← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 7835

التحصين من كيد الشياطين

خالد الجريسي

Полный текст (444 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فلو دخل بلدة أو قرية، قال: اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَمَا أَظْلَلْنَ، وَرَبَّ الأَْرَضِينَ السَّبْعِ وَمَا أَقْلَلْنَ، وَرَبَّ الرِّيَاحِ وَمَا ذَرَيْنَ، أَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذِهِ الْقَرْيَةِ، وَخَيْرَ أَهْلِهَا، وَخَيْرَ مَا فِيها، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا، وَشَرِّ أَهْلِهَا، وَشَرِّ مَا فِيهَا (١) . b ... ومن أحوال المؤمن الغضب، فلو اجتهد - إذْ غَضِب - أن يعمل بوصية رسول الله ﷺ لجارية بن قدامة ﵁، بقوله ﷺ ثلاث مرارٍ: لاَ تَغْضَبْ (٢) ، فإنْ تملّكه غضب شديد، فعليه إذ ذاك بالمبادرة إلى قول: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، كما أمر بذلك النبي ﷺ (٣) . هذا، وإنَّ غَضَبَ المؤمن ينبغي أن يكون لله تعالى، فلا يغضب لأمر من أمور الدنيا، ولا ينتقم لنفسه، بل له في رسول الله ﷺ أسوة حسنة، وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِنَفْسِهِ، إِلاَّ أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللهِ، فَيَنْتَقِم للهِ بِهَا (٤)

стр. 142

* ... ومن ذلك وقوعه في كربٍ وهمٍّ في معاش أو مرضٍ أو تسلُّطِ عدوٍّ-، فيُشرَع له أن يقول: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَْرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١) . * ... ومن الأحوال إن أصاب المؤمنَ شيء يكرهه، فاستقر في ذهنه أنه قد ترتب ذلك على أمر كان قد فعله، فتمنى أن لم يكن قد فعله، كي لا يصيبه ما يكره. فعند ذلك يحصّنه رسول الله ﷺ بنهيه عن قول «لو» ويرشده قائلاً:....وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلاَ تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللهِ، وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ (لَوْ) تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ (٢) . * ... ولو اشتكى المؤمن مرضاً فليَرْقِ نفسه، كما كان رسول الله ﷺ يفعل، إِذَا اشْتَكَى يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ وَيَنْفُثُ» (٣) ، قيل للزُّهري ﵀: كيف ينفث؟ قال: (كَانَ يَنْفُثُ عَلَى

стр. 143

يَدَيْهِ، ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا عَلَى وَجْهِهِ) (١) الأنور ﷺ (٢) . * ... وإن آلمه موضع من جسده، فَلْيَضَعْ يَدَهُ عَلَى الَّذِي يَأْلَمُ مِنْ جَسَدِهِ، وَلْيَقُلْ: بِسْمِ اللهِ - ثَلاَثاً -، وَلْيَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِاللهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ (٣) . * ... فلو خاف المؤمن أن يُفتَن في دينه - نسأل الله العفو والعافية - جرّاء ضرٍّ شديد أصابه، فلم يُطِق تحمُّلَه، فليتبع إرشاد النبي ﷺ له بقوله: لاَ يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ مِنْ ضُرٍّ أَصَابَهُ، فَإِنْ كَانَ لاَ بُدَّ فَاعِلاً، فَلْيَقُلْ: اللهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْراً لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْراً لِي (٤) . * ... فلو مرض فغلب على ظنه أنه مرض الموت - أسأل الله لي ولك حسن الخاتمة - فليتلُ كما تلا النبي ﷺ في مرض وفاته ﷺ قولَه تعالى: [النِّسَاء: ٦٩] ﴿ ... مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ

стр. 144

وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا *﴾ (١) ، وليقل: اللهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي، وَأَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ الأَْعْلَى (٢) . وليكن آخر كلامه، لا إله إلا الله، لقوله ﷺ : مَنْ كَانَ آخِرُ كَلاَمِهِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، دَخَلَ الْجَنَّةَ (٣) . هذا، وقد اقتصرت بالأحوال التي يتقلب بها المؤمن في حياته على ما رأيتَ، أسأل الله تعالى أن يوفقني وإياك للتحصن بذكره في جميع أحوالنا، وأن يُذهِب عنا رجز الشيطان ويُضعف كيده، ويُخزي جنده ويُعدم سلطانه، وأن يمتن الله علينا فيوفقنا لأن نكون من عباده المخلَصين. آمين.

стр. 145

أما الثالث من التحصينات الواقية - بإذن الله - فهو بأن تحفظ الله تعالى بالتزام تقواه سبحانه: وذلك بأن تحفظ قلبك سليماً من ميلٍ لشهوات، أو زيغ بشبهات، وأن تحفظ ما يتبع القلب، وهي أعضاء الجسد كافة، أن تحفظها بتسخيرها في الاجتهاد بالعمل بمراضي الله سبحانه، وفي اجتناب نواهيه. ولا ريب بأن ذلك لا يتأتى للعبد إلا بمجاهدة عظمى لما جُبِلَتْ عليه النفسُ من ميلٍ للأهواء، وبكبح جماحها عما تستسهله من آفات مكدرة للإخلاص، وجعل مطلب العقل وربحه هو تزكية هذه النفس، وطلب فلاحها بالعمل الصالح، قال تعالى: [الشّمس: ٩-١٠] ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا *وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا *﴾ ، لذا، فقد تحتم على كل ذي عقل راجح، وفكر حازم، وقد آمن بالله واليوم الآخر، ألا يغفل عن متابعة نفسه ومحاسبتها، بسؤالها تكراراً: ما الذي أمرَتْ به رعاياها الخادمين لها: القلبَ وأتباعه: العين، والأذن، واللسان، والبطن، والفرج، واليد، والرِّجْل؟ فيحاسبها على ما تصرفت به، فيعاتبها عتاب الناصح المشفق، ويرشدها بعقله إلى طرق الفلاح، ويضطرّها - أحياناً - إلى سلوك سبيل لا تحبه، وإفهامها بأن السرور العاجل المنقضي قد يجني غماً آجلاً سرمداً غير منقطع، فتنزجر النفس بذلك، وتزكو، وقد تلوم صاحبها بعد ذلك على مقارفته ذنباً أو مفارقته طاعة، قال تعالى: [القِيَامَة: ١-٢] ﴿لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ *وَلاَ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ *﴾ ، فلا تطمئن بعدها إلا إلى عمل الصالحات، ولا ترضى عندها إلا بما يرضي ربها، فتنال بذلك رضا الله تعالى، فينجو صاحبها ويفلح ويكتب مع الذين أنعم الله عليهم من عباده الصالحين. قال تعالى: [الفَجر: ٢٧-٢٨] ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ *ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَةً *﴾ .

стр. 146

أخي القارئ المكرم، لذلك كله فإن المؤمن يعمل على إبعاد كيد الشيطان عن نفسه، حيث إنها مبتلاة بما حوت من أهواء وحب للشهوات، فلو لم يعمل العبد على تخليص نفسه بحفظ جوارحه عن المحارم، كان ذلك سبباً محتماً لورود كيد شياطين الإنس والجن عليها، تداعى عليه كما تداعى الأَكَلَة إلى قصعتها. وهاك ما يكون سبباً بعون الله تعالى لحفظك من ضعف نفسك التي بين جنبيك، فلا يعود لعدوك سلطان عليك، فيكون كيده لك كأضعف ما يكون: أولاً: احفظ الله في قلبك؛ فإن إصلاح القلب - كما عرفتَ هو - ملاكُ الأمر كله، والأعضاء تبع له، وإصلاحه لا يكون إلا بتطهيره من حب الشهوات، والميل إلى الشبهات، هذه المضغة التي لو سَلِمت سلم الجسد كله، وإنْ تملَّكها الهوى، ألقت بها الشياطين وساوسها فانقلبت عن حالها، وتردت إلى أسوأ حال، وسرعان ما يعمل الفساد في خُدّامها من الأعضاء، فتعمل فيما عقد عليه القلبُ العزمَ وتترك ما حلّ القلبُ عنه العزم، فهو كالراعي لها، مسؤول عنها، لذا كان على المؤمن الحصيف إعمال عقله فيما يُصلِح قلبَه ويسلّمه من الشك والشرك، من العُجْب والرياء، من الغِلِّ والحسد، ومن شَرْك الفتن والشبهات، بل من كل ما يكون سبباً في فساده، وأن يُعمل عقله - في الوقت نفسه - فيما يُصلِح قلبَه أيضاً، بملئه بمحبة بارئه، وخشيته، ورجاء رحمته، وحق التوكل عليه، ومزيد الإنابة إليه، حتى يصير القلب عاقلاً، فيكون سبباً عندها لسماع التعقل وتبصُّر الحق، سليماً أبيضَ، لا تضره وسوسة، ولا تراوده شبهة، ولا تستحوذ عليه شهوة.

стр. 147

قال الله تعالى: [الشُّعَرَاء: ٨٨-٨٩] ﴿يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ *إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ *﴾ . وقال سبحانه: [الحَجّ: ٤٦] ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ *﴾ . ويقول ﵊: تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُوداً عُوداً، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَة سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَة بَيْضَاءُ، حَتّى تَصَيرَ الْقُلُوبُ عَلَى قَلْبَيْنِ، عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا؛ فَلاَ تَضُرّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَْرْضُ، وَالآْخَرُ أَسْوَدُ مُرْبادّاً، كَالْكُوْزِ مُجَخِّياً، لاَ يَعْرِفُ مَعْرُوفاً وَلاَ يُنْكِرُ مُنْكَراً، إِلاَ مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ (١) . ويقول ﷺ : أَلاَ وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ

стр. 148

مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلاَ وَهِيَ الْقَلْبُ (١) . وعلى ذلك كله، فإن سلَّم العقلُ القلبَ من الشك والشرك، ومن الرياء والعُجْب والنفاق، وسلّمه من الغل والحسد، واستقر في القلب التوحيد واليقين، والإخلاص والتواضع، وسلامة النية، استطاع بذلك تمحيص ما يَرِد عليه من فتن، تتوالى عليه تترا كنسج الحصير عودًا عودًا، فيردّ عنه ما عقل أنه من صنوف الشر، حتى يعتاد ذلك ويكون له فيه مَلَكةُ تمييز، فتهرع الجوارح عندئذٍ جميعُها لطاعته وتسخّر له، وتعمل بما ذهب إليه ورضيه من خير، وإن لم يسلم من ذلك أطاعته أيضًا وعملت على معنى ما استقر فيه من الشرور، عندها - والعياذ بالله - تُقيَّض الشياطين لصاحبه، وتستهويه، وتوقع في صدره وسواسها، وقد تجري منه مجرى الدم، فتصرعه أو تؤزه على فعل المنكرات أزًا، حتى تورده مهالك الدنيا وسوء مصير الآخرة، عياذًا بالله تعالى من ذلك. ثانياً: احفظ الله في بصرك. وقد وهبك الله آلة الإبصار، وجعلها بريداً للقلب المتعقل، ونافذة إلى الروح، وإن المتأمل في كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ ليدرك - يقيناً - أن العين تتقلب في حال إبصارها في منازل متعلقة بالقلب وما يدركه من مشاعر، بل ومن عقائد تسير وفقها باقي الجوارح، فليست العين عند ابن آدم غرضًا وآلة للرؤية وحسب، بل إن لها أثراً بالغاً في كيان الإنسان بأكمله، لذا، فقد اتخذ إبليس هذه الوسيلة الكبرى لإغواء آدم ﵇ وزوجه، ثم ما زالت

стр. 149

تلك الوسيلة أداة الفتنة الأكثر خطراً، تدك بمعاولها حصون قلوب ذرية آدم، وذلك بإيهامهم بأن العين هي أداة للرؤية فقط، وأنها نعمة ننظر بها ما شئنا، وأن رؤية الأشياء هو أمر يوصلنا بما حولنا بطريق غير محسوس، فنتلذذ بالحياة، وننْعَم بمتاعها، ومن ثَمَّ فإن النظرة لن تضر البدن، ولذا فإنها لن توقع ضرراً يُذْكَر بالروح، فلماذا تُمنع إذاً أو يُطلب الحد من امتدادها؟! كل ذلك مما اعتادت الشياطين إلقاءه في صدور الناس، وهي تبعد عن تفكّرهم - ما وَسِعها إلى ذلك سبيلاً - مهامَّ البصر الأخرى، والتي خلقت العين لأجلها، وبأنها في الحقيقية تستميل هوى القلب، فيتعطل التعقل، وتنجرف الحواس تبعاً لتلك الأهواء، فتملي الشياطين عندها ما شاءت من أوامر ونواهٍ، وتحتنك الإنسان حيث أرادت فتهلكه، والعياذ بالله. وسأورد - إن شاء الله - فيما يأتي بعض المهام والآثار المهمة، المنوطة بالبصر، مستدلاً عليها بنصوص كريمة، فتأمل بها ملياً ليتبين لك مدى خطورة هذه الحاسة، ولتحذر - إن شاء الله - أشد الحذر من استعمالها إلا فيما خُلِقت له، فتحصن نفسك من استهواء الشياطين لقلبك، وتنجو - بعون الله - مما يُحاك حولك من مكائد مهلكة. ١- البصر بريد الزنا، ومناط الفتنة: * ... قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ *وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زَينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا

стр. 150

وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ولاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ *﴾ [النُّور: ٣٠-٣١] . * ... ويقول النبي ﷺ إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ، فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ (١) . * ... انظر كيف رتَّب الله تعالى حفظ الفرج عن الزنا، على غضّ البصر، وكيف بيّن رسول الله ﷺ أن مبدأ فتنة بني إسرائيل كان مبدؤه من النظر المحرّم!! ٢- البصر دالٌّ على حالة المبصِر النفسية: * ... قال سبحانه: [الأحزَاب: ١٩] ﴿ ... فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ... *﴾ . * ... وقال تعالى: [محَمَّد: ٢٠] ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ﴾ . * ... انظر كيف عبّرت العيون عن حالة الخوف، بل عن حالة المُبصِر في النزع الأخير! * ... وقال : [القَلَم: ٤٣] ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ... *﴾ . * ... انظر كيف دل خشوع البصر وانكسار النظرة، على تعب النفس من شدة الذل والهوان! * ... وقال تبارك اسمه: [البَقَرَة: ٦٩] ﴿ ... قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ .

стр. 151

* ... انظر كيف يوقع النظر إلى جمال لون هذه البقرة السرورَ في قلوب الناظرين إليها! * ... وقال تعالى جدُّه: [هُود: ٣١] ﴿وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا﴾ . * ... انظر إلى الاستعلاء والكبر وقد ظهرا بجلاء تام في نظرات عَلِيّة القوم، مستخفِّين بمن آمن ولم يؤتَ سعة من المال، فازدرت أعينهم منزلة المؤمنين فصدتهم تلك النظرات عن اللحاق بركب الإيمان!! * ... وقال جلّ ثناؤه: [القَلَم: ٥١] ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ *﴾ . * ... انظر إلى مبلغ الحسد، وغاية البغض، وإضمار الشر، وإرادة الضر، وقد تمثل ذلك جميعه في نظرة أطلقت سهامها عيون عبرت عما تُكِنُّه صدور أولئك القوم، وقد كادت - لولا لطف الله تعالى بنبيّه ﷺ أن توقع به ضرًا، من فَرْط عداوتهم وتغيُّظِ قلوبهم، والعياذ بالله تعالى. ٣- البصر مقدّم للتبصر والتفكّر والاعتبار، ومن ثَمَّ الهداية: * ... قال جلّ من قائل: [الأعرَاف: ١٨٤-١٨٥] ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ *أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ *﴾ .

стр. 152

* ... انظر - هداك الله وسدّدك -، كيف جعل الله تعالى النظر ببصيرةٍ وتفكُّر إلى سَمْت النبي ﷺ وأحواله التي يعرفونها، دليلاً على صدق نبوته وبُعدِه كل البعد عن أي وصف يشكك في نِذارته، كما أن النظر بتفكر في خلق الله تعالى، ودورة الحياة المتعاقبة التي يشهدونها، حيث تبدأ وتزول مرات ومرات، وقد حثهم ليستدلوا بنظرهم هذا إلى أنهم من جنس هذه المخلوقات، وأن أجلهم آتٍ لا محالة، إن ذلك الهدى كله كان مبدؤه من النظر، لكنِ انتهاؤه يكون بالاستبصار والإيمان. فانظر إلى رؤية البصر كيف ترتب عليها - في المآل - إيمان أو تكذيب!! فواعجباً - بعد ذلك كله - كيف يسوغ لمؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ليلَه يُقلِّب ناظريه فيما لا يحل له النظر إليه، حتى إذا تطلّعت نفسه إلى شيء مما حرمه الله عليه ألفى الباب إليه موصداً، فلم يحصل له إفضاءٌ إلى ما استثاره النظر في نفسه من شهوات، فذهبت نفسه على ذلك حسرات، فاضطر - عند ذلك مكرهاً - إلى كبح جماح نفسه بعد الاستثارة، فتلبَّسه مرضٌ سمَّوْه كبتاً، ولزمَتْه عقدةٌ سمَّوْها نقصاً وتلبّس به اضطراب دعَوْه انفصاماً، فصار بذلك هائماً على وجهه لا يلوي على شيء، واستمر به الحال كذلك حتى حظي به شيطان من شياطين الإنس يؤزُّه آخرُ من شياطين الجن، يوسوس إليه للالتحاق بركبه، وترسُّم خطاه، فإذا التحق به أورده المهالك وأقصاه عن سبيل الهدى، حتى إذا تمكن منه الضلال، وانتهى به الحال إلى نفس أمارة بالسوء، استهوته

стр. 153

الشياطين، وأضرّت به السحرة الأشرار، وقد لا يستقيم له حال بعدها، والعياذ بالله، وقد يموت على ذلك، إلا أن يتداركه الله برحمة وفضل، نسأل الله تعالى حسن الخاتمة، فانظر - رحمني الله وإياك - ما مؤدى تلك النظرات الخائنة التي ظن ناظرها ابتداءً أنها تسرُّه ولا تضره، وتثيره ولا تعذبه، وتنعّمه ولا تشقيه، ومن مرض الشهوة تخلصه وتشفيه!! يقول الإمام القرطبي ﵀: «البصر هو الباب الأكبر إلى القلب، وأَعْمَرُ طرق الحواس إليه، وبحسب ذلك كَثُر السقوط من جهته، ووجب التحذير منه، وغضُّه عن جميع المحرّمات» (١) . وختاماً: كيف تحفظ بصرك فتحصن نفسك؟ إن ذلك يتأتى لك إذا وفقت إلى غض البصر عما يحرم النظر إليه، بل عن كل فُضول مستغنىً عنه، فإن الله تعالى يسأل عن فضول النظر كما يسأل عن فضول الكلام. إن صرفت العين عن النظر إلى ما سلف لم تقنع به حتى تُشغِلها بما فيه تجارتها وربحها، وهو: ما خُلِقَتْ له من النظر إلى عجائب صنع الله تعالى بعين الاعتبار، والنظر إلى أعمال الخير للاقتداء، والنظر في كتاب الله وسنّة رسوله ﷺ ، ومطالعة كتب الحكمة للاتعاظ والاستفادة) (٢) . ثالثاً: احفظ الله في سمعك، فإن الله تعالى يقول: [لقمَان: ٦] ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ *﴾ .

стр. 154

ويقول رسول الله ﷺ : لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ.. (١) ويخوّف ﵊ أناساً من أمته فيقول: لَيَشْرَبَنَّ أُنَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا، وَيُضْرَبُ عَلَى رُؤُوسِهِمْ بِالْمَعَازِفِ وَالْقَيْنَاتِ، يَخْسِفُ اللهُ بِهِمُ الأَْرْضَ، وَيَجْعَلُ مِنْهُمْ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ (٢) . وفي تفسير قوله تعالى: [لقمَان: ٦] ﴿لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ ، [قال عبد الله ابن مسعود ﵁: هو «الغناء، واللهِ الذي لا إله إلا هو، يرددها ثلاث مرات» . وكذا قال ابن عباس، وجابر، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومجاهد، ومكحول، وعمرو بن شعيب، وعلي بن بذيمة ﵏، وقال الحسن البصري ﵀: «أنزلت هذه الآية [لقمَان: ٦] ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ في الغناء والمزامير. وقال قتادة: واللهِ لعله - أي سامع الغناء والمزامير - لا ينفق فيه مالاً، ولكنْ شراؤه استحبابُه، بِحَسْب المرء من الضلالة أن يختار حديث الباطل على حديث الحق، وما يضرّ على ما ينفع] (٣) . ويقول الإمام ابن جرير الطبري ﵀: ﴿لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ , هو:

стр. 155

[كل كلام يصدّ عن آيات الله واتباع سبيله] . اهـ (١) . وقال الإمام القرطبي ﵀ في تفسير الآية عينها: [هذه إحدى الآيات الثلاث التي استدل بها العلماء على كراهة الغناء، والمنع منه. والآية الثانية: [النّجْم: ٦١] ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ *﴾ ، قال ابن عباس ﵄: هو الغناء بلغة حِمْيَر، اسمدي لنا، أي: غنِّي لنا. والآية الثالثة: قوله تعالى: [الإسرَاء: ٦٤] ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ . قال مجاهد: الغناء والمزامير] (٢) . اهـ. أيها الأخ الحصيف، هذا قول الله تعالى، وقول رسوله ﷺ ، وفِقْهُ بعض أولي العلم لذلك، فاحذر على نفسك من سماعٍ لا يليق بمؤمن، ومما يجرّئ الشياطين على التعرُّضِ لقلبك، فربما استحوذ الشيطان على عبد فأنساه ذكر الله، جراء تعلق قلبه وتسخير جوارحه فيما لا يثمر خيراً ولا يليق - أصلاً - بما خُلق الإنسان له من عمارة الأرض بعبادة الله، واستخراج مكنوناتها بما ينفع ساكنيها، فإنك ترى أحدهم قد بذل الغالي والنفيس من ماله وعمره في تعلّم لهو رخيص، قاصداً بذلك متعة آنية، ومالاً مورَّثًا لمن بعده، تراه قد اتخذ سبيل الله (الطريق الذي اختطه الله تعالى لعباده ليسلكوه في حياتهم الدنيا) هزواً فيَضِلّ عن هذا السبيل، ويُضِلّ غيره، حتى يصدق عليه قول الله تعالى [لقمَان: ٦-٧] ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ *وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ

стр. 156

بِعَذَابٍ أَلِيمٍ *﴾ . فما الذي تسبب بهذا الوقر - الحاجز المانع - في الأذنين، عن تلقي الحق بالقبول، وسماعه بتدبر؟ لقد امتلأت هاتان الأذنان - وقد أُرهِقتا بما أرهقهما ليلاً ونهاراً سراً وجهاراً - بالغناء فاحش اللفظ، والمزامير الداعية إلى التمايل، فلما أن صار ذلك دَيْدن الأذنين لم تعودا تستسيغان سماع آيات الله تعالى، فقد انشغل القلب بمؤدى ذلك الغناء، من دعوات إلى الأهواء، وحثٍ على الشهوات، فصار القلب - والعياذ بالله - يَرِدُ غير ما تعوّده، فتجده وقد فَقَدَ حصانته التي فُطِر عليها، فإذا نادته مزامير الشياطين أقبل عليها وزال الوقر عن أذنيه؟ ولو ناداه داعي الرحمن أعرض عنه غير مُبالٍ، كالأصمّ غافلِ القلب!! هذا، فيما لو فرضنا أن الأغاني المنتشرة في مجتمعاتنا، انتشار النار في الهشيم، لا تحوي إلا على دعواتٍ سافرات للحب - غير البريء - وأنها تحكي قصص العاشقين المولهين، حتى ليخيل إلى الشاب أو الفتاة أنْ لا مناص من محاكاة ما يجري مع هؤلاء، فترى أحدهم - أو إحداهن - يلهث باحثاً عن قصة حب ولو متخيَّلة، ليستطيع بذلك أن يتفاعل بصدق مع كلمات تلك الأغنية أو معاناة ذلك المغنّي، وقد فاته أن من يسبر أغوار حياة بعض أولئك [النجوم] لَيَهُولُه ما يجده من سعيهم الحثيث وتهافتهم على شركات الإنتاج بغية إصدارِ [ألبومٍ جديد فيه أغنية (تضرب في السوق) ، فيحصل بذلك له ما ابتغاه من حطام الدنيا ونعيمها الزائل. أقول: لو فرضنا ذلك لكان الخطب يسير، لكن - للأسف البالغ - فإنك تجد بعضها وقد تجرّأ بذكر اسم الله تعالى، فيقسم به مراتٍ ومرات على أمر لم ولن

стр. 157

يحصل، أو يحكي بأن صبره على صدِّ محبوبه قد قارب أو ساوى أو حتى فاق في بعض الأحيان صبر النبي أيوب ﵇، أو أنه لا يبغي دخول الجنة إلا برفقة من أغوته في الدنيا، أو أنه مستعد أتم الاستعداد لأن يلقي بنفسه في دركات جهنم إن كان ذلك يجمعه مع محبوبه، هذا، ناهيك عما يترافق في سهرات الغناء من تمايل الحضور - رجالاً ونساءً - على أنغامِ ما يلقيه النجم المغني على مسامعهم، وقد تجد بعض الحضور ثَمِلاً قد فَقَدَ السيطرة على نفسه، فهو يراقص من يعرف ومن لا يعرف، ونساءً يصرخن بأعلى ما تبلغه شدة تذبذب الأصوات البشرية، وغاية ما تطيقه حبال حناجرهن الصوتية، ومن ثَمَّ تراهنّ يتدافعن ليلقين بأيديهن متشوّفاتٍ إلى مصافحة المطرب - بالطاء لا بالكاف، كما يسمُّونه زُوْرًا - ثم هن قد يقَبِّلْنَه، بشغفٍ بمحضرٍ من أزواجهن أو آبائهن أو إخوانهن أو حتى أبنائهن!! هذه صورة واقعة - للأسف - في كثير من مجتمعات المسلمين، وقد قصدت بتسطيرها بيانَ الضرر الهائل لهذه المزامير وأهلها، ثم - بعد ذلك كله - قد تجد من يفتيك بأن الغناء مكروه فقط، وقد قال بإباحته فلان وفلان!! نعم، لكنْ هل هذه الفتاوى تنطبق على حال الغناء الذي نشهده اليوم وما يتبعه من منكرات، والذي لا يشك عابد فضلاً عن عالم بحرمته؟!. سئل سماحة الشيخ عبد الله بن جبرين حفظه الله، ونفع بعلمه، عن أسباب كثرة إصابة الناس بالسحر أو العين أو المس ونحو ذلك؟

стр. 158

فأجاب - حفظه الله -: من أسباب ذلك الغفلة عن ذكر الله، وعن تلاوة كتابه، وذلك لأن الذِّكر يعتبر حصناً حصيناً من ضرر الشياطين، ولذلك نرى أن أهل الخير والصلاح لا يضرّهم عمل السحرة ولا حِيَلُهم، وأكثر ما يتسلطون على أهل الملاهي والغفلة، كما أن من أسباب الإصابة عمل المعاصي واقتراف الفواحش، والذنوب ضِدٌّ على صاحبها، فلا يؤمَن أن يسلَّط عليه الشيطان بواسطة الساحر والعائن ونحو ذلك، وهكذا من الأسباب استعمال آلات اللهو وإدخالها في المنازل فإنها مجلبة للشياطين ومَرَدة الجن، حيث إن أغلب ما تتسلط الشياطين على أهل الملاهي، وتألف تلك المساكن الخالية عن الخير والممتلئة بالأشرار، فيجد الشيطان إليهم سبيلاً، ويستطيع الساحر أن يؤثر فيهم بمن سخّره من الجن، سواء بالصرع أو بالمس أو العين، وهناك أسباب أخرى كالابتلاء والامتحان وإظهار قدرة الله، وإظهار أثر المعاصي ونحو ذلك، ولا شك بأن هذه الإصابات كلها بقضاء الله وقدَره، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ولكن يسلّط الشياطين على أعدائه، كما قال تعالى: [مَريَم: ٨٣] ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا *﴾ ، أي: تزجُّهم إلى الكفر والمعاصي، فمن أراد الحفظ أو الوقاية من شرّهم الحسي أو المعنوي، فعليه أن يتحصّن عن الذنوب بذكر الله وطاعته وكثرة الحسنات والأعمال الصالحة، والله يتولى الصالحين. اهـ (١) . أخي القارئ، يبقى أن هناك مسموعات تصد عن ذكر الله وتُسلِّط

стр. 159

أعداء الله، غير ما ذُكر من الغناء والمعازف، كمثل سماع الفاحش من الكلام، أو سماع الاستهزاء في مجلس بشيء من دين الله، والقعود معهم، أو سماع غيبة أو نميمة أو بهتان في أعراض، ونحو ذلك مما عُلِمَتْ حرمةُ سماعه، والله أعلم. رابعاً: احفظ الله فيما تلفظ من قول، فإن الله يقول: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ *﴾ [ق: ١٨] ، ويقول : ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ *كِرَامًا كَاتِبِينَ *يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ *﴾ [الانفِطار: ١٠-١٢] ، ويقول جلّ شأنه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ *﴾ [المؤمنون: ٣] ، ويقول تبارك اسمه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا *﴾ [الأحزَاب: ٧٠] . واحفظ لسانك: فإن رسول الله ﷺ يقول: إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ، مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا، يَزِلُّ بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ الْمَشْرِقِ، [وَالْمَغْرِبِ] (١) . ويقول ﵊: إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللهِ، لاَ يُلقِي لَهَا بَالاً، يَرْفَعُهُ اللهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ، لاَ يُلقِي لَهَا بَالاً، يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ (٢) . ويقول ﷺ : إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللهِ تَعَالى، مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ، يَكْتُبُ اللهُ لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إِلى يَوْمِ

стр. 160

يَلْقَاهُ. وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ، مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ، يَكْتُبُ اللهُ عَلَيْهِ بِهَا سَخَطَهُ إِلى يَوْمِ يَلْقَاهُ (١) . ويرشد ﷺ أمته بقوله: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً أَوْ لِيَصْمُتْ ... (٢) ، وقد بشر ﷺ من حفظ لسانه عن قول السوء، وفرجَه عن مقاربة الزنا، بشّره بالجنّة، فقال عليه أزكى صلاة وأبلغ تسليم: مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ، وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ (٣) . هذه النصوص الكريمة من كتاب الله وسنّة نبيّه ﷺ ، وغيرها كثير جليل، كلها دالٌّ بوضوح على عِظَم خطر شأن اللسان، والكلمة الصادرة عنه، ومع ذلك كله فإن الإنسان بعامة لا يستشعر هذا الخطر، وقد يظن ظان بأن الكلمة تتلاشى في الأثير وتمر محاذية لآلة السمع، وأمرها كأمر نسمة هواء عابرة، ومن ثم فلا يؤاخذ بقوله، حيث يُخيِّل إليه الشيطان أنها لا أثر ملموساً لها على جسد السامع، ومن ثَمَّ فهي لم تؤذه، فلا داعي للكف عن قولها أو الاعتذار بعده.

стр. 161

لكن ما يشهد به الواقع من حال الناس - فضلاً عما بينته النصوص - دال على خلاف ذلك، فكم هُدِّمت علاقة طيبة بفعل كلمة جرت على لسان، وكم هُتِك عرض ودُمِّرت حياة بسبب اتهام باطل نطق به إنسان، وكم من سمعة طيبة لمجتمع بأكمله أَسْهَم في تشويهها وصفٌ ارتآه فلان من أصحاب القلم وأولي البيان، بل كم من فتنة جَرَّت بعدها حربًا ضروسًا، كان مردّها لكلمة جرّحت هيئة أو نالت من منزلة سلطان، أو لم توافق هوى لحاكم ظالم، وها هو الواقع والتاريخ يشهدان لذلك كله، فما السر الكامن في قوة الكلمة؟ أفلا يستطيع الناس أن يتسامعوا محكيَّاتِهم، من غير أن يؤاخِذَ بعضُهم بعضاً في الجهر بالسوء من الأقوال؟ هذا ما أكدت الشريعة نفيَه تأكيداً جازماً، وقد زادتنا علماً بأن هذا الكلام الجاري على اللسان، إنما هو ترجمان صادق لما في القلب، وبأننا سوف نتحمل تبعاته آجلاً فضلاً عن تحمّل ذلك إياها عاجلاً، فها هو رسول الله ﷺ ينبّه معاذاً ﵁، حين استشكل هذا المفهوم، بقوله ﷺ : أَلاَ أُخْبِرُكَ بِمَلاَكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟ فقلتُ - أي معاذ ﵁: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسانه وقال: كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا قلت: يانبي الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟! فقال: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ! وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ - أَوْ قَالَ: عَلَى مَنَاخِرِهِمْ - إِلاَّ حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ (١) . فتأمّل - رحمك الله - كيف وصف رسول الله ﷺ حفظ اللسان بملاك أمر الإسلام كله، ثم جعل ﷺ سبب هلاك

стр. 162

الناس - عامة - نتيجةً لما نطقوا به في الحياة الدنيا!! فما ميزان الشرع في طريق حفظ اللسان؟ لقد دل الحديث الشريف: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً أَوْ لِيَصْمُتْ ... (١) ، على ضابط اللسان لدى المؤمن، حيث يلزم من فقه هذا الحديث ثلاثة أمور: الأول: عند إرادة المؤمن الكلام ينبغي له استحضار عظمة الله، وإحصائه أعمال العباد - ومنها الأقوال - ومحاسبته عليها يوم القيامة. الثاني: اجتهاد المؤمن في التعوّد على الصمت، ما أمكن، وتدريب النفس على ذلك، مرة بعد مرة. الثالث: إن لم يكن من الكلام بُدٌّ، فليكن فيما تُحمَد عقباه، من قولٍ في خير، أو قولٍ مباح. ولنذكر الآن تسع عشرة آفة من آفات اللسان: نسردها سرداً، مما ينبغي للمؤمن أن ينزّه لسانه عن أن يجري به (٢) : ١- ... التكلم فيما لا يعني من الكلام، وحدُّه: أنْ لو سُكِت عنه لم يأثم الصامت ولم يُستضر. أو السؤال عما لا يعني أيضاً، لما فيه من مضيعة للوقت أو مضرة على السائل أو المسؤول. ٢- ... التبسّط في الكلام فيما يعني، والعمد إلى فُضول الكلام، فلو تأدى المقصود بكلمة واحدة، فالثانية فضول زائدة عن الحاجة، وإن لم يكن في قول فضول الكلام إثم ولا ضرر، لكنْ [حَسْبُ

стр. 163

المؤمن من الكلام ما بَلَغَ به حاجته] (١) . ٣- ... الخوض في الكلام الباطل، كالتحدث بالمعاصي، أو التفكُّه بأعراض الناس، أو الخوض فيما جرى أو يجري من فتن بين الناس. ٤- ... العمد إلى المراء، وهو الطعن في كلام الغير، بقصد إظهار خلل فيه، وليس من المراء بيان بطلان بدعة، أو الردُّ على مذهب فكري فاسد. بتراتب منطقي، مؤيّدٍ بأدلة شرعية. ٥- ... المخاصمة بالباطل في مجادلة أو مناظرة ما، كأن تكون مخاصمة بغير علم ولا تبيُّن فيها لوجهة نظر المجادَل، أو النطق بلفظ نابٍ عند المحاجَّة، أو العمد إلى جَدْل الخصم بعناد لقهره، لا لإظهار وجه الحق. ٦- ... التكلُّف في الكلام، والتصنُّع فيه بما يُخرِجه عن مقصوده وعن تحقيق الغرض منه، ولا يدخل في ذلك تحسين ألفاظ الخطابة، بما يشد السامع ويستجيش عاطفته الإيمانية، فيؤدي غرض الوعظ والتذكير وترقيق القلوب. ٧- ... الفحش في الكلام، وبذاءة اللسان، وهو التجرؤ بالتعبير عن المراد بعبارات غير لائقة بقائلها فضلاً عن المقولة له، ومما قد يفضي إلى الفحش في الكلام: ترك التكنية في الألفاظ الصريحة، فالأَوْلى في حق المؤمن أن يكنّي ويتلطف في ألفاظه، ولا يعبر

стр. 164

بصريح اللفظ عما قد يُستحيا منه، ومثاله: قوله الملامسة بدلاً من قوله الجماع، وأم الأولاد بدلاً من الزوجة، وأن يكني عن مرض قد يخجل صاحبه من ابتلائه به، فيقول: عارض ألمَّ به، بدلاً من تسمية مرضٍ كالعُنَّة أو الباسور، ونحو ذلك. ٨- ... اللعن - والعياذ بالله - وهو: الوصف بالطرد والإبعاد من رحمة الله، وفي قول اللعن خطر عظيم لكون اللاعن يتألى على الله تعالى أنه لا يرحم فلاناً، وأنه أَبْعَدَ الملعون، وذلك غيب لا يحكم به ولا يطّلع عليه غير الله تعالى. ٩- ... الغناء، بما يحرم - كالمعهود في عصرنا -، وإنشاد الشعر بكلام مستكره أو فاحشٍ، أو بتوسعٍ في مدح، أو بكذبٍ فيه، والعياذ بالله. أو التوسع في مزاح كاذب - فهو مُسقِط للهيبة مُمِيت للقلب-، وإن كان الغرض منه إضحاك الغير - وضابط المزاح المباح: ألا تقول إلا حقاً، وألا تؤذي قلباً، وألا تتخذ المزاح حِرْفة تواظب عليه، وتُفرِط فيه، وهذا الأخير هو من أشنع الخصال التي طالما ارتدّت إلى ضد الغرض منها وأفضَتْ إلى خصومة بيِّنة. ١٠- ... النطق بالاستهزاء والسخرية، والتنقّص من قَدْر الآخرين، ومما يدخل في ذلك - ولا يُتفطَّن إليه -: التنبيهُ على العيوب والنقائص، لا بقصد إصلاحها، بل بقصد التحقير والاستهانة بمن اتصفّ بها أو ذكرها على وجه يُضحَك منه، حتى لو كان ذلك بإشارة لا بتصريح، كذلك الاستهزاء في غيبة المُستهزَأ به، وهو من أقبح صور الغِيبة، ومن صنوف الاستهزاء الضحك على صورة

стр. 165

فلان أو صفة من صفاته الخَلْقية كالقِصَر أو العَوَر أو العَرَج ونحوه، ومن السخرية التي لا يُتنبّه إليها كذلك: الضحك على طريقة المشي، أو الكلام، أو صورة الخط، أو التنقص من قدر الصنعة، والمؤمن يحفظ لسانه ويكفّه عن جميع ذلك في حضرة المُتكلَّم عنه، أو في غيبته، ذلك كي لا ينزغ شيطان بينه وبين أخيه، فيما لو علم أنه كان محلاً للسخرية من قِبَلِه، أو مخافة أن يقع في قلب المستهزئ كِبْر وعُجْبٌ وترفُّعٌ عن قَدْرِ عباد الله تعالى، فإن الحاكم - في خيرية الناس أو عدمها - هو الله تعالى، قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ [الحُجرَات: ١١] . ١١- ... خيانة الأمانة: بإفشاء السر حيث إن إفشاءه قد يضر بمن استكتم أخاه سرًا، فيؤدي إلى ملامة وعتاب، وربما وجد في نفسه شيئاً على من أفشى سره، فينزغ الشيطان بينهما. وإن لنا في أنسٍ - خادم رسول الله ﷺ لقدوة حسنة في الحرص على حفظ السر، حتى عن أقرب الناس إليه؛ وهي والدته حيث قال لها: (سرُّ رسول الله ﷺ ، فشجعته ﵄ على ألاَّ يبوح بما استكتمه رسولُ الله ﷺ من سِرٍّ. ١٢- السِّباق إلى الوعد، والتعجُّل به، بما لا يسمح بالوفاء، فيصير الوعد إذ ذاك خُلْفاً، وهو من أمارات صورة النفاق الأربع (١) ، ولا

стр. 166

يدخل ذلك في النفاق إلا إذا وعد عازماً على ألا يفي بموعده، والأَوْلى للمؤمن أن ينزِّه نفسه عن كثرة الوعد، أو أن يضبطه بقوله: عسى، أو إن شاء الله، - والمشيئة المقصودة هنا على التحقيق لا على التعليق -، ولا يخرج من صورة النفاق وحقيقته إلا إذا وعد عازماً على الوفاء، فمنعه مانع منه. ولا يخفى ما لخُلق الوعد الكاذب من أثر سيئ في العلاقة بين الناس، وفَقْد مصداقية صاحب الوعد المُخلِف فيه من غير عذر. ١٣- ... الكذب في القول عامة، وفي اليمين - خاصة في تنفيق السلع -، والكذب من قبائح الذنوب، وأوحش العيوب، حتى لو كان على سبيل المزاح. هذا، وقد توعّد رسولُ الله ﷺ الرجل الكذاب بعذاب في قبره إلى يوم القيامة (١) وقال ﵊: ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، قَالَهَا ثَلاَثَ مِرَارٍ، فقال أبو ذر ﵁: خابوا وخسروا، من هم يا رسول الله؟ قال: الْمُسْبِلُ إِزَارَهُ، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنْفِقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ (٢) . وقال

стр. 167

صلى الله عليه وسلم وَيْلٌ لِلَّذِي يُحَدِّثُ فَيِكْذِبُ لِيَضْحَكَ بِهِ الْقَوْمُ، وَيْلٌ لَهُ، وَيْلٌ لَهُ (١) . ولا يدخل في الكذب ما رُخّص فيه، بقصد إصلاح، أو خدعة في حرب، أو تودد لزوج. وذلك لقوله ﵊: لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ، وَيَقُولُ خَيْراً، ويَنْمِي خَيْراً، وقالت: أم كلثوم بنت عقبة ﵂: [ولم أسمع يرخّص في شيء مما يقول الناس كذبٌ إلا في ثلاث: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأتَه وحديث المرأة زوجَها] (٢) . هذا، وإن أشنع صور الكذب، كذبٌ على الله ورسوله ﷺ ، كتحريم حلال أو تحليل حرام أو وضع حديث. يقول الله تعالى: [الأنعَام: ٢١] ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ *﴾ . ويقول النبي ﷺ : مَنْ تََعَمَّدَ عَلَيَّ كَذِباً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ (٣) . وبالمقابل، فإن من صوره التي لا يُتنبّه لها: الكذب بادعاء رؤيا أو حُلُم لم يره، فإن النبي ﷺ يقول في ذلك: مَنْ تَحَلَّمَ بِحُلُمٍ لَمْ يَرَهُ، كُلِّفَ

стр. 168

أَنْ يَعْقِدَ بَيْنَ شَعِيرَتَيْنَ وَلَنْ يَفْعَلَ.... (١) . ١٥- الوقوع في الغِيبة، وحدّها: أن تذكر أخاك بما فيه من صفة يكره أن يوصف بها، أو التنقص من شيء يتعلق به، كداره أو ثوبه ونحوه. ومما يدخل في حدّ الغيبة التعريض والتلميح إلى صفة نقص بأخيك، بطريق الإشارة والإيماء أو الغمز وكل ما يُفهِم المقصود، كأن يشير أحدُهم بيده مُفهِماً قِصَر فلان، أو يهز بيده مشيراً إلى خفة عقل فلان، أو يحاكي مشية فلان. وبالجملة، فإن المحذور - الغيبة - يقع بكل ما يُفهم التنقص، ولو كان ظاهره المدح، كقول أحدهم - مظهراً لصلاحه - إذا ذُكِر شخص بعينه، فقيل له: ما رأيك بفلان؟ فقال: نعوذ بالله من قلة الحياء، أو مِنْ طَلَبِ الدنيا، اللهم اعصمنا من ذلك، وهو يريد بذلك التنقص من أخيه، مع امتداح نفسه، فذكر ذلك بصيغة الاستعاذة أو الدعاء. ولا يدخل في الغيبة خمسة أمور: ١- ... التظلّم عند من يستطيع دفع الظلم، كأن تشكو ظالماً لقاضٍ ليدفع الظلم عنك. ٢- ... الاستعانة على تغيير المنكر ورد العاصي إلى سبيل الصلاح، وذلك بقصد إصلاحه لا الوشاية به. ٣- ... تحذير المسلم من شر يتهدده، كتحذيره من مصاحبة أهل البدع والأهواء.

стр. 169

٤- ... الاستفتاء، كما يقول للمفتي: ظلمني فلان، فكيف طريقي إلى الخلاص. ٥- ... ذكر الشخص بصفة لا يعرف إلا بها، بقصد التعريف لا التنقص؛ كالأعرج، والأعمش، والأعور، ونحو ذلك. وتأمل - أخي القارئ - بعدها شدة التنفير من إثم الغيبة، في كلام الله تعالى، وقول رسوله ﷺ : قال تعالى: ﴿وَلاَ يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحُجرَات: ١٢] . وقال رسول الله ﷺ أَتَدْرُونَ مَا الْغِيَبةُ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ، قيل: أفرأيتَ إن كان في أخي ما أقول؟، قال: إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ، فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ (١) . ١٦- ... ومن أعظم آفات اللسان: النميمة، وهي: نقلُ ونمُّ قولِ الغير إلى المقول فيه بقصد التحريش بين الناس، وإفساد ذات البَيْن، كأن يقول: إن فلاناً كان يتكلم فيك بكذا وكذا. والنميمة تقع باللسان، كما تقع بغيره ككتابةٍ أو إيماءٍ مُفهِمٍ، حيث إنّ مقصدها كشف المقول بأي طريقة. قال تعالى في وصف من اشتدَّت عداوتُه للإسلام وأهله: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ *﴾ [القَلَم: ١١] . وقال سبحانه - في حق من وشى بالصحابي الجليل الحارث بن ضرار والد أم المؤمنين جويرية ﵂، وكانت الوشاية بأنه وبني المصطلق قد منعوا الزكاة وأرادوا

стр. 170

قتل رسول الله ﷺ قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ *﴾ [الحُجرَات: ٦] ، وقد تثبت رسول الله ﷺ من صحة نسبة ذلك - بسؤال الحارث ﵁، فألفاه وبني المصطلق مُبرَّئين مما نُسب إليهم (١) . ويقول رسول الله ﷺ : لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ (٢) . وفي جزاء النمّام في عالم البرزخ (حالُه في القبر) ، يقول ﵊ حين مرّ بقبرين -: إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لاَ يَسْتَبْرِئُ مِنَ الْبَوْلِ، وَأَمَّا الآْخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ. ثُمَّ أَخَذَ ﷺ جَرِيدَةً رَطْبَةً فَشَقَّهَا نِصْفَيْنِ، فَغَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً، قالوا: يا رسول الله، لم فعلت هذا؟ قال: لَعَلَّه يُخَفِّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا (٣) . فإن كان ذلك جزاء النمّام وعذابه في القبر، فكيف بما بعده؟ ١٧- ... الآفة السابعة عشرة هي كلام ذي اللسانَيْن، وهو الذي يتردد بين المتعاديَيْن، فيكلِّم كلَّ واحد منهما بكلام يوافق هواه، ويكون ذلك بمجاملته بما يحبه. من عداوة صاحبه له، أو بنقل كلام كل منهما

стр. 171

للآخر بما يَكْره، مما يتسبّب في إيغار صدره على أخيه، أو بوعده لأحدهما أو لكليهما بنصرته على من عاداه، أو بالثناء عليه بسبب معاداته للآخر، ونحو ذلك مما يؤجج نار العداوة بينهما، وهذا شر من النميمة وهو عين النفاق، - إن كان المتخاصمان إنما تعادَيا بسبب تخالف الدين - وإلا فهو من خصال المنافقين والعياذ بالله. ولا يدخل في (ذي اللسانين) من يُضطر لمداراة ذي شرٍ اتقاءً لشره، كأن يتبسم بوجهه أو يقبل على الترحيب به، لكنْ شرط ألا يثني عليه خيراً مما ليس فيه، أو يقرّه على باطل يقوله، أو يجاريه في بدعة ارتكبها أو معصية اجترحها. يقول ﷺ : تَجِدُونَ النَّاسَ مَعَادِنَ، خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الإِْسْلاَمِ، إِذَا فَقِهُوا، وَتَجِدُونَ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ فِي هَذَا الأَْمْرِ، أَكْرَهُهُمْ لَهُ، قَبْلَ أَنْ يَقَعَ فِيهِ، وَتَجِدُونَ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ ذَا الْوَجْهَيْنِ، الَّذِي يَأْتِي هَؤُلاَءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلاَءِ بِوَجْهٍ (١) ، وتقول السيدة عائشة ﵂: استأذن رجل على رسول الله ﷺ ، فقال: ائْذَنُوا لَهُ، بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ، أَوِ ابْنُ الْعَشِيرَةِ، فلما دخل ألان له الكلام. قلت: يا رسول الله، قلتَ ما قلت، ثم ألنْتَ له الكلام؟! فقال ﵊: أَيْ عَائِشَةُ، إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ أَوْ وَدَعَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ (٢) .

стр. 172

١٨- ... المديح والثناء بأوصاف مطلقة باطنة، لا يمكن الاطلاع عليها، كالوصف بالتقى والورع والزهد، ومن المديح المذموم كيل أوصاف الكمال على امرئ لم يعرفه تمام المعرفة بعدُ، ولم يخالطه بعِشرة في سفر ونحوه، يبتغي بذلك التوصل إلى منفعة آنية، أو رياسة دنيوية. أما لو علم أنه لا يفرح بمدحه ولا يتكبر بسببه، وكان صالحاً فيما يظهر من حاله، وكان لا بد من وصفه، فوصَفَه بما يعرف من حاله الظاهر من غير إفراط، كأن قال: أَحْسِبُ فلاناً كذا، والله حسيبُه، ولا أزكّي على الله أحداً، كان ذلك مشروعاً (١) . ولعل الحكمة في المنع من كيل المديح على من ليس أهلاً له، هي حصول التألّي والادعاء عند المادح بمعرفة باطن الممدوح، وحصول الفرح الناتج عن الكِبْر والعُجبِ بالنفس عند الممدوح، وسداً لمدخل الشيطان إلى نفس كلٍّ منهما؛ يوسوس للمادح أن ازددْ ثناءً على صاحبك عسى أن تنال شيئاً من فتات الدنيا، ويوسوس للممدوح بقوله: لو لم تكن أهلاً لذلك لما امتدحك الخلق، وقد يكون في واقع حاله ليس أهلاً لذلك. قال الله تعالى: ﴿فَلاَ تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النّجْم: ٣٢] . وقال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً *﴾ [النِّسَاء: ٤٩] . ﴿قليلا﴾ : هو الخيط الرقيق في وسط النواة. وقال رسول الله ﷺ لرجل مدح رجلاً في حضرته ﷺ : وَيْحَكَ،

стр. 173

قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ، - يَقُولُهُ مِرَاراً - إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ مَادِحاً لاَ مَحَالَةَ فَلْيَقُلْ: أَحْسِبُ كَذَا وَكَذَا، إِنْ كَانَ يُرَى أَنَّهُ كَذِلِكَ، وَاللهُ حَسِيبُهُ، وَلاَ يُزَكِّي أَحَداً (١) . وقد أثنى رسول الله ﷺ على أبي بكر ﵁، خيراً بما يعلم ﷺ من حاله ﵁، ففي الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاَءَ، لَمْ يَنْظُرِ اللهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فقال أبو بكر ﵁: إنّ أحد شِقَّيْ ثوبي يسترخي، إلا أنْ أتعاهد ذلك منه؟ فقال رسول الله ﷺ : إِنَّكَ لَسْتَ تَصْنَعُ ذَلِكَ خُيَلاَءَ (٢) . ١٩- ... التسرّع بالنطق بما لا يخلو التلفظ به من زللٍ، ذلك أن اللسان من لطائف عجيب صنع الله تعالى، فهو منطلق بطبعه، لا تكلّ عَذَبته مهما أطلقت، ولا مؤنة في تحريكه - مع خطره الجسيم - ولا يَرُدُّه إلا العقل الحكيم، المتقيد بلجام الشرع الكريم. لذا، فإن المرء قد يجري لسانه بما لا يحب، أو بما لا يريد أحياناً، وربما نطق بما لا يفقه عظيم خطره، لجهل أو غضبٍ، ومن ذلك أن يسوّي بين الله وبعض خلقه في الاعتراف بالمِنَّة والإنعام، أو بالتسوية في المشيئة، فينسب الفضل إلى الله وإلى عباده في آن، كأن يقول: إن ما أصابه من خير كان من الله ومن فلان،

стр. 174

أو ما شاء الله وفلان، أو لولا الله وفلان لعُدمنا الخير، وذلك لقصور علمه بعظمة الله تعالى وحقه على العبيد، فالأصل في ذلك كله أن ينسب الفضل لله وحده، فإن أراد ذكر فضل عبدٍ، فليقل ثم فلان، ليُخرِج لفظَه بهذا العطف عن التشريك والتسوية، التي قد تقع في قلبه والعياذ بالله، فيمنح تعظيماً لغير الله لا يستحقه إلا الله، فيوقعه الشيطان بما يُحذر شرعاً. والحاصل أن مطلق لفظٍ متعلقٍ بالله تعالى وصفاته العلى ينبغي عرضه أولاً على ميزان العلم، وقسطاس الفصاحة المستقيم، وإلا فإنه قد يوقع صاحبه بالزلل الذي قد يفضي إلى اعتقاد ما لا يليق بحق الله تعالى. ٢٠- ... اشتغال العوامّ بالخوض في دقائق مسائل العلم بما يتعلق بالله تعالى وأسمائه الحسنى وصفاته العلى، ولا يزال الشيطان يحبب ذلك إليهم، حتى يُخيَّل إلى أحدهم أنه قد حاز قصب السبق فيما علم، وأنه لولا أنه قد عَلِم ما عَلِم ما نجى وما سَلِم، لكنه في واقع أمره يكون قد تخرّص بما لم يفهم، وهرف بما لم يعرف، وتعلّق بما لم يعلم، وتشبّع بما لم يعط، وقد يُكثِر بعضهم الغوص في مسائل حارت بشأنها ألباب العلماء، وحيث إنه ليست لديه آلات العلوم بما يمكّنه من فقه الإجابة فإنه يلتبس عليه ما سأل عنه بالكلية، فيلقى في قلبه شبهة به، ويُفتَتن بذلك، ومن ثَمّ ينتقل إلى الخوض مع أمثاله من العوام في فهمها، فيزيدونه رهقاً إلى رهقه، وجهلاً إلى جهله. يقول رسول الله ﷺ : دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ وَاخْتِلاَفِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ

стр. 175

فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ (١) . إن ما سبق جميعه هو مجمل ما يتأكد على المؤمن حفظ اللسان عنه، [وما أحسن التزام المؤمن بقول النبي ﷺ : أَمْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ (٢) ، فهذه الآفات كلها مهالك ومعاطب، وهي جميعاً على طريق المتكلّم، فإن سكت سلم من الكلّ، وإن نطق وتكلم خاطَرَ بنفسه، فإن كنتَ ممن لا يقدر على أن يكون ممن تكلم فَغَنِمَ، فكن - رعاك الله - ممن سكت فَسَلِمَ، فالسلامة إحدى الغنيمتين] (٣) . خامساً: احفظ الله بحفظ شهوة البطن، فإن مَنْ علم خطرها نجا من تكدر النفس، ومن غفلة القلب، وعمى البصيرة، ومن غلبة الشهوة، وتملّك الهوى، واستهواء المعصية، وعُصِم بإذن الله من ذل مقارفتها، بل إن حفظ هذه الشهوة - كما تقرر في الطب - هو وقاية مؤكدة من كثير من الأمراض العضوية، كما أنه في آنٍ منجاة من الحرص على الدنيا. ولا مبالغة في ادعاء أن هذا الحفظ - لمن وفقه الله إليه - هو سبب لجميع الفضائل. فتأمل - رحمك الله - إلى هذا المطعوم والمشروب كم أساء إدخاله البدن بِشَرَهٍ زمناً متطاولاً إلى نفسِ مَنْ تلذّذ بطعمه واستساغه لدقائق معدودات، فقد وسّع ذلك للشيطان مجراه في

стр. 176

دم الإنسان، فهرعت إلى نفسه شهوة الغضب، وشدة الشَّبَق إلى شهوة النكاح، والتشبع بالبطر، وغير ذلك مما هو مجرّب يقره الواقع والمعقول، وهذا مما يجعل للشيطان مدخلاً مشرَعاً إلى قلب المؤمن ونفسه، فيؤزّه إلى الشهوات أزًّا، ليكون بعدها لشرار الخلق على هذا العبد سبيل بضرّه، والاستحواذ عليه. فإذا عرفت ذلك وخطره الجسيم فكيف لك أن تحفظ نفسك وتقيها شر شهوة البطن؟ إن ذلك لا يتأتى بالتخفيف من الطعام، وتنظيم وقته، والتوسط في سرعة تناوله، وتحديد نوعه، والاقتصار على المشتهى منه وحسب - على ما جرت عليه عادة إرشاد مختصِّي التغذية وهو نافع ولا شك - لكنْ لدى المؤمن فضلاً عن ذلك كله اختصاص بأمور، منها: ١- ... أنه لا يأكل إلا حلالاً، ويمقت الرشوة، ويأبى الربا وينزّه نفسه عن أكل مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن. ٢- ... وهو يتورع عن أكل ما فيه شبهة، ويسأل أهل العلم عن مشتبهات الأمور، وعما حاك في القلب، وتردد في الصدر، خشية أن يَطعَم أو يُطعَم أو يُطعِم ما كان حراماً، أو مشتبهاً بحرمة. ٣- ... وهو لا يخالط طعامَه إسراف فيه، أو مَخِيلة يكسر بها قلوب عباد الله، وهم لا يستطيعون معشار ما يقدر عليه. ٤- ... ولا ينام على شِبَع بطن، فيجمع بين غفلتين: الفتور عن القيام إلى الطاعة مع قسوة القلب. ٥- ... كما أنه لا يرائي بالتخفيف من الطعام، ذلك بأن المؤمن يأكل في

стр. 177

الخلوة مقدار ما يأكله مع الجماعة، وهو يعلم أن إخفاء النقص عن الغير، وإظهاره للنفس هو نقص مضاعف. هذا، وإنّ مما يُذَمُّ كذلك مخالفة شهوة الطعام، لأجل الاشتهار بهذا التعفف، فإذا اشتُهِر بذلك رضي، ليكون عندها قد وقع بِشرِّ مما فرّ منه: حيث خالف شهوة الطعام ثم تلبس بشهوة الجاه. سادساً: احفظ الله بحفظ الفَرْج عن الحرام، وطريق ذلك أن تُصرَف هذه الشهوة إلى ما خُلِقت له؛ لبقاء النسل وإحصان النفس، وإدراك لذة الوقاع والتنعّم بها، لقياسها على لذات الآخرة، فإن من لا يُدرَك بالذوق لا يَعظُم إليه الشوق. لكن المؤمنَ لا يسعى لإدراك هذه اللذة إلا بطريق ما يحل له، فيفرح بما أعدّ الله لأهل الإيمان والاستقامة من نعيم مقيم ولذات لا يدرك كنهها خيالٌ، ولا تخطر على بال. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ *إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ *فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ *﴾ [المؤمنون: ٥-٧] ، ويقول النبي ﷺ : يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ (١) . ولا يخفى أن غرض الزواج هو التعفف عن الزنا، لذا فقد أرشد ﵊ الشابَّ الذي لا يملك مؤنة الزواج أن يتعفف بالإكثار من الصوم، فتخمد شهوته بذلك وتُدَّخَر إلى حين قدرته على النفقات المترتبة على الزواج. ومن أعظم مداخل الشيطان وأهله

стр. 178

على قلوب شبابنا اليوم، الوسوسةُ إليهم بأن المحل الأقرب لقضاء الوَطَر هو المصاحبة أو المساكنة إلى حين القدرة على الإنفاق على عائلة بأكملها، فيقضي بذلك شبابه مستغرقاً في الأوزار، لا تهدأ شهوته طوال سني شبابه، بل وكهولته، فهو يؤجّجها مراراً وتكراراً، متقلباً من خليلة إلى أخرى، والعياذ بالله، باسم ما يسمونه (الحب) ، ويكون الصوم والتقوى، وطلب العفة من أبعد المعاني عن قلبه وعن نفسه، ثم تجده بعد ذلك وقد اضطربت نفسه، وهو يشعر بفراغ روحي واجتماعي لا يملأه سوى الاستقامة والانصراف إلى كنف أسرة هادئة مستقرة، لذا فإنك تجد أن هؤلاء هم أكثر الناس، تأثراً بالوساوس، ومن أكثرهم تردداً إلى أبواب السحرة والمشعوذين يسألونهم استمالة قلب فلانة، أو منحهم حُجُباً يعلقونها للتحبيب، أو للتفريق، أو يقصدونهم لضرب برمل أو فتح مندل لمعرفة من سَلَبَتْ قلبَه فمنعَتْه عن معشوقته المستجدة. وهكذا اتخذوا الشياطين أولياء بإسرافهم على أنفسهم بالمعاصي فزينت لهم أعمالهم، باسم الحب والحرية الشخصية، وتحقيق الذات!! هذا، وإن حفظ الفرج عن الحرام، إنما هو محصّلة لتحصين القلب عن الانصياع لداعي الهوى، وحفظ العين عن رؤية ما يحرم، وحفظ السمع عن سماع المجون، وحفظ اللسان عن الخضوع بالقول، وعن قول الرفث، وحفظ اليد عن لمس ما يحرم لمسه، وحفظ الرِّجل عن المشي إلى حرام، عند ذلك يُحفَظ الفرج، ويصدِّق عفةَ الأعضاء، وإن تبعت العينُ النظرَ المحرّم واللسانُ قولَ الفحش، تمنت النفس واشتهت فربما صدّق الفَرْجُ ذلك، وقاربَ العبدُ الزنا ولم يكن في خاطره يوماً أن يفعل!! وانظر - رعاك الله وقد عرفت ذلك - إلى قول النبي ﷺ : كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ الزِّنَا، مُدْرِكٌ ذَلِكَ لاَ مَحَالَةَ، فَالْعَيْنَانِ

стр. 179

زِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالأُْذُنَانِ زِنَاهُمَا الاسْتِمَاعُ، وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلاَمُ، وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ، وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا، وَالْقَلْبُ يَهْوى وَيَتَمَنَّى، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ وَيُكَذِّبُهُ (١) الحديث. وهنا أشير إلى ما يدق فهمه من لفظ الحديث بتقديم زنا العين على غيره من زنا الأعضاء: وهو أن (الإنسان إن لم يحفظ عينه، لم يُحفظ عليه فكره، وتفرّق عليه همُّه، وربما وقع في بلية لا يطيقها، وزنا العين من كبار الصغائر، وهو يؤدي إلى القرب من الكبيرة الفاحشة، وهي زنا الفرج، ومن لم يقدر على غض بصره لم يقدر على حفظ فَرْجه) (٢) . سابعاً: احفظ الله في نعمة اليد: ومن أعظم ما تحفظ به هذه النعمة إعمالُها في طاعة الله بالصلاة والذكر (عند عقد الأصابع) ، والرمي للجهاد في سبيل الله، وكفّها عن البطش والظلم، وعن الإشارة بسلاح، ولو بحديدة إلى أخٍ مسلم، أو قتل نفس مؤمنة بغير نفس - والعياذ بالله -، أو الإقدام بها على الانتحار، نعوذ بالله من شر وساوس الشيطان، وكفها أيضاً عن مس امرأة لا يحل مسها. كذلك فإن من وسائل حفظ اليد كفّها عن لبس الذهب بتختم الرَّجُل به، أو رمي النرد بقمار أو بغيره، أو إمساك ورق اللعب (الكوتشينة أو الشدة) باليد، وقضاء الأوقات في ذلك مع تضييع لصلوات مفروضات تلهيًا بذلك، مما يعلّق قلب المؤمن بما يسمى الحظ، فيورثه ذلك شكاً بالعدل في القدر، أو يوقع نزغًا بينه وبين إخوته المؤمنين، فيحرّش الشيطان بينهم، ليوقع

стр. 180

بينهم عداوة وبغضاء، وأغلب ما يقع ذلك إن تعدى اللعب بالورق إلى نوع مَيْسِرٍ (قمار) ، ومن حفظها بسطها قَواماً في الخير، وغلَّها تماماً عن الإنفاق بوجوه الشر، أو بوجوه إسرافٍ، وألا تكون اليد أداة لتدوين ما يدعو إلى الميل عن الحق، أو ما يدعو إلى الفجور، بل الواجب جعلها مسخَّرَةً للذب عن حياض الدين، ودعوة الناس إلى الخير، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر. وهاك نصوصًا كريمة تقرر ما سبق: قال الله تعالى: [ص: ٤٥] ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ *﴾ . وقال سبحانه: [ص: ١٧] ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ . ومعنى (أولي الأيدي) ، و (ذا الأيد) : أي من اتصفوا بالقوة والعزم في تسخير الأيدي في العلم والعمل بالطاعات (١) . وقال : [الرُّوم: ٤١] ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ . ويقول النبي ﷺ : لاَ يُشِيرُ أَحَدُكُمْ إِلَى أَخِيهِ بِالسِّلاحِ، فَإِنَّهُ لاَ يَدْرِي أَحَدُكُمْ لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِعُ فِي يَدِهِ فَيَقَعُ فِي حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ (٢) ، ويقول ﵊: إِنِّي لاَ أُصَافِحَ النِّسَاءَ (٣) ، وهذا في مقام
следующие страницы →