٢- ... طلبه من المريض تزويده بأثر من آثاره المادية (كالمشط، والثوب، أو مُشاطة - ما يبقى في المشط من أثر الشعر عند تسريحه - أو عمامة ... إلخ) (١) .
٣- ... طلبه أحيانًا لحيوان بصفات معينة، كسواد لونٍ مثلاً، ليذبحه بذكر اسم غير الله عليه، أو بغير ذكر اسم الله عليه، وربما لطخ بدمه أماكن الألم من المريض، أو رمى به في مكان خَرِب (٢) .
٤- ... كتابته للطلاسم، وهي المحتوية - كما سيأتي - على أشكال وأسهم، وحروف مقطعة، وأعداد، ورسم أبراج، وكتابة أسماء كواكب (٣) .
٥- ... رفع الصوت بتلاوة آيات من القرآن، ثم الإسرار والتمتمة بكلام غير مفهوم، وعزائم شركية بحيث لا يسمعها المريض فيلتبس الأمر عليه (٤) .
стр. 72
٦- ... إعطاء المريض ما يسمى "حجابًا": تميمة شركية يعلّقها المريض، وتحوي مربعاتٍ بداخلها حروف وأرقام وعزائم، وكلام غير مفهوم، ويأمره بالحرص التام على عدم فك ذلك الحجاب (١) .
٧- ... أمره للمريض أن يعتزل الناس مدة معينة، في غرفة مظلمة لا يدخلها ضياء نور الشمس، وهو ما يسميه العامة (الحِجْبة) (٢) .
٨- ... أحيانا يطلب من المريض ألا يمس ماءً لمدة تكون - غالباً - أربعين يومًا (٣) ، أو أن يضع في عنقه صليبًا، وهذه العلامة تدل على أن شيطان الجن الذي يخدم الساحر هو نصراني. فإن كان عدوًا للنصرانية أمره أن يجعل الصليب منكسًا أو معقوفًا متكسرًا.
٩- ... إعطاؤه المريض أشياء يدفنها في الأرض (٤) .
١٠- ... يعطيه أحيانًا أوراقاً يحرقها ويتبخّر بها (٥) .
١١- ... إخباره المريض أحيانًا باسمه واسم بلده ومشكلته العُضال التي
стр. 73
جاء ينشد حلاً لها (١) .
١٢- ... قد يكتب للمريض نوعًا آخر من "الحجاب" وهو ورقة فيها حروف مقطعة، أو يكتب هذه الحروف في طبق من الخزف الأبيض، ويأمر المريض بإذابته بماء ثم شربه (٢) .
١٣- ... التحدث أحيانًا مع أشخاص غير منظورين في المجلس، فيطلب منهم السماح والإذن بالعون، ويُصرّح لهم بأن المريض ما أتى إلا وهو محب لهم موقن بقدراتهم ... إلخ (٣) .
١٤- ... أحيانًا يأمر المريضَ بلبس الجديد من الملبس، كقميص ثم يأمره بشق جهة اليد اليمنى من القميص، أو نزع جيبه وجعلها على ظهره، وغير ذلك (٤) .
стр. 74
١٥- ... لا يستقبل الساحر أحدًا في شهر رمضان المبارك، وبخاصة منه العشر الأواخر، كذلك في العشر الأوائل من ذي الحجة (١) .
١٦- ... من تحصَّن بالأذكار المشروعة، فإن الساحر يرفض استقباله أيضًا (٢) .
١٧- ... وضع زجاجة بلورية مكورة بين يديه، أو طَسْتٍ فيه ماء وقد نُجِّس ببول صبي مثلاً (٣) ، ونحو ذلك.
هذا، وإن طرائق السحرة تكاد لا تنحصر، اللهم إنا نعوذ بك من كيد الفجار وطرائق الأشرار، وطَوَارِقِ الَّليْلِ وَالنَّهَارِ إِلاّ طَارِقاً يَطْرُقُ بِخَيْرٍ يَا رَحْمنُ (٤) .
стр. 75
المسألة الثالثة عشر، وهي آخرها: في ذكر علاماتٍ يُعرف بها المسحور (١) .
١- ... كثرة الصدود عن ذكر الله تعالى، والميل إلى ترك العبادات، والإعراض عن سماع كل ما له تعلُّق بالدِّين.
٢- ... كثرة تعرضه لأحلام مفزعة "الكوابيس".
٣- ... الصداع الشديد المستديم.
٤- ... كثرة وقوع الشجار - لأمور غير ذات بال - بين الزوجين أو غيرهما.
٥- ... الغضب المشتد من غير مسوّغ ظاهر.
٦- ... كثرة الشرود والذهول.
٧- ... النسيان الشديد.
٨- ... تخيُّل حصول شيء، والحال أنه لم يحصل.
٩- ... شخوص البصر وزَوْغه.
١٠- ... كثرة المِلال من الاستقرار في مكان واحد، أو التأفّف الكثير من الاستمرار في عمل معين.
١١- ... عدم الاهتمام بالمظهر، [يبدو غالبًا أشعث الرأس، بالي الثوب، متسخ الجسد، ... ] .
١٢- ... الهُيام على وجهه لا يلوي على شيء، ولا يدري أين يذهب، وربما نام في الخِرَب (الأماكن المهجورة) .
١٣- ... تغير في لون البشرة، وبخاصة الوجه إلى السواد، وشُخوص البصر (جمودُه) .
стр. 76
هذه بعض الأعراض التي تبدو جلية على المسحور، لكن ينبغي هنا تمييز بعض هذه الأعراض عن أعراض تطابقها قد تظهر على بعض من يعانون من أمراض عضوية كداء الشقيقة، أو نفسية كداء انفصام الشخصية، المتسبب في اختلال التصرف، وكثرة الوهم والقلق والأرق، أو المعاناة من عقدة النقص البسيط أو المركب، المتسبب لكثرة النقد الذي في غير محله، مما يتسبب في كثير من حالات التخاصم بين الزوجين، أو ظهور علامات جنون العظمة (داء الكِبْر) ، فالواجب في هذه الحالات جميعها أولاً المعالجة العضوية لدى أهل الاختصاص، فإن لم تُجْدِ هذه المعالجة نفعًا، عُمِد إلى العلاج النفسي، فإن أعيا الأطباء مداواتُه، عمد إذ ذاك إلى التداوي بالرقى المشروعة، عند من يرجو صلاحه، ويتوسم خيرًا به، ولا يُعمَد إليها ابتداءً، خشية أن يعتقد ضعاف النفوس أن المرض - وهو مرض عضوي يحتاج إلى العقاقير الطبية - لم يَنْتَفِ عن المريض بالرقية، فيؤثر ذلك نقصًا في إيمانهم. مع يقيننا التام بأن الرقى المشروعة تؤثر بالشفاء - بإذن الله - حتى لو كان المرض عضويًا أو نفسيًا، لكنْ قد أُمِرنا بالتداوي والأخذ بالأسباب، وهذا مما لا ينفي وقوع شفاء بمحض التوكل على الله، أو بأثر طلب الشفاء برقية مشروعة.
قال الله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَارًا *﴾ [الإسرَاء: ٨٢] .
وقال النبي ﷺ : مَا أَنْزَلَ اللهُ دَاءً إِلاَّ أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً (١) وقال ﷺ :
стр. 77
لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ، فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ، بَرَأَ بِإِذْنِ اللهِ (١) . وكذلك قوله ﵊ حين سألته ﷺ الأعرابُ: يا رسول الله أنتداوى؟ فقال ﷺ : تَدَاوَوْا، فَإِنَّ اللهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلاَّ وَضَعَ لَهُ دَوَاءً، غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ: «الْهَرَمُ» (٢) .
٢٠- الطِّلَّسْم ، أو الطِّلَّسْم، والشائع في نُطقه: طَلْسَم، بوزن جعفر، وهو ما يكتبه الساحر، ويزعم أنه رقية، ويكون محتوياً غالباً على جداول، ضمت في مربعاتها ومن حولها أرقاماً معينة وحروفاً، ويكتب لأغراض مختلفة - كما يدعون -: لشفاء من مرض عضوي كحمى وصداع، أو نفسي كهمٍّ واكتئاب، ونحو ذلك [فهي نوع من أنواع السحر من نفسٍ ساحرة مؤثرة بالهمة، وبمعين لها من مزاج الأفلاك أو العناصر، أو خواص الأعداد] (٣) .
وخلاصة ما يزعمه الكاتبون للطلاسم من هؤلاء، أن للحروف في خواصها عجائب لا يمكن إدراك كنهها لكنها تكون مؤثرة بطبائعها، كما أن لها خصوصية بالأفلاك وملاءمة لها إذا مازجتها، فغير المنقوط منها - مثلاً - يتوافق مع نجوم السعود، والمنقوط يتوافق بالنحوس، ثم إنهم قد قسموا طبائعها سبعاً سبعاً، فسبعة منها ذات طبيعة حارة يابسة
стр. 78
كالنار، تورث الغضب مثلاً لمن كتبت له أو تقوي فكره، وتجعله حادّ الذكاء، وسبعة أُخَر باردة يابسة كطبيعة التراب، تورث الثبات والصبر، وسبعة منها حارة رطبة كالهواء، تفرج الهم وتنفّس الكرب، والسبعة الأخيرة منها باردة رطبة كخاصية الماء، وهذه - بزعمهم - لتيسير الأمور وتسهيل الحاجات. ثم إنهم تعدَّوا الحروف إلى الأعداد بحسب ترقيمها في حساب الجُمَّل (أبجد هوز ... ) ، فقالوا بأنها قسمين متحابة ومتنافرة؛ فما تكامل منها في الحساب كان متحاباً، فكان له أثر في إيقاع الإلفة بين المتحابَّيْنِ، وما لا يتكامل يوقع الفرقة، لكن بشرط أن يوضع الأول إذا طلع نجم الزُّهرة متقابلاً مع القمر، وأن يوضع الثاني إذا تفارقا. وهكذا ضلّ هؤلاء المنجمون السحرة ضلالاً بعيداً، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً. وحاصل ذلك كله أن كاتب الطلسمات بأعداد أو بحروف هو منجّم ساحر "يستعين - بزعمهم - بروحانيات الكواكب وأسرار الأعداد، وخواص العناصر والموجودات، وأوضاع الفلك المؤثرة في عالم العناصر، ولم تفرق الشريعة بين السحر والطلسمات، وجعلته كله باباً واحداً محظوراً" (١) .
والذي يدعو إلى العجب حقاً جَرْيُ أقلام بعض أهل العلم بإثبات مثل هذا التأثير لخواص الأعداد متمازجة ومنفردة، واتصالها بروحانيات الكواكب ومسارات الأفلاك، وحجتهم في ذلك واهية، ولا تعدو قولهم: وعلى الجواز عمل الناس اليوم، وشهدت لذلك التجربة، حتى إن بعضهم قال بكتابة فواتح السور من الحروف الأربعة عشر المجموعة في قولك: (نص حكيم له سر قاطع) ، واعلم - رحمك الله - أن المحققين من الأئمة قد منعوا من ذلك كله، ومن هؤلاء الإمام الشوكاني ﵀ في
стр. 79
الإرشاد حيث قال: (ويا لله العجب من جري أقلام أهل العلم بمثل هذه الأقوال التي لا ترجع إلى عقل ولا نقل ... فليؤخذ عند ذلك الحذر من التقليد، وليُبحث عن الأدلة التي هي شرع الله الذي شرعه لعباده، فإنه لم يشرع لهم إلا ما في كتابه وسنة رسوله ﷺ (١) .
هذا، وإني مكتفٍ بما سلف، ومن شاء مزيد تفصيل في ذلك فدونه مصنفات منها: "الغاية" للمجريطي (٢) ، و"لسان العرب" لابن منظور (٣) والمقدمة لابن خلدون، و"رشد الغافل" وشرحه، للشيخ عبد الله الشنقيطي، وقد بين فيه بتفصيلٍ أنواع علوم الشر لتتقى وتجتنب، وغير ذلك كثير.
٢١ - النَّفْث: وهو نفخ مع ريق، أو دونه، يقوم به أناس من ذوي النفوس الساحرة والمؤثرة، من رجال أو نساء، ينفخون في عقدة أو أكثر من عُقَد الخيوط حين يسحرون بها، وأكثر من يقوم بذلك السواحر، وهن النساء اللواتي يتعاطين السحر، ويقمن بذلك خاصة، في حال طَمْثهن (٤) (حال الحيض) ، فيعقدْن في سحرهن وينفثن في عُقَدِهن (٥) . قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ *﴾ [الفَلَق: ٤] .
стр. 80
وقال الرسول ﷺ : ((مَنْ عَقَدَ عُقْدَةً ثُمَّ نَفَثَ فِيهَا فَقَدْ سَحَرَ، وَمَنْ سَحَرَ فَقَدْ أَشْرَكَ، وَمَنْ تَعَلَّقَ شَيْئاً وُكِلَ إِلَيْهِ)) (١) . ومن معاني النّفْث، المضافة إلى الشيطان، والعياذ بالله: نَفْث الشيطان، ومعناه: شِعره الخبيث الداعي إلى ضلال، أو شك، أو كفر، أو المثير لشهوة محرمة، أو الآمر بفحشاء أو منكر أو بغي، والعياذ بالله. يقول ﵊: ... وَأَمَّا نَفْثُهُ - أي الشيطان - فَالشِّعْرُ (٢) ويشار هنا - للفائدة - إلى أن النفث في الماء، ليسقى منه المريض استشفاء بريق ذلك النافث، وما على لسانه حينئذ من ذكر الله تعالى، أو شيء من القرآن، هو جائز، ويعتبر من طرق الرقية المشروعة (٣) .
٢٢ - النفخ: وهو خُلُق مذموم، يتصف به أهل الضلال من السحرة وغيرهم. ومعناه: مزيد التكبر والغرور والتعالي على خَلْق الله تعالى، وهو من صفات الشيطان التي يستعاذ منها.
قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً *﴾ [الإسرَاء: ٣٧] . وقال ﷺ : وَأَمَّا نَفْخُهُ فَالْكِبْرُ ... (٤) .
٢٣ - الهَمْز: ومعناه المس الشيطاني، والعياذ بالله، إذا بلغ أثرُه الصَّرْعَ والإغماء، الشبيه بالموت المؤقت، وقد سبق بيان المس، وأنه
стр. 81
من تسلط شيطان من شياطين الجن بأذىً على إنسي وأنه قد يصرعه بسيطرة تامة على العقل والجسد، وقد يصل الأمر إلى جنون مؤقت أو موت ظاهر مؤقت بسبب ذلك، وهو المسمى بـ (الهمز) . قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ *وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ *﴾ [المؤمنون: ٩٧-٩٨] .
وقال ﵊: أَمَّا هَمْزُهُ فَهَذِهِ الْمَوْتَةُ الَّتِي تَأْخُذُ ابْنَ آدَمَ ... (١) .
٢٤- النَّزْغ ، أو الوسوسة أو طائف الشيطان: وهي لمة (خاطرة) تكون بمثابة القول والصوت الخفي من الشيطان، وهي تشبه لمّة الخَيَال (٢) ، تعتري قلبَ ابن آدم وذلك عند غفلته عن ذكر ربه، فيفهم ذلك المرءُ في نفسه مؤداها، فتسوّل له نفسه بسببها مقارفة معصية، أو مفارقة طاعة. ومن المعصية - التي تكون بأثر النزغ -: أن يُلقِيَ الشيطانُ في القلب وسوسة يحمل بها الإنسانَ على مجازاة المسيء
стр. 82
بالإساءة (١) ، فيفسد بذلك ذات البَيْن. قال رسول الله ﷺ : إِنَّ لِلشَّيْطَانِ لَمَّةً بِابْنِ آدَمَ وَلِلْمَلَكِ لَمَّةً، فَأَمَّا لَمَّةُ الشَّيْطَانِ فَإِيعَادٌ بِالشَّرِّ، وَتَكْذِيبٌ بِالْحَقِّ، وَأَمَّا لَمَّةُ الْمَلَكِ فَإِيعادٌ بِالْخَيْرِ وَتَصْدِيقٌ بِالْحَقِّ، فَمَنْ وَجَدَ ذَلِكَ فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ مِنَ اللهِ، فَيَحْمَدِ اللهَ، وَمَنْ وَجَدَ الأُْخْرى فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ [الرَّجِيمِ] . ثُمَّ قَرَأَ ﷺ : ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ *﴾ [البَقَرَة: ٢٦٨] (٢) ، ومن معاني الوسوسة أيضاً، ما يكون من حديث النفس الأمّارة بالسوء، بفعل معصية أو بترك طاعة، وهذا مما تجاوز الله تعالى عنه، لأمة سيدنا محمد ﷺ ، وذلك ما لم يتحول حديث النفس هذا إلى معصية واقعة، أو هَجْرٍ لطاعة مفترضة. قال رسول الله ﷺ : إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لأُِمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، [مَا وَسْوَسَتْ بِهِ صُدُورُهَا] مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا أَوْ يَعْمَلُوا بِهِ (٣) .
مسألة: هل تقع الوسوسة من الإنسي لنظيره من الإنس، أم هي مختصة بوسوسة الجن للإنس؟
قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ *مَلِكِ النَّاسِ *إِلَهِ
стр. 83
النَّاسِ *مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ *الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ *مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ *﴾ [النَّاس: ١-٦] .
قال الإمام القرطبي ﵀: (أخبر تعالى أن الموسوِس قد يكون من الناس، وقال الحسن - أي البصري ﵀: هما شيطانان، أما شيطان الجن فيوسوس في صدور الناس، وأما شيطان الإنس فيأتي علانية. وقال قتادة - أي ابن دعامة السدوسي -: تعوّذ بالله من شياطين الإنس والجن) (١) .
وقد ذكر الإمام ابن كثير ﵀ النظائر من الآيات الكريمات، الدالة بتناظر معانيها إلى إثبات وقوع الوسوسة من شياطين الإنس. وهي: قول الله تعالى: [الأعرَاف: ١٩٩-٢٠٠] ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ *وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ *﴾ . وقوله سبحانه: [الإسرَاء: ٥٣] ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِيناً *﴾ . وقوله جلّ ذكره: [المؤمنون: ٩٦-٩٨] ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ *وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ *وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ *﴾ . وقوله عزّ ثناؤه: [فُصّلَت: ٣٤-٣٦] ﴿وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ *وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ *وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ *﴾ .
стр. 84
ثم ذكر الإمام ﵀: أن شيطان الإنس ربما ينخدع بالإحسان إليه، وأما شيطان الجن، فإنه لا حيلة فيه إذا وسوس إلا الاستعاذة بخالقه الذي سلّطه عليك، فإذا استعذت بالله ولجأت إليه، كفَّه عنك وردّ كيده. وقد كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يقول: أَعُوذُ بِاللهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْخِهِ وَنَفْثِهِ (١) .
والحاصل في ذلك إثبات وجود شياطين من الإنس، وشياطين من الجن، كما في قوله تعالى: [الأنعَام: ١١٢] ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ *﴾ . والحال أن وسوسة الإنسي لمثيله يمكن صرفها بحُسن القول معه، والإعراض عن سَفَهه، وعدم مماراته في جهله، وكما قال عمر ﵁: عاقبتَ من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه -أي: عاقبته بالحِلْم على جهله، وبالصبر على سفهه ... ، - وكما قال ابن عباس ﵄: أمر الله المؤمنين بالصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل، والعفو عند الإساءة، فإذا فعلوا ذلك عصمهم الله من الشيطان وخضع لهم عدوهم كأنه ولي حميم. اهـ (٢) .
قال تعالى: [فُصّلَت: ٣٤] ﴿وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ *﴾ .
مسألة: يتجرأ إبليس وجنوده - عياذاً بالله منهم - على الوسوسة
стр. 85
لمؤمني الإنس، بقصد صرفهم عن إيمانهم أو إيقاع الشك في قلوبهم، فما يقول من وجد ذلك؟
قال النبي ﷺ : يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا، مَنْ خَلَقَ كَذَا، حَتَّى يَقُولَ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ وَلْيَنْتَهِ (١) .
وقد جاء ناس من أصحاب النبي ﷺ فسألوه قائلين: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به، قال: وَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ؟ ، قالوا: نعم. قال: ذَاكَ صَرِيحُ الإِْيْمَانِ، أو قال: تِلْكَ مَحْضُ الإِْيمَانِ (٢) . وقال ﵊: لاَ يَزَالُ النَّاسُ يَسْأَلُونَكُمْ عَنِ الْعِلْمِ، حَتّى يَقُولُوا: هَذَا اللهُ خَلَقَنَا، فَمَنْ خَلَقَ اللهَ؟ (٣) .
يتبين من مجموع ما سلف ذكره، أن هذا النوع من الوسوسة لا يضر صاحبَه، بل هو دالٌّ على بلوغه شأواً في الإيمان لكراهته الشديدة لهذا الوسواس، ومحاولته دفعه عن قلبه، واستعظامه النطق به، فيغتاظ بذلك الشيطان وجنده، فيحاولون عند ذلك ثَنْيَه عما هو فيه. والواجب على من وجد شيئاً من ذلك أن ينتهي عن التفكّر بذلك حتى لا يستهوينه الشيطان، ويصدِّق عليه ظنَّه، ويُوقِع به كيدَه، وأن يقول النبي - كما أرشدت إليه السُّنة -: آمنت بالله ورسوله ﷺ ، وصدق الله تعالى ورسوله ﷺ ، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، [الحَديد: ٣] ﴿هُوَ الأَوَّلُ
стр. 86
وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ *﴾ . الحمد لله الذي رد كيد الشيطان وأَمْرَه إلى الوسوسة (١) .
٢٥ - الرَّكْضة: أو ركضة الشيطان، وهي تعني معاناة الحائض من النساء بسبب جِرْيةٍ جراها الشيطان بقوة في عرق عند الرَّحِم، تسبّب فيها باستمرار تدفق الدم مهراقًا شديدًا، متعديًا في ذلك زمن تحيُّضِها المعتاد، فيمنعها ذلك عن الصلاة والصيام والطواف وتلاوة القرآن وعن المكوث في المسجد، ظنًا منها بأن حيضها مستمر، وقد جرى مثل ذلك لبعض الصحابيات ﵅، منهن: أم حبيبة حَمْنة بنت جحش زوج عبد الرحمن بن عوف ﵄، وهي أخت زينب أم المؤمنين ﵂، ومنهن فاطمة بنت أبي حبيش، وكذا سهلة بنت سهيل ﵂. فلما أن استفتت كلٌّ منهن رسولَ الله ﷺ ، بيّن لهن ﵊ بأن الأمر لا يعدو أن يكون داءً عَرَض للمرأة، فهي تُستحاض، أو هو عِرْق انقطع، بسبب ركضة من ركضات الشيطان فيه، فإن الشيطان - كما في الصحيح -: يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرى الدَّمِ (٢) ، وهذه الركضة
стр. 87
قد تكون بتسليط ساحر لشيطان على تلك المرأة، فإن كان ذلك فهو ما يعبّر عنه بـ (سحر النزيف) فتُرقى المرأة بالمشروع، فتشفى بإذن الله، وإلا فهو داء استحاضةٍ عضوي يمكن علاجه عند أهل الطب. ثم إن رسول الله ﷺ بيَّن لمن شكت مثل ذلك طُرقاً للقيام بالعبادة فعلى أيهما قويت المرأة، فهي أعلم بحالها، وهذه الطرق ثلاثة مستفادة من أحاديث صحاح، وهي كما يلي:
١- ... أن تغتسل لكل صلاة، بعد انقضاء مثل أيام حيضها، حتى تحيض فترى دم الحيض الأسود الذي يَعْرِف، ويُعْرَف (تعرفه النساء) .
٢- ... إن شق عليها ذلك، فإنها تغتسل لصلاة الفجر، وتؤخر الظهر، وتقدم العصر، وتغتسل لأداء الصلاتين، كذلك تفعل للمغرب والعشاء، فتؤخر المغرب وتعجل العشاء، وتغتسل وتصلي الصلاتين.
٣- ... فإن وجدت حرجًا في ذلك أيضًا، فإنها تغتسل إذا انقضت مثل أيام حيضها (ستة أو سبعة أيام) ، ثم تتوضأ بعدُ لكل صلاة، ثلاثًا وعشرين ليلة أو أربعًا وعشرين ليلة، فإن ذلك يجزئها، ولو استمر تدفق الدم، لكن لونه مختلف عن دم الحيض، ليس بأسود مثله وذلك غاية في التيسير عليها.
وقد استحب النبي ﷺ للمرأة المستحاضة أن تفعل الأمر الأول إنْ هي قَوِيت عليه، وقد فعلت ذلك حمنة ﵂، كما سيأتي من قول السيدة عائشة ﵂.
стр. 88
وهاك أخي القارئ أدلة من السنة المطهرة دالَّة بمجموعها على ما أسلفت بيانه:
١- ... سألت أم حبيبة حَمْنَةُ بنت جحش رسولَ الله ﷺ عن الدم؟ فقال لها رسول الله ﷺ : ((سُبْحَانَ اللهِ!، إِنَّ هَذا مِنَ الشَّيْطَانِ)) (١) . ((إِنَّمَا هِيَ رَكْضَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ)) (٢) . ((امْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي)) (٣) ، قالت عائشة ﵂: فكانت تغتسل لكل صلاة (٤) .
٢- ... وكانت سهلة بنت سهيل ﵂ قد استُحيضت، فأتت النبي ﷺ ، ((فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ كُلِّ صَلاَةٍ، فَلَمَّا جَهَدَهَا ذَلِكَ أَمَرَهَا أَنْ تَجْمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِغُسْلٍ، وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِغُسْلٍ، وَتَغْتَسِلَ لِلصُّبْحِ)) (٥) .
٣- ... وقالت فاطمة بنت أبي حبيش لرسول الله ﷺ : يا رسول الله! إني
стр. 89
لا أطهُر، أَفَأَدع الصلاة، فقال رسول الله ﷺ : إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلاَةَ، فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا [قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها] ، فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي (١) . زاد هشام بن عروة عن أبيه رحمهما الله: "ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلاَةٍ، حَتّى يَجِيءَ ذَلِكَ الْوَقْتُ" (٢) .
هذا، ومحلّ تفصيل أحكام ذلك كتب الفروع، إلا أني أردت بيانه لشرف تعلُّقه بأعظم العبادات البدنية، ركنِ الدين: (الصلاة) .
٢٦- الرَّبْط (العَقْد أو العَصْب) ، وهو نوع من أنواع سحر التفريق بين الزوجين، ويسمى بـ (الصَّرف) أيضًا، وله صور عديدة، منها الحِسِّي، كأنْ يؤخذ الرجلُ عن زوجه فلا يستطيع جماعَها إما بعُنةٍ يجدها عند الاقتراب من امرأته وإرادته الجماع، وإما بحدوث إمناء سريع ونحو ذلك، ومنها المعنوي: كانعدام شهوة أو تقبيح صورة، أو معاناةٍ من كثرة غَيرة مع عدم وجود مسوّغ شرعي لذلك، أو الإحساس براحة نفسية في حال ابتعاده عن امرأته (٣) .
وقد يحدث الربط أيضًا للمرأة، ومن أنواعه ما يسمى بـ (التغوير) ،
стр. 90
وهو شعور الزوج بأن الفتاة البكر التي وقع اختياره عليها ليست كذلك، مما يتسبب بالتفريق بينهما في مرحلة مبكرة من الزواج - والعياذ بالله-، ومن رَبْط المرأة أيضًا: [التصفيح أو الانسداد، فلا يتمكن الرجل من الجماع، ومنه ربط (نزيف الجماع) فكلما أتاها زوجها ركض الشيطان في عِرْقٍ عند الرحم، فينفجر العرق، فيسيل الدم، فلا يتمكن الزوج من مجامعتها، وقد لا يكون الربط للمرأة محسوسًا كما سبق، بل قد تمنع المرأة من غير إرادة منها إتيانَ زوجها لها، أو قد تتبلّد تبلُّدًا تامًا عند عملية الجماع، فلا تستجيب لزوجها، مما ينفِّره من جماعها، فالأول منهما يسمى ربط المنع، والآخر ربط البرود أو التبلد] (١) .
ويشار هنا، إلى أن ما كان من أنواع الربط للرجل محسوسًا، فإنه قد يكون مرضًا عضويًا أو توهمًا نفسيًا لديه، قد أثَّر في قدرته الجنسية، وليس ربطاً أو عَصْبًا، فالواجب علاجه - عند أهل الاختصاص - في ذلك، والمرأة كذلك قد يكون داءً عضويًا أو نفسيًا عَرَض لها، فتُعرَض ابتداءً على أهل الطب فإن جزموا بأنْ لا علةَ عضوية أو نفسية لما تشكو منه، غلب على الظن عند ذلك حدوث عقد أو ربط، تسبب به ساحر مفرّقٌ لَعِينٌ، أو شيطان جنٍّ محبٌّ للمرأة، يبغي إبعادها عن زوجها، أو شيطانة خبيثة تولهت حبًا بالرجل الإنسي، فهي تعمل جاهدة على حجزه عن امرأته، لتظفر هي به.
٢٧- التِّوَلة: (سحر المحبة) ، وهو الذي يسمى بـ (العطف) ، ويكون - غالبًا - بطلب المرأة من ساحر أن يوقع محبةً بها في قلب زوجها وشغفًا زائداً؛ فيأمرها عند ذلك بإحضار أثر من ثياب زوجها
стр. 91
مثلاً، غيرَ منظَّفٍ ولا طاهر، ثم يأخذ خيوطاً منه، فيعقدها وينفث بها، ثم تدفن في مكان مهجور، أو يقرأ ما يأمره به شيطانه من أقوال بغير العربية تتضمن شركًا بالله، والعياذ بالله، يقرأ ذلك على ماء نجس، أو على قطرات من دم ونحوه، ثم تخلطه المرأة بما يَطْعَمُه أو يُسقاه زوجُها، فيصير الزوج - والعياذ بالله - منقادًا لامرأته لا يرى أحب منها في قلبه، ولو أنها عصت وفسقت، وأضرّت به، وتشتد غَيْرته عليها، ويُفرِط في جماعها، ولا يصبر على البعد عنها، ثم إنه لا يُخالِف لها أمراً، ولا يُحبِط لها مسعى، ولا يُخيِّب لها ظنًا، ولا يعارض لها هوىً، حتى لَوْ أَنَّهَا دَخَلَتْ جُحْرَ ضَبٍّ لَتَبِعَها!! (١) . [وبئسما صنعَتْ، ولو أنها عمدت إلى التحبُّب إلى زوجها، فكانت عَروبًا تكثر التزين والتجمل له، تستقبله بتبسُّمٍ مشرق، وتُحسِن عشرته، وتخاطبه بلين القول، وتريه جميل الفعال في رعاية أبنائه، والحفاظ على ماله، والحرص على طاعته، لوجدت - بإذن الله - تعلقًا عاقلاً حكيمًا،
стр. 92
مستمرًا غير منقطع، في قلب زوجها، لا تعلقًا أبلهَ ذاهلٌ صاحبُه، لا يدري ما يصنع!! ثم إذا انتهت (صلاحية هذه التِّوَلة) ، فسدت، وانقلبت بغضًا وكرهًا ربما لم تنفع معه تولة أخرى مستجدة الصلاحية] !! (١) .
قال النبي ﷺ : إِنَّ الرُّقى وَالتَّمَائِمَ وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ (٢) .
مسألة: قد يُشكل على أحدهم التعارضُ الظاهر، بين قوله ﷺ : إِنَّ الرُّقى وَالتَّمَائِمَ وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ، وقوله
стр. 93
صلى الله عليه وسلم: مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ (١) .
فكيف يمكن الجمع بين اعتبار الرقى شركًا وبين الإذن النبوي بالاسترقاء والانتفاع بذلك؟
الجواب (٢) : أن الرقى المنهي عنها هي الرقى التي فيها شرك أو توسّل بغير الله تعالى، أو ألفاظ مجهولة لا يُعرَف معناها، أما الرقى السليمة من ذلك فهي مشروعة، وهي من أعظم أسباب الشفاء، لقول النبي ﷺ : اِعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ، لاَ بَأْسَ بِالرُّقى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكُ (٣) . وقوله ﷺ : مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَنْفَعْهُ (٤) ، وَقَدْ رَخَّصَ ﵊ فِي الرُّقْيَةِ مِنَ الْعَيْنِ، وَالْحُمَةِ، وَالنَّمْلَةِ (٥) .
٢٨- النُّشْرة: وهي لفظ يطلق ويراد به ما ينشّر (أي يُكشف ويزال به الضرر) عمن يُظنُّ أن به مس من الجن (٦) ، وتكون النشرة على أحد ضربين:
الأول: تعويذة مشروعة أو رقية جائزة مَقُولة أو مكتوبة (لتقرأ على المريض، ولينفث عليه بها، لا لتُعَلَّقَ وتكونَ تميمة) ، ويقصد بهذه النُّشرة معالجة من كان به طِبُّ (أي: سحر أو عين أو مس أو عَصْب عن امرأته) .
والثاني: حل السحر عن المسحور؛ بسحر أو بألفاظ أعجمية، أو بطلاسم لا يُفهم معناها، أو بألفاظ شركية، ونحوه مما كان معهودًا من النُّشرة في الجاهلية.
فالنُّشرة الأولى لا بأس بها لما فيها من المصلحة وطلب المنفعة، وعدم المفسدة، بل ربما تكون مطلوبة لأنها مصلحة بلا مضرّة (٧) .
وأما الثانية: فالتحقيقُ الذي لا ينبغي العدول عنه: أن استخراج السحر بسحر أو ألفاظ أعجمية أو بما لا يُفهم معناه، أو بنوع آخر مما
стр. 94
لا يجوز، فإنه ممنوع (١) .
وعلى هذا التفصيل يُحمَل قول أهل العلم (٢) الذين أجاز بعضهم النُّشرة - وعلل جوازها بحصول النفع، وكونها بالعربية - ومنهم الأئمة: سعيد بن المسيَّب، والمُزَنِيُّ، والشَّعبي، والطبري، وكذلك يفسّر بهذا التفصيل قولُ من منعها منهم كالحسن البصري، وابن تيمية وابن القيم عليهم رحمة الله جميعًا.
ومن أدلة جواز النشرة (بالمعنى الذي سلف) :
قول النبي ﷺ ، حين سألته السيدة عائشة ﵂: أفلا؟ - أي تنشَّرْتَ - فقال ﵊: أَمَّا اللهُ فَقَدْ شَفَانِي اللهُ، وَأَكْرَهُ أَنْ أُثيرَ عَلَى أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ شَرًّا (٣) . وكان ذلك حين أبطل النبي ﷺ سحرًا، جُعِل في بئر ذروان، - (أو: ذي أروان) - أبطله بالمعوذتين ثم أَمَرَ بالبئر فدُفنَتْ. وكان الذي صنع ذلك السحر رجل من بني زُريقٍ منافق حليف ليهود، يدعى لَبيد بن الأعصم.
ووجه الاستدلال في ذلك: أن النبي ﷺ لم ينكر على السيدة عائشة سؤالها، ثم إنه ﷺ لم يذكر حرمة النشرة، مع أن الموضع موضع بيان الحكم، مع شدة الحاجة إليه، فعُلم بذلك مشروعيتها. والله أعلم.
وقد سأل قتادةُ سعيدَ بن المسيَّب قائلاً: رجل به طبٌّ أو: يؤخذ عن امرأته، أَيُحلّ عنه أو ينشَّر؟ قال: لا بأس به، إنما يريدون به الإصلاح، فأما ما ينفع الناس فلم يُنْهَ عنه. اهـ (٤) .
стр. 95
ومن أدلة القائلين بتحريم النشرة:
١- ... الآيات الكريمة التي تنص على أن السحر ضُرٌّ محض، لا يتأتّى منه نفع قَطُّ، منها قوله تعالى: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ﴾ [البَقَرَة: ١٠٢] .
٢- ... قول النبي ﷺ : اعْرُضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ، لاَ بَأْسَ بِالرُّقى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ (١) .
٣- ... وقوله ﵊ حين سئل عن النشرة، فقال: هُوَ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ (٢) .
ووجه الاستدلال أن رسول الله ﷺ قَيّد في الحديث الأول جواز الاسترقاء، بما لم يكن فيه شرك، ومعلوم أن النشرة بالسحر قد تتضمن شركًا. كذلك في الحديث الثاني فقد جعل رسول الله ﷺ النشرة من عمل الشيطان، لكونها النشرة المعهودة في الجاهلية، وهي حلّ السحر بسحر مثله (٣) .
٢٩- التميمة ، وهي الرقية المعلقة، وتسمى أيضًا: الحِرزُ، أو الحجاب، أو الجامعة، وهي: ما يُعلَّق على الأولاد أو غيرهم من الناس، لدفع العين أو الجن أو المرض ونحو ذلك، وهي نوعان:
стр. 96
الأول: ما يكون فيه من أسماء الشياطين، أو احتوى على عظمٍ، أو حرزٍ أو مساميرَ أو طلاسم، أو خَرَزٍ ونحوه. وهذا النوع محرّم بلا شك، وهو من أنواع الشرك الأصغر، لعموم قوله ﷺ : إِنَّ الرُّقى وَالتَّمَائِمَ وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ (١) ، ومَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَلاَ أَتَمَّ اللهُ لَهُ، وَمَنْ تَعَلَّقَ وَدْعَةً فَلاَ وَدَعَ اللهُ لَهُ (٢) . وقد يكون هذا النوع شركًا أكبر إذا اعتقد معلِّق التميمة أنها تحفظه أو تكشف عنه المرض أو تدفع عنه الضرّ من دون الله.
أما النوع الثاني من التمائم: فهو ما يُعلَّق من الآيات القرآنية والأدعية النبوية أو أشباه ذلك من الأدعية الطيبة، فقد اختلف فيه العلماء، فأجازه البعض، مُلحِقًا إياه بجنس الرقية الجائزة، ومنعه آخرون واحتجوا:
أ- ... بأن الرقى قد جاء ما يخصص عمومَ تحريمها، نحو قوله ﷺ : لاَ بَأْسَ بِالرُّقى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ (٣) ، بينما لم يرد في شيء من الأحاديث استثناءُ شيء من التمائم. لذا، فالصحيح تحريم التمائم جميعِها عملاً بالأدلة العامة.
ب- ... وكذلك احتجّوا بالقول بسد الذريعة الموصلة إلى الشرك، وهذا أمر عظيم في الشريعة، ومعلوم أنا إذا جوّزنا التمائم من الآيات القرآنية، والدعوات المباحة، انفتح باب الشرك، واشتبهت التميمة الجائزة بالممنوعة، وتعذّر التمييز بينهما إلا بمشقة عظيمة، فوجب سد الباب وقفل هذا الطريق المُفضي إلى الشرك. اهـ (٤) .
стр. 97
جـ- ... واحتجّوا أيضًا بأن القول بجواز تعليق التميمة من القرآن قد يفضي إلى امتهان ذلك، فقد يَحْمِل المعلِّقُ التميمةَ في حالٍ لا تليق، كقضاء حاجة أو جماع ونحو ذلك (١) .
٣٠- تحضير الأرواح (٢) : وهو مذهب استجدّ لأهل الغرب، قعّدوا له قواعد، واجترحوا له مصطلحات، وشَرَطوا له شروطًا، وأيقنوا به أيما يقين، وإن المُطالِع لما ابتدعوه وزعموه في ذلك تكاد نفسه تُشَقُّ رهقًا فيُحتضَر، وتَحْضُرُ نفسُه عالمَ البرزخ!! نعم، إن دعاة تحضير الأرواح (مذهب الرُّوحية الحديثة) قد بَنَوْا مذهبهم على وقع طَرْقَاتٍ سُمعت في منزل، أو صوتٍ صدر في جلسة فاعتبروا ذلك ظواهر صادرة عن أرواح الموتى، قد حضرت، ترشدهم وتنصحهم، وتُعلِمُهم بحقائقَ غابت عنهم في عالم الشهادة. وقد ألَّفوا بذلك كتبًا منها - على سبيل المثال -: (الأبحاث التجريبية على الظواهر الروحية) لروبيرهار، ويدعّمها بعضهم بصور كاميراتٍ خاصة تعمل بالأشعة ما تحت الحمراء، وما فوق البنفسجية، لأرواح حَضَرَتْ - بزعمهم -، فتخرج تلك الصور واضحة أحيانًا وملتبسة أحيانًا أُخَر، حتى إن أحدهم (د. علي عبد الجليل راضي) ، يزعم أن جبريل ﵇ حضر جلسة من جلساته، لكنه أَسِفٌ لعدم امتلاكه في تلك الجلسة كاميرا من هذا النوع!! ويعتمد هؤلاء في ادعائهم في تحضير الأرواح من العالم الماورائي (الميتافيزيقي) ، إلى عالمنا الفيزيقي (المشهود) ، - وعذرًا
стр. 98
لاستخدام مصطلحاتهم -، يعتمدون على مادة تنبعث من جسمِ مَنْ يسمونه وسيطًا للتحضير، تكون هذه المادة هالة بصورة ضبابية باهتة في أول انبعاثها منه، ثم تتكثف وتتشكل بحسب الكائن (الروح) المهيمن على جلسة التحضير، ويسمونها (الأكتوبلازم) ، لكن مهلاً - أخي القارئ - فلو صدرت من الوسيط هذه المادة في غرفة مضاءة كليًا أو جزئيًا، فإنها سترتد إلى جسم المُحَضِّر مصطدمةً به اصطدامًا عنيفًا مما قد يتسبب في موت مباغت له؛ فعليه إذًا أن يطلق هذه المادة في غرفة مظلمة تمامًا، أو مضاءةٍ بلون أحمر باهت حرصًا على تشكلها البطيء، وإعادتها إلى عالم البرزخ له بهدوء وسكينة تامة!!
هذا ما يدعيه أهل الغرب الروحانيون من قدرة على تحضير أرواح الموتى، ثم إن بعض المسلمين قد انساق - عجبًا - متأثرًا بتلك الدعوة، بل ودعا المسلمين إلى السير في ركابها، واتباع سَنَن الغرب في ذلك، بل قد وجّه اللوم وأبدى المعاتبة لتأخرهم في اللحاق بالركب الروحاني، مع أن أدلة شرعية دلت - من وجهة نظره - على أحقية هذا العلم بالتعلم والسبق إليه، وذلك لأجل مقارعة منكري البعث، وإثبات بطلان دعواهم. وممن ارتضى مسلك التحضير لأجل ذلك: الشيخ طنطاوي جوهري في تفسيره، فزعم أن سلوك تحضير الأرواح هو مسلك سيدنا إبراهيم ﵇، حيث طلب ﵇ ما يَطْمَئِنُّ به قلبُه بعد تيقنّه بقدرة الله تعالى على إحياء الموتى، كما زعم أن طريق ذلك هو كمثل ضرب البقرة في زمن سيدنا موسى ﵇ ببعض منها (وهو ذنبها) ، ثم يعلق قائلاً: ولا جَرَمَ أن إيماننا أقل من إيمان الأنبياء، فنحن أولى بطلب المعاينة، وطريق الخليل (إبراهيم ﵇ مقفل بابها علينا، فمن فضله تعالى ذكر هنا أن القتيل من بني
стр. 99
إسرائيل قد حيي بضربه ببعض البقرة، وهذا فتحُ بابٍ لإحضار الأرواح، فكأنه - أي الله ﵎ قال في مسألة إبراهيم: اطلبوا الحقائق لتطمئنوا، وهنا يقول: اسلكوا السبل التي بها تستحضرونها ... فإذا وجدتم أن طريق موسى في إحياء الموتى يصعب عليكم فالتمسوا غيره. اهـ (١) . - أي من طرق التحضير -، بل لقد عَمَد الشيخ طنطاوي جوهري إلى تأليف كتاب سماه: كتاب الأرواح، ضمّنه كثيرًا من حوادث التحضير التي قام بها الغربيون، والشروط الواجب توافرها في المحضِّر، وفوائد هذا العلم، وغير ذلك.
والحق الذي عليه مَنْ يُعْتَدُّ بقوله من أهل العلم في ذلك كله هو: إنكار إمكان استحضار أرواح الموتى إلى الحياة الدنيا، بعد انتقالها إلى عالم البرزخ (الحياة الفاصل بين الحياتين الدنيا والآخرة، وهذه الحياة هي حاجز دون الرجعة إلى الدنيا) ، ومن أدلتهم قوله تبارك اسمه: [المؤمنون: ٩٩-١٠٠] ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ *لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ *﴾ . وقوله تعالى: [العَنكبوت: ٥٧] ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ *﴾ . وقوله سبحانه: [يس: ٣١] ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ *﴾ .
فالعجب كيف غفل البعض - أو تغافل - عن صريح دلالة هذه النصوص وأمثالها!! خاصة وأن بعض دعاة الروحية الحديثة قد استفحل خطرهم وعَظُمت فِرْيَتُهم، فزعم بعضهم (مثل سلفر برش) ، بأن محضري
стр. 100
الأرواح، ومن استحضروهم يكونون بمجموعهم الروح الأعظم (١) ، يقصد الله - تعالى عما يقول الظالمون -، والخلاصة في ذلك أن دعاة تحضير الأرواح هم بالمآل دعاة مذهب اتحادٍ وحلول وتوحّد أديان، وادعاء نبوة ورسالة (كما فعل القس سنتون موزي) ، وفي الحال دعاة روحانية خارقة، تجتذب بسطاء الناس، فتتملّك عليهم كيانهم، وتبهرهم بأشكال تظهر، وأصوات تُسمع، ووسيط يتمتع بـ (كاريزما: قدرة على التأثير) ، كما يتمتع بكم هائل من مادة الاكتوبلازم القابلة للتشكل في الظلام!!
لعلك، أخي المسلم! قد استنبطت مما سلف حقيقة ما يفعله هؤلاء، إنهم - ولا شك - يستحضرون الجن، ممن عَلِمَ ما لم يعلموا لسرعةٍ بالحركة أو لطولِ مكث في الدنيا، فيزعم بأنه روح فلان الذي عاش منذ مائة عام مثلاً، وقد كان قرينه أو عَلِمَ من أحواله دقائقَها، ومن أفعاله تفاصيلها، فيُصدِّق الحضور ما ينطق به ذلك الجني، وبخاصة أنه قد يتشكل لهم بخيالات هي أشبه بالسراب، فيوحي إليهم زخرف القول، ويزجهم في حظيرة الشرك. فحقيقة تحضير الأرواح أنها استعانة بالشياطين واستحضار لهم بتلبية طلباتهم الشركية، وتلاوة العزائم الكفرية، ثم استجوابهم عن أمور تتعلق بمن توفاهم الله، فيخبرون بما علموا من أحوالهم، فيتوهم الحاضرون أن الحاضر هو فعلاً روح فلان أو فلانة.
يقول الشيخ العلاّمة عبد الله بن جبرين حفظه الله: لا شك أن المحضِّر إما أن يكون من خُدّام الشياطين الذين يتقربون إليهم بما
стр. 101
يحبون، أو يكتبون حروفًا غير مفهومة تحتوي على شرك أو دعاء لغير الله، فتجيبه الجن ويسمع كلامها الحاضرون، والغالب أنه يُحْضِرُ شخصًا ضعيف العقل والدين، قليل الاهتمام بالذكر والدعاء، حتى يلابسه الجني ويتكلم على لسانه، ولا يفعل ذلك إلا السحرة والكهنة ونحوهم (١) .
ويقول الشيخ محمد متولي الشعراوي ﵀: تحضير الأرواح يتم عن طريق الشعوذة وتحضير الجن وتلبية طلباتهم، ودعوى تحضير الأرواح كذب وتدليس، وترى أحدهم - ممن يعمد إلى التحضير - لا يستطيع نفع أحد حتى نفسه، ولا تنتهي حياته بخير أبدًا (٢) .
ويقول الشيخ صالح الفوزان - حفظه الله -: لا شك أن تحضير الأرواح نوع من أنواع السحر، أو هو من الكهانة، وهذه الأرواح ليست أرواح الموتى، كما يقولون، وإنما هي شياطين تتمثل بصور الموتى، وتقول: إنها روح فلان أو أنا فلان، وهو من الشياطين، فلا يجوز هذا.
أخي القارئ، أكتفي بهذه النقول من كلام أهل العلم الذين أنكروا دعوى التحضير، على أن ثَمَّ جمّ غفير منهم قد أنكر ذلك أيضًا، أذكر منهم: (الشيخ محمد الغزالي، الدكتور عمر الأشقر، الدكتور عبد الحليم محمود، الدكتور أحمد البيانوني، وغيرهم كثير) (٣) .
стр. 102
الفصل الثاني
حصن المؤمن
стр. 103
الفصل الثاني
حصن المؤمن
تمهيد:
قد يسأل المؤمن عند تلاوته لسورة الناس عن علة وصف شيطان الإنس أو شيطان الجن بالوسواس الخناس، ولم خُصَّت الوسوسة من بين سائر أعمال الشياطين المُضِلّة؟ لكن، بتأمل دقيق لأقوال المفسرين ﵏ يتبين أن الخطر الأعظم على الإنسان يكمن في إغواء الشيطان له، وذلك من مبدأ خلقه إلى لفظه آخر أنفاسه، ويتبين له كذلك مستقر هذا الإغواء ومحلُّه الذي يَعْرُج إليه، والهدف الذي تنصبّ إليه سهام الوسوسة من كل جانب، ألا وهو القلب، تلك المضغة التي وصفها رسول الله ﷺ بقوله: «أَلاَ وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلاَ وَهِيَ الْقَلْبُ» (١) ، فمنزلة القلب للمؤمن منزلةُ الحصن للهارب، يأوي إليه عند الملمات والشدائد، والعدو يطلبه رابضاً من حوله، يتحين فرصة سانحة للولوج إليه من مواضع ثُلَمه (٢) وضعفه، فإذا غفل حراس الحصن (٣) عن الجِدِّ في الحراسة - إلا أنهم لم يغادروا مواقع رباطهم - أرسل جنده
стр. 104
بالوسوسة يتحسسون غفلة تامة من الحُرَّاس، فإذا علموا ذلك منهم وَلَجُوا الحصن وبَنَوْا فيه مساكن واهية سرعان ما تتهاوى بمعاول أولئك الحراس الذين يهدمونها بشدة وبأس، فيسارع ساكنوها إلى مغادرتها والإدبار نفوراً خارج الحصن الذي عادت إليه مَنَعتُه، فإذا فتر الحراس مرة أخرى، أقبل جند العدو المتربصين وهم لا يفترون، هذا مَثَل إلقاء الوسوسة من شياطين الإنس والجن في قلب ابن آدم، إلا أن العدو قد ينوّع في وسائل غزوه، وربما أغوى الحارسَ عند باب حصن القلب، فصار لحينٍ من جنده، فزيّن الحارس لصاحبه الشر بغلبة الهوى، أو في تحسين معصية، أو بإياس من رحمة، أو بإيقان هلاك، فلا يعبأ بعدها بمقارفة ذنب، أو بمعاندة حق، أو بميل إلى باطل، بل ربما أحب شراً أو دعا إليه!!
هذا حال الإنسان مع كيد الشيطان وجنده، صراع مستمر، لا راحة لمؤمن من ذلك إلا بلقاء ربه سبحانه، وهو راضٍ عنه.
لذا، كان على المؤمن الحصيف إدراك شدة عداوة الشيطان ووضوحها، والتبصّر الدقيق بمعرفة مداخل قلبه، والاشتغال الحثيث الجادّ بما يحصِّنها، فإن معرفة القلب وحقيقة أوصافه هو أصل الدين، وأساس معرفة طريق الوصول إلى رضى الله رب العالمين، وإن من سنن الله سبحانه في خلقه أن جعل ترتيب الأسباب على المسبِّبات، ومن بديع صنعه تعالى أن جعل القلب مستعداً بأصل فطرته لقبول الخواطر واللَّمّاتِ، ولو تواردت عليه من كل حدب وصوب، ثم يمحص القلبُ ويقلّب تلك الخواطر، ثم يتقلب هو معها؛ فإما أن يُرَغِّبَ بها، أو يصدّ عنها، تبعاً لتأثره بهوى النفس أو لاطمئنانه بذِكْرِ رَبِّه سبحانه، ففي
стр. 105
القلب تكمن مجامع الطبائع من محبة أو بغض، ومن شهوة غضبٍ أو خِصْلةِ حِلمٍ، ومن كِبْرٍ أو تواضع، ومن زهد أو حرص،....، فإن رجّح القلب طبع الهوى عند عَرَضِ وسواس الهوى من الشيطان تسلط الهوى على القلب فتقلَّب إليه، ولو اتبع مقتضى شهوة الغضب تسلط على القلب حتى غلب عليه، وذلك حاصل في الطبائع وأضدادها جميعاً، فالقلب بهذا الاعتبار أشرف الأعضاء، وأكثرها خطراً، وذلك لتوارد الخواطر إليه، وتمحيصها فيه، ولله در القائل:
ما سُمِّي القلبُ إلا من تَقَلُّبِه ... فاحذرْ على القلب من قَلْبٍ وتحويلِ (١)
هذا، وقد خصّ الله تعالى القلب، وجعله محلاً للتعقل، ثم جعل الجوارح مسخَّرة له عاملة بأمره، قال تعالى: [الحَجّ: ٤٦] ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ *﴾ . فمن تسارعت على قلبه الوساوس فلم يرجح عليها طبائع الخير الكامنة في نفسه، تسلطت عليه الشياطين من إنس وجن، وتلاعبت به كما يتلاعب الصبية بالكُرَةِ، وقلَّبته كيف شاءت، أما لو جاهد المرء نفسه فصرف قلبه عن شهواتها، ثم صرفه إلى الاستعاذة بالله من شر من يوسوس من الجن والإنس، ثم ذكر ربه، لصار قلبه إذ ذاك حصناً حصيناً بالمجاهدة، وسراجاً مستنيراً
стр. 106
بالذكر، فيَغْلِبُ نورُ القلب عندئذٍ وساوسَ الشياطين، ولا يلتفت إلى طبائع السوء التي تؤزُّه إليها نفسه، ولِتحقق ذلك كان لا بد من معرفة أمور ثلاثة غاية المعرفة:
الأول: اليقين التام بوضوح عداوة شياطين الإنس والجن، وتضافرهم مع الأخلاق السيئة المركبة في النفس.
الثاني: معرفة حقيقة الوسوسة، وأنها خواطر تُعْرَض على القلب، فإن قبلها، تحركت الإرادة بالرغبة في الفعل، ثم صارت الرغبة عزماً، والعزم نية، ومن ثَمَّ تحركت الأعضاء - وهي جنود مجندة تخدم القلب - لعمل ما يريده، وما تقلّب إليه من خير أو سوء.
الثالث: أن مبدأ التحصين للقلب يكون ابتداءً وانتهاءً بالالتجاء إلى الله تعالى، والاستجارة بعظمته من ذلك، إذ لا طاقة للإنسان - مهما بلغ من مجاهدة - على صرف وساوس الشهوات عن نفسه، ولا وساوس الشبهات عن عقله، ولا وساوس الخواطر عن قلبه، ولا في إزالة حُجُب الظلمات التي عَلَت روحه بما كسبت يداه، وفي رد سهام الشر من سحر أو حسد أو تعمُّدِ ضرٍّ، - وقد صار هدفاً لذلك كله من شرار الخلق - إلا بالعياذ بكَنَف الله تعالى وحِصْنه الحصين.
стр. 107
التحصينات الواقية:
أخي القارئ، إن تم إدراكك لخطورة ما سبق، وسألت بعدها ما سبيل توقي ذلك كلِّه، وكيف أدفع عن نفسي هذا الخطر المحدق؟ أتاك غيث الشريعة الغراء منسكباً بتحصيناتٍ لا قِبَل لعدوك بها، فخذها بقوة، وعَضَّ عليها بالنواجذ، فأنت بحاجة ماسة إليها تفوق مراتٍ ومرات حاجتك لتمام الصحة الجسدية، ولزينة الدنيا من مال وذرية، وإن التسهّل في الأخذ بهذه التحصينات قد يؤدي إلى هلاك مروّع، هو أشد هولاً من هلاك الجسد بأمراض عضوية، فإن الآفات المهلكات التي تتحصن منها، يتيه فيها القلب، وتتحير بشأنها الروح، ويهلك بها الجسد، كما تموت بها النفس، نعوذ بالله تعالى من ذلك.
أخي القارئ، - وقد عرفت جَلَل ذلك الخطب -، فلنشرع ببيان تحصينات واقية من ذلك، وهي بمجموعها مستوحاة من قول رسول الله ﷺ لعبد الله بن عباس ﵄: «يَا غُلاَمُ، إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُْمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اُللهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَْقْلاَمُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ. [وَاعْلَمْ أَنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْراً كَثِيراً، وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً] » (١) .
هذا، وإن التحصينات بحفظ حدود الله تعالى أربعة:
стр. 108
ف الأول: احفظ الله بتحقيق الإخلاص في توحيده سبحانه.
والثاني: احفظ الله في تعظيمه بالإكثار من ذكره.
والثالث: احفظ الله في التزام تقوى الله تعالى، وبتسخير جوارحك في الاجتهاد بالعمل بمراضيه سبحانه، واجتناب نواهيه.
الرابع: احفظ الله بالاقتداء بالنبي ﷺ ؛ بالتزام أفعال مخصوصة أرشدت إليها السنة النبوية الكريمة.
أما الأول من التحصينات، فهو في تحقيق الإخلاص في توحيده سبحانه:
ويكون ذلك باليقين الجازم بعظمة الله وقَدْره حقَّ قدره، وإفراده سبحانه بالعبادة، والاعتقاد بأنْ لا استحقاق في شيء منها لأحد غيره، وذلك بتوحيد الله في ربوبيته وإلهيته وأسمائه الحسنى وصفاته العُلى، وهذا - لو تحقق في قلب عبد - لأغناه عن الاسترقاء، فضلاً عن تحصينه من الشرور والآفات. ذلك أن هذا التوحيد هو مبنى التوكل على الله، وهو درع حصين وسلاح مكين لا يمكن لمخلوق أن يتسلل إليه، أو يقارب حِماه، إذ إن صاحبه لا يستعيذ إلا بالله، ولا يستغيث إلا بالله، ولا يستعين إلا بالله، ولا يطلب نفعاً إلا من الله، ولا يستدفع ضراً إلا بالله، ولا يتقرب إلا لله، فلو عزمت - أخي القارئ - في
стр. 109
جلسة تفكّر على استحضار حقيقة هذا الإخلاص في قلبك، ثم عزمت بحول الله وقوته على متابعة هدي النبي ﷺ في ذلك، لاستقر - بإذن الله - معنى الإخلاص في قلبك، إذ لا خلاص بغير الإخلاص، وبقدر استحضارك ذلك وعزمك على المتابعة، وترك الابتداع يزداد إيمانك، فيكون القلب إذ ذاك قلعة مَصُوناً، تضعف أمامها حملات الإغارة الشيطانية، فيكون كيده كأضعف ما يكون، بل قد يفر منك فراراً، ويحذِّر الخلق من الاقتراب منك كي لا تفسد عليه مداخله عليهم!!
إن النظر في آيات الله وسنة نبيه ﷺ يرشد إلى حقيقة أن الإخلاص هو حقيقة الإيمان، ومبنى رفعته، وهو صفة المصطفَيْن الأخيار من عباد الله الصالحين، فتأمّل معي - أخي الحصيف - هذه النصوص المباركة:
- ... قال تعالى: [الزُّمَر: ٢-٣] ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ *أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ *﴾ .
- ... وقال سبحانه: [الزُّمَر: ١٤] ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي *﴾ .
- وقال جل ذكره: [غَافر: ١٤] ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ *﴾ .
- ... وقال تبارك اسمه: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ *إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ *﴾ .
- ... وقال : [الحِجر: ٣٩-٤٢] ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأَُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ *إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ *قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ
стр. 110
مُسْتَقِيمٌ *إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ *﴾ .
فانظر - رعاك الله - إلى عجز إبليس وجنده، وضعفهم عن مجرد إغواء من اتصف بالإخلاص، فكيف بضرّهم أو الاستحواذ عليهم؟! بل إن الشياطين تجتنب الطريق التي يمر بها العبد المخلص، كما قال النبي ﷺ لعمر ﵁: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ قَطُّ سَالِكاً فَجَّاَ إِلاَّ سَلَكَ فَجّاً غَيْرَ فَجِّكَ (١) وكما بشّر به رسول الله ﷺ عمرَ بقوله: إَنَّ الشَّيْطَانَ لَيَخَافُ مِنْكَ يَا عُمَرُ (٢) .
والإخلاص - كما ذكرنا آنفًا - هو مبنى التوكل وحقيقته، فلا يضر المتوكلَ شيء، ولا حاجة له لرقية مِنْ ضُرٍّ أصابه، بل إنه - بما استجمع من إخلاص في توحيد الله - يأتيه الشفاء بلا دواء ولا اكتواء ولا استرقاء، وهذا حال بعض عباد الله الصالحين المتوكلين، لكن ذلك لا ينافي وجوبَ التداوي وجواز الاسترقاء، فليس جميع الأمة قد تبوَّؤوا تلك المنزلة السامقة والدرجة الرفيعة في الإخلاص، فعلى قدر ما يبلغ بك الحال في إخلاص التوحيد، تبلغ بذلك تحصين قلبك، والدرءَ عن نفسك، فاجتهد - رحمك الله - في تحقيق ذلك. هذا، ولم يستكمل من هذه الأمة إخلاصهم لله إلا ثلة مباركة، وقد بُشّروا بشفاء من غير