← Адаб

Адаб · id 7830

خاص الخاص

أبو منصور الثعالبي

Полный текст (240 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وَقَالَ الرضي الموسوي من قصيدة أجَاب بهَا شَاعِرًا: وصلت جَوَاهِر الْأَلْفَاظ مِنْهَا ... بأعراض المفاصل والمعاني كَأَن أَبَا عبَادَة شقّ فاها ... وَقبل ثغرها الْحسن بن هاني فصل الْأَطِبَّاء أَبُو أَيُّوب الطَّبِيب: من دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ اسقنا شربة من حبك تسهل ذنوبنا. وَوصف أَبُو الْحسن الضمرِي المهلبي الْوَزير، فَقَالَ: دموي المزاج، صفراوي الذكاء، سوداوي الرَّأْي، وَلَوْلَا مَا فِي لَفْظَة البلغم من الْكَرَاهَة لَقلت بلغمي الأناة. وَوصف طَبِيب طَبِيبا فَقَالَ: ينظر إِلَى العليل نظر بقراط، ويجس جس جالينوس، ويصف وصف أغلوقن، ويعالج علاج أهرن. وَقَالَ بختيشوع: لِلْمَأْمُونِ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ﴿لَا تجَالس الثُّقَلَاء، فَإنَّا نجد فِي كتبنَا أَن مجالستهم حمى الرّوح، فَقَالَ: " وَأَنا على ذَلِكُم من الشَّاهِدين " " الْأَنْبِيَاء: ٥٦ ". وَجرى ذكر الْكَبَائِر فِي مجْلِس يوحنا بن ماسويه، فَقَالُوا: من الْكَبَائِر: أعمى على كوَّة، وبائع خزف يرتبط سنوراً، ومخنث يُؤذن، وشرطي يُصَلِّي الضُّحَى؛ فَقَالَ ابْن ماسويه: وطبيب يعرض قَارُورَة نَفسه. وَسُئِلَ بختيشوع عَن حَرْب شَهِدَهَا، فَقَالَ؛ لَقِينَاهُمْ فِي مثل صحن المارستان، فَمَا كَانَ إِلَّا بِقدر مَا يخْتَلف الْإِنْسَان مجلسين حَتَّى تركناهم فِي أضيق من محقنة، فَلَو طرح مبضع لما سقط إِلَّا على أكحل رجل. وَسُئِلَ بختيشوع عَن أشعر الشُّعَرَاء، فَقَالَ الَّذِي يَقُول: أَحْمد، قالي لي وَلم يدر مَا بِي ... أَتُحِبُّ الْغَدَاة عتبَة حَقًا؟ فتنفست ثمَّ قلت: نعم﴾ ح ... با جرى فِي الْعُرُوق عرقا فعرقا لَو تجسين يَا عتيبة روحي ... لوجدت الْفُؤَاد قرحا تفقا

стр. 72

وَإِنَّمَا صَار أشعر النَّاس عِنْده لذكره الْعُرُوق والجس والقرح. وَمن أَمْثَال الْأَطِبَّاء النفيسة فِي صناعتهم وأحوالهم قَوْلهم: كل كثير عَدو الطبيعة لَيْسَ على الطَّبِيب الإسفيذباج صانع الطَّبِيب قبل أَن تمرض الْكَرم عَن أهل اللؤم كَالْمَاءِ فِي المحموم سم المبرسم فِي الشهد وَالشَّمْس تقبح فِي الْعُيُون الرمد بَلغنِي أَن الْأَمِير خلف بن أَحْمد، كَانَ معجبا بقول أبي الْفَتْح البستي: لَا يغرنك أنني لين الم ... س فعزمي إِذا انتضيت حسام أَنا كالورد فِيهِ رَاحَة قوم ... ثمَّ فِيهِ لآخرين زكام وأنشدني أَبُو الْفَتْح البستي: لنَفسِهِ: وَإِنِّي لأختص بعض الرِّجَال ... وَإِن كَانَ فدما ثقيلا عباما فَإِن الْجُبْن على أَنه ... ثقيل وخيم يشهى الطعاما وأنشدني أَيْضا من أَبْيَات: إِن الجهول تضرني أخلاقه ... ضَرَر السعال بِمن بِهِ استسقاء وَمن أَبْيَات أخر: وَقد يكتسي الْمَرْء خَز الثيا ... ب وَمن تحتهَا حَالَة مضنيه كمن يكتسي خَدّه حمرَة ... وعلتها ورم فِي الريه فصل المنجمين سمع الْمَعْرُوف بِغُلَام زحل رجلا يقْرَأ: " إِن الله يَأْمر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان " " النَّحْل: ٩٠ "

стр. 73

فَقَالَ: لَو رَضِي النحسان. وَقَالَ ابْن طَبَاطَبَا: وَكَانَ يضْرب بِسَهْم وافر فِي التنجيم: يَا سيدا قد حكى تثبته ... كيوان والبأس مِنْهُ بهراما وَالشَّمْس والبدر وَجهه وحكا ... المُشْتَرِي قَائِما وصواما فَمَا يساميه فِي الْعلَا أحد ... وَهُوَ يسامي النُّجُوم إِن ساما لَا زلت لي موئلا أرد بِهِ ... عني صروف الزَّمَان إِن ضاما أَلْقَاهُ فِي كل حَاجَة عرضت ... سَمحا مريع الجناب منعاما قَالَ أَبُو الْفَتْح البستي: إِذا غَدا ملك باللهو مشتغلا ... فاحكم على ملكه بِالْوَيْلِ وَالْحَرب أما ترى الشَّمْس فِي الْمِيزَان هابطة ... لما غَدا برج نجم اللَّهْو والطرب وَله: وَقد غض من أملي أَنِّي أرى عَمَلي ... أقوى من المُشْتَرِي فِي أول الْحمل وأنني زاحل عَمَّا أحاوله ... كأنني استدر الْحَظ من زحل وَله: سل الله الْغَنِيّ تسل جوادا ... أمنت على خزائنه النفادا وَإِن حاباك سُلْطَان بِقرب ... فَلَا تغفل ترقبك البعادا فقد تدنى الْمُلُوك لَدَى رِضَاهَا ... وتبعد حِين تحتقد احتقادا

стр. 74

كَمَا المريخ فِي التَّثْلِيث يعْطى ... وَفِي التربيع يسلب مَا أفادا فصل الْجند وَأَصْحَاب السِّلَاح كَانَ أَبُو الهجاء عبد الله بن حمدَان: لما أسره القرمطي يقولك قد تعرفنِي الهموم، فصرت كالرمح الذابل، والسهم الناصل. وَكَانَ يُوسُف بن أبي الساج: يَقُول: مثل الإخوان كالسلاح، فَمنهمْ من هُوَ كالرمح تطعن بِهِ من بعيد ثمَّ يعود إِلَيْك، وَمِنْهُم من هُوَ كالسهم ترمي بِهِ من بعيد وَلَا يعود، وَمِنْهُم من هُوَ كالمجن تتقي بِهِ من النوائب، وَمِنْهُم من هُوَ كالسيف الَّذِي لَا يَنْبَغِي أَن يفارقك فِي السّفر والحضر لَيْلًا وَنَهَارًا. وَقَالَ خسرو بن فَيْرُوز بن ركن الدولة: وَالصُّبْح مستظهر بِاللَّيْلِ تحسبه ... قد بارز اللَّيْل ترس من الذَّهَب وَفِي كتاب " يتيمة الدَّهْر " لِأَحْمَد بن كيغلغ: وَلَوْلَا أَن برذون ال ... هوى يعتلف الرطبه ركبناه إِلَى الصَّيْد ... وَأَرْسَلْنَا لَهُ كَلْبه وصدنا ثَعْلَب الهجرا ... ن تِلْكَ الْحَيَّة الضبه وصيرنا لزيت الوص ... ل من جلد استهادبه غَيره: تكلم الهجر فَقَالَ الْهوى ... مَا هَذِه الضوضاء فِي عسكري؟ واقل للْآمِر فِي جَيْشه ... مَا لَك لَا تنْهى عَن الْمُنكر فجيء بالهجر يجرونه ... فَلم يزل يصفع حَتَّى خري

стр. 75

فصل فِي أَمْثَال تخْتَص بهم الْعِزّ تَحت ظلّ السيوف. الْحَرْب سِجَال وعثراتها لَا تقال. حصون الْعِزّ بِالْخَيْلِ وَالسيف. السِّلَاح ثمَّ الكفاح. والمحاجزة قبل المناجزة. الْهَرَب فِي وقته ظفر. الهارب لَا يعرج على صَاحب. فصل التِّجَارَة والدهاقين حَدثنِي أَبُو الْقَاسِم الطهماني الْفَقِيه، قَالَ: لما رَجَعَ أَبُو الْفضل المحمي من الْحَج اتخذ دَعْوَة، دَعَا إِلَيْهَا أَعْيَان نيسابور ووجوهها، وَفِيهِمْ أَبُو زَكَرِيَّا الْحَرْبِيّ وَأَبُو الْحُسَيْن بن لسياه الْفَارِسِي - راس التُّجَّار وأديبها وفقيهها، فأفضت بهم الْأَحَادِيث إِلَى أَن أَفَاضَ ابْن لسياه فِي مدح التِّجَارَة، وَفضل التُّجَّار وَأَطْنَبَ فِي مدحهم، ثمَّ قَالَ: من جلالتهم أَن لَهُم أَمْثَالًا مستعملة بَين السَّادة والكبراء، كَقَوْلِهِم: الصّرْف لَا يحْتَمل الظّرْف، وَرَأس المَال أحد الربحين، الأرباح توفيقات، التَّدْبِير نصف التِّجَارَة، الْغَلَط يرجع النَّسِيئَة، نِسْيَان النَّقْد صابون الْقلب، كل شَيْء وثمنه، من اشْترى الدون بالدون رَجَعَ إِلَى بَيته وَهُوَ مغبون، التِّجَارَة أَمارَة، اشْتَرِ لنَفسك وللسوق، المغبون لَا مَحْمُود وَلَا مأجور، أطيب مَال الرِّجَال من كسبهم وَالْكَسْب فِي كتاب الله التِّجَارَة. وَقَالَ لَهُ أَبُو زَكَرِيَّا: أَيْن أَنْت عَن أَمْثَال الدهاقين؟ قَالَ: مثل مَاذَا؟ قَالَ: خُذ إِلَيْك! قَالَ: ابْتَغوا الرزق فِي خبايا الأَرْض، غرسوا وأكلنا ونغرس ويأكلون، مطرة فِي نيسان خير من ألف سِنَان، إِذا كَانَت السّنة مخصبة ظهر خصبها فِي النيروز، السّعر تَحت المنجل، فلاح الْمَعيشَة فِي الفلاحة، نُقْصَان الْغلَّة زِيَادَة الْغلَّة، زِيَادَة السّعر فِي نُقْصَان الْغلَّة، فَمَا نقص مِمَّا يُكَال فِي الجواليق

стр. 76

زَاد فِيمَا يُوزن بِالْمَوَازِينِ، تَقول الشَّجَرَة لجارتها: ابعدي عني ظلك أحمل حملي وحملك، من جمع بَين الزَّرْع جمع طرفِي النَّفْع، وَأنْشد: خضرَة الصَّيف من بَيَاض الشتَاء ... وابتسام الثرى بكاء السَّمَاء فصل الشطرنجيين تمالح شطرنجيان فَقدمت غضارة فِيهَا قطع لحم، فَتَنَاول أَحدهمَا إِحْدَاهَا، فَوَجَدَهَا مُشْتَمِلَة على عظم، فَتَركهَا وَمد يَده إِلَى الْأُخْرَى، فَقبض الْأُخَر على يَده وَقَالَ: العب بيمينك. وَنظر بَعضهم إِلَى خسيس قصير، فَقَالَ: هُوَ بيدق الشطرنج فِي الْقَامَة وَالْقيمَة. وَقيل لبَعْضهِم: أتلاعب فلَانا الشطرنج؟ قَالَ: نعم! وأطرح لَهُ رخا من عقل. وَمن أمثالهم فِي الصَّغِير يتكبر: تفرزن البيدق. وَمن أمثالهم: زَاد فِي الشطرنج بغلة. وَمن أشعارهم: يجول فِي الأَرْض وأقطارها ... كَمَا يجول الرخ فِي الرقعة وَمِنْهَا: مَشوا إِلَى الراج مشي الرخ وَانْصَرفُوا ... والراح تمشي بهم مشي الفرازين فصل لِذَوي صناعات شَتَّى قَالَ جحظة الْبَرْمَكِي أضافنا فلَان الْقطَّان، فَقدم إِلَيْنَا جدياً سمينا، فَلَمَّا كشف عَن جنبه قَالَ: كَأَنَّمَا أخرج من دكان نداف. وَنظر نداف إِلَى غيم متقطع فِي السَّمَاء فَقَالَ: كَأَنَّهُ قطن يندف فِي ديباج أَزْرَق. وَسَأَلَ المعتصم جَعْفَر الْخياط عَن حَرْب شَهِدَهَا أَيَّام الخرمية فَقَالَ: لَقِينَاهُمْ فِي

стр. 77

مِقْدَار سوق - الخلقان فصيرونا فِي مثل قوارة، فرحنا عَلَيْهِم من وجين كأنا مقراض واصطفت الصُّفُوف كَأَنَّهَا دروز، وتشابكت الرماح كَأَنَّهَا خيوط، فَلَو طرحت إبرة لم تقع إِلَى على درز رجل. وَقَالَ خياط لِابْنِهِ: يَا بني! لَا تكن كالإبرة تكسو النَّاس وَأَنت عُرْيَان وَقَالَ مَحْمُود الْبَزَّاز للصاحب: لَا زَالَ سيدنَا فِي سَلامَة مبطنة بِالنعْمَةِ، مطرزة بالسعادة، مُظَاهرَة بالغبطة، فَقَالَ: يَا أَبَا أَحْمد أَحْسَنت، قد أَخَذتهَا من صناعتك.

стр. 78

الْبَاب السَّادِس فِي التوقيعات المختارة عَن الْمُلُوك والسادة فصل فِي توقيعات الْمُلُوك الْمُتَقَدِّمين الْإِسْكَنْدَر: لما توجه تِلْقَاء دَارا رفع إِلَيْهِ أَن دَارا فِي ثَمَانِينَ ألفا، فَوَقع: القصاب لَا يهوله كَثْرَة الْغنم. وَرفع إِلَيْهِ صَاحب جَيْشه يذكر مَا يُشِير بِهِ بعض سقاط الْعَسْكَر من اغتيال الْعَدو، فَوَقع: لَا تستحقرن الرَّأْي الْجَلِيل يَأْتِيك بِهِ الرجل الحقير، فَإِن الدرة الْكَرِيمَة لَا يستهان بهَا لهوان الغائص. وَوَقع إِلَى بعض قواده: حبب إِلَى عَدوك الْفِرَار، بِأَن لَا تتبعه إِذا انهزم. يعبور: ملك الصين: كتب إِلَيْهِ صَاحب جَيْشه فِي ركض التّرْك على أَطْرَاف مَمْلَكَته، فَوَقع فِي كِتَابه: الِاحْتِمَال حَتَّى تمكن الْقُدْرَة. بطلميوس الصغر: ملك الرّوم: وَقع حِين كتب إِلَيْهِ عَامله على الشَّام فِي انحياز بعض الْمُلُوك الْكِبَار إِلَى مُسْتَقِرَّة: لَا تطمع فِي كل مَا تسمع. نرسي بن بهْرَام: أحد الأكاسرة: رفع إِلَيْهِ أهل اصطخر يَشكونَ احتباس الْقطر واشتداد الْقَحْط، فَوَقع: إِذا بخلت السَّمَاء بقطرها جَادَتْ يَد الْمُلُوك بدرها، وَقد أمرنَا لكم بِمَا يجْبر كسركم ويغني فقركم. وَرفع إِلَيْهِ

стр. 79

الموبذان أَن فلَانا يحب ابْنك فاقتله، فَوَقع: إِن قتلنَا من يحبنا وقتلنا من يبغضنا يُوشك أَن لَا يبْقى على ظهرهَا أحد. سَابُور بن سَابُور: كتب إِلَيْهِ عَامل جور باتيان الْبرد على الْورْد وَتعذر إِقَامَة وَظِيفَة مَاء الْورْد للحضرة كالعادة كل سنة، فَوَقع: فِي سَلامَة النَّفس وَالدّين عوض عَن كل فَائت، فَلَو لم يخلق الْورْد لَكَانَ مَاذَا. بهْرَام جور: رفع إِلَيْهِ أَن الرّعية يَقُولُونَ لَيْسَ للْملك شغل غير الشّرْب وَاللَّهْو والإكباب على العزف والقصف، فَوَقع: هِيَ سنَن الْمُلُوك أسلافنا عِنْد سُكُون الدهماء وخصب الرعايا. أنوشروان: رفع إِلَيْهِ أَن النَّهر الَّذِي حفره بِالْمَدَائِنِ قد أضرّ بِكَثِير من الضّيَاع ضيَاع النَّاس، فَوَقع: الضَّرَر الْيَسِير الْخَاص مُحْتَمل مَعَ النَّفْع الْكثير الْعَام. وَرفع إِلَيْهِ أَن وَكيل النَّفَقَات يبْدَأ كل يَوْم بِأَجْر نَفسه، فَوَقع: مَتى رَأَيْتُمْ نَهرا يسْقِي أَرضًا قيل أَن يشرب. وَرفع ليه أَن بَيت مَاله قد شَارف الْخَلَاء، فَوَقع: الْملك الْعَادِل لَا يَخْلُو بَيت مَاله. وَرفع إِلَيْهِ أَن الرّعية تعيب الْملك باصطناعه فلَانا وَلَيْسَ لَهُ نسب وَلَا شرف، فَوَقع: إِن اصطناعنا إِيَّاه نسبه وشرفه. وَرفع إِلَيْهِ لم عزلتم فلَانا عَن الإنهاء مَعَ قديم خدمته وحرمته؟ فَوَقع: لِأَنَّهُ لطخ سمعنَا بقذر السّعَايَة فعافته أَنْفُسنَا. وَرفع إِلَيْهِ أَن بزرجمهر يسْأَله الصفح، فَوَقع: إِذا أحصد الزَّرْع فَلم يحصد فسد. وَرفع إِلَيْهِ أَن فِي بطانة الْملك جمَاعَة قد فَسدتْ نياتهم وهم غير مأمونين على الْملك، فَوَقع: نَحن نملك الأجساد لَا النيات، ونحكم بِالْعَدْلِ لَا بالرضى، ونفحص عَن الْأَعْمَال لَا عَن الْأَسْرَار. وَرفع إِلَيْهِ مَا بَال الهموم لَا تُؤثر فِيكُم، فَوَقع: لعلمنا بِسُرْعَة انتقالها عَنَّا وانتقالنا عَنْهَا. أبرويز: رفع غليه أَن غُلَاما لَهُ دعِي إِلَى الْبَاب فتثاقل عَن الْحُضُور، فَوَقع: إِن ثقل عَلَيْهِ الْمصير إِلَيْنَا بكله فَإنَّا نقنع مِنْهُ بِبَعْضِه، ونخفف عَلَيْهِ

стр. 80

المؤونة فليحمل رَأسه إِلَى الْبَاب دون جسده. وَرفع إِلَيْهِ أَن شاهينا لَهُ صَاد بازيا، فَوَقع: ليقلع رَأسه، وَكَذَلِكَ يفعل بِكُل صَغِير يربى على كَبِير. وَوَقع إِلَى ابْنه شيرويه: ستجني ثَمَرَة مَا جنيت وَالسَّلَام عَلَيْك تَسْلِيم سنة لَا تَسْلِيم رضى. فصل فِي غرر التوقيعات الإسلامية للملوك كتب خَالِد بن الْوَلِيد: إِلَى أبي بكر الصّديق ﵁ من دومة الجندل يستأمره فِي أَمر الْعَدو، فَوَقع إِلَيْهِ: أدن من الْمَوْت، توهب لَك الْحَيَاة. وَكتب سعد بن أبي وَقاص: إِلَى عمر بن الْخطاب ﵁ من الْكُوفَة يَسْتَأْذِنهُ فِي بِنَاء دَار الْإِمَارَة، فَوَقع إِلَيْهِ: إِبْنِ مَا يستر من الشَّمْس ويكن من الْمَطَر. وَكتب إِلَيْهِ نفر من أهل مصر يَشكونَ مَرْوَان بن الحكم، فَوَقع فِي كِتَابهمْ: " فَإِن عصوك فَقل إِنِّي بَرِيء مِمَّا تَعْمَلُونَ " " الشُّعَرَاء: ٢١٦ ". وَكتب الْحُسَيْن إِلَى عَليّ ﵄ فِي شَيْء من أَمر عُثْمَان ابْن عَفَّان ﵁، فَوَقع إِلَيْهِ: رَأْي الشَّيْخ خير من مشْهد الْغُلَام. وَكتب إِلَيْهِ الحضين بن الْمُنْذر بصفين: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قد أسْرع السَّيْف فِي ربيعَة، وخاصة فِي أسرى مِنْهُم، فَوَقع إِلَيْهِ: بَقِيَّة السَّيْف أنهى عددا. وَوَقع مُعَاوِيَة: نَحن الزَّمَان من رفعناه ارْتَفع وَمن وضعناه اتضع. وَكتب إِلَيْهِ الْحسن بن عَليّ ﵄ كتابا أغْلظ لَهُ فِيهِ القَوْل، فَوَقع إِلَيْهِ: لَيْت طول حلمنا عَنْك لَا يَدْعُو جهل غَيرنَا إِلَيْك. وَكتب زِيَاد إِلَى سعيد بن الْعَاصِ يخْطب إِلَيْهِ، فَوَقع فِي كِتَابه: " كلا إِن الْإِنْسَان ليطْغى أَن رَاه اسْتغنى " " العلق: ٦ و ٧ ". وَكتب عبد الله بن جَعْفَر إِلَى يزِيد يستوهبه جمَاعَة من أهل الْمَدِينَة، فَوَقع إِلَيْهِ: من عرفت فَهُوَ آمن. وَكتب إِلَيْهِ يسْأَله أَن يقْضِي عَنهُ ذمام نفر من بطانته وخاصته، فَوَقع: احكم لَهُم بآمالهم إِلَى انْقِضَاء آجالهم.

стр. 81

وَكتب الْحجَّاج إِلَى عبد الْملك بن مَرْوَان فِي كِتَابه يشكوا إِلَيْهِ أهل الْعرَاق، فَوَقع: ارْفُقْ بهم فَإِنَّهُ لَا يكون مَعَ الرِّفْق مَا تكره وَمَعَ الْخرق مَا تحب. وَوَقع أَيْضا إِلَى الْحجَّاج، وَقد شكا إِلَيْهِ نَفرا من بني هَاشم وحرضه على قَتلهمْ: جنبني دِمَاء بني عبد الْمطلب، فَإِن فِيهَا شِفَاء من الْكَلْب. وَوَقع إِلَيْهِ فِي أهل السوَاد: ابق لَهُم لحوما يعقدوا بهَا شحوما وَوَقع فِي كتاب متنصح: إِن كنت صَادِقا أثبناك، وَإِن كنت كَاذِبًا عاقبناك، وَإِن شِئْت أقلناك. وَكتب عَامل حمص إِلَى عمر بن عبد الْعَزِيز يخبر أَنَّهَا احْتَاجَت إِلَى حصن، فَوَقع: حصنها بِالْعَدْلِ، وَالسَّلَام. وَكتب مسلمة بن عبد الْملك إِلَى أَخِيه سُلَيْمَان من الصائفة بِمَا كَانَ مِنْهُ من حسن الْأَثر فِي بِلَاد الرّوم، فَوَقع فِي كِتَابه: ذَلِك بِاللَّه لَا بالمسلمة. وَرفع متظلم قصَّة إِلَى هِشَام بن عبد الْملك، فَوَقع فِيهَا: أَتَاك الْغَوْث إِن صدقت، وجاءك النكال إِن كذبت. وَكتب نصر بن سيار: وَالِي خُرَاسَان إِلَى مَرْوَان بن مُحَمَّد آخر مُلُوك بني مَرْوَان بِظُهُور أبي مُسلم، فَوَقع فِي كِتَابه: احسم ذَلِك التزلزل من جهتك. وَكتب إِلَيْهِ يزِيد بن هُبَيْرَة أَن قَحْطَبَةَ قد غرق وَأَنه وَاقع أَصْحَابه فَهزمَ، فَوَقع: هَذَا وَالله الإدبار وَإِلَّا فَمن سمع بميت هزم حَيا. وَلما أيس مَرْوَان من أمره كتب إِلَى عبد الله بن عَليّ يوصيه بِالْحرم، فَوَقع فِي كِتَابه: الْحق لنا فِي دمك وعلينا فِي حَرمك. أَبُو الْعَبَّاس السفاح: وَقع إِلَى أبي سَلمَة الْخلال، وَقد كتب إِلَيْهِ يَسْتَأْذِنهُ فِي تَوْلِيَة قوم من الْحَاشِيَة والشيعة: يَا أَبَا سَلمَة! مَا أقبح بِنَا أَن تكون لنا الدُّنْيَا وأولياؤنا خالون من حسن آثارنا. وَوَقع إِلَى ساع: تقربت إِلَيْنَا بِمَا باعدك عَن الله، وَلَا ثَوَاب لمن خَالف الله. وَقع إِلَى أَخِيه فِي بعض الجناة: إِذا كَانَ الْحلم مفْسدَة كَانَ الْعَفو معْجزَة. الْمَنْصُور: شكا إِلَيْهِ رجل من بعض عماله، فَوَقع فِي قصَّته إِلَى

стр. 82

الْعَامِل: اكْفِنِي أمره وَإِلَّا كفيته أَمرك. وَوَقع إِلَى عَامل: قد كثر شاكوك فَأَما اعتدلت وَإِلَّا اعتزلت. وَكتب سوار بن عبد الله القَاضِي إِلَيْهِ أَن عندنَا رجلا شَدِيد الترفض يدعى السَّيِّد الْحِمْيَرِي، فَوَقع فِي كِتَابه: إِنَّا بعثناك قَاضِيا لَا ساعيا. وَوَقع فِي كتاب بليغ استماحه: إِن البلاعة والغنى إِذا اجْتمعَا فِي رجل أطغياه، وَقد رزقت إِحْدَاهمَا فاكتف بهَا وَاقْتصر عَلَيْهَا. ورقع إِلَيْهِ فِي بِنَاء مَسْجِد، فَوَقع: عَن من أَشْرَاط السَّاعَة أَن تكْثر الْمَسَاجِد، فزد فِي خطاك يزدْ فِي أجرك. الْمهْدي: كتب إِلَيْهِ سلم بن قُتَيْبَة يسْأَله أَن يشرفه بِالْإِذْنِ لَهُ فِي تَقْبِيل يَده، فَوَقع إِلَيْهِ: يَا ابْن قُتَيْبَة ﴿إِنَّا نصونك عَنْهَا ونصونها عَن غَيْرك. الرشيد: وَقع إِلَى عَليّ بن عِيسَى بن ماهان وَقد كتب إِلَيْهِ بقتل العمركي: " بعد للْقَوْم الظَّالِمين " " هود: ٤٤ ". وَوَقع إِلَى صَاحب النَّصْرَانِيَّة بالروم أَنا بالأثر وعَلى الله الظفر وَكتب إِلَيْهِ ينقفوز ملك الرّوم يتهدده، فَوَقع فِي كِتَابه: الْجَواب مَا ترَاهُ لَا مَا تَقْرَأهُ. وَكتب إِلَيْهِ صَاحب السَّنَد بِظُهُور العصبية، فَوَقع: من أظهر العصبية فعاجله بالمنية. الْمَأْمُون: وَقع إِلَى الرستمي وَقد تظلم مِنْهُ غَرِيم لَهُ: لَيْسَ من الْمُرُوءَة أَن تكون أوانيك من الذَّهَب وَالْفِضَّة وجارك طاو وغريمك عاو. وَوَقع فِي قصَّة متظلم من حميد: يَا أَبَا حَامِد﴾ لَا تتكل على حسن رَأْيِي فِيك، فَإنَّك وَأحد رعيتي عِنْدِي فِي الْحق سَوَاء. وَوَقع فِي قصَّة متظلم من عَليّ بن هِشَام: يَا أَبَا الْحُسَيْن: الشريف من يظلم من فَوْقه ويظلمه من دونه فَانْظُر أَي الرجلَيْن أَنْت وَوَقع فِي رقْعَة إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي، وَقد سَأَلَهُ تَجْدِيد الْأمان: الْقُدْرَة تذْهب الحفيظة والندم تَوْبَة وَبَينهمَا عَفْو الله. وَوَقع إِلَى الْوَاقِدِيّ، وَقد كتب يذكر دينا عَلَيْهِ ويستمنح: فِيك خصلتان: سخاء وحياء؛ أما السخاء فَهُوَ الَّذِي أطلق يدك فِيمَا ملكت، وَأما الْحيَاء فَهُوَ الَّذِي حملك على أَن ذكرت بعض دينك دون كُله، وَقد

стр. 83

أمرت لَك بِضعْف مَا كتبت، فزد فِي بسط يدك، فَإِن خَزَائِن الله مَفْتُوحَة وَيَده بِالْخَيرِ مبسوطة. وَوَقع إِلَى عَامل شكاه أهل عمله: إِن آثرت الْعدْل حصلت على السَّلَام، السَّلامَة فانصف رعيتك من هَذِه الظلامة. وَوَقع إِلَى نصر بن سيار: يَا أَبَا رَافع! " إِنِّي متوفيك ورافعك إِلَيّ ومطهرك من الَّذين كفرُوا " " آل عمرَان: ٥٥ ". وَرفع إِلَيْهِ أهل السوَاد قصَّة فِي إتْيَان الْجَرَاد على غلاتهم، فَوَقع فِيهَا: نَحن أولى بضيافة الْجَرَاد من أهل السوَاد، فليحط عَنْهُم نصف الْخراج. وَكتب إِلَيْهِ عبد الله بن طَاهِر يشكو إِلَيْهِ بعده عَن حَضرته ويسأله الْإِذْن لَهُ فِي الْإِلْمَام بهَا، فَوَقع فِي كِتَابه: قربك يَا أَبَا الْعَبَّاس إِلَيّ حبيب وَأَنت من قلبِي حَيْثُ كنت قريب، وَإِنَّمَا بَعدت دَارك نظرا بك ورغبة إِلَيْك مَعَ قَول الشَّاعِر: رَأَيْت دنو الدَّار لَيْسَ بِنَافِع ... إِذا كَانَ مَا بَين الْقُلُوب بعيد طَاهِر بن الْحُسَيْن: وَقع فِي رقْعَة منصح: " سننظر أصدقت أم كنت من الْكَاذِبين " " النَّمْل: ٢٧ ". وَفِي رقْعَة مستبطىء إِيَّاه فِي الْجَواب: ترك الْجَواب جَوَاب. وَرفع إِلَيْهِ مستمنح وَكذب فِي عدد عِيَاله، وَكَانَ طَاهِر يعرفهُمْ فَوَقع: لَا جَوَاب لكذاب. ثمَّ عاود وَصدق فِي عَددهمْ، فَوَقع: " الئن جِئْت بِالْحَقِّ " " الْبَقَرَة: ٧١ " وَأمر لَهُ بصلَة. عبد الله بن طَاهِر: أدب بعض قواده فَمَاتَ، فَرفع إِلَيْهِ أَن النَّاس يَقُولُونَ إِنَّه قَتله، فَوَقع: إِنَّمَا أدبنا فَوَافَقَ الْأَدَب الْأَجَل. وَأهْدى نصر بن شبث إِلَيْهِ هَدَايَا كَثِيرَة، فَردهَا، فَزَاد فِيهَا وبعثها لَيْلًا مَعَ رقْعَة فِي مَعْنَاهَا، فَردهَا، وَوَقع فِي الرقعة: لَو قبلت الْهَدِيَّة لَيْلًا لقبلتها نَهَارا " فَمَا آتَانِي الله خير مِمَّا اتكم بل أَنْتُم بهديتكم تفرحون " " النَّمْل: ٣٦. وَوَقع إِلَى عُمَّال لَهُ شكاهم الرّعية: قد قدمت إِلَيْكُم الْأَعْذَار واحتججت إِلَيْكُم الأنذار، وليت العتاب بَالغا مَا أردْت، وَلَقَد هَمَمْت بِأَن أجعَل معاقدتي لكم معاقبة، فانتبهوا من سنتكم، وانظروا لأنفسكم واحسنوا بالاكرة، فَإِن الله تَعَالَى جعل أَيْديهم لنا طَعَاما، وألسنتهم سَلاما، وظلمهم حَرَامًا " وَمَا عِنْد

стр. 84

الله خير وَأبقى أَفلا تعقلون " " الْقَصَص: ٦٠ ". وَكتب إِلَيْهِ بعض قواده يسْأَله حَظّ خراجه وَالزِّيَادَة فِي أرزاقه، فَوَقع فِي كِتَابه: أَفِي النّوم أَبْصرت ذَا كُله ... فخيرا رَأَيْت وَخيرا يكون عبد الله بن المعتز: كتب إِلَيْهِ قهرمانه ينْسب وَكيله إِلَى الْخِيَانَة وَالسَّرِقَة ويستأمره فِي الِاسْتِدْلَال بِهِ، فَوَقع فِي رقعته: أغن من وليته عَن السّرقَة، فَلَيْسَ يَكْفِيك من لم تكفه. وَكتب إِلَيْهِ بعض موَالِيه يذكر جده فِي خدمته وتوقعه زِيَادَة نظر لَهُ، فَوَقع: من نصح الْخدمَة نَصَحته المجازاة. مُحَمَّد بن عبد الله بن طَاهِر: وَقع إِلَى الْكتاب وَقد ضَاقَتْ بهم الكواغذ فِي أَيَّام فتْنَة المستعين والمعتز: دققوا الأقلام وأوجزوا الْكَلَام فَإِن الْقَرَاطِيس لَا ترام، وَالسَّلَام. قَابُوس بن وشمكير: وَقع إِلَى أبي عبد الله الْبَاهِلِيّ: قَبِيح بِمن تسمو همته إِلَى قصد من تغلو عِنْده قِيمَته أَن تكون على غَيره عرجته أَو إِلَى سوى بَيته زيارته وحجته. فصل فِي أَجنَاس توقيعات الوزراء والسادة الكبراء أَبُو عبد الله: الْكَاتِب الْمهْدي: كتب إِلَيْهِ رجل يعْتَذر وَلَا يحسن، فَوَقع فِي كِتَابه: مَا رَأَيْت عذار أشبه باستئناف ذَنْب من هَذَا. جَعْفَر بن يحي: من توقيعاته: الْخراج عَمُود الْملك، وَمَا استغزر بِمثل الْعدْل وَمَا استنزر بِمثل الْجور. وَوَقع فِي رقْعَة معتذر من ذَنْب: قد تقدّمت طَاعَتك وسبقت نصيحتك، فَإِن بدرت مِنْك هفوة فَلَنْ تغلب سَيِّئَة حسنتين. يحي بن خَالِد: وَقع فِي أَمر رجل اسْتحق الْقَتْل: " وَلكم فِي الْقصاص حَيَاة " " الْبَقَرَة: ١٧٩ " وَفِي قصَّة من التمس الْإِطْلَاق وَهُوَ مَحْبُوس: " لكل أجل كتاب " " الرَّعْد: ٣٨ " وَفِي جَوَاب رقْعَة لِابْنِهِ الْفضل: مَا أَهْون التَّدْبِير بِالْوَصْفِ. وَفِي رقْعَة

стр. 85

متظلم ليعرض التوقيع على من شكاه: أنصف من وليت أمره وَإِلَّا أنصفه من يَلِي أَمرك. وَإِلَى رجل استبطاه واستزاره: اجنح إِلَيْك بغالب الْفضل وَاعْتذر إِلَيْك بصادق النِّيَّة. وَإِلَى رجل عاوده لالتماس الصِّلَة بعد أَن أَخذهَا مرّة: دع الضَّرع يدر لغيرك كَمَا در لَك. وَرفع إِلَيْهِ قوم من حشمه يستزيدونه فِي أَرْزَاقهم، فَأمر أنس ابْن أبي شيخ بالتوقيع فِي قصتهم فَوَقع بَين يَدَيْهِ: قَلِيل دَائِم خير من كثير مُنْقَطع فأعجب بِهِ يحيى، فَقَالَ: قد فاحت مِنْك رَائِحَة الوزارة. الْفَيْض بن أبي صَالح: وَقع فِي رقْعَة معتذر تائب: التَّوْبَة للذنب كالدواء للْمَرِيض، فَإِن نصحت تَوْبَته أتم الله شفاءه، وَإِن تكن الْأُخْرَى أدام الله داءه. الْفضل بن سهل: من أحاسن توقيعاته: الْأُمُور بِتَمَامِهَا، والأعمال بخواتمها، والصنائع باستدامتها. الْحسن بن سهل: من أحاسن توقيعاته كتب إِلَيْهِ رجل يتوسل بسالف إحسانه، فَوَقع " مرْحَبًا بِمن توسل إِلَيْنَا بِنَا " وَأمر لَهُ بصلَة. مُحَمَّد بن يزْدَاد: من توقيعاته البارعة: أَبْوَاب الْمُلُوك معادن الْحَاجَات ومواطن الطلبات وَلَيْسَ لاستنجاحها واستنجازها كالصبر والملازمة، والمغاداة والمراوحة. وَمِنْهَا " مَا استحالت لي فِيك نِيَّة، وَلَا تَغَيَّرت عقيدة، فَكيف أخلف وَعدك، وأحلل عقدك، وأنقض عَهْدك، وأنسى رفدك ". عبد الله بن مُحَمَّد بن يزْدَاد: وَقع إِلَى بعض أَصْحَابه: يَا أَبَا الْعَبَّاس ﴿لَيْسَ عَلَيْك بَأْس مَا لم يكن مِنْك بَأْس. وَوَقع إِلَى عَامل اعتذر بكفايته وَزَاد: " يَا هَذَا﴾ أسرفت وَمَا أنصفت، وأوجفت حَتَّى أعجفت، وأذللت حَتَّى أمللت، فاستصغر مَا فعلت تبلغ مَا أملت ". عبيد الله بن سُلَيْمَان بن وهب: رفع إِلَيْهِ عَامل من عماله أَن فِي بَيت

стр. 86

النَّار كانونا من آثَار الأكاسرة وفيهَا أَكثر من ألفي رَطْل فضَّة وَفِي فضته توفير لبيت المَال، فَوَقع: حرصك على تقفية آثَار الْأَوَائِل يدل على لؤم أصلك، فبعدا وَسُحْقًا لَك. وَوَقع فِي كتاب متنجز إِيَّاه وَعدا: " الشَّرْط أملك والوعد كأخذ بِالْيَدِ، وَالْوَفَاء من سجايا الْكِرَام ". وَفِي كتاب مثله " لَيْسَ كل من أنسيناه أهملناه وَلَا مَا أخرناه تَرَكْنَاهُ، مَعَ اقتطاع الشّغل إيانا وانتسامه زَمَاننَا ". وَوَقع فِي شَأْن عَامل: " أَنا قَادر على إِخْرَاج النغرة من رَأسه، والوغرة من صَدره، والنخوة من نَفسه ". وَوَقع إِلَى ابْن طولون " إتق الله فِي الإرصاد فَإِن الله بالمرصاد ". عَليّ بن عِيسَى: كتب إِلَيْهِ بعض الْعمَّال فِي ذكر أَمْوَال متخيرة وتفاصح فِي كِتَابه " دَعْنِي من تشديقك وتقعيرك وتفاصح على نظيرك، فَخير الْكَلَام مَا قل وَدلّ وَلم يمل ". وَكتب إِلَيْهِ ابْن الْفُرَات يستشهده على زور، فَوَقع فِي رقعته: لَا تلمني على نكوصي عَن الشَّهَادَة لَك بالزور، فَإِن لَا بَقَاء لِاتِّفَاق على نفاق، وَلَا وَفَاء لذِي مين واختلاق، وَأَحْرَى بِمن تعدى الْحق فِي موافقتك إِذا رَضِي أَن يتخطى إِلَى الْبَاطِل فِي مخالفتك إِذا سخط، وبمن كذب لَك أَن يكذب عَلَيْك. ابْن العميد: استنشد ابْنه أَبَا الْفَتْح وَهُوَ فِي الْكتاب قصائد، فَلم يشْتَغل بهَا فعتب عَلَيْهِ وطرده من بَين يَدَيْهِ، فَبعد أَيَّام كتب إِلَى أَبِيه يستعتبه ويتمثل: فحتى مَتى روح الرضى لَا ينالني ... وَحَتَّى مَتى أَيَّام سخطك لَا تمْضِي فَوَقع تَحت هَذَا الْبَيْت: " إِلَى أَن تنشد فَلَا تخطىء وتنشىء فَلَا تبطىء ". الصاحب بن عباد: كتب إِلَيْهِ بعض خطاب الْأَعْمَال رقْعَة وفيهَا: " إِن رأى سيدنَا أَن يَأْمر بإشغالي بِبَعْض أشغاله ". فَوَقع " من كتب إشغالي لَا يصلح لأشغالي ". وَرفع إِلَيْهِ الضرابون فِي دَار الضَّرْب قصَّة مترجمة بالضرابين، فَوَقع تحتهَا: " فِي حَدِيد بَارِد ". وَرفع إِلَيْهِ أَن رجلا غَرِيب

стр. 87

الْوَجْه يدْخل دَاره ويسترق السّمع، فَوَقع: دَارنَا خَان ويدخلها من وفى وَمن خَان. وَكتب بَعضهم إِلَيْهِ رقْعَة فِيهَا: إِن رأى سيدنَا أَن ينعم بِمَا سَأَلته إِيَّاه فعل. فَزَاد فِيهِ ألفا ورد الرقعة إِلَى صَاحبهَا وَبشر بالتوقيع، فَلم يره، وعرضها على أبي الْعَبَّاس الضَّبِّيّ، فَأرَاهُ الْألف الَّتِي كتبهَا قُدَّام " فعل " أَي " افْعَل ". وَرفع إِلَيْهِ رجل مجرم يسْأَله الْإِنْصَاف، فَوَقع: مثلك منصف وَلَا ينصف. وَرفع إِلَيْهِ فِي رجل عصى لَهُ أمرا فَوَقع: الْعَصَا لمن عصى. وَرفع إِلَيْهِ علوي قصَّة بعد قصَص أبرم فِيهَا، فَوَقع: " لَا تحوجني إِلَى أَن أَقُول " ينوح إِنَّه لَيْسَ من أهلك " " هود: ٤٦ " وَالسَّلَام ". وَوَقع فِي قصَّة ساع: جمعت قصتك شكاية وسعاية، أما الشكاية فَأَنت مَحْمُول فِيهَا على الحكم البحت، وَأما السّعَايَة فمردودة على إدراج المقت. وَفِي قصَّة متنصل من ذَنْب: من ثقلت عَلَيْهِ النِّعْمَة خف وَزنه، وَمن استمرت بِهِ الْغرَّة طَال حزنه. وَفِي رقْعَة وَكيل عَزله: عزلك أحسن حاليك وحبسك أوطأ رحيلك. وَفِي رقْعَة قَائِد بازاء حَرْب: ازحف فَإِن أَجلك لَا يسبقك ورزقك لَا يتَأَخَّر عَنْك. وَفِي رقْعَة من أنكر عَلَيْهِ يأسا وطعما: إِن قنعت من الطمع باليأس، وَإِلَّا جعلت عِبْرَة للنَّاس. وَإِلَى عَامل: عزلك أحسن حاليك ونفيك أبلغ وثاقيك. وَوَقع فِي شَأْن مجرم: احْلق نَبَات خديه وانقش بالسمط حدي ليعبر النَّاظر إِلَيْهِ. وَوَقع فِي شَأْن عَامل خوار: عجل لَهُ خوار. وَفِي قصَّة متظلم: إِن كبحت عنانك عَن الحيف، وَإِلَّا سللنا عَلَيْك السَّيْف. وَرفع إِلَيْهِ شَاعِر رقْعَة فِيهَا مديحة ردية. فَوَقع لَهُ فِيهَا بِمِائَة دِرْهَم فَعَاد يلحف، فَوَقع: تِلْكَ المديحة تكفيها مائَة منيحة. وَكتب إِلَيْهِ بعض الْفُضَلَاء يعْتَذر من التَّقْصِير فِي خدمته لخوف التثقيل، فَوَقع: مَتى يثقل الجفن على الْعين. وَوَقع فِي رقْعَة فِي ملتمس جَوَاز: يبْذل لَهُ جَوَاز فَإِنَّهُ علا أَو فَازَ. وَرفع إِلَيْهِ طريف الْجِرْجَانِيّ الْمُتَكَلّم يتظلم من ديلمي كَانَ ينزل فِي دَاره،

стр. 88

فَوَقع فِي رقعته: دَارك تصان عَن النَّوَازِل، فَكيف عَن النَّازِل، فليزعج عَنْهَا مَا كَانَ وَكَائِنًا مَا كَانَ. وَوَقع فِي رقْعَة لشقيق الْبَلْخِي الْمُذكر " من نظر لدينِهِ نَظرنَا لدنياه، فَإِن قلت بِالْعَدْلِ والتوحيد مهدنا لَك التَّمْهِيد، وَإِن أَقمت على الْجَبْر فَمَا لكسرك من جبر ". وَكتب إِلَيْهِ أَبُو حَفْص الْوراق: لَوْلَا أَن " الذكرى تَنْفَع الْمُؤمنِينَ " " الذاريات: ٥٥ " وهز السَّيْف يَعْنِي الملتمس لما ذكرت ذَاكِرًا وَلَا هززت مَاضِيا، وَلَكِن ذَا الْحَاجة لضرورته يستعجل النجح، ويكد الْجواد السَّمْح، وَحَال عبد مَوْلَانَا فِي الْحِنْطَة مُخْتَلفَة، وجرذان دَاره عَنْهَا منصرفة، فَإِن رأى مَوْلَانَا أَن يخلط عَبده بِمن أخصب رَحْله عِنْده فعل إِن شَاءَ الله تَعَالَى؛ فَوَقع فِي ظهر رقعته: أَحْسَنت يَا أَبَا حَفْص قولا، وستحسن فعلا، فبشر جرذان دَارك بِالْخصْبِ، وأمنها من الجدب، وَالْحِنْطَة تَأْتِيك فِي الْأُسْبُوع، وَلست عَن غَيرهَا من النَّفَقَة بممنوع.

стр. 89

الْبَاب السَّابِع عجائب الشّعْر وَالشعرَاء امْرُؤ الْقَيْس: من عَجِيب شَأْنه أَنه قَالَ فِي الْجَاهِلِيَّة مَا جَاءَ فِيهِ شَرَائِط أهل الْجنَّة وأوصافها، وَإِن كَانَ لم يعرفهَا وَلم يُؤمن بهَا حَيْثُ قَالَ: أَلا عَم صباحا أَيهَا الطلل الْبَالِي ... وَهل يعمن من كَانَ فِي الْعَصْر الْخَالِي وَهل يعمن إِلَّا سعيد مخلد ... قَلِيل الهموم مَا يبيت بأوجال فَذكر السَّعَادَة الَّتِي هِيَ جَامِعَة خير الدَّاريْنِ، ثمَّ الخلود الَّذِي هُوَ أحسن أَحْوَال أهل الْجنَّة، ثمَّ ذكر قلَّة الهموم الَّتِي هِيَ أجل الرغائب، ثمَّ أَشَارَ إِلَى الْأَمْن وَهُوَ أنفس الْمَوَاهِب، وَلَا مزِيد على هَذِه الْأَرْبَع. وَيُقَال إِن أَمِير شعر الشُّعَرَاء قَوْله: الله أنجح مَا طلبت بِهِ ... وَالْبر خير حقيبة الرحل فَإِن فِيهِ الاستنجاح بِاللَّه عز ذكره ومدح الْبر والحث عَلَيْهِ بِأَحْسَن

стр. 90

لفظ وأوجزه، وَلَو قَالَ ذَلِك فِي الْإِسْلَام أَبُو الْعَتَاهِيَة أَو مَحْمُود الْوراق لما زادا. زُهَيْر بن أبي سلمى: يُقَال إِنَّه أجمع الشُّعَرَاء للكثير من الْمعَانِي فِي الْقَلِيل من الْأَلْفَاظ، وأبياته الَّتِي فِي آخر قصيدته الَّتِي أَولهَا: " أَمن أم أوفى دمنة لم تكلم " تشبه كَلَام الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَهِي غرَّة حكم الْعَرَب وَنِهَايَة فِي الْحسن والجودة تجْرِي مجْرى الْأَمْثَال الرائعة الرائقة، وَهِي: وَمن يَك ذَا فضل، فيبخل بفضله ... على قومه، يسْتَغْن عَنهُ ويذمم وَمن يغترب، يحْسب عدوا صديقه ... وَمن لَا يكرم نَفسه لَا يكرم وَمن لَا يذد عَن حَوْضه بسلاحه ... يهدم، وَمن لَا يظلم النَّاس يظلم وَمهما تكن عِنْد امرىء من خَلِيقَة ... وَلَو خالها تخفى على النَّاس تعلم وَمن لَا يصانع فِي أُمُور كَثِيرَة ... يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم وَمِمَّا وَقع الْإِجْمَاع على أَنه أمدح بَيت قالته الْعَرَب قَوْله ترَاهُ إِذا مَا جِئْته، متهللا ... كَأَنَّك تعطيه الَّذِي أَنْت سائله النَّابِغَة الذبياني: يُقَال إِنَّه أحسن شعراء الْجَاهِلِيَّة ديباجة وَأَكْثَرهم رونق كَلَام، وَكَأن شعره كَلَام الْكتاب لَيْسَ فِيهِ تكلّف وَلَا تعسف، وأجود شعره النعمانيات؛ وَمن عجائبه فِيهَا أَنه شبه النُّعْمَان مرّة بِاللَّيْلِ وَمرَّة بالشمس، فسحر وبهر حَيْثُ قَالَ: فَإنَّك كالليل الَّذِي هُوَ مدركي ... وَإِن خلت أَن المنتأى عَنْك وَاسع

стр. 91

وَقَالَ: فَإنَّك شمس والملوك كواكب ... إِذا طلعت لم يبد مِنْهُنَّ كَوْكَب وَأحسن مَا قيل فِي الإنزعاج لوعيد الْمُلُوك، قَوْله: نبئت أَن أَبَا قَابُوس أوعدني ... وَلَا قَرَار على زأر من الْأسد وَرُوِيَ أَن عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ يَوْمًا لجلسائه: من الَّذِي يَقُول: فلست بمستبق أَخا لَا تلمه ... على شعث أَي الرِّجَال الْمُهَذّب قَالُوا: النَّابِغَة، قَالَ: هُوَ أشعر شعرائكم. أَوْس بن حجر: قَالَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء: لَيْسَ للْعَرَب مطلع قصيدة فِي المرثية أحسن من قَول أَوْس: أيتها النَّفس أجملي جزعا ... إِن الَّذِي تحذرين قد وَقعا وَبَيت القصيدة العجيب قَوْله: الألمعي الَّذِي يظنّ بك ال ... ظن كَأَن قد رأى وَقد سمعا طرفَة بن العَبْد: كَانَ النَّبِي ﷺ يتَمَثَّل بقوله وَلَا يُقيم بوزنه: ستبدي لَك الْأَيَّام مَا كنت جَاهِلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزَود وَكَانَ ابْن عَبَّاس يَقُول إِنَّه كَلَام نَبِي يجمع الْحِكْمَة والمثل. وَيُقَال إِن أَمِير شعره قَوْله:

стр. 92

قد يبْعَث الْأَمر الْكَبِير صغيره ... حَتَّى تظل لَهُ الدِّمَاء تصبب عَلْقَمَة بن عَبدة: قَالَ أَبُو الْقَاسِم الْآمِدِيّ: أحسن شعر الشُّعَرَاء الْمُتَقَدِّمين مَا يشبه فِي السهولة والعذوبة شعر الْمُحدثين، قَول عَلْقَمَة: فَإِن تَسْأَلُونِي بِالنسَاء فإنني ... خَبِير بأدواء النِّسَاء طَبِيب إِذا شَاب رَأس الْمَرْء أَو قل مَاله ... فَلَيْسَ لَهُ فِي ودهن نصيب يردن ثراء المَال حَيْثُ علمنه ... وشرخ الشَّبَاب عِنْدهن عَجِيب وأجود شعراء الْمُحدثين مِمَّا يشبه فِي الجزالة والفصاحة شعر الْمُتَقَدِّمين قَول البحتري: وتماسكت حِين زعزعني الده ... ر التماسا مِنْهُ لتعسي ونكسي الْحَارِث بن حلزة: قَالَ الصولي: لم يُوصف تأهب الْقَوْم للَزِمَ وتهيؤهم للارتحال بِأَحْسَن من قَوْله: أَجمعُوا أَمرهم عشَاء فَلَمَّا ... أَصْبحُوا أَصبَحت لَهُم ضوضاء من مُنَاد وَمن مُجيب وَمن تص ... هال خيل خلال ذَا ورغاء الشنفرى الْأَزْدِيّ: من عَجِيب شعره قَوْله فِي وصف الْمَرْأَة وَلَيْسَ لَهُ فِي شعراء الْمُتَقَدِّمين نَظِير: فدقت وجلت واسبطرت واظلمت ... فَلَو جن إِنْسَان من الْحسن جنت وَمَا أقل التَّجْنِيس فِي شعر الْجَاهِلِيَّة، وَمن ذَلِك الْقَلِيل قَوْله:

стр. 93

ورحنا كَأَن الْبَيْت حجر فَوْقنَا ... بريحانة ريحت عشَاء فظلت أَبُو الطمحان القيني: حَدثنِي أَبُو بكر الْخَوَارِزْمِيّ، قَالَ: رُبمَا أُرِيد الْبكاء فِي بعض موَاضعه فَيمْتَنع عَليّ كَمَا هُوَ إِلَّا أَن أنْشد لأبي الطمحان فِيمَا بيني وَبَين نَفسِي حَتَّى تنْحَل عقد الدمع: أَلا عللاني قبل صدح النوائح ... وَقبل ارتقاء النَّفس فَوق الجوانح وَقبل غَد يَا لهف نَفسِي على غَد ... إِذا رَاح أَصْحَابِي وَلست برائح إِذا رَاح أَصْحَابِي تفيض دموعهم ... وغودرت فِي لحد على صفائحي يَقُولُونَ هَل أصلحتم لأخيكم ... وَمَا اللَّحْد فِي الأَرْض الفضاء بِصَالح الْأَعْشَى: واسْمه مَيْمُون بن قيس: قَالَ ابْن عَائِشَة الْقرشِي: مَا كَانَت الْعَرَب تعرف التَّدَاوِي من الْخمار حَتَّى قَالَ الْأَعْشَى: وكأس شربت على لَذَّة ... وَأُخْرَى تداويت مِنْهَا بهَا لكَي يعلم النَّاس أَنِّي فَتى ... أتيت الْمُرُوءَة من بَابهَا فاحتذى النَّاس على تمثله، قَالَ الشَّاعِر: تداويت عَن ليلى بليلى من الْهوى ... كَمَا يتداوى شَارِب الْخمر بِالْخمرِ وَقَالَ أَبُو نواس: دع عَنْك لومي فَإِن اللوم إغراء ... وداوني بِالَّتِي كَانَت هِيَ الدَّاء وَكَانَ الْأَصْمَعِي يَقُول: أهجى بَيت للْعَرَب قَول الْأَعْشَى فِي عَلْقَمَة:

стр. 94

تبيتون فِي المشتى ملاء بطونكم ... وجاراتكم غرثى يبتن خمائصا ويروي أَن عَلْقَمَة لما سمع هَذَا الْبَيْت، بَكَى وَقَالَ: اللَّهُمَّ أجزه وأخزه إِن كَانَ كَاذِبًا. وَقَالَ أَبُو عَليّ الْحَاتِمِي: من عجائب الاتفاقات وغرائبها وبدائعها أَن الْأَعْشَى من صُدُور شعراء الْجَاهِلِيَّة، وَمُسلم بن الْوَلِيد من صُدُور الْمُحدثين، وَأَبا الطّيب من صُدُور العصريين، وَقد شلشل الْأَعْشَى وسلسل مُسلم وقلقل أَبُو الطّيب. أما الْأَعْشَى فَإِنَّهُ يَقُول: وَقد غذوت إِلَى الْحَانُوت يَتبعني ... شاو مشل شلول شلشل شول وَأما مُسلم بن الْوَلِيد. فَإِنَّهُ يَقُول: سلت وسلت ثمَّ سل سليلها ... فَأتى سليل سليلها مسلولا وَأما المتنبي، فَإِنَّهُ يَقُول: فقلقلت بالهم الَّذِي قلقل الحشا ... قلاقل عيس كُلهنَّ قلاقل وَقد بلبل بعض العصريين، فَقَالَ: وَإِذا البلابل أفصحت بلغاتها ... فأحس البلابل باحتساء بلابل لبيد بن ربيعَة: يرْوى عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: أصدق كلمة قَالَهَا شَاعِر قَول لبيد: أَلا كل شَيْء مَا خلا الله بَاطِل ... وكل نعيم لَا محَالة زائل وَسمع الفرزدق رجلا ينشد قصيدة لبيد الَّتِي أَولهَا: " عفت الديار محلهَا فمقامها

стр. 95

" فَلَمَّا بلغ قَوْله فِيهَا: وجلا السُّيُول عَن الطلول كَأَنَّهَا ... زبر تَجِد متونها أقلامها سجد الفرزدق، فَقيل لَهُ: يَا أَبَا فراس ﴿مَا هَذِه السَّجْدَة؟ فَقَالَ: إِنَّكُم تعرفُون سَجْدَة الْقُرْآن وَأَنا أعرف سَجْدَة الشّعْر. وَقيل لبشار بن برد: أخبرنَا عَن أَجود بَيت للْعَرَب﴾ فَقَالَ: إِن تَفْضِيل بَيت وَاحِد على سَائِر شعر الْعَرَب لشديد، وَلَكِن أحسن لبيد كل الْإِحْسَان فِي قَوْله: وأكذب النَّفس إِذا حدثتها ... إِن صدق النَّفس يزرى بالأمل وَقَالَ الجاحظ: من الْعَجَائِب أَن الْأَعْشَى كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة يعْتَقد مَذْهَب الْمُعْتَزلَة، فَيَقُول: اسْتَأْثر الله بِالْوَفَاءِ وبال ... حمد وَولى الْمَلَامَة الرجلا ولبيد يذهب مَذْهَب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة، فَيَقُول: " وبإذن الله ريثي وَعجل " النمر بن تولت وَحميد بن ثَوْر والنابغة الْجَعْدِي: إِنَّهُم اجْتَمعُوا فِي الْجَاهِلِيَّة على معنى قَول النَّبِي ﷺ " كفى بالسلامة دَاء " فتناهبوه بِحسن ألفاظهم وكأنما رموا عَن قَوس وَاحِد، فَقَالَ النمر بن تولب: يود الْفَتى طول السَّلامَة جاهدا ... فَكيف ترى طول السَّلامَة يفعل وَقَالَ حميد بن ثَوْر: أرى بَصرِي قد رَابَنِي بعد صِحَة ... وحسبك دَاء أَن تصح وتسلما وَقَالَ الْجَعْدِي: ودعوت رَبِّي بالسلامة جاهدا ... ليصحني فَإِذا السَّلامَة دَاء

стр. 96

وَأخذ ابْن الرُّومِي هَذَا الْمَعْنى بِعَيْنِه وكساه معرضًا من عِنْده، وَلم يحم حول ألفاظهم حَيْثُ قَالَ: فِي هدنة الدَّهْر كَاف من وقائعه ... والعمر أقدح مبرة من الوصب حسان بن ثَابت: قَالَ الجاحظ: لما شتم الْمُشْركُونَ النَّبِي ﷺ ، قَالَ ﵇ لحسان: أهجهم وروح الْقُدس مَعَك، وأت أَبَا بكر فيعلمك مساوىء الْقَوْم، وَالله إِن هجاءك لأشد عَلَيْهِم من وَقع السِّهَام فِي غلس الظلام ﴿فَأخْرج حسان لِسَانه، فَضرب بِهِ طرف أَنفه، فَقَالَ: يَا رَسُول الله﴾ مَا يسرني بِهِ مقول من معد، وَالله إِنِّي لَو وَضعته على شعر لحلقه، أَو على صَخْر لفلقه. قَالَ: فَلَا يَنْبَغِي أَن يَقُول حسان إِلَّا حَقًا، وَكَيف يَقُول بَاطِلا وَالنَّبِيّ ﷺ يَأْمُرهُ وَجِبْرِيل يسدده وَالصديق يُعلمهُ وَالله يوفقه. وَقَالَ غَيره: من عجائب أَمر حسان، إِنَّه كَانَ ﵁ يَقُول الشّعْر فِي الْجَاهِلِيَّة فيجيد جدا، ويغبر فِي نواصي الفحول وَيَدعِي أَن لَهُ شَيْطَانا يَقُول الشّعْر على لِسَانه كعادة الشُّعَرَاء فِي ذَلِك وَيَقُول مثل قَوْله فِي بني جَفْنَة مُلُوك غَسَّان: أَوْلَاد جَفْنَة حول قبر أَبِيهِم ... قبر ابْن مَارِيَة الْكَرِيم الْمفضل بيض الْوُجُوه كَرِيمَة أحسابهم ... شم الأنوف من الطّراز الأول فَلَمَّا أدْرك الْإِسْلَام وتبدل الشَّيْطَان الْملك، تراجع شعره وَكَاد يَرك قَوْله ليعلم أَن الشَّيْطَان أصلح للشاعر وأليق بِهِ وأذهب فِي طَرِيقه من الْملك. وَقد كَانَ بعض الْكُهَّان أنذره بلدغة تصيبه، وَكَانَ يتحرز مِنْهَا بِجهْدِهِ، وَلَا ينَام إِلَّا على ظهر رَاحِلَة، فَبَيْنَمَا هُوَ ذَات لَيْلَة على نَاقَته وَهِي ترعى، إِذْ التوت حَيَّة على مشفرها، فاضطربت ورمت بهَا صعدا إِلَيْهِ فلدغته، فَقَالَ:

стр. 97

لعمرك مَا يدْرِي الْفَتى كَيفَ يَتَّقِي ... إِذا هُوَ لم يَجْعَل لَهُ الله واقيا الحطيئة: واسْمه جَرْوَل بن مَالك، كَانَ راوية زُهَيْر، فنجم مَقْبُول الْكَلَام شرود القافية، خَبِيث اللِّسَان، حَتَّى إِنَّه هجا أَبَاهُ وَأمه وَامْرَأَته وَنَفسه، فَمن قَوْله فِي أَبِيه وخاله وَعَمه: لحاك الله ثمَّ لحاك حَقًا ... أَبَا، ولحاك من عَم وخال فَنعم الشَّيْخ أَنْت لَدَى المخازي ... وَبئسَ الشَّيْخ أَنْت لَدَى الْمَعَالِي وَمن قَوْله فِي أمه: تنحي واقعدي عَنَّا بَعيدا ... أراح الله مِنْك العالمينا أغربالا إِذا اسْتوْدعت سرا ... وكانونا على المتحدثينا وَمن قَوْله فِي نَفسه: أَبَت شفتاي الْيَوْم إِلَّا تكلما ... بِسوء فَمَا أَدْرِي لمن أَنا قَائِله أرى لي وَجها شوه الله خلقه ... فقبح من وَجه وقبح حامله وصب الله بِهِ على الزبْرِقَان بن بدر سَوط عَذَاب حَتَّى أحرقه بهجائه وأمضه وأرمضه بقصيدته الَّتِي يَقُول فِيهَا: لقد مريتكم لَو أَن درتكم ... يَوْمًا يَجِيء بهَا مسحي وإبساسي أزمعت يأسا مريحا من نوالكم ... وَلنْ ترى طاردا للْحرّ كالياس من يفعل الْخَيْر لَا يعْدم جوازيه ... لَا يذهب الْعرف بَين الله وَالنَّاس

стр. 98

دع المكارم لَا ترحل لبغيتها ... واقعد فَإنَّك أَنْت الطاعم الكاسي أَبُو ذويب الْهُذلِيّ: قَالَ خلف الْأَحْمَر: بَنو هُذَيْل من أشعر قبائل الرب، وأشعرهم أَبُو ذويب وأمير شعره وغرة كَلَامه قصيدته الَّتِي أَولهَا: آمن الْمنون وريبه تتوجع ... والدهر لَيْسَ بمعتب من يجزع وَبَيت القصيدة قَوْله: وَالنَّفس راغبة إِذا رغبتها ... وَإِذا ترد إِلَى قَلِيل تقنع وَأحسن بَاقِيهَا بعده قَوْله: وتجلدي للشامتين أريهم ... أَنِّي لريب الدَّهْر لَا أتضعضع وَإِذا الْمنية انشبت أظفارها ... ألفيت كل تَمِيمَة لَا تَنْفَع عَبدة بن الطَّبِيب: أَمِير شعره قَوْله وَكَانَ عمر بن الْخطاب ﵁ يتعجب من جودته وَحسن تقسيمه: والمرء ساع لأمر لَيْسَ يُدْرِكهُ ... والعيش شح وإشفاق وتأميل ثمَّ قَوْله: فَمَا كَانَ قيس هلكه هلك وَاحِد ... وَلكنه بُنيان قوم تهدما الفرزدق: كَانَ يُونُس بن حبيب يَقُول: من عجائب الفرزدق وَجَرِير أَنِّي مَا شهِدت مشهداً قطّ ذكرا فِيهِ وَاجْتمعَ أهل الْمجْلس على تَفْضِيل أَحدهمَا، وَإِذا وَقع الشَّك فِي فضل أَحدهمَا على الآخر لم يَقع فِي أَنَّهُمَا أشعر الإسلاميين الْمُتَقَدِّمين. قَالَ وَلَيْسَ لأحد مثل قَوْله:

стр. 99

وَأَنا وَسعد كالفصيل وَأمه ... إِذا وطئته لم يضرّهُ اعتمادها وَلَا مثل قَوْله فِي جرير: ضربت عَلَيْك العنكبوت بنسجها ... وَقضى عَلَيْك بِهِ الْكتاب الْمنزل وَلَا مثل قَوْله: وَكنت فيهم كممطور ببلدته ... يسر أَن يجمع الأوطان والمطرا وَلَا مثل قَوْله: يمْضِي أَخُوك وَلَا تلقى لَهُ خلفا ... وَالْمَال بعد ذهَاب المَال يكْتَسب جرير: سَمِعت أَبَا بكر الْخَوَارِزْمِيّ يَقُول: أظرف شعر جرير قَوْله فِي الفرزدق لما هدد مربعًا راوية جرير بِالْقَتْلِ وَذَلِكَ: زعم الفرزدق أَن سيقتل مربعًا ... أبشر بطول سَلامَة يَا مربع وأصدق شعره قَوْله: إِنِّي لأرجو مِنْك خيرا عَاجلا ... وَالنَّفس مولعة بحب العاجل الأخطل: قَرَأت فِي فصل للصاحب: هَذَا الأخطل دعِي عَمَّا، فَامْتَلَأَ غما، وطفق يَقُول: المهديات لمن هوين مسَبَّة ... والمحسنات لمن قلين مقَالا وَإِذا دعونك عمهن فَإِنَّهُ ... نسب يزيدك عِنْدهن خبالا وَهَا نَحن قد صرنا جدودا وأخلقنا من الشَّبَاب برودا، وأمير شعر الأخطل قصيدته الَّتِي يَقُول فِيهَا لبني مَرْوَان:

стр. 100

شمس الْعَدَاوَة حَتَّى يستقاد لَهُم ... وَأعظم النَّاس أحلاما إِذا قدرُوا إِن الْعَدَاوَة تلقاها وَإِن قدمت ... كالعر يكمن حينا ثمَّ ينتشر وَأقسم الْمجد حَقًا لَا يحالفهم ... حَتَّى يحالف بطن الرَّاحَة الشّعْر وَلَا يلين لسلطان تهضمنا ... حَتَّى يلين لضرس الماضغ الْحجر عدي بن الرّقاع: لم أسمع للْمُتَقَدِّمين شعرًا فِي الْغَزل أَمْلَح وأطرف وأغنج من قَوْله فِي تَشْبِيه الْمَرْأَة بالظبي الْوَسْنَان الَّذِي هُوَ بَين النَّائِم وَالْيَقظَان: وَكَأَنَّهَا بَين النِّسَاء أعارها ... عَيْنَيْهِ أحور من جآذر جاسم وَسنَان أقصده النعاس فرنقت ... فِي عَيْنَيْهِ سنة وَلَيْسَ بنائم ذُو الرمة: قَالَ ابْن عَيَّاش: نزلت بِي مُصِيبَة أمضتني وأشجعتني، فتذكرت قَول ذِي الرمة: خليلي عوجا من صُدُور الرَّوَاحِل ... على دارمي وابكيا فِي الْمنَازل لَعَلَّ انحدار الدمع يعقب رَاحَة ... من الْغم أَو يشفي نجي البلابل فخلوت وبكيت، فسلوت وَقلت: رحم الله ذَا الرمة، فَمَا كَانَ أعرفهُ بدواء الْحزن. الرَّاعِي: واسْمه عبيد بن حُصَيْن: كنت أَظن أَن ابْن المعتز أَبُو عذرة قَوْله: أهل الدُّنْيَا: كصور فِي صحيفَة مَتى طوي بَعْضهَا نشر بَعْضهَا، حَتَّى قَرَأت لِلرَّاعِي: إِن الزَّمَان الَّذِي ترجو هواديه ... يَأْتِي على الْحجر القاسي فينفلق

стр. 101

مَا الدَّهْر وَالنَّاس إِلَّا مثل وَارِدَة ... إِذا مضى عنق مِنْهَا أَتَى عنق كثير عزة: سُئِلَ عَن أغزل شعره، فَأَشَارَ إِلَى قَوْله: وأدنيتي حَتَّى إِذا مَا فتني ... بقول يحل العصم سهل الأباطح تجافيت عني حِين لَا لي حِيلَة ... وخلفت مَا خلفت بَين الجوانح وَسُئِلَ عَن أحكم شعره، فَقَالَ: قولي: فَقلت لَهَا: يَا عز كل مُصِيبَة ... إِذا ذللت يَوْمًا لَهَا النَّفس ذلت جميل بن معمر: قَالَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء: هُوَ أغزل نظرائه، وأغزل شعره قَوْله: خليلي فِيمَا عشتما هَل رَأَيْتُمَا! ... قَتِيلا بَكَى من حب قَاتله قبلي أَبُو دهبل الجُمَحِي: قَالَ القَاضِي أَبُو الْحسن بن عبد الْعَزِيز، هُوَ كثير المحاسن وَلَيْسَ لَهُ أحسن من قَوْله: وَكَيف أنساك لَا نعماك وَاحِدَة ... عِنْدِي وَلَا بِالَّذِي أوليت من قدم أما ترى كَيفَ نفى عَنهُ جَمِيع وُجُوه النسْيَان بأوجز لفظ وَأحسنه وأعذبه وأجمله. بشار بن برد: أستاذ الْمُحدثين وبدرهم وصدرهم وأعجوبة الدُّنْيَا لِأَنَّهُ أعمى أكمه، وَله مثل قَوْله جَمِيع تشبيهين فِي بَيت وَاحِد: كَأَن مثار النَّقْع فَوق رُؤْسهمْ ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه وَمثل قَوْله فِي وصف مَتَاعه:

стр. 102

عجل الرّكُوب إِذا اعترته نافض ... وَإِذا أَفَاق فَلَيْسَ بالركاب وتراه بعد ثَلَاث عشرَة قَائِما ... مثل الْمُؤَذّن شكّ يَوْم سَحَاب وَقَالَ هَارُون بن عَليّ المنجم: أشعر بَيت فِي الْغَزل من شعر الْمُحدثين شعر بشار بن برد: أَنا وَالله اشتهي سحر عَيْني ... ك وأخشى مصَارِع العشاق وَقد ظرف وملح أَبُو نواس فِي حِكَايَة بشار وَبَيت لَهُ فِي جَارِيَة تسمى رَحْمَة الله: أَحْبَبْت من شعر بشار لحكمته ... بَيْتا لهجت بِهِ من شعر بشار يَا رَحْمَة الله حلي فِي مَنَازلنَا ... وجاورينا فدتك النَّفس من جَار وَمن أعجب مَا يحْكى عَن بشار، مَا ذكر ابْن المعتز فِي طَبَقَات الشُّعَرَاء الْمُحدثين: أَن الْمهْدي دخل حجرَة بعض جواريه على حِين غَفلَة مِنْهَا، فرآها تَغْتَسِل، فَلَمَّا رَأَتْهُ سترت متاعها بكفيها، وَكَانَ أعظم أَن يشتملا عَلَيْهِ، فانثنت حَتَّى توارى فِي عُكَن بَطنهَا، فَخرج وَهُوَ يَقُول: نظرت عَيْني لحيني ... منْظرًا وَافق شيني ثمَّ قَالَ: انْظُرُوا! من بِالْبَابِ من الشُّعَرَاء؟ فَقيل بشار، فَقَالَ: هاتوا بِهِ، فَلَمَّا وصل إِلَيْهِ قَالَ: أجز هَذَا الْبَيْت وَلم يعرفهُ الْقِصَّة: أَبْصرت عَيْني لحيني ... منْظرًا وَافق شيني فَقَالَ على النَّفس: سترته إِذْ رأتني ... تَحت بطن الراحتين

стр. 103

فبدت مِنْهُ فضول ... لن توارى باليدين فانثنت حَتَّى توارى ... بَين طي العكنتين قَالَ: فتعجب الْمهْدي من قَوْله وحكايته مَا لم يره، وَقَالَ لَهُ: قد نجاك عماك، وَأمر لَهُ بصلَة. وَمن بَدَائِع بشار قَوْله: يَا قوم أُذُنِي لبَعض الْحَيّ عاشقة ... والآذن تعشق قبل الْعين أَحْيَانًا حَمَّاد عجرد: قَالَ الرياشي: قَالَ بشار: أهجي بَيت هجى بِهِ أحد قَول الْعَبْدي - يَعْنِي حمادا: نسبت إِلَى برد وَأَنت لغيره ... فهبك لبرد نكت أمك من برد وَكَانَ يَقُول: قد تهَيَّأ لِابْنِ الفاعلة فِي هجائي بِهَذَا الْبَيْت مَا لم يتهيأ لجرير والفرزدق، وَقد تهاجيا أَرْبَعِينَ سنة. وَقَالَ مُحَمَّد بن دَاوُد بن الْجراح: من عَجِيب الشّعْر قَول حَمَّاد فِي أَخذ الْعذرَة وَلم يسْبق إِلَيْهِ: قد فتحنا الْحصن بعد امْتنَاع ... بمبيح فاتح للقلاع ظَفرت كفي بتفريق شَمل ... جَاءَنَا تفريقه باجتماع وَإِذا شعبي وَشعب حَبِيبِي ... إِنَّمَا يلتام بعد انصداع أَبُو الْعَتَاهِيَة: قيل لَهُ: أَي شعر أحكم عنْدك وأعجب إِلَيْك؟ قَالَ: قولي: علمت يَا مجاشع بن مسْعدَة ... أَن الشَّبَاب والفراغ وَالْجدّة مفْسدَة للمرء أَي مفْسدَة وَقَالَ إِسْحَاق الْموصِلِي: أَنْشدني ابْن مخلد لأبي الْعَتَاهِيَة:

стр. 104

مَا إِن يطيب لذِي الرِّعَايَة لل ... أَيَّام لَا لعب وَلَا لَهو إِذْ كَانَ يطرف فِي مسرته ... فَيَمُوت من أجزاءه جزؤ فَقلت: مَا أحسنهما؟ فَقَالَ: أهكذا تَقول، وَالله إنَّهُمَا روحانيان يطيران مَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض. وَكَانَ الجاحظ يَقُول فِي قَول أبي الْعَتَاهِيَة: إِن الشَّبَاب حجَّة التصابي ... رَوَائِح الْجنَّة فِي الشَّبَاب معنى كمعنى الطَّرب، الَّذِي تعرفه الْقُلُوب، وتعجز عَن وَصفه الألسن. وَقَالَ: دخلت يَوْمًا على أبي إِسْحَاق النظام وَفِي يَده قدح دَوَاء، يُرِيد أَن يشربه وَهُوَ يتكرهه وَيَعْبَسَ لَهُ وَجهه، فَقَالَ لي: يَا أَبَا عُثْمَان صدق وَالله صديقك - عين أبي الْعَتَاهِيَة - فِي قَوْله: أَصبَحت فِي دَار بليات ... أدفَع آفَات بآفات وَيُقَال إِن أمدح شعر لخليفة قَوْله للمهدي: أَتَتْهُ الْخلَافَة منقادة ... إِلَيْهِ تجرر أذيالها وَلم تَكُ تصلح إِلَّا لَهُ ... وَلم يَك يصلح إِلَّا لَهَا وَلَو رامها أحد غَيره ... لزلزلت الأَرْض زِلْزَالهَا وَلَو لم تطعه بَنَات القلو ... ب لما قبل الله أَعمالهَا وَمن جَوَامِع كَلمه وبدائع غرره قَوْله: يَا رب أَنْت خلقتني ... وخلقت لي وخلقت مني سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ عا ... لم كل غيب مستكن

стр. 105

مَا لي لشكرك طَاقَة ... يَا سَيِّدي إِن لم تَعْنِي أَبُو نواس: كَانَ الْمَأْمُون يَقُول: لَو نطقت الدُّنْيَا لما وصفت نَفسهَا بِأَحْسَن من قَوْله: إِذا امتحن الدُّنْيَا لَبِيب تكشفت ... لَهُ عَن عَدو فِي ثِيَاب صديق وَقَالَ عمر بن شبة: قَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة لرجل من أهل الْبَصْرَة: قد أحسن وَالله أَبُو نواسكم فِي قَوْله: يَا قمرا أَبْصرت فِي مأتم ... ينْدب شجوا بَين اتراب يبكي فيلقي الدّرّ من نرجس ... ويلطم الْورْد بعناب وَإِذا أعجب بِهِ سُفْيَان مَعَ زهده وورعه فَمَا الظَّن بِغَيْرِهِ وَقَالَ هَارُون بن عَليّ بن يحيى المنجم: أجمع أهل الْعلم بالشعر على أَن أَجود بَيت للمحدثين فِي الْمَدْح قَول أبي نواس: وكلت بالدهر عينا غير غافلة ... بجود كفك يأسو كل مَا جرحا وَقَالَ غَيره بل قَوْله: أَنْت على مَا بك من قدرَة ... فلست مثل الْفضل بالواجد وَلَيْسَ على الله بمستنكر ... أَن يجمع الْعَالم فِي وَاحِد وَمِمَّا يجمع الظّرْف والإعجاب والإطراب قَوْله: أَرْبَعَة مذهبَة ... لكل هم وحزن تحيى بهَا عين ورو ... ح وفؤاد وبدن المَاء والبستان والقهوة وَالْوَجْه الْحسن

стр. 106

مَنْصُور النمري: لما انشد الرشيد قصيدته الَّتِي هِيَ غرَّة كَلَامه وأولها: مَا تَنْقَضِي حسرة مني وَلَا جزع ... إِذا ذكرت شبَابًا لَيْسَ يرتجع مَا كنت أوفي شباب كنه غرته ... حَتَّى انْقَضى فَإِذا الدُّنْيَا لَهُ تبع بَكَى الرشيد حَتَّى اخضل لحيته، ثمَّ قَالَ: يَا نمري مَا خير دناي لَا يخْطر فِيهَا بِبرد الشَّبَاب. وَقَالَ الْمبرد: أَجود مَا قيل فِي الْفِرَاق قَول النمري: إِن الْمنية والفراق لوَاحِد ... أَو توءامان تراضعا بلبان أَشْجَع بن عَمْرو السلمى: أحسن وأبدع وأعجب مَا قَالَ فِي الْملك المهيب والنصرة بِالرُّعْبِ قَوْله فِي الرشيد: وعَلى عَدوك بِابْن عَم مُحَمَّد ... رصدان: ضوء الصُّبْح والإظلام فَإِذا تنبه رعته وَإِذا هَذَا ... سلت عَلَيْهِ سيوفك الأحلام كُلْثُوم بن عَمْرو العتابي: أحسن مَا قيل فِي التوقي من الترقي إِلَى معالي الْأُمُور طلبا للسلامة، قَوْله: يَسُرك أَنِّي نلْت مَا نَار جَعْفَر ... من الْملك أَو مَا نَالَ يحيى بن خَالِد وَأَن أَمِير الْمُؤمنِينَ أغصني ... مغصهما بالمرهفات البوارد فَإِن عليات الْأُمُور مشوبة ... بمستودعات فِي بطُون الأساود عبد الْملك بن عبد الرَّحِيم الْحَارِثِيّ: من عَجِيب الشّعْر وطريفه ومليحه قَوْله فِي معنى الصُّوفِيَّة، جوده وَحسنه وَأحسن الإفصاح عَنهُ وأبرزه فِي أبهى معرض وأرسله مثلا سائراً وَإِن كَانَ لم يعرف الصُّوفِيَّة ومذهبهم:

стр. 107

وَمَا زرتكم عمدا وَلَكِن ذَا الْهوى ... إِلَى حَيْثُ يهوى الْقلب تهوى بِهِ الرجل أَبُو الشيص الْأَعرَابِي: من عُيُون أَمْثَاله السائرة: لَا تنكري صدي وَلَا إعراضي ... لَيْسَ الْمقل عَن الزَّمَان براضي وَمن أحسن مَا قيل فِي موت ملك وَقيام ابْنه، قَوْله فِي وَفَاة الرشيد وَقيام الْأمين: جرت جوَار بالسعد وبالنحس ... فَنحْن فِي وَحْشَة وَفِي أنس الْعين تبْكي وَالسّن ضاحكة ... فَنحْن فِي مأتم وَفِي عرس يضحكنا الْقَائِم الْأمين ويب ... كينا وَفَاة الرشيد بالْأَمْس بدر بِبَغْدَاد بَات فِي رغد ... وَبَات بدر بطوس فِي رمس وَمن عَجِيب شعره الَّذِي لم يسْبق إِلَيْهِ قَوْله: كريم يغض الطّرف فضل حيائه ... وَيَدْنُو وأطراف الرماح دواني وكالسيف إِن لاينته لَان مَتنه ... وحداه إِن خاشنته خشنان أَبُو يَعْقُوب الخريمي: من عَجِيب شعره الَّذِي لم يسْبق إِلَيْهِ قَوْله: يلام أَبُو الْفضل فِي جوده ... وَهل يملك الْبَحْر أَن لَا يفيضا وَقَوله: إِذا مَا مَاتَ بعضك فابك بَعْضًا ... فبعض الشي من بعض قريب

стр. 108

وَقَوله: وأعددته ذخْرا لكل ملمة ... وَسَهْم الرزايا بالذخائر مولع والبة بن الْحباب: من أَمْثَاله السائرة العجيبة: إِن كَانَ يجزى بِالْخَيرِ فَاعله ... شرا ويجزى الْقَبِيح بالْحسنِ فويل تالي الْقُرْآن فِي ظلم اللَّيْل وطوبى لعابد الوثن مُسلم بن الْوَلِيد: من فرائد قلائده الأنيقة وأبيات قصائده العجيبة قَوْله فِي ذمّ الدُّنْيَا: دلّت على عيبها الدُّنْيَا وصدقها ... مَا اسْترْجع الدَّهْر مِمَّا كَانَ أَعْطَانِي وَقَوله فِي المرثية: أَرَادوا ليخفوا قَبره عَن عدوه ... فطيب تُرَاب الْقَبْر دلّ على الْقَبْر وَقَوله فِي الهجاء، وَقيل إِنَّه أهجى بَيت للمحدثين: قبحت مناظرهم، فحين بلوتهم ... حسنت مناظرهم لقبح الْمخبر وَيُقَال بل قَوْله: أما الهجاء فدق عرضك دونه ... والمدح عَنْك كَمَا علمت جليل فَاذْهَبْ؟ فَأَنت طليق عرضك إِنَّه ... عرض عززت بِهِ وَأَنت ذليل مُحَمَّد بن أبي أُميَّة: وصف لأبي الْعَتَاهِيَة خَبره، فاستنشد شعره، فَأَنْشد قَوْله:

стр. 109

رب وعد مِنْك لَا أنساه لي ... أوجب الشُّكْر وَإِن لم تفعلي أقطع الدَّهْر بِظَنّ حسن ... وأجلي كربَة لَا تنجلي كلما أملت يَوْمًا صَالحا ... عرض الْمَكْرُوه دون الأمل وَأرى الْأَيَّام لَا تدني الَّذِي ... أرتجي مِنْك وتدني أَجلي فَجعل أَبُو الْعَتَاهِيَة يستعيده ويبكي وَيقبل رَأسه وَيَقُول: بودي أَنه لي بِبَعْض شعري. المؤمل بن إميل الْمحَاربي: لَهُ هَذَا الْبَيْت السائر النَّادِر وَلَا غَايَة لظرفه وَهُوَ عرضة لرسائل الصاحب والصابي لحسنه وجودته: ذَا مرضنا أَتَيْنَاكُم نعودكم ... وتذنبون، فنأتيكم ونعتذر وينشد مَعَه: لَا تحسبوني غَنِيا عَن مودتكم ... إِنِّي إِلَيْكُم وَإِن أَيسَرت مفتقر خَالِد بن زيد الْكَاتِب: مَا زَالَ النَّاس يفضلون قَوْله فِي طول اللَّيْل: رقدت فَلم تَرث للساهر ... وليل الْمُحب بِلَا آخر لحسنه وظرفه وَقلة لَفظه وَكَثْرَة مَعَانِيه على كل مَا قيل فِيهِ حَتَّى جَاءَ سيدوك الوَاسِطِيّ فأربى عَلَيْهِ بعجيب قَوْله ونادره: عهدي بِنَا ورداء الْوَصْل يجمعنا ... وَاللَّيْل أطوله كاللمح بالبصر فَالْآن ليلِي مذ غَابُوا فديتهم ... ليل الضَّرِير، فصبحي غير منتظر فتحفظوه ونسوا قَول خَالِد على أَنه أوجز لفظا مِنْهُ وَلَيْسَ هُوَ فِي كَمَال الْمَعْنى دونه.

стр. 110

أَبُو عُيَيْنَة مُحَمَّد بن أبي عُيَيْنَة: المهلبي لَهُ قَوْله: جسمي معي غير أَن الرّوح عنْدكُمْ ... فالروح فِي غربَة والجسم فِي وَطن فليعجب النَّاس مني أَن لي بدنا ... لَا روح فِيهِ ولي روح بِلَا بدن وَقَوله: أرى عهدها كالورد لَيْسَ بدائم ... وَلَا خير فِيمَن لَا يَدُوم لَهُ عهد وعهدي لَهَا كالآس حسنا ونضرة ... لَهُ بهجة تبقى إِذا فني الْورْد إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي: من أَعَاجِيب شعره لِلْمَأْمُونِ: مَا إِن عصيتك والغواة تمدني ... أَسبَابهَا إِلَّا بنية طائع فعفوت عَمَّا لم يكن عَن مثله ... عَفْو وَلم يشفع إِلَيْك بشافع فرحمت أطفالا كأفراخ القطا ... وحنين والهة كقوس النازع وَإِنَّمَا شبهها بِالْقَوْسِ لانحنائها وحنينها، وَمن عجائب تشبيهاته قَوْله: كَأَنَّهُ شلو كَبْش والهواء لَهُ ... تنور شاوية والجذع سفود وَمن أَعَاجِيب أحاسنه قَوْله فِي النَّهْي عَن وصف الحبيب، ويروي للْحكم بن قنبر: وَلست بواصف أبدا حبيبا ... أعرضه لأهواء الرِّجَال وَمَا بلي أشوق قلب غَيْرِي ... إِلَيْهِ ودونه ستر الحجال كَأَنِّي أشتهي الشُّرَكَاء فِيهِ ... وآمن فِيهِ إِحْدَاث اللَّيَالِي
следующие страницы →