فليرح ذبيحته: بإحداد السكين وتعجيل إمرارها، وغير ذلك، ويستحب ألَّا يحد السكين بحضرة الذبيحة، وألَّا يذبح واحدة بحضرة أخرى، ولا يجرها إلى مذبحها.
٤ - يحرم الذبح لغير الله:
عن أبى الطُّفَيْل ﵁ قال: سئل علي ﵁: أَخَصَّكُمْ رسول الله ﷺ بشيء؟ فقال: ما خصَّنَا رسول الله ﷺ بشيءٍ لم يعم به الناس كافةً، إلا ما كان في قِرَابِ سيفي هذا، قال: فأخرج صحيفة مكتوب فيها: "لعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من سرق منار الأرض، ولعن الله من لعن والده، ولعن الله من آوى مُحْدِثًا" (١).
قراب سيفي: هو وعاء من جلد، ألطف من الجراب، يدخل فيه السيف بغمده وما خف من الآلة.
٥ - إذا تعذر الذبح بوجه جاز الطعن والرمي وكان ذلك كالذبح؛ لحديث رافع بن خديج الصحيح المتقدم في الفقرة (٢) من هذا الباب .
٦ - ذكاة الجنين ذكاةُ أمِه:
عن أبى سعيد قال: سألت رسول الله ﷺ عن الجنين، فقال: "كُلُوه إن شئتم"، وقال مسدد: قلنا: يا رسول الله، ننحر الناقة ونذبح البقرة والشاة، فنجد في بطنها الجنين، أنلقيه أم نأكله؟ قال: "كلوه إن شئتم، فإن ذكاته ذكاةُ أمه"، وهو حديث صحيح (٢).
٧ - ما قطع من الحيوان الحي فهو ميتة:
عن أبى واقد الليثي قال: قال النبي ﷺ : "ما قُطِعَ من البهيمة وهي حية، فهي ميتةٌ"، وهو حديث حسن (٣).
٨ - أحل السمك والجراد من الميتة والكبد والطحال من الدماء:
عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "أحلتْ لكم ميتتان، ودمان، فأما الميتتان: فالحوت والجراد، وأما الدمان: فالكبدُ والطحالُ"، وهو حديث صحيح (٤).
стр. 457
الباب الرابع الأشربة
١ - كل مسكر خمر وكل مسكر حرام:
عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "كُلُّ مُسكرٍ خمر، وكل مسكرٍ حرام" (١).
٢ - ما أسكر كثيره فقليله حرام:
عن عائشة ﵂ قالت: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "كل مسكر حرامٌ، وما أَسْكَر منه الفَرْقُ، فملء الكَفِّ منه حرام"، وهو حديث صحيح (٢).
الفرق: بسكون الراء: مكيال يساوي في المدينة (٣) صيعان أي يساوي (١٢.٦١٧) لترًا.
٣ - يجوز الانتباذ في جميع الآنية:
عن بُريدة قال: قال رسول الله ﷺ : "كنتُ نهيتكم عن الأشربة في ظروف الأدم، فاشربوا في كل وعاءٍ غير ألَّا تشربُوا مسكرًا" (٣).
٤ - لا يجوز انتباذ جنسين مختلطين:
عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ عن رسول الله ﷺ : "أنه نهى أن يُنبذ الزبيبُ والتمرُ جميعًا، ونهى أن يُنبذَ البُسْرُ والرُّطَبُ جميعًا" (٤).
٥ - يحرم تخليلُ الخمر:
عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ سُئِلَ عن الخمرِ تُتّخَذُ خَلًا؟ فقال: "لا" (٥).
٦ - ويجوز شرب العصير والنبيذ قبل غليانه:
عن ابن عباس ﵄ قال: "كان رسول الله ﷺ يُنقعُ له الزبيب، فيشربُهُ اليوم والغَدَ وبعد الغد إلى مساء الثالثةِ، ثم يَأمرُ به فيُسْقَى أو يُهْراقُ" (٦).
стр. 458
٧ - آداب الشرب:
أ - ألَّا يتنفس في الإناء:
عن أبى قتادة أن النبي ﷺ قال: "إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء"، وهو حديث صحيح (١).
ب - أن يشرب باليمين:
عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه؛ فإن الشيطانَ يأكلُ بشمالِهِ ويشربُ بشماله"، وهو حديث صحيح (٢).
جـ - أن يشرب قاعدًا:
عن أبى سعيد الخدري ﵁: "أن رسول الله ﷺ نهى عن الشرب قائمًا" (٣).
ولا يعارض هذا الحديث، حديث ابن عباس ﵄ أنه قال: "سقيتُ رسول الله ﷺ من زمزم، فشرب وهو قائم" (٤).
لأنه يمكن الجمع بان الكراهة للتنزيه، والله أعلم.
د - أن يشرب الأيمن فالأيمن:
عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ أتي بلبن قد شيب بماء وعن يمينه أعرابي، وعن يساره أبو بكر، فشرب ثم أعطى الأعرابي، وقال: "الأيمنُ فالأيمن" (٥).
هـ - الساقي آخر القوم شربًا:
من حديث أبى قتادة الطويل، وفيه قال رسول الله ﷺ : "إن ساقي القوم آخرهم شربًا" (٦).
стр. 459
و - يكره الشرب من فم السِّقاء:
عن أبى سعيد الخدري ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن اختناث الأسقية، يعني أن تُكسر أفواهُها فيُشرب منها" (١).
٨ - إذا وقعت النجاسة في شيء من المائعات لم يحل شربُه، وإن كان جامدًا ألقيت وما حولها:
عن ابن عباس ﵄ عن ميمونة ﵂ قالت: سُئِلَ النبي ﷺ عن فأرةٍ سقطت في سمن، فقال: "أَلْقُوها وما حولها وكُلُوه" (٢).
٩ - يحرم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة:
عن حذيفة ﵁ قال: سمعتُ النبي ﷺ يقول: "لا تلبسوا الحريرَ ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها؛ فإنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة" (٣).
стр. 460
الباب الخامس الضيافة
١ - يجب على مَنْ وجدَ ما يَقْري به من نزلَ من الضيوفِ أن يفعلَ ذلك، وحدُّ الضيافِةِ إلى ثلاثةِ أيام، وما كان وراءَ ذلك فصدقةٌ، ولا يحل للضيَفِ أن يثوي عنده حتى يحرجَهُ:
عن أبى شريح العدوي، أنه قال: سمعت أذناي وأبصرت عيناي حين تكلم رسول الله ﷺ فقال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم ضيفه جائزتَهُ" قالوا: وما جائزتُهُ يا رسول الله؟ قال: "يومُهُ وليلته والضيافة ثلاثة أيام، فما كان وراءَ ذلك فهو صدقة عليه" (١).
٢ - إذا لم يفعل القادر على الضيافة ما يجبُ عليه، كان للضيف أن يأخذ من مَالِهِ بقدْرِ قِراهُ:
عن عقبة بن عامر أنه قال: قلنا: يا رسول الله إنك تبعثنا فننزلُ بقومٍ فلا يَقْرُونَنَا، فما ترى؟ فقال لنا رسول الله ﷺ : "إن نزلتم بقومٍ، فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا، فإن لم يفعلوا، فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم" (٢).
٣ - يحرم أكل طعام الغير بغير إذنه:
لقوله تعالى في سورة البقرة الآية (١٨٨): ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾.
٤ - لا يجوز حلب ماشية أحد أو أخذ ثمرته وزرعه إلا بإذنه:
عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "لا يحلبنَّ أحدٌ ماشيةَ أحد إلا بإذنه، أيحب أحدكم أن تؤتى مشربتُهُ فتكسرَ خزانتُهُ، فينتقل طعامه؟ إنما تخزنُ لهم ضروعُ مواشيهم أطعمتهم، فلا يحلبنَّ أحدٌ ماشية أحد إلا بإذنه" (٣).
٥ - أمثلة على جواز أكل مال الغير عند الحاجة بدون حمله:
عن أبى سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: "إذا أتيت على راعٍ فناده ثلاث مرار،
стр. 461
فإن أجابك وإلا فاشرب في غير أن تُفسد، وإذا أتيت على حائط بستان، فناد صاحب البستان ثلاث مراتٍ، فإن أجابك وإلا فكل في أن لا تفسد" وهو حديث صحيح (١).
عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "من دخل حائطًا فليأكل ولا يتخذ خُبْنَةً" (٢)، وهو حديث صحيح.
الخُبْنة: معطف الإزار، وطرف الثوب، أي لا يأخذ منه في ثوبه.
يقال: أخبن الرجل إذا خبأ شيئًا في خُبنه ثوبه أو سراويله. النهاية (٢/ ٩).
стр. 462
الباب السادس آداب الأكل
١ - التسمية:
عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "إذا أكل أحدكم طعامًا فليقل: بسم الله، فإن نسي في أوله فليقل: بسم الله في أوله وآخره"، وهو حديث صحيح (١).
٢ - الأكل باليمين:
عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه؛ فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله" (٢).
٣ - الأكل من حافتي الطعام لا من وسطه:
عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "البركة تنزلُ وسَطَ الطعام، فكلوا من حافتيه، ولا تأكُلُوا من وسطِهِ"، وهو حديث صحيح (٣).
٤ - الأكل مما يليه:
عن عمر بن أبى سلمة، قال: كنتُ غلامًا في حجر رسول الله ﷺ وكانت يدي تطيشُ في الصحفة، فقال لي رسولُ الله ﷺ : "يا غلام سَمِّ الله، وكُل بيمينك، وكل مما يليك"، فما زالت تلك طعمتي بعد (٤).
٥ - لعق الأصابع والصحفة:
عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ كان إذا أكل طعامًا لعق أصابعه الثلاث، قال: وقال: "إذا سقطت لقمة أحدكم فليُمِطْ عنها الأذى وليأكُلْها، ولا يدعْهَا للشيطانِ"، وأمرنا أن نَسْلُتَ القصعة، قال: "فإنكم لا تدرونَ في أيِّ طعامِكُمُ البركَةُ" (٥).
نسلت: معناه نمسحها ونتتبع ما بقي فيها من الطعام.
стр. 463
٦ - الحمد عند الفراغ:
عن أبى أمامة: أن النبي ﷺ كان إذا رفع مائدته قال: "الحمدُ لله كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، غير مكفي ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا" (١).
عن معاذ بن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "من أكل طعامًا، ثم قال: الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعام، ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة، غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه"، وهو حديث حسن (٢).
٧ - أن يستوي جالسًا ولا يأكل متكئًا:
عن أبى جحيفة قال: كنتُ عند النبي ﷺ فقال لرجلٍ عنده: "لا آكلُ وأنا مُتكئ" (٣).
стр. 464
الباب السابع الأضحية
١ - تعريفها:
هي ما يذبح من النَّعم يوم النحر وأيام التشريق؛ تقربًا إلى الله تعالى.
٢ - مشروعية الأضحية:
عن عطاء بن يسار، قال: سألت أبا أيوب الأنصاري: كيف كانت الضحايا على عهد رسول الله ﷺ ؟ فقال: كان الرجل يُضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته، فيأكلون ويُطعمون حتى تباهى الناسُ فصارت كما ترى"، وهو حديث صحيح (١).
٣ - حكم الأضحية:
هي واجبة على القادر عليها.
لحديث مخنف بن سليم، قال: ونحنُ وقوفٌ مع رسول الله ﷺ بعرفاتٍ قال: "يأيها الناسُ! إنَّ على كل أهل بيتٍ - في كل عام - أضحيةً وعتيرةً أتدرون ما العتيرة؟ هذه التي يقول الناسُ: الرَّجبيَّةُ"، وهو حديث حسن (٢).
ولحديث أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من كان له سِعَةٌ ولم يُضَحِّ فلا يقربنَّ مصلانَا"، وهو حديث حسن (٣).
٤ - وقتها بعد صلاة عيد النحر إلى آخر أيام التشريق:
عن أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ يوم النحر: "من كان ذبح قبل الصلاة فليُعِدْ" (٤).
عن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله ﷺ : "كل عرفات موقف وارفعوا عن عرنة، وكل مزدلفة موقف، وارفعوا عن مُحَسِّرٍ فكل فجاج منى منحرٌ، وفي كل أيام التشريق ذبحٌ"، وهو حديث صحيح (٥).
стр. 465
٥ - الشاة تجزئ عن واحد، والبدنة والبقرة عن سبعة:
لحديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: "نحرنا مع رسول الله ﷺ عام الحديبية البدنة عن سبعةٍ، والبقرة عن سبعةٍ"، وهو حديث صحيح (١).
٦ - لا يجزئ من الأضحية الثني من المعز:
عن البراء بن عازب ﵁ قال: ضحى خالٌ لى يُقال له أبو بُردة قبل الصلاة، فقال لهُ رسول الله ﷺ : "شاتُكَ شاةُ لحم"، فقال: يا رسول الله، إن عندي داجنًا جذعة من المعز، قال: "اذبحها ولا تصلُحُ لغيرك"، ثم قال: "من ذبح قبل الصلاة فإنما يذبح لنفسه، ومن ذبح بعد الصلاة، فقد تم نسكه وأصاب سُنة المسلمين" (٢).
الداجن: الشاة التي تألف البيت وتستأنس بأهله.
٧ - الأضحية التي لا تجزئ: العوراء، والمريضة، والعرجاء، والعجفاء:
عن البراء بن عازب رفعه قال: "لا يُضحى بالعرجاء بيِّن ظلعُها، ولا بالعوراء بَيِّن عَوَرُها، ولا بالمريضة بَيِّن مرضها، ولا بالعجفاء التي لا تُنْقي"، وهو حديث صحيح (٣).
ظلعُها: الظلع: العرج، والظالع: الغامزُ في مشيته.
العجفاء: العجفُ - بالتحريك - الهزال والضعف.
لاتنقي: من أنقى: إذا صار ذا نقي. فالمعنى التي ما بقي لها مخ من غاية العجف.
٨ - يصح أن يتصدق من الأضحية ويأكل ويدخر:
عن عبد الله بن واقدٍ قال: نهى رسول الله ﷺ عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاثٍ، قال عبدُ الله بن أبى بكرٍ، فذكرت ذلك لعمرة فقالت: صدق، سمعت عائشة تقول: دف أهل أبياتٍ من أهل البادية حضرة الأضحى، زمن رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "ادخروا ثلاثًا، ثم تصدقوا بما بقي"، فلما كان بعد ذلك قالوا: يا رسول الله إن الناس يتخذون الأسقية من ضحاياهم، ويجملون منها الودك، فقال رسول الله ﷺ :
стр. 466
"وما ذاك؟ " قالوا: نهيت أن تُؤكل لحوم الضحايا بعد ثلاث، فقال: "إنما نهيتكم من أجلِ الدافَّةِ التي دَفَّتْ، فكُلوا وادَّخِروا وتصدَّقُوا" (١).
دف: أصل الدفيف من دف الطائر إذا ضرب بجناحيه دفيه - أي صفحتي جنبه - في طيرانه على الأرض، ثم قيل: دفت الإبل إذا سارت سيرًا لينًا.
ويجملون منها الودك: أي يذيبون منها دسم اللحم.
من أجل الدافة التي دفت: قال أهل اللغة: الدافة قوم يسيرون جميعًا سيرًا خفيفًا، ودافة الأعراب من يرد منهم المصر. والمراد هنا: من ورد من ضعفاء الأعراب للمواساة.
٩ - تذبح الأضحية في المصلى أفضل:
عن ابن عمر ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يذبح وينحرُ بالمصلى" (٢).
١٠ - يُسن لمن أراد أن يضحي ألَّا يأخذ من شعره وظفره بعد دخول عشر ذي الحجة حتى يضحي:
عن أم سلمه ﵂ أن النبي ﷺ قال: "إذا رأيتم هلال ذي الحجة، وأراد أحدكم أن يُضحي فليمسك عن شعرهِ وأظفارهِ" (٣).
١١ - لا يعطي الجزار من الأضحية:
لحديث علي بن أبى طالب ﵁ قال: "أمرني رسولُ الله ﷺ أنْ أقومَ على بُدْنهِ، وأن أقسِّم لحومها وجلودها، وجلالتها على المساكين، ولا أعطي في جزَارتها منها شيئًا"، وهو حديث صحيح (٤).
١٢ - يستحب إضجاع الغنم على الجنب الأيسر ثم الدعاء بقبولها:
لحديث عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ أمَرَ بكبشٍ أقرنَ، يطأ في سواد، ويبرك في سوادٍ، وينظر في سوادٍ، فأتي به ليضَحِّي به، فقال لها: "يا عائشة هَلُمِّي المديةَ"، ثم قال: "اشْحَذيها بحجر" ففعلت، ثم أخذها، وأخذ الكبشَ، فأضجعه، ثم ذبحه، ثم قال: "بسم الله، اللهم تقبل من محمدِ، وآل محمدٍ، ومن أمة محمدٍ"، ثم ضحى به، وهو حديث صحيح (٥).
стр. 467
الباب الثامن العقيقة
١ - تعريفها: العَقيقة: بفتح العين المهملة، اسم لما يذبح عن المولود.
٢ - حكمها: العقيقة مستحبة عن سلمان بن عامر الضبي قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "مع الغلام عقيقةٌ فأَهْرِيقوا عنه دمًا، وأميطُوا عنه الأذى" (١).
٣ - ما يذبح عن الغلام والبنت: يذبح عن الغلام شاتان، وعن البنت شاة.
عن يوسف بن مَاهَكَ، أنهم دخلوا على حفصة بنت عبد الرحمن، فسألوها عن العقيقة، فأخبرتهم أن عائشة أخبرتها "أن رسول الله ﷺ أمرهم عن الغلام شاتان مُكافئتان، وعن الجارية شاة"، وهو حديث صحيح (٢).
مكافئتان: أي مستويتان أو متقاربتان.
٤ - وقت الذبح للعقيقة، والتسمية للمولود وحلق رأسه:
عن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : "الغلام مُرْتَهِنٌ بِعَقِيقَتِه، يُذبحُ عنه يوم السابع، ويُسمى، ويحلق رأسهُ"، وهو حديث صحيح (٣).
٥ - يتصدق بوزن شعر المولود ذهبًا أو فضة:
عن أبى رافع قال: لما ولدت فاطمة حسنًا ﵁ قالت: يا رسول الله، ألا أعُقُّ عن ابني بدم؟ قال: "لا، ولكن احْلِقِي شعره، وتَصدَّقِي بوزنه من الوَرِق على الأوقاص، أو على المساكين"، وهو حديث حسن (٤).
الأوقاص: هم أهل الصفة.
стр. 468
الكتاب الحادي عشر كتاب الطب
стр. 469
كتاب الطب
١ - مشروعية التداوي بالحلال:
عن جابر عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لكل داءٍ دواد، فإذا أُصيبَ دواءُ الداء، بَرَأَ بإذن الله " (١).
٢ - التوكل مع الصبر أفضل:
عن عطاء بن أبى رباح، قال: قال لى ابن عباس ﵄: ألا أريك امرأةٌ من أهل الجنة؟ قلت: بلى، قال: هذه المرأةُ السوداءُ أتت النبي ﷺ قالت: إني أصرعُ وإني أتَكَشَّفُ، فادْعُ الله لى، قال: "إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئتِ دعوتُ الله أن يُعافيك"، قالت: أصبر، قالت: فإني أتكشف، فادع الله ألَّا أتكشف، فدعَا لها (٢).
٣ - التداوي بالمحرمات حرام:
عن أبى هريرة ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن الدواء الخبيث"، وهو حديث صحيح (٣).
عن أبى الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله أنزلَ الداء والدواء، وجعل لكل داءٍ دواءً، فتداووا ولا تداووا بحرامٍ"، وهو حديث حسن بشواهده. (٤)
٤ - الكي يكره تنزيهًا:
عن ابن عباس ﵄ قال: "الشفاءُ في ثلاثٍ: شَرْبَة عسلٍ، وشَرْطَة محْجَمٍ، وكَيَّةِ نارٍ، وأنهى أمتي عن الكيّ" (٥).
стр. 470
٥ - مشروعية الحجامة:
عن أنس ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يحتجم في الأخدعين والكاهل، وكان يحتجم لسبع عشرة وتسع عشرة وإحدى وعشرين"، وهو حديث صحيح (١).
٦ - مشروعية الرقية من العين وغيرها:
عن عائشة ﵁ قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا مرض أحد من أهله، نَفَثَ عليه بالمعوِّذات، فلما مرض مرضه الذي مات فيه، جعلْتُ أنفثُ عليه وأمسحُه بيد نفسه؛ لأنها كانت أعظم بركة من يدي" (٢).
وعن عوف بن مالك الأشجعي قال: كُنَّا نرقي في الجاهلية فقلنا: يا رسول الله كيف ترى في ذلك؟ فقال: "اعْرِضوا عليَّ رُقَاكُم، لا بأس بالرُّقَى ما لم يكن فيه شرك" (٣).
وعن أنس بن مالك ﵄ في الرقى قال: "رخص في الحُمَةِ والنَّمْلَةِ والعين".
النملة: هي قروح تخرج في الجنب (٤).
стр. 471
الكتاب الثاني عشر كتاب اللباس
стр. 472
الكتاب الثاني عشر كتاب اللباس
١ - وجوب ستر العورة في الملأ والخلاء:
عن بهز بن حكيم عن أبيه، عن جده، قال: قلت: يا رسول الله عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: "احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكتْ يمينك"، قال: قلت: يا رسول الله، إذا كان القوم بعضهم في بعض، قال: "إن استطعتَ ألَّا يرينها أحدٌ فلا يرينَّها"، قال: قلت: يا رسول الله إذا كان أحدنا خاليًا، قال: "الله أحقُّ أن يُسْتَحْيَا منه من الناس"، وهو حديث حسن (١).
٢ - يحرم لباس الذهب والحرير على الذكور ويحل للإناث:
عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تلبسوا الحرير؛ فإنَّهُ مَنْ لبسه في الدنيا، لم يلبسه في الآخرة" (٢).
عن أبى موسى أن رسول الله ﷺ قال: "أُحِلَّ الذهبُ والحريرُ لإناث أمتي، وحُرِّمَ على ذكورها"، وهو حديث صحيح (٣).
٣ - يجوز لباس أربع أصابع من الحرير للذكور فقط:
عن أبى عثمان قال: كتبَ إلينا عمرُ ونحنُ بأذربيجان: "أن النبي ﷺ نهى عن لبس الحرير إلا هكذا، وصف لنا النبي ﷺ إصبعيه، ورفعَ زهير: الوسطى والسبابة" (٤).
وفي لفظ لمسلم: "نهى عن لُبْسِ الحرير إِلَّا موضِع أصبعين أو ثلاثة أو أربعةٍ" (٥).
стр. 473
٤ - يجوز لباس الحرير للذكور بقصد التداوي:
عن أنس ﵁ قال: "رخصَ النبي ﷺ للزبير وعبد الرحمن في لبس الحرير؛ لحكة بهما" (١).
٥ - لا يجوز افتراش الحرير:
عن حذيفة ﵁ قال: "نهانا النبي ﷺ أن نشرب في آنية الذهب والفضة، وأن نأكل فيها، ومن لبس الحرير والديباج، وأن نجلس عليه" (٢).
٦ - يحرم لبس الثوب المعصفر:
عن علي بن أبى طالب قال: "نهاني رسولُ الله ﷺ عن التختم بالذهب، وعن لباس القِسيّ، وعن القراءةِ في الركوع والسجود، وعن لباس المعصفر" (٣).
٧ - يحرم لبس ثوب الشهرة:
عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من لبس ثوب شهرة، ألبسه الله يوم القيامة، ثوبَ مذلةٍ"، وهو حديث حسن (٤).
٨ - لبس ثوب الرجل للمرأة ولبس المرأة لثوب الرجل حرام:
عن ابن عباس ﵄ قال: "لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال" (٥).
стр. 474
الكتاب الثالث عشر كتاب الوصايا
стр. 475
الكتاب الثالث عشر كتاب الوصايا
١ - تعريفها:
الوصية: مأخوذة من وصيت الشيء أوصيه، إذا أوصلته.
فالموصي وصل ما كان في حياته بعد موته.
وهي في الشرع: هبة الإنسان غيره عينًا أو دينًا أو منفعة، على أن يملك الموصي له الهبة بعد موت الموصي.
٢ - حكمها:
وهي واجبة على من له مال يوصي فيه:
قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠].
وعن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "ما حقُّ امرئٍ مسلم، له شيءٌ يوصي فيه، يبيتُ ليلتين إلا ووصيتُه مكتوبةٌ عنده" (١).
٣ - متى تحرم الوصية:
تحرم الوصية ضرارًا؛ لقوله تعالى في سورة النساء الآية (١٢) ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾.
٤ - لا وصية لوارث:
عن عمرو بن خارجة: أن النبي ﷺ خطب على ناقته، وأنا تحت جرانها وهي تقصعُ بجرتها، وإن لعابها يسيل بين كتفي، فسمعته يقول: "إن الله أعطى كل ذي حقٍّ حقه، ولا وصية لوارث. ."، وهو حديث صحيح بشواهده (٢).
стр. 476
وعن شرحبيل بن مسلم، عن أبى أمامة قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إن الله قد أعطى كلَّ ذي حقٍّ حقه، فلا وصية لوارثٍ"، وهو حديث صحيح (١).
٥ - مقدار الوصية في القرب:
عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله تصدَّقَ عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم، زيادةً لكم في أعمالكم"، وهو حديث حسن (٢).
وعن ابن عباس ﵄ قال: لو غضَّ الناس إلى الربع، لأن رسول الله ﷺ قال: "الثلثُ والثلثُ كثير" (٣).
٦ - قضاء الديون مقدم على الوصية وجوبًا:
عن سعد بن الأطول: أن أخاهُ ماتَ وترك ثلاثمائة درهم، وترك عيالًا، فأردتُ أن أنفقها على عيالهِ، فقال النبي ﷺ : "إنَّ أخاك مُحْتَبَس بدينه، فاقض عنه"، فقال: يا رسول الله، قد أَديتُ عنه إِلَّا دينارين، ادعتهُما امرأةٌ وليس لها بينةٌ، قال: "فأَعْطِها؛ فإنها مُحِقَّةٌ"، وهو حديث صحيح (٤).
ولقوله تعالي في سورة النساء الآية (١٢): ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾.
٧ - السلطان يقضي دين من مات ولم يترك ما يقضي دينه:
عن أبى هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ كان يؤتى بالرجل المتوفى عليه الدَّينُ، فيسألُ: "هل ترك لدينه فضلًا؟ " فإن حُدِّثَ أنهُ ترك لدينه وفاءً صلَّى، وإلا قال للمسلمين: "صلوا على صاحبكم"، فلما فتح الله عليه الفتوح قال: "أنا أَوْلَى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن تُوفي من المؤمَنين فترك دينًا، فعَلَيَّ قضاؤه، ومن ترك مالًا فلورثته" (٥).
стр. 477
الكتاب الرابع عشر كتاب الفرائض
стр. 478
كتاب الفرائض
١ - تعريفها:
الفرائض: جمع فريضة، والفريضة مأخوذة من الفرض بمعنى التقدير.
يقول تعالى في سورة البقرة: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، أي: قدرتم، والفرض في الشرع: هو النصيب المقدر للوارث.
٢ - أسباب الإرث ثلاثة:
أ - النسب؛ لقوله تعالى في سورة الأحزاب الآية (٦): ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾.
ب - الولاء؛ لحديث ابن عمر مرفوعًا بلفظ: "الولاء لُحْمَة كَلُحْمَةِ النسب، لا يُبَاعُ ولا يُوهَبُ"، وهو حديث صحيح (١).
ج - النكاح؛ لقوله تعالى في سورة النساء الآية (١٢): ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾.
٣ - موانع الإرث ثلاثة:
أ - القتل. ب - اختلاف الدين. ج - الرق.
٤ - المواريث واضحة المعالم في كتاب الله:
آيات المواريث ثلاث جمعت أصول علم الفرائض، وأركان أحكام المواريث وهي:
﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١١].
وقال تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٢].
стр. 479
وقال تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٧٦].
وهناك آيات كريمة وردت في شأن المواريث ولكنها مجملة، تشير إلى حقوق الورثة بدون تفصيل وهي:
قال تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧٥]، وقال تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ [الأحزاب: ٦]، وقال تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ٧].
وهذه الآيات الكريمة مجملة، جاء تفصيلها في الآيات السابقة التي حدد الله فيها نصيب كل وارث وهي عماد علم الميراث كما قد علمت.
• وإليك أخي القارئ ما يستفاد من آيات المواريث:
أولًا: أحكام البنين والبنات:
١ - إذا خلف الميت ذكرًا واحدًا، وأنثى واحدة فقط، اقتسما المال بينهما للذكر سهمان، وللأنثى سهم واحد.
٢ - إذا كان الورثة، جمعًا من الذكور والإناث، فإنهم يرثون المال للذكر ضعفُ الأنثى.
٣ - إذا وجد مع الأولاد، أصحاب فروض كالزوجين أو الأبوين، فإننا نعطي أصحاب الفروض، أولًا، ثم ما تبقى نقسمه بين الأولاد، للذكر مثل حظ الأنثيين.
٤ - إذا ترك الميت ابنا واحدًا فقط، فإنه يأخذ كل المال؛ ويؤخذ هذا من مجموع الآيتين ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] و ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء: ١١] فيلزم أَن نصيب الابن إذا انفرد جميع المال.
٥ - يقوم أولاد الابن مقام الأولاد إذا عدموا؛ لأن كلمة "أولادكم" تتناول الأولاد الصلبيين وأولاد الابن مهما نزلوا بالإجماع.
стр. 480
ثانيًا: حكم الأبوين:
١ - الأب والأم يأخذ كل واحد منهما السدس، إذا كان للميت فرع وارث.
٢ - إذا لم يكن مع الأبوين أحد من الأولاد، فإن الأم ترث ثلث المال، والباقي، وهو الثلثان يرثه الأب.
٣ - إذا وُجِدَ مع الأبوين أخوة للميت (اثنان فأكثر) فإن الأم ترث سدس المال، والباقي خمسة أسداس للأب، وليس للإخوة أو الأخوات شيء أصلًا، لأن الأب يحجبهم.
ثالثًا: الدين مقدم على الوصية .
رابعًا: حكم الزوج .
١ - إذا ماتت الزوجة، ولم تخلف فرعًا وارثًا، فإن نصيب الزوج (النصف).
٢ - إذا ماتت الزوجة، وقد خلفت فرعًا وارثًا، فإن نصيب الزوج (الربع).
خامسًا: حكم الزوجة أو الزوجات:
١ - إذا مات الزوج ولم يخلف فرعًا وارثًا، فإن نصيب الزوجة أو الزوجات (الربع).
٢ - إذا مات الزوج وكان قد خلف فرعًا وارثًا، فإن نصيب الزوجة أو الزوجات (الثمن).
سادسًا: حكم الإخوة أو الأخوات لأم:
١ - إذا مات عن أخ لأم منفرد، أو أخت لأم منفردة، فإن الواحد منهما يأخذ السدس.
٢ - إذا مات عن أكثر من ذلك، يعني (أخوين لأم، أو أختين لأم) فيستحقون الثلث بالسوية.
سابعًا: حكم الإخوة والأخوات الشقيقات أو لأب:
١ - إذا مات وخلف أختًا شقيقة واحدة، أو لأب، ولم يكن له أصل ولا فرع، فللأخت الشقيقة، أو الأخت لأب، نصف التركة.
٢ - إذا مات وخلّف أختين شقيقتين فأكثر أو لأب، ولم يكن له أصل ولا فرع، فللشقيقتين أو لأب الثلثان من التركة.
стр. 481
٣ - إذا مات وخلف إخوة وأخوات (أشقاء أو لأب)، فإن التركة يتقاسمها الإخوة والأخوات على أساس أن نصيب الذكر ضعف نصيب الأنثى.
٤ - إذا ماتت الشقيقة - ولم يكن لها أصل ولا فرع - فإن الأخ الشقيق يأخذ جميع المال، وإن كان هناك أكثر من أخ، اقتسموا المال على عدد الرؤوس، وهكذا حكم الإخوة والأخوات لاب عند عدم وجود الإخوة الأشقاء أو الأخوات الشقيقات.
٥ - يجب الابتداء بذوي الفروض المقدرة وما بقي فللعصب ة:
عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "أَلْحِقُوا الفرائضَ بأَهْلهَا، فما تَركَتْ الفَرَائضُ فلأَوْلَى رَجلٍ ذَكرٍ" (١).
الفرائَض هنا: الأَنصبَاء المقدرة، وأهلها: هم المستحقون لها بالنص، وما بقي بعد إعطاء ذوي الفرائض فرائضهم فهو لأول رجل ذكر.
٦ - الأخوات مع البنات عصبة:
أي يأخذن ما بقي من غير تقدير، كما يأخذه الرجل بعد فروض أهل الفروض.
عن أبي قيس قال: سمعت هُزَيلَ بن شرحبيلَ قال: سُئِلَ أبو موسى عن ابنة وابنة ابن وأختٍ، فقال: للابنةِ النصف، وللأخت النصف، وائتِ ابنَ مسعودٍ فسيتابعني، فسئلَ ابن مسعود وأخبر بقول أبي موسى، فقال: لَقد ضللتُ إذن وما أنا من المهتدين، أقضي فيها بما قضى النبيُّ ﷺ : للابنةِ النصف ولابنةِ الابن السدس تكملة الثلثين وما بقيَ فللأختِ؛ فأتينا أبا موسى فأخبرناه بقول ابن مسعود، فقال: لا تسألوني ما دام هذا الحبرُ فيكم" (٢).
٧ - المستحقون للسدس:
أ - بنت الابن مع البنت:
للحديث الصحيح المتقدم في هذا الباب رقم الفقرة (٦).
ب - الأخت لأب مع الأخت لأبوين: قياسًا على بنت الابن مع البنت .
ج - الجدة مع عدم الأم:
عن بريدة ﵂: "أن النبي ﷺ جعل للجدة السدس، إذا لم تكن دونها أم"، وهو حديث حسن (٣).
стр. 482
د - الجد مع من لا يسقطه:
قياسًا على الأب بالإجماع.
قال ابن المنذر (١): وأجمعوا أن حكم الجد حكم الأب.
هـ - الأم مع الولد أو الإخوة:
لقوله تعالى في سورة النساء الآية (١٢): ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢].
و - الواحد من ولد الأم ذكرًا كان أم أنثى؛ للآية السابقة المتقدمة في (هـ) .
ز - الأب مع الولد؛ لقوله تعالى في سورة النساء الآية (١١):
﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١١].
٨ - لا ميراث للإخوة والأخوات مطلقًا مع الابن أو ابن الابن أو الأب:
لا خلاف في ذلك بين أهل العلم.
٩ - بيان الخلاف في ميرات الإخوة والأخوات مع الجد:
الراجح أن الإخوة والأخوات (الأشقاء) أو (لأب) يرثون مع وجود الجد، وأن الجد لا يحجبهم من الميراث، كما هو حال الأب، وحجتهم في ذلك أن الجد والإخوة في درجة واحدةٍ، من حيث الإدلاء إلى الميت، فالجد يدلي بواسطة الأب والإخوة كذلك يدلون بالأب، الجد أصل الأب، والإخوة فرع الأب، وقد استوت الدرجة، بالنسبة للفريقين، فلا معنى لأن نورث أحد الجهتين دون الآخر.
١٠ - بيان أن الإخوة يرثون مع البنات إلا الإخوة لأم:
• أما ميراث الأخوة مع البنات .
عن جابر بن عبد الله قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع بابنتيها من سعدٍ إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قتل أبوهُما معكَ يومَ أحُدٍ شهيدًا، وإن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالًا، ولا تُنكحان إِلَّا ولهما مالٌ، قال: "يقضي الله في ذلك"، فنزلت آية الميراث، فبعث رسول الله ﷺ إلى عمهما.
стр. 483
فقال النبي ﷺ : "أعط ابنتي سعد الثلثين، وأعط أمهما الثمن، وما بقي فهو لك"، وهو حديث حسن (١).
وأما الإخوة لأم فلا يرثون مع البنت؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: ١٢].
وهي في الأخوة لأم كما في بعض القراءات.
كلالة: من ليس بأصل ولا فرع من الوارثين، أو من ليس له أصل أو فرع من الوارثين، أخ أو أخت من أمه، كما فسره الصحابة.
١١ - بيان أن الأخ لأب يسقط مع الأخ لأبوين:
عن علي ﵁ أنه قال: "إنكم تقرؤون هذه الآية: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ [النساء: ١٢] وأن رسول الله ﷺ قضى بالدين قبل الوصية، وإن أعيان بني الأم يتوارثون دون بني العلات، الرجل يرث أخاه لأبيه وأمه دون أخيه لأبيه"، وهو حديث حسن (٢).
الأعيان: الإخوة من أب وأم.
بنو العلات: الإخوة لأب.
ويقال: الأخياف: الإخوة لأم.
١٢ - المرتبة الثالثة للورثة: ذوي الأرحام:
لقوله تعالى في سورة الانفال الآية (٧٥): ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾.
عن أبى أمامة بن سهل بن حنيف قال: كتب عمر بن الخطاب إلى أبى عبيدة أن رسول الله ﷺ قال: "الله ورسوله مولى من لا مولى له، والخالُ وارثُ من لا وارث له" (٣).
стр. 484
عن عائشة ﵂: أن مولى للنبي ﷺ وقع من عِذْق نخلة فمات، فقال النبي ﷺ : "انظروا هل له من وارث؟ " قالوا: لا، قال: "فادفعوه إلى بعض أهل القرية"، وهو حديث صحيح (١).
عذق: بالكسر، وهو الكباسة، والكباسة من النخل: ما تحمل الرطب والشماريخ، وجمعها أعذاق، يقال: أعذقت النخلة إذا كثرت أعذاقها.
١٣ - إذا تزاحمت الفرائض يصار إلى العول:
العول اصطلاحًا: هو زيادة في مجموع السهام المفروضة، ونقص في أنصباء الورثة، وذلك عند تزاحم الفروض وكثرتها؛ بحيث تستغرق جميع التركة، ويبقى بعض أصحاب الفروض بدون نصيب من الميراث، فنضطر عند ذلك إلى زيادة أصل المسألة، حتى تستوعب التركة جميع أصحاب الفروض، وبذلك يدخل النقص إلى كل واحد من الورثة، ولكن بدون أن يُحرم أحد من الميراث.
وأول حادثة فيها عول وقعت في عهد عمر، واستشار الصحابة، فأشار عليه زيد بن ثابت ﵁ بالعول.
فقال عمر: أعيلوا الفرائض، وأقر صنيعه الصحابة الكرام، فأصبح ذلك إجماعًا على حكم العول.
وأصول المسائل سبعة، ثلاثة منها تعول، وأربعة لا تعول، أما الثلاثة التي يدخلها العول فهي: (الستة، والاثنا عشر)، و (الأربع والعشرون)، وأما الأربعة التي لا تعول فهي: (الاثنان)، و (الثلاثة)، و (الأربعة)، و (الثمانية).
١٤ - لا يرث ولد الملاعنة والزانية إلا من أمِّهِ وقرابتها والعكس:
من حديث سهل بن سعد في حديث الملاعنة: "أن ابنها كان يُدعى إلى أمه، ثم جرت السنةُ أنَّهُ يرثُها، وترثُ منه ما فرض الله لها" (٢).
стр. 485
١٥ - إذا استهل المولود يرث:
عن النبي ﷺ قال: "إذا استهلَّ المولودُ وُرِّثَ"، وهو حديث صحيح بشواهده (١).
١٦ - ميراث العتيق لمعتقهِ، ويسقُطُ بالعصبات، وله الباقي بعد ذوي السِّهام:
عن عبد الله بن شداد، عن بنت حمزة - قال محمد، يعني ابن أبى ليلى وهي أخت ابن شداد لأمه - قالت: مات مولاي وترك ابنة، فقسم رسول الله ﷺ ماله بيني وبين ابنته، فجعل لى النصف ولها النصف"، وهو حديث حسن (٢)
عن هزيل، عن عبد الله بن مسعود قال "إن أهل الإسلام لا يسيبون، وإن أهل الجاهلية كانوا يسيبون" (٣).
السائبة: المهملة: والعبد يعتق على أن لا ولاء له.
١٧ - يحرمُ بيعُ الولاءِ وهبتُه:
عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ : "نهى عن بَيع الولاء وعن هبتِه" (٤).
١٨ - لا توارث بين أهل ملتين:
عن أسامة بن زيد ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا يرثُ المسلمُ الكافر، ولا الكافرُ المسلمَ" (٥).
١٩ - لا يرث القاتل من المقتول:
عن أبى هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "القاتلُ لا يَرثُ"، وهو حديث صحيح بشواهده (٦).
٢٠ - التحذير من التعدي في المواريث:
لقد كان العرب في الجاهلية قبل الإسلام يورثون الرجال دون النساء، والكبار دون
стр. 486
الصغار فلما جاء الإسلام أعطى الله كل ذي حق حقه، وسمى هذه الحقوق: ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٢]، ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١]
ثم عقب على ذلك بالتحذير الشديد، والوعيد الأكيد لمن يخالف شرع الله في المواريث، فقال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء: ١٣ - ١٤].
٢١ - الحجب والحرمان:
أ - تعريفهما:
الحجب لغة: المنع، والمقصود به منع شخص معين من ميراثه كله أو بعضه؛ لوجود شخص آخر.
والحرمان: المقصود به منع شخص معين من ميراثه؛ بسبب تحقق مانع من موانع الإرث كالقتل ونحوه من الموانع.
ب - أقسام الحجب:
الحجب نوعان:
حجب نقصان، وحجب حرمان.
فحجب النقصان هو نقص ميراث أحد الورثة؛ لوجود غيره، ويكون لخمسة أشخاص:
١ - الزوج يُحجب من النصف إلى الربع عند وجود الولد.
٢ - الزوجة تُحجب من الربع إلى الثمن عند وجود الولد.
٣ - الأم تُحجب من الثلث إلى السدس عند وجود الفرع الوارث.
٤ - بنت الابن.
٥ - الأخت لأب.
وأما حجب الحرمان: فهو منع جميع الميراث عن شخص لوجود غيره؛ كمنع ميراث الأخ عنه عند وجود الابن، وهذا النوع لا يدخل في ميراث ستة من الوارثين، وإن جاز أن يحجبوا حجب نقصان، وهم:
стр. 487
١، ٢ - الأبوان: الأب والأم.
٣، ٤ - الولدان: الابن والبنت.
٥، ٦ - الزوجان.
ويدخل حجب الحرمان فيما عدا هؤلاء من الورثة.
وحجب الحرمان قائم على أساسين: (١)
١ - أن كل من ينتمي إلى الميت بشخص لا يرث مع وجود ذلك الشخص؛ كابن الابن؛ فإنه لا يرث مع وجود الابن، سوى أولاد الأم؛ فإنهم يرثون معها مع أنهم ينتمون إلى الميت بها.
٢ - يقدم الأقرب على الأبعد، فالابن يحجب ابن أخيه، فإن تساووا في الدرجة يرجح بقوة القرابة؛ كالأخ الشقيق يحجب الأخ لأب.
стр. 488
الكتاب الخامس عشر كتاب الحدود
ويتضمن ستة أبوابٍ
الباب الأول: حد الزاني.
الباب الثاني: حد السرقة.
الباب الثالث: حد القذف.
الباب الرابع: حد الشرب.
الباب الخامس: حد المحارب.
الباب السادس: من يستحق القتل حدًّا؟.
стр. 489
١ - تعريف الحدود:
الحدود: جمع حدٍّ، والحد في الأصل: الشيء الحاجز بين شيئين، وهو في اللغة: بمعنى المنع.
واصطلاحًا: هي العقوبات المقدرة شرعًا في المعاصي؛ لتمنع من الوقوع في مثلها.
٢ - كراهية الشفاعة في الحد إذا رفع إلى السلطان:
عن عائشة ﵂: أن قريشًا أهمتهم المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا: من يكلم رسول الله ﷺ ومن يجترئ عليه إلَّا أسامة حِبُّ رسولِ الله ﷺ ، فكلَّمَ رسولَ الله ﷺ فقال: "أَتشفعُ في حَدٍّ من حدود الله؟! " ثم قام فخطب، قال: "يَأَيُّهَا الناس، إنما ضلَّ من كَانَ قبلكم أنهم كانوا إذا سرقَ الشريف تركوهُ، وإذا سرقَ الضعيفُ فيهم أقاموا عليه الحد، وأَيْمُ الله، لو أن فاطمة بنت محمدِ سرقَتْ؛ لقطع محمدٌ يدها"، وهو حديث صحيح (١).
٣ - استحباب الستر على المؤمن:
لقوله ﷺ : "كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملًا، ثم يصبح وقد ستره الله عليه، فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد باتَ يستُره ربُّه، ويصبح يكشف ستر الله عليه"، وهو حديث صحيح (٢).
ولقوله ﷺ :". . . ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة"، وهو جزء من حديث صحيح (٣).
٤ - الحدود كفارة:
عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: كنا عند النبي ﷺ في مجلس، فقال: "بايعوني على ألَّا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تَقْتُلُوا أولادَكُم، ولا تأتُوا ببهتَانٍ تَفْترونَه بينَ أيديكم وأرجلِكُم، ولا تَعْصُوا في مَعْرُوفٍ، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به فهو كفارته، ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله عليه فهو إلى الله، إن شاء غفر له، وإن شاء عاقبه"، وهو حديث صحيح (٤).
стр. 490
٥ - من يقيم الحدود ؟.
ولا يقيمها إلا الإمام أو نائبه؛ لأنه ﷺ كان يقيم الحدود في حياته، وكذا خلفاؤه من بعده، وأناب ﷺ في إقامة الحدود فقال: "واغدُ يا أُنيَس إلى امرأة هذا، فإن اعترفَتْ فارجُمْهَا"، وهو حديث صحيح (١).
ويجوز للسيد أن يقيم الحد على مملوكه، لقوله ﷺ : "إذا زَنَتْ الأمةُ فتبين زناها، فليجلدها الحد ولا يثرِّب عليها، ثم إن زَنَتْ الثانية، فليجلدْها الحدَّ ولا يثرّب عليها، ثم إن زَنَت الثالثة، فليبِعْها ولو بحبلٍ من شعْرٍ"، وهو حديث صحيح (٢).
стр. 491
الباب الأول حد الزنى
١ - حد البكر الزاني:
إن كان الزاني بكرًا حرًا جُلد مائة جلدة، وبعد الجلد يغربُ عامًا:
لقوله تعالى في سورة النور الآية (٢): ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
وعن أبي هريرة ﵁: "أن رسول الله ﷺ قضى فيمن زنى ولم يُحصن بنفي عامٍ وبإقامة الحد عليه" (١).
٢ - حد الثيب الزاني:
إن كان الزاني ثيبًا جُلد كما يُجلد البكر، ثم يرجم حتى يموت:
عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : "خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا. البِكرُ بالبِكرِ، جلدُ مائةٍ ونفي سنةٍ، والثيبُ بالثيبِ، جلدُ مائةٍ والرجم" (٢).
والظاهر عندي أنه يجوز للإمام أن يجمع بين الجلد والرجم ويستحب له أن يقتصر على الرجم، لاقتصار النبي ﷺ على الرجم، والحكمة في ذلك أن الرجم عقوبة تأتي على النفس، فأصل الرجم المطلوب حاصل به، والجلد زيادة عقوبة رخص في تركها، فهذا وجه الاقتصار على الرجم عندي، والله أعلم.
وعن ابن عباس ﵁: أن النبي ﷺ قال لماعز بن مالك: "أحقٌّ ما بلغني عنك؟ " قال: وما بلغك عني؟ قال: "بلغني أنك وقعت بجارية آل فلان"، قال: نعم، قال: "فشهد أربع شهاداتٍ، ثم أُمِرَ به فَرُجِمَ" (٣).
стр. 492
٣ - يثبت الزنا بالإقرار مرة والتربيع فيه للتثبيت:
لأن أخذ المقر بإقراره هو الثابت في الشريعة؛ لحديث أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني مرفوعًا بلفظ: "واغد يا أُنَيْسُ إلى امرأة هذا، فإن اعترفَتْ فارجمها"، وهو حديث صحيح (١).
وقد اكتفى ﷺ بالإقرار من المرأة الزانية مرة واحدة، فعن بريدة أنه ﷺ اكتفى بإقرار الغامدية مرة واحدة (٢).
وقد اكتفى ﷺ بإقرار اليهودي واليهودية مرة واحدة (٣).
وتحمل الأحاديث التي فيها التراضي عن إقامة الحد، بعد صدور الإقرار مرة على من كان أمره ملتبسًا، في ثبوت العقل وعدمه والصحو والسكر ونحو ذلك.
وأما سكوته ﷺ في قضية ماعز حتى أقر أربعًا فليس فيها أن ذلك شرط، بل غاية ما فيها أن الإمام إذا تثبت في بعض الأحوال حتى يقع الإقرار مرات كان له ذلك.
٤ - كما أن الزنا يثبت بأربعة شهداء:
دل على ذلك آيات:
منها: قوله تعالى في سورة النور الآية (٤): ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾، فقد رتب وجوب الجلد على عدم الإتيان بأربعة شهداء، فدل على أن الزنا لا يثبت إلا بهم.
منها: قوله تعالى في سورة النساء الآية (١٥): ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾.
ومنها: قوله تعالى في سورة النور الآية (١٣) في حادثة الإفك: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾.
٥ - يجب أن يتضمن الإقرار والشهادة التصريح بإيلاج الفرج في الفرج:
عن ابن عباس ﵄ قال: لما أتى ماعز بن مالك النبي ﷺ قال له: "لعلك قبَّلت
стр. 493
أو غمزت أو نظرت؟ " قال: لا يا رسول الله، قال: "أنكتها؟ " - لا يكني - قال: نعم، فعندَ ذلك أمر برجمه (١).
٦ - يسقط الحد بالرجوع عن الإقرار:
عن محمد بن إسحاق قال: ذكرت لعاصم بن عمر بن قتادة قصة ماعز بن مالك فقال لي: حدثني حسن بن محمد بن علي بن أبي طالب، قال: حدثني ذلك من قول رسول الله ﷺ : "فهلا تركْتُمُوه" من شئتم من رجال أسلم ممن لا أتهم، قال: ولم أعرف هذا الحديث، قال: فجئت جابر بن عبد الله، فقلت: إن رجالًا من أسلم يحدثون أن رسول الله ﷺ قال لهم - حين ذكروا له جزع ماعز من الحجارة حين أصابته -: "ألا تركتُمُوه"، وما أعرف الحديث، قال: يابن أخي، أنا أعلم الناس بهذا الحديث، كنتُ فيمن رجم الرجل، إنا لما خرجنا به فرجمناه فوجد مسَّ الحجارة صرخَ بنا: يا قوم ردوني إلى رسول الله ﷺ فإن قومي قتلوني وغروني من نفسي، وأخبروني أن رسول الله ﷺ غير قاتلي، فلم ننزع عنه حتى قتلناه، فلما رجعنا إلى رسول الله ﷺ وأخبرناه قال: "فهلَّا تركتُمُوه وَجْئتُوني به"، ليستثبت رسول الله ﷺ منه، فأما لِتَرْكِ حَدًّ فلا، قال: فعرفت وجه الحديث. وهو حديث حسن (٢).
من شئتم فاعل حدثني، والمعنى: أنه قد أخبر جماعة من رجال أسلم لا أتهمهم: أن كلمة: "فهلا تركْتُمُوه"، من قول النبي ﷺ .
٧ - يسقط الحد بكون المرأة عذراء أو رتقاء، وبكون الرجل مجبوبًا أو عنينًا:
لكون المانع موجودًا فتبطل به الشهادة أو الإقرار؛ لأنه قد علم كذب ذلك قطعًا.
٨ - يُشرع الحفر للمرجوم إلى الصدر:
عن بريدة أن ماعز بن مالك الأسلمي أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله: إني قد ظلمت نفسي وزنيت، وإني أريد أن تطهرني، فردَّه، فلما كان من الغد، أتاه فقال: يا رسول الله: إني قد زنيت فرده الثانية، فأرسل رسول الله ﷺ إلى قومه، فقال: "أتعلمون بعقله بأسًا تُنْكِرون منه شيئًا؟ "، فقالوا: ما نعلمه إلا وفيَّ العقل، من صالحينا
стр. 494
فيما نُرى، فأتاه الثالثة، فأرسل إليهم أيضًا فسأل عنه، فاخبروه: أنه لا بأس به ولا بعقله، فلما كان الرابعة، حفر لهُ حفرةً ثم أمَرَ به فَرُجِم … " (١).
٩ - لا ترجم الحُبْلَى حتى تضعَ وتُرْضعَ ولدها إن لم يُوجَدْ من يُرضعُهُ:
عن بريدة: قال: ثم جاءته امرأة من غامد من الأزد، فقالت: يا رسول الله طَهرني، فقال: "ويحك ارجِعِي، فاستغفري الله وتوبي إليه"، فقالت: أراك تريدُ أن تردني كما رددت ماعز بن مالك، قال: "وما ذاك؟ " قالت: إنها حُبْلى من الزنى، فقال: "آنتِ؟ " قالت: نَعَمْ، فقال لها: "حتى تضعي ما في بطنك"، قال: فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت، قال: فأتى النبي ﷺ فقال: قد وضعت الغامدية، فقال: "إذن لا نَرْجُمُهَا وندعُ ولدَهَا صغيرًا، ليس لَهُ مَنْ يُرْضعُهُ" فقام رجل من الأنصار، فقال: إليَّ رَضَاعُهُ يا نبي الله قال: فرجمها (٢).
غامد: بطن من جهينة.
إنها حُبلى من الزنى: أرادت أني حُبلى من الزنى، فعبرت عن نفسها بالغيبة.
فكفلها رجل من الأنصار: أي قام بمؤنتها ومصالحها.
إلي رضاعه: إنما قاله بعد الفطام، وأراد بالرضاعة كفايته وتربيته وسماه رضاعًا مجازًا.
١٠ - يجوز الجَلْدُ حالَ المرضِ بعثكالٍ:
إن كان ميؤسًا من شفائه: عن سعيد بن سعد بن عبادة، قال: كان بين أبياتنا رجل مُخْدَجٌ ضعيف، فلم يُرَعْ إلا وهو على أمة من إماء الدار يخبث بها، فرفع شأنه سعد بن عبادة إلى رسول الله ﷺ فقال: "اجلدوه، ضرب مائة سوطٍ" قالوا: يا نبي الله هو أضعف من ذلك، لو ضربناه مائة سوط مات، قال: "فخذوا عِثْكَالًا فيه مائةُ شمْرَاخ، فاضرِبُوهُ ضربةً واحدةً"، وهو حديث صحيح (٣).
مخدج: ناقص الخلق والقوة. العثكال: العنقود من النخل الذي يكون فيه أغصان كثيرة، وكل واحد من هذه الأغصان يسمى شمراخًا.
стр. 495
أما إذا كان المريض مرجوًّا شفاؤه، أُمهِل: عن أبي عبد الرحمن قال: خطب عليٌّ فقال: يأيُّها الناسُ أقيموا على أرقائكم الحدَّ من أحصن منهم ومن لم يحصن؛ فإن أمة لرسول الله ﷺ زنت فأمرني أن أجلدها، فإذا هي حديث عهد بنفاسٍ، فخشيتُ إن جلدتُها أن أقتُلها، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: "أَحْسَنْتَ" (١).
أقيموا على أرقائكم الحد: الأرقاء جمع رقيق، بمعنى المملوك، عبدًا كان أو أمة، أي: لا تتركوا إقامة الحدود على مماليككم، فإن نفعها يصل إليكم وإليهم.
١١ - حد اللواط القتل للفاعل والمفعول به بكرًا أم محصنًا:
عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من وجدتموه يعملُ عملَ قومِ لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعولَ به"، وهو حديث صحيح (٢).
اللواط: هو إتيان الذكر في دبره، وكذلك إتيان الأنثى الأجنبية.
١٢ - حد ناكح البهيمة التعزير:
عن ابن عباس ﵄ قال: "ليس على الذي يأتي البهيمة حدٌّ"، وهو حديث صحيح (٣).
وإذا انتفى الحد فقد وجب التعزير؛ لارتكابه معصية لا حد فيها ولا كفارة.
١٣ - حد المملوك نصف حد الحر:
لقوله تعالى في سورة النساء الآية (٢٥): ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾، ولحديث علي ﵁ المتقدم في نهاية الفقرة (١٠) من هذا الباب.
١٤ - من أُكره على الزنا فلا حد عليه:
عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: "أُتِي عمرُ بن الخطاب ﵁ بامرأة، جهدها العطشُ، فمرت على راع فاستسقت، فأبى أن يسقيها إلا أن تمكنه من نفسها، ففعلت، فشاور الناس في رجمها، فقال علي ﵁: هذه مضطرة أرى أن تخلي سبيلها، ففعل"، وهو حديث صحيح (٤).