← Фикх общий

Фикх общий · id 782

اللباب في فقه السنة والكتاب

محمد صبحي حلاق

Полный текст (548 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الباب الثاني زكاة الحيوان الفصل الأول: نصاب الإِبل إذا بلغت الإبلُ خمسًا ففيها شاةً، ثم في كُلِّ خمسٍ شاةٍ، فإذا بلغت خمسًا وعشرين ففيها ابنة مخاض (١) أو ابنُ لبونٍ (٢)، وفي ست وثلاثين ابنةُ لبونٍ (٣)، وفي ست وأربعين حِقَّةٌ (٤)، وفي إحدى وستين جَذَعَةٌ (٥)، وفي ست وسبعين بِنْتَا لبون، وفي إحدى وتسعين حِقَّتان إلى مائة وعشرين، فإذا زادت ففي كلِّ أربعينَ ابنةُ لبونٍ، وفي كُل خمسينَ حِقَّةٌ، ويوضح ما تقدم الجدول الآتي: النصاب من الإبل القدر الواجب فيه من إلى ٥ ٩ ١ شاة ١٠ ١٤ ٢ شاتان ١٥ ١٩ ٣ شياه ٢٠ ٢٤ ٤ شياه ٢٥ ٣٥ ١ بنت مخاض ٣٦ ٤٥ ١ بنت لبون ٤٦ ٦٠ ١ حقة ٦١ ٧٥ ١ جذعة ٧٦ ٩٠ ٢ بنتا لبون ٩١ ١٢٠ ٢ حقتان ١٢١ ١٢٩ ٣ بنات لبون

стр. 282

النصاب من الإبل القدر الواجب فيه من إلى ١٣٠ ١٣٩ ١ حقة + ٢ بنتا لبون ١٤٠ ١٤٩ ٢ حقة + ١ بنتا لبون ١٥٠ ١٥٩ ٣ حقاق ١٦٠ ١٦٩ ٤ بنات لبون ١٧٠ ١٧٩ ٣ بنات لبون + ١ حقة ١٨٠ ١٨٩ ٢ بنتا لبون + ٢ حقة ١٩٠ ١٩٩ ٣ حقاق + ١ بنت لبون ٢٠٠ ٢٠٩ ٤ حقاق أو ٥ بنات لبون قلت: ودليل ما تقدم: حديث أنس ﵁ قال: إن أبا بكر ﵁ كتبَ لَهُ هذا الكتاب لما وَجَّهَهُ إلى البحرين: "بسم الله الرحمن الرحيم، هذه فريضة الصدقة التي فرض رسولُ الله ﷺ على المسلمين، والتي أمرَ اللهُ بها رسولَهُ، فمن سُئلَها من المسلمين على وجهها فليُعْطِها، ومَنْ سُئِلَ فوقَها فلا يُعطِ: في أربعٍ وعشرينَ من الإبلِ فما دونها من الغنم من كل خمسٍ شاةٌ، فإذا بلغت خمسًا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنتُ مخاضٍ أُنثى، فإذا بلغت ستًّا وثلاثين إلى خمس وأربعينَ ففيها بنتُ لبونٍ أُنثى، فإذا بلغتْ ستًّا وأربعين إلى ستين ففيها حِقَّةٌ طروقةُ الجمل، فإذا بلغتْ واحدةً وستين إلى خمسٍ وسبعين ففيها جَذَعةٌ، فإذا بلغت - يعني ستًّا وسبعين - إلى تسعين ففيها بنتا لبونٍ، فإذا بلغتْ إحدى وتسعين إلى عشرين ومائةٍ ففيها حِقتان طروقتا الجمل. فإذا زَادتْ على عشرينَ ومائة ففي كُلِّ أربعينَ بنتُ لبونٍ وفي كل خمسينَ حِقةٌ، ومن لم يكن معه إلَّا أربعٌ من الإبل فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربُّها، فإذا بلغت خمسًا من الإبل ففيها شاة .. "، وهو حديث صحيح (١).

стр. 283

الفصل الثاني: نصاب البقر ويجبُ في ثلاثينَ من البقر تبيعٌ أو تبيعةٌ (١) وفي أربعين مُسِنَّةٌ (٢)، ثم كذلك: ويوضح ما تقدم الجدول الآتي: النصاب من البقر القدر الواجب فيه من إلى ٣٠ ٣٩ تبيع ٤٠ ٥٩ مسنة ٦٠ ٦٩ تبيعان ٧٠ ٧٩ مسنة وتبيع ٨٠ ٨٩ مسنتان ٩٠ ٩٩ ثلاثة أتبعة ١٠٠ ١٠٩ مسنة وتبيعان ١١٠ ١١٩ مسنتان وتبيع ١٢٠ ١٢٩ ثلاث مسنات أو أتبعة قلت: ودليل ما تقدم: حديث معاذ ﵁ قال: "بعثني النبي ﷺ إلى اليمن، فأمرني أن آخُذَ من كُل ثلاثينَ بقرةً، تبيعًا أو تبيعة، ومن كل أربعينَ، مُسنة، ومن كل حالمٍ دينارًا أو عدْلَهُ معافر (٣) "، وهو حديث صحيح (٤). * * *

стр. 284

الفصل الثالث: نصاب الغنم ويجب في أربعين من الغنم شاةٌ إلى مائة وإحدى وعشرين، وفيها شاتان إلى مائتين وواحدةً، وفيها ثلاثُ شياهٍ، إلى ثلاثمائةٍ وواحدةٍ وفيها أربعُ، ثم في كل مائةٍ شاةٌ. ويوضح ما تقدم الجدول الآتي: النصاب من الغنم القدر الواجب فيه من إلى ١ ٣٩ لا شئ ٤٠ ١٢٠ شاة ١٢١ ٢٠٠ شاتان ٢٠١ ٣٩٩ ثلاث شياه ٤٠٠ ٤٩٩ أربع شياه ٥٠٠ ٥٩٩ خمس شياه وهكذا في كل مائة شاة. قلت: ودليل ما تقدم: حديث أنس ﵁ أن أبا بكر ﵁ كتبَ لَهُ هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين … وفيه: " … وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعينَ إلى عشرين ومائةٍ شاةٌ، فإذا زادت على عشرينَ ومائةٍ إلى مائتين، شاتان، فإذا زادت على مائتين إلى ثلاثمائة، ففيها ثلاثٌ، فإذا زادتْ على ثلاثمائة، ففي كُلِّ مائةٍ شاة، فإذا كانت سائمةُ الرجل ناقصةً من أربعين شاةً واحدة فليس فيها صدقةٌ إلا أن يشاءَ ربُّها … "، وهو حديث صحيح (١). * * *

стр. 285

الفصل الرابع: في الجمع والتفريق والأوقاص ١ - لا يجمع بين متفرقٍ من الأنعامِ، ولا يُفرَّقُ بينَ مجتمعٍ خشية الصدقة: لحديث أنس ﵁ أن أبا بكر ﵁ كتبَ له التي فرضَ رسولُ الله ﷺ : "ولا يُجْمَعُ بين متفرِّقٍ، ولا يُفَرِّقُ بين مجتمعٍ؛ خشيةَ الصدقة"، وهو حديث صحيح (١). • صورة التفريق بين مجتمع: أن يكون لرجلين مائتا شاة وشاة فيكون عليهما فيها ثلاث شياه، فيفرقونها؛ حتى لا يكون على كل واحد منهما إلَّا شاة واحدة. • وصورة الجمع بين مفرِّق: أن يكون لثلاثة أشخاص لكل واحد أربعون شاة، فإذا لم يجمعوها كان على كل واحد شاة، وإذا جمعوها لم يجب فيها إلا شاة واحدة. ٢ - لا زكاة فيما دون النصاب، ولا في الأوقاص: تقدم في حديث أنس الصحيح - في الفصل الأول، وفي الفصل الثالث - لا زكاة فيما دون النصاب، وهذا لا خلاف فيه. الأوقاص: جمع وقص وهو ما بين الفريضتين، وهذا لا خلاف فيه أيضًا. لحديث معاذ ﵁ الطويل وفيه: "أن الأوقاص لا فريضة فيها"، وهو حديث صحيح (٢). ٣ - تراجع الخليطين بالسوية: لحديث أنس ﵁: أن أبا بكر ﵁ كتب له التي فرضَ رسول الله ﷺ : "وما كانَ من خليطينِ؛ فإنهما يتراجعانِ بينها بالسَّويةِ"، وهو حديث صحيح (٣). وصورة الخليطين: أن يكون لكل واحد منهما عشرون شاة، فيأخذ المصدّق من الأربعين، شاةً من ملك أحدهما، فيرجع على صاحبه بنصف قيمتها، وهذا على أن مجرد خلط الشريكين بملكيهما يصيرهما بمنزلة الماشية المملوكة لرجل واحد، وهو الحق كما دلت على ذلك الأدلة.

стр. 286

٤ - الأنواع التي نهى المصدق عن أخذها: أ - الهرمة: وهي الكبيرة التي سقطت أسنانها. ب - العوراء. ج - التيس. د - ذات عيب. لحديث أنس ﵁ أن أبا بكر ﵁ كتب له التي أمرَ اللهُ ورسولَهُ ﷺ : "ولا يُخرج في الصدقةِ هرِمةٌ ولا ذاتُ عَوارٍ، ولا تيس، إلا ما شاء المصدِّقُ"، وهو حديث صحيح (١). لكتاب عمر المحلي عن النبي ﷺ : "لا تؤخذ هَرِمَة، ولا ذاتُ عيب"، وهو حديث حسن (٢). هـ - الأكُول: والأكُولة: الشاة التي هي للأكل. د - الرُّبَّى: هي التي تكون في البيت لأجل اللبن. ز - الماخِضُ: الحاملُ إذا ضربها الطلقُ. ح - فحل الغنم. عن عائشة ﵂ قالت: "مُر على عمر بغنم من الصدقة، لمحرأى فيها شاة حافلًا ذاتَ ضَرعٍ عظيم، فقال عمر: ما هذه الشاة؟ قالوا: شاة من الصدقة، قال: ما أعطي هذه أهلُها وهم طائعون، لا تفتنوا الناس، لا تأخذوا حَزَرَات أموال المسلمين، نَكَّبُوا عن الطعام"، إسناده صحيح (٣). وعن سفيان بن عبد الله، أن عمر بن الخطاب ﵁ بعثه مصدِّقًا، فكان يَعُدُّ على الناس بالسَّخْلِ، فقالوا: أتَعُدُّ علينا بالسَّخْلِ ولا تأخذ منه شيئًا؟ فلما قدم على عمر بن الخطاب ذكر ذلك له، فقال عمر: نعم، تعدُّ عليهم السخلةَ يحملها الراعي، ولا تأخذُوها، ولا تأخذ الأكُولةَ، ولا الرُّبَّى، ولا الماخِضَ، ولا فحلَ الغنم، وتأخذ الجذعةَ والثنيَّةَ، وذلك عَدْلٌ بين غِذَاءِ المال وخيارِه"، بسند حسن (٤).

стр. 287

الباب الثالث زكاة الذهب والفضة ١ - النصاب والحول شرطان لوجوب زكاة الذهب والفضة: عن علي ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا كانت لك مائتا درهم، وحال عليها الحولُ، ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء، يعني في الذهب، حتى يكون لك عشرون دينارًا، فإذا كانت لك عشرون دينارًا، وحال عليها الحول، ففيها نصف دينار"، وهو حديث حسن (١). ٢ - نصاب الفضة مائتا درهم، وفيها ربع العشر: أي (٢.٥) بالمائة . لحديث علي بن أبي طالب ﵁ الحسن المتقدم في الفقرة رقم ١ من هذا الباب - وعن أنس ﵁ أن أبا بكر ﵁ كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين … وفيه … "وفي الرِّقة (٢) رُبعُ العُشرِ … "، وهو حديث صحيح (٣). الدرهم= ٢.٩٧٥ غرامًا. خمسة دراهم= ١٤.٦٧٥ غرامًا، عشرة دراهم = ٢٩.٧٥ غرامًا. عشرون درهمًا = ٥٩.٥ غرامًا، مائة درهم = ٢٩٧.٥ غرامًا. مائتا درهم = ٥٩٥ غرامًا هو نصاب الفضة. ٣ - نصاب الذهب عشرون دينارًا، وفها ربع العشر: أي: (٢.٥) بالمائة: لحديث علي بن أبي طالب ﵁ الحسن المتقدم في الفقرة ١ من هذا الباب. الدينار= ٤.٢٥ غرامًا، خمسة دنانير= ٢١.٢٥ غرامًا. عشرة دنانير = ٤٢.٥ غرامًا. عشرون دينارًا = ٨٥ غرامًا، وهي نصاب الذهب. انظر: "الإيضاحات العصرية للمقاييس والمكاييل والأوزان الشرعية"، للمؤلف.

стр. 288

٤ - لا تجب الزكاة في الجواهر: كالدر، والياقوت، والزمرد، والماس، واللؤلؤ، والمرجان، ونحو ها؛ لعدم وجود دليل يدل على ذلك، والبراءة الأصلية مستصحبة. ٥ - لا تجب الزكاة ذات النصب التي يشترط فيها حولان الحول في حلي المرأة، المستعمل من الذهب والفضة، وإنما الواجب صدقة مطلقة بحسب ما تجود به النفس: عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص ﵄ قال: إن امرأة من أهل اليمن أتت رسول الله ﷺ ، وبنت لها، في يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب، فقال: "أتؤدين زكاة هذه"؟ قالت: لا، قال: "أيسُرُّك أن يُسَوِّركَ اللهُ بهما بوم القيامة سوارين من نارٍ"؟ قال: فخلَعْتُهما فألقتهما إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: هما لله ولرسوله ﷺ ، وهو حديث حسن (١). وعن عبد الله بن شداد بن الهاد، أنه قال: دخلنا على عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ فقالت: دخل عليّ رسول الله ﷺ ، فرأى في يدي فتختان من وَرِق، فقال: "ما هذا يا عائشة"؟ فقالت: صنعْتُهن أتزين لك يا رسول اللّه، قال: "أتؤدين زكاتهن؟ " قلت: لا، أو ما شاء الله، قال: "هو حَسْبُكِ من النار"، وهو حديث صحيح (٢). والحديثان يدلان على وجوب الزكاة في حلي النساء المستعمل من الذهب والفضة، لكن الظاهر أنها ليست الزكاة المشروعة المفروضة التي يطلب فيها بلوغ النصاب وحولان الحول؛ وذلك لأمور: أ - أن المسكتين أو الفتخات لا تبلغان النصاب. ب - لم يسأل الرسول ﷺ عن حولان الحول، ولا يقال: إنها قد حال عليها الحول؛ لأن ظاهر حديث عائشة واضح الدلالة في أن اتخاذها للفتخات كان قريبًا من رؤية الرسول ﷺ ، فهي لم يحل عليها الحول.

стр. 289

ج - أن عموم الأحاديث التي تقول بوجوب الزكاة في الذهب والفضة، تدل على أن الزكاة في الذهب والفضة المستعمل في النقد؛ لأن اللغة والعرف إنما يطلقان هذه الألفاظ على النقد، لا على مطلق الذهب والفضة. د - أن حلي المرأة المستعمل مثله مثل البقر العوامل والإبل العوامل، لا تجب فيها الزكاة، مع كون جنسها مما تجب فيه الزكاة. هـ - أن أكثر الصحابة: على أنه لا زكاة في حلي المرأة المستعمل. و - روي عن جماعة من السلف: أن زكاة حلي المرأة المستعمل عاريته. عن نافع - مولى عبد اللّه بن عمر - أن ابن عمر ﵄: "كان يُحلِّي بناته وجواريَهُ الذهب، ثم لا يُخرِجُ من حُليهنَّ الزكاة"، إسناده صحيح (١). وعن القاسم بن محمد ﵀: "أن عائشة ﵂ كانت تلي بناتِ أخيها محمدٍ، يتامَى في حجرها، ولهنَّ الحلي، فلا تزكيه"، وإسناده صحيح (٢). ٦ - زكاة عروض التجارة: قال الشيخ الألباني (٣) ﵀: "والحق أن القول بوجوب الزكاة على عروض التجارة، مما لا دليل عليه في الكتاب والسنة الصحيحة … " اهـ. أما الشوكاني (٤) ﵀: فكان أولًا يرى وجوب زكاة عروض التجارة، ثم رجع (٥) عن ذلك وفاقًا للظاهرية، وخالفهم الجمهور (٦). * * *

стр. 290

الباب الرابع زكاة النبات ١ - أصناف الحبوب التي تجب فيها الزكاة: عن أبي موسى الأشعري، ومعاذ ﵄: أن النبي ﷺ قال لهما: "لا تأخذوا في الصدقة إلَّا من هذه الأصناف الأربعة: الشعير، والحِنْطةِ، والزبيب، والتمر"، وهو حديث حسن (١). ٢ - نصاب النبات خمسة أوسق: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليسَ فيما دونَ حمسِ ذودٍ صدقة من الإبل، وليس فيما دُونَ خمسِ أواقٍ صدقة، وليس فيما دُونَ خمسةِ أوسق صدقة"، وهو حديث صحيح (٢). الذود: من الثلاثة إلى العشرة، لا واحد له من لفظه، إنما يقال في الواحد: بعير. الأوقية: ٤٠ درهمًا. فالخمس أواقي= ٢٠٠ درهم. الوسق= ٦٠ صاعًا كيلًا. الصاع= ٤ أمداد كيلًا. المد= ٥٤٤ غرامًا من القمح. فالوسق - ٦٠ × ٤× ٥٤٤ = ١٣٠٥٦٠ غرامًا = ١٣٠.٥٦ كيلو غرامًا. فالخمسة أوسق = ١٣٠.٥٦ × ٥ = ٦٥٢.٨ كيلو غرامًا. [انظر: "الإيضاحات العصرية للمقاييس والمكاييل والأوزان الشرعية"، للمؤلف].

стр. 291

٣ - ما سقت السماء ففيه العشر، وما سقي بالسانية فنصف العشر: عن جابر بن عبد الله ﵄ أنه سمع النبي ﷺ قال: "فيما سَقَتِ الأنهارُ والغيم (١) العشور، وفيما سُقِيَ بالسانية (٢) نصف العشر"، وهو حديث صحيح (٣). ٤ - تجب الزكاة في العسل: عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "في العسلِ، في كلِّ عشْرةِ أَزِقٍّ زِقٌّ"، وهو حديث صحيح (٤). ٥ - توزع زكاة كل محلة على فقرائها: عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: "إنك ستأتي قومًا أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أنَّ اللهَ قد فرض عليهم خمسَ صلواتٍ في كل يومٍ وليلةٍ، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله فرض عليهم صدقةً تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فإياك وكرائم أموالِهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينه وبين الله حجاب"، وهو حديث صحيح (٥). ٦ - تجزئ الزكاة وإن دفعت لسلطان جائر: عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال لنا رسولُ الله ﷺ : "إنكم سترونَ بعدي أثرةً (٦)، وأمورًا تنكرونها"، قالوا: فما تأْمرُنا يا رسول الله؟ قال: "أدُّوا إليهم حقهم وسلوا الله حقكم"، وهو حديث صحيح (٧).

стр. 292

الباب الخامس مصارف الزكاة أولًا: مصارف الزكاة ثمانية . قال تعالى في سورة التوبة الآية (٦٠): ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. ١ - الفقير: الذي لا شيء له . عن أنس عن النبي ﷺ أنه قال: "المسألةُ لا تَحِلُّ إلا لثلاثةٍ، لذي فَقْرٍ مُدْقِعٍ، أو لذي غُرمٍ مُفظِعٍ، أو لذي دَمٍ مُوجعٍ"، وهو حديث صحيح لغيره (١). وعن عُبيد الله بن عديٍّ بن الخيار: أن رجلينِ أخبراه أنهما أتيا النبي ﷺ يسألانه من الصدقة، فقلَّبَ فيهما البصرَ ورآهما جَلْدَينِ، فقال: "إِن شئتُما أعطيتكما، ولا حظَّ فيها لغنيٍّ، ولا لقويٍّ مكتسب"، وهو حديث صحيح (٢). ٢ - المسكين: الذي له شيء لا يكفيه . عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس المسكينُ الذي تردُّهُ التمرةُ والتمرتان، ولا اللقمةُ واللقمتانِ، إنما المسكين الذي يتعفَّفُ، اقرؤوا إن شئتم: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]، وهو حديث صحيح (٣). وفي لفظ: "ليس المسكينُ الذي يطوفُ على الناسِ، تردُّهُ اللقمةُ واللقمتان، والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنىً يُغْنيه، ولا يُفْطَنُ به فيُتَصَدَّقُ عليه، ولا يقومُ فيسأل الناسَ"، وهو حديث صحيح (٤). ٣ - العاملون عليها: هم الجباة والسعاة ولا يجوز أن يكونوا من بني هاشم . عن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إنَّ الصدقةَ لا تنبغي لآل محمدٍ، إنما هي أوساخ الناسِ".

стр. 293

وفي رواية: "وإنها لا تَحِلُّ لمحمدٍ، ولا لآل محمد"، وهو حديث صحيح (١). وعن بُسر بن سعيد أن ابن السعدي المالكي قال: استعملني عمرُ على الصدقة، فلما فَرَغْتُ منها، وأديتُها إليه، أمر لي بعُمالة، فقلتُ: إنما عملتُ لله! فقال: خُذْ ما أعطيتَ فإني عملتُ على عهد رسول الله ﷺ فعمَّلني، فقلتُ مثلَ قولِكَ، فقال لي رسولُ الله ﷺ : "إذا أعطيت شيئًا من غير أن تسأل، فكلْ وتصدَّق"، وهو حديث صحيح (٢). ٤ - المؤلفة قلوبهم: عن عمرو بن تغلبَ: أن رسول الله ﷺ أُتي بمالٍ أو سبيٍ فقسمه، فأعطى رجالًا، وترك رجالًا، فبلغَهُ أنَّ الذين تَرك عَتَبُوا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أما بعدُ: فوالله إني لأعطي الرجُلَ، وأدعُ الرَّجُلَ، والذي أدعُ أحبُّ إليَّ من الذي أعطي، ولكني أعطي أقوامًا؛ لما أرى في قلوبهم من الجزع والهلع، وأكلُ أقوامًا إلى ما جُعِلَ في قلوبهم من الغنَى والخير، منهم عمرو بن تغلبَ"، فوالله ما أُحبُّ أنَّ لي بكلمةِ رسول الله ﷺ حُمْرَ النَّعَم، وهو حديث صحيح (٣). وعن عامر بن سعدٍ، عن أبيه، قال: قسمَ رسول الله ﷺ قَسْمًا، فقلت: يا رسول اللّهِ! أعْطِ فلانً؛! فإنَّهُ مؤمن، فقال النبي ﷺ : "أو مسلم" أقولها ثلاثًا ويردّدُهَا عليَّ ثلاثًا: "أو مُسْلِمٌ" ثم قال: "إني لأعطي الرجلَ، وغيرُهُ أحَبُّ إليَّ منه؛ مخافة أن يَكُبَّهُ اللهُ في النار"، وهو حديث صحيح (٤). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: بعث علي ﵁ وهو باليمن، بذهبةٍ في تُربتها إلى رسول الله ﷺ فقسمها رسولُ الله ﷺ بين أربعة نفر: الأقرعُ بنُ حابس الحنظلي، وعيينةُ بنُ بدرٍ الفزاري، وعلقمةُ بن عُلاثَة العامري، ثم أحدُ بني كلابٍ، وزيدُ الخير الطائيّ، ثم أَحد بني نبهانَ، قالَ: فغضِبَتْ قريشٌ فقالوا: أيعطي صناديد نجدٍ ويدعُنَا؟ فقال رسولُ الله ﷺ : "إني إنما فعلتُ ذلِكَ، لأتألفهُم"، وهو حديث صحيح (٥).

стр. 294

٥ - وفي الرقاب: أي إنها تشتري الرقاب لتعتق . عن البراء بن عازب ﵁ قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله: علمني عملًا يدخلني الجنة، فقال: "لئن كنتَ أقصرْتَ الخُطبةَ لقد أعرضْتَ المسألةَ (١)، أَعْتِقْ النسمةَ (٢)، وفُك الرقبةَ"، فقال: يا رسول الله أوليستا بواحدة؟ قال: "لا، إن عتق النسمة أن تفَرَّدَ بعتقها، وفك الرقبة أن تعين في عتقها .. "، وهو حديث صحيح (٣). ٦ - الغارمين: هم الذين ركبهم الدين ولا وفاء عندهم . عن قبيصة بن مُخارقٍ الهلالي قال: تحمَّلتُ حَمالةً، فأتيتُ رسولَ الله ﷺ أسالُهُ فيها، فقال: "أقم حتى تأتينا الصدقةُ فنأمُرَ لكَ بها" ثم قال: "يا قبيصةُ؛ إن المسألة لا تحِلُّ إلَّا لأحدِ ثلاثة: رجُلٍ تحمَّلَ حمالةً، فحلَّتْ له المسألةُ حتى يُصيبَها ثم يُمسكُ، ورجلٌ أصابتهُ جَائحة اجتاحتْ مالَهُ، فحلَّتْ له المسألة حتى يُصيب قِوامًا من عيشٍ - أو قال: سِدَادًا من عيشٍ - ورجُلٍ أصابْتهُ فاقةٌ، حتى يقول ثلاثةٌ من ذوي الحِجا من قومه: لقد أصابتْ فلانًا فاقةٌ فَحلَّتْ له المسألة، حتى يُصيب قوامًا من عيشٍ - أو قال: سدادًا من عيشٍ - فما سواهُنَّ من المسألة يا قبيصةُ فسحتٌ يأكلها صاحِبُها سُحْتًا"، وهو حديث صحيح (٤). ٧ - في سبيل الله: يصرف في الغزاة، وفي الحج . عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "لا تحلُّ الصدقةُ لغني إلَّا لخمسة: لعامل عليها، أو رجُل اشتراها بمالِهِ، أو غارمٍ، أو غازٍ في سبيل الله، أو مسكين تُصدِّقَ عليه منها، فأهدى منها لغني"، وهو حديث صحيح (٥). وعن أم معقل ﵂ قالت: "لما حج رسول الله ﷺ حجة الوداع، وكان لنا جمل، فجعله أبو معقل في سبيل الله، وأصابنا مرض، وهلك أبو معقل، وخرج النبي ﷺ فلما

стр. 295

فرغ من حجته جئته، فقال: يا أم معقل، ما منعك أن تخرجي معنا؟ قالت: لقد تهيأنا، فهلك أبو معقل، وكان لنا جمل هو الذي نحج عليه، فأوصى به أبو معقل في سبيل الله، قال: "فهلا خرجت عليه؛ فإن الحج في سبيل الله، فأما إذا فاتتك هذه الحجة معنا فاعتمري في رمضان؛ فإنها كحجة"، فكانت تقول: الحج حجة، والعمرة عمرة، وقد قال هذا لي رسول الله ﷺ ، ما أدري ألي خاصة؟، وهو حديث صحيح (١). ٨ - وابن السبيل: المسافر . المسافر: الذي يريد أن يرجع إلى بلده، وقد فقد النفقة التي تبلغه إلى مقصده (٢). ثانيًا: تحرم الصدقة على بني هاشم ومواليهم . عن أنس ﵁ قال: مر النبي ﷺ بتمرةٍ مسقوطة فقال: "لولا أن تكون صدقة لأكلتها"، وهو حديث صحيح (٣). وعن أبي هريرة ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يُؤتى بالتمر عندَ صِرام النخل فيجئ هذا بتمره، وهذا من تمره، حتى يصيرَ عندَهُ كومًا من تمرٍ، فجعل الحسن والحسين ﵄ يلعبان بذلك التمر، فأخذَ أحدُهما تمرةً فجعله في فيهِ، فنظر إليه رسول الله ﷺ فأخرجها من فيه فقال: "أما علمت أنَّ آل محمد لا يأكلون الصدقة"، وهو حديث صحيح (٤). ثالثًا: كراهة المتصدق أن يشتري ما تصدق به . عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: حملتُ على فرسٍ (٥) في سبيل الله، فأضاعَهُ الذي كان عندهُ (٦)، فأرَدْتُ أن أشتريه، وظنَنْتُ أن يبيعَهُ برُخصٍ، فسألت النبي ﷺ فقال: "لا تشتره، ولا تعد في صدقتك وإن أعطاكَهُ بدِرْهَمٍ؛ فإن العائد في صدقتهِ كالعائد في قيئه"، وهو حديث صحيح (٧).

стр. 296

رابعًا: يجوز للمرأة أن تدفع زكاتها إلى زوجها . عن زينب امرأةِ عبد الله بن مسعودٍ، قالت: قال رسولُ الله ﷺ : "تصدَّقْنَ يا معشرَ النساء ولو من حُليِّكُنَّ"، قالت: فرجعتُ إلى عبد الله فقلت: إنك رجلٌ خفيفُ ذاتِ اليد، وإنَّ رسولَ الله ﷺ قد أمرنا بالصدقة فائتِهِ فاسألهُ فإن كان ذلك يُجزئ عني وإلا صرفتُها إلى غيركم؛ فقال عبد الله: بل ائتيهِ أنتِ، قالت: فانطلقتُ فإذا امرأة من الأنصار بباب رسول الله ﷺ حاجتي حاجتُها، قالت: وكان رسولُ الله ﷺ قد ألقيت عليه المهابةُ، قالت: فخرجَ علينا بلالٌ فقلنا له: ائتِ رسولَ الله ﷺ فأخبره أن امرأتين بالباب يسألانك: أتجزئ الصدقةُ عنهما على أزواجهما، وعلى أيتام في حجورهما، ولا تخبرْ مَنْ نحنُ، قالت: فدخلَ بلالٌ فسألهُ، فقالَ له: "من هُمَا"؟ فقال: امرأةٌ من الأنصار وزينبُ، فقال: "أي الزَّيانبِ؟ " فقال: امرأةُ عبد الله، فقال: "لهما أجران: أجرُ القرابة، وأجرُ الصدقة"، وهو حديث صحيح (١). * * *

стр. 297

الباب السادس صدقة الفطر ١ - وجوب صدقة الفطر: عن ابن عمر ﵄ قال فرض رسول الله ﷺ زكاة الفِطْر، صاعًا من تمرٍ أو صاعًا من شعيرٍ: على العبدِ، والحرِّ، والذَّكَرِ، والأنثى، والصغير، والكبير، من المسلمين، وأمر بها أن تؤدى قبل خروجِ الناس إلى الصلاة، وهو حديث صحيح (١). ٢ - حكمة صدقة الفطر: عن ابن عباس ﵄ قال: "فرضَ رسولُ اللهِ ﷺ زكاةَ الفِطْرِ طُهْرَةً للصائِم من اللَّغوِ والرَّفثِ، وطُعمةً للمساكين، فمن أداها قبلَ الصلاة فهي زكاةٌ مقبولةٌ، ومن أدَّاها بعدَ الصلاةِ فهي صدقةٌ من الصدقات"، وهو حديث حسن (٢). ٣ - وقت إخراج زكاة الفطر: عن ابن عمر قال: "أمر رسول الله ﷺ بزكاة الفطر أن تؤدى، قبل خروج الناس إلى الصلاة"، وهو حديث صحيح (٣)، ويجوز تعجيلها لمن يقبضها قبل الفطر بيوم أو يومين، عن نافع قال: "كان ابن عمر يعطيها الذين يقبلونها، وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين"، وهو حديث صحيح (٤). ٤ - مصرف زكاة الفطر مصرف الزكاة المفروضة ، ولا يجب استيعاب الأصناف المذكورة في الآية، ولا يصرفها للمؤلفة قلوبهم، والعاملين عليها؛ لأن المسلم يصرفها بنفسه أو من يوكله؛ لعموم آية التوبة (٦١): ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، وهذا مذهب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وابن حزم، ﵏ جميعًا.

стр. 298

الباب السابع الخُمس ١ - يجب الخُمس فيما يُغنم في القتال: لقوله تعالى في سورة الأنفال الآية (٤١): ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾. ٢ - يجب الخُمس في الرِّكاز: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "العجماءُ جبارٌ (١)، والبئر جبار والمعدنُ جُبارٌ، وفي الركاز (٢) الخُمس"، وهو حديث صحيح (٣). ٣ - مصرف الغنائم والركاز: كما ورد في سورة الأنفال الآية (٤١). * * *

стр. 299

الكتاب الخامس كتاب الحج ويتضمن بابين

стр. 300

كتاب الحج ويتضمن بابين الباب الأول: أحكام الحج. الفصل الأول: وجوب الحج. الفصل الثاني: وجوب تعيين نوع الحج بالنية. الفصل الثالث: حجة النبي ﷺ . الفصل الرابع: محظورات الإحرام. الفصل الخامس: ما يجب عمله أثناء الطواف الفصل السادس: وجوب السعي بين الصفا والمروة. الفصل السابع: مناسك الحج. الفصل الثامن: البدع المستحدثة في الحج. الفصل التاسع: أفضل أنواع الهدي. الباب الثاني: العمرة المفردة.

стр. 301

الباب الأول أحكام الحج الفصل الأول: وجوب الحج ١ - تعريف الحج: الحج في اللغة: القصد، فمعنى قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. قصد البيت، والقصد لا إجمال فيه. ٢ - الحج واجب مع العمرة في العمر على كل مسلم بالغ، عاقل، حر، مستطيع: قال تعالى في سورة آل عمران الآية (٩٧): ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. وعن ابن عباس ﵄ قال: خطبنا رسولُ الله ﷺ فقال: "إنَّ اللهَ كتبَ عليكمُ الحجَّ"، فقام الأقرع بن حابسٍ، فقال: أفي كُلِّ عامٍ يا رسولَ الله؟ قال: "لَوْ قُلْتُهَا لو جَبَتْ، الحجُّ مَرّةً، فما زادَ فهو تطوُّعٌ"، وهو حديث صحيح (١). قال تعالى في سورة البقرة (١٩٦): ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. وعن ابن عباس ﵄ قال: قالَ رسول الله ﷺ : "هذه عمرة استمتعنا بها، فمن لم يكن عندهُ الهديُ فليحلّ كُلَّهُ؛ فإنّ العمرةَ قد دخلتْ في الحج إلى يوم القيامة"، وهو حديث صحيح (٢).

стр. 302

٣ - إذا حجّ الصبي صح حجه ولا تسقط عنه حجة الإسلام إذا بلغ: عن ابن عباس ﵄ أن امرأة رفعت إلى النبي ﷺ صبيًّا، فقالت: ألهذا حجٌّ؟ قال: "نعم ولك أجر"، وهو حديث صحيح (١). وعن السائب بن يزيد قال: "حُجَّ بي مع رسول الله ﷺ وأنا ابنُ سبعِ سنين"، وهو حديث صحيح (٢). ويؤيد عدمَ إجزاء حج الصبي عن حجة الإسلام ما جاء عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "رُفِعَ القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الغلام حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق"، وهو حديث صحيح (٣). ٤ - تجوز الاستنابة في الحج من الولد أو الأخ أو القريب: عن ابن عباس ﷺ : "أن امرأةً من خَثْعَمٍ قالت: يا رسول الله، إن أبي أدركتْه فريضةُ الحج شيخًا كبيرًا، لا يستطيع أن يستوي على ظهر بعيره، قال: "فحُجِّي عنه"، وهو حديث صحيح (٤). وعن أبي رَزِين العُقَيْلي أنه أتي النبي ﷺ فقال: إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحجَّ ولا العُمرة ولا الظعن، فقال: "حُجَّ عن أبيك واعتمِرْ"، وهو حديث صحيح (٥). وعن ابن عباس ﵄: "أن امرأةً من جُهينةَ جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: إنَّ أُمي نذرت أن تحجّ فلم تحجَّ حتى ماتت، أفأحُجُّ - عنها؟ قال: "نعم حُجي عنها: أرأيت لو كان على أمك دينٌ أكنتِ قاضيتَه؟ "، وهو حديث صحيح (٦).

стр. 303

وعن ابن عباس ﵄ أنَّ النبي ﷺ سمع رجلًا يقول: "لبيك عن شُبْرمةَ، قال: "من شُبرمة؟ " قال: أخٌ لي أو قريب لي، قال: "حَجَجْتَ عن نفسك؟ " قال: لا، قال: "حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة"، وهو حديث صحيح (١). ٥ - فضل الحج والعمرة: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "العُمْرَةُ إلى العُمْرَة كفَّارة لما بينهما، والحجُّ المبرورُ ليس له جزاءٌ إلا الجنَّة"، وهو حديث صحيح (٢). وعن عبد الله بن مسعودٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تَابِعُوا بينَ الحجِّ والعُمرة؛ فإنَّهما ينفيان الفقرَ والذنوبَ، كما ينفي الكيرُ خَبَثَ الحديد والذَّهبِ والفضةِ، وليسَ للحجَّةِ المبرورة ثوابٌ إلَّا الجنَّةَ"، وهو حديث حسن (٣). وعن أبي هريرة ﷺ قال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "من حَجَّ فلم يرفُثْ (٤) ولم يفسقْ، رجعَ من ذنوبهِ كيوم ولدتهُ أمُّهُ"، وهو حديث صحيح (٥). * * *

стр. 304

الفصل الثاني وجوب تعيين نوع الحج بالنية أولًا: تعيين نوع الحجِّ بالنية واجب: ١ - التمتع: هو أن يحرم الآفاقي بالعمرة في أشهر الحج، فيدخل مكة، ويتم عمرته، ويخرج من إحرامه، ثم يبقى حلالًا حتى يحج، وعليه أن يذبح ما تيسر من الهدي. عن ابن عمر ﵄ قال: تمتَّع رسول الله ﷺ في حَجَّةِ الوداعِ بالعمرةِ إلى الحج، وأهدى، فَسَاقَ معه الهديَ من ذي الحليفة … "، وهو حديث صحيح (١). ٢ - القِران: هو أن يحرم الآفاقي بالحج والعمرة معًا، ثم يدخل مكة ويبقى على إحرامه حتى يفرغ من أعمال الحج، وعليه أن يطوف طوافًا واحدًا وسعيًا واحدًا. لحديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من أحرمَ بالحجِّ والعمرةِ أجزأه طوافٌ واحدٌ وسعيٌ واحدٌ عنهما، حتى يحلَّ منهما جميعًا"، وهو حديث صحيح (٢). أما الحج بنية القران: لحديث عائشة ﵂ أنها قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حجَّة الوداعِ، فمنَّا من أهلَّ بعُمرةٍ، ومنا من أهلَّ بحجةٍ وعُمرةٍ، ومنا من أهلَّ بالحجِّ، وأهل رسولُ الله ﷺ بالحج، فأما مَنْ أهلَّ بالحجِّ، أو جمع بين الحجِّ والعُمرة لم يَحلُّو حتى كانَ يومَ النَّحرِ"، وهو حديث صحيح (٣). ٣ - الإفراد: وهو أن يحرم الآفاقي بالحج منفردًا، ولا يحل من إحرامه إلا بعد رمي جمرة العقبة، لحديث عائشة الصحيح المتقدم في القران. ٤ - أفضل أنواع الحج: التمتع. لحديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: "أهللنا مع رسول اللهِ ﷺ بالحجِّ، فلما قدمنا مكةَ أمرَنَا أن نَحِلَّ ونجعلَهَا عمرةً، فَكَبُرَ ذلك علينا، وضاقت به صدورنا فبلغَ ذلكَ النبي ﷺ ، فما ندري أشيءٌ بلغهُ من السماءِ، أم شيءٌ من قِبلِ الناس، فقال: "أيها الناسُ

стр. 305

أحِلُّوا، فلولا الهديُ الذي معي، فعلتُ كما فعلتم"، قال: فأحللنا حتى وطِئنا النَّسَاءَ، وفعلنا ما يفعلُ الحلالُ، حتى إذا كان يومُ الترويةِ وجعلنا مكةَ بظهْرٍ (١) أهللنا بالحج"، وهو حديث صحيح (٢). ثانيًا: الإحرام من المواقيت المكانية المحددة . الإحرام من المواقيت المعروفة: عن ابن عباس ﵄ قال: "وقَّتَ رسولُ الله ﷺ لأهلِ المدينةِ ذا الحُليفةِ، ولأهلِ الشامِ الجُحفة، ولأهل نجدٍ قَرْنَ المنازل، ولأهل اليمن: يَلَملَمْ، فهنَّ لهنَّ ولمن أتَى عليهنَّ من غير أهلهنَّ لمن كان يُريدُ الحجَّ والعمرةَ، فمن كان دُونَهنَّ فَمَهِلَّهُ من أهلِهِ، وكذاك حتى أهلُ مكةَ يَهِلُّونَ منها"، وهو حديث صحيح (٣). ذو الحليفة: مهل أهل المدينة، وهي قرية تعبد عن مكة (٤٥٠ كم)، وهي أبعد المواقيت عن مكة. الجحفة: وهي مهل أهل الشام، وهي قرية تبعد عن مكة (١٨٧ كم) وهي اليوم خراب، ولهذا صار الناس يحرمون قبلها من المكان الذي يسمى (رابغًا) وتبعد عن مكة (٢٠٤ كم). قرن المنازل: ويسمى قرن الثعالب، وهو ميقات أهل نجد، يبعد عن مكة (٩٤ كم). يلملم: وهو ميقات أهل اليمن، يبعد عن مكة (٥٤ كم). ذات عرق: وهو ميقات أهل العراق. وهو مكان بالبادية يفصل بين نجد وتهامة، يبعد عن مكة (٩٤ كم). وعن ابن عباس ﵄ قال: "إنَّ النبي ﷺ وقَّت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجدٍ قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، هنَّ لهنَّ ولمن أتى عليهنَّ من غيرهنَّ ممن أراد الحج والعُمرة، ومن كان دون ذلك فمن حيثُ أنشأ، حتى أهل مكة من مكة"، وهو حديث صحيح (٤). * * *

стр. 306

الفصل الثالث حجة النبي ﷺ - روى مسلم (١) بسنده عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: دخلنا على جابر بن عبد الله، فسأل عن القوم حتى انتهى إليَّ، فقلت: أنا محمد بن علي بن حسين، فأهوى بيده إلى رأسي فنزع زِرِّي الأعلى، ثم نزع زِرِّي الأسفل، ثم وضع كفه بين ثدييي، وأنا يومئذٍ غلام شاب، فقال: مرحبًا بك يا بْن أخي، سل عما شئت، فسألته، وهو أعمى، وحضر وقت الصلاة، فقام في نساجةٍ ملتحفًا بها، كلما وضعها على منكبه رجع طرفاها إليه من صغرها، ورداؤه على المشجب، فصلى بنا، فقلت: أخبرني عن حجة رسول الله ﷺ فقال بيده فَعَقَدَ تسعًا، فقال: "إن رسول الله ﷺ مكث تسع سنين لم يحج، ثم أذَّنَ في الناس في العاشرة، أن رسول الله ﷺ حاج، فقَدِم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتمّ برسول الله ﷺ ويعمل مثل عمله، فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة، فولدت أسماء بنت عميس محمد ابن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ كيف أصنع؟ قال: "اغْتَسِلي واستثْفِري (٢) بثوب وأَحْرمي" فصلى رسول الله ﷺ في المسجد، ثم ركب القصواء حتى إذا استوت به ناقته على البيداء، نظرتُ إلى مد بصري بين يديه من راكب وماشٍ، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله ﷺ بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل به من شيء عملنا به، فأهلّ بالتوحيد: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك"، وأهلَّ الناس بهذا الذي يهلّون به، فلم يرد رسول الله ﷺ عليهم شيئًا منه، ولزم رسول الله ﷺ تلبيته. قال جابر ﷺ : لسنا ننوي إلَّا الحج، لسنا نعرف العمرة، حتى إذا أتينا البيت معه، استلم الركن، فرملَ ثلاثًا، ومشى أربعًا، ثم نفذ إلى مقام إبراهيم ﵇، فقرأ:

стр. 307

﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] فجعل المقام بينه وبين البيت، فكان أبي يقول: "ولا أعلمه ذكره إلا عن النبي ﷺ "، كان يقرأ في الركعتين: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾، ثم رجعَ إلى الركنِ فاستلمه، ثم خرج إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] أبدأ بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا فَرَقِيَ عليه حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة فوحّد الله وكبّره، وقال: "لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده"، ثم دعا بين ذلك، قال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة، حتى إذا انصبَّت قدماه في بطن الوادي سعى، حتى إذا صعدنا مشى حتى أتى المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصفا، حتى إذا كان آخر طوافه على المروة فقال: "لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أَسُقِ الهَدْيَ وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي، فليحل وليجعلها عمرة" فقام سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله أَلِعَامِنَا هذا أم لأبد؟ فَشَبَّكَ رسولُ الله ﷺ أصابعهُ واحدة في الأخرى، وقال: "دخلت العمرة في الحج"، مرتين "لا بل لأبد أبد". وقَدم عليٌّ من اليمن بِبُدْنِ النبي ﷺ فوجد فاطمة ﵂ ممن حل ولبست ثيابًا صبيغًا واكتحلتَ، فأنكر ذلك عليها، فقالت: إن أبي أمرني بهذا، قال: فكان علي يقول بالعراق: فذهبت إلى رسول الله ﷺ مُحَرِّشًا على فاطمة للذي صنعت، مستفتيًا لرسول الله ﷺ فيما ذكرتْ عنه، فأخبرته أني أنكرت ذلك عليها فقال: "صدقَتْ صدقَتْ، ماذا قلت حين فَرَضْتَ الحج؟ " قال: قلت: اللهم إني أهلّ بما أهلَّ به رسولك، قال: "فإن معي الهَدْيَ، فلا تُحِل"، قال: فكان جماعة الهدي الذي قدم به عليٌّ من اليمن والذي أتى به النبي ﷺ مائة قال: فحلّ الناس كلهم وقصروا إلا النبي ﷺ ومن كان معه هدي، فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى، فأهلّوا بالحج، وركب رسول الله ﷺ فصلى بهم الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلًا حتى طلعت الشمس، وأمر بقبة من شَعَرٍ تضرب له بنمرة، فسار رسول الله ﷺ ، ولا تشك قريش إلا إنه واقف عند المشعر الحرام، كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فأجاز رسول الله ﷺ حتى أتى عرفة؛ فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له، فأتى بطن

стр. 308

الوادي فخطب الناس وقال: "إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث، كان مسترضعًا في بني سعد فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع، وأول ربًا أضع ربانا، ربا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله، فاتقوا الله في النساء؛ فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن ألَّا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به، كتاب الله، وأنتم تُسْألون عني، فما أنتم قائلون؟ " قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: "اللهمَّ اشهد، اللهمَّ اشهد" ثلاث مرات، ثم أذن، ثم أقام، فصلى الظهر، ثم أقام، فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئًا. ثم ركب رسول الله ﷺ حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصَّخَرَاتِ، وجعل حبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة، فلم يزل واقفًا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلًا حتى غاب القرص، وأردف أسامة خلفه، ودفع رسول الله ﷺ وقد شنق للقصواء الزمام، حتى إن رأسها ليصيب مَوْرِكَ رحله، ويقول بيده اليمنى: "أيها الناس السكينة السكينة" كلما أتى حبلًا من الحبال أرخى لها قليلًا حتى تصعد، حتى أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء بأذانٍ واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئًا، ثم اضطجع رسول الله ﷺ حتى طلع الفجر، وصلى الفجر، حين تبين له الصبح بأذان وإقامة. ثم ركب القصواء، حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعاه وكبره وهلله وحده فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدًّا، فدفع قبل أن تطلع الشمس، وأردف الفضل بن عباس، وكان رجلًا حسن الشَّعْرِ، أبيض، وسيمًا، فلما دفع رسول الله ﷺ مرت به ظُعُنٌ يجرين، فطفق الفضل ينظر إليهن، فوضع رسول الله ﷺ يده على وجه الفضل، فحوّل الفضل وجهه إلى الشق الآخر ينظر، فحوّل رسول الله ﷺ يده من الشق الآخر على وجه الفضل، يصرف وجهه من الشق الآخر، حتى أتى بطن مُحَسِّر، فحرك قليلًا،

стр. 309

ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة منها حصى الخَذْف (١)، رمى من بطن الوادي، ثم انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثًا وستين بيده، ثم أعطى عليًّا فنحر ما غَبَرَ، وأشركه في هديه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فطبخت، فأكلا من لحمها، وشربا من مرقها. ثم ركب رسول الله ﷺ فأفاض إلى البيت، فصلى بمكة الظهر، فأتى بني عبد المطلب يسقون على زمزم فقال: "انزعوا بني عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم" فناولوه دلوًا فشرب منه". قال الإمام النووي (٢) ﵀: "وهو حديث عظيم، مشتمل على جمل من الفوائد، ونفائس من مهمات القواعد، قال القاضي: قد تكلم الناس على ما فيه من الفقه وأكثروا، وصنف فيه أبو بكر بن المنذر جزءًا كبيرًا وخرج فيه من الفقه مائة ونيفًا وخمسين نوعًا" اهـ. * * *

стр. 310

الفصل الرابع محظورات الإِحرام ١ - لا يلبس المحرمُ القميصَ ولا العمامة ولا البُرنُس، ولا السراويل، ولا ثوبًا مسَّهُ ورس ولا زعفران، ولا الخفين إلَّا أَلَّا يجدَ نعلين، فيقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين: عن ابن عمر ﵄: "أن رجلًا قال: يا رسول الله، ما يلبسُ المحرمُ من الثياب؟ قال رسول الله ﷺ : "لا يلبس القُمص ولا العمائم ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخِفاف، إلَّا أحد لا يجدُ نعلين فليلبس خُفين وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا من الثياب شيئًا مَسَّهُ زعفرانٌ أوْ وَرس"، وهو حديث صحيح (١). القمص: جمع قميص. السراويلات: جمع سراويل وهو لباس يستر النصف الأسفل من الجسم. البرانس: جمع بُرنُس وهو كل ثوب رأسه منه ملتزق به. الخفاف: جمع الخف الملبوس، أما خف البعير فجمعه أخفاف. الكعبين: هما العظمان الناتئان في منتهى السَّاق مع القدم. الوَرْس: هو نبت أصفر طيب الريح يصبغ به، وفي معناه العُصْفُر. ٢ - لا تنتقب المرأة ولا تلبس القُفَّازين: عن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "لا تنتقبُ المرأة المحرمةُ، ولا تلبس القُفازين"، وهو حديث صحيح (٢). ٣ - لا يتطيب المحرم ابتداءً: عن صفوان بن يعلى بن أمية، أنَّ يعلى كان يقول لعمر بن الخطاب ﵁: ليتني أرى نبي الله ﷺ حين ينزل عليه، فلمَّا كان النبيُّ بالجعرانة، وعلى النبي ﷺ ثوب قد أُظل

стр. 311

به عليه، معه ناسٌ من أصحابه، فيهم عمر، إذ جاءَهُ رجلٌ عليه جُبة صوفٍ مُتَضمِّخٌ بطيبٍ، فقال يا رسول الله: كيفَ ترى رجلًا أحرمَ بعمرةٍ في جبة بعدما تضمَّخ بطيبٍ؟ فنظر إليه النبي ﷺ ساعةً ثم سكتَ. فجاءَهُ الوحيُ فأشار عمرُ بيده إلى يعلى بن أمية: تعالَ فجاء يعلى فأدخلَ رأسَهُ، فإذا النبي ﷺ مُخَمر الوجهِ يَغِطُّ ساعةً، ثم سُرِّيَ عنه فقال: "أين الذي سألني عن العمرة آنفًا"، فالتمس الرجلُ، فجيء به، فقال النبي ﷺ : "أما الطيب الذي بك، فاغسله ثلاث مرات، وأما الجُبَّةُ فانزِعها، ثم اصنع في عُمْرتِكَ ما تصنعُ في حجك"، وهو حديث صحيح (١). • يجوز للمحرم أن يستمر على الطيب الذي كان على بدنه قبل الإحرام: عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت: "كنتُ أُطيِّبُ رسولَ اللهِ ﷺ لإحرامِهِ حين يُحْرِمُ، ولحلهِ قبل أن يطوفَ بالبيتِ"، وهو حديث صحيح (٢). ٤ - لا يقلم المحرم أظفاره: قال ابن المنذر (٣): "وأجمع العلماء على حرمة قلم الظفر للمحرم". ٥ - إزالة الشعر بالحلق أو القص أو غير ذلك: لقوله تعالى في سورة البقرة الآية (١٩٦) ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾. • يجوز للمحرم إزالة الشعر لمن يتأذى ببقائه، وفيه الفدية: لقوله تعالى في سورة البقرة الآية (١٩٦): ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. وعن كعب بن عُجرة ﵁ قال: حُملت إلى رسول الله ﷺ : والقُمَّلُ يتناثر على وجهي فقال: "ما كنت أرى الوجَعَ بلَغَ بك ما أرى، أتجد شاةً؟ قلت: لا، قال: فصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، لكلِّ مسكين نصف صاع" (٤).

стр. 312

٦ - المحرم لا يرفث ولا يفسق ولا يجادل: لقوله تعالى في سورة البقرة الآية (١٩٧): ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾. وعن أبي هريرة ﵁ قال: "سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "من حجَّ ولم يرفث، ولم يفسُق، رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمُّهُ"، وهو حديث صحيح (١). قال الحافظ المنذري: "الرفث يطلق ويراد به الجماع، ويطلق ويراد به الفحشاء، ويطلق ويراد به خطاب الرجل المرأة فيما يتعلق به الجماع. وقد نقل معنى هذا الحديث كل واحد من هذه الثلاثة عن جماعة من العلماء، قلت: فيحرم الجميع" اهـ. وقال مالك: الرفث: إصابة النساء والله أعلم، وقال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾. والفسوق: الذبح للأنصاب والله أعلم، قال تعالى: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾. والجدال في الحج: أن قريشًا كانت تقف عند المشعر الحرام بالمزدلفةَ بقُزَح - بضم القاف وفتح الزاي - وهو القرن الذي يقف عنده الإمام بالمزدلفة [النهاية ٤/ ٥٨]. وكانت العرب وغيرهم يقفون بعرفة، فكانوا يتجادلون يقول هؤلاء: نحن أصوب، ويقول هؤلاء: نحن أصوب فقال الله تعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ (٦٧)﴾ [الحج: ٦٧]. فهذا الجدال في الحج كما ترى، والله أعلم. ٧ - لا يَنْكِح المحرِمُ ولا يُنْكح ولا يخطب: لحديث عثمان بن عفان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَنْكِحُ المحرِمُ ولا ينكَحُ ولا يخطبُ"، وهو حديث صحيح (٢). وأما حديث ابن عباس ﵄ "أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو محرمٌ"، وهو حديث صحيح (٣).

стр. 313

فقد عارضه حديث ميمونة بنت الحارث: "أنَّ رسولَ الله ﷺ تزوَّجَها وهو حلال"، وهو حديث صحيح (١). قلت: والراجح حديث ميمونة؛ لأنها صاحبة القصة أولًا، ويؤيدها قول النبي ﷺ من حديث عثمان بن عفان ثانيًا. ٨ - تغطية رأس الرجل: عن ابن عباس أن رجلًا وقصته ناقتُه وهو محرم فمات، فقال رسول الله ﷺ : "اغسلوه بماءٍ وسِدْر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تخمّروا وجهه ولا رأسه؛ فإنه يُبْعثُ يوم القيامة ملبيًا"، وهو حديث صحيح (٢). ٩ - لا يقتل المحرم صيدًا: لقوله تعالى في سورة المائدة الآية (٩٥): ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾. ولقوله تعالى في سورة المائدة أيضًا الآية (٩٦): ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ أي محرمين. أما جزاء قتل الصيد فقد قال تعالى في سورة المائدة (٩٥): ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٩٥)﴾. ١٠ - لا يأكل المحرم ما صاده غيره لأجله: عن الصعب بن جَثَّامة الليثي أنهُ أهدى لرسول الله ﷺ حِمارًا وحشيًّا وهو بالأبواءِ - أو بودَّانَ (٣) - فرُدَّ عليه، فلما رأى ما في وجهه قال: "إنَا لم نردُّهُ عليك إلَّا أنا حُرُم"، وهو حديث صحيح (٤).

стр. 314

أما إذا كعان الصائد حلالًا ولم يصدْهُ لأجله يجوز الأكل منه: عن أبي قتادة قال: إنَّ رسولَ الله ﷺ خرجَ حاجَّا فخرجوا معَهُ، فصرف طائفةً منهم فيهم أبو قتادة، فقال: خذوا ساحلَ البحر حتى نلتقي، فأخذوا ساحل البحر، فلما انصرفوا أحرموا كلُّهم إلا أبو قتادةَ لم يُحْرِمْ، فبينما هم يسيرون؛ إذ رأوا حُمُرَ وحشٍ، فحمل أبو قتادة على الحمرِ فعقرَ منها أتانًا، فنزلوا فأكلوا من لحمها وقالوا: أنأكل لحم صيدٍ ونحن محرمونَ؟ فحملنا ما بقي من لحم الأتان، فلما أتوا رسول الله ﷺ قالوا: يا رسول الله، إنَّا كُنَّا أحرَمْنَا، وقد كان أبو قتادة لم يُحرِم، فرأينا حُمُرَ وحشٍ، فحمل عليها أبو قتادة فعقر منها أتانًا، فنزلنا فأكلنا من لحمها، ثم قلنا: أنأكلُ لحمٍ صيدٍ ونحنِ محرمون؟ فحملنا ما بقي من لحمها، قال: "منكم أحدٌ أمرَهُ أن يحملَ عليها أو أشارَ إليها؟ " قالوا: لا، قال: "فكلوا ما بقيَ من لحمها"، وهو حديث صحيح (١). ١١ - لا يقطع من شجر الحرم إلَّا الإذْخِرَ: عن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ يومَ افتتح مكة: "لا هجرةَ، ولكن جهادٌ ونيةٌ، وإذا استنفرتُم فانفروا، فإن هذا بلدٌ حَرَّم الله يومَ خلق السموات والأرضَ، وهو حرامٌ بحرمةِ الله إلى يوم القيامة، وإنَّه لم يَحلَّ القتالُ فيه لأحد قبلي، ولِم يَحلَّ لي إلَّا ساعةً من نهارٍ، فهو حَرامٌ بِحُرمة الله إلى يومِ القيامةِ، لا يُعْضَدُ شوكُهُ، ولا يُنَفَّرُ صَيدُه، ولا يَلْتَقِطُ لُقطتَهُ إلَّا من عرَّفها، ولا يُختلّى خلاها". قال العباسُ: يا رسول الله، إلَّا الإذْخِرَ؛ فَإنَّه لِقَيْنهم ولبيوتِهم، قال: قال ﷺ : "إلا الإذْخِرَ"، وهو حديث صحيح (٢). ولا يختلى خلاها: الخلا هو الرطب من الكلأ، قالوا الخلأ والعشب، اسم للرطب منه، والحشيش والهشيم اسم لليابس منه، والكلأ يقع على الرطب واليابس، ومعنى يختلي: يؤخذ ويقطع. لقينهم: القين هو الحداد والصائغ، ومعناه يحتاج إليه القين في وقود النار. لقطته: اللُّقَطَةُ: اسم الشيء الذي تجده ملقى فتأخذه، والالتقاط: هو أخذه، وأصل اللقط الأخذ من حيث لا يحس.

стр. 315

الإذْخِر: هو نبت معروف عند أهل مكة، طيب الرائحة ينبت في السهل والحزن، وأهل مكة يسقفون به البيوت بين الخشب ويسدون به الخلل بين اللبنات في القبور. ١٢ - يجوز للمحرم قتل الفواسق الخمس: عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: "خمس فواسقُ يقتلن في الحرم: الفأرةُ، والعقربُ، والحُدَيَّا (١)، والغرابُ، والكلبُ العقور"، وهو حديث صحيح (٢). ١٣ - صيد حرم المدينة وشجره كحرم مكة: عن عبّاد بن تميم عن عمه أن رسول الله ﷺ قال: "إن إبراهيم حَرّم مكة ودعا لها، وإني حَرّمت المدينةَ كما حرّم إبراهيمُ مكةَ"، وهو حديث صحيح (٣). وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "المدينة حرمٌ ما بين عَيْرٍ إلى ثَوْرٍ"، وهو حديث صحيح (٤). وعن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "إن إبراهيم حرّم مكةَ، وإني حرمتُ المدينةَ، ما بين لابتَيْها لا يُقطع عِضاهُهَا ولا يُصاد صيدُها"، وهو حديث صحيح (٥). ١٤ - من قطع شجر المدينة أو خبطه سلب: عن عامر بن سعد بن أبي وقاص: "أن سعدًا ركب إلى قصره بالعقيق، فوجد عبدًا يقطع شجرًا ويخبطُه فسلبه، فلما رجع سعدٌ جاءه أهلُ العبد، فكلموه أن يرد عليهم أو على غلامهم ما أخذَ من غلامهم، فقال: معاذ الله أن أرُدّ شيئًا نَفَّلَنيه رسولُ الله ﷺ ، وأبى أن يرد عليهم"، وهو حديث صحيح (٦). * * *

стр. 316

الفصل الخامس ما يجب عمله أثناء الطواف ١ - طواف القدوم على طهارة: عن عائشة ﵂: "أنَّ أوَّل شيءٍ بدأ به حين قدم مكة أنه توضأ، ثم طاف بالبيت"، وهو حديث صحيح (١). ٢ - طواف القدوم سبعة أشواط يرمل في الثلاثة الأولى ويمشي فيما بقى: عن ابن عمر ﵄: "أنَّ النبي ﷺ كان إذا طاف بالحج والعمرة أول ما يقدم فإنه يسعى ثلاثة أطواف، ويمشي أربعًا، ثم يصلي سجدتين، ثم يطوف بين الصفا والمروة"، وهو حديث صحيح (٢)، وعن ابن عباس ﷺ قال: "أمرَهم النبي ﷺ أن يرملوا ثلاثة أشواط ويمشوا أربعًا، ما بين الركنين"، وهو حديث صحيح (٣). ٣ - يقبل الحاج الحجر الأسود: عن عمر ﵁ أنه كان يقبل الحجر ويقول: "إنَّي لأعلمُ أنكَ حَجرٌ، لا تَضرُّ ولا تنفعُ، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلُكَ ما قَبَّلتُكَ"، وهو حديث صحيح (٤). ٤ - أو يستلم الحاج الحجر الأسود بمحجن ويقبله: عن ابن عباس ﵄: "أنَّ رسول الله ﷺ طافَ في حَجَّةِ الوَدَاعِ على بعيرٍ يستلم الرُّكْنَ بِمِحجنٍ" (٥)، وهو حديث صحيح (٦). ٥ - يستلم الحاج الركن اليماني: عن ابن عمر ﵄ قال: "لم أَرَ رسول الله ﷺ يَمَسُّ إلَّا اليمانيين"، وهو حديث صحيح (٧).

стр. 317

٦ - يكفي القارن طوافًا واحدًا وسعيًا واحدًا: عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أحرمَ بالحجِّ والعمرة أجزأه طوافٌ واحدٌ وسعي واحدٌ عنهما، حتى يحلَّ منهما جميعًا"، وهو حديث صحيح (١). ٧ - الحائض تفعل ما يفعلُ الحاجُّ غيرَ أنْ لا تطوف بالبيت: عن عائشة ﵂ قالت: خرجنا مع النبي ﷺ ؛ ولا نَرى إلَّا الحجَّ حتى إذا كُنَّا بِسَرِف، أو قريبًا منها، حِضتُ، فدخلَ عليَّ النبي ﷺ وأنا أبكي، فقال: "أَنفِسْتِ" (يعني الحيضة) قالت: قلت: نعم، قال: "إنَّ هذا شيءٌ كتبهُ اللهُ على بنات آدَمَ فاقضي مَا يقضي الحاجُّ غير ألَّا تطوفي بالبيتِ، حتى تغتسلي"، قالت: وضحى رسولَ الله ﷺ عن نسائِهِ بالبقرِ، وهو حديث صحيح (٢). ٨ - يندَبُ الذَّكرُ حالَ الطوافِ بالمأثور: عن عبد الله بن السائب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول بين الركنين: "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار"، وهو حديث حسن (٣). ٩ - يصلي ركعتين في مقام إبراهيم بعد الفراغ من الطواف، ثم يعود إلى الركن فيستلمه: لحديث جابر أن النبي ﷺ لما انتهى إلى مقام إبراهيم قرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، فجعل المقام بينه وبين البيت. فكان أبي يقول: (ولا أعلمهُ ذكرَهُ إلَّا عن النبي ﷺ ): كان يقرأ في الركعتين: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾، و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾، ثم رجع إلى الركن فاستلمه"، وهو حديث صحيح (٤). * * *

стр. 318

الفصل السادس وجوب السعي بين الصفا والمروة ١ - الصعود إلى الصفا والمروة والدعاء فيهما: عن جابر ﵁: "أن رسول الله ﷺ كان إذا وقف على الصفا، يكبر ثلاثًا ويقول: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قدير"، يصنع ذلك ثلاث مرات، ويدعو ويصنع على المروة مثل ذلك"، وهو حديث صحيح (١). وعن أبي هريرة ﵁: "أنَّ النبي ﷺ لما فرغ من طوافه أتى الصفا فعلا عليه حتى نظر البيت ورفع يديه فجعل يحمد الله، ويدعو ما شاء أن يدعو"، وهو حديث صحيح (٢). ٢ - من الصفا إلى المروة شوط ثم منها إليه كذلك متواليًا: قال الشوكاني (٣): "هذا هو الحقُّ ومن خالف في ذلك فقد غلط غلطًا بينًا، وعلى هذا سلفُ هذه الأمة وخلفُها" اهـ. وقد ثبت عنه ﷺ أنه بدأ بالصفا كما في حديث جابر: "أن النبي ﷺ لما دنا من الصفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]، أبدأ بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا"، الحديث، وهو حديث صحيح (٤). وثبت عنه ﷺ من حديث جابر: " … حتى إذا كان آخِر طوافه على المروة" وفي رواية: فلما كانَ السابعُ عند المروةِ - فقال: "لو أني استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لم أسُق الهديَ، وجعلتها عمرةً. فمن كان منكم ليس مَعَهُ هديٌ فليحلَّ وليجعلْها عمرةَ"، وهو حديث صحيح (٥). ثم قال الشوكاني (٦): "وهذا فيه غايةُ البيان، فلو كان السعي من الصفا إلى المروة ثم منها إليه شوطًا، لكان قد طاف بين الصفا والمروة أربع عشرةَ مرةً لا سبعًا فقط، وأما كونه متواليًا، فهذا كان سعي رسول اللهِ ﷺ وأصحابه" اهـ.

стр. 319

٣ - المتمتع بعد السعي يصبح حلالًا: عن جابر بن عبد الله ﵄ أنه حجَّ مع النبي ﷺ يومَ ساقَ البُدْنَ مَعَهُ، وقد أهلُّوا بالحجَّ مفردًا فقال لهم ﷺ : "أحِلُّوا من إحرامكم بطوافِ البيت وبين الصفا والمروة، وقصروا ثم أقيموا حلالًا حتى إذا كان يومُ التروية فأهلوا بالحَجِّ، واجعَلوا التي قَدِمتم بها متعةً" فقالوا: كيف نجعلُها مُتعةً وقد سمينا الحجَّ؟ فقال: "افعلوا ما أمرتكم، فلَولا أني سقتُ الهديَ لفعلتُ مثلَ الذي أمرتكم، ولكن لا يحل مني حرامٌ حتى يبلُغَ الهدي محلهُ"، ففعلوا، وهو حديث صحيح (١). * * *

стр. 320

الفصل السابع مناسك الحج ١ - التوجه إلى عرفات صبح يوم التاسع ، ويصلي الظهر والعصر جمع تقديمٍ مع خطبة؛ لحديث جابر بن عبد الله ﵄ وفيه: "فلمَّا كانَ يومُ التروية وتوجهوا إلى مِنى، فأهلُّوا بالحج، وركبَ رسولُ اللهِ ﵁ فصلى بها الظهرَ والعصرَ والمغرب والعشاءَ والفجر، ثم مكثَ قليلًا حتى طلعتِ الشمسُ وأمر بقبةٍ من شعرٍ تُضربُ له بنمرة، فسارَ رسولُ الله ﷺ ولا تشكُ قريشٌ إلَّا أنَّهُ واقفٌ عند المشعرِ الحرام، كما كانت قريشٌ تصنعُ في الجاهلية. فأجاز رسول اللهِ حتى أتى عرفةَ، فوجد القبةَ قد ضربت له بنمرة، فنزل بها حتى إذا زاغت الشمسُ أمر بالقصواء فرحلتْ له، فأتى بطن الوادي فخطب الناس … ثم أذَّنَ، ثم أقامَ فصلَّى الظُهْرَ، ثم أقامَ فصلَّى العصر، ولم يُصَلَّ بينهما شيئًا، ثم ركب رسولُ اللهِ حتى أتي الموقِفَ، فجعل بطنَ ناقتِهِ القصواءِ إلى الصخراتِ، وجَعَلَ حَبْلَ المشاةِ بين يديه، واستقبلَ القبلَةَ، فلم يزلْ واقفًا حتى غربت الشمسُ، وذهبتِ الصفرَةُ قليلًا حتى غاب القرص … "، وهو حديث صحيح (١). • اعلم أن الحج عرفة: عن عبد الرحمن بن يَعمرَ الديلي، قال: أتيت النبي ﷺ وهو بعرفة فجاء ناسٌ أو نفر، من أهل نجد فأمروا رجلًا، فنادى رسول الله ﷺ كيف الحج؟ فأمر رسول الله ﷺ رجلًا فنادى: "الحجُّ الحجُّ يومُ عرفة، من جاء قبل صلاة الصبح من ليلة جمع فتمَّ حجه، أيام مِنىً ثلاثة، فمن تعجَّل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه"، قال: ثم أردف رجلًا خلفه، فجعل ينادي بذلك، وهو حديث صحيح (٢). • أما وقت الوقوف بعرفة فمن الزوال إلى فجر النحر: قال الإمام الشوكاني (٣): "وقد نقل كثير من الأئمة الإجماع (٤) على هذا الوقت، وما
следующие страницы →