← Фикх общий

Фикх общий · id 782

اللباب في فقه السنة والكتاب

محمد صبحي حلاق

Полный текст (548 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

١٠ - يجوز التدبير فيعتق بموت مالكه، وإذا احتاج المالكُ جاز له بيعه: عن جابر بن عبد اللّه ﵄ قال: "أعتقَ رجلٌ منا عبدًا له عن دُبُر، فدعا النبي ﷺ به فباعه، قال جابر: مات الغلام عام أول" (١). التدبير: هو عتق العبد إلى بعد الموت من قبل سيده، يقول له: أنت حر بعد دبر مني. ١١ - يجوز مكاتبة المملوك على مال يؤديه: لقوله تعالى في سورة النور الآية (٣٣): ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾. ١٢ - يصير المكاتب حرًّا عند الوفاء، ويعتق منه بقدر ما سلم: عن ابن عباس ﵄: "أن نبي اللّه ﷺ قضى في المكاتب، أن يؤدي بقدر ما عتق منه دية الحر" (٢). * * *

стр. 422

الباب الرابع عشر الوقف ١ - تعريف الوقف: " هو من التبرعات، كان أهل الجاهلية لا يعرفونه فاستنبطه النبي ﷺ لمصالح لا توجد في سائر الصدقات، فإن الإنسان ربما يصرف في سبيل اللّه مالًا كثيرًا، ثم يفنى فيحتاج أولئك الفقراء تارة أخرى، وتجئ أقوام آخرون من الفقراء فيبقون محرومين، فلا أحسن ولا أنفع للعامة من أن يكون شيء حبسًا للفقراء وابن السبيل يصرف عليهم منافعه ويبقى أصله على ملك الواقف" اهـ (١). ٢ - الأدلة على مشروعية الوقف: حث الإسلام على الوقف، ودل على ذلك حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول اللّه ﷺ قال: "إذا مات الإنسان، انقطع عنه عملُه إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علمٍ يُنتَفَع به، أو ولد صالح يدعو له" (٢). ٣ - للواقف أن يجعل نفسه في وقفه كسائر المسلمين: عن عثمان بن عفان ﵁: أن رسول الله ﷺ قدم المدينة، وليس بها ماء يستعذب غير بئر رومة، فقال: "من يشتري بئرَ رومة، فيجعل دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة"، فاشتريتها من صلب مالي، وهو حديث حسن (٣). ٤ - للواقف أن يجعل غلات الموقوف لمن شاء: عن ابن عمر ﵄: "أن عمر بن الخطاب أصاب أرضًا بخيبر، فأتى النبي ﷺ يستأمره فيها، فقال: يا رسول اللّه، إني أصبتُ أرضًا بخيبر لم أصب مالًا قط أنفس عندي منه، فما تأمرُ به؟ قال: "إن شئْت حبسْتَ أصلها وتصدقْت بها"، قال: فتصدق بها عمر أنه لا يباع ولا يوهب ولا يورث، وتصدق بها في الفقراء وفي القربى وفي

стр. 423

الرقاب، وفي سبيل اللّه وابن السبيل، والضيف، ولا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، ويُطعم غير متمول" (١). ٥ - بطلان وقف من أراد مضارة لوارثه: قال تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ [النساء: ١٢]. ولحديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "لا ضَررَ ولا ضرَارَ، وللرجلِ أن يجعل خَشَبه على حائط جاره"، وهو حديث صحيح لغيره (٢). ٦ - بيان حكم المال الموقوف الذي يوضع في مكان لا يستفاد منه: عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: سمعتُ رسول اللّه ﷺ يقول: "لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية (أو قال: بكفر) لأنفقتُ كنزَ الكعبة فِي سبيل الله، ولجعلتُ بابها بالأرض، ولأدخلتُ فيها من الحجر" (٣). فهذا يدل على جواز إنفاق مال الكعبة، إذا زال المانع وهو حداثة عهد الناس بالكفر، وقد زال ذلك. وإذا كان هذا هو الحكم في الأموال التي في الكعبة، فالأموال التي في غيرها من المساجد أولى بذلك بفحوى الخطاب. ٧ - تحريم الوقف على القبور؛ لتزيينها أو زخرفتها: عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب: "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول اللّه ﷺ ، ألَّا تدع تمثالًا إلا طمسْتَه، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويتَه" (٤). اعلم أن الوقف على القبور مفسدة عظيمة ومنكر كبير، إلا أن يقف على القبر مثلًا؛ لإصلاح ما انهدم من عمارته، التي لا إشراف فيها ولا رفع ولا تزيين، فقد يكون لهذا وجه صحة، وإن كان الحي أولى من الميت. وللإمام الشوكاني كتاب بعنوان "شرح الصدور في تحريم رفع القبور"، بتحقيقنا.

стр. 424

الباب الخامس عشر الهدايا ١ - يُشرع قبول الهدية ومكافأة فاعلها: عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول اللّه ﷺ يقبلُ الهديةَ وَيُثِيبُ عليها" (١). ٢ - جواز تبادل الهدايا بين المسلم والكافر: عن أنس بن مالك ﵁ قال: "إن أكيدر دومة أهدى إلى النبي ﷺ " (٢). وعن أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت: "أتتني أمي راغبة في عهد النبي ﷺ ، فسألت النبي ﷺ آصلها؟، قال: "نعم"، قال ابن عيينة: فأنزل اللّه تعالى فيها: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الممتحنة: ٨] (٣). ٣ - يحرم الرجوع في الهدية، إلا الوالد فيما يعطي ولده: عن ابن عباس ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "العائدُ في هبَته، كالعائد في قيئه" (٤). وعن ابن عمر ﵄ وابن عباس ﵄، رفعاه إلى النبي ﷺ بَلفظَ: "لا يَحلُّ للرجلِ أن يُعطي العطية فيرجع فيها، إلَّا الوالدُ فيما يعطي ولده"، وهو حديث صحيح (٥). ٤ - تجب التسوية بالهدايا بين الأولاد: عن النعمان بن بشير ﵁ أنه قال: إن أباه أتى به رسول اللّه ﷺ فقال: إني نحلت ابن هذا غلامًا كان لي. فقال رسول اللّه ﷺ : "أَكُلُّ وَلَدك نَحَلتَه مثل هذا؟ " فقال: لا، فقال رسول اللّه ﷺ : "فارجعْه" (٦). ٥ - رد الهدية لغير مانع شرعي مكروه: عن أبي هريرة ﵁: عن النبي ﷺ قال: "تَهَادُوا تَحَابُّوا"، وهو حديث حسن (٧).

стр. 425

وأما إذا كان ثَمَّ مانع شرعي من قبول الهدية لم يحل قبولها؛ وذلك كالهدايا لأهل الولايات توصلًا إلى أن يميلوا مع المهدي. لقوله تعالى في سورة البقرة الآية (١٨٨): ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. وعن عبد الله بن عمرو قال: "لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي"، وهو حديث صحيح (١). وعن أبي حميد الساعدي قال: استعمل رسول اللّه ﷺ رجلًا من الأسد يقال له: ابن اللتبية، (قال عمرو وابن أبي عمر: على الصدقة). فلما قدم قال: هذا لكم، وهذا لي، أهدي لي، قال: فقام رسول اللّه ﷺ على المنبر، فحمد اللّه وأثنى عليه، وقال: "ما بال عامل أبعثه فيقول: هذا لكم وهذا أهدي إلي، أفلا قَعَدَ في بيت أبيه أو في بيت أمهِ، حتى ينظر أيُهْدَى إليه أم لا؟، والذي نفس محمد بيده لا ينال أحدَ منكَم منها شيئًا إلَّا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه، بعير له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر" ثم رفع يديه حتى رَأيْنَا عُفرتي إبطيه، ثم قال: "اللهمَّ هل بلغتُ"، مرتين (٢). تيعر: معناه: تصيح. واليعار: صوت الشاة. * * *

стр. 426

الباب السادس عشر الهبة ١ - متى تكون الهبة بحكم الهدية: تكون الهبة بحكم الهدية إن كانت بغير عوض؛ لكون الهدية هبة لغة وشرعًا، والفرق بينهما إنما هو اصطلاح جديد. ٢ - متى تكون الهبة بيعًا: تكون الهبة بيعًا إن كانت بعوض؛ لأن المعتبر في التبايع إنما هو التراضي والتعاون، وهما حاصلان في الهبة بعوض. ٣ - بيان أن العُمْرى والرُّقْبى يوجبان الملك للمعمر والمرقب ولعقبه أبدًا: العُمْرَى: بضم العين المهملة وسكون الميم مع القصر عند الأكثر. وهي مأخوذة من العمر وهو الحياة. سميت بذلك؛ لأنهم - كانوا في الجاهلية يعطي الرجلُ الرجلَ الدارَ ويقول له: أعمرتك إياها، أي أبحتها لك مدة عمرك وحياتك، فقيل لها: عُمْرى لذلك. الرُّقبَى: المراقبة: أن يعطي إنسان دارًا، أو أرضًا، فإن مات أحدهما، كانت للحي، فكلاهما يترقب وفاة صاحبه، ولهذا سميت. وعن جابر ﵁ قال: "قضى النبي ﷺ بالعُمْرَى أنها لمن وهبت له" (١). وعن جابر قال: قال رسول اللّه ﷺ : "أَمْسكُوا عليكم أموالَكم، ولا تفسدُوها، فإنه من أَعْمَر عُمْرَى فهي للذي أعمرها، حيًّا وميتًا وَلعقبه" (٢). وعن ابن عمر ﵄ قال: إن رسول اللّه ﷺ قال: "لا عُمْرَى ولا رُقْبَى، فمن أعْمرَ شيئًا أو أرقبه فهو له حياته ومماته"، وهو حديث صحيح (٣). * * *

стр. 427

الباب السابع عشر الوكالة ١ - تعريف الوكالة: الوكالة - بفتح الواو، وقد تكسر - التفويض والحفظ، تقول: وكلت فلانًا إذا استحفظته، ووكلت الأمر إليه، إذا فوضته إليه. وهي في الشرع: إقامة الشخص غيره مقام نفسه مطلقًا أو مقيدًا. ٢ - مشروعية الوكالة: وهي مشروعة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة: قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١٩]. وكتوكيله ﷺ في استيفاء الحد، كما في الحديث عن أبي هريرة ﵁، وزيد بن خالد الجهني وفيه: "واغدُ يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفَتْ فارجُمْها"، قال: فغدا عليها، فاعترفت، فأمر بهما رسول اللّه ﷺ فرجمت (١). وكتوكيله في حفظ زكاة رمضان كما في حديث أبي هريرة ﵁ قال: "وكلني رسول اللّه ﷺ بحفظ زكاة رمضان" (٢). وأجمع المسلمون على جوازها، بل على استحبابها، لأنها نوع من التعاون على البر والتقوى؛ إذ ليس كل إنسان قادرًا على مباشرة أموره بنفسه، فيحتاج إلى توكيل غيره ليقوم بها نيابة عنه. ٣ - بيان حكم بيع الوكيل بزيادة على ما أذن به الموكل: عن عروة البارقي: "أن النبي ﷺ أعطاهُ دينارًا يشتري له به شاة، فاشترى له به

стр. 428

شاتين، فباع إحداهما بدينار، فجاء بدينار وشاة، فدعا له بالبركة في بيعه، وكان لو اشترى التراب لربح فيه" (١). ٤ - حكم مخالفة الوكيل للموكل إلى ما هو أنفع: عن معن بن يزيد قال: بايعتُ رسول اللّه ﷺ أنا وأبي وجدي، وخطب عَليَّ فأنكحني وخاصمت إليه، وكان أبي - يزيدُ - أخرج دنانير يتصدق بها، فوضعها عند رجل في المسجد، فجئت فأخذتها فأتيته بها فقال: واللّه ما إياك أردت، فخاصمته إلى رسول اللّه ﷺ فقال: "لكَ ما نويْتَ يا يزيدُ، ولك ما أخذْتَ يا مَعْنُ" (٢). ولعل هذه الصدقة صدقة تطوع لا صدقة فرض، فقد وقع الإجماع على أنها لا تجزئ في الولد. * * *

стр. 429

الباب الثامن عشر الضمانة (الكفالة) ماذا يجب على من ضمن على حي أو ميت ؟. يجب على من ضمن على حي أو ميت تسليم مالٍ أن يغرمه عند الطلب: عن أبى أمامة قال: سمعتُ رسول اللّه ﷺ يقول: "إن اللّه قد أعطى كل ذي حقّ حقُّه، فلا وصيةَ لوارث، ولا تنفقُ المرأةُ شيئًا من بيتها إلا بإذن زوجها"، فقيل يا رسول اللّه ولا الطعام؟ قال: "ذاك أفضلُ أموالِنا" ثم قال: "العاريةُ مؤداةٌ، والمنحةُ مردودة، والدينُ مَقْضِيٌّ، والزعيمُ غارِمٌ"، وهو حديث صحيح (١). الزعيم: الكفيل. غارم: ضامن. ويرجع على المضمون عنه إن كان مأمورًا من جهته؛ لكون الدين عليه والأمر منه للضمين بالضمانة كالأمر له بالتسليم، فيرجع عليه لذلك. ومن ضمن بإحضار شخص وجب عليه إحضاره وإلا غرِمَ ما عليه، لحديث أبي أمامة المتقدم. * * *

стр. 430

الباب التاسع عشر الحوالة ١ - دليل مشروعية الحوالة: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللّه ﷺ قال: "مَطلُ الغنيِّ ظلمٌ، وإذا أُتْبِعَ أحدُكُم على مليءٍ فليتبع". (١). المطل: منع قضاء ما استحق أداؤه. وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع: أي إذا أحيل بالدين الذي له على مليء فَلْيُحَل. ٢ - هل تبرأ ذمة المحيل بالحوالة: إذا مطل المحالُ عليه أو أفلس، كان للمحال أن يُطالب المحيل بدينه؛ لكون الدين باقيًا بذمة المحيل لا يسقط عنه إلا بتسليمه إلى المُحَال من المُحال عليه، فإذا لم يحصل التسليم كان دينه باقيًا كما كان قبل الحوالة. * * *

стр. 431

الباب العشرون المفلس ١ - بيان ما يجوز لأهل الدين أخذه من المدين: يجوز لأهل الدين أن يأخذوا جميع ما يجدونه معه، إلا ما لا يُستغنى عنه، وهو المنزل وستر العورة وما يقيه من البرد، ويسد رمقه ومن يعول. عن أبي سعيد الخدري قال: أصيب رجل في عهد رسول اللّه ﷺ في ثمار ابتاعها فكثر دينه، فقال رسول اللّه ﷺ : "تصدقوا عليه"، فتصدق الناس عليه، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال رسول اللّه ﷺ لغرمائه: "خُذُوا ما وجدتُم، وليس لكم إلا ذلك" (١). ٢ - ما حكم من أدرك ماله عند المدين المفلس: من وجد ماله عند المدين المفلس فهو أحق به: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللّه ﷺ : - أو سمعت رسول اللّه ﷺ يقول -: "من أدرك ماله بعينه عند رجل قد أفلس - أو إنسان قد أفلس - فهو أحق به من غيره" (٢). ٣ - متى يكون صاحب المتاع أسوة كالغرماء: إذا نقص مال المفلس عن الوفاء بجميع دينه، كان الموجودُ أسوة الغرماء: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "فإن كان قضاه من ثمنها شيئًا فما بقي هو أسوة الغرماء، وأيما امرئ هلك وعنده متاع امرئ بعينه اقتضى منه شيئًا أو لم يقتض، فهو أسوة الغرماء"، وهو حديث صحيح (٣). ٤ - هل يجوز حبس من تبين إفلاسه: إذا تبين إفلاسه فلا يجوِز حبسُهُ؛ لأنه خلاف حكم اللّه سبحانه، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠].

стр. 432

٥ - ليُّ الواجِد ظلمٌ يحل عرضَهُ وعقوبتُه: عن عمرو بن الشريد عن أبيه، عن رسول اللّه ﷺ قال: "ليُّ الواجِدِ يُحِلُّ عرضه وعقوبته"، وهو حديث حسن (١). اللي: المطل، يقال: لواه حقه ليًّا وليانًا أي مطله. الواجد: الغني. يحل عرضه: أي يغلظ له وينسبه إلى سوء القضاء، ويقول له: إنك ظالم ومتعدٍّ. وعقوبته: أي يحبس حتى يؤدي الحق. ٦ - متى يجوز الحجر على المفلس: يجوز للحاكم أن يحجرَهُ عن التصرف في مالِهِ ويبيعه لقضاء دينه. واعلم أن الحجر كان عند الصحابة أمرًا معروفًا ثابتًا في الشريعة. عن عروة بن الزبير ﵁ قال: "ابتاع عبد اللّه بن جعفر بيعًا، فقال علي ﵁: لآتين عثمان فلأحجرنَّ عليك، فأعلم ذلك ابنُ جعفر الزبيرَ، فقال: أنا شريكك في بيعتك، فأتى علي ﵁ عثمان فقال: احجر على هذا؟، فقال الزبير: أنا شريكه، فقال عثمان ﷺ : أحجر على رجل شريكه الزبير؟! "، وهو حديث صحيح (٢). ٧ - متى يجوز الحجر على المبذر: يجوز الحجر على المبذر ومن لا يحسن التصرف؛ لقوله تعالى في سورة النساء الآية (٥): ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾. وقال الزمخشري (٣): "السفهاء: المبذرون أموالهم الذين ينفقونها فيما لا ينبغي، ولا يد لهم بإصلاحها وتثميرها والتصرف فيها، والخطاب للأولياء وأضاف الأموال إليهم؛ لأنها من جنس ما يقيم به الناس معايشهم .. " اهـ.

стр. 433

٨ - متى يمكّن اليتيم من ماله: يُمكن اليتيم من التصرف في ماله حين يُؤنسُ منه الرشدُ. لقوله تعالى في سورة النساء الآية (٦): ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾. ٩ - يجوز لولي اليتيم أن يأكل من مالهِ بالمعروف: عن عائشة ﵂ في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]: "إنها نزلت في مال اليتيم، إذا كان فقيرًا أنه يأكل منه مكانَ قيامه عليه بمعروف" (١). * * *

стр. 434

الباب الحادى والعشرون اللُّقَطَة ١ - ما يفعل من وجد لُقَطَة: من وجد لقطة فليعرف عفاصَها ووكاءَها، فإن جاء صَاحبُها دفعها إليه وإلَّا عَرفَ بها حولًا: عن يزيد مولى المنبعث، أنه سمع زيد بن خالد الجهني صاحب رسول الله ﷺ يقول: سُئِلَ رسولُ اللّه ﷺ عن اللُّقَطَة، الذهب أو الورق؟ فقال: "اعْرِف وكاءَها وعفاصَها، ثم عَرِّفْها سنةً، فإن لم تُعْرف فاستنْفقها، ولتكن وديعة عندك، فإن جاء طالبها يومًا من الدهر فأدَهِّا إليه"، وسأله عن ضالة الَإبل؟ فقال: "مالَكَ ولَها؟ دَعْهَا، فإن معها حذاءَها وسقاءَها، تَردُ الماء وتأكلُ الشجرَ، حتى يجدَها ربّهُا"، وسأله عن الشاة؟ فقال: "خُذْها فإنما هي لك أوَ لأخيك أو للذئب" (١). العفاص: هو الوعاء الذي يكون فيه من جلد أو خرقة أو غير ذلك من العفص وهو الثني والعطف، وبه سمي الجلد الذي يكون على رأس القارورة. الوكاء: هو الخيط الذي يشد به الوعاء. ٢ - يجوز للملتقط صرف اللقطة في نفسه، ويضمن إذا جاء صاحبها بعدما عرَّف بها حولًا: عن سويد بن غفلة قال: لقيت أُبيَّ بن كعب ﵁ فقال: "أصبت صرة فيها مائة دينار، فأتيت النبي ﷺ فقال: "عَرِّفْها حولًا"، فعرفتها حولًا، فلم أجد من يعرفها، ثم أتيته فقال: عرفها حولًا، فعرفتها فلم أجد، ثم أتيته ثلاثًا فقال: "احفظ وعاءَها وعددَها ووكاءَها، فإن جاء صاحبها وإلا فاستمتع بها"، فاستمتعْتُ، فلقيتُهُ بعد بمكة فقال: لا أدري ثلاثة أحوال أو حولًا واحدًا" (٢). قال ابن حجر (٣): "والذي يظهر أن سلمة - أحد رواة الحديث - أخطأ فيها - أي في

стр. 435

التعريف باللقطة ثلاثة أحوال - ثم استذكر واستمر على عام واحد، ولا يؤخذ إلا بما لم يشك فيه راويه" اهـ. ٣ - المبالغة في تعريف لُقطة مكة: عن أبي هريرة ﵁ قال: لما فتح اللّه على رسوله ﷺ مكة، قام في الناس فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال: "إن اللّه حبس عن مكة الفيل، وسلطَ عليها رسولَه والمؤمنين، فإنها لا تَحلُّ لأحد كان قبلي، وإنها أُحلَّت لي ساعةً من نهار، وإنها لن تَحلَّ لأحدٍ من بعدي، فَلا يُنفرُ صيدها ولا يُخْتَلى شوكُهَا، ولا تَحِلُّ ساقطتُها إلا لمنشدٍ .. " (١). ساقتطها: معنى الساقطة ما سقط فيها بغفلة مالكه. إلا لمنشد: المنشد هو المعرف. ٤ - يجوز للملتقط أن ينتفع بالشيء الحقير من اللقطة: عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ وجد تمرةً فقال: "لولا أن تكون من الصدقة لأَكَلتها" (٢). ٥ - تلتقط ضالَّةُ الدَّوَابِّ إلَّا الإبلَ: لحديث زيد بن خالد الجُهني الصحيح المتقدم في هذا الباب. * * *

стр. 436

الباب الثاني والعشرون الصلح ١ - الدليل على مشروعية الصلح: قوله تعالى في سورة النساء الآية (١١٤): ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾. ٢ - متى لا يجوز الصلح ؟. لا يجوز الصلح بين المسلمين إذا أحل حرامًا أو حرَّمَ حلالًا: عن عمرو بن عوف ﵁ أن رسول اللّه ﷺ قال: "الصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحًا حرَّمَ حلالًا أو أحلَّ حرامًا، والمسلمون على شروطهم إلا شرطًا حرم حلالًا أو أحل حرامًا"، وهو حديث صحيح بطرقه (١). ٣ - دليل جواز الصلح عن المعلوم والمجهول بمعلوم وبمجهول: عن أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول اللّه ﷺ : "إنكم تختصمون إليَّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعضٍ، فأقضي له على نحو مما أسمعُ منه، فمن قطعتُ لَهُ من حقِّ أخيه شيئًا، فلا يأخذهُ، فإنما أقَطعُ لَهُ به قطعةً من النارِ" (٢). ألحن: أراد أن بعضكم يكون أعرف بالحجة وأفطن لها من غيره. والشاهد في الحديث: جواز الصلح والإبراء من المجهول. وعن جابر بن عبد اللّه ﵄: "أنَّ أباهُ قُتِلَ يومَ أحدٍ شهيدًا وعليه دينٌ، فاشتد الغرماء في حقوقهم، فأتيت النبي ﷺ فسألهم أن يقبلوا تمر حائطي ويحلِّلُوا أبي فأبوا، فلم يعطهم النبي ﷺ حائِطي، وقال: "سنغدو عليك" فغدا علينا حين أصبح، فطاف في النخل، ودعا في ثمرها بالبركة، فجددتُها فقضيتهم، وبقي لنا من تمرها" (٣).

стр. 437

حائطي: بستان نخيلي. يحلِّلُوا: أي يجعلونه في حِلٍّ ويبرئونه من دينهم. سنغدو: من الغدو وهو الذهاب أول النهار. فطاف: دار. فجددتها: من الجداد وهو قطع ثمرها. والشاهد في الحديث: جواز الصلح عن معلوم بمجهول. ٤ - دليل جواز الصلح في حد القتل: عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول اللّه ﷺ قال: "من قتل مؤمنًا متعمدًا دفع إلى أولياء المقتول فإن شاؤوا أخذوا الدية، وهي ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفةً، وما صالحوا عليه فهو لهم وذلك لتشديد العقل"، وهو حديث حسن (١). حقة: هي من الإبل ما دخلت الرابعة. جذعة: هي من الإبل ما دخلت الخامسة. الخلفة: هي الحامل من النوق. ٥ - دليل جواز الصلح عن إنكار وسكوت: عن كعب بن مالك ﵁: أنه تقاضى ابن أبي حدردٍ دينًا كان لَهُ عليه، في عهد رسول الله ﷺ في المسجد، فارتفعت أصواتُهما حتى سمعها رسول اللّه ﷺ ، وهو في بيته، فخرج إليهما رسول اللّه ﷺ حتى كشفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ ونادى كعب بن مالك، فقال: "يا كعب"، فقال: لبيك يا رسول اللّه، فأشار إليه بيده أن ضع الشطر من دينك، قال كعب: قد فعلت يا رسول اللّه، قال رسول اللّه ﷺ : "قُمْ فاقضه" (٢). سجف حجرته: أي سترها.

стр. 438

والشاهد في الحديث: وقوع التنازع بين الرجلين، فإن كان التنازع بينهما في المقدار فهو صلح عن إنكار، وقد جوزه الشارع، وإن كان التنازع بينهما في التعجيل والتأجيل فهو أيضًا صلح عن إنكار؛ لأن منكر الأجل قد صولح على أن يتعجل البعض من دَينه، ويسقط الباقي إلى مقابل دعوى صاحبه للأجل. * * *

стр. 439

الكتاب الثامن كتاب الأيمان

стр. 440

١ - تعريف الأيمان: الأيمان - بفتح الهمزة - جمع يمين، وأصل اليمين في اللغة: اليد، وأطلقت على الحلف؛ لأنهم كانوا إذا تحالفوا أخذ كلٌّ بيمين صاحبه. وهي في الشرع: توكيد الشيء بذكر اسم أو صفةٍ لله. ٢ - بم تنعقد اليمين: تنعقد اليمين بالحلف باسم من أسماء الله تعالى أو صفة من صفاته: عن ابن عمر ﵄ قال: كانت يمين النبي ﷺ : "لا، ومقلب القلوب" (١). عن ابن عمر ﵄ قال: بعثَ رسولُ اللّه ﷺ بعثًا وأمرَّ عليهم أسامة بن زيد، فطعن بعض الناس في إمرته، فقام رسول اللّه ﷺ فقال: "إن كنتم تطعنون في إِمْرته؛ فقد كنتم تطعنون في إمْرة أبيه من قبل، وأيمُ اللّه، إن كان لخليقًا للإمارة .. " (٢). ٣ - الحلف بغير اللّه تعالى وصفاته حرام: أي بغير اسم اللّه تعالى وصفاته. عن ابن عمر ﵄: أنه أدرك عمر بن الخطاب في ركب وهو يحلفُ بأبيه فناداهم رسول اللّه ﷺ : "ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفًا فليحلف باللّه، وإلا فليصمُتْ" (٣). وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من حلف، فقال في حلفِهِ باللاتِ والعُزّى، فليقل: لا إله إلَّا الله .. "، وهو حديث صحيح (٤). ٤ - من حلف بملة غير الإسلام فهو كما قال: عن ثابت بن الضحاك قال: قال رسول اللّه ﷺ : "من حلف بملة سوى الإسلام كاذبًا متعمدًا، فهو كما قال"، وهو حديث صحيح (٥).

стр. 441

٥ - لا حنث على من حلف واستثنى: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللّه ﷺ قال: "من حَلَف على يمين فقال: إن شاء الله، لم يَحْنَثْ" (١)، وهو حديث صحيح. ٦ - يكفر عن يمينه من حلف على شيء فرأى غيره خيرًا منه: عن عبد الرحمن بن سَمُرَة قال: قال النبي ﷺ : "يا عبد الرحمن بن سمرة، لا تسأل الإمارة، فإنك إن أوتيتَها عن مسألةٍ وُكلْتَ إليها، وإن أوتِيتَها من غير مسألة أُعِنْتَ عليها، وإذا حلفتَ على يمين فرأيتَ غيرها خيرًا منها، فكَفِّرْ عن يمينك، وائْت الذي هو خير" (٢). ٧ - لا يأثم بالحنث من أكره على اليمين: عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "إن الله وضع عن أمتي الخطأَ والنسيانَ، وما اسْتُكْرِهُوا عليه"، وهو حديث صحيح (٣). ٨ - من علم كذب يمينه فهي غموس: عن عبد اللّه بن عمرو ﵄ قال: "جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول اللّه ما الكبائر؟ قال: "الإشراك باللّه"، قال: ثم ماذا؟ قال: "ثم عقوق الوالدين" قال: ثم ماذا؟ قال: "اليمين الغموس" قلت: وما اليمين الغموس؟ قال: "الذي يقتطع مال امرئٍ مسلم هو فيها كاذب" (٤). ٩ - لا مؤاخذة بيمين اللغو: لقوله تعالى في سورة البقرة الآية (٢٢٥): ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾.

стр. 442

عن عائشة ﵄ قالت: "أنزلت هذه الآية ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٥] في قول الرجل: لا واللّه، وبلى واللّه" (١). ١٠ - من حق المسلم على المسلم إبرار قسمه: عن البراء بن عازب قال: أمرنا رسولُ اللّه ﷺ بسبع ونهانا عن سبع، أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنازة، وتشميت العاطس، وإبرار القسم، أو المقسم، ونصر المظلوم، وإجابة الداعي وإفشاء السلام، ونهانا عن خواتيم، أو عن تختم بالذهب، وعن شُرب بالفضة، وعن المياثر، وعن القسي، وعن لبس الحرير والإستبرق والديباج" (٢). إجابة الداعي: المراد به الداعي إلى وليمة ونحوها من الطعام. المياثر: قال العلماء: هو جمع مِيثَرة، بكسر الميم، وهو وطاء كانت النساء يضعنه لأزواجهن على السروج، وكان من مراكب العجم، ويكون من الحرير، ويكون من الصوف وغيره. القسي: هي ثياب مضلعة بالحرير تعمل بالقس، وهو موضع من بلاد مصر، وهو قرية على ساحل البحر قريبة من تنيس. الإستبرق: هو غليظ الديباج. الديباج: وهي الثياب المتخذة من الإبريسم. ١١ - بيان كفارة اليمين: من حنث في يمينه، فكفارته إحدى هذه الخصال: ١ - إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم. ٢ - أو كسوتهم ٣ - أو تحرير رقبة. فمن عجز عن هذه الخصال، فكفارته صيام ثلاثة أيام، ولا يجوز التكفير بالصوم مع القدرة على إحدى الخصال الثلاث السابقة.

стр. 443

قال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]. ١٢ - حكم الحلف بالحرام: ومن قال: طعامي علي حرام، أو دخول دار فلان عليّ حرام، ونحو ذلك، لم يحرم، وعليه إن فعل كفارة يمين: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ١، ٢]. عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يشرب عسلًا عند زينب بنت جحش ويمكث عندها، فواطأت أنا وحفصة، على أيَّتِنَا دخل عليها فلتقل له: أَكَلْتَ مغافير؟ إني أجد منك ريح مغافير، قال: "لا، ولكني كنت أشرب عسلًا عند زينب بنت جحش، فلن أعود له، وقد حلفت لا تخبري بذلك أحدًا"، وهو حديث صحيح (١). * * *

стр. 444

الكتاب التاسع كتاب النذور

стр. 445

كتاب النذور ١ - تعريف النذر: النذور: جمع نذر، وأصله الإنذار بمعنى التخويف. وعرفه الراغب: بأنه إيجاب ما ليس بواجب لحدوث أمر. ٢ - مشروعية النذر: قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة: ٢٧٠]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، وقد مدح اللّه الموفين بالنذر فقال: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٦، ٧]، ولحديث عائشة الآتي. ٣ - متى يصح النذر: يصح النذر إذا ابتغي به وجه اللّه تعالى، فلابد أن يكون قُربةً، ولا نذرَ في معصية الله: عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: "من نَذَرَ أن يُطيعَ الله فليُطِعْه، ومن نذر أن يَعْصِيَه فلا يَعْصِه" (١). ٤ - النهي عن النذر المعلق: عن عبد الله بن عمر قال: "نهي النبي ﷺ عن النذر، وقال: إنه لا يرد شيئًا، ولكنه يستخرج به من البخيل" (٢)، وعن سعيد بن الحارث أنه سمع ابن عمر ﵄ يقول: أولم ينهوا عن النذر؟ إن النبي ﷺ قال: "إن النذرَ لا يُقَدِّمُ شيئًا ولا يُؤَخِّرُ، وإنما يستخرج بالنذر من البخيل" (٣). ٥ - من أنواع نذر المعصية: أ - عدم التسوية بين الأولاد في العطاء. ب - المفاضلة بين الورثة خلافًا للشرع. جـ - النذر على القبور. د - النذر على المساجد لتزخرف. لكون ذلك ليس من النذر في الطاعة، ولا من النذر الذي يبتغى به وجه الله ومصطدمًا مع الأدلة. ٦ - لا يجب النذر في فعلٍ لم يشرعه الله: عن ابن عباس ﵄ قال: بينا النبي ﷺ يخطب، إذا هو برجل قائم، فسأل عنه،

стр. 446

فقالوا: أبو إسرائيل، نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم ويصوم، فقال النبي ﷺ : "مُرْهُ فليتكلمْ وليَستَظِلْ، وليقعد، وليتم صومه" (١). ٧ - لا يجب النذر على الإنسان فيما لا يطيقه: عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ رأى شيخًا يهادى بين ابنيه قال: "ما بالُ هذا؟ " قالوا: نذر أن يمشي، قال: "إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغني"، وأمره أن يركب (٢). ٨ - تجب كفارة اليمين على من نذر في معصية أو نذر فيما لا يطيقه: عن عقبة بن عامر ﵁ عن رسول الله ﷺ ، قال: "كفارةُ النذرِ كفارةُ اليمين" (٣)، وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "لا نذرَ في معصية، وكفارته كفارةُ يمين"، وهو حديث صحيح بطرقه (٤). ٩ - إذا نذر المشرك بطاعة ثم أسلم لزمه الوفاء: عن ابن عمر ﵄ أن عمر سأل النبي ﷺ قال: "كنتُ نذرتُ في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، قال: "أَوْف بنذْرِك" (٥). ١٠ - ماذا على من نذر كل ماله ؟. عن كعب بن مالك ﵁ قال في حديثه: (وعلى الثلاثة الذين خلفوا) فقال في آخر حديثه: إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقةً إلى اللّه ورسوله، فقال النبي ﷺ : "أَمْسِك عليكَ بعضَ مالِكَ؛ فهو خيرٌ لك" (٦). ١١ - وفاء الولد بنذر أبيه بعد موته يجزئ: عن ابن عباس ﵄ أنه قال: استفتى سعد بن عبادة الأنصاري رسول الله ﷺ ، في نذر كان على أمه، توفيت قبل أن تقضيه، قال رسول اللّه ﷺ : "فاقضه عنها" (٧).

стр. 447

الكتاب العاشر كتاب الأطعمة • ويتضمن ثمانية أبواب: الباب الأول: المحرمات من الأطعمة. الباب الثاني: الصيد. الباب الثالث: الذبح. الباب الرابع: الأشربة. الباب الخامس: الضيافة. الباب السادس: آداب الأكل. الباب السابع: الأضحية. الباب الثامن: العقيقة.

стр. 448

الباب الأول المحرمات من الأطعمة ١ - الأصل في الأشياء الحِل، والحرام ما حرمه الله ورسوله ﷺ -: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨]. قال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣١ - ٣٢]، ولا يحرم من الأطعمة إلا ما حرمه الله في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ ، وتحريم ما لم يحرمه الله افتراء على الله: وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩) وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [يونس:٥٩ - ٦٠]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النحل: ١١٦ - ١١٧]. عن أبى الدرداء ﵁ (رفع الحديث) قال: "ما أحل الله في كتابه فهو حلال وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عافية، فاقبلوا من الله العافية؛ فإن النه لم يكن نسيًّا"، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]، وهو حديث حسن (١). عن أبى هريرة ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: "أيها الناسُ قد فرض الله عليكم الحج فحُجُّوا"، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت، حتى قالها ثلاثًا. فقال رسول الله ﷺ "لو قلتُ نَعم، لوجَبَتْ ولمَا استطعتم" ثم قال: "ذَرُونِي ما تركُتكُم؛ فإنما هلَكَ من كانَ قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمَرتُكُم بشيء فأْتُوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيءٍ فدعوه" (٢). ٢ - المحرمات من الأطعمة في كتاب الله: قال تعالى في سورة الأنعام الآية (١١٩): ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾.

стр. 449

وهو قوله تعالى في سورة المائدة الآية (٣): ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وما أهل لغير الله به: أي ذكر اسم غير الله عند ذبحه. والموقوذة: هي المقتولة بالعصا. والمتردية هي التي تسقط من مكان عالٍ، فتموت. والنطيحة: هي التي تنطحها أخرى، فتموت. وما أكل السبع: أي ما بقي مما أكل السبع. إلا ما ذكيتم: أي ما أدركتم من هذه الأشياء، وفيه حياة مستقرة فذبحتموه. وما ذبح على النصب: أي ما ذبح للطاغوت. وأن تستقسموا بالأزلام: وتسمى القداح: وهي: سهام كانت لدى العرب في الجاهلية مكتوب على أحدها: (أمرني ربي)، وعلى الثاني: (نهاني ربي)، والثالث: (غُفل من الكتابة)، فإذا أرادوا سفرًا أو زواجًا أو نحو ذلك أتوا بيت الأصنام - وفيه الأزلام - فاستقسموها، أي طلبوا علم ما قُسِم لهم من السفر والغزو ونحوه، فإن خرج السهم الآمر أقدموا على الأمر، وإن خرج السهم الناهي أحجموا وأمسكوا عنه، وإن خرج الغُفْل أجالوها مرة أو مرات أخرى، حتى يخرج الآمر أو الناهي. وقوله تعالى في سورة الأنعام الآية (١٢١): ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾، وقوله تعالى في سورة الأنعام (١٤٥): ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، وقوله تعالى في سورة المائدة الآية (٩٦): ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]، وقوله تعالى في سورة الأعراف الآية (١٥٧): ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾.

стр. 450

٣ - المحرمات من الأطعمة في السنة النبوية: أ - كل ذي ناب من السباع: عن أبى هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "كُلُّ ذي نابٍ من السباع، فأكْلُه حرامٌ" (١). ب - كل ذي مخلب من الطير: عن ابن عباس ﵄ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن كل ذي ناب من السباع، وعن كُل ذي مخلب من الطير" (٢). ج - الحمر الإنسية (الأهلية): عن البراء بن عازب قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نُلْقي لحوم الحُمُر الأهلية؛ نيئة ونضيجة، ثم لم يأمرنا بأكله" (٣). د - الجلالة قبل الاستحالة: عن ابن عمر ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن أكل الجلالة وألبانها"، وهو حديث صحيح (٤). الجلالة: هي التي تأكل العذرة من الحيوان، وأصل الجلة البعر، فاستعير لغيره. (هـ) الكلب: لا خلاف في ذلك يعتد به، وهو من السباع، يأكل الجيف، وقد نهى عن أكل ثمنه، كما في حديث أبى مسعود الأنصاري ﵁: "أن رسول الله ﷺ نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي، وحلوان الكاهن" (٥). مهر البغي: هو ما تأخذه الزانية على الزنا، وسماه مهرًا؛ لكونه على صورته، وهو حرام بإجماع المسلمين.

стр. 451

حلوان الكاهن: هو ما يعطاه على كهانته. وكذلك أن الله إذا حرم شيئًا حرم ثمنه، والدليل على ذلك الحديث الآتي: عن ابن عباس ﵄ قال: "رأيت رسول الله ﷺ جالسًا عند الركن، قال: فرفع بصره إلى السماء فضحك، فقال: "لعن الله اليهود" ثلاثًا، "إن الله حَرَّم عليهم الشحومَ فباعوها، وأكلوا أثمانها، وإن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه"، وهو حديث صحيح (١). و - الهِرُّ: لأنه من السباع ويأكل الجيف، وقد نهى عن أكل ثمنه كما في حديث جابر الصحيح. عن أبى الزبير ﵁ قال: سألت جابرًا عن ثمن الكلب والسِّنَّوْر؟ قال: زجرَ النبي ﷺ عن ذلك، وهو حديث صحيح (٢). وتقدم أن الله إذا حرم شيئًا حرم ثمنه كما في حديث ابن عباس الصحيح المتقدم آنفًا. ٤ - ما عدا ما تقدم من المحرمات: ما لم يرد فيه نص تحريم ولا تحليل، ولا أمر بقتله، ولا نهي عن قتله، فالمرجع فيه إلى العرب من سكان البلاد والقرى دون أجلاف البوادي، واعتبر عرف العرب في هذا، لأنهم الذين خوطبوا بالشرع أولًا، وفيهم بعث النبي ﷺ ونزل القرآن. وما أمر ﷺ بقتله فلا يكون حلالًا: عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: "خمسٌ فواسقُ يُقْتلن في الحرم: الفأرة والعقرب، والحُديا، والغُرَاب، والكلب العقور" (٣). من حديث سائبة مولاة للفاكه بن المغيرة، قالت: "دخلتُ على عائشة، فرأيت في بيتهما رمحًا موضوعًا، قلت: يا أم المؤمنين ما تصنعون بهذا الرمح؟ قالت: هذا لهذه الأوزاغ نقتلهنَّ به؛ فإن رسول الله ﷺ حدّثنا أن إبراهيم ﵊، حين ألقي في النار لم تكن في الأرض دابة إلا تطفئ النار عنه، غير الوزغ كان ينفخ عليه، فأمرنا رسول الله ﷺ بقتله"، وهو حديث صحيح (٤).

стр. 452

وكذلك ما نهى ﷺ عن قتله فلا يكون حلالًا: عن ابن عباس ﵄ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن قتل أربع من الدواب: النملة والنحل، والهدهد، والصرد"، وهو حديث صحيح (١). والصرد: طائر فوق العصفور، وقال الأزهري: يصيد العصافير، وقيل: الصُّرَدُ: طائر أبقع ضخم الرأس يكون في الشجر، نصفه أبيض ونصفه أسود، ضخم المنقار. ٥ - إباحة ما حرم عند الاضطرار: قال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣]. وقال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣].

стр. 453

الباب الثاني الصيد ١ - ما يجوز الاصطياد به: ما صيد بالسلاح الجارِح والجوارح كان حلالًا إذا ذُكِرَ اسمُ الله عليه: عن أبى ثعلبة الخُشني قال: قلتُ: يا نبي الله إنا بأرض قوم أهل كتاب، أفنأكل في آنيتهم؟ وبأرض صيد، أصيدُ بقوسي وبكلبي الذي ليس بمعلم، وبكلبي المعلم، فما يصلح لى؟ قال: "أما ما ذكرت من أهل الكتاب، فإن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا فاغسلوها وكلوا فيها، وما صدت بقوسك فذكرت اسم الله فكُلْ، وما صدت بكلبك المعلم فذكرت اسم الله فكل، وما صدت بكلبك غير المعلم فأدركت ذكاته فكُلْ" (١). ٢ - يشترط للصيد بالمعراض أن يخرق: عن عدي بن حازم ﵁ قال: سألتُ رسول الله ﷺ عن المعراض، فقال: "إذا أصاب بحده فكُلْ، وإذا أصاب بعوضه، فقتل، فلا تأكل، فإنه وقيذ"، قلت: يا رسول الله أرسل كلبي وأسمِّي، فأجد معه على الصيد كلبًا آخر لم أسمِّ عليه، ولا أدري أيهما أخذ، قال: "لا تأكل إنما سميت على كلبك ولم تُسَمِّ على الآخَر" (٢). ٣ - إذا شارك الكلبُ المعلم كلبٌ آخر لم يحل صيدُهما؛ لحديث عدي بن حاتم المتقدم آنفًا واللاحق أيضًا . ٤ - إذا أكل الكلب المعلم من الصيد لم يحل فإنما أمسك على نفسه: عن عدي بن حاتم قال: "سألت رسول الله ﷺ قلت: إنا قومٌ نصيدُ بهذه الكلاب، قال: "إذا أرسلت كلابك المعلمة وذكرت اسم الله فكل مما أمسكن عليك، وإن قتلن، إلا أن يأكل الكلب؛ فإني أخاف أن يكون إنما أمسكه على نفسه، وإن خالطها كلاب من غيرها فلا تأكل" (٣).

стр. 454

٥ - حكم الصيد إذا وجد بعد أيام: إذا وجد الصيد بعد وقوع الرمية فيه ميتًا، ولو بعد أيام في غير ماء، كان حلالًا ما لم ينتن، أو يعلم أن الذي قتله غيرُ سهمه. عن عدي بن حاتم ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا أرسلت كلبك وسميت فأمسك وقتل فكل، وإن أكل فلا تأكل؛ فإنما أمسك على نفسه، وإذا خالط كلابًا لم يُذكر اسم الله عليها فأمسكن فقتلن فلا تأكل؛ فإنك لا تدري أيها قتل، وإن رميت الصيد فوجدته بعد يوم أو يومين ليس به إلا أثرُ سهمك فكل، وإن وقع في الماء فلا تأكل" (١).

стр. 455

الباب الثالث الذبح ١ - تعريف الذبح: هو ما أنْهَرَ الدَّم وقطع الأوداج وهما عرقان بينهما الحلقوم. ٢ - الأداة التي يصح بها الذبح: عن رافع بن خديج قلت: يا رسول الله، إنا لاقو العدو غدًا وليست معنا مُدًى، قال ﷺ : "أَعْجِلْ أو أَرْنِي، ما أنهر الدَّمَ، وذُكرَ اسم الله فكل، ليس السِّن والظُّفُرَ، وسأحدِّثكَ، أما السنُّ فعظم، وأما الظفر فمدي الحبشة" قال: وأصبنا نهب إبل وغنم، فندَّ منها بعير، فرماه رجل بسهم فحبسه، فقال رسول الله ﷺ : "إن لهذه الإبل أَوابِدَ كأوابِدِ الوحشِ، فإذا غلبكُم منها شيء فاصنعُوا به هكذا" (١). مدي: مفردها: مدية: الشفرة. أرني: أي أدم الحز ولا تفتر، من قولك رنوت النظر إلى الشيء، إذأ أدمته، أو يكون أراد: أدم النظر إليه وراعه ببصرك؛ لئلا تزل عن المذبح، وتكون الكلمة ارن بوزن ارم. فند منها بعير: أي شرد وهرب نافرًا. أوابد: جمع آبدة، وهي النفرة والفرار والشرود، يقال منه: أبدت تأبدُ وتأبدت، ومعناه نفرت من الإنس وتوحشت. ٣ - تعذيب الذبيحة حرام: عن شداد بن أوس، قال: ثنتان حفظتهما عن رسول الله علي ﷺ قال: "إن الله كتبَ الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فَأَحْسِنُوا القتْلَة، وإذا ذَبَحْتُم فَأَحْسنُوا الذَّبْحَ، وليُحِدَّ أحدُكُم شَفْرَته، فليُرحْ ذبيحَتَه" (٢). القِتلة: بكسر القاف، وهي الهيئة والحالة. وليحد: يقال: أحد السكين وحددها واستحدها، بمعنى شحذها.

стр. 456

فليرح ذبيحته: بإحداد السكين وتعجيل إمرارها، وغير ذلك، ويستحب ألَّا يحد السكين بحضرة الذبيحة، وألَّا يذبح واحدة بحضرة أخرى، ولا يجرها إلى مذبحها. ٤ - يحرم الذبح لغير الله: عن أبى الطُّفَيْل ﵁ قال: سئل علي ﵁: أَخَصَّكُمْ رسول الله ﷺ بشيء؟ فقال: ما خصَّنَا رسول الله ﷺ بشيءٍ لم يعم به الناس كافةً، إلا ما كان في قِرَابِ سيفي هذا، قال: فأخرج صحيفة مكتوب فيها: "لعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من سرق منار الأرض، ولعن الله من لعن والده، ولعن الله من آوى مُحْدِثًا" (١). قراب سيفي: هو وعاء من جلد، ألطف من الجراب، يدخل فيه السيف بغمده وما خف من الآلة. ٥ - إذا تعذر الذبح بوجه جاز الطعن والرمي وكان ذلك كالذبح؛ لحديث رافع بن خديج الصحيح المتقدم في الفقرة (٢) من هذا الباب . ٦ - ذكاة الجنين ذكاةُ أمِه: عن أبى سعيد قال: سألت رسول الله ﷺ عن الجنين، فقال: "كُلُوه إن شئتم"، وقال مسدد: قلنا: يا رسول الله، ننحر الناقة ونذبح البقرة والشاة، فنجد في بطنها الجنين، أنلقيه أم نأكله؟ قال: "كلوه إن شئتم، فإن ذكاته ذكاةُ أمه"، وهو حديث صحيح (٢). ٧ - ما قطع من الحيوان الحي فهو ميتة: عن أبى واقد الليثي قال: قال النبي ﷺ : "ما قُطِعَ من البهيمة وهي حية، فهي ميتةٌ"، وهو حديث حسن (٣). ٨ - أحل السمك والجراد من الميتة والكبد والطحال من الدماء: عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "أحلتْ لكم ميتتان، ودمان، فأما الميتتان: فالحوت والجراد، وأما الدمان: فالكبدُ والطحالُ"، وهو حديث صحيح (٤).

стр. 457

الباب الرابع الأشربة ١ - كل مسكر خمر وكل مسكر حرام: عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "كُلُّ مُسكرٍ خمر، وكل مسكرٍ حرام" (١). ٢ - ما أسكر كثيره فقليله حرام: عن عائشة ﵂ قالت: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "كل مسكر حرامٌ، وما أَسْكَر منه الفَرْقُ، فملء الكَفِّ منه حرام"، وهو حديث صحيح (٢). الفرق: بسكون الراء: مكيال يساوي في المدينة (٣) صيعان أي يساوي (١٢.٦١٧) لترًا. ٣ - يجوز الانتباذ في جميع الآنية: عن بُريدة قال: قال رسول الله ﷺ : "كنتُ نهيتكم عن الأشربة في ظروف الأدم، فاشربوا في كل وعاءٍ غير ألَّا تشربُوا مسكرًا" (٣). ٤ - لا يجوز انتباذ جنسين مختلطين: عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ عن رسول الله ﷺ : "أنه نهى أن يُنبذ الزبيبُ والتمرُ جميعًا، ونهى أن يُنبذَ البُسْرُ والرُّطَبُ جميعًا" (٤). ٥ - يحرم تخليلُ الخمر: عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ سُئِلَ عن الخمرِ تُتّخَذُ خَلًا؟ فقال: "لا" (٥). ٦ - ويجوز شرب العصير والنبيذ قبل غليانه: عن ابن عباس ﵄ قال: "كان رسول الله ﷺ يُنقعُ له الزبيب، فيشربُهُ اليوم والغَدَ وبعد الغد إلى مساء الثالثةِ، ثم يَأمرُ به فيُسْقَى أو يُهْراقُ" (٦).

стр. 458

٧ - آداب الشرب: أ - ألَّا يتنفس في الإناء: عن أبى قتادة أن النبي ﷺ قال: "إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء"، وهو حديث صحيح (١). ب - أن يشرب باليمين: عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه؛ فإن الشيطانَ يأكلُ بشمالِهِ ويشربُ بشماله"، وهو حديث صحيح (٢). جـ - أن يشرب قاعدًا: عن أبى سعيد الخدري ﵁: "أن رسول الله ﷺ نهى عن الشرب قائمًا" (٣). ولا يعارض هذا الحديث، حديث ابن عباس ﵄ أنه قال: "سقيتُ رسول الله ﷺ من زمزم، فشرب وهو قائم" (٤). لأنه يمكن الجمع بان الكراهة للتنزيه، والله أعلم. د - أن يشرب الأيمن فالأيمن: عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ أتي بلبن قد شيب بماء وعن يمينه أعرابي، وعن يساره أبو بكر، فشرب ثم أعطى الأعرابي، وقال: "الأيمنُ فالأيمن" (٥). هـ - الساقي آخر القوم شربًا: من حديث أبى قتادة الطويل، وفيه قال رسول الله ﷺ : "إن ساقي القوم آخرهم شربًا" (٦).

стр. 459

و - يكره الشرب من فم السِّقاء: عن أبى سعيد الخدري ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن اختناث الأسقية، يعني أن تُكسر أفواهُها فيُشرب منها" (١). ٨ - إذا وقعت النجاسة في شيء من المائعات لم يحل شربُه، وإن كان جامدًا ألقيت وما حولها: عن ابن عباس ﵄ عن ميمونة ﵂ قالت: سُئِلَ النبي ﷺ عن فأرةٍ سقطت في سمن، فقال: "أَلْقُوها وما حولها وكُلُوه" (٢). ٩ - يحرم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة: عن حذيفة ﵁ قال: سمعتُ النبي ﷺ يقول: "لا تلبسوا الحريرَ ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها؛ فإنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة" (٣).

стр. 460

الباب الخامس الضيافة ١ - يجب على مَنْ وجدَ ما يَقْري به من نزلَ من الضيوفِ أن يفعلَ ذلك، وحدُّ الضيافِةِ إلى ثلاثةِ أيام، وما كان وراءَ ذلك فصدقةٌ، ولا يحل للضيَفِ أن يثوي عنده حتى يحرجَهُ: عن أبى شريح العدوي، أنه قال: سمعت أذناي وأبصرت عيناي حين تكلم رسول الله ﷺ فقال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم ضيفه جائزتَهُ" قالوا: وما جائزتُهُ يا رسول الله؟ قال: "يومُهُ وليلته والضيافة ثلاثة أيام، فما كان وراءَ ذلك فهو صدقة عليه" (١). ٢ - إذا لم يفعل القادر على الضيافة ما يجبُ عليه، كان للضيف أن يأخذ من مَالِهِ بقدْرِ قِراهُ: عن عقبة بن عامر أنه قال: قلنا: يا رسول الله إنك تبعثنا فننزلُ بقومٍ فلا يَقْرُونَنَا، فما ترى؟ فقال لنا رسول الله ﷺ : "إن نزلتم بقومٍ، فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا، فإن لم يفعلوا، فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم" (٢). ٣ - يحرم أكل طعام الغير بغير إذنه: لقوله تعالى في سورة البقرة الآية (١٨٨): ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾. ٤ - لا يجوز حلب ماشية أحد أو أخذ ثمرته وزرعه إلا بإذنه: عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "لا يحلبنَّ أحدٌ ماشيةَ أحد إلا بإذنه، أيحب أحدكم أن تؤتى مشربتُهُ فتكسرَ خزانتُهُ، فينتقل طعامه؟ إنما تخزنُ لهم ضروعُ مواشيهم أطعمتهم، فلا يحلبنَّ أحدٌ ماشية أحد إلا بإذنه" (٣). ٥ - أمثلة على جواز أكل مال الغير عند الحاجة بدون حمله: عن أبى سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: "إذا أتيت على راعٍ فناده ثلاث مرار،
следующие страницы →