← Фикх общий

Фикх общий · id 782

اللباب في فقه السنة والكتاب

محمد صبحي حلاق

Полный текст (548 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

* أبواب كتاب البيوع * الباب الأول: أنواع البيوع المحرمة. الباب الثاني: الربا. الباب الثالث: الخيارات. الباب الرابع: السلم. الباب الخامس: القرض. الباب السادس: الشفعة. الباب السابع: الإجارة. الباب الثامن: الإحياء والإقطاع. الباب التاسع. الشركة. الباب العاشر: الرهن. الباب الحادى عشر: الوديعة والعارية. الباب الثاني: عشر: الغصب. الباب الثالث عشر: العتق. الباب الرابع عشر: الوقف. الباب الخامس عشر: الهدايا. الباب السادس عشر: الهبات. الباب السابع عشر: الوكالة. الباب الثامن عشر: الضمانة. الباب التاسع عشر: الحوالة. الباب العشرون: المفلس. الباب الحادي والعشرون: اللقطة. الباب الثاني والعشرون: الصلح.

стр. 387

* الباب الأول* أنواع البيوع المحرمة ١ - مشروعية البيع: قال الله تعالى في سورة البقرة الآية (٢٧٥): ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾. وقال تعالى في سورة النساء الآية (٢٩): ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾. وعن حكيم بن حزام ﵁ عن النبي ﷺ قال: "البَيِّعَانِ بِالخِيَار ما لم يتفرقا"، وهو حديث صحيح (١). وأجمع المسلمون على جواز البيع، والحكمة تقتضيه؛ لأن حاجة الإنسان تتعلق بما في يد صاحبه غالبًا، وصاحبه قد لا يبذله له، ففي تشريع البيع وسيلة إلى بلوغ الغرض من غير حرج (٢). ٢ - الترغيب في الاكتساب بالبيع وغيره: عن المقدام بن معديكرب ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ما أكل أحد طعامّا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود ﵊ كان يأكل من عمل يده"، وهو حديث صحيح (٣). وعن الزبير بن العوام ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لأن يأخذَ أحدُكم حَبْلَهُ، فيأتي بحزمة الحَطَبِ على ظهره، فيبيعها، فيكفَّ اللهُ بها وجهَهُ، خير له من أن يسأل الناس أعطوهُ أم منعوهُ"، وهو حديث صحيح (٤). ٣ - الترغيب في البكور في طلب الرزق: عن صخر بن وداعة الغامدي الصحابي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم بارك لأُمَّتِي في بُكُورِها"، وكان إذا بعث سرية، أو جيشًا بعثهم من أول النهار، وكان صخر تاجرًا فكانَ يبعث تجارته من أول النهار، فأثرى وكثر ماله، وهو حديث صحيح (٥)

стр. 388

٤ - الترغيب في الاقتصاد في طلب الرزق والمعيشة: عن عبد الله بن سرجسٍ ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال: "السمتُ الحسنُ، والتُّؤَدَةُ، والاقتصاد جزء من أربعةٍ وعشرين جزءًا من النبوة"، وهو حديث حسن (١). وعن جابر ﵁ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لا تستبطئُوا الرزق؛ فإنه لم يكن عبد ليموت حتى يبلغَ آخرَ رزق هو له، فأَجْمِلُوا في الطلب أخْذِ الحلال، وتركِ الحرام"، وهو حديث صحيح (٢). ٥ - الترغيب في السماحة في البيع والشراء وحسن التقاضي والقضاء: عن جابر بن عبد الله ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "رحم اللهُ عَبْدًا، سَمْحًا إذا باعَ، سمحًا إذا اشترى، سمحًا إذا اقتضى"، وهو حديث صحيح (٣). ٦ - ترغيب التجار في الصدق وترهيبهم من الكذب والحلف: عن حكيم بن حزامٍ ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدق البيعان وبينا، بُوركَ لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا فعسى أن يرْبَحَا ربحًا، ويُمْحَقَا بركةَ بيعهما، اليمين الفاجرة منفقة للسلعة ممحقةٌ للكسْبِ"، وهو حديث صحيح (٤). وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعتُ النبي ﷺ يقول: "الحلفُ منفقة للسِّلْعَة، ممحقَةٌ للكسب"، وهو حديث صحيح (٥). ٧ - الترهيب من بخس الكيل والوزن: عن ابن عباس ﵄ قال: لما قدم النبي ﷺ المدينة، كانوا من أخبث الناس كيلًا، فأنزل الله : ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] فأحسنوا الكيل بعد ذلك، وهو حديث حسن (٦).

стр. 389

٨ - الترهيب من الغش والترغيب في النصيحة في البيع: عن أبي هريرة ﵁ أن رسولَ الله ﷺ قال: "من حمل علينا السلاح فليس منا، ومن غَشَّنا فليس منا"، وهو حديث صحيح (١). وعن أبي هريرة ﵁: أن رسولَ الله ﷺ مر على صُبْرَة طعامٍ فأدخلَ يَدَهُ فيها، فنالت أصابُعُه بللًا، فقال: "ما هذا يا صاحب الطعام"؟ قال: أصابتْهُ السماءُ يا رسولَ الله، قال: "أفلا جعلتهُ فوق الطعامِ؛ حتى يراهُ الناسُ، من غشنا فليس منا"، وهو حديث صحيح (٢). ٩ - لا يجوز بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام: عن جابر بن عبد الله ﵄: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول وهو بمكة عام الفتح: "إنَّ الله ورسوله حرم بيع الخمر، والميتة، والخنزير، والأصنام"، فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة؛ فإنه يُطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس؟، فقال: "لا، هو حرام"، ثم قال رسول الله ﷺ عند ذلك: "قاتل الله اليهود، إنَّ الله لما حرَّم شحومَها جملوه ثم باعوهُ فأكلوا ثمنه" (٣). يطلى: يدهن. يستصبح: يجعلونها في مصابيحهم ويوقدون فتيلًا فيها ليستضيئوا بها. قاتل: لعن. شحومها: شحوم الميتة، أو شحوم البقر والغنم كما أخبر تعالى بقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا﴾ [الأنعام: ١٤٦]. جملوه: أذابوه واستخرجوا دهنه. ١٠ - لا يجوز بيع الكلب: عن أبي مسعود الأنصاري في أن رسول الله ﷺ : "نهى عن ثَمَنِ الكلب، ومهر البَغِيِّ، وحُلْوَان الكَاهِنِ" (٤).

стр. 390

مهر البغي: هو ما تأخذه الزانية على الزنا، وسماه مهرًا لكونه على صورته، وهو حرام بإجماع المسلمين. حلوان الكاهن: هو ما يعطاه على كهانته. ١١ - لا يجوز بيع السِّنُّور: عن أبي الزبير ﵁ قال: سألتُ جابرًا عن ثمن الكلب والسنور؟ قال: زجر النبي ﷺ عن ذلك (١). ١٢ - لا يجوز بيع الدم: عن أبي جحيفة قال: "رأيت أبي اشترى حجامًا، فأمر بمحاجمه فكسرت، فسألته عن ذلك، فقال: إن رسولَ الله ﷺ نهى عن ثمن الدم، وثمن الكلب وكسب الأمة، ولعن الواشمة والمستوشمة، وآكل الربا وموكله، ولعن المصور" (٢). ١٣ - لا يجوز بيع عَسْب الفحل: عن ابن عمر ﵄ قال: "نهى النبي ﷺ عن عَسْب الفحل" (٣). ١٤ - لا يجوز بيع فضل الماء: عن أياس بن عبد: "أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع فضل الماء"، وهو حديث صحيح (٤). وعن أبي هريرة مرفوعَا بلفظ: "لا يُمنع فضلُ الماء؛ ليمنع به فضل الكلأ" (٥)، وفي لفظ لمسلم (٦): "لا يُبَاعُ فضلُ الماء؛ ليباعَ به الكلأُ". ١٥ - لا يجوز بيع الغرر؛ كالسمك في الماء، واللبن في الضرع، والسمن في اللبن، والصوف على الظهر: عن أبي هريرة ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحصاةِ، وعن بيع الغرر" (٧).

стр. 391

بيع الحصاة: فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أن يقول: بعتك من هذه الأثواب ما وقعت عليه الحصاة التي أرميها، أو بعتك من هذه الأرض من هنا إلى ما انتهت إليه هذه الحصاة. والثاني: أن يقول: بعتك على أنك بالخيار إلى أن أرمي بهذه الحصاة. والثالث: أن يجعلا نفس الرمي بالحصاة بيعًا، فيقول: إذا رميت هذا الثوب بالحصاة فهو مبيع منك بكذا. بيع الغرر: النهي عن بيع الغرر أصل عظيم من أصول كتاب البيوع، ويدخل فيه مسائل كثيرة غير منحصرة؛ كبيع الآبق، والمعدوم، والمجهول، وما لا يقدر على تسليمه، وما لم يتم ملك البائع عليه، وبيع السمك في الماء الكثير، واللبن في الضرع، وبيع الحمل في البطن، ونظائر ذلك، وكل هذا بيعه باطل؛ لأنه غرر من غير حاجة، ومعنى الغرر الخطر، والغرور الخداع. واعلم أن بيع الملامسة، وبيع المنابذة، وبيع حبل الحبلة، وبيع الحصاة، وعسيب الفحل وأشباهها من البيوع التي جاء فيها نصوص خاصة، هي داخلة في النهي عن الغرر، ولكن أفردت بالذكر ونهى عنها؛ لكونها من بياعات الجاهلية المشهورة. ١٦ - لا يجوز بيع حَبَل الحَبَلة: عن عبد الله بن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ "أنه نهى عن بيع حَبَلِ الحَبَلَةِ" (١). بيع حبل الحبلة: هو بيع ولد الناقة الحامل في الحال. وعن عبد الله بن عمر ﵄: "أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع حَبَلِ الحبلةِ، وكان بيعًا يتبايعه أهلُ الجاهليةِ، كان الرجلُ يبتاع الجزورَ إلى أن تُنتجَ الناقةُ، ثم تنتجُ التي في بطنها"، وهو حديث صحيح (٢). ١٧ - لا يجوز بيع المنابذة والملامسة: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "نهانا رسول الله ﷺ عن بيعتين ولبستين: نهى

стр. 392

عن الملامسة والمنابذة في البيع، والملامسة: لمس الرجل ثوب الآخر بيده بالليل أو بالنهار، ولا يقلبُهُ إلا بذلك، والمنابذة: أن ينبذَ الرجلُ إلى الرجل بثوبه، وينبذ الآخرُ إليه ثوبه، ويكون ذلك بيعهما من غير نظرٍ ولا تراضٍ" (١). ١٨ - لا يجوز بيع الغنائم حتى تُقسم: عن ابن عباس ﵄ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع المغازم حتى تُقسَمَ، وعن الحبالى أن يوطأن حتى يضعن ما في بطونهن، وعن لحم كل ذي ناب من السباع"، وهو حديث صحيح (٢). ١٩ - لا يجوز بيع الثمر حتى يصلح: عن عبد الله بن عمر ﵄: "أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحُها، نهى البائع والمبتاع" (٣). عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الثمار حتى تزهي، فقيل له: وما تُزهي؟ قال: "حتى تحمرَّ"، فقال رسول الله ﷺ : "أرأيتَ إذا منع اللهُ الثمرةَ، بمَ يأخذُ أحدكُم مال أخيه"، وهو حديث صحيح (٤). ٢٠ - لا يجوز بيع التصاوير التي فيها روح: عن سعيد بن أبي الحسن قال: كنتُ عند ابن عباس ﷺ ؛ إذ أتاهُ رجلٌ فقال: يا أبا عباس إني إنسانٌ، إنما معيشتي من صنعة يدي، وإني أصنع هذه التصاوير، فقال ابن عباسٍ: لا أحدِّثُكَ إلَّا ما سمعتُ من رسولَ الله ﷺ ، سمعته يقولُ: "من صور صورةً فإنَّ الله معذبهُ حتى ينفخَ فيها الروح وليس بنافخ أبدًا"، فربا الرجل ربوة شديدة واصفرَّ وجهُهُ، فقال: ويحك إن أبيتَ إلا أن تصنع فعليك بهذا الشجر، كل شيءٍ ليس فيه روح" (٥). قال أبو عبد الله: سمع سعيد بن أبي عروبة من النضر بن أنس هذا الواحد.

стр. 393

٢١ - النهي عن بيع المحاقلة والمزابنة والمعاومة والمخاضرة: عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: "نهى رسولُ الله ﷺ عن المحاقلةِ والمخاضرة والملامسة والمناىزة والمزابنة" (١). عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة والمزابنة والمعاومة والمخابرة - قال أحدهما: بيع السنين هي المعاومة - وعن الثُّنَيا، ورخص في العرايا" (٢). المحاقلة: بيع الزرع بكيل من الطعام معلوم. المخاضرة: بيع الثمرة خضراء قبل بدو صلاحها. المزابنة: بيع ثمر النخل بأوساق من التمر. المعاومة: بيع ثمر النخلة لأكثر من سنة في عقد واحد. ٢٢ - نهي عن بيع العصير إلى من يتخذه خمرًا: عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لعن الله الخمرَ وشاربَها وساقيَهَا وبائعها ومبتَاعها وعاصرَها ومعتصرَها وحاملَها والمحمولة إليه"، وهو حديث صحيح (٣). ٢٣ - نهى عن بيعَ السلعة قبلَ قبضها: عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كان رسولُ الله ﷺ يقول: "إذا ابتعت طعامًا، فلا تبعهُ حتى تستوفيه" (٤). ٢٤ - نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان: عن جابر قال: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان، صاع البائع وصاعُ المشتري"، وهو حديث حسن (٥). ٢٥ - نهى عن بيع الثنيا إلَّا أن تعلم: لحديث جابر بن عبد الله عند مسلم وغيره: "نهى رسول الله ﷺ عن الثنيا"، وزاد النسائي: "إلا أن تعلم" (٦).

стр. 394

عن جابر بن عبد الله ﵄ أنه كان يسيرُ على جملٍ له قد أعيا، فأراد أن يُسيبه قال: فلحقني النبي ﷺ فدعا لي وضربه، فسار سيرًا لم يسر مثله، قال: "بعنيه بأُوقيَّة" قلت: لا، ثم قال: "بعنيه"، فبعته بأُوقية واستثنيت عليه حملانه إلى أهلي، فلما بلغت أتيته بالجمل، فنقدني ثمنه ثم رجعتُ، فأرسل في أثري، فقال: "أتراني ما كستك لآخذ جملك؟ خذ جملك ودراهمكَ فهو لك" (١). ماكستك: المماكسة هي المكالمة في النقص من الثمن. ٢٦ - لا يجوز بيع حاضرٍ لبادٍ: عن أنس بن مالك ﵁ قال: "نُهينا أن يبيع حاضرٌ لبادٍ، وإن كان أخاهُ أو أباهُ" (٢). ٢٧ - لا يجوز التفريق بين المحارم في البيع: عن أبي أيوب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من فَرَّقَ بين الوالدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة"، وهو حديث صحيح (٣). بل الأصح جواز التفريق؛ لحديث جابر بن عبد الله، قال: بعنا أمهات الأولاد على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر، فلما كان عمر نهانا فانتهينا (٤). وأيضًا عنه ﵁ قال: "كنا نبيع سرارينا وأمهات أولادنا، والنبي ﷺ فينا حي لا يرى بذلك بأسًا"، وهو حديث صحيح (٥). ٢٨ - لا يجوز بيع النجش: عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ نهى عن النَّجْشِ. (٦). النجش: هو زيادة في السلعة لا لرغبة فيها، بل ليخاع غيره فيشتريها. ٢٩ - لا يجوز بيع المسلم على بيع أخيه: عن أبي هريرة ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ أن يبيع حاضر لبادٍ ولا تناجشوا،

стр. 395

ولا يبيعُ الرجلُ على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه، ولا تسأل المرأةُ طلاقَ أختها؛ لتكفئ ما في إنائها" (١). ٣٠ - النهي عن تلقي الركبان: عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تلقوا الركبانَ ولا يَبِعْ حاضرٌ لبادٍ"، قال: فقلت لابن عباس ﵄: ما قوله: "لا يبع حاضر لباد"؟ قال: لا يكون له سِمسارًا (٢). وله الخيار إذا عرف الغبن: عن أبي هريرة ﵁ قال: "نهى النبي ﷺ أن يتلقى الجَلَبَ، فإن تلقاه فابتاعه فصاحِبُ السلعة فيها بالخيار إذا ورد السوق"، وهو حديث صحيح (٣). ٣١ - نهى رسول الله ﷺ عن الاحتكار: عن معمر بن عبد الله، عن رسول الله ﷺ قال: "لا يحْتَكِرُ إلا خاطئٌ" (٤). قال النووي (٥): "قال أصحابنا - أي الشافعية - الاحتكار المحرم هو الاحتكار في الأقوات خاصة، وهو أن يشتري الطعام في وقت الغلاء، ولا يبيعه في الحال، بل يدخره ليغلو ثمنه، فأما إذا اشتراه أو جاء من قرية وقت الرخص وادخره، أو ابتاعه في وقت الغلاء لحاجته إلى أكله، أو ابتاعه ليبيعه في الوقت فليس باحتكار ولا تحريم فيه، وأما غير الأقوات فلا يحرم الاحتكار فيه بكل حال، هذا تفصيل مذهبنا" اهـ. ٣٢ - لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع: عن عبد الله بن عمرو، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا يَحِل سلفٌ وبيعٌ، ولا شرطان في بيعٍ، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيعُ ما ليس عندك"، وهو حديث حسن (٦).

стр. 396

٣٣ - لا يصح بيعتان في بيعة: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "من باع بيعتين في بيعةٍ، فله أوكسهما أو الربا"، وهو حديث حسن (١). ٣٤ - لا يصح بيع ما ليس عند البائع: عن حكيم بن حزام، قال: يا رسول الله يأتيني الرجل فيريد مني البيع ليس عندي، أفأبتاعه له من السوق؟ فقال: "لا تَبِعْ ما ليس عندك"، وهو حديث صحيح (٢). ٣٥ - يجب وضع الجوائح: عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "لو بِعْتَ من أخيك ثمرًا، فأصابته جائحةٌ، فلا يَحل لك أن تأخذ منه شيئًا، بم تأخذُ مال أخيكَ بغير حق" (٣) الجائحة: الآفة التي تهلك الثمار وَالأموال. ٣٦ - النهي عن التسعير: عن أنس بن مالك ﵄: قال الناس: يا رسول الله غلا السعر فسعِّرْ لنا، فقال رسول الله ﷺ : "إن الله هو المسعرُ القابضُ الباسطُ الرازقُ، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال" (٤)، وهو حديث صحيح.

стр. 397

* الباب الثاني* الربا ١ - التعامل بالربا حرام ومن الكبائر: والأصل في تحريمه آيات منها: قوله تعالى في سورة البقرة الآية (٢٧٥): ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾. ومنها: قوله تعالى في سورة البقرة الآيتان: (٢٧٨ - ٢٧٩): ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾. وأحاديث منها: ما رواه جابر ﵁ قال: "لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله، وكاتبه، وشاهديه، وقال: هم سواء" (١). هم سواء: أي يستوون في فعل المعصية والإثم. ٢ - يحرمُ بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُر بالبرِّ، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، إلا مثلًا بمثلٍ يدًا بيدٍ: عن مالك بن أوسٍ أخبره أنه التمس صرفًا بمائة دينار، فدعاني طلحة بن عبيد الله فتراوضنا، حتى اصطرف مني، فأخذ الذهب يقلبها في يده، ثم قال: حتى يأتي خازني من الغابة، وعمرُ بن الخطاب يسمع ذلك، فقال: والله لا تفارقه حتى تأخذَ منه، قال رسول الله ﷺ : "الذهب بالذهب ربًا إلا هاء وهاء، والبر بالبر ربًا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربًا إلا هاء وهاء، والتمرُ بالتمر ربًا إلا هاء وهاء" (٢). إلا هاء وهاء: فيه لغتان: المد والقصر، والمد أفصح وأشهر، وأصله هاك. فأبدلت المدة من الكاف، ومعناه خذ هذا، ويقول صاحبه مثله والمدة مفتوحة، ويقال بالكسر أيضًا. عن عبادة بن الصامت قال: "إني سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن بيع الذهب

стр. 398

بالذهب والفضة بالفضة، والبر بالبر والشعير بالشعير، والتمر بالتمر والملح بالملح، إلا سواءً بسواءٍ، عينًا بعينٍ، فمن زاد أو ازداد فقد أربى" (١). ولم يرد دليل تقوم به الحجة على إلحاق ما عدا الأجناس المذكورة بها. ٣ - إذا اختلفت الأجناس جاز التفاضل إذا كان يدًا بيدٍ: عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : "الذهب بالذهب والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعيرُ بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، سواءً بسواءٍ يدًا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيدٍ" (٢). ٤ - لا يجوز بيع الشيء بجنسه إلا بعد العلم بالمماثلة: عن جابر بن عبد الله، قال: "نهى رسولُ الله ﷺ عن بيع الصبرة من التمر، لا يعلم مكيلتها، بالكيل المسمى من التمر" (٣). الصبرة: هي الكومة، والمعنى: نهى عن بيع الكومة من التمر المجهولة القدر، بالكيل المعين القدر من التمر. ٥ - لا يجوز بيع شيء من المطعوم بجنسه أحدهما رطب والآخر يابس: عن عبد الله بن عمر ﵄: "أن رسول الله ﷺ نهى عن المزابنة، والمزابنة بيع الثمر بالتمر كيلًا، وبيع الكرم بالزبيب كيلًا" (٤). ٦ - رخص ﷺ في بيع العرايا: عن زيد بن ثابت ﵁: "أن رسول الله ﷺ رخص في العرايا أن تُباع بخرصها كيلًا" (٥). العرايا: جمع عرية، فعيلة بمعنى مفعولة. من عراه يعروه إذا قصده. ويحتمل أن تكون فعيلة، فاعلة، من عري يعرى إذا خلع ثوبه، كأنها عُريت من جملة التحريم، فعريت أي خرجت.

стр. 399

وقيل في تفسيرها: أنه لما نهى عن المزابنة، وهي بيع الثمر في رؤوس النخل بالتمر، رخص في جملة المزابنة في العرايا، وهو أن من لا نخل له من ذوي الحاجة يُدرك الرطب ولا نقد بيده يشترى به الرطب لعياله، ولا نخل لهم يطعمهم منه، ويكون قد فضل له من قوته تمر، فيجيء إلى صاحب النخل، فيقول له: بعني ثمر نخلة أو نخلتين بخرصها من التمر؛ فيعطيه ذلك الفاضل من التمر بثمر تلك النخلات ليصيب من رطبها، مع الناس، فرخص فيه إذا كان دون خمسة أوسق. الوسق= ٦٠ صاعًا كيلًا. الصاع = ٤ أمداد. المد= ٥٤٤ غرامًا من القمح. إذن الصاع= ٤× ٥٤٤ = ٢١٧٦ غرامًا. الوسق= ٦٠ × ٢١٧٦= ١٣٠٥٦٠ غرامًا= ٥٦.١٣٠ كيلو غرامًا. إذن خمسة أوسق= ٥× ١٣٠.٥٦ = ٦٥٢.٨ كيلو غرامًا. ٧ - لا يجوز بيع اللحم بالحيوان: عن سمرة ﵁: "أن النبي ﷺ نهى عن بيع الشاة باللحم" (١). ٨ - يجوز بيع الحيوان باثنين أو أكثر من جنسه: عن عبد اللّه بن عمرو ﵄: "أن رسول اللّه ﷺ أمره أن يجهز جيشًا، فنفذت الإبل، فأمره أن يأخذ في قلاص الصدقة، فكان يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة"، وهو حديث حسن (٢).

стр. 400

القلوص: هي الناقة الشابة، وتجمع على قلاع، وقُلص أيضًا. ٩ - لا يجوز بيع العِينة: العينة: بيع التاجر سلعته بثمن إلى أجل ثم يشتريها منه بأقل من ذلك الثمن. عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: "إذا تبايعتم بالعِينَةِ، وأخذتم أذنابَ البقرِ، ورضيتم بالزَّرْعِ، وتركتم الجهادَ، سلط الله عليكم ذُلًّا، لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم"، وهو حديث صحيح بمجموع طرقه (١). * * *

стр. 401

الباب الثالث الخيارات ١ - يجب على من باع ذا عيبٍ أن يبينهُ وإلا ثبت الخيارُ: عن عقبة بن عامر، قال: سمَعتُ رسول اللّه ﷺ يقول: "المسلمُ أخو المسلم ولا يحل لمسلمٍ باعَ من أخيه بيعًا، فيه عيبٌ إلا بينه له"، وهو حديث حسن (١). عن العدَّاء بن خالد بن هوذة، قال: كتب لي النبي ﷺ : "هذا ما اشترى العداء بن خالد بن هوذة من محمد رسول اللّه ﷺ ، اشترى منه عبدًا أو أمة لا داءَ، ولا غائلة، ولا خبنة، بيع المسلم المسلم"، وهو حديث حسن (٢) لا داء: الداء: المرض والعاهة. ولا خبنة: والخبنة: نوع من أنواع الخبيث، أراد به الحرام. ولا غائلة: الغائلة: الخصلة التي تغول المال، أي تهلكه من إباق وغيره. وعن ابن عمر ﵄: "أن رجلًا ذكر للنبي ﷺ أنه يُخْدَعُ في البيوع، فقال: "إذا بايعت فقل: لا خلابة" (٣). لا خلابة: لا خديعة: أي لا تحل لك خديعتي، أو لا يلزمني خديعتك. ٢ - الدخل والمنفعة بضمان الأصل: عن عائشة ﵄ قالت: قال رسول اللّه ﷺ : "الخراجُ بالضمان"، وهو حديث حسن (٤). الخراج: الدخل والمنفعة، أي يملك المشتري الخراج الحاصل من المبيع بضمانه. ٣ - للمشتري الرد بالغرر، ومنه المصراةُ فيردُّها وصاعًا من تمر: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللّه ﷺ قال: "لا تطقَّوا الركبانَ، ولا يَبِعْ بعضُكم

стр. 402

على بيع بعض، ولا تناجشوا، ولا يَبَعْ حاضرٌ لباد، ولا تصروا الغنم، ومن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها؛ إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعًا من تمر" (١). ولا تصروا الغنم: من التصرية وهي الجمع، ويقال: صرى يصري تصرية، وصراها يصريها تصرية فهي مصراة، ومعناها لا تجمعوا اللبن في ضرعها عند إرادة بيعها حتى يعظم ضرعها فيظن المشتري أن كثرة لبنها عادة لها مستمرة. ٤ - البيعان بالخيار إذا وقع البيع على صورة محرمة: عن أبي هريرة ﵁ قال: إن رسول اللّه ﷺ قال: "لا تلقوا الجلب، فمن تلقاه فاشترى منه، فإذا أتى سيده السوق، فهو بالخيار" (٢). الجلب: وهو ما يجلب للبيع أي شيء كان. سيده: أي مالك المجلوب الذي باعه، أي فإذا جاء صاحب المتاع إلى السوق وعرف السعر فله الخيار في الاسترداد. ٥ - البيعان بالخيار ما لم يتفرقا: عن حكيم بن حزام ﵁، عن النبي ﷺ قال: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا، بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما، مُحِقَتْ بركة بيعهما" (٣). بينا: أي بيَّن كل واحد لصاحبه ما يحتاج إلى بيانه من عيب ونحوه في السلعة والثمن. محقت بركة بيعهما: أي ذهبت بركته، وهي زيادته ونماؤه. عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "كلُّ بيعين لا بيع بينهما حتى يتفرقا، إلا بيع الخيار" (٤). ٦ - القول للبائع إذا اختلف البيعان: عن عبد اللّه بن مسعود قال: سمعتُ رسول اللّه ﷺ يقول: "إذا اختلف البيِّعان وليس بينهما بينة، فهو ما يقول ربُّ السلعة أو يتتاركان"، وهو حديث صحيح بمجموع طرقه (٥).

стр. 403

الباب الرابع السَّلَم ١ - دليل مشروعيته: عن ابن عباس ﵄ قال: قدم النبي ﷺ المدينة وهم يسلفون بالتمر السنتين والثلاث، فقال: "من أسلف في شيءٍ، ففي كيلٍ معلومٍ، ووزنٍ معلومٍ إلى أجلٍ معلوم" (١). ٢ - شروط صحة السَّلم: الأول: ذكر قدْرِ المسلم فيه وجنسه ونوعه، وصفته، والدليل حديث ابن عباس المتقدم. الثاني: معرفة إمكانه للحلول وإن عُدِم حال العقد. عن عبد الرحمن بن أبزي، وعبد اللّه بن أبي أوفى قالا: "كُنَّا نصيبُ المغانم مع رسول اللّه ﷺ ، وكان يأتينا أنباط من أنباط الشام، فنسلفهم في الحنطة والشعير والزيت إلى أجل مسمى، قيل: أكان لهم زرع أم لم يكن؟ قالا: ما كُنَّا نسألُهم عن ذلك" (٢). وفي رواية: "كنا نُسلفُ على عهد النبي ﷺ ، وأبي بكر وعمر في الحنطة والشعير والزيت والتمر وما نراه عندهم" (٣) ". الأنباط: هم من العرب دخلوا في العجم والروم، فاختلطت أنسابهم، وفسدت ألسنتهم سموا بذلك؛ لكثرة معرفتهم بإنباط الماء أي استخراجه (٤). الثالث: كون الثمن مقبوضًا في المجلس، وهذا لا بد منه، ولا يتم السَّلم إلا به، وإلا كان بيع الكاليء بالكالئ وقد قدمنا النهي عنه. الرابع: الأجل المعلوم، والدليل حديث ابن عباس المتقدم. * * *

стр. 404

الباب الخامس القرض ١ - يجب على المقترض إرجاع ما اقترضه: لأنه إذا وقع التعاطي على أن يكون القضاء زائدًا على أصل الدَّين، فذلك هو الربا، بل مجرد الهدية من المستقرض للمقرض ربًا. عن أبي بُردة قال: "أتيت المدينة فلقيت عبد اللّه بن سلام ﵁ فقال: ألا تجيء فأطعمك سويقًا وتمرًا وتدخلُ في بيت؟ ثم قال: إنك في أرضٍ الربا بها فاشٍ، وإذا كان لك على رجل حق فأهدي إليك حمل تبن أو حمل شعير أو حمل قتٍّ فإنه ربًا" (١). القت: بفتح القاف وتشديد المثناة وهو علف الدواب. ٢ - يجوز الإحسان من المقترض للمقرض بدون شرط: عن جابر بن عبد اللّه ﵄ قال: أتيتُ النبي ﷺ وهو في المسجد - قال مِسْعر: أراه قال ضُحىً - فقال: "صلِّ ركعتين"، وكان لي عليه دين فقضاني وزادني (٢). ٣ - إنظار المعسر: قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٠]. وعن حذيفة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "مات رجل فقيل له: ما كنت تقول؟ قال: كنتُ أبايعُ الناسَ، فأتجوز عن الموسِر، وأُخفف عن المعسر، فغفر له"، قال أبو مسعود: سمعته من النبي ﷺ ، وهو حديث صحيح (٣). ٤ - مَطلُ الغني ظلمٌ: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللّه ﷺ : "مَطْلُ الغني ظلم"، وهو حديث صحيح (٤).

стр. 405

٥ - من أخذ أموال الناس يريد أداءها، أو إتلافها: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من أخذ أموالَ الناس يريد أداءها، أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه اللّه"، وهو حديث صحيح (١). ٦ - حسن القضاء: عن أبي هريرة ﵁ قال: كان لرجلٍ على النبي ﷺ سِنٌّ من الإبل، فجاءه يتقاضاه، فقال ﷺ : "أَعْطُوه" فطلبوا سنَّهُ فلم يجدوا له إلَّا سنًا فوقها، فقال: "أعطوه" فقال: أوفيتني وفى اللّه بكَ، قال النبي ﷺ : "إن خيارَكُم أحسَنُكُم قضاءً"، وهو حديث صحيح (٢). ٧ - فضل القرض: عن أبيِ هريرة ﵁، قال رسول اللّه ﷺ : "من نفَّس عن مؤمن كُربةً من كُرَبِ الدنيا، نفس الله عنه كربةً من كُرَبِ يوم القيامة، ومن يسَّر على مُعْسِرٍ، يسرَ اللّهُ عليه في الدنيا والآخرة"، وهو حديث صحيح (٣). * * *

стр. 406

الباب السادس الشفعة ١ - سبب الشفعة الاشتراك في شيء ولو منقولًا: عن جابر ﵁: جعل رسول اللّه ﷺ الشفعة في كل مالٍ لم يقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق، فلا شفعة (١). الشفعة: من شفعت الشيء إذا ضممته إلى غيره، سميت بذلك لما فيها من ضم نصيب إلى نصيب، وهي أن يبيع أحد الشركاء في دار أو أرض نصيبه لغير الشركاء، فللشركاء أخذ هذا النصيب بمقدار ما باعه. وقعت الحدود: صارت مقسومة وحددت الأقسام. صرفت الطرق: ميزت وبينت. ٢ - القسمة تبطل الشفعة؛ لحديث جابر المتقدم أعلاه. ٣ - لا يحل للشريك أن يبيع حتى يُؤذنَ شريكهُ: عن جابر بن عبد اللّه ﵁ قال: قضى رسول اللّه ﷺ بالشفعة في كل شركةٍ لم تقسم؛ ربعة أو حائطٍ، لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فإن شاء أخذ وإن شاء ترك، فإذا باع ولم يؤذنه فهو أحق به (٢). ربعة: الربَّعة والرَّبْع: بفتح الراء وإسكان الباء، والرَّبْع: الدار والمسكن ومطلق الأرض، وأصله المنزل الذي كانوا يرتبعون فيه. والرَّبْعة: تأنيث الرَّبع، وقيل: واحدة، والجمع الذي هو اسم الجنس رَبْع. الحائط: البستان. ٤ - لا تبطل الشفعة بالتراخي ؛ لما في الأحاديث الواردة في الشفعة من الإطلاق، وليس في اشتراط الفورية ما يصلح متمسكًا كما لا يخفى على عارف.

стр. 407

الباب السابع الإِجارة ١ - مشروعية الإجارة: قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]. وقال تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: ٧٧]. وعن عائشة ﵄: "واستأجر النبي ﷺ وأبو بكرٍ رجلًا من بني الدِّيل ثم من بني عبدِ بن عدي هاديًا خزِّينًا - الخِرِّيت الماهر بالهداية - قد غمس يمين حِلْفٍ في آل العاص بن وائلٍ، وهو على دين كفَّارِ قريشٍ، فأمِنَاهُ فدفَعَا إليه راحلتيهما، ووعداهُ غارَ ثورٍ بعد ثلاثِ ليالٍ، فأتاهما براحلتيهما صبيحة ليالٍ ثلاث، فارتحلا، وانطلق معهما عامرُ بنُ فهيرة والدليلُ الدِّيليُّ، فأخذ بهم أسفل مكة، وهو طريق الساحل"، وهو حديث صحيح (١). ٢ - تجوز الإجارة على كل عمل لم يمنع منه مانع شرعي؛ لإطلاق الأدلة الواردة في ذلك: منها: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ما بعث اللّه نبيًّا إلا رعى الغنم"، فقال أصحابه: وأنت؟ فقال: "نعم، كنت أرعاها على قراريطَ لأهلِ مكةَ" (٢). عن سويد بن قيس، قال: جلبتُ أنا ومخرمة العبدي بزًّا من هجر، فأتينا به مكة، فجاءَنا رسول اللّه ﷺ يمشي، فساومنا بسراويل، فبعناه، وثم رجل يزنُ بالأجرِ، فقال له رسول اللّه ﷺ : "زِنْ وأَرْجِحْ"، وهو حديث صحيح (٣). البز: الثياب. هجر: اسم بلد معروف بالبحرين. ٣ - إذا لم تكن الأجرة معلومة ، استحق الأجير مقدار عمله عند أهل ذلك العمل؛ لحديث سويد بن قيس الصحيح المتقدم.

стр. 408

٤ - النهي عن أجرة المؤذن: لحديث عثمان بن أبي العاص، قال: يا رسول اللّه، اجعلني إمام قومي، قال: "أنت إمامُهُم، واقْتدِ بأضعفهم، واتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا"، وهو حديث صحيح (١). ٥ - النهي عن قفيز الطحان: عن أبي سعيد الخدري قال: "نهى رسول اللّه ﷺ عن عَسْب الفحل، وعن قفيز الطحان"، وهو حديث صحيح (٢). قفيز الطحان: هو أن يطحن الطعام بجزء منه. ٦ - يجوز الاستئجار على تلاوة القرآن: عن ابن عباس ﵄ أن نفرًا من أصحاب النبي ﷺ مروا بماء فيهم لديغ - أو سليم - فعرض لهم رجل من أهل الماء، فقال: هل فيكم من راقٍ؟ إن في الماء رجلًا لديغًا، أو سليمًا، فانطلق رجل منهم فقرأ بفاتحة الكتاب على شاء، فبرأ فجاء بالشاء إلى أصحابه، فكرهوا ذلك، وقالوا: أخذت على كتاب اللّه أجرًا، حتى قدموا المدينة فقالوا: يا رسول الله أخذ على كتاب اللّه أجرًا، فقال رسول اللّه ﷺ : "إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتابُ الله"، وهو حديث صحيح (٣). ٧ - لا يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن: عن أبي بن كعبٍ، قال: علمتُ رجلًا القرآن، فأهدى إليَّ قوسًا، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "إن أخذْتَها أخذْتَ قوسًا من نار"، فرددتها، وهو حديث صحيح (٤). ٨ - يجوز كراء العين مدة معلومة بأجرة معلومة: عن رافع بن خديج: قال: كُنَّا أكثر الأنصار حقلًا قال: كُنَّا نُكْري الأرض على أن لنا هذه ولهم هذه، فربما أخرجت هذه ولم تُخرج هذه، فنهانا عن ذلك، وأما الورق فلم ينهنا (٥).

стр. 409

٩ - جواز كراء الأرض بأجرة معلومة: عن جابر بن عبد اللّه ﵁ قال: كُنَّا نخابرُ على عهد رسول اللّه ﷺ ، فنصيبُ من القصري ومن كذا، فقال رسول اللّه ﷺ : "من كانت له أرضٌ فليزرعْهَا أو فليُحْرِثْها أخاه، وإلا فليَدَعْها" (١). القصرى: هو ما بقي من الحب في السنبل بعد الدياس. ويقال له: القُصارة بضم القاف، وهذا الاسم أشهر من القصرى. عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: كان أصحاب المزارع يُكرون في زمان رسول اللّه ﷺ مزارعهم بما يكونُ على الساقي من الزرع، فجاؤوا رسول اللّه ﷺ فاختصموا في بعض ذلك؛ فنهاهم رسول اللّه ﷺ أن يكروا بذلك، وقال: "أَكْرُوا بالذهب والفضة"، وهو حديث حسن بشواهده (٢). ١٠ - إذا فسد ما استؤجر عليه أو تلف ما استأجره، ضمن: عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول اللّه ﷺ قال: "من تطبَّبَ ولا يُعلمُ منه طبٌ، فهو ضامنٌ"، وهو حديث حسن (٣). ١١ - إثم من منع أجر الأجير: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: قال اللّه تعالى: "ثلاثةٌ أنا خصمهم يوم القيامة: رجلٌ أعطى بي ثم غَدَر، ورجل باع حُرًّا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يعْطِهِ أجرَه"، وهو حديث صحيح (٤). * * *

стр. 410

الباب الثامن الإِحياء والإِقطاع ١ - من أحيا أرضًا ميتة فهي له: عن عائشة ﵄ عن النبي ﷺ قال: "من أَعْمَر أرضًا ليست لأحد، فهو أحق"، أي أحق بها من غيره (١). ولحديث جابر أن النبي ﷺ قال: "من أحيا أرضًا ميتة فهي لَهُ"، وهو حديث صحيح (٢). ٢ - يجوز للإمام أن يُقطع بعض رعيته لمصلحة: عن أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄ قالتْ: "وكنتُ أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله ﷺ على رأسي" (٣). أقطعه: قال أهل اللغة: يقال: أقطعه إذا أعطاه قطيعة. وهي قطعة أرض سميت قطيعة؛ لأنه اقتطعها من جملة الأرض. عن أبيض بن حَمَّال أنه وفد إلى رسول اللّه ﷺ فاستقطعه الملح، قال ابن المتوكل: الذي بمأرب، فقطعه له، فلما ولَّى، قال رجل من المجلس أتدري ما قطعت له إنما قطعت له الماء العِدَّ، قال: فانتزع منه، قال: وسأله عما يُحمي من الأراك، قال: "ما لم تنله خفاف"، وقال ابن المتوكل: "أخفاف الإبل" (٤). العِدّ: بكسر العين: الدائم الذي لا انقطاع له مثل ماء العين وماء البئر. * * *

стр. 411

الباب التاسع الشركة ١ - مشروعيتها: قال تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [ص: ٢٤]. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢]. ٢ - الناس شركاء في الماء والنار والكلأ: عن أبي خداش، عن رجل من المهاجرين من أصحاب النبي ﷺ قال: غزوت مع النبي ﷺ ثلاثًا أسمعه يقول: "المسلمون شركاءَ في ثلاثٍ: في الكلأ، والماء، والنار"، وهو حديث صحيح (١). الكلأ: نبات ينبت في موات الأرض، يرعاه الناس ليس لأحد أن يختص به دون أحد ويحجزه عن غيره. أما إذا نبت الكلأ في أرض مملوكة فهو لمالك الأرض، وليس لأحد أن يشركه فيه إلا بإذنه. ٣ - بيان توزيع الماء بين المستحقين: عن عروة بن الزبير: أن عبد اللّه بن الزبير حدثه أن رجلًا من الأنصار خاصم الزبير عند رسول اللّه ﷺ في شراج الحرة - هي مسايل الماء - التي يسقون بها النخل، فقال الأنصاري: سرح الماء يمر، فأبى عليهم فاختصموا عند رسول اللّه ﷺ فقال رسول اللّه ﷺ للزبير: "اسْقِ يا زبيرُ ثم أَرْسلْ الماء إلى جارك"، فغضب الأنصاري. فقال: يا رسول اللّه، أَنْ كان ابن عمتك، فتَلون وجه نبي اللّه ﷺ ثم قال: "يا زبير اسْقِ، ثم احْبِسْ الماء حتى يرجع إلى الجدر"، فقال الزبير: واللّه إني لأحسب هذه الآية نزلت في

стр. 412

ذلك: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] (١). ٤ - لا يجوز منع فضل الماء؛ ليمنع به الكلأ: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللّه ﷺ قال: "لا تمنعوا فضل الماء؛ لتمنعوا به فضل الكلأ" (٢). ٥ - يصح للإمام أن يحمي بقعة موات؛ لرعي دواب المسلمين: عن ابن عباس ﵄ أن الصعب بن جثامة قال: إن رسول الله ﷺ قال: "لا حمى إلا للّه ولرسوله"، وقال: بلغنا أن النبي ﷺ حمى النقيع، وأن عمر حمى الشرف والربذة" (٣). الشرف: بفتح الشين المعجمة، وفتح الراء، وهو والربذة موضعان بين مكة والمدينة. ٦ - جواز الاشتراك في النقود والتجارات: عن أبي المنهال قال: "اشتريت أنا وشريك لي شيئًا يدًا بيدٍ نسيئة، فجاءنا البراء بن عازب فسألناه، فقال: فعلتُ أنا وشريكي زيد بن أرقم، وسألنا النبي ﷺ عن ذلك فقال: "ما كان يدًا بيدٍ فخُذُوه، وما كان نسيئةً فردُّوه" (٤). ٧ - تجوز المضاربة ما لم تشتمل على ما لا يحل: قال ابن حزم (٥): "كل أبواب الفقه ليس منها باب إلا وله أصل في القرآن والسنة، نعلمه وللّه الحمد، حاشا القراض - المضاربة - فما وجدنا له أصلًا فيهما البتة، ولكنه إجماع صحيح مجرد، والذي نقطع عليه أنه كان في عصر النبي ﷺ وعلمه، فأقره ولولا ذلك ما جاز" اهـ. وتعقبه المحدث الألباني (٦) ﵀ قائلًا: "وفيه أمور أهمها: أن الأصل في

стр. 413

المعاملات الجواز، إلا لنص بخلاف العبادات، فالأصل فيها المنع إلا لنص، كما فصله شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، والقرض والمضاربة من الأول كما هو ظاهر، وأيضًا فقد جاء النص في القرآن بجواز التجارة من تراض، وهي تشمل القراض كما لا يخفى، فهذا كله يكفي دليلًا لجوازه ودعم الإجماع المدعى فيه" اهـ. ٨ - إذا تشاجر الشركاء في عرض الطريق كان سبعة أذرع: عن أبي هريرة ﵁ قال: "وقضى النبي ﷺ إذا تشاجروا في الطريق ﴿الميتاءِ﴾ بسبعة أذرع" (١). ٩ - النهي عن منع الجار جاره أن يغرز خشبة في جداره: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللّه ﷺ قال: "لا يمنع جارٌ جاره أن يغرزَ خشبهُ في جداره"، ثم يقول أبو هريرة ﵁: "ما لي أراكم عنها مُعرضين؟، واللّه لأرمين بها بين أكتافكم" (٢). ١٠ - بيان أنه لا ضرر ولا ضرار بين الشركاء: عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "لا ضرَرَ ولا ضرارَ، وللرجل أن يجعل خشبه على حائط جاره، وإذا شكْكُتم في الطريق، فاجعلوها سبعةَ أذرعٍ"، وهو حديث صحيح لغيره (٣). * * *

стр. 414

الباب العاشر الرهن ١ - دليل مشروعية الرهن: قال تعالى: ﴿وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. ولحديث عائشة ﵄ قالت: "اشترى رسول اللّه ﷺ من يهودي طعامًا، ورهنَهُ درعهُ"، وهو حديث صحيح (١). ٢ - ينتفع بالمرهون إذا كان دابة تركب أو بهيمة تحلب: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللّه ﷺ : "الظهرُ يُرْكَبُ بنفقته إذا كان مرهونًا، ولبنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بنفقته إذا كان مرهونًا، وعلى الذي يركب وبشرب النفَقة" (٢). * * *

стр. 415

الباب الحادي عشر الوديعة والعارية ١ - تعريف الوديعة: الوديعة: مأخوذة من ودع الشيء بمعنى تركه، وسمي الشيء الذي يدعه الإنسان عند غيره ليحفظه له: بالوديعة؛ لأنه يتركه عند المودع. ٢ - حكم الوديعة: وإذا استودع الرجل أخاه شيئًا استحب له قبوله إن علم من نفسه القدرة على حفظه؛ لأن هذا من باب التعاون على البر والتقوى. ويجب على المودع رد الوديعة متى طلبت منه؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللّه ﷺ : "أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تَخُنْ من خَانَك"، وهو حديث حسن (١). ٣ - لا ضمان على مؤتمن إذا تلفت الأمانة بدون جنايته وخيانته: عن صفوان بن أمية، أن رسول اللّه ﷺ استعار منه أدراعًا يوم حنين، فقال: أَغَصْبٌ يا محمد؟ فقال: "لا، بل عاريةٌ مضمونة"، وهو حديث حسن (٢). أدراعًا: الأدرع: جمع قلة لدرع، وهو الزردية، ويجمع على أدرع، وفي الكثرة على دروع، وقد استعمل "الأدراع" في هذا الحديث لكثرة، وإن كان جمع قلة اتساعًا. ٤ - تعريف العارية: عرفها الفقهاء بأنها: إباحة المالك منافع ملكه لغيره بلا عوض.

стр. 416

٥ - حكم العارية: وهي مستحبة لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، ولقوله ﷺ : "والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه"، وهو حديث صحيح وقد تقدم. وقد ذم اللّه : ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٥ - ٧]. ٦ - وجوب رد العارية: قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]. ٧ - ضمان العارية: عن يعلى بن أمية ﵁ قال: قال لي رسول اللّه ﷺ : "إذا أتتكَ رُسُلي فأعْطهم ثلاثين درعًا"، قلت: يا رسول اللّه، أعارية مضمونة، أو عارية مؤدَّاةٌ؟ قال: "بل عاريةٌ مؤداةٌ"، وهو حديث حسن (١). ٨ - لا يجوز منع الماعون كالدلو والقدر: عن عبد اللّه بن مسعود ﵁ قال، "كُنَّا نعد الماعون على عهد رسول اللّه ﷺ عارية الدلو والقدر"، وهو حديث حسن (٢). ٩ - أمثلة على ما لا يجوز منعه كعارية؛ كإطراق الفحل، وحلب المواشي لمن يحتاج ذلك، والحمل عليها في سبيل اللّه: عن جابر بن عبد اللّه ﵄ عن النبي ﷺ قال: "ما من صاحب إبلٍ ولا بقرٍ ولا غنم، لا يؤدي حقَّها، إلا أُقْعِدَ لها يوم القيامة بقاع قرقر، تطؤه ذات الَظلف بظلفها، وتنطحه ذات القرن بقرنها، ليس فيها يومئذ جماء ولا مكسورة القرن"، قلنا: يا رسول اللّه، وما حقها؟ قال: "إطراق فحلها، وإعارةُ دلوها، ومنيحتها وحلبها على الماء، وحمل عليها في سبيل اللّه" (٣).

стр. 417

الباب الثاني عشر الغصب ١ - تعريف الغصب: هو أخذ مال الغير عدوانًا . ٢ - الأدلة على تحريم الغصب: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩] . عن أبي بكرة عن النبي ﷺ أنه قال: "فإَّن دماءَكم وأموالَكم وأعراضَكم بينكم حرامٌ كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا .. " (١). ٣ - يجب على الغاصب رد ما أخذ من مال أخيه المسلم: عن أبي حميد الساعدي ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا يَحِلُّ لامرئٍ أن يأخذ عَصَا أخيه بغير طيب نفس منه"، قال: وذلك لشدة ما حرم اللّه تعالى على المسلمَ من مال المسلم وهو حديث صحيح بطرقه (٢). ٤ - بيان حكم من زرع أو غرس في أرض غيره بالقوة: عن رافع بن خديج قال: قال رسول اللّه ﷺ : "من زرعَ في أرضِ قومٍ بغير إذنهم، فليس له من الزرع شيء، وله نفقته"، وهو حديث صحيح بشواهده (٣). ٥ - غصب الأرض حرام: عن سعيد بن زيد ﵁ أنَّ رسول اللّه ﷺ قال: "من اقتطع شبرًا من الأرض ظلمًا، طوقه اللّه إياه يوم القيامة من سبع أرضين"، وهو حديث صحيح (٤). ٦ - حرمة الانتفاع بالمغصوب: عن يزيد أنه سمع رسولَ اللّه ﷺ يقول: "لا يأخذنَّ أحدُكُم متاعَ أخيِه، لاعبًا ولا جادًّا".

стр. 418

وفي لفظ: " ....... لعبًا ولا جِدًّا، ومن أخد عصا أخيه فليردَّها"، وهو حديث حسن (١). ٧ - من أتلف المغصوب فعليه مثله أو قيمته: عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ كان عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين مع خادمٍ بقصعةٍ فيها طعامٌ، فضربت بيدها فكسرت القصعة، فضمها وجعل فيها الطعام وقال: كلوا، وحبس الرسول والقصعة حتى فرغوا فدفع القصعة الصحيحة وحبس المكسورة" (٢). فضربت بيدها: أي عائشة ﵄، وإنما أبهمت تخيمًا لشأنها، وأنه مما لا يخفى ولا يلتبس أنها هي؛ لأن الهدايا إنما كانت تهدى إلى النبي ﷺ في بيتها. ٨ - من مات دون ماله فهو شهيد: عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول اللّه ﷺ فقال: يا رسول اللّه أرأيت إن جاء رجلٌ يريدُ أخذ مالي؟، قال: "فلا تعطه مَالَك"، قال: أرأيت إن قاتلني؟، قال: "قاتلهُ" قال: أرأيت إن قتلني؟، قال: "فأنت شهيدٌ"، قال: أرأيت إن قتلته؟، قال: "هو في النار" (٣). * * *

стр. 419

الباب الثالث عشر العتق ١ - تعريف العتق: العتق: شرعًا: إسقاط المولى حقه من مملوكه بوجه مخصوص، يصير به المملوك من الأحرار. ٢ - الترغيب في العتق: عن أبي هريرة ﵁: قال النبي ﷺ : "أيما رجل أعتق امرءًا مسلمًا، استنقذ الله بكل عضوٍ منه عضْوًا منه من النار" (١). ٣ - بيانَ أن فضل الرقاب أنفسها عند أهلها: عن أبي ذر ﵁ قال: سألت النبي ﷺ : أي العمل أفضل؟ قال: "إيمانٌ بالله وجهاد في سبيله"، قلت: فأي الرقاب أفضل؟، قال: "أعلاها ثمنًا، وأنفسها عند أهلها" قلت: فإن لم أفعل؟، قال: "تُعين ضائعًا، أو تصنع لأخْرَقَ"، قال: فإن لم أفعل؟ قال: "تدع الناس من الشرِّ؛ فإنها صدقة تصدق بها على نفسك" (٢). تصنع لأخرق: الأخرق هو الذي ليس بصانع، يقال: رجل أخرق وامرأة خرقاء، لمن لا صنعة له. ٤ - يجوز العتق بشرط الخدمة ونحوها: عن سفينة، قال: "كنتُ مملوكًا لأم سلمة، فقالت: أعتقك وأشترط عليك أن تخدم رسول اللّه ﷺ ما عشت، فقلت: إن لم تشترطي عليَّ ما فارقت رسول اللّه ﷺ ما عشت، فأعتقتني واشترطت عليَّ"، وهو حديث حسن (٣). ٥ - من مَلَكَ رحمهُ عتق عليه: عن سمرة بن جندب، قال: قال رسول اللّه ﷺ : "من ملك ذا رحم محرم، فهو حرٌّ"، وهو حديث صحيح لغيره (٤).

стр. 420

٦ - من لطم مملوكه فكفارته أن يعتقه: عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسولَ اللّه ﷺ يقول: "من لطمَ مملوكَه أو ضربه، فكفارته أن يعتقه" (١). ٧ - حكم من مَثَّل بمملوكه: عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، قال: جاء رجل مستصرخ إلى النبي ﷺ فقال: جارية له يا رسول اللّه، فقال: "ويحَكَ ما لَكَ؟ "، قال: شر، أبصر لسيده جارية له قفار، فجبَّ مذاكيره، فقال رسول اللّه ﷺ : "عليَّ بالرجل" فطلب فلم يقدر عليه، فقال رسول اللّه ﷺ : "اذهبْ فأنتَ حرٌّ"، فقال: يا رسول اللّه على من نصرتي؟ قال: "على كل مؤمن"، أو قال: "كل مسلم"، وهو حديث حسن (٢). ٨ - حكم من أعتق عبدًا له فيه شركاء: عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول اللّه ﷺ : "من أعتق شقصًا له من عبدٍ - أو شركًا، أو قال: نصيبًا - وكان له ما يبلغ ثمنه بقيمة العدل فهو عتيق، وإلا فقد عتق منه ما عتق" (٣). ٩ - بيان أن الولاء لمن أعتق: عن عائشة ﵂ قالت: إن بريرة جاءت تستعينها في كتابتها ولم تكن قضت من كتابتها شيئًا، قالت لها عائشة: ارجعي إلى أهلك، فإن أحبوا أن أقضي عنك كتابتك ويكون ولاؤك لي فعلت، فذكرت ذلك بريرة لأهلها فأبوا وقالوا: إن شاءت أن تحتسب عليك فلتفعل، ويكون ولاؤك لنا، فذكرت ذلك لرسول اللّه ﷺ فقال لها رسول اللّه ﷺ : "ابتاعي فَأَعتقي؛ فإنما الولاء لمن أعتق" قال: ثم قام رسول اللّه ﷺ فقال: "ما بال أناسٍ يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله؟ من اشترط شرطًا ليس في كتاب اللّه فليس له، وإن شرط مائةَ مرة، شرط الله أحق وأوثق" (٤).

стр. 421

١٠ - يجوز التدبير فيعتق بموت مالكه، وإذا احتاج المالكُ جاز له بيعه: عن جابر بن عبد اللّه ﵄ قال: "أعتقَ رجلٌ منا عبدًا له عن دُبُر، فدعا النبي ﷺ به فباعه، قال جابر: مات الغلام عام أول" (١). التدبير: هو عتق العبد إلى بعد الموت من قبل سيده، يقول له: أنت حر بعد دبر مني. ١١ - يجوز مكاتبة المملوك على مال يؤديه: لقوله تعالى في سورة النور الآية (٣٣): ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾. ١٢ - يصير المكاتب حرًّا عند الوفاء، ويعتق منه بقدر ما سلم: عن ابن عباس ﵄: "أن نبي اللّه ﷺ قضى في المكاتب، أن يؤدي بقدر ما عتق منه دية الحر" (٢). * * *

стр. 422

الباب الرابع عشر الوقف ١ - تعريف الوقف: " هو من التبرعات، كان أهل الجاهلية لا يعرفونه فاستنبطه النبي ﷺ لمصالح لا توجد في سائر الصدقات، فإن الإنسان ربما يصرف في سبيل اللّه مالًا كثيرًا، ثم يفنى فيحتاج أولئك الفقراء تارة أخرى، وتجئ أقوام آخرون من الفقراء فيبقون محرومين، فلا أحسن ولا أنفع للعامة من أن يكون شيء حبسًا للفقراء وابن السبيل يصرف عليهم منافعه ويبقى أصله على ملك الواقف" اهـ (١). ٢ - الأدلة على مشروعية الوقف: حث الإسلام على الوقف، ودل على ذلك حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول اللّه ﷺ قال: "إذا مات الإنسان، انقطع عنه عملُه إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علمٍ يُنتَفَع به، أو ولد صالح يدعو له" (٢). ٣ - للواقف أن يجعل نفسه في وقفه كسائر المسلمين: عن عثمان بن عفان ﵁: أن رسول الله ﷺ قدم المدينة، وليس بها ماء يستعذب غير بئر رومة، فقال: "من يشتري بئرَ رومة، فيجعل دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة"، فاشتريتها من صلب مالي، وهو حديث حسن (٣). ٤ - للواقف أن يجعل غلات الموقوف لمن شاء: عن ابن عمر ﵄: "أن عمر بن الخطاب أصاب أرضًا بخيبر، فأتى النبي ﷺ يستأمره فيها، فقال: يا رسول اللّه، إني أصبتُ أرضًا بخيبر لم أصب مالًا قط أنفس عندي منه، فما تأمرُ به؟ قال: "إن شئْت حبسْتَ أصلها وتصدقْت بها"، قال: فتصدق بها عمر أنه لا يباع ولا يوهب ولا يورث، وتصدق بها في الفقراء وفي القربى وفي

стр. 423

الرقاب، وفي سبيل اللّه وابن السبيل، والضيف، ولا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، ويُطعم غير متمول" (١). ٥ - بطلان وقف من أراد مضارة لوارثه: قال تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ [النساء: ١٢]. ولحديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "لا ضَررَ ولا ضرَارَ، وللرجلِ أن يجعل خَشَبه على حائط جاره"، وهو حديث صحيح لغيره (٢). ٦ - بيان حكم المال الموقوف الذي يوضع في مكان لا يستفاد منه: عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: سمعتُ رسول اللّه ﷺ يقول: "لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية (أو قال: بكفر) لأنفقتُ كنزَ الكعبة فِي سبيل الله، ولجعلتُ بابها بالأرض، ولأدخلتُ فيها من الحجر" (٣). فهذا يدل على جواز إنفاق مال الكعبة، إذا زال المانع وهو حداثة عهد الناس بالكفر، وقد زال ذلك. وإذا كان هذا هو الحكم في الأموال التي في الكعبة، فالأموال التي في غيرها من المساجد أولى بذلك بفحوى الخطاب. ٧ - تحريم الوقف على القبور؛ لتزيينها أو زخرفتها: عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب: "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول اللّه ﷺ ، ألَّا تدع تمثالًا إلا طمسْتَه، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويتَه" (٤). اعلم أن الوقف على القبور مفسدة عظيمة ومنكر كبير، إلا أن يقف على القبر مثلًا؛ لإصلاح ما انهدم من عمارته، التي لا إشراف فيها ولا رفع ولا تزيين، فقد يكون لهذا وجه صحة، وإن كان الحي أولى من الميت. وللإمام الشوكاني كتاب بعنوان "شرح الصدور في تحريم رفع القبور"، بتحقيقنا.

стр. 424

الباب الخامس عشر الهدايا ١ - يُشرع قبول الهدية ومكافأة فاعلها: عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول اللّه ﷺ يقبلُ الهديةَ وَيُثِيبُ عليها" (١). ٢ - جواز تبادل الهدايا بين المسلم والكافر: عن أنس بن مالك ﵁ قال: "إن أكيدر دومة أهدى إلى النبي ﷺ " (٢). وعن أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت: "أتتني أمي راغبة في عهد النبي ﷺ ، فسألت النبي ﷺ آصلها؟، قال: "نعم"، قال ابن عيينة: فأنزل اللّه تعالى فيها: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الممتحنة: ٨] (٣). ٣ - يحرم الرجوع في الهدية، إلا الوالد فيما يعطي ولده: عن ابن عباس ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "العائدُ في هبَته، كالعائد في قيئه" (٤). وعن ابن عمر ﵄ وابن عباس ﵄، رفعاه إلى النبي ﷺ بَلفظَ: "لا يَحلُّ للرجلِ أن يُعطي العطية فيرجع فيها، إلَّا الوالدُ فيما يعطي ولده"، وهو حديث صحيح (٥). ٤ - تجب التسوية بالهدايا بين الأولاد: عن النعمان بن بشير ﵁ أنه قال: إن أباه أتى به رسول اللّه ﷺ فقال: إني نحلت ابن هذا غلامًا كان لي. فقال رسول اللّه ﷺ : "أَكُلُّ وَلَدك نَحَلتَه مثل هذا؟ " فقال: لا، فقال رسول اللّه ﷺ : "فارجعْه" (٦). ٥ - رد الهدية لغير مانع شرعي مكروه: عن أبي هريرة ﵁: عن النبي ﷺ قال: "تَهَادُوا تَحَابُّوا"، وهو حديث حسن (٧).

стр. 425

وأما إذا كان ثَمَّ مانع شرعي من قبول الهدية لم يحل قبولها؛ وذلك كالهدايا لأهل الولايات توصلًا إلى أن يميلوا مع المهدي. لقوله تعالى في سورة البقرة الآية (١٨٨): ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. وعن عبد الله بن عمرو قال: "لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي"، وهو حديث صحيح (١). وعن أبي حميد الساعدي قال: استعمل رسول اللّه ﷺ رجلًا من الأسد يقال له: ابن اللتبية، (قال عمرو وابن أبي عمر: على الصدقة). فلما قدم قال: هذا لكم، وهذا لي، أهدي لي، قال: فقام رسول اللّه ﷺ على المنبر، فحمد اللّه وأثنى عليه، وقال: "ما بال عامل أبعثه فيقول: هذا لكم وهذا أهدي إلي، أفلا قَعَدَ في بيت أبيه أو في بيت أمهِ، حتى ينظر أيُهْدَى إليه أم لا؟، والذي نفس محمد بيده لا ينال أحدَ منكَم منها شيئًا إلَّا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه، بعير له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر" ثم رفع يديه حتى رَأيْنَا عُفرتي إبطيه، ثم قال: "اللهمَّ هل بلغتُ"، مرتين (٢). تيعر: معناه: تصيح. واليعار: صوت الشاة. * * *
следующие страницы →