Полный текст (240 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
بِغَيْر زَاد وَلَا شراب ... وَلَا حميم وَلَا عشير وَقَول أبي عُثْمَان الناجم فِي وصف غناء فائق: شدو ألذ من ابتدا ... ء الْعين فِي إغفائها أحلى وأشهى من منى ... نفس ونيل رجائها وَقَول أبي عبد الله بن الْحجَّاج فِيمَن حمله على فرس: فديت من صيرني رَاكِبًا ... وَلم أزل أرجل من حيه فديته إِن فدائي لَهُ ... فِي قلب من يحسدني كيه وَقَالَ السّري الْموصِلِي فِي تَمام: ثنتني عَنْك واستشعرت هجرا ... خلال فِيك لست لَهَا براضي وَإنَّك كلما اسْتوْدعت سرا ... أنم من النسيم على الرياض وَقَرَأَ أَبُو بكر الْخَوَارِزْمِيّ فِي مثله عَلَيْك رَقِيب شَدِيد اللحاظ ... مَتى لم يحط علمه يحدس أنم من الْمسك بالعاشقين ... وألحظ عينا من النرجس وَقَول أبي الْفَتْح البتسي فِي مؤلف هَذَا الْكتاب: أَخ لي زكي الْفَرْع وَالْأَصْل والطبع ... يحل مَحل الْعين مني والسمع تمسكت مِنْهُ إِذا بلوت إخاءه ... على حالتي رفع النوائب والوضع بأوعظ من عقل وآنس من هوى ... وأوفق من طبع وأنفع من شرع
стр. 37
ولمؤلف الْكتاب فِي الاستزارة: عِنْدِي إِنْسَان وَلكنه ... أَكثر لي من ألف إِنْسَان لقاءه أشهى من الْبَارِد ال ... عذب إِلَى غصان عطشان فاقترنا عِنْدِي أفديكما ... فأنتما راحي وَرَيْحَان وَله فِي وصف الْهزْل والمداعبة: أرْسلت فِي وصف صديق لنا ... مَا حَقه الكتبة بالعسجد فِي الْحسن طَاوُوس وَلكنه ... أَسجد فِي الْخلْوَة من هدهد وَلأبي سعيد بن دوست: الصَّبْر فِي أول مراته ... مر كطعم الصَّبْر والصاب وغبه أعذب للمرء من ... رسائل الصاحب والصابي وَله فِي منزلَة بَين العتاب والهجاء: صديق لنا مذ ذقت طعم إخائه ... شهِدت لقد أربى على الصاب شهده فأضعف من نسج العناكب عَهده ... وأضيع من نَار الحباحب وده وَمن فُصُول الْأَمِير أبي الْفضل الميكالي المنخرطة فِي هَذَا الْقسم: " فصل ": مَا الحيران هدي من الضلال، والظمآن سقِِي من الزلَال، والمهجور ظفر بالوصال، والسقيم هبت عَلَيْهِ ريح الإبلال، والخائف أحس لخوفه بالزوال، والصائم بشر بِهِلَال شَوَّال، والعاشق فقد وُجُوه العزال، بأسر مني بكتابك نزهة الطّرف ونهزة الْأنس، ومنية
стр. 38
الْقلب ومنة النَّفس. وَله: وصل كتابك، فَكَانَ مطلعه أشرف من طالع السعد، ومجمعه أمتع من جمع الشمل، ومقطعه أحسن من قطع الرَّوْض. وَله: كتابك ألذ من حاسة الطّرف الفاتر، وَأحلى من خلسة الْحبّ الزائر. وَله: كتابك أبهى فِي الْعين من العقد النظيم، وأشهى للنَّفس من مسك الفأر المنيم. وَله: كلامك أحسن من عقد النَّحْر، وَعقد السحر، لَو استنزلت بِهِ العصم لأجابت. وَله: كلامك أعذب من فرات الْمَطَر، وأعبق من فتات الْمسك والعنبر. وَله: قلائد أحسن من شنوف الكعاب، وَأبقى أثرا من الْوَحْي فِي الصم الصلاب. وَله: وصل كتابك فَكَانَ: ألذ من السلوى وَأطيب نفحة ... من الْمسك مفتوقا وأيسر محملًا وَله: كَلَام أرق من الشكوى وألذ من السلوى، وأعذب من تذكر عهد الْغَائِب لحزوى. وَله: كَلَام أرق من سجع الْحمام ودمع الْغَمَام، وأبهى من وَاسِطَة النظام، وَأطيب فِي الْأَحْوَال كلهَا من سلاف المدام. وَله: مضى ذَلِك الدَّهْر أسْرع من خطْفَة الخالس وخطرة الحادس، وَمن خلسة الثائر وحسوة الطَّائِر. وَله: كلامك ألذ من المَاء القراح، وَمن نيل المنى بعد الاقتراح. وَله: أَنا أسْرع إِلَى رضاك من السَّيْل فِي انحداره، والنجم فِي انكداره، والغيث فِي انهماره، والطرف فِي مضماره. وَله: أَنا أعطف عَلَيْك من الْقلب على الضَّمِير، وأميل إِلَيْك من السّمع إِلَى البشير. وَله: شوقي إِلَيْك أَشد من غرب المواسي، وصبري عَنْك أعز من الصّديق المواسي. وَلأبي نصر الْعُتْبِي: كلامك أطيب من أنفاس الأغراس، وَأحسن من الْغَنِيّ عَن وُجُوه النَّاس.
стр. 39
الْقسم الثَّانِي من الْبَاب الثَّالِث فِيمَا اخترعته وأبدعته على " أفعل من كَذَا " فِي رسائل وفنون متفننة مَقْصُورَة عَلَيْهَا
فصل فِي مدح بعض الْمُلُوك
مَوْلَانَا أدام الله ظله أحسن من القمرين، وَأَعْدل من العمرين، ونفعه أَنْفَع من الْغَيْث، وأزيد من الْهلَال، وأيامه أطيب من زمن الْورْد فِي شَوَّال، على الشَّبَاب وَكَثْرَة المَال وغيب العذال، وأخباره أذكى من الند المعنبر، وَمن النسيم المعطر بريا الزهر، فَجعل الله ملكه أوسع من صَدره، ودولته أجل من قدره، ونعمه أَكثر من فضائله وأدوم من ذكر محاسنه.
فصل فِي كَلَام بعض الرؤساء
" كَلَام سيدنَا أحسن من الدّرّ الْأَزْهَر، والياقوت الْأَحْمَر، وأذكى من الْمسك الأصهب، والعنبر الْأَشْهب، فَلَا فض الله فَمه، وأجرى بتدبير الأقاليم قلمه.
فصل فِي مثله
" سيدنَا أروى من الْأَصْمَعِي، وأشعر من البحتري. شعر: وأبلغ من عبد الحميد وجعفر ... وَيحيى وَإِسْمَاعِيل أَعنِي ابْن عباد فَلَا زَالَ محروسا وَلَا زَالَ ذكره ... وأخباره أذكى من الند فِي النادي
فصل فِي الإستزارة مَعَ وصف الطَّعَام وَالشرَاب وَالسَّمَاع
" أَنا إِلَيْك يَا سَيِّدي أشوق من العطشان الغصان إِلَى المَاء، والعليل المدنف من الشِّفَاء، وَعِنْدِي سكباجة أطيب من مساعدة الْقَضَاء،
стр. 40
وقلية أشهى من الظفر بالأعداء، وفالوذج أحلى من الوقيعة فِي الثُّقَلَاء، وشراب أحسن من عَهْدك، وأصفى من ودك، وَسَمَاع آلف من مقارمة الأقمار ومغازلة الغزلان وأمتع من حركات الرّيح من الريحان، فِيمَا عَلَيْك لَو ساعدتني وأسعدتني وحيتني وأحييتني. وَفِي مثلهَا فِي الرّبيع: يَوْمنَا سماؤه فاختية، وأرضه طاؤسية. وَعِنْدنَا فراخ وفراريج مشوية، وشراب أصفى من عين الديك، وسَاق أحسن من التدرج، ومغن كالعندليب، فَمَا رَأْيك فِي المساعدة على السرُور بأشباه هَذِه الطُّيُور. وَفِي مثلهَا فِي الصَّيف: يَوْمنَا أحر من قُلُوب العشاق عِنْد الْفِرَاق، فَمَا ترى فِي بَيت أبرد من أَمْرَد لَا يشتهى، وَمن قلب محب إِذا سلا، وَرَاح أطيب من ريح الْوَلَد من برد الكبد، ونديم أحلى من الْعَافِيَة، وَحسن الْعَاقِبَة، ومطرب أطرب غناء من الْبُشْرَى بالنعمى، من إقبال الدُّنْيَا والشماتة بالعدى. وَمثلهَا فِي الشتَاء: يَوْمنَا أبرد من تَسْبِيح الْعَجُوز، وآذان المخنث، وتشيخ الصَّبِي، ورقص الْأَعْرَج، وَأَنا بالإنفراد عَنْك أوحش من عَيْني تضاجعه عَجُوز، وَمن حمَار أعمى على معلف خَال، فَأحب أَن أنأس بقربك فِي طارمة أدفأ من خَز مبطن بخز بَينهمَا قَز، لنأكل مَا حضر فِي العاجل، ونلبس الفرو من دَاخل. وَفِي الإستزارة: يَوْم الالتقاء بالأصدقاء أقصر من ليل السكارى، وإلهام الْحُبَارَى، وَمن أظفور العصفور، وأنملة النملة، وعنفقة البقة، كَمَا أَن يَوْم فراقهم أطول من ظلّ الرمْح، وَنَفس العاشق، وَصَوْم النَّصَارَى، بل من ليل الْأَعْمَى، فَهُوَ أطول وأدهى، فَمَا عَلَيْك لَو أَنْعَمت بالبكور وَالزِّيَادَة فِي وَظِيفَة السرُور. وَفِي مثلهَا: يَا أجفى من الدَّهْر، وَيَا أقسى من الصخر، أَنا أشوق
стр. 41
إِلَيْك من الْمُحب إِلَى الحبيب، وَمن الْمَرِيض إِلَى الطَّبِيب، وَقد حَان أَن تجشم إِلَى قدمك، وتخلع عَليّ كرمك.
فصل إهداء الشَّرَاب
إهداء الشَّرَاب من رسوم الأحباب، لِأَنَّهُ كيمياء الْأنس، ومفتاح مَسَرَّة النَّفس. وَلَقَد خدمت مجْلِس سَيِّدي بشراب أحسن من ذكره، وألطف من روحه، وأصفى من وده، وأرق من لَفظه، وأذكى من عرفه، وأعذب من خلقه، وَأطيب من قربه، فليشرب على وَجه عشيقه، فِي دَار صديقه.
فصل فِي حسن الإلف
" ذكر مولَايَ: إِنِّي وَفُلَان بن فلَان متنافران، وَمَا أَدْرِي لم قَالَ ذَلِك، وَنحن أءلف من الْجِسْم وَالروح، والناي وَالْعود، وَمن الْمسك والعنبر، وَمن أبي بكر وَعمر.
فصل فِي شدَّة الْمحبَّة
" أَنا لمولاي أَشد حبا من الشَّيْخ الْمُوسر الْكَبِير لإبنه الْوَاحِد الصَّغِير، وَمن الْأَعْوَر لعَينه الباصرة، والأجذم ليده الناصرة، وفرحتي بِوَجْهِهِ الصبيح، كفرحة الصّبيان بالتسريح.
فصل فِي ذكر غُلَام التحى
" كَانَ فلَان أحسن من السَّلامَة المطرزة بالعافية، المبطنة بالسعادة، فَصَارَ أقبح من زَوَال النِّعْمَة، وحلول النقمَة، وَلُزُوم المحنة، وَكَانَ ألطف من هَوَاء نيسان، فَصَارَ أثقل من رضوى وثهلان. وَكَانَ فرَاش الْجنَّة، فاستحال أثقل من الْغناء الْبَارِد، على الشَّرَاب الكدر مَعَ
стр. 42
النديم المعربد، فِي الْحُجْرَة الضيقة. وَكَانَ أعز من عَزِيز ملك المنصورة، فَصَارَ أذلّ من كلب مَمْطُور فِي الْمَقْصُورَة.
فصل فِي الثّقل
" أَشْكُو إِلَى الله حَاجَتي فِي مجالسة فلَان، وَهُوَ أثقل من نقل الصخر وجفاء الدَّهْر، وَمن صَوْم السّفر وَالْأَرْبِعَاء فِي صفر، وَمن حَدِيث معاد وعقوق الْأَوْلَاد؛ بل أثقل من نعي الْوَلَد الْعَزِيز فِي يَوْم الْعِيد، وَشرب الهليلج على وَجه غَرِيم غير كريم.
فصل فِي ذمّ خَادِم
" لَو علم فلَان أَن فلَانا أغدر من الزَّمَان، وأنم من الْمسك بَين الإخوان، وأسرق من العقعق، وأفر من الزئبق، وَأَقل نفعا من السباخ الحاسرة من المَاء وَالتُّرَاب، لما شفع إِلَيّ فِي رده، بل أَشَارَ إِلَيّ بطرده.
فصل فِي سوء الْقرى
" أنزلنَا فلَان على طَعَام أبشع من قبْلَة الْعَجُوز الشوهاء الفوهاء، وشراب أكدر من أَيَّام الْبلَاء والآواء، وَسَمَاع أشق على الآذان من نعي الأحباء.
стр. 43
الْبَاب الرَّابِع لطائف الظرفاء سوى مَا مر مِنْهَا فِي أول الْكتاب
فصل فِي لطائفهم فعلا
أنوشروان: كَانَ لَا يباضع فِي بَيت فِيهِ نرجس، وَيَقُول: إِنِّي لأَسْتَحي تِلْكَ الْعُيُون الناظرة المحدقة. عُثْمَان بن عَفَّان: كَانَ يَقُول: مَا مسست فَرجي بيميني مُنْذُ بَايَعت بهَا النَّبِي ﷺ . أَبُو الْعَبَّاس السفاح: كَانَ يَوْمًا مشرفا على صحن دَاره وَمَعَهُ امْرَأَته أم سَلمَة يتحادثان، فعبثت بخاتمها، فَسقط من يَدهَا إِلَى الدَّار، فَألْقى السفاح أَيْضا خَاتمه. فَقَالَت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ﴿مَا دعَاك إِلَى هَذَا؟ قَالَ: خشيت أَن يستوحش خاتمك، فآنسته بخاتمي غيرَة عَلَيْهِ من انْفِرَاده، فَبَكَتْ أم سَلمَة فَرحا. الْخَلِيل بن أَحْمد: قَالَ اليزيدي: دخلت يَوْمًا إِلَى الْخَلِيل، فَوَجَدته قَاعِدا على طنفسة، فَكرِهت التَّضْيِيق عَلَيْهِ، فَقَالَ لي: يَا أَبَا مُحَمَّد﴾ إِلَيّ فَإِن سم الْخياط لَا يضيق على متصادقين، وَالدُّنْيَا لَا تسع متعاديين. وَقَالَ ابْن الْمُبَارك: كنت أماشي الْخَلِيل، فَانْقَطع شسع نَعْلي، فخلعتها، فطفقت أَمْشِي، فَخلع الْخَلِيل أَيْضا نَعْلَيْه، فَقلت: بِأبي أَنْت يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن! لم خلعتها؟ فَقَالَ: لأساعدك على الحفاء. وَقَالَ مؤلف الْكتاب: حَدثنِي الْأَمِير صَاحب الْجَيْش أَبُو المظفر بن نصر بن نَاصِر الدّين، قَالَ: كنت يَوْمًا مَعَ السُّلْطَان
стр. 44
أضْرب بالصولجان فِي القواد ووجوه الْعَسْكَر، فَبينا هُوَ فِي حومة نشاطه إِذْ سَقَطت قلنسوته من رَأسه، فرميت أَيْضا بقلنسوتي إِلَى أَن جِيءَ بقلنسوته، فَاسْتحْسن مني هَذِه الْخدمَة وَهَذَا الْأَدَب، فَلَمَّا نزل أَمر لي بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم ودست ثِيَاب - من خَاص ثِيَابه، وَفرس بمركب ذهب. الْمُعَلَّى بن أَيُّوب: عَاد صديقا لَهُ فَرَأى عِلّة وَجلة فَأسر إِلَى وَكيله، وَقَالَ: ائْتِنِي بِخَمْسِمِائَة دِينَار مخبوءة فِي قرطاس ﴿فَأتى بهَا، فَقَالَ الْمُعَلَّى للعليل: هَذَا دَوَاء مجرب، فَاسْتَعْملهُ﴾ وَانْصَرف. فَلَمَّا كَانَ بعد أُسْبُوع عاوده وَقد ابْتَدَأَ يبل من الْعلَّة، فَقَالَ لَهُ: كَيفَ وجدت الدَّوَاء؟ قَالَ: بِأبي أَنْت وَأمي ﴿وجدته نَافِعًا لبدني وحالي، فَقَالَ: هَل بك حَاجَة إِلَى زِيَادَة؟ قَالَ: نعم يَا سَيِّدي﴾ فَأمر لَهُ بِمِثْلِهَا. وَأهْدى إِلَى المعتز فِي يَوْم نيروز مرْآة خسروانية فِي نِهَايَة الْحسن، وَقَالَ: أَهْدَيْتهَا ليذكرني بهَا إِذا رأى حسن وَجهه فِيهَا. عَليّ بن عُبَيْدَة: سَأَلَهُ صديق لَهُ كتاب عناية، فَكَتبهُ وَلم يقطعهُ، فَقَالَ لَهُ الصّديق فِي ذَلِك، فَقَالَ: مَا قطعت شَيْئا قطّ. فَتى مُحَمَّد بن داؤد الْأَصْبَهَانِيّ: جَاءَهُ يَوْمًا متقنعا متلثما، فَسَأَلَهُ عَن السَّبَب فِي ذَلِك، فَقَالَ: خرجت من الْحمام وَنظرت الْمرْآة فاستحسنت وَجْهي، فَكرِهت أَن يسبقك إِلَى رؤيتي أحد، فجئتك كَمَا ترى.
فصل فِي لطائف الْمُلُوك والسادة
عبد الْملك بن مَرْوَان: مَاتَ لَهُ ابْن فجزع عَلَيْهِ جزعا شَدِيدا، ثمَّ قَالَ: الْحَمد لله الَّذِي يقتل أَوْلَادنَا ونحبه. قُتَيْبَة بن مُسلم: لما أشرف على سَمَرْقَنْد استحسنها جدا، فَقَالَ لأَصْحَابه: شبهوها! فَقَالُوا: الْأَمِير أحسن تَشْبِيها، فَقَالَ: كَأَنَّهَا السَّمَاء فِي الخضرة، وَكَأن قُصُورهَا النُّجُوم اللامعة وَكَأن أنهارها المجرة. هَارُون الرشيد: كَانَ لَيْلَة بِالْحيرَةِ، فَلَمَّا كَاد أَن يتنفس الصُّبْح قَالَ
стр. 45
لجَعْفَر بن يحيى: قُم بِنَا ﴿نتنفس هَوَاء الْحيرَة، قبل أَن تكدره أنفساس الْعَامَّة. عبد الْملك بن صَالح الْهَاشِمِي: مَا جمشت الدُّنْيَا بأظرف من النَّبِيذ. الْمَأْمُون: من ظريف كَلَامه قَوْله: إِذْ طَالَتْ اللِّحْيَة تكوسج الْعقل، وَقَوله: النَّبِيذ كلب وَالْعقل ثَعْلَب. وَكَانَ يَقُول: خير الْغناء مَا شاكل الزَّمَان. وَكَانَ يَقُول عِنْد فَرَاغه من الطَّعَام: الْحَمد لله الَّذِي جعل أرزاقنا أَكثر من أقواتنا. المتَوَكل: كَانَ مُولَعا بالورد يَقُول: أَنا ملك السلاطين، والورد ملك الرياحين، فَكل منا أولى بِصَاحِبِهِ. الْفَتْح بن خاقَان: حكى ابْن حمدون، قَالَ قَالَ لي الْفَتْح يَوْمًا: يَا أَبَا عبد الله﴾ دخلت قصري، فاستقبلتني جاريتي رشأ، فبلتها، فَوجدت فِي فمها هَوَاء لَو رقد فِيهِ المخمور لصحا. وَأخذ أَبُو الْفرج الوأواء الدِّمَشْقِي هَذَا الْمَعْنى، فَقَالَ: سقى الله لَيْلًا طَابَ إِذْ زار طيفه ... فأفنيته حَتَّى الصَّباح عنَاقًا بِطيب نسيم مِنْهُ يستجلب الْكرَى ... وَلَو رقد المخمور فِيهِ أفاقا تعبدني حَتَّى تملك مهجتي ... وفارقني حَتَّى أمنت فراقا إِسْمَاعِيل بن أَحْمد: عرض عَلَيْهِ غُلَام، فَقَالَ: هَذَا يصلح للْفراش والحراش. المقتدر: من اللَّذَّات أَربع: حلق اللحى الطَّوِيلَة العريضة، وصفع الأقفية اللحمية، وَشتم الْأَرْوَاح الثَّقِيلَة البغيضة، وَالنَّظَر إِلَى الْوُجُوه الصبيحة المليحة. النَّاصِر الْعلوِي الأطروش: كَانَ إِذا كاتمه إِنْسَان فَلم يسمعهُ، يَقُول: يَا هَذَا! زد فِي صَوْتك فَإِن بأذني بعض مَا بروحك. سُلَيْمَان بن وهب:
стр. 46
نظر يَوْمًا فِي الْمرْآة فَرَأى شيبا كثيرا، فَقَالَ: عيب لأعدمناه. وَكَانَ يَقُول: إِنِّي لأغار على أصدقائي كَمَا أغار على حرمي. وَفِي هَذَا الْمَعْنى يَقُول أَبُو الْفَتْح كشاجم: أخي لَا تروعني بميل إِلَى أَخ ... سواي فيسلو بعض نَفسك عَن نَفسِي وَكن عَالما أَنِّي أغار على أخي ... وخلي كَمَا أَنِّي أغار على عرسي أَخُوهُ الْحسن بن وهب: سُئِلَ يَوْمًا عَن مبيته، فَقَالَ: شربت على عقد الثريا ونطاق الجوزاء، فَلَمَّا تنبه الصُّبْح نمت فَلم أستيقظ إِلَّا بلبسي قَمِيص الشَّمْس. وَوصف الْحر يَوْمًا فَقَالَ: عَليّ قَمِيص قصب مكعب، ودرعة ديبقى كالغرقى، وَكَأَنِّي البقلة فِي المَاء الْحَار. عبد الْملك بن نوح: كَانَ يَقُول: لَا يحسن بالملوك لبس الملونات والمصبغات، فَإِنَّهَا من لِبَاس الغلمان والنسوان، وَلَيْسَ لَهُم غير الحفي النَّيْسَابُورِي والزباري السَّمرقَنْدِي والملحم الْمروزِي والعتابي الْفَارِسِي لِبَاس. نَاصِر الدولة أَبُو مُحَمَّد الحمداني: سخط على كَاتب لَهُ فَأمره بِلُزُوم منزله، وأجرى عَلَيْهِ مشاهرته، فَقيل لَهُ فِي ذَلِك، فَقَالَ: إِن الْمُلُوك يؤدبون بالهجران وَلَا يعاقبون بالحرمان. أَخُوهُ سيف الدولة: كَانَ يُخَاطب بسيدنا، فخاطبه ابْن وَرْقَاء بسيدي، فَقَالَ: إِن سمحت بِأَن أكون سيدك، فَلَا تبخل بِأَن أكون سيد غَيْرك. أَبُو مَنْصُور بن عبد الرَّزَّاق: ركب يَوْمًا بنيسابور إِلَى الصَّيْد، فَرَأى فِي محلّة البساسيات كرامية يصلونَ صَلَاة الْفجْر جُمُعَة وَقد كَادَت الشَّمْس تطلع، فَقَالَ: مَا رَأَيْت صَلَاة الضُّحَى بِالْجَمَاعَة غير هَذِه. أَبُو الْحسن بن سيمجور: لَا تَخْلُو ثَلَاث من ثَلَاث! جسم من علل وقلب من شغل، وكتخذائية من خلل. وَكَانَ يَقُول: من أكل الْحَلْوَاء بالحب، كَانَ كمن عانق المعشوق فِي صَدره.
стр. 47
أَبُو الْحسن طَاهِر بن الْفضل: الكسلان منجم، والبخيل طَبِيب، والمؤاجر سَاحر. أَبُو الْعَبَّاس مَأْمُون بن خوارزمشاه: سمعته يَقُول فِي تَقْسِيم النّظر مَا لم أسمع مثله ظرفا وكهانة وبلاغة: فهمتي كتاب أنظر فِيهِ، وحبِيب أنظر غليه، وكريم أنظر لَهُ. الصاحب أَبُو الْقَاسِم إِسْمَاعِيل بن عباد: أَطَالَ رجل اللّّبْث فِي مَجْلِسه وَلم يقتد فِي الْقيام بِغَيْرِهِ، فَقَالَ لَهُ الْفَتى: من أَيْن؟ فَقَالَ: من قُم، قَالَ: إِذا فَقُمْ. وَقَالَ لَهُ القَاضِي عَليّ بن عبد الْعَزِيز: قد طولت، قَالَ: بل تطولت. وحَدثني أَبُو عبد الله الحامدي: قَالَ: سمعته يَقُول: أَرْبَعَة لم أر أحسن مِنْهُم من الشُّعَرَاء الظرفاء أسكتوني وأخجلوني بجوابات فِي نِهَايَة الْحسن والظرف لم أسمع أَمْثَالهَا. فَمنهمْ أَبُو الْحسن البديهي: غذ كَانَ عِنْدِي فِي نفر من جلسائي بأصبهان، فَقدمت إِلَيْنَا أطباق الْفَوَاكِه وفيهَا من المشمش الْأَصْفَهَانِي مَا يفوق الرطب حسنا وطيبا، فأكب عَلَيْهِ البديهي وأمعن فِيهِ، فَقلت لَهُ: إِن المشمش يلطخ الْمعدة، فَقَالَ: لَا يُعجبنِي الميزبان إِذا تطبب، فألبسني قناع الخجل وقطعني. وَمِنْهُم أَبُو الْحسن الغويري: فَإِنَّهُ قَالَ لي يَوْمًا - وَقد انصرفت من الدَّار السُّلْطَانِيَّة فِي غير طريقي وَأَنا ضجر من شَيْء عرض لي ونكر فكري: من أَيْن أَقبلت مَوْلَانَا؟ فَقلت: من لعنة الله، فَقَالَ: رد الله غربتك يَا مَوْلَانَا ﴿فَأحْسن على إساءته الْأَدَب. وَالثَّالِث أَبُو الْحسن المنجم: فَإِنَّهُ دخل عَليّ يَوْمًا وَعِنْدِي فَتى من مشاهير الصَّباح الملاح، فَنظر إِلَيْهِ أَبُو الْحسن نظرة ذِي علق، فكاد يَأْكُلهُ بِعَيْنيهِ، فَقلت لَهُ: سكباج، فَقَالَ: كشكية﴾ فتعجبت من سرعَة فطنته للتصحيف وإجابته بِمَا يشاكله. وَالرَّابِع أَبُو الْحسن المافرخي: فِي أَيَّام حداثته وسلطان ملاحته، فَإِنِّي داعبته يَوْمًا بِقَوْلِي: رَأَيْتُك تحتي، فَقَالَ على لِسَان دالته بضربه وتكامل حسنه: مَعَ ثَلَاثَة مثلي - يني فِي رفع الْجِنَازَة، فأخجلني وحيرني وَمَا أنسى لَا أنسى، هَذِه الجوابات، وَمَا أرى التَّام الْخَامِس، " والدهر حُبْلَى لَيْسَ يدْرِي مَا تَلد ".
стр. 48
الْملك أَبُو الْقَاسِم مَحْمُود بن نَاصِر الدّين: كَانَ يَقُول: حسن صُورَة الْإِنْسَان عناية الله عز ذكره، فَمن أحسن صورته ألْقى عَلَيْهِ محبته، وأحبته الْقُلُوب وارتاحت لَهُ النُّفُوس. وَقعد يَوْمًا لعرض الْعَسْكَر فقرىء عَلَيْهِ ذكر فَتى من أَبنَاء الموَالِي: حِين بقل وَجهه - وَكَانَ مَذْكُورا بالجمال، فَقَالَ: اكتبوا حِين بَطل وَجهه. وَلما فتح سجستان قيل لَهُ: هَذِه تسمى الْمَدِينَة الْعَذْرَاء، فَقَالَ: أما نَحن فقد تركناها عفلاء. وَقيل لَهُ مَوْلَانَا بطيء الْحَبْس، فَقَالَ: لأبي غير سريع الْقَتْل. وَكَانَ يَقُول: نَحن نوجب الصلات كَالصَّلَاةِ. وشكره الْأَمِير نصر أَخُوهُ على عدله وبذله، فَقَالَ: يَا أخي مَا ننويه أَكثر مِمَّا نأتيه.
فصل فِي لطائف سَائِر الظرفاء من سَائِر الطَّبَقَات
" جحظة الْبَرْمَكِي: استزاره " ابْن " المعتز، فَكتب إِلَيْهِ جحظة: كنت على أَن أُجِيب دَاعِي مَوْلَانَا، فقطعني عَن خدمته انْقِطَاع شريان الْغَمَام. وَركب إِلَى بعض البخلاء، فَقَالَ لَهُ غلمانه: إِنَّه مَحْمُوم، فَقَالَ: كلوا بِحَضْرَتِهِ حَتَّى يعرق. أَبُو الْحسن بن فَارس: رأى بعض أَصْحَابنَا يفرط فِي الْجزع على ثوب سرق مِنْهُ، فَقَالَ: هون عَلَيْك نَفسك؟ فَلَيْسَ بقميص يُوسُف ﵇، وَلَا بردة النَّبِي ﷺ ، وَلَا كسَاء أهل الْبَيْت، وَلَا ديباجة الْوَجْه، وَلَا رِدَاء الشَّبَاب. أَبُو ... ... .: قَالَ ابْن المعتز ﴿قلت لَهُ: كم لقِيت من الْبلدَانِ، قَالَ: لَا تسئل﴾ فَإِن شيطاني كَانَ من الفيوج. قَالَ: وَوصف سر من رأى، فَقَالَ: نُسَمِّيه " يغذو الْأَرْوَاح " وَوصف بَلْدَة فَقَالَ: أَهلهَا يعيشون فِي ظلّ الْكِفَايَة. " ابْن قريعة " ذكر الصاحب فِي كتاب الروزنامجة إِلَى ابْن العميد، فَقَالَ: شيخ يخف على الرّوح ظريف الْجُمْلَة وَالتَّفْصِيل، وَله نَوَادِر طيبَة وملح عَجِيبَة، فَمِنْهَا: إِن كهلا تطايب بِحَضْرَة الْأُسْتَاذ أبي مُحَمَّد سَأَلَهُ عَن حد الْقَفَا - يُرِيد تخجيله، فَقَالَ: مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ جربانك، ومازحك فِيهِ إخوانك وأدبك عَلَيْهِ سلطانك، وباسطك فِيهِ غلمانك، هَذِه حُدُود أَرْبَعَة. القَاضِي
стр. 49
ابْن عبد الْعَزِيز: دخل على من أَطَالَ الْجُلُوس عِنْده ثمَّ قَالَ: لَعَلَّ القَاضِي يَقُول: أبرمت فَقُمْ، فَقَالَ: لَا بل أَنْعَمت فدم. أَبُو عبد الله بن لويه: الْفَارِسِي - كَانَ يتقلد قَضَاء بَلخ، وَكَانَ صديق أبي يحيى الحمادي، فَكتب إِلَيْهِ يستهديه مَا يجلب من بَلخ، فَكتب إِلَيْهِ: قد حملت إِلَى الشَّيْخ عدل صابون، ليغسل طعمه فِي - وَالسَّلَام. القَاضِي أَبُو الْحسن المؤمل بن الْخَلِيل بن أَحْمد: سُئِلَ عَن بست، فَقَالَ: صفتهَا تثنيتها - يَعْنِي بُسْتَان. وسمعته يَقُول: أُفٍّ لرئيس لَا يجْتَمع الإخوان على خوانه، وَلَا تقع الأجفان على جفانه. أَبُو نصر: الْمَوْت أَرْبَعَة: الْفِرَاق، ثمَّ الشماتة، ثمَّ الْعَزْل، ثمَّ الْخُرُوج من الدُّنْيَا. وَكَانَ يَقُول: أَتَذكر أَربع آيَات من كتاب الله فِي أَربع أَحْوَال؟ إِذا رَأَيْت وَجها حسنا تذكرت قَوْله تَعَالَى: " فَتَبَارَكَ الله أحسن الْخَالِقِينَ " " الْمُؤْمِنُونَ: ١٤ " وَإِذا قَرَأت أَو سَمِعت كلَاما حسنا تذكرت قَوْله تَعَالَى: " أفسحر هَذَا أم أَنْتُم لَا تبصرون " " الطّور: ١٥ " وَإِذا أكلت مَعَ قَبِيح ثقيل تذكرت قَوْله تَعَالَى: وَطَعَامًا ذَا غُصَّة " " المزمل: ١٣ "، وَإِذا رَأَيْت الْفِيل تذكرت قَوْله تَعَالَى: " هَذَا خلق الله " " لُقْمَان: ١١ ". عَليّ بن حَمْزَة: كَانَ أَبوهُ مُوسِرًا مضيقا عَلَيْهِ، وَعلي كَانَ يستدين على مَوته فَلَمَّا مَاتَ قَالَ: ورثت من أحياني مَوته. أَبُو الْقَاسِم الزَّعْفَرَانِي: قَالَ لأبي عبد الله الحامدي وَقد فصد لمَرض عرض لَهُ: فصدت، فصدت الْعلَّة. أَبُو الْحسن المنجم: من طرف ظرفه أَنه كَانَ يَقُول: أَنا وَالله أجن على جدري الْوَجْه الْمليح، ويسير الْحول فِي الْعين الساحرة، ونخوة الْخلق الطّيب. أَبُو بشر الْفضل بن مُحَمَّد الْجِرْجَانِيّ: الضِّيَافَة ثَلَاث، والزيارة جلْسَة، والعيادة خلسة، والدعوة يَوْم الْحجامَة، وَثَانِي الفصد وثالث الْحجامَة الدَّوَاء. ابْن عَبدك الْبَصْرِيّ: كَانَ من أظرف الْفُقَهَاء، فَرُئِيَ يَوْمًا يستطعم فِي
стр. 50
قَرْيَة، فَقيل لَهُ: أتستطعم وَأَنت أَنْت؟ فَقَالَ: لي أُسْوَة فِي مُوسَى وَالْخضر حِين " أَتَيَا أهل قَرْيَة استطعما أَهلهَا " " الْكَهْف: ٧٧ ".
فصل فِي لطائف الظرفاء فِي الطَّعَام وَمَا يتَّصل بِهِ
أَبُو هُرَيْرَة: كَانَ يَقُول: مَا شممت رَائِحَة أطيب من رَائِحَة الْخبز الْحَار، وَمَا رَأَيْت فَارِسًا أحسن من زبد على تمر. أَبُو الدَّرْدَاء: من كَرَامَة الْخبز أَن لَا ينْتَظر بِهِ الْأدم. الْحسن الْبَصْرِيّ: بلغه أَن فرقد السبخي يعيب الفالوذج، فَقَالَ لباب الْبر ولعاب النَّحْل بخالص السّمن، مَا عابها مُسلم. عمر بن عبد الْعَزِيز: أفرش طَعَامك اسْم الله وألحفه حمد الله. يحيى بن خَالِد: عَلَيْك من الطَّعَام بِمَا حدث، وَمن الشَّرَاب بِمَا قدم. إِبْرَاهِيم بن الْعَبَّاس: الْخبز ليومه، والطبيخ لساعته، والنبيذ لسنته. أَحْمد بن الطّيب: اللَّذَّات اللحمانية: أكل اللَّحْم وركوب اللَّحْم وَإِدْخَال اللَّحْم فِي اللَّحْم. أَبُو بكر مُحَمَّد بن المظفر: كل طَعَام أُعِيد عيه التسخين فَهُوَ لَا شَيْء، وكل شراب لَا يستكمل عَلَيْهِ أَرْبَعَة أشهر فَهُوَ لَا شَيْء، وكل غناء خرج من تَحت شعر فَهُوَ لَا شَيْء. الْحسن بن سهل: كَانَ يَقُول: من طَعَام الْمُلُوك المخ والمح وَالْحمل الَّذِي رضع شَهْرَيْن ورعى شَهْرَيْن، والدجاج الفتي الكسكري المسمن بلباب الْبر، وفراخ الْحمام البيتي لَا الْبُرْجِي؛ وَمن الْحَلْوَاء اللوزينج بالطبرزد، وَمَاء الْورْد المبخر بالند؛ وَمن الْفَوَاكِه قصب السكر وَالرّطب الازاد والتين الوزيري وَالْعِنَب الرازقي والتفاح الشَّامي، وَمن الرياحين الْورْد، وَمن الْمسك الأذفر والبنفسج المعنبر والنرجس المورد والشاهسفرم المكوفر. أَبُو مُحَمَّد بن أبي الثِّيَاب: وَقد حضر دَعْوَة لأبي الْقَاسِم الدينيوري فَقَالَ: أَتَانَا بأرغفة كالبدور المنقبة بالنجوم، وملح كالكافور السخين، وخل كذوب
стр. 51
العقيق، وبقل أهش من خضرَة الشَّرَاب على المرد الملاح، وَحمل لَهُ من الْفضة جسم وَمن الذَّهَب قشر، وقلية أشهى من رضاب المعشوق، وطباهجة من شَرط الْمُلُوك كأعراف الديوك، وأرزة ملبونة فِي الطبرزد مدفونة، وفالوذجة مزعفرة مسمونة: لَهُ فِي الحشا برد الْوِصَال وطيبه ... وَإِن كَانَ تَلقاهُ بلون حريق كَأَن بَيَاض اللوز فِي جنباته ... كواكب لاحت فِي سَمَاء عقيق ثمَّ جَاءَنَا بشراب كالعيشة الراضية أرق من دمع الْيَتِيم على بَاب القَاضِي، وَسَمَاع أغاني مطربات الغواني. أَبُو الْقَاسِم الصُّوفِي: نديم فناخسرو، وَكَانَ سالار المطبخ فِي دَار خسرو يَأْمُرهُ يسئل الصُّوفِي عَمَّا يقترحه من أطايب الْأَطْعِمَة، فَسَأَلَهُ يَوْمًا عَن ذَلِك، فَقَالَ: الشَّهِيد ابْن الشَّهِيد وَالشَّيْخ الطَّبَرِيّ فِي الرِّدَاء العسكري وقبور الشُّهَدَاء، فَلم يفْطن لمراده فاستفسره مَا قَالَ، فَقَالَ عنيت الْحمل والأرز بِاللَّبنِ والقطائف. فَرفع الْخَبَر إِلَى فناخسرو، فاستظرفه وَتحفظ الألقاب. أَبُو مَنْصُور سعيد بن أَحْمد اليزيدي: مَصْرُوف الصاحب - سَأَلَهُ أَبُو نصر بن أبي زيد عَمَّا يُحِبهُ ويتشهاه من الْأَطْعِمَة، فَقَالَ: قشور الدَّجَاج الْفتية المشوية، والسكباجة النمامة بَين لحم الْبَقر وَلحم الْحمل السمين ثمَّ ينفى عَنْهَا لحم الْبَقر وَيُوضَع عَلَيْهَا السكر ويطيب بالعنبر، والهريسة بلحوم الحملان والفراريج السمان، وَمَا على جنوب الحملان الرضع من اللَّحْم المجزع الملبقة بالأرز المدقوق، وَاللَّبن الحليب وَالْعَسَل والطبرزد والقطائف المعمولة باللوز المدقوق والطبرزد المسحوق المبخرة بالند الْمشْربَة بالجلاب وَمَاء الْورْد. فَقَالَ: يَا أَبَا مَنْصُور! قد تحلب فمي من هَذَا الْوَصْف، أشهد أَنَّك من
стр. 52
أَبنَاء النعم والمروآت. ابْن العميد: كَانَ يَقُول: أطيب مَا يكون الْحمل إِذا حلت الشَّمْس الْحمل. أَبُو الْعَبَّاس الْمبرد: قَالَ: اجتزت يَوْمًا بسذاب الْوراق وَهُوَ قَاعد على بَاب دَاره، فَقَامَ إِلَيّ ولاطفني وَعرض عَليّ الْقرى، فَقلت: مَا عنْدك؟ قَالَ: عِنْدِي أَنْت وَعَلِيهِ أَنا - يَعْنِي أَن عِنْده السكباج الْمبرد وَعَلِيهِ السذاب المقطع، فاستظرفت هَذِه النادرة وَنزلت عِنْده. الجاحظ: قَالَ: كنت يَوْمًا على مائدة مُحَمَّد بن عبد الْملك، فَقدمت فالوذجة فَأَوْمأ بِأَن يَجْعَل مَا رق مِنْهَا على الْجَام مِمَّا يليني تولعا بِي، فتناولت وَظهر بَيَاض الْجَام بَين يَدي، قَالَ: يَا أَبَا عُثْمَان! قد تقشعت سماؤك قبل سَمَاء غَيْرك، فَقلت: أصلحك الله لِأَن غيمها كَانَ رَقِيقا. ابْن حمدون النديم: كَانَ يَقُول: من أكل مَعَ الْمُلُوك والأمراء والسادة فَلْيَكُن أَظْفَاره مقلومة، وطرف كمه نظيفا، ولقمته صَغِيرَة، وليأكل مِمَّا بَين يَدَيْهِ، وَلَا يدسم الْملح والخل. البديع الهمذاني: من أكل على مَوَائِد الرؤساء، فَلَا تسافرن يَده على الخوان، وَلَا يرعين أَرض الْجِيرَان، وَلَا يَأْخُذن وُجُوه الرغفان، وَلَا يفقأن أعين الألوان. أَبُو سوَادَة الرَّازِيّ: إياك والسبق إِلَى بَيْضَة المقلة، والإستئثار بكلية الْحمل وخاصرة الجدي ومخ الْعظم وَعين الرَّأْس، وَلَا تكونن أول آكل وَآخر تَارِك، وَلَا تتجشأن على الْمَائِدَة، وَلَا تبزقن فِي الطست، وَلَا تتخلل بعد غسل الْيَد. أَبُو عبد الله الجماز: لَا يقوى على الصَّوْم إِلَّا من طَابَ تأدمه وَطَالَ تلقمه ودام تنعمه. أَبُو جَعْفَر الموسوي الطوسي: كتب إِلَى صديق لَهُ: عِنْدِي يَا سَيِّدي سفيذناجة، كَأَنَّمَا طبخت بِنَار شوقي إِلَيْك، وقلية أحمض من فراقي إياك، وخبيص أحلى من مودتي لَك.
стр. 53
أَبُو الْحُسَيْن الْهَرَوِيّ الهمذاني: قَالَ يَوْمًا لندمائه: تَعَالَوْا بِنَا نتكرم الْيَوْم، قَالُوا: وَأي يَوْم لَا يتكرم سيدنَا فِيهِ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا أردْت التكرم من الْكَرم لَا من الْكَرم. قَالُوا: وَكَيف؟ قَالَ: عِنْدِي الِاسْتِمْتَاع بمرافق الْكَرم دون غَيره، وَهُوَ أَن نستوقد بقضبان الْكَرم، وَنَأْكُل سكباجة وقلية حصرمية وحلواء دفسية وَنَشْرَب القبي ونتنقل بالزبيب! فَفَعَلُوا وطاب يومهم.
فصل
فِيمَا ينْسب إِلَى أبي الطّيب الْحَرَّانِي، أحد كتاب الْعرَاق وظرفائها وندماء الوزراء بهَا من مخاطبات الشَّرَاب لفنون الْأَطْعِمَة بِزِيَادَات أبي نصر سهل بن الْمَرْزُبَان - للخبز وَاللَّحم: الأبوان الشقيقان لَا فرق الله بَينهمَا، للكرينية والقنبيطية: الشَّيْخ السَّيِّد ولي النِّعْمَة من عَبده وخادمه، للاسفيذناج السَّعْدِيّ: الشَّيْخ الْفَاضِل الْمُعْتَمد، للطاهرية الشَّيْخ، للهريسة: الشَّيْخ الثِّقَة، للفتية: الشَّيْخ الرئيس، للترفية بِلَا لحم الْكَبِير لَهُ الشَّيْخ الخائن، للرمانية: شَيْخي وسيدي، للعدسية: شَيْخي وخليلي، للسماوية: شَيْخي وكبيري، للحصرمية: الْأَخ الْجَلِيل مولَايَ من ربيت نعْمَته، للسكباج: الْأَخ الْمَظْلُوم - لِأَنَّهُ جعل حَلَالا، للزبرباجية: الْأَخ الظريف، للتنورية بِلَا لحم: أخي وسيدي، لتنورية مَعَ لحم الْبَقر وَالْغنم الدهْقَان: سَيِّدي ومولاي، جواذبة الرَّغِيف: الشَّيْخ الوفي، الحريرة: الشَّيْخ الشريف، لجواذبة الْأرز: الشَّيْخ الْبَهِي، للرشتة بِاللَّحْمِ: سَيِّدي، للأخصة بِاللَّحْمِ: الْقَائِد سَيِّدي ومولاي، وَبلا لحم: الْقَائِد الفاخر، الْأرز بِاللَّبنِ وَالسكر: الشَّيْخ النَّظِيف اللين الظريف، وَبلا لبن: الشَّيْخ النقي، للقانق والبطون الباذان: سَيِّدي ومولاي، القلية المغمومة: سَيِّدي وعمدتي، القلية المدقوقة: سَيِّدي ومعتمدي، للنرجسية بالحبوب: سَيِّدي وقرة عَيْني، للقلية: أَخ الْكَرِيم، للعجة بِاللَّحْمِ: أخي وسيدي، وَبلا لحم: أخي وعمدتي، للقلية الحامضة: أخي للْحَمْل المشوي
стр. 54
الْحَار: الْأُسْتَاذ الرئيس، للبارد مِنْهُ: الْأُسْتَاذ مولَايَ، وَإِذا كَانَ مطبوخاً الْأُسْتَاذ الوافي، للْجنب المشوي الْحَار: خَليفَة الْأُسْتَاذ الرئيس، الْبَارِد مِنْهُ: الْأُسْتَاذ سَيِّدي وعميدي، الدَّجَاجَة الملهوجة: وَلَدي وَعِزَّتِي، وَمَعَ الصّباغ: وَلَدي وقرة عَيْني، الكباب على النَّار: أثيري وسيدي، وللمقلي بالدسم: رئيسي، السنبوسحة الحارة: جليسي، للبرناورد: رفيقي السّمك الكيا لِأَنَّهُ من بِلَاد الدَّد الحلاوات كلهَا الشريف لِأَن النَّبِي ﷺ كَانَ يُحِبهَا، البوارد مَعَ المصوص وَشَيْء من اللَّحْم، جمَاعَة الموَالِي، الكوامخ والرواصل: جمَاعَة التفاريق، البوراني المدهن: الْأَخ مولَايَ، ثريد الباقلاء: الشَّيْخ النَّبِيل، الكبولا: صديقي، الْجُبْن وَالْخبْز: النذلين الرديين، القديدة: الْأَخ النَّبِيل، ظهر الظبي مشويا: الْأَخ النَّفس، الرؤس: الشَّيْخ المغيث، الأكارع: الْأَخ السديد، المصوص: سَيِّدي ومفرج كربتي.
فصل فِي لطائف الظرفاء فِي الشَّرَاب وَمَا يتَّصل بِهِ
" حنين بن إِسْحَاق المترجم: اتّفق لَهُ هَذِه اللَّفْظَة الوجيزة الشَّرِيفَة البديعة الَّتِي لم أسمع للبلغاء مثلهَا، فِي الْجمع بَين التَّجْنِيس والطباق والترصيع مَعَ حسن الْمَعْنى وجودته وَصِحَّته، وَهِي: قَلِيل الراح صديق الرّوح، وكثره عَدو الْجِسْم. هبة الله بن المنجم: اتّفق لَهُ هَذِه اللَّفْظَة البديعة البليغة الظريفة أَيْضا فِي تَفْرِيق التَّجْنِيس ومفارقة الإعجاز، مَعَ السهولة والعذوبة وَحسن الصَّنْعَة وَطلبت مثلهَا، فعز وأعوز، وَهِي قَوْله: الشَّرَاب على غير الدسم سم وعَلى غير النغم غم. أَبُو الْحسن المنجم: من كَلَامه الَّذِي يقطر مِنْهُ مَاء البلاغة والظرف، قَوْله: إِذا راق الرّبيع، ورق النسيم، وامتدت سَمَاء الند على ارْض الْورْد، وَحَضَرت الراح وَالْأَوْجه الملاح، وتجاوبت الأطيار والأوتار، حفت أَيدي الطَّرب على الْجُيُوب وهتكت أَسْتَار الْقُلُوب. أَبُو نواس: دخل كرما فِي وَقت الحصرم، فَلَمَّا رَآهُ رفع يَدَيْهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ سود وَجهه واقطع حلقه واسقني من دَمه.
стр. 55
ابْن عَائِشَة الْقرشِي: قيل لَهُ: إِن فلَانا قد تَابَ من النَّبِيذ، فَقَالَ: قد طلق الدُّنْيَا ثَلَاثًا. مُطِيع بن أياس: إِن فِي النَّبِيذ لِمَعْنى فِي الْجنَّة لن الله تَعَالَى ذكر عَن أَهلهَا إِنَّهُم يَقُولُونَ: " الْحَمد الله الَّذِي أذهب عَنَّا الْحزن " " فاطر: ٤٣ "، والنبيذ يذهب عَنَّا الْحزن. بشار بن برد: قيل لَهُ: أَي مَتَاع الدُّنْيَا خير عنْدك؟ قَالَ: طَعَام بر وشراب مر وَابْنَة عشْرين بكر ﴿وَقيل: قيل ذَلِك لوالبة بن الْحباب فَقَالَ: رغيف أَزْهَر، وطبيخ أصفر، ونبيذ أَحْمَر، وَغُلَام أحور، وكيس أعجر. أَبُو مُحَمَّد السرجي: كَانَ من ظرفاء الْفُقَهَاء والمحدثين بِبَغْدَاد، فَركب يَوْمًا فِي سفينة مَعَ نَصْرَانِيّ، فَلَمَّا بسط سفرته سَأَلَ السرجي مساعدته، فَفعل، وَلما فرغا أحضر شرابه، فَحكى: لَونه عين الديك، وريحه فارة الْمسك - وَأَرَادَ السرجي أَن يجد رخصَة، فَقَالَ: مَا هَذِه؟ وتوهم النَّصْرَانِي لمراده، فَقَالَ: خمر اشْتَرَاهَا غلامي من يَهُودِيّ، فَقَالَ: نَحن أَصْحَاب الحَدِيث، نكذب سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَيزِيد بن هَارُون أفنصدق نَصْرَانِيّا عَن غُلَام يَهُودِيّ﴾ وَالله مَا أشربها إِلَّا لضعف الاسناد، وَمد يَده إِلَى الكاس وشربها. أَبُو عمر القَاضِي: سَأَلَ حَامِد بن الْعَبَّاس فِي أَيَّام وزارته عَليّ بن عِيسَى - وَهُوَ على الدَّوَاوِين - عَن دَوَاء الْخمار، فتلجلج وَقَالَ: لست من رجال هَذِه الْمَسْأَلَة، فَأقبل عَليّ أبي عمر وَقَالَ: أَيهَا القَاضِي أَفْتِنَا فِي دَوَاء الْخمار، فتنحنح وَأصْلح من صَوته وَقَالَ: قَالَ الله وَقَوله الْحق: " وَمَا أَتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا " " الْحَشْر: ٧ "، وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ : اسْتَعِينُوا فِي الصناعات بأربابها. وَمن أَرْبَاب هَذِه الصِّنَاعَة فِي الْجَاهِلِيَّة الْأَعْشَى وَهُوَ يَقُول: وكأس شربت على لَذَّة ... وَأُخْرَى تداويت مِنْهَا بهَا وَفِي الْإِسْلَام أَبُو نواس:
стр. 56
دع عَنْك لومي فَإِن اللوم إغراء ... وداوني بِالَّتِي كَانَت هِيَ الدَّاء وَفِي عصرنا من يَقُول: مَا دَوَاء الْخمار غير الْعقار ... لصريع يدعى صريع الْخمار فَقَالَ عَليّ بن عِيسَى: أنظر إِلَى قَاضِي الْقُضَاة، قد اسْتشْهد بِالْقُرْآنِ وَالْخَبَر وتفصى عَن تبري الثُّقَلَاء. أَبُو الْفَتْح كشاجم: كَانَ يَقُول: لَوْلَا أَن المخمور يعرف قصَّته لقدر وَصيته. أَبُو الْفَتْح المحسن بن إِبْرَاهِيم: ذكر الشَّمْس والصبوح: فَلَمَّا ذَر قرنها وارتفع الْحجاب عَن حاجبها ولمعت فِي أَجْنِحَة الطير وَذَهَبت أَطْرَاف الجدران افتضضنا عذرة الصَّباح لمباكرة الأقداح، فَلم تترجل الشَّمْس حَتَّى ركبنَا غوارب الأفراح. أَبُو عَمْرو العرقوبي السجْزِي: سمعته يَقُول: أُمَّهَات الْعَالم أَربع: المَاء وَالنَّار وَالْأَرْض والهواء، وَقد اخْتصّت الْخمر مِنْهَا بِثَلَاث، فَأخذت لون النَّار وَهُوَ أحسن الألوان، وعذوبة المَاء وَهُوَ أطيب المذاقات، ولطافة الْهَوَاء وَهُوَ أرق الْأَشْيَاء. أَبُو الْحسن بن فَارس: قدم إِلَى صديق لَهُ نَبِيذ التَّمْر، فَقَالَ: مَا شرابك هَذَا؟ فَقَالَ أما ترى ظلمَة الْحَلَال، ثمَّ نظمه بقوله: رأى نبيذا فَقَالَ مهلا ... تشرب خمرًا وَلَا تبالي فَقلت هَذَا نَبِيذ تمر ... أما ترى ظلمَة الْحَلَال أَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن: قيل لَهُ: مَا تَقول فِي النَّبِيذ المروق الْمُصَفّى المصفق المعسل الْمُعْتق؟ فَجعل يتمطق وَيَقُول: أَخَاف أَن لَا اسْتَقل بشكر الله على النِّعْمَة فِيهِ.
فصل فِي السماع وَفِي المغنين
عَليّ بن عِيسَى: قَالَ: أُمَّهَات لذات الدُّنْيَا أَربع: لَذَّة الطَّعَام، وَلَذَّة
стр. 57
الشَّرَاب، وَلَذَّة النِّكَاح، وَلَذَّة السماع، وَاللَّذَّات الثَّلَاث لَا يتَوَصَّل إِلَى كل مِنْهَا إِلَّا بحركة وتعب ومشقة، وَلها مضار إِذا استكثر مِنْهَا، وَلَذَّة السماع قلت أم كثرت صَافِيَة من التَّعَب، خَالِصَة من الضَّرَر. وَقد نظم الشَّاعِر هَذَا الْمَعْنى فَقَالَ: وجدت رئيسة اللذا ... ت أَرْبَعَة إِذا تحسب فَمِنْهَا لَذَّة المنك ... ح والمطعم وَالْمشْرَب وَيبقى بعْدهَا أُخْرَى ... من الصَّوْت الَّذِي يطرب وَهَذِه قد تفِيد النف ... س إبهاجا وَلَا تنصب مؤلف الْكتاب: من خَصَائِص السماع أَنه إِحْدَى يحجزه شَيْء، وَأَن الْجمع بَينه وَبَين كل لَذَّة عمل مُمكن، فَإِن الْغنم وَالْإِبِل وَالْحمير والوحش وَالطير وَالصبيان الرضع تستطيبه، وتصغي إِلَى الْفَائِق مِنْهُ. وَقَالَ بعض الْفُقَرَاء الْمُتَكَلِّمين: وَقد اخْتلف النَّاس فِي السماع، فأباحه قوم وحظره آخَرُونَ، وَأَنا أُخَالِف الْفَرِيقَيْنِ، فَأَقُول بِوُجُوبِهِ لِكَثْرَة مَنَافِعه وحاجة النُّفُوس إِلَيْهِ وَحسن أثر استمتاعها بِهِ. وَوصف أَحْمد بن يُوسُف غناء إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي، فَقَالَ: الْقُلُوب مِنْهُ على خطر فَكيف الْجُيُوب. وَوصف الْحسن بن وهب مغنيا، فَقَالَ: كَأَنَّهُ خلق من كل قلب، فَهُوَ يُغني كلا بِمَا يشتهيه. وَوصف بَعضهم آخر فَقَالَ: لغنائه فِي الْقلب موقع الْقطر فِي الجذب. وَوصف آخر آخر فَقَالَ: إِذا غنى ودت أَعْضَاء السامعين أَن تكون آذَانا. وَقَالَ آخر: غناؤه كالغنى بعد الْفقر وَهُوَ عذر السكر. وَفِي كتَابنَا الْمُبْهِج: خير المطربين من نغم نغمته تطرب وضروب ضَربته لَا تضطرب وَفِيه أَيْضا: خير القيان من كَانَ الْحسن فِي خلقهَا وَالطّيب فِي حلقها والمنح فِي خلقهَا. وَقَالَ ابْن عَيَّاش: خير الْغناء مَا أشبه الزمر وَخير الزمر مَا أشبه الْغناء. وَفِي هَذَا الْمَعْنى يَقُول عبيد الله بن عبد الله بن طَاهِر:
стр. 58
يَا صَاح هلا زرتنا فِي مجْلِس ... حضر السرُور بِهِ وَنعم الْحَاضِر زمر الْمُغنِي فِيهِ من إحسانه ... والكأس دَائِرَة وغنى الزامر وَسمعت أَبَا بكر الْخَوَارِزْمِيّ: غير مرّة يَقُول: أَنا أحفظ فِي هجاء المغنين مَا يُقَارب ألف بَيت وَلَيْسَ فِيهِ أبلغ وأوجز وأطرب من قَول أبي الْفَتْح كشاجم: ومغن بَارِد النغ ... مة مختل الْيَدَيْنِ مَا رَاه أحد فِي ... دَار قوم مرَّتَيْنِ
стр. 59
الْبَاب الْخَامِس من تكلم كل من صناعته وحرفته وحاله سوى مَا عمله الجاحظ من ذَلِك
فصل المعلمين
قَالَ ابْن مُجَاهِد: جرى ذكر عَليّ بن عِيسَى الْوَزير وحرفه عَن الوزارة بحامد بن الْعَبَّاس عِنْد بعض المعلمين، فَقَالَ: قد رفعوا مُصحفا وَوَضَعُوا طنبورا، وَقيل لَهُ: إِن عَليّ بن عِيسَى قد ولي الدِّيوَان بعد الوزارة، فَقَالَ: قد نرى أَنه رد من طه إِلَى بِسم الله. وَقيل لبَعْضهِم: ارْتَفع ابْن أبي الْبَغْل، فَقَالَ: قل هُوَ الله " أحد " شرِيف وَلَيْسَت من رجال يس. وَقيل بَعضهم: ماالسرور؟ قَالَ: كَثْرَة عدد الصّبيان وكثافة حُرُوف الرغفان. وَوصف ابْن مُجَاهِد المقرىء قوما متقاربين، فَقَالَ: هم كرغفان الْمعلم وإبل الصَّدَقَة. وَذكر إنْسَانا ثقيلا فَقَالَ: هُوَ اثقل من يَوْم السبت على الصّبيان. وَكتب إِلَى صديق لَهُ: " كهيعص " " مَرْيَم: ١ " إِنِّي إِلَيْك جد صَاد، " والصفت " " الصافات: ١ " إِن شوقي إِلَيْك فَوق الصافات والحواميم، إِنِّي من فراقك فِي لعذاب الْأَلِيم. وهجا قوما بالبخل على الطَّعَام، فَقَالَ: قد حفظوا الْقُرْآن واستظهروا ... مَا فِيهِ إِلَّا سُورَة الْمَائِدَة
стр. 60
وَقَالَ فِي وصف جُبَّة: دب فِيهِ البلى فدقت ورقت ... وَهِي تقْرَأ " إِذا السَّمَاء انشقت " وَقَالَ فِي بعض الرؤساء: قَرَأت آيَة السرُور من تِلْكَ السُّورَة.
فصل فِي تَشْبِيه أَرْبَعَة نفر الْبَدْر بِمَا أعربوا بِهِ عَن صناعتهم وأحوالهم
" حَدثنَا أَبُو مُحَمَّد الْمُعَلَّى بن أَحْمد الْكرْدِي: وَكَانَ بديعا لم ير مثله فِي الْأَفْرَاد فَكيف فِي الأكراد: وَصَارَ بِفضل أدبه ومروءته وَكَرمه على حَدَاثَة سنه وغضاضة عوده من وُجُوه نيسابور، فاحتضر واخترم فِي عنفوان شبابه. قَالَ: اجْتمع فِي مَحَله ناكل - وَهِي محلّة الأكراد، فِيمَا بَين الشامات ورستاق بِشَتٍّ - صابغ وكردي ومعلم ومتفقه يَدعِي الْعِشْق، وديلمي صَاحب تشبيب، فأصحروا عَشِيَّة يتماشون ويتحادثون وطلع الْبَدْر لتمه، فاستحسنوه وَقَالُوا: لَا بُد لنا من تشبيهه فليشبهه كل وَاحِد منا بِمَا يحضرهُ! فَبَدَأَ الصابغ وَقَالَ: كَأَنَّهُ سبيكة خرجت من البوتقة. وَقَالَ الْكرْدِي: كَأَنَّهُ جبن خرج من القالب. وَقَالَ المتفقه العاشق: كَأَنَّهُ وَجه المعشوق طلع على العاشق، وَقَالَ الْمعلم: كَأَنَّهُ رغيف حوارِي خبز فِي دَار غنى، وَاسع الرحل، وَقَالَ الديلمي: كَأَنَّهُ ترس ذهب يحمل بَين يَدي ملك.
فصل فِي الأدباء والنحويين
وصف بَعضهم مستذلا ممتهنا، فَقَالَ: هُوَ زيد الْمَضْرُوب وَالْعود المركوب. وَقَالَ أَبُو الْحسن الْكسَائي: إعجام الْخط يمْنَع من استعجامه وشكله يمْنَع من إشكاله. وَسمع أَبُو عُثْمَان الْمَازِني: من بطن رجل قرقرة، فَقل: هِيَ ضرطة مضمرة. وَذكر أَبُو عبد الله المرزباني: فِي كِتَابه " كتاب مُعْجم الشُّعَرَاء " أَبَا الْحسن سعيد بن مسْعدَة الْمَعْرُوف بالأخفش النَّحْوِيّ الْبَصْرِيّ الْأَوْسَط، قَالَ: أَخذ النَّحْو عَن سِيبَوَيْهٍ: وَكَانَ أسن من سِيبَوَيْهٍ، ثمَّ
стр. 61
أدب ولد المعذل بن غيلَان فَكتب يَوْمًا إِلَى ابْن المعذل وَقد احْتَاجَ إِلَى أَن يركب دَابَّة فِي حَاجَة: أردْت الرّكُوب إِلَى حَاجَة ... فَمر لي بفاعلة من دَبِيب فَأَجَابَهُ ابْن المعذل بقوله: تُرِيدُ بِنَا يَا أَخا عَامر ... ركوبا على فَاعل من غَرِيب وَقَالَ مُحَمَّد بن أبي مُحَمَّد اليزيدي فِي الهجاء: يَا أَفْخَر النَّاس بآبائهم ... أَتَيْتنَا بالعجب العاجب قلت وأدغمت أَبَا خاملا ... أَنا ابْن أُخْت الْحسن الْحَاجِب وَقَالَ أَبُو الْحسن اللحام: لما صرف عَن بريد الْحَاجِب التِّرْمِذِيّ بِأبي مُحَمَّد المطران الشَّاشِي: قد صرفنَا وكل من ... قبلنَا فَهُوَ قد صرف وصرفنا بشاعر ... نَعته لَيْسَ ينْصَرف وَقَالَ أَيْضا فِي الشكوى: أَنا من وُجُوه النَّحْو فِيكُم أفعل ... وَمن اللُّغَات إِذا تعد المهمل حَال تنشفت اللَّيَالِي ماءها ... وتجمل لم يبْق فِيهِ تحمل وَقَالَ أَبُو سعيد الرستمي: يُعَاتب الصاحب: أَفِي الْحق أَن يعْطى ثَلَاثُونَ شَاعِرًا ... وَيحرم مَا دون الرِّضَا شَاعِر مثلي كَمَا ألحقت وَاو بِعَمْرو زِيَادَة ... وضويق بِسم الله فِي ألف الْوَصْل
стр. 62
وَقَالَ يزِيد بن حَرْب الضَّبِّيّ: فِي حَفْص بن أبي بردة يهجوه وَقد لحن مرقشا فِي شعر لَهُ: لقد كَانَ فِي عَيْنَيْك يَا حَفْص شاغل ... وأنف كثيل الْعود عَمَّا تتبع تتبع لحنا فِي كَلَام مرقش ... وخلقك مَبْنِيّ على اللّحن أجمع فعيناك إقواء وأنفك مكفأ ... ووجهك إيطاء وَأَنت المرقع قَالَ الْخَلِيل: الإقواء أَن يكون بعض القوافي مَرْفُوعا، وَبَعضهَا مَنْصُوبًا، وَبَعضهَا مخفوضا؛ والإكفاء أَن يكون بعض القوافي على حرف، وَبَعضهَا على حرف آخر؛ والإيطاء، إِعَادَة القافية من غير اخْتِلَاف الْمَعْنى. وَأنْشد أَبُو نصر الْعُتْبِي: لنَفسِهِ: فديت من وَجهه بالْحسنِ مخطوط ... وخده بمداد الْحسن منقوط ترَاهُ قد جمع الضدين فِي قرن ... فالخصر مُخْتَصر والردف مَبْسُوط وأنشدني أَبُو الْفَتْح البستي: لنَفسِهِ: أفدي الغزال الَّذِي فِي النَّحْو كلمني ... مناظرا فاجتنيت الشهد من شفته ثمَّ افترقنا على رَأْي رضيت بِهِ ... فالرفع من صِفَتي وَالنّصب من صفته وأنشدني أَيْضا لنَفسِهِ: عزلت وَلم أذْنب وَلم أك خائنا ... وَهَذَا لإنصاف الْوَزير خلاف حذفت وغيري مُثبت فِي مَكَانَهُ ... كَأَنِّي نون الْجمع حِين يُضَاف غَيره: أدرجت فِي أثْنَاء نسيانكم ... حَتَّى كَأَنِّي ألف الْوَصْل
стр. 63
وَكتب الْأُسْتَاذ أَبُو الْعَلَاء بن حسول: إِلَى صديق لَهُ: يَا من لَهُ فِي الْحسن تبريز ... وقيت لي أَيْن الشواريز صنفان ذَا تعجمه بقلة ... وينقط الآخر شونيز وَذكرت متنزهات الدُّنْيَا فِي مجْلِس ابْن دُرَيْد، فَقَالَ: قد ذكرْتُمْ نزه الْعُيُون فَأَيْنَ أَنْتُم من نزه الْقُلُوب؟ قيل: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: كتب الجاحظ وأشعار الْمُحدثين. وَكَانَ الْمبرد، يَقُول: رداءة الْخط زمانة الْأَدَب. وَقَالَ ابْن المعتز: وندمان سقيت الراح صرفا ... وأفق اللَّيْل مُرْتَفع السجوف صفت وصفت زجاجتها عَلَيْهَا ... كمعنى دق فِي ذهن لطيف
فصل الوراقين
قيل لوراق: مَا السرُور؟ قَالَ: جُلُود وأوراق وَحبر براق وقلم مشاق. وَسُئِلَ وراق عَن حَاله فَقَالَ: عيشي أضيق من محبرة، وجسمي أدق من مسطرة، وجاهي أرق من الزّجاج، ووجهي أَشد سوادا من الزاج، وحظي أخْفى من شقّ الْقَلَم، ويدي أَضْعَف من القضب، وطعامي أَمر من العفص، وَسُوء الْحَال ألزق بِي من الصمغ. وهجا بَعضهم رجلا فَقَالَ: مَا فِيهِ من عيب سوى أَنه ... أبغى من الإبرة والمحبرة
فصل الْقُرَّاء والمحدثين
عشق بعض الْقُرَّاء غُلَاما، فَكَانَ إِذا سَأَلَهُ قبْلَة أَو ضمة، قَالَ لَهُ: " أفيضوا علينا من المَاء " " الْأَعْرَاف: ٥٠ "، وَكَانَ إِذا خرج وَلم يعلم بِخُرُوجِهِ فيصل جنَاحه
стр. 64
ويأنس بِصُحْبَتِهِ قَالَ لَهُ: " لَو كنت أعلم الْغَيْب لاستكثرت من الْخَيْر " " الْأَعْرَاف: ١٨٨ " وَإِذا اقْتَضَاهُ وَعدا قَالَ " مَتى هَذَا الْوَعْد إِن كُنْتُم صَادِقين " " يس: ٤٨ "، وَإِذا اشْتَكَى خلقه، قَالَ: " يَا أَيهَا اللَّذين آمنُوا لم تَقولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ " " الصَّفّ: ٢ " وَإِذا خرج إِلَى نزهة أَو غَيرهَا واقتفى أَثَره قَالَ: " مَا كَانَ لأهل الْمَدِينَة وَمن حَولهمْ من الْأَعْرَاب أَن يتخلفوا عَن رَسُول الله " " التَّوْبَة: ١٢٠ " وَإِذا بلغ عَنهُ مَا لم يقلهُ فتنكر لَهُ قَالَ: " يَا أَيهَا اللَّذين أمنُوا إِن جَاءَكُم فَاسق بنبإ فَتَبَيَّنُوا " " الحجرات: ٦ ". وَحدث ابْن سماك بِحَدِيث فَقيل لَهُ: مَا اسناده؟ فَقَالَ: هُوَ من " والمرسلات عرفا " " المرسلات: ١ ". وعشق مُحدث غُلَاما، فَقَالَ فِيهِ: يَا سَيِّدي عنْدك لي مظلمه ... فاستفت فِيهَا ابْن أبي خيثمه فَإِنَّهُ يرويهِ عَن جده ... وجده يرويهِ عَن عِكْرِمَهْ عَن ابْن عَبَّاس عَن الْمُصْطَفى ... نَبينَا الْمَبْعُوث بالمرحمه أَن صدود الْخلّ عَن خله ... فَوق ثَلَاث رَبنَا حرمه وَأَنت مذ شهر لنا هَاجر ... أسرفت فِي الهجران فِينَا لمه وَقَالَ فِيهِ أَيْضا: يَا حسن المقلتين والجيد ... ومخلفي سَابق المواعيد حَدثنَا الْأَزْرَق الْمُحدث عَن ... عمر بن شمر عَن ابْن مَسْعُود لَا يخلف الْوَعْد غير كافره ... وَكَافِر فِي الْجَحِيم مصفود وَقَالَ بَعضهم فِي ذمّ الزَّمَان: هَذَا الزَّمَان الَّذِي كُنَّا نحذره ... فِيمَا يحدث كَعْب وَابْن مَسْعُود
стр. 65
إِن دَامَ هَذَا وَلم يحدث لَهُ غير ... لم يبك ميت وَلم يفرح بمولود وَقَالَ ابْن مُحدث لِأَبِيهِ: يَا أَبَت ﴿أَخْبرنِي فلَان عَن فلَان أَنه يبغضني، فَقَالَ: يَا بني﴾ فَأَنت بغيض باسناد.
فصل الْفُقَهَاء والمتكلمين
قَالَ بَعضهم: من كَلَام لَهُ: إِذا جَاءَ النَّص بَطل الْقيَاس وعشق بَعضهم غُلَاما وَقَبله فآذاه، فَلَمَّا أضجره قَالَ لَهُ الْغُلَام: وَيحك! مَا تُرِيدُ مني، قَالَ: مَا لَا يجب عَليّ فِيهِ حد، وَلَا عَلَيْك غسل. وَفِي هَذَا الْمَعْنى يَقُول أحدهم: فديتك قد فضحت الْورْد خدا ... وَقد أَتعبت خوط البان قدا فَمَاذَا كَانَ لَو داويت مني ... عليلا هده الهجران هدا يلم بقبلة وَقَلِيل وصل ... يصد بِهِ عَن الْمَحْظُور صدا فَلَيْسَ بملزم إياك غسلا ... وَلَيْسَ بملزم إيَّايَ حدا وَقَالَ أَبُو سعيد بن دوست أَيْضا: مولَايَ إِن غبت فَلَا تستمع ... فِي مقَال الْغَائِب العائب وَقل على مَذْهَب أَصْحَابنَا ... لَا ينفذ الحكم على الْغَائِب وَقَالَ بَعضهم: أَقُول وَالْقلب مني فِي تلهبه ... يَا بدر يَا غَائِبا فِي أفق مغربه نذرت لله صوما إِن رجعت وَمَا ... كَفَّارَة النّذر إِلَّا فِي الْوَفَاء بِهِ
стр. 66
وَقَالَ الْأَمِير أَبُو الْفضل الميكالي: أَقُول لشادن فِي الْحسن فَرد ... يصيد بلحظه قلب الكمي ملكت الْحسن أجمع فِي نِصَاب ... فأد زَكَاة منظرك الْبَهِي فَقَالَ: أَبُو حنيفَة لي إِمَام ... وَعِنْدِي لَا زَكَاة على الصَّبِي وحَدثني أَبُو عَليّ السوري: قَالَ: جمعتني وَعلي بن حَمْزَة الطَّبِيب الْفَقِيه دَعْوَة، فَلَمَّا نظمتنا الْمَائِدَة رفع صَاحب الدعْوَة إِلَى غُلَامه كوز شراب لَهُ ليدفعها إِلَى عَليّ بن حَمْزَة، فَدَفعهَا إِلَى غَيره، فَقَالَ: يَا بني! تعديت الْمَنْصُوص عَلَيْهِ. وَقَالَ القَاضِي التنوخي: من قصيدة: وَكَأن السَّمَاء خيمة وشى ... وَكَأن الجوزاء فِيهَا شراع وَكَأن النُّجُوم بَين دجاها ... سنَن لَاحَ بَينهُنَّ ابتداع وَكتب الشَّيْخ أَبُو المحاسن سعد بن مُحَمَّد بن مَنْصُور: رَئِيس جرجان إِلَى بعض الكبراء كتاب، فَكتب: خاطبته بخطاب دللت فِيهِ على غلوي فِي دين وده، وضربي سكَّة الْإِخْلَاص باسمه، وتلاوتي سُورَة معاليه الَّتِي يكل لطولها لِسَان راويها، وإيماني بالشريعة الَّتِي بعث - وَالْحَمْد لله - نَبيا فِيهَا، فَدَعَا لَهَا دَعْوَة، استجابت لَهَا الدهماء، وحجت لفضله الآمال والأنضاء، وخلد ذكره فِي صحف المكارم تخليدا، واعتقد الخلود من سؤدده علما لَا تقليدا، وَقضى حكام الْمجد بِأَنَّهُ الَّذِي تلقى رايات العلى بِالْيَمِينِ، وتوخى نظم شاردها بعرق الجبين. وَلأبي سعيد بن دوست: فِي إِيثَار السّنة وَالْجَمَاعَة: يَا طَالب الدّين اجْتنب سبّ الْهوى ... كي لَا يغول الدّين مِنْك غوائل
стр. 67
الرَّفْض هلك واعتزالك بِدعَة ... والشرك كفر والتفلسف بَاطِل وأنشدني أَبُو الْفَتْح الْأَصْفَهَانِي: لأبي إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد النظام فِي الجاحظ: حبي لعَمْرو جَوْهَر ثَابت ... وحبه لي عرض زائل بِهِ جهاتي السِّت مَشْغُولَة ... وَهُوَ إِلَى غَيْرِي بهَا مائل وأنشدني يُونُس القَاضِي الْجِرْجَانِيّ: للصاحب: وَلما تناءت بالأحبة دَارهم ... وصرنا جَمِيعًا من عيان إِلَى وهم تمكن مني الشوق غير مسامح ... كمعتزلي قد تمكن من خصم وأنشدني أَيْضا لَهُ: كنت دهرا أَقُول بالاستطاعه ... وَأرى الْجَبْر ضلة وشناعه فعدمت استطاعتي فِي هوى ظب ... ي فسمعا للمجبرين وطاعه
فصل الْقصاص والمذكرين والمتصوفين
وصف بَعضهم فرسا، فَقَالَ: كَأَنَّهُ إِذا علا دُعَاء، وَإِذا هَبَط قَضَاء. وَقَالَ بَعضهم: إِذا رَأَيْتُمْ رياض الْجنَّة فارتعوا فِيهَا - يَعْنِي مجَالِس الذّكر. وَقَالَ آخر: الدُّعَاء مِفْتَاح الرَّحْمَة، والصدق صدَاق الْجنَّة. ومدح ابْن سمعون الْقَاص: المهلبي الْوَزير، فَقَالَ: إبراهيمي الْجُود، وإسماعيلي الصدْق، شعيبي التَّوْفِيق، محمدي الْخلق. وَمن أشعارهم الَّتِي تكَرر: إعمل بعلمي وَإِن قصرت فِي عَمَلي ... ينفعك علمي وَلَا يضررك تقصيري
стр. 68
وَكَانَ ابْن السماك: يَقُول: مثل الْمُذكر كالنخلة لَا يزَال مِنْهَا رزق ورفق. وَكَانَ يَقُول: التصوف ترك التَّكَلُّف، وَنور الْحَقِيقَة أحسن من نور الحديقة. وَقَالَ البستي: تنَازع النَّاس فِي الصُّوفِي وَاخْتلفُوا ... فِيهِ وظنوه مشتقا من الصُّوف وَلست أمنح هَذَا الإسم غير فَتى ... صافي فصوفي حَتَّى لقب الصُّوفِي وَقَالَ بَعضهم فِي غُلَام مِنْهُم: وشادن يدعى التصوف قد ... أورثت الذِّهْن حيرة صفته أصفي لَهُ مهجتي تصوفه ... ورقعت تَوْبَتِي مرقعته وَنقش بَعضهم على خَاتِمَة: " أكلهَا دَائِم " " الرَّعْد: ٣٥ ". وَقَالَ أخر: الْعَيْش فِيمَا بَين الخشبتين: يَعْنِي الخوان والخلال وَسُئِلَ بَعضهم عَنهُ، فَقَالَ: كَانُوا متوكلين فصاروا متآكلين.
فصل الْكتاب والبلغاء
قَالَ بَعضهم فِي فضل الْكِتَابَة: إِن الله تَعَالَى أضافها إِلَى نَفسه وَأقسم بالقلم كَمَا أقسم بالشمس وَالْقَمَر. وَقَالَ آخر: فلَان أثقل من شَعْرَة الْقَلَم. وَقَالَ أَبُو الْفرج بن هندو: جرى قلم الْقَضَاء بِمَا يكون ... فسيان التحرك والسكون جُنُون مِنْك أَن تسْعَى لرزق ... ويرزق فِي غشاوته الْجَنِين وَقَالَ أَبُو الْفَتْح البكتمري:
стр. 69
قمر كَأَن قوامه ... من قد غُصْن مسترق وكأنما قلم الزم ... رد فَوق عَارضه مشق وَقَالَ عِيسَى بن فروخانشاه: الْقَلَم الرَّدِيء كَالْوَلَدِ الْعَاق وَقَالَ الصاحب: كالأخ المشاق. وَتَطير الأعسر الْوراق: من الوراقة وضجر فَقَالَ: " مَا " خلق الله أَشْقَى من الْوراق، وَلَا أشأم من الوراقة؛ فالألف آفَة، وَالْبَاء بخس، وَالتَّاء تعس، والثاء ثلم، وَالْجِيم جحد، والحاء حرقة، وَالْخَاء خوف، وَالدَّال دَاء، والذال ذل، وَالرَّاء ريب، وَالزَّاي زجر، وَالسِّين سم، والشين شين، وَالصَّاد صد، وَالضَّاد ضرّ، والطاء طر، والظاء ظلام، وَالْعين عيب، والغبن غم، وَالْكَاف كفر، وَالْفَاء فقر، وَالْقَاف قبر، وَاللَّام لوم، وَالْمِيم مرق، وَالنُّون نوح، وَالْوَاو ويل، وَالْهَاء هوان، وَالْيَاء يأس؛ قيل لَهُ: فلام الْألف؟ قَالَ: هُوَ وَالله جلم يقطع الرزق ويجلب الحرق. وناقضه أَبُو الْحُسَيْن أَحْمد بن سعد الْكَاتِب بقوله: الْألف أَمن، وَالْبَاء بهجة، وَالتَّاء تَوْبَة، والثاء ثروة، وَالْجِيم جمال، والحاء حلاوة، وَالْخَاء خير، وَالدَّال دَوَاء، والذال ذكر، وَالرَّاء رَاحَة، وَالزَّاي زِيَادَة، وَالسِّين سرُور، والشين شِفَاء، وَالصَّاد صَلَاح، وَالضَّاد ضِيَاء، والطاء طيب، والظاء ظلّ، وَالْعين عز، والغين غنى، وَالْفَاء فَرح، وَالْقَاف قدرَة، وَالْكَاف كِفَايَة، وَاللَّام لَذَّة، وَالْمِيم ملك، وَالنُّون نعْمَة، وَالْوَاو وقاية، وَالْهَاء هِدَايَة، وَالْيَاء يسر. وصودر بعض الْحمال وَقدم كَاتبه ليصادر: فَقَالَ المصادر: إِن الْقُرْآن نَاطِق بِأَنَّهُ لَا تحل مصادرة الْكتاب، فَقَالَ: وَكَيف وَأَيْنَ؟ فَقَالَ: حَيْثُ يَقُول: " وَلَا يضار كَاتب وَلَا شَهِيد " " الْبَقَرَة: ٢٨٢ " فَضَحِك مِنْهُ وأعفاه. وَسخط حمولة اليزدجري: على كَاتبه فحبسه، فَكتب إِلَيْهِ: وَنحن الكاتبون وَقد أسأنا ... فهبنا للكرام الكاتبينا فَرضِي عَنهُ وَأطْلقهُ.
стр. 70
فصل الشُّعَرَاء
قَالَ تَمِيم لِسَلَامَةِ بن جندل إمدحنا بشعرك، قَالَ: افعلوا حَتَّى أَقُول، فَإِن اللهى تفتق اللهى. وَسمع الفرزدق رجلا ينشد قصيدة لجرير فِي هجاء الفرزدق، فَقَالَ لَهُ: يَا أجرأ من خاصي الْأسد ﴿لست تعرفنِي حِين تنشد هجائي؟ قَالَ: يَا أَبَا فراس﴾ أَنا راوية، قَالَ: أما علمت أَن الراوية أحد الشاعرين؟ وَنظر مَرْوَان بن أبي حَفْصَة: إِلَى ابْنه أبي الْجنُوب وَهُوَ يُصَلِّي صَلَاة خَفِيفَة، فَقَالَ لَهُ: يَا بني صَلَاتك رجز. وَلما بلغ أَحْمد بن هِشَام قَول إِسْحَاق الْموصِلِي: وصافية تعشى الْعُيُون رقيقَة ... سليلة عَام فِي الدنان وعام أدرنا بهَا الكأس الروية بَيْننَا ... من اللَّيْل حَتَّى انجاب كل ظلام فَمَا ذَر قرن الشَّمْس حَتَّى كأننا ... من العي نحكي أَحْمد بن هِشَام قَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّد! لما هجوتني؟ قَالَ: لِأَنَّك قعدت على طَرِيق القافية. ومدح أَبُو بكر الْخَوَارِزْمِيّ رجلا شريفا من قوم أَشْرَاف هُوَ أَشْرَفهم، فَقَالَ: هُوَ بَيت القصيدة وواسطة القلادة. وَقَالَ الخليع الشَّامي: أعطاء الشُّعَرَاء من فروض الْأُمَرَاء. وَقَالَ آخر: إِعْطَاء الشُّعَرَاء من بر الْوَالِدين. وَقيل: رب بَيت شعر خير من بَيت شعر. قَالَ الْمُؤلف: من جلب در الْكَلَام، حلب در الْكِرَام. وَقَالَ خلف الْأَحْمَر: الشّعْر ديوَان الْعَرَب، وَالشعرَاء أَلْسِنَة الزَّمَان، والمدح مهزة الْكِرَام. وَقَالَ الحطيئة: ويل للشعر من رُوَاة السوء. وَقَالَ دعبل: سأقضي بِبَيْت يحمد النَّاس أمره ... وَيكثر من أهل الرِّوَايَة حامله يَمُوت ردي الشّعْر من قبل أَهله ... وجيده يبْقى، وَإِن مَاتَ قَائِله
стр. 71
وَقَالَ الرضي الموسوي من قصيدة أجَاب بهَا شَاعِرًا: وصلت جَوَاهِر الْأَلْفَاظ مِنْهَا ... بأعراض المفاصل والمعاني كَأَن أَبَا عبَادَة شقّ فاها ... وَقبل ثغرها الْحسن بن هاني
فصل الْأَطِبَّاء
أَبُو أَيُّوب الطَّبِيب: من دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ اسقنا شربة من حبك تسهل ذنوبنا. وَوصف أَبُو الْحسن الضمرِي المهلبي الْوَزير، فَقَالَ: دموي المزاج، صفراوي الذكاء، سوداوي الرَّأْي، وَلَوْلَا مَا فِي لَفْظَة البلغم من الْكَرَاهَة لَقلت بلغمي الأناة. وَوصف طَبِيب طَبِيبا فَقَالَ: ينظر إِلَى العليل نظر بقراط، ويجس جس جالينوس، ويصف وصف أغلوقن، ويعالج علاج أهرن. وَقَالَ بختيشوع: لِلْمَأْمُونِ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ﴿لَا تجَالس الثُّقَلَاء، فَإنَّا نجد فِي كتبنَا أَن مجالستهم حمى الرّوح، فَقَالَ: " وَأَنا على ذَلِكُم من الشَّاهِدين " " الْأَنْبِيَاء: ٥٦ ". وَجرى ذكر الْكَبَائِر فِي مجْلِس يوحنا بن ماسويه، فَقَالُوا: من الْكَبَائِر: أعمى على كوَّة، وبائع خزف يرتبط سنوراً، ومخنث يُؤذن، وشرطي يُصَلِّي الضُّحَى؛ فَقَالَ ابْن ماسويه: وطبيب يعرض قَارُورَة نَفسه. وَسُئِلَ بختيشوع عَن حَرْب شَهِدَهَا، فَقَالَ؛ لَقِينَاهُمْ فِي مثل صحن المارستان، فَمَا كَانَ إِلَّا بِقدر مَا يخْتَلف الْإِنْسَان مجلسين حَتَّى تركناهم فِي أضيق من محقنة، فَلَو طرح مبضع لما سقط إِلَّا على أكحل رجل. وَسُئِلَ بختيشوع عَن أشعر الشُّعَرَاء، فَقَالَ الَّذِي يَقُول: أَحْمد، قالي لي وَلم يدر مَا بِي ... أَتُحِبُّ الْغَدَاة عتبَة حَقًا؟ فتنفست ثمَّ قلت: نعم﴾ ح ... با جرى فِي الْعُرُوق عرقا فعرقا لَو تجسين يَا عتيبة روحي ... لوجدت الْفُؤَاد قرحا تفقا
стр. 72
وَإِنَّمَا صَار أشعر النَّاس عِنْده لذكره الْعُرُوق والجس والقرح. وَمن أَمْثَال الْأَطِبَّاء النفيسة فِي صناعتهم وأحوالهم قَوْلهم: كل كثير عَدو الطبيعة لَيْسَ على الطَّبِيب الإسفيذباج صانع الطَّبِيب قبل أَن تمرض الْكَرم عَن أهل اللؤم كَالْمَاءِ فِي المحموم سم المبرسم فِي الشهد وَالشَّمْس تقبح فِي الْعُيُون الرمد بَلغنِي أَن الْأَمِير خلف بن أَحْمد، كَانَ معجبا بقول أبي الْفَتْح البستي: لَا يغرنك أنني لين الم ... س فعزمي إِذا انتضيت حسام أَنا كالورد فِيهِ رَاحَة قوم ... ثمَّ فِيهِ لآخرين زكام وأنشدني أَبُو الْفَتْح البستي: لنَفسِهِ: وَإِنِّي لأختص بعض الرِّجَال ... وَإِن كَانَ فدما ثقيلا عباما فَإِن الْجُبْن على أَنه ... ثقيل وخيم يشهى الطعاما وأنشدني أَيْضا من أَبْيَات: إِن الجهول تضرني أخلاقه ... ضَرَر السعال بِمن بِهِ استسقاء وَمن أَبْيَات أخر: وَقد يكتسي الْمَرْء خَز الثيا ... ب وَمن تحتهَا حَالَة مضنيه كمن يكتسي خَدّه حمرَة ... وعلتها ورم فِي الريه
فصل المنجمين
سمع الْمَعْرُوف بِغُلَام زحل رجلا يقْرَأ: " إِن الله يَأْمر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان " " النَّحْل: ٩٠ "
стр. 73
فَقَالَ: لَو رَضِي النحسان. وَقَالَ ابْن طَبَاطَبَا: وَكَانَ يضْرب بِسَهْم وافر فِي التنجيم: يَا سيدا قد حكى تثبته ... كيوان والبأس مِنْهُ بهراما وَالشَّمْس والبدر وَجهه وحكا ... المُشْتَرِي قَائِما وصواما فَمَا يساميه فِي الْعلَا أحد ... وَهُوَ يسامي النُّجُوم إِن ساما لَا زلت لي موئلا أرد بِهِ ... عني صروف الزَّمَان إِن ضاما أَلْقَاهُ فِي كل حَاجَة عرضت ... سَمحا مريع الجناب منعاما قَالَ أَبُو الْفَتْح البستي: إِذا غَدا ملك باللهو مشتغلا ... فاحكم على ملكه بِالْوَيْلِ وَالْحَرب أما ترى الشَّمْس فِي الْمِيزَان هابطة ... لما غَدا برج نجم اللَّهْو والطرب وَله: وَقد غض من أملي أَنِّي أرى عَمَلي ... أقوى من المُشْتَرِي فِي أول الْحمل وأنني زاحل عَمَّا أحاوله ... كأنني استدر الْحَظ من زحل وَله: سل الله الْغَنِيّ تسل جوادا ... أمنت على خزائنه النفادا وَإِن حاباك سُلْطَان بِقرب ... فَلَا تغفل ترقبك البعادا فقد تدنى الْمُلُوك لَدَى رِضَاهَا ... وتبعد حِين تحتقد احتقادا
стр. 74
كَمَا المريخ فِي التَّثْلِيث يعْطى ... وَفِي التربيع يسلب مَا أفادا
فصل الْجند وَأَصْحَاب السِّلَاح
كَانَ أَبُو الهجاء عبد الله بن حمدَان: لما أسره القرمطي يقولك قد تعرفنِي الهموم، فصرت كالرمح الذابل، والسهم الناصل. وَكَانَ يُوسُف بن أبي الساج: يَقُول: مثل الإخوان كالسلاح، فَمنهمْ من هُوَ كالرمح تطعن بِهِ من بعيد ثمَّ يعود إِلَيْك، وَمِنْهُم من هُوَ كالسهم ترمي بِهِ من بعيد وَلَا يعود، وَمِنْهُم من هُوَ كالمجن تتقي بِهِ من النوائب، وَمِنْهُم من هُوَ كالسيف الَّذِي لَا يَنْبَغِي أَن يفارقك فِي السّفر والحضر لَيْلًا وَنَهَارًا. وَقَالَ خسرو بن فَيْرُوز بن ركن الدولة: وَالصُّبْح مستظهر بِاللَّيْلِ تحسبه ... قد بارز اللَّيْل ترس من الذَّهَب وَفِي كتاب " يتيمة الدَّهْر " لِأَحْمَد بن كيغلغ: وَلَوْلَا أَن برذون ال ... هوى يعتلف الرطبه ركبناه إِلَى الصَّيْد ... وَأَرْسَلْنَا لَهُ كَلْبه وصدنا ثَعْلَب الهجرا ... ن تِلْكَ الْحَيَّة الضبه وصيرنا لزيت الوص ... ل من جلد استهادبه غَيره: تكلم الهجر فَقَالَ الْهوى ... مَا هَذِه الضوضاء فِي عسكري؟ واقل للْآمِر فِي جَيْشه ... مَا لَك لَا تنْهى عَن الْمُنكر فجيء بالهجر يجرونه ... فَلم يزل يصفع حَتَّى خري
стр. 75
فصل فِي أَمْثَال تخْتَص بهم
الْعِزّ تَحت ظلّ السيوف. الْحَرْب سِجَال وعثراتها لَا تقال. حصون الْعِزّ بِالْخَيْلِ وَالسيف. السِّلَاح ثمَّ الكفاح. والمحاجزة قبل المناجزة. الْهَرَب فِي وقته ظفر. الهارب لَا يعرج على صَاحب.
فصل التِّجَارَة والدهاقين
حَدثنِي أَبُو الْقَاسِم الطهماني الْفَقِيه، قَالَ: لما رَجَعَ أَبُو الْفضل المحمي من الْحَج اتخذ دَعْوَة، دَعَا إِلَيْهَا أَعْيَان نيسابور ووجوهها، وَفِيهِمْ أَبُو زَكَرِيَّا الْحَرْبِيّ وَأَبُو الْحُسَيْن بن لسياه الْفَارِسِي - راس التُّجَّار وأديبها وفقيهها، فأفضت بهم الْأَحَادِيث إِلَى أَن أَفَاضَ ابْن لسياه فِي مدح التِّجَارَة، وَفضل التُّجَّار وَأَطْنَبَ فِي مدحهم، ثمَّ قَالَ: من جلالتهم أَن لَهُم أَمْثَالًا مستعملة بَين السَّادة والكبراء، كَقَوْلِهِم: الصّرْف لَا يحْتَمل الظّرْف، وَرَأس المَال أحد الربحين، الأرباح توفيقات، التَّدْبِير نصف التِّجَارَة، الْغَلَط يرجع النَّسِيئَة، نِسْيَان النَّقْد صابون الْقلب، كل شَيْء وثمنه، من اشْترى الدون بالدون رَجَعَ إِلَى بَيته وَهُوَ مغبون، التِّجَارَة أَمارَة، اشْتَرِ لنَفسك وللسوق، المغبون لَا مَحْمُود وَلَا مأجور، أطيب مَال الرِّجَال من كسبهم وَالْكَسْب فِي كتاب الله التِّجَارَة. وَقَالَ لَهُ أَبُو زَكَرِيَّا: أَيْن أَنْت عَن أَمْثَال الدهاقين؟ قَالَ: مثل مَاذَا؟ قَالَ: خُذ إِلَيْك! قَالَ: ابْتَغوا الرزق فِي خبايا الأَرْض، غرسوا وأكلنا ونغرس ويأكلون، مطرة فِي نيسان خير من ألف سِنَان، إِذا كَانَت السّنة مخصبة ظهر خصبها فِي النيروز، السّعر تَحت المنجل، فلاح الْمَعيشَة فِي الفلاحة، نُقْصَان الْغلَّة زِيَادَة الْغلَّة، زِيَادَة السّعر فِي نُقْصَان الْغلَّة، فَمَا نقص مِمَّا يُكَال فِي الجواليق
следующие страницы →