← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 7835

التحصين من كيد الشياطين

خالد الجريسي

Полный текст (444 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

بالذكر، فيَغْلِبُ نورُ القلب عندئذٍ وساوسَ الشياطين، ولا يلتفت إلى طبائع السوء التي تؤزُّه إليها نفسه، ولِتحقق ذلك كان لا بد من معرفة أمور ثلاثة غاية المعرفة: الأول: اليقين التام بوضوح عداوة شياطين الإنس والجن، وتضافرهم مع الأخلاق السيئة المركبة في النفس. الثاني: معرفة حقيقة الوسوسة، وأنها خواطر تُعْرَض على القلب، فإن قبلها، تحركت الإرادة بالرغبة في الفعل، ثم صارت الرغبة عزماً، والعزم نية، ومن ثَمَّ تحركت الأعضاء - وهي جنود مجندة تخدم القلب - لعمل ما يريده، وما تقلّب إليه من خير أو سوء. الثالث: أن مبدأ التحصين للقلب يكون ابتداءً وانتهاءً بالالتجاء إلى الله تعالى، والاستجارة بعظمته من ذلك، إذ لا طاقة للإنسان - مهما بلغ من مجاهدة - على صرف وساوس الشهوات عن نفسه، ولا وساوس الشبهات عن عقله، ولا وساوس الخواطر عن قلبه، ولا في إزالة حُجُب الظلمات التي عَلَت روحه بما كسبت يداه، وفي رد سهام الشر من سحر أو حسد أو تعمُّدِ ضرٍّ، - وقد صار هدفاً لذلك كله من شرار الخلق - إلا بالعياذ بكَنَف الله تعالى وحِصْنه الحصين.

стр. 107

التحصينات الواقية: أخي القارئ، إن تم إدراكك لخطورة ما سبق، وسألت بعدها ما سبيل توقي ذلك كلِّه، وكيف أدفع عن نفسي هذا الخطر المحدق؟ أتاك غيث الشريعة الغراء منسكباً بتحصيناتٍ لا قِبَل لعدوك بها، فخذها بقوة، وعَضَّ عليها بالنواجذ، فأنت بحاجة ماسة إليها تفوق مراتٍ ومرات حاجتك لتمام الصحة الجسدية، ولزينة الدنيا من مال وذرية، وإن التسهّل في الأخذ بهذه التحصينات قد يؤدي إلى هلاك مروّع، هو أشد هولاً من هلاك الجسد بأمراض عضوية، فإن الآفات المهلكات التي تتحصن منها، يتيه فيها القلب، وتتحير بشأنها الروح، ويهلك بها الجسد، كما تموت بها النفس، نعوذ بالله تعالى من ذلك. أخي القارئ، - وقد عرفت جَلَل ذلك الخطب -، فلنشرع ببيان تحصينات واقية من ذلك، وهي بمجموعها مستوحاة من قول رسول الله ﷺ لعبد الله بن عباس ﵄: «يَا غُلاَمُ، إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُْمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اُللهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَْقْلاَمُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ. [وَاعْلَمْ أَنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْراً كَثِيراً، وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً] » (١) . هذا، وإن التحصينات بحفظ حدود الله تعالى أربعة:

стр. 108

ف الأول: احفظ الله بتحقيق الإخلاص في توحيده سبحانه. والثاني: احفظ الله في تعظيمه بالإكثار من ذكره. والثالث: احفظ الله في التزام تقوى الله تعالى، وبتسخير جوارحك في الاجتهاد بالعمل بمراضيه سبحانه، واجتناب نواهيه. الرابع: احفظ الله بالاقتداء بالنبي ﷺ ؛ بالتزام أفعال مخصوصة أرشدت إليها السنة النبوية الكريمة. أما الأول من التحصينات، فهو في تحقيق الإخلاص في توحيده سبحانه: ويكون ذلك باليقين الجازم بعظمة الله وقَدْره حقَّ قدره، وإفراده سبحانه بالعبادة، والاعتقاد بأنْ لا استحقاق في شيء منها لأحد غيره، وذلك بتوحيد الله في ربوبيته وإلهيته وأسمائه الحسنى وصفاته العُلى، وهذا - لو تحقق في قلب عبد - لأغناه عن الاسترقاء، فضلاً عن تحصينه من الشرور والآفات. ذلك أن هذا التوحيد هو مبنى التوكل على الله، وهو درع حصين وسلاح مكين لا يمكن لمخلوق أن يتسلل إليه، أو يقارب حِماه، إذ إن صاحبه لا يستعيذ إلا بالله، ولا يستغيث إلا بالله، ولا يستعين إلا بالله، ولا يطلب نفعاً إلا من الله، ولا يستدفع ضراً إلا بالله، ولا يتقرب إلا لله، فلو عزمت - أخي القارئ - في

стр. 109

جلسة تفكّر على استحضار حقيقة هذا الإخلاص في قلبك، ثم عزمت بحول الله وقوته على متابعة هدي النبي ﷺ في ذلك، لاستقر - بإذن الله - معنى الإخلاص في قلبك، إذ لا خلاص بغير الإخلاص، وبقدر استحضارك ذلك وعزمك على المتابعة، وترك الابتداع يزداد إيمانك، فيكون القلب إذ ذاك قلعة مَصُوناً، تضعف أمامها حملات الإغارة الشيطانية، فيكون كيده كأضعف ما يكون، بل قد يفر منك فراراً، ويحذِّر الخلق من الاقتراب منك كي لا تفسد عليه مداخله عليهم!! إن النظر في آيات الله وسنة نبيه ﷺ يرشد إلى حقيقة أن الإخلاص هو حقيقة الإيمان، ومبنى رفعته، وهو صفة المصطفَيْن الأخيار من عباد الله الصالحين، فتأمّل معي - أخي الحصيف - هذه النصوص المباركة: - ... قال تعالى: [الزُّمَر: ٢-٣] ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ *أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ *﴾ . - ... وقال سبحانه: [الزُّمَر: ١٤] ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي *﴾ . - وقال جل ذكره: [غَافر: ١٤] ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ *﴾ . - ... وقال تبارك اسمه: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ *إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ *﴾ . - ... وقال : [الحِجر: ٣٩-٤٢] ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأَُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ *إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ *قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ

стр. 110

مُسْتَقِيمٌ *إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ *﴾ . فانظر - رعاك الله - إلى عجز إبليس وجنده، وضعفهم عن مجرد إغواء من اتصف بالإخلاص، فكيف بضرّهم أو الاستحواذ عليهم؟! بل إن الشياطين تجتنب الطريق التي يمر بها العبد المخلص، كما قال النبي ﷺ لعمر ﵁: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ قَطُّ سَالِكاً فَجَّاَ إِلاَّ سَلَكَ فَجّاً غَيْرَ فَجِّكَ (١) وكما بشّر به رسول الله ﷺ عمرَ بقوله: إَنَّ الشَّيْطَانَ لَيَخَافُ مِنْكَ يَا عُمَرُ (٢) . والإخلاص - كما ذكرنا آنفًا - هو مبنى التوكل وحقيقته، فلا يضر المتوكلَ شيء، ولا حاجة له لرقية مِنْ ضُرٍّ أصابه، بل إنه - بما استجمع من إخلاص في توحيد الله - يأتيه الشفاء بلا دواء ولا اكتواء ولا استرقاء، وهذا حال بعض عباد الله الصالحين المتوكلين، لكن ذلك لا ينافي وجوبَ التداوي وجواز الاسترقاء، فليس جميع الأمة قد تبوَّؤوا تلك المنزلة السامقة والدرجة الرفيعة في الإخلاص، فعلى قدر ما يبلغ بك الحال في إخلاص التوحيد، تبلغ بذلك تحصين قلبك، والدرءَ عن نفسك، فاجتهد - رحمك الله - في تحقيق ذلك. هذا، ولم يستكمل من هذه الأمة إخلاصهم لله إلا ثلة مباركة، وقد بُشّروا بشفاء من غير

стр. 111

دواء ومعافاة من غير اكتواء، وبإذهاب ضر مسهم من غير استرقاء، كما في قول نبي الله ﷺ : «يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفاً بِغَيْرِ حِسَابٍ» قالوا: ومن هم يا رسول الله؟ قال ﷺ : «هُمُ الَّذِينَ لاَ يَكْتَوُونَ، وَلاَ يَسْتَرقُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» (١) . اللهم إنا لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، اللهم اجعلنا من عبادك المخلَصين، المتوكلين عليك حق التوكل، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، سِلْماً لأوليائك، حرباً على أعدائك، واحفظنا بحفظك من كيد الشياطين، وممن اتبعهم من الغاوين، آمين. وأما الثاني من التحصينات - بإذن الله - فيكون في تعظيم الله بالإكثار من ذكره سبحانه: - ... ومن أعظم أنواع الذكر المحصّنة لقلب المؤمن، والتي ينبغي له الاشتغال بها: تلاوة القرآن الكريم، مع الاجتهاد في تدبُّره وحفظه، فإن ذلك سمت أهل الله وخاصّته، وهو من أعظم ما يجتهد الشيطان في الصدّ عنه، لذا فقد أمرنا الله جلّ ذكره بالاستعاذة عند شروعنا بالتلاوة، قال الله تعالى: [النّحل: ٩٨-١٠٠] ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ *إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ *إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ *﴾ .

стр. 112

وقال عزّ ثناؤه مخاطباً نبيَّه ﷺ : [الإسرَاء: ٤٥-٤٦] ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا *وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا *﴾ . ومما لا يخفى مزيد فضلِ بعض سور القرآن الكريم، كما بعض آياته، التي صحّ بمزيد فضلها النصُّ، أما السور، فمنها: ١- ... فضل سورة الفاتحة، ويتلوها المؤمن سبع عشرة مرة في صلواته من اليوم والليلة، وقد قال النبي ﷺ : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ : هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيْتُهُ» (١) . ومن فضلها العظيم أنها رقية مشروعة، قد أقرّ رسولُ الله ﷺ نفراً من الصحابة ﵃، رقَوْا بها - مجتهدين في كونها رقية - سيدَ حيٍّ من أحياء العرب، كان قد لُدِغ، فشفي، فقال ﷺ للراقي - وهو أبو سعيد الخدري ﵁: وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ (٢) . ٢- ... تلاوة سورة البقرة بتمامها في البيت، فتكون حصناً حصيناً لأهله؛ قال رسول الله ﷺ : «لاَ تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ، إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ

стр. 113

مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ» (١) . وقال ﵊ في فضلها أيضاً: «اقْرَؤُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ وَلاَ تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ» (٢) . فهي حصن حصين يبطل أعمال السَّحَرة الأشرار، وكيد أتباعهم الفجّار. ٣- ... ومن السور الداعية لِتَنَزُّل السَّكينة على قلب المؤمن، سورة الكهف، وقد قال ﵊ لمن تنزلت عليه سحابة غَشِيَتْه عند قراءته لها،: «اقْرَأْ، فَإِنَّهَا السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ لِلْقُرْآنِ» (٣) . ٤- ... ومن فُضليات السور أيضاً سورة (الكافرون) ، فإنها براءة من الشرك، ولا تدع للشيطان على الإنسان سلطاناً البتة، وقد أمر رسولُ الله ﷺ نوفلَ بن معاوية ﵁، أن يتلوها إذا أوى إلى

стр. 114

فراشه، بقوله ﷺ «قُلْ ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ ، ثُمَّ نَمْ عَلَى خَاتِمَتِهَا فَإِنَّهَا بَرَاءَةٌ مِنَ الشِّرْكِ» (١) . ٥- ... ومن السور الكريمات المحصِّنات: سورة الإخلاص والمعوِّذتان، إذا قرئت ثلاثاً، وذلك لقوله ﷺ لعبد الله بن خُبيب ﵁: «قُلْ ﴿قل هو الله أحد﴾ وَالْمُعوِّذَتَيْنِ حِينَ تُمْسِي وَتُصْبِحُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ تَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ» (٢) . كما أن سورة الإخلاص تعدل ثُلُثَ القرآن، لقوله ﷺ «إِنِّي قُلْتُ لَكُمْ سَأَقْرَأُ عَلَيْكُمْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ، أَلاَ إِنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ» (٣) ، حيث قرأ ﷺ على الناس حين احتشدوا سورة الإخلاص.

стр. 115

وكذلك، فإن المعوذتين رقية شرعية للمريض، كما صحّ عن النبي ﷺ أنه كَانَ إِذَا اشْتَكى - أي: مَرِض - نَفَثَ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ، فَلَمَّا اشْتَكى وَجَعَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ ﷺ جَعَلَتِ السَّيِّدَةُ عَائِشَةُ ﵂ تَنْفُثُ عَلَى نَفْسِهِ ﷺ بِالْمُعَوِّذَاتِ، وَتَمْسَحُ بِيَدِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْهُ [رَجَاءَ بَرَكَتِهَا] (١) . وأما الآيات الكريمات، التي تقي تلاوتها - بإذن الله - من صنوف الشرور. فأولها: آية الكرسي، وذلك لما صح عن النبي ﷺ من قوله لأبيِّ ابن كعبٍ ﵁، «يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، أَتَدْرِي أَيَّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟» قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، أَتَدْرِي أَيَّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟» ، قُلْتُ: ﴿اللَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ..﴾ قال: فَضَرَبَ فِي صَدْرِي وقال: «وَاللهِ لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ» (٢) . وتلاوة هذه الآية هي أعظم سبب لحفظ الله تعالى لعبده، ولحجز الشياطين كافة عمن يقرأها، فعن أبي هريرة ﵁، قال: وكّلني

стр. 116

رسول ﷺ بحفظ زكاة رمضان فأتاني آتٍ فجعل يحثو من الطعام، فأخذتُه فقلت: لأرفعنّك إلى رسول الله ﷺ ، فقال: - ذلك الشيطان اللص -: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي، فإنه لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تُصبح، فقال النبي ﷺ : صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ، ذَاكَ شَيْطَانٌ (١) . ومن ذلك أيضاً، الآيتان من خواتيم سورة البقرة، وهي قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ *لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلاَنَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ *﴾ [البَقَرَة: ٢٨٥-٢٨٦] . فقد صحّ عن النبي ﷺ أنهما تكفيان من قرأهما من غائلات الليل، قال ﷺ : «الآْيَتَانِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، مَنْ قَرَأَهُمَا فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ» (٢) .

стр. 117

- ... ومن صنوف الشرور العظمى التي يتحصن المسلم منها فتنة (المسيح الدجّال) ، ويكون ذلك التحصن بحفظ عشر آيات من أول سورة الكهف، وعشرٍ من آخرها. وذلك لقوله ﷺ : «مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ [مِنْ آخِرِ] سُورَةِ الْكَهْفِ عُصِمَ مِنَ الدَّجَّالِ» (١) . لقد تفضّل الله تعالى على المؤمن بهدايته للإيمان، وإن تلاوة ما ذُكر آنفًا من السور والآيات لم يكن لينفع قارئه، النفع التام، إلا إذا صدر عن قلبٍ مخلَّصٍ من شوائب الشرك، ولوثات الرياء، فاحرص على حفظ النعمة العظمى، والمنة الكبرى: نعمة الإيمان، فهي الحصن الحصين، وهي التي تُحِيل النطق بالأذكار - ومن أعظمها تلاوة آيات الله تعالى - من مجرد قولٍ لكلمات يلهج بها اللسان، إلى أنوار من الهدى تحمي القلب فيطمئن بها، وتُبصِّره بالحق فيعقله فيتدبّر عندها هوان الدنيا، وحسن ثواب الآخرة، وتزكو نفسه، فتتلبسها السكينة، ويجلّلها الفلاح، وإن نعمة الإيمان هي التي تكشف للروح معنى النفخة العلوية والخِلْقة السويّة التي أسجد الله تعالى ملائكته الكرام بسببها لآدم ﵇، كما تكشف للروح شدة عداوة إبليس لبني آدم ﵇، وتكبُّرَه الذي حجب عنه كل خير، وأحاله رجيماً مذؤوماً مدحوراً، ملعوناً، مُتوعَّداً بأشد العذاب، إذا عقل القلب ذلك اتخذت الروحُ عندها الشيطانَ عدواً، وحذِرَتْ مكايده، وحصَّنَتِ النفس من مداخله، ولا يقتصر أمرها على ذلك، بل إن هذه النعمة العظمى تلقي

стр. 118

السرور والحبور في مناحي القلب، فيأمر القلبُ الجسدَ بحسن الامتثال للوهّاب، وبشدة الكراهية لمخالفة أمره، فتمتثل الجوارح عندها بالعبادة فيحقق العبد غاية وجوده، والحكمة من خلقه، فيعبد ربّه حق العبادة، ويتوكل عليه حق التوكل. وهاك - مكرماً - من آيات الله تعالى، ما يبين لك عظم هذه النعمة، ولتعلم أن المؤمن في أمان الله، فلا تسلط لشيطانٍ عليه، فهو في كنف الله وحفظه. قال الله تعالى: [الحُجرَات: ١٧] ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لاَ تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ *﴾ . وقال سبحانه: [الشّورى: ٥٢] ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقَيمٍ *﴾ . وقال : [الرّعد: ٢٨] ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ *﴾ . وقال عزّ شأنه: [الحَجّ: ٤٦] ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ *﴾ . وقال جلّ ذكره: [ص: ٧١-٧٤] ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ *فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ *فَسَجَدَ الْمَلاَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ *إِلاَّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ *﴾ .

стр. 119

وقال جلّ ثناؤه: [الحُجرَات: ٧-٨] ﴿.. وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ *فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ *﴾ وقال تقدست أسماؤه وجلّت صفاته: [الذّاريَات: ٥٦-٥٨] ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ *مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ *إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ *﴾ . وقال تعالى جَدُّه: [الحِجر: ٤٢] ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ *﴾ . أخي القارئ الكريم، إذا عرفت قدر تلاوة آيات الله تعالى في مقام الأذكار المُحَصِّنة، وارْتَضْتَ في رَوْضِها، ورتَّلْتَها ترتيلاً آناء الليل وأطراف النهار، فهاك باقةً عطرة من أذكار نبوية شريفة، فاح شذاها من محبة النبي ﷺ لأمته، ومزيد رحمته ورأفته بهم، وإشفاقه عليهم من أن تَجَاذَبَهُمْ أهواؤهم، وتأمَّر عليهم نفوسُهم بالسوء، ويُضِلَّهم قرناؤهم من شياطين الإنس والجن. قال تعالى: [التّوبَة: ١٢٨] ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ *﴾ . وقد دلنا ﵊ على أن الخلق جميعَهم عجَزَة لا يملكون ضراً ولا نفعاً إلا بإذن الله، فهو سبحانه يُجري - إن شاء - ذلك على أيديهم، وأن القلم قد جرى في علم الله بما هو لنا أو علينا، فالتعويل كله على إرادة الله وقدرته سبحانه، قال ﵊: «وَاعْلَمْ أَنَّ الأُْمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى

стр. 120

أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ، لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَْقْلاَمُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ» (١) . فإن استقر هذا المعنى في فؤادك حصل لك انتفاع تام بالأذكار النبوية، وتحصنت بها بإذن الله، فلا يضرك شيء بعدها يقيناً، بل ولا يجرؤ مخلوق على ضُرِّك، فإن أهل الحصن لا ينعمون بالاطمئنان والأمان إلا إذا وقف عند أبواب أسوارهم جند أشاوس يخشى العدو من مجرد التفكير بغزوهم، هذا مَثَلُ قلب المؤمن وقد أيقن بعزة الله سبحانه، ولهج لسانه بما أرشده إليه نبيه ﷺ . وهذه التحصينات بالأذكار النبوية على نوعين اثنين: ١- ... تحصينات بذكر الله تعالى، عند الإصباح والإمساء. ٢- ... تحصينات في أحوالٍ يتقلَّب فيها المؤمن. أولاً: أما التحصينات بأذكار الإصباح والإمساء، فقد حفلت بإيراد ما صح منها كتبُ السنّة المطهّرة (٢) ، وليس الغرض استقصاءها، لكن أختار منها، مبيناً فضلها تفصيلاً بحسب ما يقتضيه المقام: ١- ... تلاوة آية الكرسي: [البَقَرَة: جزء من الآية ٢٥٥] ﴿اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ... ﴾ ، فهي أعظم آية في كتاب الله تعالى (٣) ، وهي

стр. 121

الكلمات النافعة التي لا يزال على قارئها من الله حافظ، ولا يقربه شيطان (١) ، وإن فيها وفي قوله تعالى: [آل عِمرَان: ١-٢] ﴿الم *اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ *﴾ ، اسم الله الأعظم (٢) ، وآية الكرسي مكتوبة تحت العرش (٣) ، وفضلها يكاد لا يحصى.

стр. 122

٢- ... تلاوة سورة الإخلاص، والمعوذتين. أما الإخلاص، فهي تعدل ثلُث القرآن (١) ، ومن فَقِهَ معناها وأحبّ أن يقرأ بها أحبَّه الله (٢) ، وهي سبب موجب - برحمة الله - لدخول الجنة (٣) ، ومن دعا بها فقد دعا الله باسمه الأعظم، الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دُعي به أجاب (٤) ، وهي حصن مع المعوذتين، تكفي من كل شيء (٥) ، وقد كان النبي ﷺ يقرأ في ركعتي سُنَّة الفجر ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ , و ﴿قل هو الله

стр. 123

أحد﴾ (١) . وأما سورتا الفلق والناس، فهما السورتان المعوِّذتان (٢) ، ما تعوّذ متعوِّذٌ بمثلهما، ويستحب أن يقرأ بهما في صلاة الصبح (٣) ، وكذلك في أدبار الصلوات (٤) ، وحين الإصباح والإمساء مع الإخلاص ثلاث مرارٍ - كما مرّ آنفاً -، كما يقرأ المؤمن بذلك جميعه وينفث بهما في كفيه إذا أوى إلى فراشه، ويتعوذ بهما عند شكايته المرض، ويرقي بهما نفسه عند نزول المرض، كل ذلك

стр. 124

اقتداءً بالنبي ﷺ (١) . ٣- ... قول: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) ، عشر مرارٍ أو مائة مرّة. فمن قالها (عشراً) كان كمن أعتق رقبةً من ولد إسماعيل ﵇. ومن قالها (مائةً) كتبت له مائة حسنة، ومحي عنه مائة سيئة، ثم كانت له حِرْزاً من الشيطان في يومه ذاك حتى يمسي (٢) . ٤- ... قول: «سبحان الله وبحمده، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته» (ثلاث مرات) ، وهذه لو وزنت بما يقوله المؤمن من أذكار منذ انقضاء صلاة الفجر إلى وقت الضحى، لوزنتهن (٣) . ٥

стр. 125

- ... ثم يَشْرع بالصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، بقوله: اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى [إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى] آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى [إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى] آلِ إِبْرَاهِيمَ (فِي الْعَالَمِينَ) ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (١) . يكررها عشراً، أو يكثر منها ما شاء، لقوله ﷺ : مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاَةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْراً (٢) ، كما أنه يستحب للمؤمن أن يكثر جداً في يوم الجمعة وليلتها من الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وذلك امتثالاً لأمره ﷺ بقوله ﷺ : إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ ﵇، وَفِيهِ قُبِضَ، وَفِيهِ النَّفْخَةُ، وَفِيه الصَّعْقَةُ، فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلاةِ فِيهِ، فَإِنَّ صَلاَتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ (٣) . ٦- ... قول أفضل الاستغفار وسيِّده، وهو قوله ﷺ : «اللهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ،

стр. 126

وَأَبُوءُ [لَكَ] بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ» (١) . وقد أَعْلَمَ النبيُّ ﷺ بفضل هذا الاستغفار بقوله ﷺ : «وَمَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِناً بِهَا، فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِي، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ» (٢) . وأنّى يكون لشيطان سلطان على من هو معدود في أهل الجنة قال تعالى: [الحِجر: ٤٢] ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ *﴾ ، وقال سبحانه: [النّحل: ١٠٠] ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ *﴾ . ٧- ... ملازمة الاستغفار والتوبة في اليوم والليلة. مما يحبط محاولات الشيطان المتكررة لإلحاق أكبر عدد ممكن بمعيته من بني آدم إلى مستقره الأخير وإلى مصيره البئيس، فالعبد - إذا غفر الله له وتاب عليه - أيأس شيطانَه من اللحاق به، فيعاود الكرّة مرة بعد مرة عسى أن ينال مبتغاه وغاية مناه، فيلزم العبدُ عندها الاستغفارَ والتوبة لتبدأ المحاولات من جديد، ولعل ذلك هو سر إشفاق النبي ﷺ على أمته المكرمة بأمرهم بتكرار الاستغفار والتوبة سبعين أو مائة مرة، مع أن العبد قد لا تبلغ ذنوبه هذا الكم، إلا أن وساوس شياطين الإنس والجن قد تبلغ ذلك، وقد تزيد، عياذاً بالله من شر وساوسهم.

стр. 127

قال النبي ﷺ : وَاللهِ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّة (١) ، وقال ﵊: إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللهَ فِي الْيَوْمِ مَائِةَ مَرَّة (٢) . فإن كان النبي ﷺ وشأنه دوام ذِكر الله تعالى - يفتر عن الذكر أحياناً، فيَعُدّ ذلك ﷺ ذنباً فيشرع بالاستغفار والتوبة، فما بال أحدهم وقد استقر الغَيْنُ على قلبه ساعات، بل ربما أياماً، ولعل البعض قد علا رانُ الذنوب قلبَه، ثم يسأل مستغرباً كيف تسلط شيطان على قلبه؟! وكيف تلبس به وجرى في دمه؟! وكيف صرعه مس شيطاني، أو أضرّ به سحر سُفْلي، أو عانه عائن، أو أضر به شر حسد حاسد؟! حتى إذا استعصى علاج ذلك على الخلق عرف آنذاك أن ما أصابه كان بما كسبت يداه واشتغلت به يمناه، وبما أعرض قلبه عن ذكر مولاه، فيمّم وجهه مسارعاً إلى راقٍ يرقيه، أو صالح يدعو له، وكان الأجدر به أن يعلم ابتداءً أن لا ملجأ ولا منجىً من الله إلا إليه، وأن الأمر كله لله، فلو تعلق بالرقية أو بصلاح عبد وحسب، لم ينفعه ذاك، حتى يعود إلى مولاه ويطلب رضاه، عندها ينفع التحصينُ ويوفق الله الراقي والمسترقي، ويشفي الله عبده من كل ما يؤذيه، ويقوم كأنما نشط من عقال، وليس به ضُرٌّ مسَّه.

стр. 128

٨- ... ومن الأذكار المحصنة لقلب المؤمن في الإصباح والإمساء، أيضًا قول النبي ﷺ : أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ (أَمْسَيْنَا وَأَمْسَى) الْمُلْكُ لِلّهِ، وَالْحَمْدُ لِلّهِ، لاَ إِلَهَ إِلاّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، ويزيد إن شاء إذا أمسى: رَبِّ أَسْأَلُكَ خَيْرَ مَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ، وَخَيْرَ مَا بَعْدَهَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ، وَشَرِّ مَا بَعْدَهَا (١) ، أَصْبَحْنَا (أَمْسَيْنَا) عَلَى فِطْرَةِ الإِْسْلاَمِ، وَعَلَى كَلِمَةِ الإِْخْلاَصِ، وَعَلَى دِينِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَعَلَى مِلَّةِ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، (٢) أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ومن فضل قول ذلك أن العبد إذا نزل منزلاً فقالها لم يضره شيء إنس ولا جان وحيوان، حتى يترك منزله ذلك (٣) . كذلك قول: بِسْمِ اللهِ الَّذِي لاَ يَضُرُّ مَعِ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الأَْرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (يقولها ثلاثًا) ومن فضلها: أن قائلها لا تصيبه فَجْأَةُ بلاءٍ (٤) ، وقول: رَضِيتُ بِاللهِ رَبّاً، وَبِالإِْسْلاَمِ دِيناً، وَبِمُحَمَّدٍ

стр. 129

صلى الله عليه وسلم نَبِيّاً يقولها ثلاثاً كذلك. فمن قال ذلك كان حقاً على الله تعالى أن يُرضيه يوم القيامة (١) . فضل الاستعاذة بالله تعالى: أخي القارئ الكريم - نفعك الله بما علمتَ وزادك علماً -: إن تحصين المؤمن نفسَه مدارُه جميعاً على وقاية قلبه مما قد يؤثر فيه فيفتح فيه ثلمة يلج الشيطان وأتباعه منها فيستحوذ على روحه، أو يضره في جسده، وقد علمت - بفضل الله - ما يحصن قلبك بتلاوة آيات الله تعالى، وملازمة ما أرشد إليه رسول الله ﷺ من أذكار مباركات تقولها إذا أصبحت أو أمسيت، لكن ومع ذلك فقد يتحيّن الشيطان - عياذاً بالله - فرصة يغفل فيها العبد عن ذكر ربه، فيُقبل موسوساً، لذا، فقد أرادت الشريعة المطهرة ألاّ تدع لعدوك إليك سبيلاً يسلكه، ولا تسلُّطاً يتسلط به عليك، فإن غفلت أو أُنسيت، أو شغلك شاغل عن ذكر ربك، فما أيسر من أن تتلفظ عندها بكلمات تلتجئ بقولهن إلى حمى مولاك، وتستجير بعزته، وتستمسك بقدرته، وتُظهِر بها مدى ضعفك وافتقارك، فيُضعِف الله كيد عدوك، ليخنس عن قلبك. مَثَل ذلك لو أنك قصدت قصراً مَشِيداً أبوابه شتى، وكلما أوشكتَ على ولوج بابٍ منها وهو مفتوح ألفَيْت سَبُعاً مزمجراً عنده يوشك أن يثب عليك، لكنه لا يفعل، وغاية ما يفعله هو استفزازك بصوته وتخويفك بفتح فيه، وشررٍ خارجٍ من عينيه يكاد يسطو بك، بغية منعك من دخول القصر، فلو أنك كابدتَّه

стр. 130

فرددته عنك مرة بعد مرة لطال الأمر عليك، ولو أنك ولجتَ باباً لم تستطع ولوج آخر، وأنت تحب أن تدخل ذلك القصر مراراً من ليل أو نهار من أبوابه كلها، فما أيسر عند ذلك أن تطلب من ربّ القصر - وأنت تعلم وداً لك عنده - أن يأذن لك بالدخول إليه فتُربط السِّباعُ عندئذٍ أو تُحبس بعيداً عن الأبواب المشرّعة فتدخلها كأيسر ما يكون. فإذا ما أردت - أخي القارئ - أن تتخلص من كيد شياطين الإنس والجن، لتلج في حرز العبادة والتقوى، فما عليك إلا أن تستعين بخالقهم وتستجير بجنابه سبحانه وتلتجئ إلى حماه، وتلوذ بكنفه، فهو القادر سبحانه على إعاذتك من نزغات الشيطان، وطائفه، وهمزه، ونفخه، ونفثه، ومحاولات صدّه لك عن ذكر ربك، ووساوسه المتكررة بالخواطر يلقيها في رُوعك، ثم يوهمك بأنها حقائق، فلو أنك استجبت له، صدّك فعلاً، وأمرك بالفاحشة، واستحوذ على قلبك، أعيذك بالله من ذلك. لذلك كله - الخطر الداهم المؤكد المتكرر على قلب المؤمن - فقد أرشدت الشريعة المطهرة إلى وجوب الاستعاذة بالله تعالى رحمة بهذا الإنسان وطلباً لسلامته، وتحصيناً متواصلاً له، وهاك نصوصاً من كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ دالّة على ذلك، فاستمسك بالامتثال لما أمرَتْ به، فإن أَمْرَ عدوك جِدّ، وما من اتخاذه عدواً بُدّ. - ... قال الله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ *﴾ [الأعرَاف: ٢٠٠] . - ... وقال تبارك اسمه: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ *﴾ [النّحل: ٩٨] .

стр. 131

- ... وقال سبحانه: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ *وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ *﴾ [المؤمنون: ٩٧-٩٨] . - ... وقال : ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ *﴾ [فُصّلَت: ٣٦] . أما السنُّة فمنها قول النبي ﷺ لرجل مغضَبٍ قد احمرّ وجهُه -: إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ، لَوْ قَالَ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، فقال الصحابة للرجل: ألا تسمع ما يقول النبي ﷺ ؟ قال: إني لست بمجنون (١) . ومنها قوله ﵊: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، أَنْ تُضِلَّنِي، أَنْتَ الْحَيُّ الَّذِي لاَ يَمُوتُ، وَالْجِنُّ وَالإِْنسُ يَمُوتُونَ (٢) . وقوله ﷺ في استفتاح صلاة التطوع -: اللهُ أَكْبَرُ كَبِيراً - ثَلاَثَ مِرَارٍ - وَالْحَمْدُ لِلّهِ كَثِيراً - ثَلاَثَ مِرَارٍ - وَسُبْحَانَ اللهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً - ثَلاَثَ مِرَارٍ - اللهُمَّ إِني أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْثِهِ وَنَفْخِهِ، قلت - القائل: جبير بن مُطعِم ﵁: همزُه ونفثُه ونفخُه؟

стр. 132

قال ﷺ : أَمَّا هَمْزُهُ: فَالْمَوْتَةُ (١) الَّتِي تَأْخُذُ ابْنَ آدَمَ، وَأَمَّا نَفْخُهُ: الْكِبْرُ، وَنَفْثُهُ: الشِّعْرُ (٢) . هذا، وكما تشرع الاستعاذة بالله تعالى تحصناً في أي وقت من ليل أو نهار، كذلك فإن الشريعة المطهرة قد خصت مواضع بتأكد الاستعاذة، منها: عند الغضب، وعند افتتاح الصلاة، كما مرَّ بأدلته، كذلك فإنها تتأكد عند إرادة الشروع بتلاوة آيات من القرآن الكريم. قال تعالى: [النّحل: ٩٨] ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ *﴾ . وفي ذلك حِكم بالغة أوجزها بما يلي: - ... أن القرآن الكريم وهو شفاء للصدر وهداية للقلب، يشفي الله به الصدر مما علق به من الوساوس، فيصير القلب قابلاً للهداية فيتأثر بما يتلوه صاحبه من آيات الله، وتؤثر التلاوة عندها بمن يسمعها،

стр. 133

ويمكن إذ ذاك تمكُّن الهداية في النفس وبقاؤها مانعة للنفس عن الشهوات، وحاجزة للفكر عن الشبهات، لذا، فإن الشيطان الرجيم سرعان ما يغيظه ذلك، فيهرع لشغل القارئ والسامع عن ذلك الانتفاع حسداً من عند نفسه، وحجزاً للمؤمن عن الهداية، فإذا استعاذ المؤمن صرف الله كيد الشيطان وأذن بالهداية وشفاء الصدر للمؤمن ولم ينتفع بالتلاوة غيره، ولله الحمد والمنة. قال تعالى: [الإسرَاء: ٤٥] ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا *﴾ . وقال : [فُصّلَت: ٤٤] ﴿ ... قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً ... *﴾ . - ... ومن الأحوال أيضاً التي تتأكد فيها مشروعية التعوّذ أيضاً حدوث نزغ من الشيطان، أو طائف منه، (وهو إحداث الإفساد بفعل الغضب) ، قال تعالى: [الإسرَاء: ٥٣] ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِيناً *﴾ . وقال سبحانه: [الأعرَاف: ٢٠٠-٢٠١] ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ *إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ *﴾ . فائدة: قال الإمام ابن كثير ﵀: قال الله تعالى: [الأعرَاف: ١٩٩-٢٠٠] ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ *وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ *﴾ وقال تعالى: [المؤمنون: ٩٦-٩٧] ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ

стр. 134

السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ *وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ *﴾ وقال تعالى: [فُصّلَت: ٣٤-٣٦] ﴿وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ *وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ *وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ *﴾ . قال ﵀: [فهذه ثلاث آيات (١) ليس لهن رابعة في معناها، وهو أن الله يأمر بمصانعة العدوّ الإنسيِّ والإحسان إليه ليردَّه عنه طبعُه الطيبُ الأصلِ، بالموادّة والمُصافاة، ويأمر سبحانه بالاستعاذة به من العدو الشيطاني لا محالةَ، إذ لا يقبل مصانعة ولا إحساناً، ولا يبتغي غير هلاك ابن آدم، لشدة العداوة بينه وبين ابيه آدم من قبلُ....] اهـ. من كلام الإمام ﵀ (٢) . - ... كما يشرع التعوّذ بالله، عند إرادة دخول الخلاء، فقد كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء، قال: اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ (٣) . - ... وعند سماع نباح الكلاب، أو نهيق الحُمُر - في الليل خاصةً -

стр. 135

وذلك لقوله ﷺ : « ... وَإِذَا سَمِعْتُمْ نَهِيقَ الْحِمَارِ، فَتَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِنَّهَا رَأَتْ [فَإِنَّهُ رَأَى] شَيْطَاناً ... » (١) الحديث. ولقوله ﵊: «إِذَا سَمِعْتُمْ نُبَاحَ الْكِلاَبِ وَنَهِيقَ الْحُمُرِ بِاللَّيْلِ فَتَعَوَّذُوا بِاللهِ، فَإِنَّهُنَّ يَرَيْنَ مَا لاَ تَرَوْنَ» (٢) . - ... هذا، ومما يحسن ختم صنوف التعوذ به، الاستعاذة بالله تعالى من أن يتسلط الشيطان على نفس المؤمن عند النزع الأخير، فيُخْتَمُ له بخاتمة السوء، عياذاً بالله، لذا فقد شُرِع التعوذ بالله تعالى من ذلك، قال النبي ﷺ : « ... وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ يَتَخَبَّطَنِيَ الشَّيْطَانُ عِنْدَ الْمَوْتِ ... » (٣) . هذا، ومما يحسن إيراده في هذا المقام ما ذكره عبد الله بن أحمد ابن حنبل - رحمهما الله - قال: لما حضرَتْ أبي الوفاةُ جلست عنده، وبيدي الخرقة لأَِشُدَّ بها لَحْييه، فجعل يغرق ثم يفيق، ثم يفتح عينيه ثم يقول بيده هكذا - مشيراً بالنفي -: (لا، بَعْد) (لا، بَعْد) (لا، بَعْد) ، ثلاث مرات، ففعل هذا مرةً وثانية، فلما كان في

стр. 136

الثالثة قلت له: يا أبت، أي شيءٍ هذا قد لهجتَ به في هذا الوقت؟ تغرق حتى نقولَ قد قضيتَ، ثم تعود فتقول: (لا، بعد) ، فقال: يابنيّ ما تدري؟ فقلت: لا، فقال: إبليس لعنه الله قائم حذائي عاضّ على أنامله، يقول لي: يا أحمد فُتَّنِي - أي: تركتني؟! - وأنا أقول له: لا، بعد حتى أموت. وقال صالح بن أحمد: جعل أبي يحرك لسانه إلى أن توفي (١) . هذا، ومما يشرع في التحصين بذكر الله تعالى تحصينُ الولد والأهل والمال والبيت، ومن ذلك، ما كان النبي ﷺ يعوّذ به الحسن والحسين ﵄، ويقول: إِنَّ أَبَاكُمَا كَانَ يُعَوِّذُ بِهَا إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ﵈: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّةِ، مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لاَمَّةٍ (٢) . ومن تحصين الأهل والولد معاً ما يدعو به المؤمن عند إتيان أهله (زوجه) ، كما أرشد إليه النبي ﷺ بقوله: لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَتى أَهْلَهُ قَالَ: بِسْمِ اللهِ، اللهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَقُضِيَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْطَانٌ أَبَداً، [وَلَمْ يُسَلَّطْ عَلَيْهِ] (٣) . ومما يحصَّن به المولود أيضاً التأذين في أُذنه حين الولادة، كما: أَذَّنَ

стр. 137

النَّبِيُّ ﷺ فِي أُذُنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ حِينَ وَلَدَتْهُ فَاطِمَةُ بِالصَّلاَةِ (١) . ولعل الحكمة في ذلك: أن تسبق كلمةُ التوحيد إلى قلب المولود، قبل أن ينخسه الشيطان أو ينزغه، أو يطعنه - يمسه - في جنبيه بأصبعه، فإذا سمع النداء للصلاة استقرت كلمة التقوى في قلبه، وعلَتْ روحَه، فلا يجتاله الشيطان عن الفطرة التي فُطر عليها، ولا يتسلط عليه بعد ذلك ولا يضره، كما في الحديث الشريف المذكور آنفًا. ومن تحصين المال، قول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، إذا رأى المؤمن مالاً له فأعجب به. قال تعالى: [الكهف: ٣٩] ﴿وَلَوْلاَ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ﴾ . ثانياً: وأما الأذكار التي يشرع قولها بغية تحصين المؤمن نفسه في أحوال متغايرة يتقلب فيها في حياته الدنيا، فهي أوسع من أن تذكر في مقامنا هذا؛ لذا فسوف أقتصر على مهماتها، وإن شئت توسعاً فدونك كتب الأذكار، ففيها شفاء العليل وإرواء الغليل (٢) . ومن ذلك: الأذكار المتعلقة بالنوم، ومنها: ١- ... تلاوة آية الكرسي [أعظم آية في كتاب الله، وسيدة آي القرآن] .

стр. 138

لما جاء في رواية استحفاظ النبي ﷺ أبي هريرة لزكاة رمضان، وقد أنبأه آتٍ أتاه يحثو من مال الصدقة مرات عدة - وهو يَعِدُ بألا يعود، ثم هو يعود - بقوله: إذا أويتَ إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي، فقال النبي ﷺ لأبي هريرة ﵁: صَدَقَكَ، وَهُوَ كَذُوبٌ، ذَاكَ شَيْطَانٌ (١) . ٢- ... تلاوة خواتيم سورة البقرة: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ..﴾ إلى آخر السورة الكريمة [البقرة ٢٨٥-٢٨٦] . وذلك لقول النبي ﷺ : الآْيَتَانِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ؛ مَنْ قَرَأَ بِهِمَا فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ (٢) . ٣- ... تلاوة سورة (الكافرون) ، لقوله ﵊: اقْرَأْ: [الكافِرون: ١] ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ *﴾ ، ثُمَّ نَمْ عَلَى خَاتِمَتِهَا فَإِنَّهَا بَرَاءَةٌ مِنَ الشِّرْكِ (٣) . ٤- ... النفْث في اليدين - الكفَّين -، مع قراءة سورة الإخلاص والمعوّذتين، وذلك لفعله ﷺ ذلك، فَقَدْ كَانَ ﵊ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ نَفَثَ فِي يَدِهِ وَقَرَأَ بِالْمُعَوِّذَاتِ، وَمَسَحَ بِهِمَا جَسَدَهُ (٤) .

стр. 139

٥- ... التكبير أربعاً وثلاثين، والحمد ثلاثاً وثلاثين، والتسبيح ثلاثاً وثلاثين، وذلك لقوله ﷺ لعلي وفاطمة ﵄: إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا، فَكَبِّرَا اللهَ أَرْبَعاً وَثَلاَثِينَ، وَاحْمَدَا ثَلاَثاً وَثَلاَثِينَ، وَسَبِّحَا ثَلاَثاً وَثَلاَثِينَ (١) . ٦- ... ومن ذلك، إِسْباغُ الوضوءِ، وَالاضْطِجاع على الشِّق الأيمن، مع قول: اللهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لاَ مَلْجَأَ وَلاَ مَنْجَا مِنْكَ إِلاَّ إِلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ، فَإِنْ مُتَّ مُتَّ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَقُولُ (٢) . * ... ومن الأحوال، لو رأى المؤمن حُلْماً يكرهه، فَهِيَ مِنَ الشَّيْطَانِ. فَلْيَقُلْ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ وَشَرِّهَا، ثُمَّ [لِيَنْفُثْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلاَثاً] ، وَلاَ يُحَدِّثْ بِهَا أَحَداً، فَإِنَّهَا لاَ تَضُرُّهُ (٣) .

стр. 140

b ... ومن ذلك، لو وجد وسوسةَ خُِنْزَب - وهو شيطان اختص بالوسوسة في الصلاة -، فليقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم يتفُلُ عن يساره ثلاثاً، وذلك لقول النبي ﷺ مرشداً عثمان بن أبي العاص، حين شكا لرسول الله ﷺ ، تلبيس شيطانٍ عليه صلاتَه: ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ خُِنْزَب، فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ فَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْهُ، وَاتْفُلْ عَلَى يَسَارِكَ ثَلاَثاً، قال عثمان: ففعلت ذلك فأذهبه الله عني (١) . b ... ومن الأحوال، فيما لو تعسّر مركوبه، كالسيارة مثلاً، فإنه ينبغي للمؤمن ألا يعمد إلى لعن المركوب، فإن الأمر عندها قد يزداد صعوبة، وقد يستحوذ الشيطان على الراكب، فقد قال ﷺ في دابة تعسرت، فلعنتها امرأة في سفرٍ: ضَعُوا عَنْهَا، فَإِنَّهَا مَلْعُونَةٌ (٢) . والمشروع في مثل هذه الحال أن يقول: اللهُمَّ لاَ سَهْلَ إِلاَّ مَا جَعَلْتَهُ سَهْلاً، وَأَنْتَ تَجْعَلُ الْحَزْنَ إِذَا شِئْتَ سَهْلاً (٣) . b ... ومن أحوال المؤمن في السفر، أن ينزل منزلاً ليبيت فيه، فإن نزله فليقل: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَق (٤) .

стр. 141

فلو دخل بلدة أو قرية، قال: اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَمَا أَظْلَلْنَ، وَرَبَّ الأَْرَضِينَ السَّبْعِ وَمَا أَقْلَلْنَ، وَرَبَّ الرِّيَاحِ وَمَا ذَرَيْنَ، أَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذِهِ الْقَرْيَةِ، وَخَيْرَ أَهْلِهَا، وَخَيْرَ مَا فِيها، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا، وَشَرِّ أَهْلِهَا، وَشَرِّ مَا فِيهَا (١) . b ... ومن أحوال المؤمن الغضب، فلو اجتهد - إذْ غَضِب - أن يعمل بوصية رسول الله ﷺ لجارية بن قدامة ﵁، بقوله ﷺ ثلاث مرارٍ: لاَ تَغْضَبْ (٢) ، فإنْ تملّكه غضب شديد، فعليه إذ ذاك بالمبادرة إلى قول: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، كما أمر بذلك النبي ﷺ (٣) . هذا، وإنَّ غَضَبَ المؤمن ينبغي أن يكون لله تعالى، فلا يغضب لأمر من أمور الدنيا، ولا ينتقم لنفسه، بل له في رسول الله ﷺ أسوة حسنة، وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِنَفْسِهِ، إِلاَّ أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللهِ، فَيَنْتَقِم للهِ بِهَا (٤)

стр. 142

* ... ومن ذلك وقوعه في كربٍ وهمٍّ في معاش أو مرضٍ أو تسلُّطِ عدوٍّ-، فيُشرَع له أن يقول: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَْرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١) . * ... ومن الأحوال إن أصاب المؤمنَ شيء يكرهه، فاستقر في ذهنه أنه قد ترتب ذلك على أمر كان قد فعله، فتمنى أن لم يكن قد فعله، كي لا يصيبه ما يكره. فعند ذلك يحصّنه رسول الله ﷺ بنهيه عن قول «لو» ويرشده قائلاً:....وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلاَ تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللهِ، وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ (لَوْ) تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ (٢) . * ... ولو اشتكى المؤمن مرضاً فليَرْقِ نفسه، كما كان رسول الله ﷺ يفعل، إِذَا اشْتَكَى يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ وَيَنْفُثُ» (٣) ، قيل للزُّهري ﵀: كيف ينفث؟ قال: (كَانَ يَنْفُثُ عَلَى

стр. 143

يَدَيْهِ، ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا عَلَى وَجْهِهِ) (١) الأنور ﷺ (٢) . * ... وإن آلمه موضع من جسده، فَلْيَضَعْ يَدَهُ عَلَى الَّذِي يَأْلَمُ مِنْ جَسَدِهِ، وَلْيَقُلْ: بِسْمِ اللهِ - ثَلاَثاً -، وَلْيَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِاللهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ (٣) . * ... فلو خاف المؤمن أن يُفتَن في دينه - نسأل الله العفو والعافية - جرّاء ضرٍّ شديد أصابه، فلم يُطِق تحمُّلَه، فليتبع إرشاد النبي ﷺ له بقوله: لاَ يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ مِنْ ضُرٍّ أَصَابَهُ، فَإِنْ كَانَ لاَ بُدَّ فَاعِلاً، فَلْيَقُلْ: اللهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْراً لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْراً لِي (٤) . * ... فلو مرض فغلب على ظنه أنه مرض الموت - أسأل الله لي ولك حسن الخاتمة - فليتلُ كما تلا النبي ﷺ في مرض وفاته ﷺ قولَه تعالى: [النِّسَاء: ٦٩] ﴿ ... مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ

стр. 144

وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا *﴾ (١) ، وليقل: اللهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي، وَأَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ الأَْعْلَى (٢) . وليكن آخر كلامه، لا إله إلا الله، لقوله ﷺ : مَنْ كَانَ آخِرُ كَلاَمِهِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، دَخَلَ الْجَنَّةَ (٣) . هذا، وقد اقتصرت بالأحوال التي يتقلب بها المؤمن في حياته على ما رأيتَ، أسأل الله تعالى أن يوفقني وإياك للتحصن بذكره في جميع أحوالنا، وأن يُذهِب عنا رجز الشيطان ويُضعف كيده، ويُخزي جنده ويُعدم سلطانه، وأن يمتن الله علينا فيوفقنا لأن نكون من عباده المخلَصين. آمين.

стр. 145

أما الثالث من التحصينات الواقية - بإذن الله - فهو بأن تحفظ الله تعالى بالتزام تقواه سبحانه: وذلك بأن تحفظ قلبك سليماً من ميلٍ لشهوات، أو زيغ بشبهات، وأن تحفظ ما يتبع القلب، وهي أعضاء الجسد كافة، أن تحفظها بتسخيرها في الاجتهاد بالعمل بمراضي الله سبحانه، وفي اجتناب نواهيه. ولا ريب بأن ذلك لا يتأتى للعبد إلا بمجاهدة عظمى لما جُبِلَتْ عليه النفسُ من ميلٍ للأهواء، وبكبح جماحها عما تستسهله من آفات مكدرة للإخلاص، وجعل مطلب العقل وربحه هو تزكية هذه النفس، وطلب فلاحها بالعمل الصالح، قال تعالى: [الشّمس: ٩-١٠] ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا *وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا *﴾ ، لذا، فقد تحتم على كل ذي عقل راجح، وفكر حازم، وقد آمن بالله واليوم الآخر، ألا يغفل عن متابعة نفسه ومحاسبتها، بسؤالها تكراراً: ما الذي أمرَتْ به رعاياها الخادمين لها: القلبَ وأتباعه: العين، والأذن، واللسان، والبطن، والفرج، واليد، والرِّجْل؟ فيحاسبها على ما تصرفت به، فيعاتبها عتاب الناصح المشفق، ويرشدها بعقله إلى طرق الفلاح، ويضطرّها - أحياناً - إلى سلوك سبيل لا تحبه، وإفهامها بأن السرور العاجل المنقضي قد يجني غماً آجلاً سرمداً غير منقطع، فتنزجر النفس بذلك، وتزكو، وقد تلوم صاحبها بعد ذلك على مقارفته ذنباً أو مفارقته طاعة، قال تعالى: [القِيَامَة: ١-٢] ﴿لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ *وَلاَ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ *﴾ ، فلا تطمئن بعدها إلا إلى عمل الصالحات، ولا ترضى عندها إلا بما يرضي ربها، فتنال بذلك رضا الله تعالى، فينجو صاحبها ويفلح ويكتب مع الذين أنعم الله عليهم من عباده الصالحين. قال تعالى: [الفَجر: ٢٧-٢٨] ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ *ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَةً *﴾ .
следующие страницы →