← Общие книги

Общие книги · id 7834

الرد الجميل على المشككين في الإسلام من القرآن والتوراة والإنجيل والعلم

عبد المجيد حامد صبح

Полный текст (216 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ماذا نذكر وماذا ندع؟ وهل (فكرة العولمة) إلا أسلوب جديد للهيمنة على العالم، ومحاولة إخضاعه للفكر الأمريكي وقيمه الاستهلاكية؟ رحم اللَّه امرأ شغله عيبه عن عيوب الناس "!! وإلى توابع سؤالكم ٣٨ - في سبيل هدفهم في الطعن في الإسلام، والتشكيك في كتابه ونبيه، قالوا: إن القرآن يغيّر رأيه، فكلما سألنا عن آية قالوا: هذه منسوخة. يقولون: ونبيكم غيرّ رأيه، حين أباح زيارة القبور، بعدما منع النساء منها، وكما حرّم زواج المتعة بعد ما أباحه. يقولون: وعلماء المسلمين يغيّرون رأيهم. قلت: وهذا الاعتراض جهل بأمرين مهمين: جهل بأسلوب التربية الصحيح، وجهل بحكمة الإسلام في التشريع، وموافقة حكمته لأحد مناهج التربية. كان منهج القرآن في التشريع، على أساس المنهج التربوي، هو: التدرج في تغيير العادات، والتدرج في فرض العبادات، وهذه حقيقة يعلمها من علم مناهج التربية، ومن درس تاريخ التشريع. ٣٩ - وعلى أساس هذا المنهج ترك القرآن أشياء كان عليها الجاهليون، تركها مدة، حتى تتمكن العقيدة في نفوسهم ثم أخذ يتدرج في التحريم، كما أخذ يتدرج في الفرائض، وذلك حرصا على تأليفهم، والرفق بهم في اقتلاعهم من عاداتهم. وتربيتهم على تحصيل الأفضل فالأفضل، وتقديم الفاضل على المفضول. وذلك كما قدم الإيمان بالله ومعرفته على ما سواه، لأنه الأصل، ولذلك تأخرت الواجبات عند ابتداء الإسلام، ترغيبا فيه، فإنها لو وجبت في الابتداء لنفروا من الإيمان، لثقل التكاليف. ولذلك أخر إيجاب الصلاة إلى ليلة الإسراء. وكذلك أخر الصيام والزكاة إلى ما بعد الهجرة، لأنها لو وجبت في الابتداء لكان إيجابها أشد

стр. 107

تنفيرا؛ لغلبة الضِّنة بالأموال. وكذلك لو وجب الجهاد في الابتداء لأباد الكفرة أهل الإسلام لقلة المؤمنين، وكثرة الكافرين؛ ولأنهم لو أذن لهم به لتصرفوا بحماس وشِرَّة، ولكل شِرَّة فترة، كما جاء في الحديث، وبذلك تفتر هممهم، وتضَعف عزائمهم. وفي هذه التريية توجيه للمتحمسين من شباب اليوم، الذين يلوكون كلمة (الجهاد) وهم لا يفقهون فقهها، ولم يقرنوا هذا الفقه بالواقع، ومقايسة الواقع على قدراتهم وما يستطيعون! ومن فوائد هذا التدرج المربي قوله ﷺ : "من قال لا إله إلا الله دخل الجنة" فقد ذكر الترمذي أن الإمام الزهري سئل عن هذا الحديث، فإن ظاهره كفاية هذه الشهادة في دخول الجنة دون عمل، فقال الزهري، إنما كان هذا في أول الإسلام، قبل نزول الفرائض والأمر والنهي. ومن المعروف المشهور أن الإسلام سكت عن شربهم الخمر؛ لتمكنها من عاداتهم، ثم أخذ في تحريمها على التدرج. ومن ذلك نهيه عن زيارة القبور، وكانوا يعظمونها، فلما تمكنت العقيدة من قلوبهم أباحها. ومن ذلك نهيه عن قراءة كتب أهل الكتاب ثم إباحتها، بقوله ﷺ : "حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج. وقد نُقل إلى عبد اللَّه بن عمرو حمل بعير من كتب أهل الكتاب فقرأه، وطالع كثيرا من الكتب القديمة، وكان يكتب بالسريانية وبالعربية. قلت: وفي هذا درس لمن يقولون: لا نقرأ غير الكتاب والسنة ولا نتعلم من اللغات غير العربية!! وعلى هذه السنة التربوية والتشريعية جرى شأن زواج المتعة.

стр. 108

٤٠ - وهنا ملحظ مهم يتعلق بمسألة التدرج في الشريعة، ذلك أن (التدرج) صفة لازمة للشريعة لا تفارقها أبدا، وليس خاصا ولا مقصورا على عصر التنزيل وزمن الرسول ﷺ ولكن هذا التدرج الدائم يتفاوت بحسب حال المكلفين وظروفهم الخاصة، وأحوال بيئتهم، فالداخل في الإسلام حديثا، والناشئ في بلاد غير المسلمين، كالأوربيين والأمريكانيين، وكثير من هؤلاء لا يعرف من الإسلام إلا اسمه، ومنهم من لم يسمع حتى اسمه - هؤلاء يلقنون أصول الدين وأركان الإسلام، ثم يتدرج به إلى الشرائع، ولا يلقن منها إلا الأهم فالأهم، ولا سيما ما يتصل - بواقع بيئته، كحرمة الزنا والربا والخمر ولحم الخنزير. وكذلك السلم الذي لم يكن له حظ من الالتزام بشريعة الإسلام وآدابه. ولا يتوهمن أحد أن هذا المنهج التدرجي أنه إقرار لبعض المحرمات، وتفريط في بعض الواجبات، إنما هو التزام بصفة لازمة للشريعة. يقول الإمام ابن تيمية، في فتاويه (٢٥ / ٥٩ - ٦٥) : "فإذا حصل من يقوم بالدين من العلماء أو الأمراء أو مجموعهما. كان بيانه لما جاء به الرسول شيئا فشيئا بمنزلة بيان الرسول لما بعث به شيئًا فشيئا. ومعلوم أن الرسول لا يبلغ إلا ما أمكن علمه والعمل به ولم تأتِ الشريعة جملة، كما يقال. إذا أردت أن تطاع فأمر بما يستطاع. فكذلك المجدد لدينه والمحصي لسنته، لا يبلغ إلا ما أمكن علمه والعمل به. كما أن الداخل في الإسلام لا يمكن حين دخوله أن يلقن جميع شرائعه ويؤمر بها كلها. وكذلك التائب من الذنوب، والمتعلم، والمسترشد لا يمكن، فى أول الأمر، أن يؤمر بجميع الدين ويذكر له جميع العلم، فإنه لا يطيق ذلك، وإذا لم يطقه لم يكن واجبا عليه في هذه الحال، وإذا لم يكن واجبا لم يكن للعالم والأمير أن يوجبه جميعه ابتداء، بل يعفو عن الأمر والنهي بما لا يمكن علمه وعمله إلى وقت الإمكان، كما عفا الرسول عما عفا عنه إلى وقت بيانه، ولا يكون ذلك من باب إقرار المحرمات وترك الأمر بالواجبات؛ لأن الوجوب والتحريم مشروط بإمكان العلم والعمل، وقد فرضنا انتفاء هذا الشرط. فتدبر هذا الأصل فإنه نافع".

стр. 109

٤١ - قلت: ونحن مع شيخ الإسلام ابن تيمية في لزوم تدبر هذا الأصل، ووجوب التزامه في الدعوة في أيامنا هذه، فإن قوما ممن يتصدون للدعوة في هذه الأيام يرفضون هذا الأصل الملازم للشريعة والدعوة إليها، بحجة أن الدين قد كمل، وأنه من الواجب العمل به كله، غافلين، بل يجهلون طبائع النفس البشرية في نفورها من أصل التكليف، بله ثقله، فإذا جاءهم من يريد أن يسلم، أو من يريد أن يتعرف على الإسلام أكثروا عليه القول، حتى ينفر. ومنهم - بتجربتي - من يبدأ، مع الغربيين، بمسائل من الشكل والفرعيات. ومنهم من يبدأ في تعريفهم بالإسلام، من الحدود ومنهم من يبدأ بالتعريف بتحريم الخمر والخنزير. وقد قصدت قصدا إلى نقل عبارة الإمام ابن تيمية، لعلمي أنهم يقدسون قوله تقديسا، ولا يردون له قولا، فها أنا أذكر قوله الواعي الناضج في فهم الشريعة والدعوة إليها على مدى الدهر، وكرّ الغداة ومر العشي، وهأنا أحدد مكانه تحديدا من مجلدات فتاواه. والله يهدي من يشاء إلى صراطه المستقيم. قال الإمام: ولا يعترض على هذا أن الدين قد كمل، والنعمة به قد تمت، وبكماله وتمام نعمته قد انتهى التدرج، لأن هذا الاعتراض يسلب الشريعة خاصتها التي بيّنت، ويكلف بما لا يطاق من العلم والعمل، وقاعدة التكليف في شريعة الإسلام هي: التكليف بما في الوسع، لا بما هو فوق الطاقة (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ. . . . . . .) . ٤٢ - هذا، وكاتبُ هذه السطور ينفي نفيا قاطعا أن يكون في القرآن الذي تركه لنا الرسول ﷺ وكتبه عنه كتاب الوحي، وعارضه معه جبريل ﵇، سنتين من آخر عمره، حتى إذا كانت الأخيرة عارضه معه مرتين، والمدون في المصحف بإجماع الصحابة، والذي حفظوه في الصدور قبل حفظه في السطور. أقول هذا

стр. 110

القرآن، الذي بين أيدينا، والمنقول إلينا بالتواتر، هذا القرآن ليس فيه منسوخ لا آية، ولا أكثر، هذا مع علم صاحب هذه السطور بأن مسألة النسخ من مسائل علوم القرآن، وموضوعات الفقه وأصوله، حتى إن منكر النسخ يتهم بالعظائم، فإذا كان من العلماء من يحدث هؤلاء المشبهين بأن هذه الآية أو غيرها منسوخة، فإنما يجيبون على قدر علمهم. ولا تثريب عليهم إلا تمحيص العلم، وعدم أخذه تقليدا. إنهم يقلدون ولا يملكون الدليل. فكل آية في المصحف محكمة. وقد وصف اللَّه القرآن وآياته بأنها محكمة: (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ) (الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ) . كما أن اللَّه أمر بالرجوع إلى القرآن. ولو كان فيه منسوخ لاستثناه (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) . والرسول، في حجة الوداع (حجة الإسلام) في خطبته الجامعة، التي هي منهج الدستور العملي للأمة المسلمة، قال: "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: كتاب اللَّه وسنتي" "كتاب اللَّه وعترتي" ولم يستثن. ولو كان فيما تركه من القرآن منسوخ لقال، مثلا: إلا ما كان منه منسوخا. ولو كان فيه المنسوخ، مع هذا التوجيه العام المطلق، لكان ذلك موقعا في الحيرة والتخبط، ولتنافي ذلك مع قول الرسول: تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها. وما من آية، في القرآن يقال عنها منسوخة إلا ولها وجه من العمل، وحال من الأحوال تطبق فيها. أما الآية ١٠٦ من سورة البقرة، والتي يستشهد بها (المشككون) والقائلون بالنسخ عموما: (مَا نَنسَخ مِنءَايَةٍ. . .) فإن (الآية) فيها بمعنى آيات الأنبياء السابقين، وما نوّعها اللَّه، من نبي إلى نبي، حتى ختمها بآيته الفذة: القرآن الكريم. وإذا أولت على نسخ بعض آيات الشريعة فإنما هي إشارة إلى ما كان في عهده ﷺ -

стр. 111

والوحي يتنزل، مما يحتمل نقلهم من حال إلى حال. ويكون ذلك تمهيدا لإخبارهم عن تحويل قبلتهم من ييت المقدس إلى ييت اللَّه في مكة. وتأمّل قوله - تَعَالَى -، بعد قوله: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ. . .) تأمل قوله بعدها: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٠٧) أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ. . .) . فإن هذا الاستفهام الإنكاري (أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا. . .) والذي يتوجه به القرآن إلى المسلمين فيه تحذير لهم من أن يكونوا مع نبيهم كما كان اليهود مع موسى كلما جاءهم بأمر لم يألفوه بالامتثال، بل قابلوه بالحذر والريب وبالأسئلة الكثيرة. وتحويل القبلة إذا كان أمرا وشيك الوقوع، فإذا وقع هذا التحويل نزعت بهم نوازع كثيرة تدعوهم إلى التساؤل: فيم كنا؟ ولم هذا؟ وهل سنحول عن القبلة الجديدة أم نبقى عليها؟ فكان هذا تحذها للمسلمين من أن يقعوا فيما وقع فيه اليهود. فكانت آية النسخ مقدمة للدفاع في قضية تحويل القبلة إلى المسجد الحرام، فكأنه يقول: إن اللَّه إذا نسخ آية: أو بدل حكما بحكم فإنما ذلك بمقتضى حكمته. وقد نسخ اللَّه كثيرا من الشرائع السابقة، فأين شريعة نوح، مثلا، لقد أنساها اللَّه، فلم يعد أحد يذكر منها شيئا. وأبقى ذكرها، تعليما، كما أمر إبراهيم بذبح ولده ثم نسخه قبل وقوعه. وعلى هذا، فإن أقرب مفهوم إلى النسخ الذي أشارت إليه الآية (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ. .) هو نسخ التوجه إلى بيت المقدس، إلى البيت الحرام. وكلا البيتين آية من آيات اللَّه، إذ قاما بأمره. ونخلص من هذا إلى أن آية النسخ ليست موجهة إلى نسخ آيات من القرآن الكريم أخرى، وإنما إلى نسخ قبلة وإحلال أخرى مكانها. كما أن قوله (أَوْ نُنْسِهَا) معناه تأخير الحكم الذي دعى به المسلمون إلى التحول إلى البيت الحرام مدة بلغت

стр. 112

نحو سبعة عشر شهرًا، كانوا يتوجهون خلالها نحو بيت المقدس. * * * ٤٣ - أما مسألة اختلاف علماء المسلمين: اتخاذ هذه المسألة وسيلة للطعن من عجائب هؤلاء القوم! وهي من باب. العيب بالمحاسن، والتعيير بالفضائل، كما أنها من باب رؤية القشّة فىِ عين غيرك، وعدم رؤية الخشبة في عينك، على حلّه تعبير كتابكم (المقدس) . لقد قدمت لكم أمثلة، مجرد أمثلة لاختلافات كتابكم المقدس مما يستحيل معه أن يكون وحيا من الله. أما المسلمون فقد حمى اللَّه كتابهم من هذ الشين، وقد وعد اللَّه بذلك في قوله: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) . وصدَّق الزمان هذا الوعد، فلم يتغير في القرآن حرفٌ واحد. أما اختلاف علماء المسلمين فليس اختلافا في (العقائد) وأصول الإسلام، وإنما هو اختلاف في فروع الأحكام العملية وكان ذلك من سماحة الإسلام ويسره، ومن وجوه التخفيف على المسلمين. ولم يكن اختلاف علماء المسلمين اختلاف تناقض، على نحو ما هو عندكم في كتابكم، وإنما هو اختلاف تنوع، يعطي وجوها متعددة، وكيفيات متعددة لأداء العمل، مما ييسر على المسلم أداء عمله العبادي، والتعاملي. وكان لذلك أسباب علمية، قامت على منهج علمي. فمن العلماء من منهجه: ماذا قال؟ فهو يبحث عن منطوق النص الوارد عق الله وعن رسوله. ومن العلماء من منهجه: ماذا أراد؟ فهو يبحث عما وراء منطوق اللفظ. وهؤلاء وهؤلاء إنما كان همهم وكل قصدهم الوصول إلى الحق، والعلم المطابق لمراد اللَّه، ومراد رسوله ولذلك نقل عن الإمام الشافعي قوله: "إن صح الحديث فهو مذهبي، واضربوا بقولي عرض الحائط ".

стр. 113

ومع سلامة القصد، واختلاف المنهج لم يدّع واحد من العلماء أن (اجتهاده) هو الحق، ولما سئل الإمام أبو حنيفة: هل ما تقول هو الحق الذي لا مرية فيه؟ قال: والله ما أدري، لعله الباطل الذي لا مرية فيه! أما الشافعي فقد قال عن (اجتهاده) كلمة سرت في الفكر الإسلامي سريان الماء في العود، تلك قولته: "رأييى صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري (أي عنده) خطأ يحتمل الصواب" أما تلميذه، وخاتمة الأئمة المشهورين أحمد بن حنبل فقد قال: لقد بذلت المجهود من نفسي وإني لأرجو أن أخرج منه كفافًا لا عليَّ ولا لي ". كما أنه من المقرر، عند المسلمين، أن اجتهادات العلماء ليست دينا، ولا وحيا، فمخالفتها ليست مخالفة للإسلام، وهذا أعطى الحرية الفكرية للمسلم في اختياره ما يراه حقا مطابقا للإسلام، أو هو الأقرب إليه. كما أعطى أهل العلم، في كل عصر وزمان حرية الاجتهاد فيما اجتهد فيه السابقون، وفيما يستجد من مسائل اقتضاها تغير الأحوال وتقدم الزمان. وتلك من فضائل الإسلام، وصلاحيته فقها، وتشريعا لكل زمان ومكان. لم يكن السلمون، مع علمائهم، كغيرهم، الذين يعتبرون كلام (رجال دينهم) وحيا واجب الاتباع، ومن خرج عليه كان جزاؤه (الحرمان) . دُلّوني - إن استطعتم، ولن تستطيعوا - على دين ربَّى أمته على الحرية الفكرية إزاء أقوال علمائه كما قرر تاريخ المسلمين، وكما نص عليه كبار أئمتهم، حتى إنهم هم الذين يفتحون باب نقدهم على مصراعيه. إنكم تفاخرون بقول (فولتير) لمخالفه في الرأي: أنا أخالفك في الرأي، ولكني سأدافع عن حقك في إبداء الرأي إلى آخر قطرة من دمي وهذا حسن، ولكن متى وصلتم إلى هذا؟ وهل أقرته الكنيسة؟ إنه كان بعد عصور من كبت الرأي، واحتكار تفسير الكتاب المقدس، وقد سجن (فولتير) بأمر الكنيسة. ثم لم يكن ذلك إلا في منتصف القرن الثامن عشر، على حين كان المسلمون قد تمتعوا بهذه

стр. 114

الحرية الفكرية قرونا طوالا، كان من ثمارها هذه الثروة الفقهية الواسعة، التي بهرت علماء القانون من الغربيين، حتى قال عميد كلية الحقوق الألماني: إنه سوف يكون سعيدا إذا ما وصل القانون عندهم، بعد ألفي سنة، إلى ما وصل إليه الفقه الإسلامي!! أين هذه الشهادة، من عالم متخصص، من عيبكم مالا يعاب؟ الفرق بين القولين فرق ما بين حكم العالم، وتحريف الجاهل!! ٤٤ - وبعد، فما لكم وهذا (الاجتهاد الفقهي) وآثاره الطبة في الفكر وفي العمل - واتخاذه عيبا يعيب به من لا يفقه. وأين من اختلافكم في طبيعة معبودكم، المسيح. هل هو ذو طبيعة واحدة إلهية، أم هو ذو طبيعتين إلهية وإنسانية، وأدى ذلك إلى مذهبين لا يلتقيان على ود، وكنيستين لا يجتمعان على عقيدة؟!! وأين هذا الاجتهاد الفقهي من اختلافكم على (كتابكم) ؟ فالعبرانيون ينكرون التوراة التي عند السامريين، والسامريون ينكرون التوراة التي عند العبرانيين، وهذه وتلك إنما كتب بعد السبي البابلي الذي كان سنة ٥٨٦ أي بعد موت موسى بما يقارب ستة قرون!! أما كتب الأنبياء من بعد موسى، والملحقة الآن بالتوراة فإن السامريين يرفضونها كلها، ولم يقبلوا إلا ما نسب إلى موسى. والنصارى يقدّسون التوراة العبرانية وكذلك أسفار الأنبياء. فما شأن الأناجيل ؟ وهل هو إنجيل واحد؟ لا، بل أناجيل عدة كتبها كاتبون! وأقدم نسخ الأناجيل مترجم عن نسخة لم تعرف، ومترجمها لم يعرف. وأول (فن) الترجمة: أن تعرف النسخة المترجمة، وأن يعرف المترجم، ومدى قدرته على اللغتين. . إلى آخر هذا. وكله غير معروف. وهذا كله حقائق تاريخيه، لا ينكرها منكم أحد. لقد حفظ تاريخ الكتاب المقدس أناجيل عدة، ولا سيما زمان اعتراف الرومان بالنصرانية

стр. 115

مذهبا رسميا للدولة. ولكن المجامع الكنسية اختارت هذه الأربعة اختيارا لم يقم على الأسس العلمية، بل كان عشوائيا بأسلوب القرعة!! وبناء على هذه القرعة غير العلمية اعتبروا باقي الأناجيل (أبو كريفا) وهي لفظة معناها: الكتب المزيفة. وتبلغ هذه الأناجيل المرفوضة خمسة وسبعين. منها إحدى عشرة رسالة تنسب إلى بطرس. فخبرونا عن الأسس العلمية في قبول ما قبل، ورفض ما رفض! فلسنا نعلم، ولا أحد يعلم أيها الصحيح وأيها الباطل، وأيها الناسخ وأيها المنسوخ. إن (قياس) الارتداد عن الإسلام على النسخ وعلى تنوع آراء العلماء قياس باطل لجملة هذه الفوارق التي ذكرتها، ولا يقيس، مع وجود الفارق، إلا من لا يعلمون وحسبكم مسألة الاختلاف في معبودكم وكتبكم ردًّا عليكم، وخلانا ذم!!

стр. 116

السؤال الثاني لماذا حرم على غير المسلم دخول مكة والمدينة . وفي المقابل: المسلم حر الحركة سواء في أوربا وأمريكا، أو أي مكان فيه كرة مسيحية. فأين العدل والمساواة؟ أليس هذا ينم على أنكم لستم متسامحين؟ أو أنه ليس عندكم ثقة في دينكم. ولماذا لم تسمحوا بالحركات التبشيرية في داخل مكة والمدينة؟ هل تخافون أن يترك المسلمون دينكم ويدخلوا في المسيحية؟ أين الثقة في دينكم؟ * * * جواب السؤال الثاني ١ - ليتكم تستحضرون ما بت آنفا، وأوصيتكم بصحبته طوال البحث - من طبيعة العقوبة في ذاتها، وطبيعة العقوبة في الإسلام، والطبيعة القانونية لليهودية والمسيحية والإسلام. فإن صحبة هذا البحث معين للسائل المنصف على التعرف على الحق. ويغنيه عن كثير من الأسئلة، ثم ليتكم تذكرون خاصة الإسلام من أنه دين وسياسة وقانون. ٢ - ماذا تنكرون من الإسلام؟ تحريم مكان على غير أهله؟ ألا تذكرون ما في سفر يشوع؟ هذا بعض ما في إصحاحه السادس: "وكانت أريحا مغلّقة مقفلة بسبب بني إسرائيل. . . اهتفوا، لأن الرب قد أعطاكم المدينة، فتكون المدينة وكل ما فيها مُحَرَّما للرب. . . وتجعلوا محلة إسرائيل محرَّمة، وتكدِّروها، وكل الفضة والذهب وآنية النحاس والحديد تكون قدسا للرب. .. وأخذوا المدينة وحزموا كل ما في المدينة من رجل وامرأة، من طفل وشيخ، حتى

стр. 117

البقر والغنم والحمير بحد السيف. .. وأحرقوا المدينة بالنار مع كل ما بها. .. وحلف يشوع في ذلك الوقت قائلا: ملعون قدام الرب الرجل الذي يقوم ويبني هذه المدينة أريحا. وفي ص ٨: قال الرب ليشوع: قم اصعد إلى عاي. قد دفعت بيدك ملك عاي وشعبه ومدينته وأرضه، فتفعل بعاي وملكها كما فعلت بأريحا وملكها. . . ويكون عند أخذكم المدينة أنكم تضرمون المدينة بالنار كقول الرب تفعلون. .. ودخلوا المدينة وأحرقوها بالنار. . . فكان جميع الذين سقطوا في ذلك اليوم من رجال ونساء اثنى عشر ألفا جميع أهل عاي. . . وأحرق يشوع عاي وجعلها تلا أبديا حراما إلى هذا اليوم. .. وفي ص ٩:. . وقالوا: أخبر عبيدك إخبارا بما أمر الرب إلهك موسى عبده أن يعطيكم كل الأرض ويبيد جميع سكان الأرض من أمامكم. وفي ص ١٢:. . . وهؤلاء هم ملوك الأرض الذين ضربهم يشوع وبنو إسرائيل في عبر الأردن. . وأعطاها يشوعُ لأسباط إسرائيل حسب فرقهم. وفي ص ١٣: وقد بقيت أرض كثيرة للامتلاك. . أنا أطردهم من أمام بني إسرائيل، إنما أقسمها بالقرعة لإسرائيل مُلكا. هذا بعض ما عندكم. تحريق وتحريم وطرد وقتل بالنار والسيف. فهل يليق منكم أن تسألوا الإسلام عن مساحة محدودة حرّم دخلوها على غير المسلمين، مجرد منع من الدخول، لا تحريق ولا قتلا بالسيف ولا حرقا بالنار حتى لما لا تكليف عليه من الحيوان! ٢ - فماذا تنكرون؟ دخول مكة والمدينة؟

стр. 118

ما شأن مدينة الرسول ها هنا؟ إن إقحامها في السؤال جهل من السائل بشريعة الإسلام. فهذا التحريم خاص بمكة وحَرَمها. أما مدينة الرسول فلا يشملها هذا التحريم. ولا مسجد الرسول نفسه. وقد قال الإمام الشافعي: لا بأس أن يبيت المشرك في كل مسجد إلا المسجد الحرام. انتبهوا من فضلكم، لا بأس أن يبيت في كل مسجد. فغير المسلم لا يسمح له بدخول المدينة فقط، بل يسمح له بدخول مسجد الرسول، والمبيت فيه. خبرونا بربكم تسامح هذا أم تعصب؟ ومعروف أن بيوت زوجات الرسول ملاصقة لمسجده بالمدينة وكانت اليهود يزورون الرسول في منزله. وكانت اليهوديات يزرن زوجات الرسول. ودخل مرة أبو بكر على عائشة وعندها يهودية جاءت لترقي عائشة فقال لها أبو بكر: ارقيها بكتاب اللَّه. فها هنا أمران مهمان جدًا. - أولهما السماح لأهل الكتاب رجالا ونساء بدخول بيوت النبي ﵇. وثانيهما السماح لليهودية، لما اشتكت عائشة، أن ترقيها اليهودية ولم ينكر أبو بكر، بل قال لها: ارقيها بكتاب اللَّه. وسأل الربيع بن سليمان الشافعي (١) : أرقي أهل الكتاب المسلمين؟ فقال: نعم إذا رقوا بما يعرف من كتاب اللَّه أو ذكر اللَّه. إن الإسلام أباح هنا دخول أهل الكتاب معقل الإسلام ومنزل الوحي. بل اسمعوا: لما حضر نصارى نجران إلى الرسول ﷺ أنزلهم مسجده، ولما حضرتهم صلاتهم، وهم بعض الصحابة بمنعهم، فمنع الرسول الصحابة، وأذن ﷺ للنصارى بالصلاة في مسجده.

стр. 119

في حوار ودّي بيني وبين راهب إيطالي، في جامعة الطب، في مدينة (برشا) الإيطالية، ذكرت له - قبل بدء الحوار، هذه الواقعة، فأخذه العجب، وقال لي في أي مسجد؟ فلما علم أنه مسجد الرسول، وفي حضوره ازداد عجبا وإعجابا. أهذا تسامح أم تعصب؟ ثم أين الخوف الذي تزعمون؟ إنه لم يسمح لهم بمجرد دخول المدينة، ولا بمجرد دخول مسجده في المدينة، وإنما بالصلاة فيه! فأين ما تزعمون من خوف على المسلم أن يتنصر؟ أم هذا من خيالات الافتراء، والاجتهاد في اختراع المعايب؟ ومع هذا التسامح تسامح مكمل، إذ لا حرج على المسلم أن يصلي في الكنيسة والكنيس. وقد صَلَّى أبو موسى الأشعري، أحد كبار الصحابة في الكنيسة، وكذا الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز، المعدود خامس الخلفاء الراشدين! أو ترون هذا من التسامح، أم ترونه من التعصب المزعوم؟ ألا ترونه من الحرية الدينية، والاعتراف بالآخر، واحترام ما عليه من اعتقاد، وإن كان المسلم لا يقره، بل يراه كفرا! فما شأن مكة المكرمة؟ في ثدوة بيني وبين خمسة من رهبان إيطاليا في مدينة (أنكونا) ، قال لي أحدهم، على جهة التحدي: بنينا لكم مسجدا في روما فهل تبنون لنا كنيسة في مكة أو في المدينة؟ وهو يقصد بمسجد روما المركز الإسلامي الذي تم إنشاؤه في ضاحية روما، بعد مفاوضات طويلة، واختير له مكان منخفض وبعيد جدا عن مبنى الفاتيكان، وشرط ألا ترتفع مئذنته، لذلك تراها لا تتناسب هندسيا وضخامة المبنى، واتساع أرضه، ومرافقه (وطبعا كل هذه الشروط من التسامح المسيحي المزعوم) !

стр. 120

قلت لمحاوري: ها هنا ثلاثة أمور: ١ - الإسلام دين، ودولة، وسياسة. ودستوره القرآن فهل الإنجيل كذلك؟ أجابني فقال: لا. ٢ - قلت: مكة حرم الإسلام، وهي والمدينة منزل الوحي، ومستقر نبيه، ومستودع تاريخه. فهل بنيتم مسجد روما في حرم الفاتيكان. أجاب: لا، قلت: إذًا قياس بناء مسجد روما على عدم بناء كنيسة في مكة قياس باطل. ٣ - قلت: المسلمون يبنون المساجد بأمر القرآن، ورفعوها بأمر القرآن. ومسجد الرسول بالمدينة عين مكانه (ناقة مأمورة) عندما دخل الرسول المدينة، وأخذ أهلوها بزمام ناقته، كل يريد أن ينزل عنده، فقال لهم، خلو زمامها فإنها مأمورة. فبركت، ثم قامت، فسارت، ثم التفتت فعادت إلى مكانها، فنزل الرسول وقال: ها هنا المنزل إن شاء الله. واشترى المكان، وبنى فيه المسجد. فهل تجدون في الإنجيل أمرا ببناء الكنائس؟ أم صاحبها (شاءول) أو (أوغسطين) على ما بينا آنفا؟ قال: ما تقول حق. قلت: شكر الله لك إقرارك بالحق، ولكن - وقد علمت أنك تدرس دراسات عليا في التاريخ - عليك أن تحقق معلوماتك. قال: لك حق. ثم تصافحنا، وانصرف كل إلى شأنه. من أجل ذلك ييطل الاحتجاج ببناء مساجد في بلاد نصرانية، فتلك كنائسهم كثيرة في بلاد المسلمين. * * * ٤ - وفي جميع أنحاء إيطاليا يثير الإيطاليون هذا الاعتراض الذي أثاره معي هذا

стр. 121

الراهب، مما جعلني - في تطوافي في مدن إيطاليا - أذكر هذا الحوار؟ لتكون إجاباته سندًا للمسلمين. وقد قوبلت منهم هذه الإجابات بالرضا والاستبشار وفي مدى علمي، انقطعت إثارة هذا الاعتراض. إذا منع الإسلام غير المسلم من حرم مكة، فأمر ليس بغريب. ففي سفر يشوع ص ٦ أن يشوع أحرق أريحا، وحرمها عليهم، وقال: ملعون من يبني أريحا "وحرّموا كل ما في المدينة من رجل وامرأة، من طفل وشيخ، حتى البقر والغنم والحمير بحدّ السيف " وكذلك فعل بمدينة (عاي) . وفي ص ٩: أن أهل جيعو لما علموا بما فعل في أريحا وعاي أتوا يشوع وخدعوه بأنهم من بلاد بعيدة جدًا، حتى صالحوه بعدما اعترفوا بإلهه واعترفوا أنهم عبيد له. ولما تآمر عليهم الملوك الخمسة من حول بلدهم صعد إليهم يشوع وحاربهم حماية لأهل جيعون الذين خدعوه؛ لأنهم اعترفوا بدينه. وعلى مر التاريخ عرف (المكان المقدس) التي كانت تؤدي مهمة الملجأ للأفراد الهاربين من العنف أو من عقوبة القانون: ففي اليونان القديمة كانت طرق الفرار من الأماكن الحرام تفرض عليها الحراسة. وفي روما كان العبيد يلجأون أحيانا إليها. ويخبرنا العهد القديم، الكتاب المقدس بنبأ مدن للالتجاء، كان يستطع القاتل أن يهرب إليها. .. وجعل قسطنطين الأول من الكنائس المسيحية أماكن للالتجاء. وفي إنجلترا في العصور القديمة كان يسمح للجاني الذي يعترف بجنايته وهو في حرم بالخروج إلى منفى دائم في بلد مسيحي أجنبي. .. ومن الامتيازات الدنيوية التي تضاهي امتياز الحرم تلك الحصانة التي يمكن أن

стр. 122

يكتسبها اللاجئ الذي يعبر حدود دولته، ما لم يكن بين الدولتين اتفاقية لتسليم المجرمين. فأي غرابة، إذن، في حرّم الإسلام؟ ومرحبا بمن يدخل في الإسلام، كما دخل أهل جيعون في دين يشوع فعاشوا في وسط إسرائيل وكان يشوع وجنده حماة لهم! ٦ - تقولون: لماذا تمنعون دخول المسيحيين الحرم. هل تخافون أن يترك المسلمون دينهم بفعل التبشير بالمسيحية!! ولعمري إن هذا القول أشبه بالهزل منه بالجد!! فها هي المدينة المنورة أمامكم، وهي لكم مباحة. وها هي نصف مسجد نمرة، حيث يجتمع فيه الحجيج. وها هي (عرفات) حيث يكون فيها كل الحجيج. وها هي أرض المسلمين تشمل أقطار الأرض. فأين أثر تبشيركم فيها؟ ثم ما مساحة الحرم بالنسبة لأرض المسلمين؟ إنه بقعة يسيرة أقل من النقطة في صفحة مبسوطة وها هو الحرم أمامكم مصورًا: (. . .) من هذا الرسم التقريبي يتبين أن منطقة الحرم هي مكة وشريط ضيق حولها.

стр. 123

وتبعد هذه الحدود عن مكة من جهة المدينة ثلائة أميال، ومن جهة العراق سبعة أميال، ومن جهة الطائف عشرة أميال، ومن جهة جدة عشرة أميال، ومن جهة الجعرّانة تسعة أميال، ومن جهة اليمن سبعة أميال. فمن المسجد الحرام إلى عَلَمَي عرفات: ١٨٣٣٣ مترا. فمن المسجد الحرام إلى عَلَمَي نخلة: ٥ ’ ٣٣٥٣ امترا. فمن المسجد الحرام إلى عَلَمَي التنعيم: ٦١٤٨ مترا. فمن المسجد الحرام إلى عَلَمَي أضاة: ٧٥ ’ ١٢٠٠٩. مترا. أهذا الجزء هو الذي نخاف منكم على أهله، دون أرض المسلمين على اتساعها شرقا وغربا، وشمالا وجنوبا؟ ويزداد الأمر عجبا، والحرم ضيقا إذا أخذنا برأي الإمام الشافعي بأن المحرم على المشرك هو المسجد فقط مستدلا بظاهر الآية الكريمة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا) . إن تاريخنا يحفظ أن جبريل، ﵇ هو الذي أرى إبراهيم مواضع نهايات الحرم من كل جهة على ما عليه هي اليوم، فنصب علاماته، وتوارثتها الأجيال، جيلا بعد جيل. إلى أن جددّ معالمها الرسول ﷺ . فهو عمل من عمل أبينا إبراهيم ﵊، علّمه إياه جبريل، فهو وحي أوحى إلى شيخ الأنبياء، لذلك قال الرسول يوم عرفة: كونوا على مشاعركم، فإنكم على إرث من إرث إبراهيم ﷺ . أي أن موقفهم موقف إبراهيم ورثوه منه، ولم يخطئوا في الوقوف فيه عن سنة إبراهيم. إذًا الإسلام ورث هذا الحرم عن إبراهيم، أحيا به مشاعره، وأنتم تعترفون بإبراهيم، فهل تلومونه؟! والمسلم نفسه ليس له الحرية المطلقة في الحرم، بل يحرم عليه أشياء، تحل له خارج الحرم، فيحرم على المحرم وعلى الحلال وغير المحرم ": صيد الحرم وتنفيره، وقطع

стр. 124

شجره، الذي لم يستنبته الآدميون. كما يحرم عليهما قطع الرطب من النبات، حتى الشوك (إلا نوع منه يسمى الإذخر والسنا. كما يحرم التقاط لقطه، إلا لمن يعرفها. بل الدولة نفسها مقيدة الحرية في الحرم، فلا يحل للحاكم أن يقيم القصاص (قتل القاتل) في الحرم، لأن الله - تَعَالَى - يقول: (وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا) . كذلك تكره إقامة الحدود فيه. والصلاة فيه مضاعفة، فقد جاء في الحديث عن الرسول: "صلاة فى مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام وصلاة فى المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه ". كذلك الذنب فيه يضاعف، بل إن مجرد الهم بالمعصية يحاسب عليه صاحبه. والأصل أن اللَّه تجاوز للأمة عما همت به ولم تفعله. * * * ٩ - نخلص مما تقدم إلى جملة حقائق منها: أن البيت الحرام وحرمه قديم قدم الإنسان، بل أقدم منه، فقد حجه آدم. والبيت المحرم على سمت البيت المعمور، في السماء، يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك، لا يعودون إليه، ثم ينزلون فيطوفون بالبيت الحرام. والإسلام ورث هذا البيت وحرمه، وكانت الجاهلية على تعطمه، وكان ذلك مما بقي فيهم من دين إبراهيم. وعرفت كسوة الكعبة من قبل الإسلام، وتذهب بعض المصادر التاريخيه إلى أن إسماعيل بن إبراهيم قد كسا الكعبة. وتوارث العرب كسوتها، وكانت أول امرأة كستها في الجاهلية هي (نبيلة بنت حباب) أم العباس بن عبد المطلب، كستها بالحرير والديباج. وجعل حرم للكعبة أمر لا عجب فيه، فقد عرف (الحرم) في تاريخ الدول

стр. 125

وقد سمى اللَّه الكعبة، البيت الحرام، ونسبها إلى نفسه، فقال: (جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ) . وقال: (وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥) . البيت بيت الله، والحمى حماه، فأي عجب أن يحمى منه من جعل الإله جسما يتمشى ويتنزه ويصارعه إسرائيل، أو جعله إنسانا يأكل ويشرب. ثم يقضي حاجة الطعام والشراب. ثم يضرب ويبصق في وجهه. . . ألا فليؤمن المعترض بالله على وجه الإيمان الصحيح ومرحبا به في بيت اللَّه وحرمه! لقد رأيت بعيني حرس الفاتيكان يمنعون المتبرجات المبالغات في التبرج. من دخوله، ورأيت الجنود، عند بابه الرئيسي يمنعون امرأة ورفيقها، كانت عارية الذراعين، ولم تشفع لها مسيحيتها، ولا محاورة رفيقها، والجندي الحارس يشير له إلى ذراعيها. وعندي أنه تصرف حسن، لما يجب من احترام (حرم الأديان) ، ومعتقداتها، هذا أدب إسلامي، إذ أمرنا أن نترك غيرنا وما يدينون به. وقد ذكر أبو الوليد الأزرقي في (أخبار مكة) أن النبي ﷺ يوم الفتح لما دخل الكعبة أمر بمحو كل الصور إلا ما تحت يده، فلما رفعها كان ما تحتها صورة عيسى ابن مريم وأمه!! فإذا منع الإسلام غير المسلم من حرم الإسلام، فما فعل بدعا، وما شرع منكرا. ١٠ - إن منع غير المسلم من حرم الإسلام ليس مجرد منع فرد أو أفراد، إنما هو منع لاختلاط منهجين مختلفين في نظرتهما للكون والحياة والإنسان. نظرة تبدأ من الاعتقاد إلى أيسر السلوك الإنساني، نظرة أيد الواقع التاريخي لمعركة الإسلام مع الشرك أنهما ضدان لا يجتمعان، ثم أيد هذا الواقع الوقائع التالية عندما ثبتت دعائم الإسلام وخافه جيرانه من النفوس والروم. وقائع تؤكد أن هذا التعارض ليس فلتة عارضة من فلتات الطبع، وإنما كان تعارضا حقيقيا اقتضته طبيعة اختلاف الرؤيتين. إنه واقع ينطق بحق الإسلام في محو الشرك من جزيرة العرب، واعتبارها كلها مركز أمة الإسلام، فلا عجب أن يطهرها من الشرك.

стр. 126

والدول الآن، جميعها تعترف بحق كل دولة أن تمنح الدخول في أراضيها كلها، أو أن تمنع، أو أن تقيّد، أو تطلق، بحسب رؤيتها الدولة المانحة أو المانعة. هذا مبدأ أقرته السياسة الدولية الحديثة، وليس من حق دولة أخرى الاعتراض أو التدخل في قرارها. وقد تستبيح الدولة الحديثة، لمجرد الخوف أو الاشتباه، أن تنفي الأجانب النازلين فيها، أو تحجر على حرياتهم وحركاتهم، وتخضعهم للرقابة والتفتيش والأجانب، على كل حال لهم معاملة خاصة دون أصحاب الحقوق الوطنية، فليس للأجانب نصيب منها. وحق الإقامة الدائمة مشروط في كل الدول بشروط، منها ما يقيد حرية الشخص في أخص خصائصه كحق الزواج. هذا بينما القاعدة العامة في معاملة غير المسلمين في الدولة الإسلامية هي: لهم ما لنا وعليهم ما علينا!! وتلك غاية المراد من مراعاة حقوق الإنسان وواجباته. إن المسلم مأمور - بحكم إسلامه - أن يؤمن بجميع الأنبياء من قَبل محمد (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦) . في خطاب عام لعمدة نيويورك قال ما معناه، يخاطب المسلمين: إنه من غير شك يحسب لكم جماعة المسلمين أن إسلام أحدكم لا يتم إلا بالإيمان بجميع الأنبياء. هذا وإنما اليهودي لا يؤمن بالمسيح ولا بمحمد وما زال اليهود ينتظرون المسيح الحق بزعمهم. والمسيحي لا يؤمن بمحمد فأي غرابة أن يمنع هذا وذاك من حرم الإسلام الديني، حتى يؤمنا بمحمد؟ فإن فعلا فمرحبا بهما في كل شبر من حرمه ومسجده. ولا منَّة، إذًا، بالسماح للمسلم في دخول الكنيسة، أو الكنيس؛ لأن المسلم مؤمن بموسى وعيسى، ولا يتم إسلامه إلا بالإيمان بهما، وبما أنزل عليهما من التوراة والإنجيل، وقد صلى أبو موسى الأشعري، وعمر بن عبد العزيز في الكنيسة.

стр. 127

١١ - الحرية حق ووظيفة: ما هذه الحرية التي كثيرا ما تعيرون المسلمين بها كأنها شيء من مبتكراتكم، وكأن الدنيا كلها محرومة منها، وأنتم، وأنتم فقط، الذين تستمتعون بها. الحرية حق قرره الإسلام إذ كانت شعوب العالم كلها ترزح تحت عبودية سياسية تدعمها السلطات الدينية. كما يدعمها الفكر الفلسفي منذ أرسطو. ثم فاء إلى هذا الحق شعوبُ الغرب. بعد أن سيّرها حكمها الديني الاستقراطي في نفق ممدود الظلام، بعد حروب غطت دماؤها أرض أوربا. فكانت (الحروب الدينية) سلسلة حروب أهلية في فرنسا ٥٦٢ ١ - ١٥٩٨) ستا وثلاثين سنة، وكانت نضالا بين البروتستانت والكاثوليك، وتميزت هذه الحروب بارتكاب الفظائع من الجانبين. وانتهت الحروب الثلاثة الأول (٥٦١ ١ - ٦٣، ٥٦٧ ١ - ٦٨، ٦٨ - ٧٠) في صالح البروتستانت. وبدأت مذبحة عبد سان بار ثلميو الحرب الرابعة (٥٧٢ ١ - ١٥٧٧) وانتهت الحرب الخامسة (٥٧٤ ١ - ١٥٧٦) بصدور مرسوم يوليو الذي منح حرية العبادة في فرنسا كلها ما عدا باريس. وكوّن الكاثوليك (١٥٧٦) العصبة المقدسة وحملوا هنرى ٢ على إلغاء مرسوم التسامح (١٥٧٧) ونشبت حرب سادسة (١٥٧٧) انتهت بتثبيت مرسوم يوليو ولكن هنري لم يعن بتنفيذه. وقامت الحرب السابعة ١٥٨٥. وكانت حرب الفلاحين ٥٢٤ ١ - ٢٦ والتي وقف ضدهم مارتن لوثر، وهي الحرب التي أطالت عمر رقيق الأرض حوالي ثلاثة قرون. وفي تاريخكمْ حرب السنين السبع (٧٥٦ ١ - ٦٣) . وفي تاريخكم حرب السنين العشر (٨٦٨ ١ - ٨٧٨ ١) . وفي تاريخكم حرب الثلاثين عاما (٦١٨ ١ - ٤٨) وهي حرب أوربية عامة، كانت

стр. 128

ألمانيا مسرحها الرئيسي. وفي تاريخكم الحرب السبعينية وهي الحرب الفرنسية الألمانية والتي كان الشعب الفرنسي يهتف لها في الشوارع: إلى برلين لتحيى الحرية وحرب المائة عام التي كانت بين إنجلترا وفرنسا، وارجعوا إلى (مادة حرب وحروب) في الموسوعات تجدوا ما يسركم، ولولا خشية الكلال، أو الملال لذكرت من تاريخ الحرية المذبوحة عندكم ما يندى له الجبين، ولكن (الحر) تكفيه الإشارة. ١٢ - في هذا المعترك تخبط مفكرو الغرب وفلاسفته في تعريف الحرية. وتناقضت تعريفات (لوك) و (كانت) و (سبينوزا) و (رسع و (هيجل) وغيرهم. ونزعوا إلى تعريفات ميتافيزيقية لا علاقة لها بواقع الحياة. وقد أدى ذلك إلى إعادة بحث المشكلة في صورة أكثر واقعية، هي صورة الإنسان في المجتمع. فالإنسان ليس كائنا منعزلا حتى تتحقق حريته بتصرف إرادي من جانبه وحده، وإنما هو يعيش في مجتمع، ويخضع لدولة، ومن ثم لا محل للحديث عن حرية مجردة، باعتبارها أمرا يخص الفرد وحده. وهم - مع ذلك - لم يسلموا من التناقض، فمنهم من نظر إلى الحرية من زاوية الفرد. وتحييد سلطة الدولة. وآخرون إلى جانب المجتمع فجعلوا الفرد في خدمة المجتمع، ولو قضى ذلك على حريات الأشخاص. وبهذ التناقض اضطرب واقع الإنسان الغربي بين حرية مثالية مع الفقر والجوع، وبين (حرية العدالة والمجتمعما مع قهر الرغبات الفردية والغرائز الطبيعية!. إن (الحقوق) في الشريعة الإسلامية تعتبر (وظائف) يستخدمها الفرد) طوعا لخدمة (المجتمع) ، وليست هي مجرد (رخص) يمارسها أو لا يمارسها. فقد آثر الإسلام أن يقيم (المجتمع) على (مسئوليات) على أن يقيمه على (حقوق) . وفي (المسئولية) إذكاء لإيجابية الفرد، ويقظة ضميره، وبعث الحركة وئيدة نحو الصالح العام.

стр. 129

١٣ - هذه كلمة حول مفهوم (الحرية) تبين أن تمحُّك السائلين بالحرية للطعن في الإسلام، إنما هو مغالطات لفطة بعيدة عن الواقع، تتجاهل مآسي تاريخها، وتبحث عن معايب لغيرها، مع البعد في هذا وذاك عن المنهج العلمي والواقع التاريخي. ١٤ - فعندما تتخذ (دولة) ، والإسلام دولة، من القوانين ما يحمي حقيقتها. فذاك مبدأ مسلم اليوم في كل فكر، وكل سياسة. لكن اسمعوا: اسمعوا مبلغ الحرية في فقه إمام الفقهاء، أبي حنيفة، إذ يقول: يدخل المشرك المسجد الحرام لحاجة، أو لغير حاجة، وبصرف النظر عن عدم موافقة فقهاء المسلمين على رأيه، إنما أحببت أن أطلعكم على مدى حرية الرأي عند علماء المسلمين. قلت: ولعل الإمام أبا حنيفة يرى المنع فى قوله - تَعَالَى - (فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا) إنما هو منعهم من الحج؛ لأن الآية لما نزلت بعث الرسول عليا. وأمره أن ينادي في المشركين: ألا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. ما قولكم الآن؟ إمام هو أحد الأئمة الأربعة يرى منع غير المسلم إنما هو من المسجد فقط. وهذا إمام، هو رأس الأئمة الأربعة، يرى أن المنع إنما هو من الحج، وما عداه فللمشرك أن يدخل المسجد لحاجة أو لغيرها! أترونه خفي عليه تبشيركم؟ ١٥- إن الحركات التبشيرية، منذ القرن التاسع عشر، في العالم، ولا سيما في أفريقيا، لم تستطع أن تخرج الوثنيين إلى المسيحية وكانت أعجز عن إخراج المسلم من دينه.

стр. 130

لقد كان المبشر يقضي عشرات السنين في تبشيره فما يظفر إلا بفرد واحد، أولا يظفر بأحد. ومن يستجيب له إنما يستجيب لما يقدم إليه من مال، وطعام وعلاج. وما هذه بدعوة إنما هي خطاب للبطن!! هذا هو واقع التبشير مع ما معه من أموال تمده، وجمعيات ترعاه، وحكومات تدعمه، وفي حالة نفسية سيطر فيها (الفوبيا) (١) على المبشرين. وفي مقابل هذا كان الإسلام، وهو لم يظفر بمبشرين على نحو ما تيسر للمسيحية، وما ظفر به لم يكن من ورائهم جماعات ولا جمعيات، ولا حكومات. ومع هذه الفوارق كان هناك التضييق الاستعماري على الإسلام، والطعن فيه على نحو لم يلتزم قواعد العلم والأخلاق، ثم كانت الثمرة زحف الإسلام مع فقده سلطانه السياسي والحربي، ذلك لأن الإسلام، بذاته، يخاطب العقل، ويمس الفطرة، فتجد فيه طلبتها، وجواب ندائها، وشوقها إلى مصدر الحياة، وحقيقة الكون والوجود، فتعلو به على مطالب الجسد والمال. ولو راجعتم تاريخ الاستشراق، وتاريخ التبشير، منذ تراجع العالم الإسلامي عن مكانه، ونشاط الحركات الاستعمارية والتبشيرية - لو راجعتم هذا التاريخ لسخرتم من أنفسكم، ولضحكتم في أكمامكم - على نحو ما يقول المثل الأمريكي، حين زعمتم خوف المسلمين من التبشير في مكة والمدينة. ١٦ - وأختم جواب سؤالكم هذا بهذه الواقعة التاريخية لمن يبحث عن الحق والحقائق: هذه الواقعة ذكرها (أليكي جورافسكي) في كتابه: (الإسلام والمسيحية) يقول ما خلاصته: كان الحديث عن الإسلام، والتبشير بالمسيحية يعتمد على تشويه الإسلام، ووصف نبيه بالنبي المزيف، وتشويه سيرته، وتلوينها بكثير من الحكايات الخرافية (كما قال

стр. 131

غليوم الطرابلسي. ت بعد سنة ٢٧١ ١م) - بعد هذا الموقف جاء الموقف المغاير الذي سلكه مؤسس رهبنة الفرنسيسكان (فرنسيس الأسيزي) ت سنة ١٢٢٦ وهو الوقف السلمي. وقد قام فرنسيس برحلة تبشيرية إلى مصر في سنة ٢١٩ ١م حيث وصل إلى دمياط في زمن الحملة الصليبية السادسة، بقيادة (جان دي بريين) في عهد الملك الكامل الأيوبي. وبعد حصار دمياط الذي لم ينجح، وفي الفترة التي عقدت فيها الهدنة، سار الأسيزي، مع زميل له يدعى (إلوميناتو) قاصدين معسكر المسلمين وطلبا مقابلة الملك الكامل، في تشرين الثاني سنة ١٢١٩، فقادهما الجند إليه. وأخذ فرنسيس يشرح معنى الثالوث، للملك، الذي أصغى إليه برحابة صدر. وقد قدر الملك الكامل هذين الراهبين المسالمين المتواضعين اللذين لا يحملان السلاح. وإذ شعر الأسيزي برحابة صدر الملك المسلم وتسامحه الكبير بادر من طرفه بدعوة الملك إلى اعتناق المسيحية. مع استعداده للبقاء إلى جانبه في يعلمه حقائقها. وقد سجل (دانتي) هذه الواقعة التاريخية في (الكوميديا الإلهية) الفردوس، الأنشودة الحادية عشرة، الأبيات من مائة - مائة وخمسة!! أقول: وقع هذا التسامح في الوقت الذي جاء فيه الصليبيون تحت شعار: تخليص القدس وموطن المسيح من الكفار المسلمين! فماذا ترون في هذه الواقعة التي يسجلها مؤرخ غير مسلم؟ وماذا ترون في هذا التاريخ؟ أترك الجواب لكم. بعد: فهذه مدارس الاستشراق والتبشير تملأ العالم الإسلامي منذ نشاط الاستعمار في القرن التاسع عشره فكم نصَّرتْ؟. أنا أعلم أن عند الجهات والمؤسسات الدينية المسيحية إحصاءات بذلك، ناطقة بالفشل، فارجعوا إليها، إن شئتم، لعلكم تستحون!!

стр. 132

السؤال الثالث: لماذا العقاب في الإسلام غير منطقي ؟ العقاب في القرآن لا يتناسب مع الجريمة؟ القرآن، وأقوال رسولكم يناقض بعضها بعضا: تقولون: إن إلهكم رحمن رحيم. ورسولكم يقول: إن الله أرحم من الأم على ولدها. فهل يعقل أن الأم تخلد ولدها في النار، مهما كان ذنبه؟ فكيف تريدون من إنسان أن يؤمن بإله يخلد عبيده في النار؟ وأي جريمة يستحق فاعلها الحلود في النار؟ أين الرحمة؟ وأين العدل؟ * * * جواب السؤال الثالث: نرجو، قبل الجواب، أن ترجعوا إلى ما تقدم عن طبيعة العقوبة. ١ - تبدءون سؤالكم عن عدم تناسب العقوبة والذنب، بالسؤال عن عدم المنطقية. والمراد (بالمنطقية) : العقل، وسلامة منهج التفكير، وانتهاء المقدمات إلى نتائج تتناسب ومقدماتها. ونحن معكم في ضرورة هذه المنطقية، وضرورة وجودها فيما شرع الدين من أحكام. ونحن نعلم من ديننا الإسلام، أنه يقيم عقائده على بَدَهِياتِ العقل، وأوائل الحس. وما من دعوة، في الإسلام، إلى عقيدة من أصول الاعتقاد، في الإلهيات، والنبوات، واليوم الآخر - إلا أقام لها الدليل العقلي. والقرآن عُنيَ بالدعوة إلى التعقل، والتفكُّر، كما أن القرآن غني بالدعوة إلى العلم، ودراسة الكون، والتفكر في خلق السماوات والأرض، وآيات اللَّه فيها، فكان بهذه الدعوات كتاب دين، يقوم على العقل والعلم، العلم بمعناه التجريبي، الذي يقوم

стр. 133

على ملاحظة المحسوس، ومراقبة الظواهر الطبيعية، وافتراض الفروض، لتفسير حصولها، ثم استخلاص القانون المفسّر للظاهرة. ثم الرجوع بذلك كله إلى (علة الخلق الأولى) وبارئها الواحد الأحد! نعم ذاك (منطق) القرآن والإسلام! ٢ - فماذا عن (المنطقية في كتابكم) ؟ - هل تجدون (منطقية) في جعل الذوات الثلاث ذاتا واحدة؟ - هل تجدون (منطقية) في جعل قولكم: مولود غير مخلوق. والعقل والعلم حاكمان بأن المولود لا بد أن يكون مخلوقا! - وهل وجدتم منطقية في أن (الإله) يأكل ويشرب، ثم يغوط وييول مضطرا إلى الذهاب إلى رست روم. - هل تجدون منطقية في اعتقادكم في إله يُضْرب على رأسه بالشوك، ويبصق على وجهه؟ فإن كان من فعل به ذلك هو الإله الحق فأي إله هذا؟ وإن كان إن كان إلها مع اللَّه، كما تقولون، فما جاز على أحد المثلين جاز على المثل الآخر، فيجوز - على زعمكم - أن إله الكون: اللَّه الخالق أن يضرب، ويبصق عليه، ويصلب، ويدفن. . - تَعَالَى - اللَّه عن ذلك علوا كبيرا! إن منكم من رفض ذلك وعلى سبيل المثال (أبيلارد) سنة ١١٤٢ الذي سخر من آلام المسيح والتثليت وكانت دعوته إفاقة أوروبا من قيود دينكم وطالب فيها بتحرير العقل من كل قيد. وكانت دعوته أول دعوة في سبيل النهضة. وكان أغسطين يقول أنا مؤمن لأن ما أومن به لا يتفق والعقل. وديكارت - مع مذهبه العقلي كان يجهر بأن عقيدتكم فوق العقل بمعنى تناقضها مع العقل. - بل حدثونا عن أي درجة من المنطقية في أنه "غسلنا من خطايانا بدمه وجعلنا ملوكا وكهنة لله أبيه" (رؤيا يوحنا ص: ١) . - بل نبئونا على أي درجة من المنطقية في قوله الإله. في رؤيا يوحنا (ص: ١) : كنتُ

стр. 134

ميتًا وهأنا حيٌّ!! - بل خَبرونا، وايم الحق، كيف تجلّى (الإله) خروفا كأنه مذبوح، ليوحنا في رؤياه؟ - وأي منطق في اعتقاد إله يندم على بعض ما فعله، ولا يستطع أن يكفر خطايا البشر إلا أن يظهر للوجود من خلال رحم امرأة، ثم يضرب.. أي إله هذا؟ - وهل من المنطق أن يجرّم ويرث إثما لم يفعله، إنسان يولد بعد آدم وهل يورث الإثم من فاعله إلى من لم يفعله؟ وأن تكفيره لا يتم إلا بالعماد. وعلى ذكر العماد، من الذي ابتدعه؟ هل قال به المسيح؟ منذ ما لا يزيد على مائة عام كان طفل أوربا، الذي مات قبل (عماده) يلقى في صناديق القمامة ثم هو - بزعمهم - يخلد في النار!! أي عقل، وأي منطق، بل أية رحمة يا من تسألون عن الرحمة. في ندوة لي في مدينة (برشا) بإيطاليا سمع ذلك مني بعض الإيطاليين فقالوا: وما زال إلى اليوم يعدّ منبوذا!! حدثونا - بربكم - ما جريمة هذا الطفل؟ وهل كانت عقوبته متكافئة مع ذنبه (يا من تسألون عن تكافؤ العقوبة مع الذنب في الإسلام) ألا ترون أن هؤلاء الأطفال عوقبوا بما لم يأثموه؟ هناك مجلد كبير باسم (معجم الكتاب المقدس) سلوه - إن كان ينطق - هل فيه لفظة واحدة عن مادة العقل، أو الفكر أو مشتقاتهما؟ ثم تأتوننا تسألون عن المنطق؟ ٣ - وتسألون عن إلهنا الرحيم كيف يكون جبارًا، وكيف يخلِّد المذنب في النار؟ وما ذاك الذنب الذي يستوجب الخلود في النار؟ * * * اذكروا ما تقدم، من نصوص كتابكم المقدس عن عقوبات (إلهكم الرحيم) بقتل أهل القرى التي يحتلها يشوع، وكل ما فيها حتى الأنعام، ثم حرقها!! رحمة مثالية حتى بالبهائم!!

стр. 135

وحكم السارق الذي يحرق هو وبنوه وبناته الذين لم يشتركوا معه في ذنبه!! رحمة مثالية يحق لكم معها أن تسألوا عن رحمة إلهنا!! (يشوع ص ٧) . يقول الفيلسوف اليهودي (سبينوزا) : وأية فكرة تأخذها من الأقاصيص التي تجدها في العهد القديم؟ أية فكرة نأخذ عن قصة شمشمون الذي - كان وحيدا وبدون جيش - يقتل ألوفا من الرجال. وعن قصة إليّا الذي رُفع إلى السماء على عربة من نار؟ وماذا عن يشوع الذي حبس الشمس نحو يوم كامل؟ وماذا عن الرب الإله الذي لا يعلم ولا يعرف بيوت الإسرائيليين حتى يجعلوا له عليها علامة من الدم، حتى لا يضربهم، وهو يضرب كل بكر في أرض مصر من الناس والبهائم (خروج ص ١٢) (تثنية ص ٢٨) : إن لم يسمع لصوت الرب فعليه جميع اللعنات حتى سلّته ومَعْجَنه، وثمرة بطنه وثمرة أرضه، ونتاج بقره وغنمه، ويبيدك من الأرض، ويضربك الرب بالسل والحمى والتَرَداء والالتهاب والجفاف. .. أقول: يا له من رب عدل رحيم: يلعن - بذنب العقلاء - حتى الجمادات! وحتى النسل الذي لم يكن مسته الحياة بعدُ، ثم الإصابة بالسل والحمى. .. ويا له من إله عليم. لا يعلم بيوت شعبه حتى يجعلوا له علامة حسية حتى لا تختلط عليه ببيوت المصريين الذين يضربهم وكل بكر من الناس والبهائم. نعم والبهائم، لأنه مقتضى العدل، ومقتضى الرحمة التي تسألون عنها. ٤ - إن المسلمين - بفرض الإسلام عليهم - يقرءون في صلاتهم كل يوم سبع عشرة مرة، على الأقل، سورة الفاتحة، وكلها رجاء ووصف الله) بالرحمة في ذاته، والرحمة في أفعاله، وتخصيصه بالعبادة والاستعانة، وطلب الهداية إلى الصراط المستقيم. والصراط المستقيم لفظ جامع لكل خير، وهو الصراط الذي سلكه خيار العباد من النبيين والمرسلين والصديقين والشهداء والصالحين.

стр. 136

٥ - هذه صلاة المسلمين، فما صلاتكم؟ هي كما في (متى ص ٦) : "أبانا الذي في السماء، ليتقدس اسمك، ليأت ملكوتك، لتكن مشيئك كما في السماء وكذلك على الأرض. خبزَنا كفافنا أعطا اليوم. واغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضا للمذنبين إلينا، ولا تدخلنا في تجربة، ولكن نجنا من الشرير" وهناك زيادة في النسخة الأمريكية، هي: "لأن لك الملك والقوة والمجد إلى الأبد". - فمن الذي زادها؟ وهي تعترف له بالقوة، وكل ذلك من أجل خبز اليوم. - وكون مشيئة الله في الأرض كما هي في السماء لا يتوقف على طلب. أما طلب المغفرة كمغفرتهم، فيا عجبا، أين مغفرتهم على مدى تاريخهم. وهل ترتبط مغفرة الله بمغفرتهم؟ ألا يمكن أن تكون بالتوبة، ألا يمكن أن تكون بالعمل الصالح، ألا يمكن أن تكون من الله منَّة ورحمة؟ وأين ذلك من الوصف الذاتي والفعلي بالرحمة في سورة الفاتحة، فأيهما أمكن في وصف (الإله) بالرحمة؟ الموصوف بالرححهّ البالغة في ذاته (الرحمن) وفي كل أفعاله (الرحيم) . ثم لماذا تطلبون المغفرة؟ أليس (هو) - بزعمكم - قد نزل، ولقي ما لقي ليغفر خطايا البشر؟ فأين المنطق؟ أو ليس مجرد الإيمان (بالمسيح) يكفر الخطايا، كما تقولون؟ فأين المنطق؟ ثم كيف تطلبون منه المغفرة وأنتم لا ترون حصولها إلا (بالاعتراف للكاهن وهو الذي يغفر لكم) فأين المنطق؟ وأيهما أرحم بعباده، الذي يغفر بالتوب بدون وساطة، أم الذي يوسط؟ ومن يوسط؟ عبدا، إنسانا كالمذنب سواء بسواء. بل لعله أطهر منه؟!! ٦ - وتسألون منكرين عن الجريمة التي يستحق جارمها الخلود في النار.

стр. 137

٧ - وأقول: - هذا الوجود كله، أوله وآخره، ودنياه وأخراه، قائم على حقيقة واحدة، هي: الإيمان بالله الخالق، ووجوب الاستقامة على أمره. واليقين في لقائه. وجزائه للصالحين والطالحين. - وثبوت اليوم الآخر، والفرق بين جزاء الصالحين والمفسدين - ضرورة عقلية، أقرها العقل، وقررها القرآن. إننا نشاهد في الحياة الدنيا، وفي تاريخها: المستقيم والمعوج، والظالم والمظلوم، والمفسد والمصلح. . . إلى آخر هذه الأضداد، ثم نشاهد الظالم والمظلوم يطويهما الموت من غير نصفة ولا جزاء وقد استمتع الظالم بثمار ظلمه ومضى المظلوم بغصته وآلامه، وإضاعة إنسانيته وحقوقه.. فهل يعقل أن تنتهي حياتهما عند هذا الحد، وأمرهما كذلك؟ إن كان كذلك فما أسعد الطغاة والجبارين والظالمين والمفسدين، وما أشقى المستضعفين! لقد مضى الطغاة بطغيانهم وما استمتعوا به. بينما مضى المستضعفون بضعفهم وما شقوا به، مضى الجميع بلا جزاء، بل جنى الظالم ثمار ظلمه مستمتعا، ومضى المظلوم بغصته وآلامه، فما أشقى الحياة!! وما يستقيم هذا في منطق ولا عقل. فالحياة الأخرى ضرورة عقلية وخلقية من هذا الوجه. يقول اللَّه في القرآن: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨) . (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٣٤) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦) . إذا كان المؤمن المصلح خالدا في النعيم، فمن المنطق أن يكون الكافر المفسد في دارٍ مقابلة تقابل الجزاءين، فإذا كان الأول خالدًا في النعيم، فمن صحة المقابلة أن يكون الآخر مخلدا في الجحيم، هذا هو المنطق. إن المؤمن آمن بالله الأول والآخر،

стр. 138

الباقي أبدًا، فكوفئ - جزاء هذا الإيمان - بالخلود في رحمة من آمن به. وإن الكافر أنكر الخلود، ورأى الحياة مادة، فعوقب بما أنكر. يقول اللَّه: (هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤) أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦) . أهذا، عندكم، غير منطقي؟ - لقد رأيت في متحف الفاتيكان، لوحات كثيرة تصور العصاة وهم في سواء الجحيم، وهن يصطرخون فيها، وتصور أبديتهم في هذا الجحيم. فمن أين هذا؟ عساكم تقولون: خيال فنان! وأقول؟ كلا!! إن ذاك الفنان اعتمد على كتابكم المقدس واعتمد على فكرة الأديان كلها: - فهناك بلايين الناس علّمتهم أديانهم أن في الحياة الآخرة مكانا للعذاب يسمى: الجحيم، أو الهاوية. - وجاء في دائرة المعارف البريطانية: أن الكنيسة الكاثوليكية الرومانية تعلّم أن (الهاوية) ستدوم إلى الأبد، وآلامها لن تكون لها نهاية. تقول دائرة المعارف. وهذا التعليم الكاثوليكي لا تزال تتمسك به فرَق بروتستانية محافظة عديدة". - وكتابكم المقدس يتكلم عن نار جهنم وبحيرة النار، والترجمة البروتستانية العربية تتحدث عن (نار جهنم) وعن (الطرح في جهنم، في النار التي لا تطفأ) ر. متى ص ٥) : إن كانت عينك اليمنى تُعْثرك فاقلعها وألقها عنك، لأنه خير لك أن يهلك أحد أعضائك ولا يلقى جسدك كله في جهنم. وإن كانت يدك اليمنى تعثرك فاقطعها وألقها. . . ولا يلقى جسدك كله في جهنم ". وفي مرقس ٩ / ٤٥) "وإن أعثرتك رجلك فاقطعها خير لك أن تدخل الحياة أعرج

стр. 139

من أن تكون لك رجلان وتطرح في جهنم في النار التي لا تطفأ، حيث ذواتهم لا تموت والنار لا تطفأ وإن أعثرتك عينك فاقلعها. . . وتطرح في جهنم في النار حيث دودهم لا يموت والنار لا تطفأ. وفي رؤيا يوحنا ص: ١: ولى مفاتيح الهاوية والموت. - وهناك ما مجموعه اثنا عشر من الأسفار اليونانية المسيحية تستعمل الترجمة البروتستانية، وكذلك الكاثوليكية العريية، كلمة (جهنم) لتنقل الكلمة اليونانية (جهنا) مكانا للعذاب الناري. - وفي متى ٢٣: قال يسوع للقادة الدينيين: أيها الحيات أولاد الأفاعي، كيف تهربون من دينونة جهنم. - ويقول سفر رؤيا يوحنا ص: ٢٥: "وسلّم الموت والهاوية الأموات. . . ودينوا كل واحد بحسب عمله، وطرح الموت والهاوية في بحيرة النار - هذا هو الموت الثاني، وكل من لم يوجد مكتوبا في سفر الحية طرح بحيرة النار. وفي الرؤيا ص: ٢٠) : (وإبليس الذي كان يضلهم طرح في بحيرة النار والكبريت، حيث الوحوش والنبي الكذاب وسيعذبون نهارا وليلا إلى أبد الآبدين". وفي رسالة يهوذا: "والملائكة الذين لم يحفظوا رسالتهم. . حفظهم إلى دينونة اليوم العظيم بقيود أبدية تحت الظلام، كما أن سدوم وعمورة. . مكابدة عقاب نار أبدية". حتى الملائكة الذين أذنبوا طرحم في جهنم (بطرس الثانية ص ٢) ور. تكوين ٦ ويهوذا ٦ ورء الرؤيا ص: ١٢) . هذه نصوصكم في الجحيم، وخلوده الأبدي، يخلد فيها العصاة، حتى من الملائكة. فماذا تنكرون من القرآن؟ ولماذا لم تنكروه من كتابكم؟

стр. 140

٩ - لقد رأيت في نيويورك كتابا بعنوان (يمكنكم أن تحيوا إلى الأبد) مطبوع في نيويورك، وطبع بستين لغة، وطبع منه ثمانية عشر مليون نسخة. حاول هذا الكتاب تأويل نصوص الخلود الأبدي في النار، التي تقدمت بعض نصوصها، تأويلا يخرجها عن ظاهرها الواضح والقاطع في دلالته. فإن رفضتم تأويله، وتمسكتم بظاهر هذه النصوص المتعددة، في كتبكم المتعددة سقط اعتراضكم على القرآن، أو لزمكم الاعتراض، أيضا، على كتابكم، ويكون هذا انفلاتا من الأديان. وإن تمسكتم بتأويله لزمكم قبول تأويل بعض علمائنا بفناء النار، المؤسس على براهين علمية، ليس عندكم معشارها. وهنا أيضا، يسقط اعتراضكم، ففي الحالين كلتيهما اعتراضكم ساقط. * * * ١٠ - فقه الخلود في القرآن: يتم لهذه المسألة فقهها أن نتأمل آيات القرآن في العذاب والنعيم يقول اللَّه (١١/ ١٠٥ - ١٠٨) : (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨) . فبين في أهل الجنة مشيئته بأن عطاءها غير ممنوع ولا مقطوع. أما مشيئته في أهل النار فلم يبينها؛ لذلك تأولها العلماء بنحو عشرين وجها، ذكرها ابن جرير في تفسيره. منها أنه شرط خلودهم بدوام السموات والأرض، وهما غير دائمتين بل يبدلهما اللَّه، كما قال في سورة إبراهيم: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ) والشرط إذا عدم عدم المشروط، فيكون عذاب النار غير دائم، بل ينقطع؛ لذلك قال ابن عباس: بين لنا مشيئته في أهل الجنة، ولم يبين لنا مشيئته في أهل النار.

стр. 141

وروى إمام أهل السنة، الإمام أحمد، عن عبد اللَّه بن عمر: ليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها، ليس فيها أحد، وذلك بعدما يلبثون فيها أحقابا" لذا روى عن عمر بن الخطاب قوله: لو لبث أهل النار في النار قدر رَمْل عالج (اسم مكان كثير الرمال) لكان لهم يوم يخرجون فيه. ونقل هذا عن ابن مسعود، وأبي هريرة. قال ابن تيمية: وهو قول عمر بن الخطاب، وابن عباس، وابن مسعود، وأبي هريرة. وذهب إليه الحسن البصري، وحماد بن سلمة، وبه قال علي بن طلحة الوالبي، وجماعة من المفسرين ". وفي تفسير الرازي: قال قوم: إن عذاب الكفار منقطع وله نهاية. واستدلوا بآية سورة هود المتقدمة، وبقوله - تَعَالَى -: (لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣) . قال الرازي: واستدلوا بأن معصية الظلم متناهية فالعقاب عليها بما لا يتناهى ظلم، وهو - تَعَالَى - مبرأ من الظلم (١) . قلت: وأخذ بالقول بفناء النار الإمام ابن القيم في كتابه (حادي الأرواح) قال: وأما أبدية النار ودوامها فقال فيها شيخ الإسلام (ابن تيمية) فيها قولان معروفان عن السلف والخلف والنزاع في ذلك معروف عن التابعين. ثم أخذ في إقامة الأدلة على فناء النار من خمسة وعشرين وجها. قلت: ونقلها عنه صاحب تفسير المنار عند تفسير قوله - تَعَالَى -: (خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ) . قلت: من هذا يتبين أن القول بفناء النار قال به: طائفة من الصحابة، وطائفة من التابعين، وطائفة من علماء الحديث، وطائفة من المفسرين، وطائفة من المحققين، وكلهم له سنده من القرآن، والرواية. ولم ينفرد به ابن القيم، كما يزعم الجاهلون. أقول للسائلين: هل كان عندكم هذا العلم حين سألتم عن خلود النار؟ وهل كان عندكم علم بما في كتابكم مما نقلتُ لكم بعضه عن الهاوية حتى جعلتم من الملائكة زناة!! أما القرآن فيقول عنهم:

стр. 142

(وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩) . ١ - أما بعد: فأقول للسائلين عن الرحمة، أين كانت الرحمة. - عندما تستخدم الكنيسة (الحرمان) لكل من خالف رأيها؟ وما سببه من تأخير نهضة الغرب قرونا. - وأين كانت الرحمة عندما حكم البابا على العالم الفلكي الإيطالي (برنو) بالقتل حرقا؛ لآرائه العلمية، وأحرق في ميدان الأزهار بروما. - وأين كانت الرحمة عندما حكم البابا (جريحوري السابع) بالحرمان على الإمبراطور هنري الرابع، فقام الإمبراطور برحلته المهينة، التي تركه فيها البابا ثلاث ليال فى قسوة البرد والمطر وهو يلبس ثيابا من الخيش، حتى عفا عنه!! - بل أين الرحمة، وحرية الرأي، عندما أحرق رئيس الأساقفة (كرانمار) ومات شهيدا لقضية أقل وضوحا مما تقتضي الشهادة وكان (كرانمار) الساعد الأيمن للملك هنري الثامن الذي انشق عن الكاثوليكية. ولما مات الملك أدوارد السادس، ابن هنري، وخلفته أخته الكبرى (ماري) التي شبت على المذهب الكاثوليكي. عادت الأمة الإنجليزية مرة أخرى إلى الكاثوليكية، فى ظل (ماري الدموية) كما لقبوها بعد، وأحرق الأسقف كرانمار (تشكيل العقل ١٠٣ - ١٠٤) . - وأين كان الحق والعدل والرحمة عندما كانت كنيسة روما تستولي على الأرض المحيطة بروما، والتي عرفت باسم ولايات الكنيسة. وذلك استنادا إلى وثيقة مزورة منسوبة إلى الإمبراطور قسطنطين والذي كشف تزويرها أحد المدرسين هو (لورتزو فالا) الذي توفي ١٤٥٧ (تشكيل العقل الحديث ت كرين بريستون ص ٤٢) . . . وأين؟ وأين؟ . عندي كثير ما كان أغناني عن

стр. 143

ذكره، أو التلميح به لولا ادعاؤكم على الإسلام والمسلمين ما هم منه براء!! هذه مثل، مجرد مثل لفقدان الرحمة والعدل والحق، سبقتها أمثلة عن قسوة إلهكم، وعدم تناسب العقوبة والذنب مع إحراق الأبرياء من الأطفال والنساء، ولعن الذرية قبل أن تولد، بل والثمار قبل أن تتفتح عنها أكمامها.. ثم تسألون: أين الرحمة عند إلهكم، فيالها من مفارقات عجيبة!! * * *

стр. 144

السؤال الرابع لو كان الإسلام دينًا حقا - كما تزعمون - لما كان أتباعه من المسلمين أسوأ الناس، وأحطهم سلوكا وأخلاقا، ومظهرا، ولما كانت بلادهم في منتهى التأخر والفوضى والظلم، والهمجية، والقذارة . * * * مأثورات في إعلانه عن صدور كتابه: "الديوان الشرقي" قال أديب ألمانيا الأكبر جوته: إنه هو نفسه لا يكره أن يقال عنه إنه مسلم ". وحينما بلغ جوته السبعين من عمره أعلن على الملأ أنه يعتزم أن يحتفل في خضوع بتلك الليلة المقدسة التي أنزل فيها القرآن على النبي محمد ﷺ . "ما رأينا المستشرقين ولا أساتذتهم المبشرين وقفوا أمام نحلة من النحل، أو مذهب من المذاهب، أو دين من الأديان مثلما وقفوا أمام الإسلام.. لأن الإسلام لو كان ضعيفا لما حرّك لهذا الجيش العرمرم من المبشرين والمستشرقين والملحدين ساكنا، فالخصم الضعيف لا يسر صديقا، ولا يقلق عدوا". أ. د. عبد العظيم المطعني. في كتابه (افتراءات المستشرقين على الإسلام) . * * * "والأم الإسلامية أشد الأم تعرضا لعداوة الاستعمار الذى يعادي الإسلام بصفة خاصة؛ لأنه نظام اجتماعي، وآداب معيشة، وله مبادئ فكْرية تقوم عليها الآداب والعلاقات، كما تقوم عليها عقائد الدين ووجهات النظر إلى أصول الحياة". (عباس العقاد في: الإسلام والحضارة الإنسانية) * * * الجواب - إن الحكم على الإسلام من خلال سلوك بعض أبنائه تحيّز إلى غير الحق، وخضوع

стр. 145

للهوى الشخصي. ووجه التحيز في هذا الحكم أنه بحث عن المعايب، ونظرة جانبية في موضوع البحث، تركزّ على عنصر خارج عن حقيقة الإسلام المجردة. والحق أن الدراسة العلمية لا بد أن تتجرد للبحث عن حقائق الموضوع الذاتية، في تعمق، وفي شمول، مع ضرورة التمييز يين ما هو ذاتي وما هو خارجي، وبين ما هو من إيحاء الإسلام وبين ما هو من سلوك الناس وانحرافهم عنه. وبهذه الدراسة المتكاملة، والذاتية يسلم (منهج البحث) ، ويبرأ من عيب النظرة الجزئية، ثم الحكم الكلي. هل من الحق والمنهجية أن نحكم على مبادئ الثورة الفرنسية بما فعل القائمون بها، وبما فعل نابليون، وبما فعلت فرنسا في الشعوب التي استعمرتها، ومنها ذاك المثل الذي ذكره (ول ديورانت) في موسوعته (قصة الحضارة) عندما نزلت فرنسا في أمريكا، عقب اكتشافها، وأفلحت في استمالة بعض القبائل. وتأكد لفرنسا رغبة قبائل (البوتيغوارا) في أكل لحوم البشر، فقامت فرنسا بترتيب خدمة منتظمة بنقل زنوج من (غينيا) يقدمونهم لهذه القبائل لأكلهم!! وفي العصور التي سميت في تاريخ الغرب بالعصور التنويرية، وخطت بها خطوات فساحا نحو التقدم - كانت أوربا تقوم بعملين متزامنين: أحدهما داخلي، وآخر خارجي. أم الداخلي فكان استثمار جهود العاملين من النساء والأطفال والرجال الفقراء استثمارًا ليس فيه من (الإنسانية) شيء مع قلة الأجر إلى حد لا يقيم الأود، وتكديس الجميع في أماكن ضيقة أشاعت الفواحش والأمراض. أما الخارجي فكان الاندفاع إلى استعمار الشعوب، وابتزاز ثرواتها وفرض الفقر والجهل عليها، ومحاولات فتنتها عن دينها. فهل تسوغ لنا تلك المآثم غمط الخلق، وبطر الحق؟ - لقد عرض (مونتسكيو) مشاهد مما رآه في بلاد الغرب تنطق بمدى التأخر الحضاري، والانحطاط الأخلاقي، كان مما شاهد: في (فينا) - وكانت النمسا أول رحلاته: إن الغبار يسيطر على المدينة بسبب الطرق المتربة التي تحيط بها. ووجد أن
следующие страницы →