابع: باب الخمس.

стр. 275

الباب الأول أحكام الزكاة ١ - منزلة الزكاة في الدين: الزكاة فريضة من فرائضِ الدين، وركن من أركانه. عن ابن عُمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "بُنِىَ الإسلامُ على خمسٍ، شهادة أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا رسولُ الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصيام رمضان"، وهو حديث صحيح (١). ٢ - فضل الزكاةِ والترغيب في أدائِها: إن تسمية هذه العبادة بـ "الزكاة" تدل على فضلها من جهة أنها تدل على معنى الطهر والنماء، كما قال سبحانه في سورة التوبة الآية (١٠٣): ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. فهي طهرٌ ونماءٌ للغني والفقير في نَفْسِهما ومالِهما، وهي فلاح لصاحبها. وقال تعالى في سورة الروم الآية (٣٩): ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من تصدق يعدل تمرةٍ من كسبِ طيب - ولا يقبل اللهُ إلا الطيبَ - فَإنَّ الله يتقبلُها بيمينه، ثم يُربِّيها لصَاحبها كما يُربِّيَ أحدُكُم فَلُوَّهُ (٢)، حتى تكونَ مثلَ الجبل"، وهو حديث صحيح (٣). وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ما تصدق صدقة من مالٍ، وما زاد اللهُ عبدًا بعفوٍ إلا عزًّا، وما تواضعَ أحدٌ لله إلا رفعهُ الله "، وهو حديث صحيح (٤). وعن عقبة بن الحارث قال: صلى النبي ﷺ العصرَ فأسرعَ، ثم دخلَ البيتَ فلم

стр. 276

يلبثْ أنْ خرجَ، فقلتُ - أو قيل له - فقال ﷺ : "كنتُ خَلَّفْتُ في البيت تبْرًا (١) من الصدقة فكرهتُ أن أُبيتهُ، فقسمته"، وهو حديث صحيح (٢). ٣ - الصدقة والزكاةُ بمعنىَ واحدٍ، تفترقان في الاسم وتتحدان في المعنى: لقد تكررت كلمة "الزكاة" في ثلاثين مرة في القرآن العظيم، وجاءت في سبعة وعشرين موضعًا مقترنةً بالصلاة (٣). وفي مواضع ثلاثة لم تقترن بالصلاة: وهي قوله تعالى في سورة الأعراف الآية (١٥٦ ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾، وفي قوله تعالى في سورة الروم الآية (٣٩) ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ وفي قوله تعالى في سورة فصلت الآية (٧): ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾. ويلاحظ أنها لم تأت في تلك المواضع الثلاثين جميعها إلا بمعنى الزكاة المفروضة ذات النُّصُب والمقادِير. أما كلمة "الصدقة" و"الصدقات" فقد تكررت ثلاث عشرة مرة في القرآن العظيم، خمسة مواضع لكلمة "صدقة" وسبعة مواضع لكلمة "الصدقات" وموضع واحد بلفظ "صدقاتكم". فجاءت الصدقة بمعنى إطعام المساكين في كفارة حلق الرأس في الإحرام، قال تعالى في سورة البقرة الآية (١٩٦): ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. وجاءت بمعنى الزكاة المفروضة في قوله تعالى في سورة التوبة الآية (١٠٣): ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. وفي قوله تعالى في سورة التوبة الآية (٦٠): ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. وجاءت بمعنى صدقة الفرض والتطوع في سائر المواضع الأخرى (٤).

стр. 277

وبتأمل السنة النبوية، نجد أنها جاءت بمعنى الفرض في مواضعَ، وجاء في مواضع أخرى بمعنى الفرض والنفل، وفي بعض المواضع بمعنى النفل فقط. وخلاصة القول أنَّ الصدقةَ والزكاةَ بمعنىً واحدٍ تفترقان في الاسم وتتحدانِ في المعنى. ٤ - متى شُرِعَت الزكاة ؟. شُرعت الزكاة في بداية الأمر مطلق صدقة واجبة دون قيد أو شرط، وبلا تحديد نصاب أو حَوْلي أو نسبة، وفي هذه المرحلة - المكية - نزلت آيات كثيرة منها قول الله تعالى في سورة النمل الآيات (١ - ٣) ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (١) هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾. حتى جاء العهد المدني في السنة الثانية للهجرة، فقررت الزكاة ذات الأنصبة والمقادير. ٥ - الحث عليها والتشديد في منعها: قال تعالى في سورة آل عمران الآية (١٨٠): ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ لما بعثَ معاذًا إلى اليمن، قال: "إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسولُ الله، فإنْ هم أطاعوك لذلك، فأعلمْهم أنَّ الله افترض عليهم خمس صلواتٍ في كل يومٍ وليلةٍ، فإنْ هم أطاعوك، فأعلِمْهم أَنَّ الله افترض عليهم صدقةً، تؤخذُ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإنْ هم أطاعوك لذلك، فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم؛ فإنَّه ليس بينها وبين الله حجاب"، وهو حديث صحيح (١). قال تعالى في سورة التوبة الآيتان (٣٤، ٣٥): ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾.

стр. 278

عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما مِن صاحب كنزٍ لا يؤدِّي زكاتَهُ، إلا أُحْمِي عليه في نارِ جهنم، فيُجعلُ صفائحَ؛ فيُكْوَى بها جنباهُ وجبهتُهُ، حتى يحكُمَ اللهُ بين عباده في يومٍ كان مقْدَارهُ خمسينَ ألفَ سنةٍ، ثم يُرى سبيلهُ؛ إما إلى الجنةِ، وإما إلى النارِ، وما منِ صاحب إبلٍ لا يُؤدِّي زكاتَها، إلَّا بُطِح لها بقاعٍ قرقرٍ كأوفَرِ ما كانتَ تستنُّ عليه، كلما مضى عليه أَخرَاها رُدَّتْ عليه أولاها، حتى يحكُمَ الله بين عباده في يومٍ كان مقداره خمسينَ ألفَ سنة، ثم يُرى سبيلهُ؛ إما إلى الجنة، وإمَّا إلى النَّار، وما مِن صَاحب غنمٍ لا يُؤدِّي زكاتها، إلا بُطحً لها بقاع قَرْقر كأوفرِ ما كانَتْ، فتطؤهُ بأظْلافِهَا، وتنطحُهُ بقرونِهِا، ليسَ فيها عقصاء ولا جلْحَاءُ، كلمَّا مضَى عليه أُخْرَاها رُدَّتْ عليه أولاها، حتى يحكم اللهُ بين عباده في يومٍ كان مقدارهُ خمسين ألف سنةِ ممَّا تعدُّون، ثم يُرى سبيلُهُ؛ إمَّا إلى الجنة، وإما إلى النَّارِ"، وهو حديث صحيح (١). ٦ - حكمُ مانِعها: الزكاة ركنٌ من أركانِ الإسلام، وفريضةٌ من فرائض الذين التي أجمعتْ عليها الأمةُ وهي من ضروريات الدِّين؛ بحيثُ لو أنكر وجوبها أحد خرج عن الإسلام وقُتل كفرًا، إلا إذا كان حديث عهدٍ بالإسلام؛ فإنه يُعذر بجهله الأحكام، أما من امتنع عن أدائها مع اعتقادِه بوجوبها؛ فإنَّه يأثمُ بامتناعه، دونَ أنْ يخرجه ذلك عن الإسلام، وعلى الحاكم أن يأخذها منه قهرًا، ويأخذ نصف مَالِهُ عقوبة. عن بَهْزِ بن حكيم عن أبيه عن جدِّه قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "في كلِّ إبلٍ سائمةِ في كلِّ أربعينَ ابنةُ لَبُون، لا تُفرقُ إبلٌ عن حسابها، مَن أعطاها مُؤْتجرًا فله أجرُها، ومَن مَنَعها فإنَّا آخِذُوها، وشَطرَ إبلِهِ، عَزْمَةٌ من عَزَماتِ ربنا ﵎ لا يحلُّ لآل محمدِ منها شيء"، وهو حديث حسن (٢). وأما إذا امتَنعَ قومٌ عن أدائِها مع اعتقادهم وجوبها، وكانت لهم قوة ومَنَعة؛ فإنَّهم يُقاتلُونَ عليها حتى يعطوها. عن ابنِ عُمر أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "أُمِرْتُ أنْ أقَاتِلَ النَّاس، حتى يشهدوا أن لا

стр. 279

إله إلا الله، وأنَّ محمدًا رسولُ الله، ويقيموا الصلاةَ، ويُؤْتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلكَ عصموا منِّي دماءهم وأموالهم إلا بحقِّ الإسلام، وحسابهم على الله"، وهو حديث صحيح (١). وعن أبي هريرة ﵁ لما توفيَ رسولُ الله ﷺ ، وكان أبو بكرٍ، وكفر من كفر من العرب، فقال عمرُ: كيفَ تقاتِلُ الناسَ وقد قال رسولُ الله ﷺ : "أمرت أن أقاتلَ الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قالها فقد عصم مني مالَهُ ونفسَهُ إلا بحقِّه وحسابُهُ على الله"، فقال: واللهِ لأقاتلنَّ من فرقَ بينَ الصلاةِ والزكاةِ، فإن الزكاةَ حق المالِ، واللهِ لو منعوني عَنَاقًا كانوا يؤدونَها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها، قال عمرُ: فواللهِ ما هو إلَّا أنْ قد شرحَ اللهُ صدرَ أبي بكرٍ للقتالِ فعرفتُ أنه الحقُّ"، وهو حديث صحيح (٢). ٧ - آثار إخراج الزكاة على البلاد والعباد: أ - منع الجدب: عن ابن عمر قال: أقبل علينا رسول اللّه ﷺ فقال: "يا معشر المهاجرين: خمسٌ إذا ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن .... ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا مُنِعُوا القطرَ من السماء، ولولا البهائم لم يُمْطَرُوا .. "، وهو حديث حسن (٣). ب - سبيل لنيل البر: قال تعالى في سورة آل عمران الآية (٩٢): ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾. ج - يخلف الله على مخرج الزكاة: قال تعالى في سورة سبأ الآية (٣٩): ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾. عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ما من يوم يصبحُ العبادُ فيه، إلا ملكان ينزلان، فيقولُ أحدُهما: اللهمَّ أَعْطِ مُنِفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أَعْطِ ممسِكًا تلفًا"، وهو حديث صحيح (٤).

стр. 280

د - الدخول في رحمة اللّه: قال تعالى في سورة الأعراف الآية (١٥٦): ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾. هـ - النجاة من الخسران: عن أبي ذر ﵁ قال: انتهيتُ إليه وهو يقولُ في ظِلِّ الكعبة: "هم الأخسرون وربِّ الكعبة، هم الأخسرون وربِّ الكعبة" قلت: ما شأني أيُرى فيَّ شيءٌ؟ ما شأني؟ فجلستُ إليه وهو يقول، فما استطعتُ أن أسكتَ، وتغشاني ما شاءَ اللهُ، فقلت: من هم بأبي أنت وأمي يا رسولَ الله؟ قال: "الأكثرون أموالًا، إلا من قال: هكذا، وهكذا، وهكذا"، وهو حديث صحيح (١). ٨ - على من تجب الزكاة ؟ تجب الزكاة على كل مسلم حر مالك للنصاب، إذا حال الحول على ما يملك من المال سوى الزرع؛ فإنه تجب الزكاة فيه يوم حصاده إذا بلغ النصاب. قال تعالى في سورة الأنعام الآية (١٤١): ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. * * *

стр. 281

الباب الثاني زكاة الحيوان الفصل الأول: نصاب الإِبل إذا بلغت الإبلُ خمسًا ففيها شاةً، ثم في كُلِّ خمسٍ شاةٍ، فإذا بلغت خمسًا وعشرين ففيها ابنة مخاض (١) أو ابنُ لبونٍ (٢)، وفي ست وثلاثين ابنةُ لبونٍ (٣)، وفي ست وأربعين حِقَّةٌ (٤)، وفي إحدى وستين جَذَعَةٌ (٥)، وفي ست وسبعين بِنْتَا لبون، وفي إحدى وتسعين حِقَّتان إلى مائة وعشرين، فإذا زادت ففي كلِّ أربعينَ ابنةُ لبونٍ، وفي كُل خمسينَ حِقَّةٌ، ويوضح ما تقدم الجدول الآتي: النصاب من الإبل القدر الواجب فيه من إلى ٥ ٩ ١ شاة ١٠ ١٤ ٢ شاتان ١٥ ١٩ ٣ شياه ٢٠ ٢٤ ٤ شياه ٢٥ ٣٥ ١ بنت مخاض ٣٦ ٤٥ ١ بنت لبون ٤٦ ٦٠ ١ حقة ٦١ ٧٥ ١ جذعة ٧٦ ٩٠ ٢ بنتا لبون ٩١ ١٢٠ ٢ حقتان ١٢١ ١٢٩ ٣ بنات لبون

стр. 282

النصاب من الإبل القدر الواجب فيه من إلى ١٣٠ ١٣٩ ١ حقة + ٢ بنتا لبون ١٤٠ ١٤٩ ٢ حقة + ١ بنتا لبون ١٥٠ ١٥٩ ٣ حقاق ١٦٠ ١٦٩ ٤ بنات لبون ١٧٠ ١٧٩ ٣ بنات لبون + ١ حقة ١٨٠ ١٨٩ ٢ بنتا لبون + ٢ حقة ١٩٠ ١٩٩ ٣ حقاق + ١ بنت لبون ٢٠٠ ٢٠٩ ٤ حقاق أو ٥ بنات لبون قلت: ودليل ما تقدم: حديث أنس ﵁ قال: إن أبا بكر ﵁ كتبَ لَهُ هذا الكتاب لما وَجَّهَهُ إلى البحرين: "بسم الله الرحمن الرحيم، هذه فريضة الصدقة التي فرض رسولُ الله ﷺ على المسلمين، والتي أمرَ اللهُ بها رسولَهُ، فمن سُئلَها من المسلمين على وجهها فليُعْطِها، ومَنْ سُئِلَ فوقَها فلا يُعطِ: في أربعٍ وعشرينَ من الإبلِ فما دونها من الغنم من كل خمسٍ شاةٌ، فإذا بلغت خمسًا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنتُ مخاضٍ أُنثى، فإذا بلغت ستًّا وثلاثين إلى خمس وأربعينَ ففيها بنتُ لبونٍ أُنثى، فإذا بلغتْ ستًّا وأربعين إلى ستين ففيها حِقَّةٌ طروقةُ الجمل، فإذا بلغتْ واحدةً وستين إلى خمسٍ وسبعين ففيها جَذَعةٌ، فإذا بلغت - يعني ستًّا وسبعين - إلى تسعين ففيها بنتا لبونٍ، فإذا بلغتْ إحدى وتسعين إلى عشرين ومائةٍ ففيها حِقتان طروقتا الجمل. فإذا زَادتْ على عشرينَ ومائة ففي كُلِّ أربعينَ بنتُ لبونٍ وفي كل خمسينَ حِقةٌ، ومن لم يكن معه إلَّا أربعٌ من الإبل فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربُّها، فإذا بلغت خمسًا من الإبل ففيها شاة .. "، وهو حديث صحيح (١).

стр. 283

الفصل الثاني: نصاب البقر ويجبُ في ثلاثينَ من البقر تبيعٌ أو تبيعةٌ (١) وفي أربعين مُسِنَّةٌ (٢)، ثم كذلك: ويوضح ما تقدم الجدول الآتي: النصاب من البقر القدر الواجب فيه من إلى ٣٠ ٣٩ تبيع ٤٠ ٥٩ مسنة ٦٠ ٦٩ تبيعان ٧٠ ٧٩ مسنة وتبيع ٨٠ ٨٩ مسنتان ٩٠ ٩٩ ثلاثة أتبعة ١٠٠ ١٠٩ مسنة وتبيعان ١١٠ ١١٩ مسنتان وتبيع ١٢٠ ١٢٩ ثلاث مسنات أو أتبعة قلت: ودليل ما تقدم: حديث معاذ ﵁ قال: "بعثني النبي ﷺ إلى اليمن، فأمرني أن آخُذَ من كُل ثلاثينَ بقرةً، تبيعًا أو تبيعة، ومن كل أربعينَ، مُسنة، ومن كل حالمٍ دينارًا أو عدْلَهُ معافر (٣) "، وهو حديث صحيح (٤). * * *

стр. 284

الفصل الثالث: نصاب الغنم ويجب في أربعين من الغنم شاةٌ إلى مائة وإحدى وعشرين، وفيها شاتان إلى مائتين وواحدةً، وفيها ثلاثُ شياهٍ، إلى ثلاثمائةٍ وواحدةٍ وفيها أربعُ، ثم في كل مائةٍ شاةٌ. ويوضح ما تقدم الجدول الآتي: النصاب من الغنم القدر الواجب فيه من إلى ١ ٣٩ لا شئ ٤٠ ١٢٠ شاة ١٢١ ٢٠٠ شاتان ٢٠١ ٣٩٩ ثلاث شياه ٤٠٠ ٤٩٩ أربع شياه ٥٠٠ ٥٩٩ خمس شياه وهكذا في كل مائة شاة. قلت: ودليل ما تقدم: حديث أنس ﵁ أن أبا بكر ﵁ كتبَ لَهُ هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين … وفيه: " … وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعينَ إلى عشرين ومائةٍ شاةٌ، فإذا زادت على عشرينَ ومائةٍ إلى مائتين، شاتان، فإذا زادت على مائتين إلى ثلاثمائة، ففيها ثلاثٌ، فإذا زادتْ على ثلاثمائة، ففي كُلِّ مائةٍ شاة، فإذا كانت سائمةُ الرجل ناقصةً من أربعين شاةً واحدة فليس فيها صدقةٌ إلا أن يشاءَ ربُّها … "، وهو حديث صحيح (١). * * *

стр. 285

الفصل الرابع: في الجمع والتفريق والأوقاص ١ - لا يجمع بين متفرقٍ من الأنعامِ، ولا يُفرَّقُ بينَ مجتمعٍ خشية الصدقة: لحديث أنس ﵁ أن أبا بكر ﵁ كتبَ له التي فرضَ رسولُ الله ﷺ : "ولا يُجْمَعُ بين متفرِّقٍ، ولا يُفَرِّقُ بين مجتمعٍ؛ خشيةَ الصدقة"، وهو حديث صحيح (١). • صورة التفريق بين مجتمع: أن يكون لرجلين مائتا شاة وشاة فيكون عليهما فيها ثلاث شياه، فيفرقونها؛ حتى لا يكون على كل واحد منهما إلَّا شاة واحدة. • وصورة الجمع بين مفرِّق: أن يكون لثلاثة أشخاص لكل واحد أربعون شاة، فإذا لم يجمعوها كان على كل واحد شاة، وإذا جمعوها لم يجب فيها إلا شاة واحدة. ٢ - لا زكاة فيما دون النصاب، ولا في الأوقاص: تقدم في حديث أنس الصحيح - في الفصل الأول، وفي الفصل الثالث - لا زكاة فيما دون النصاب، وهذا لا خلاف فيه. الأوقاص: جمع وقص وهو ما بين الفريضتين، وهذا لا خلاف فيه أيضًا. لحديث معاذ ﵁ الطويل وفيه: "أن الأوقاص لا فريضة فيها"، وهو حديث صحيح (٢). ٣ - تراجع الخليطين بالسوية: لحديث أنس ﵁: أن أبا بكر ﵁ كتب له التي فرضَ رسول الله ﷺ : "وما كانَ من خليطينِ؛ فإنهما يتراجعانِ بينها بالسَّويةِ"، وهو حديث صحيح (٣). وصورة الخليطين: أن يكون لكل واحد منهما عشرون شاة، فيأخذ المصدّق من الأربعين، شاةً من ملك أحدهما، فيرجع على صاحبه بنصف قيمتها، وهذا على أن مجرد خلط الشريكين بملكيهما يصيرهما بمنزلة الماشية المملوكة لرجل واحد، وهو الحق كما دلت على ذلك الأدلة.
следующие страницы →