← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 7835

التحصين من كيد الشياطين

خالد الجريسي

Полный текст (444 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

دم الإنسان، فهرعت إلى نفسه شهوة الغضب، وشدة الشَّبَق إلى شهوة النكاح، والتشبع بالبطر، وغير ذلك مما هو مجرّب يقره الواقع والمعقول، وهذا مما يجعل للشيطان مدخلاً مشرَعاً إلى قلب المؤمن ونفسه، فيؤزّه إلى الشهوات أزًّا، ليكون بعدها لشرار الخلق على هذا العبد سبيل بضرّه، والاستحواذ عليه. فإذا عرفت ذلك وخطره الجسيم فكيف لك أن تحفظ نفسك وتقيها شر شهوة البطن؟ إن ذلك لا يتأتى بالتخفيف من الطعام، وتنظيم وقته، والتوسط في سرعة تناوله، وتحديد نوعه، والاقتصار على المشتهى منه وحسب - على ما جرت عليه عادة إرشاد مختصِّي التغذية وهو نافع ولا شك - لكنْ لدى المؤمن فضلاً عن ذلك كله اختصاص بأمور، منها: ١- ... أنه لا يأكل إلا حلالاً، ويمقت الرشوة، ويأبى الربا وينزّه نفسه عن أكل مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن. ٢- ... وهو يتورع عن أكل ما فيه شبهة، ويسأل أهل العلم عن مشتبهات الأمور، وعما حاك في القلب، وتردد في الصدر، خشية أن يَطعَم أو يُطعَم أو يُطعِم ما كان حراماً، أو مشتبهاً بحرمة. ٣- ... وهو لا يخالط طعامَه إسراف فيه، أو مَخِيلة يكسر بها قلوب عباد الله، وهم لا يستطيعون معشار ما يقدر عليه. ٤- ... ولا ينام على شِبَع بطن، فيجمع بين غفلتين: الفتور عن القيام إلى الطاعة مع قسوة القلب. ٥- ... كما أنه لا يرائي بالتخفيف من الطعام، ذلك بأن المؤمن يأكل في

стр. 177

الخلوة مقدار ما يأكله مع الجماعة، وهو يعلم أن إخفاء النقص عن الغير، وإظهاره للنفس هو نقص مضاعف. هذا، وإنّ مما يُذَمُّ كذلك مخالفة شهوة الطعام، لأجل الاشتهار بهذا التعفف، فإذا اشتُهِر بذلك رضي، ليكون عندها قد وقع بِشرِّ مما فرّ منه: حيث خالف شهوة الطعام ثم تلبس بشهوة الجاه. سادساً: احفظ الله بحفظ الفَرْج عن الحرام، وطريق ذلك أن تُصرَف هذه الشهوة إلى ما خُلِقت له؛ لبقاء النسل وإحصان النفس، وإدراك لذة الوقاع والتنعّم بها، لقياسها على لذات الآخرة، فإن من لا يُدرَك بالذوق لا يَعظُم إليه الشوق. لكن المؤمنَ لا يسعى لإدراك هذه اللذة إلا بطريق ما يحل له، فيفرح بما أعدّ الله لأهل الإيمان والاستقامة من نعيم مقيم ولذات لا يدرك كنهها خيالٌ، ولا تخطر على بال. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ *إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ *فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ *﴾ [المؤمنون: ٥-٧] ، ويقول النبي ﷺ : يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ (١) . ولا يخفى أن غرض الزواج هو التعفف عن الزنا، لذا فقد أرشد ﵊ الشابَّ الذي لا يملك مؤنة الزواج أن يتعفف بالإكثار من الصوم، فتخمد شهوته بذلك وتُدَّخَر إلى حين قدرته على النفقات المترتبة على الزواج. ومن أعظم مداخل الشيطان وأهله

стр. 178

على قلوب شبابنا اليوم، الوسوسةُ إليهم بأن المحل الأقرب لقضاء الوَطَر هو المصاحبة أو المساكنة إلى حين القدرة على الإنفاق على عائلة بأكملها، فيقضي بذلك شبابه مستغرقاً في الأوزار، لا تهدأ شهوته طوال سني شبابه، بل وكهولته، فهو يؤجّجها مراراً وتكراراً، متقلباً من خليلة إلى أخرى، والعياذ بالله، باسم ما يسمونه (الحب) ، ويكون الصوم والتقوى، وطلب العفة من أبعد المعاني عن قلبه وعن نفسه، ثم تجده بعد ذلك وقد اضطربت نفسه، وهو يشعر بفراغ روحي واجتماعي لا يملأه سوى الاستقامة والانصراف إلى كنف أسرة هادئة مستقرة، لذا فإنك تجد أن هؤلاء هم أكثر الناس، تأثراً بالوساوس، ومن أكثرهم تردداً إلى أبواب السحرة والمشعوذين يسألونهم استمالة قلب فلانة، أو منحهم حُجُباً يعلقونها للتحبيب، أو للتفريق، أو يقصدونهم لضرب برمل أو فتح مندل لمعرفة من سَلَبَتْ قلبَه فمنعَتْه عن معشوقته المستجدة. وهكذا اتخذوا الشياطين أولياء بإسرافهم على أنفسهم بالمعاصي فزينت لهم أعمالهم، باسم الحب والحرية الشخصية، وتحقيق الذات!! هذا، وإن حفظ الفرج عن الحرام، إنما هو محصّلة لتحصين القلب عن الانصياع لداعي الهوى، وحفظ العين عن رؤية ما يحرم، وحفظ السمع عن سماع المجون، وحفظ اللسان عن الخضوع بالقول، وعن قول الرفث، وحفظ اليد عن لمس ما يحرم لمسه، وحفظ الرِّجل عن المشي إلى حرام، عند ذلك يُحفَظ الفرج، ويصدِّق عفةَ الأعضاء، وإن تبعت العينُ النظرَ المحرّم واللسانُ قولَ الفحش، تمنت النفس واشتهت فربما صدّق الفَرْجُ ذلك، وقاربَ العبدُ الزنا ولم يكن في خاطره يوماً أن يفعل!! وانظر - رعاك الله وقد عرفت ذلك - إلى قول النبي ﷺ : كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ الزِّنَا، مُدْرِكٌ ذَلِكَ لاَ مَحَالَةَ، فَالْعَيْنَانِ

стр. 179

زِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالأُْذُنَانِ زِنَاهُمَا الاسْتِمَاعُ، وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلاَمُ، وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ، وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا، وَالْقَلْبُ يَهْوى وَيَتَمَنَّى، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ وَيُكَذِّبُهُ (١) الحديث. وهنا أشير إلى ما يدق فهمه من لفظ الحديث بتقديم زنا العين على غيره من زنا الأعضاء: وهو أن (الإنسان إن لم يحفظ عينه، لم يُحفظ عليه فكره، وتفرّق عليه همُّه، وربما وقع في بلية لا يطيقها، وزنا العين من كبار الصغائر، وهو يؤدي إلى القرب من الكبيرة الفاحشة، وهي زنا الفرج، ومن لم يقدر على غض بصره لم يقدر على حفظ فَرْجه) (٢) . سابعاً: احفظ الله في نعمة اليد: ومن أعظم ما تحفظ به هذه النعمة إعمالُها في طاعة الله بالصلاة والذكر (عند عقد الأصابع) ، والرمي للجهاد في سبيل الله، وكفّها عن البطش والظلم، وعن الإشارة بسلاح، ولو بحديدة إلى أخٍ مسلم، أو قتل نفس مؤمنة بغير نفس - والعياذ بالله -، أو الإقدام بها على الانتحار، نعوذ بالله من شر وساوس الشيطان، وكفها أيضاً عن مس امرأة لا يحل مسها. كذلك فإن من وسائل حفظ اليد كفّها عن لبس الذهب بتختم الرَّجُل به، أو رمي النرد بقمار أو بغيره، أو إمساك ورق اللعب (الكوتشينة أو الشدة) باليد، وقضاء الأوقات في ذلك مع تضييع لصلوات مفروضات تلهيًا بذلك، مما يعلّق قلب المؤمن بما يسمى الحظ، فيورثه ذلك شكاً بالعدل في القدر، أو يوقع نزغًا بينه وبين إخوته المؤمنين، فيحرّش الشيطان بينهم، ليوقع

стр. 180

بينهم عداوة وبغضاء، وأغلب ما يقع ذلك إن تعدى اللعب بالورق إلى نوع مَيْسِرٍ (قمار) ، ومن حفظها بسطها قَواماً في الخير، وغلَّها تماماً عن الإنفاق بوجوه الشر، أو بوجوه إسرافٍ، وألا تكون اليد أداة لتدوين ما يدعو إلى الميل عن الحق، أو ما يدعو إلى الفجور، بل الواجب جعلها مسخَّرَةً للذب عن حياض الدين، ودعوة الناس إلى الخير، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر. وهاك نصوصًا كريمة تقرر ما سبق: قال الله تعالى: [ص: ٤٥] ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ *﴾ . وقال سبحانه: [ص: ١٧] ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ . ومعنى (أولي الأيدي) ، و (ذا الأيد) : أي من اتصفوا بالقوة والعزم في تسخير الأيدي في العلم والعمل بالطاعات (١) . وقال : [الرُّوم: ٤١] ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ . ويقول النبي ﷺ : لاَ يُشِيرُ أَحَدُكُمْ إِلَى أَخِيهِ بِالسِّلاحِ، فَإِنَّهُ لاَ يَدْرِي أَحَدُكُمْ لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِعُ فِي يَدِهِ فَيَقَعُ فِي حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ (٢) ، ويقول ﵊: إِنِّي لاَ أُصَافِحَ النِّسَاءَ (٣) ، وهذا في مقام

стр. 181

مبايعة النساء للنبي ﷺ ، وقد ذكر نص البيعة في كتاب الله من آخر سورة (الممتحنة) ، ومع ذلك فإن السيدة عائشة ﵂ تقسم فتقول: لاَ، وَاللهِ مَا مَسَّتْ يَدُ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ، غَيْرَ أَنَّهُ بَايَعَهُنَّ بِالْكَلاَمِ (١) وهو مَنْ هو ﷺ ، فكيف يأمن على نفسه شاب صافح فتاة محتجاً بأنه استحيا من ردّ يدها بعد أن مدّتها إليه، وهو لا يريد إحراجها!! فهل منعُ الإحراجِ بات ضرورة شرعية تفوق ضرورة المبايعة على التوحيد والاستقامة؟!، وليت الأمر اقتصر على المصافحة - عند البعض - إذ قد يتعداه إلى التقبيل من الوجنتين، [بداعي السفر!!] أو ذكرى ميلاد، أو حفل تخرّج، وما إلى ذلك مما يفتح باب الفتنة الذي قد لا يوصد بعد ذلك. ثامناً: احفظ الله، واجعل كسب رجليك بالخير، فإن للرجلين كسب، وأنت مجازىً عن كسبهما، بل إن لهما بعض اطلاع على كسب باقي الجوارح!! انظر إلى قول الله تعالى: [النُّور: ٢٤] ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ *﴾ . فكيف يكون للرِّجْل شهادة؟! [فُصّلَت: ٢١] ﴿قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ فلا بد بعدها أن يكون للرجلين كسب واكتساب في العمل؟! وإن المتأمل في ذلك لَيَجد أنهما وسيلة التنقل التي لا يُعدَمُها إنسان عموماً، فإذا أراد خيراً مشى إليه، وإن أراد سوءاً مشى إليه أيضاً، وأنهما قوام قوة التحرك لدى الإنسان. لذا، فإن في حفظهما بتسخيرهما للمشي إلى الخيرات وكفّهما عن السير إلى المنكرات حقيقةُ شكر نعمة الله، إذ وهبهما للإنسان صفةَ كمال

стр. 182

يتصرف بها بحسب إرادته. يقول الله مُعِيباً على الكفار المتصفين بصفة كمال الخَلْق، وقد تفوقوا بذلك - مرارًا - على أصنامهم التي ظلوا لها عاكفين، وهي جامدة في موضعها لا تستطيع حراكاً: [الأعرَاف: ١٩٥] ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا ... ﴾ . ويقول سبحانه في حق نسوة أردن فتنةً بالضرب بالأرجل على الأرض، ليُسمع رنين الزينة المعلَّقة بها، [النُّور: ٣١] ﴿وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ ... ﴾ . وها هو رسول الله ﷺ يبشر بني سَلِمَةَ بإحصاء خطوات أرجلهم الجادّة في سيرها إلى المسجد النبوي الشريف، وذلك لمّا أرادوا الانتقال إلى مقربة المسجد من وادٍ كانوا يسكنون فيه، فأمرهم ﷺ بألاّ يفعلوا، لتكتب آثار خطواتهم، فقال ﵊: يَا بَنِي سَلِمَةَ، دَيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ، دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ (١) ، إِنَّ لَكُمْ بِكُلِّ خُطْوَةٍ دَرَجَةً (٢) . ويقول ﷺ : مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ مَشَى إِلَى بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ، لِيَقْضِيَ فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ اللهِ، كَانَتْ خُطُوَتَاهُ إِحْدَاهُمَا تَحُطُّ خَطِيئَةً، وَالأُْخْرَى تَرْفَعُ دَرَجَةً (٣) . ويقول الإمام قتادة بن دِعامة السدوسي - من أئمة التابعين ﵀: (لو كان الله مُغْفِلاً شيئاً

стр. 183

من شأنك يا ابن آدم، أغفلَ ما تُعفي الرياحُ من هذه الآثار، ولكنْ أحصى على ابن آدم أثره وعملَه كلَّه، حتى أحصى هذا الأثر فيما هو من طاعة الله أو من معصيته، فمن استطاع منكم أن يُكتب أثرُه في طاعة الله فليفعل) (١) . أما الرابع من التحصينات الواقية - بإذن الله - فهو: بالاجتهاد في تحقيق الاقتداء بالنبي ﷺ . ويكون ذلك بإعمال سنّته ﷺ فيما أرشدت إليه من محادّة الشيطان؛ وقصد مخالفته، ومخالفة أتباعه؛ وليس المقصود في هذا المقام استقصاء الوصايا النبوية الكريمة جميعها، بل بعض ما أرشدت إليه، ومن ذلك: ١- ... أكثِرْ من الاستعاذة بالله تعالى من الشيطان الرجيم، وبخاصة عند الغضب. قال النبي ﷺ : إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٢) . ٢- ... سمِّ الله تعالى، عند كل أمرٍ ذي بال من قول أو عمل تريد الشروع به. كتلاوة القرآن، والوضوء، ودخول المسجد والخروج منه، ودخول البيت والخروج منه، وركوب الدابة، وعند البدء بطعام أو شراب، أو عند ذبح مأكول اللحم، أو عند إرادة الجماع، أو دخول

стр. 184

الخلاء، ... ]- قال رسول الله ﷺ كُلُّ كَلاَمٍ، أَوْ أَمرٍ ذِي بَالٍ، لاَ يُفتَحُ بِذِكْرِ اللهِ ، فَهُوَ أَبْتَرُ (١) . ٣- ... تيمَّنْ في شأنك كلِّه: كَانَ النَّبيُّ ﷺ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي تَنَعُّلِهِ، وَتَرَجُّلِهِ، وَطُهُورِهِ، وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ (٢) ، أي: في الأمور المستحسنة جميعها (٣) . اهـ. ٤- ... خالف سَمْت الشيطان، ومحبوبَه وما يميل إليه، ومن ذلك: * ... الكِبْرُ والاستعلاء، وهما داءان مهلكان مانعان من كل خير، مردّهما إلى العُجْب بالنفس، والبَطْرِ بأنعُم الله وكفرٍ وجحود بها، وهذا عين ما اتصف به إبليس الرجيم حين أمره الله تعالى بالسجود لآدم تكريمًا لهذا الخلق، اعترافًا بقدرة الخالق، وامتثالاً لأمره سبحانه، قال تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلاَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ *إِلاَّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ *قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ *قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ *قَالَ فَاخْرُجْ

стр. 185

مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ *وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ *﴾ [ص: ٧٣-٧٨] ، وقال رسول الله ﷺ : مَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلاّ عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ إِلاَّ رَفَعَهُ اللهُ تَعَالى (١) . * ... والعجلةُ [وهي المانعة عن التمهل والتأمل قبل الشروع بالأفعال، فيشرع المرء بها من غير تبصُّرٍ ولا معرفة، فيروّج الشيطانُ شرَّه على المستعجِل من حيث لا يدري] (٢) ، ومردّ العجلة الكِبْر والعُجْب بالنفس، والتشبّع بما لم يعط، فإن المرء إذا اعتدّ بنفسه توهّم قدرته على إنجاز ما يريده كأسرع ما يكون، فإذا حاول ذلك أعياه الأمر، فاستشاط غيظاً، وربما جرّه ذلك إلى إحباطٍ يستتبع تركاً للأعمال النافعة، واستسلاماً لوساوس الشيطان بالعجز، والتنحي جانبًا عن مسار العمل النافع، وترك الاستعانة بالله، فيلقي الشيطان عندئذٍ شُبُهاته في قلبه، ويُخيِّل إليه عجز الإنسان عمومًا عن أداء ما يحقق له الاستخلاف في الأرض أو حتى عن القيام بما خُلِق له من العبادة، فيتوجه عندها إلى اتباع الهوى والتطفل على موائد الغير، ويُمضي حياته على هذا المنوال!! فهل كان يتصور عند تعجّله في أداء مهامه أن يصير إلى ما صار إليه؟! قال الله تعالى: [الإسرَاء: ١١] ﴿وَكَانَ الإِنْسَانُ عَجُولاً﴾ . وقال سبحانه: [الأنبيَاء: من الآية ٣٧] ﴿خُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ ... ﴾ وقال رسول الله ﷺ : الأَْنَاةُ مِنَ اللهِ

стр. 186

وَالْعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ (١) . وقال ﵊: يُسْتَجَابُ لأَِحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ، يَقُولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي (٢) . فإن كان التعجُّل مذموماً في الدعاء، والحال أن المؤمن أشد ما تَعظُم رغبته في استجابة دعائه، فكيف بما دون ذلك من أمور الدنيا؟! * ... والغضبُ: وهو جمرة تتوقد في قلب ابن آدم تؤزُّه على إنفاذ ما يريده قسرًا، وإن الملقي لهذه الجمرة الخبيثة هو الشيطان، يلقيها على حين غفلة من هذا القلب عن ذكر الله. وكم ألحق الغضب بابن آدم من ويلات تندَّم بعد وقوعها، بل استغرب أحياناً صدورها عنه، لكنْ لاتَ ساعةَ مَنْدَمِ، فكم من قتيل - بغير حق - وطلاق بغير بصيرة، وعداوة بغير مسوِّغٍ، وقطيعة رحم جرَّاء غضب في ساعة غفلة، غطى عقل صاحبه، وأحرق الحكمة المودعة في قلبه، فاستحال شبيهًا بمجنون لا يعي ما يقول ولا يدرك ما يفعل، فغلب الشيطان على عقله واستحوذ على بصيرته فأوقعه بما لا يريد وأورده المهالك، والمرء يحسب في ذلك كله أنه ينتصر لنفسه،

стр. 187

ويُنْفِذ رأيه، ويحقق مراده. لذا، فقد أكد رسول الله ﷺ النهي عن الوقوع بمثل هذا الفخ الشيطاني المتكرر، حيث حذر ﵊ مراراً من الغضب، وأرشد النبي الكريم ﷺ إلى قول الكلمة الطيبة، وإلى أن يملك المؤمن نفسه عند الغضب، وأن يكثر من الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، وبالوضوء عند الغضب، وبتغيير هيئة الغضبان بجلوسٍ بعد قيام، وباستلقاء بعد جلوس، مما يسهم في إطفاء جذوة تلك الجمرة المتوقدة في قلب الغضبان. قال الله تعالى: [آل عِمرَان: ١٣٤] ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ . وقال رسول ﷺ : لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ (١) . وقال ﵊: إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ، لَوْ قَالَ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٢) فقالوا للرجل: ألا تسمع ما يقول النبي ﷺ ؟ قال: إني لست بمجنون.

стр. 188

وقد أرشد ﷺ إلى مايطفئ الغضب، من تغيير هيئة، فقال ﷺ : إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ وَهُوْ قَائِمٌ فَلْيَجْلِسْ، فَإِنْ ذَهَبَ عَنْهُ الْغَضَبُ، وَإِلاَّ فَلْيَضْطَجِعْ (١) . وأوصى ﵊ جاريةَ بن قدامة ﵁، بقوله مراراً: لاَ تَغْضَبْ (٢) . * ... والحَيْرة: وهي كثرة التردد، وذلك سبب مؤكد لاستهواء الشيطان ابنَ آدم بإضلاله، وتسييره إلى مَهلِكه، لكنِ المؤمنُ يحزم أمره فيما يريد في حياته الدنيا، وغيره قد تلمّس معالم طريقه من وحي شيطان إنس أو جن فاجتالته الشياطين وألقت في رُوْعه الشبهات وتلاعبت به حتى ضلّ فألفى الأفّاكون طريقاً إليه، فهلك هلاكًا محتماً، والعياذ بالله تعالى. قال تعالى: [الأنعَام: ٧١] ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ ... ﴾ (٣) ، وقال سبحانه: [النِّسَاء: ١٤٣] ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَؤُلاَءِ وَلاَ إِلَى هَؤُلاَءِ ... ﴾ ، وقد أرشد الله نبيَّه ﷺ ، ومن بعده أمته ﷺ بقوله تعالى: [آل عِمرَان: ١٥٩] ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ

стр. 189

فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ ، وقال رسول الله ﷺ مرشدًا أمته ﷺ : إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلْيَعْزِمِ الْمَسْأَلَةَ، وَلاَ يَقُولَنَّ: اللهُمَّ إِنْ شِئْتَ فَأَعْطِنِي، فَإِنَّه لاَ مُسْتَكْرِهَ لَهُ (١) . فتأمّل - رحمك الله - إن كان العزم مأموراً به في الطلب من الله تعالى - مع أن الأصل هو كمال التأدب مع الربّ سبحانه وتسليم الأمر إلى مشيئته تعالى - فكيف بما هو دون ذلك من الأمور؟!. * ... والتبذير، بالإسراف في الإنفاق، ومجانبة التوسط فيه، وكذلك في الإنفاق بغير وجه حق، أوفي معصية، أو في الحث عليها، والمؤمن يجانب ذلك كلَّه، فيكون إنفاق النعمة - من مال وغيره - عنده قوامًا بين الإسراف والتقتير، مع إعطاء كل ذي حقٍّ حقه، وفي طاعة الله بمباح أو قُرْبَةٍ. وهو يعلم أن مِنْ أَحَبِّ ما يُنفَق به المال عند الله تعالى: ما كان زكاةً، أو صلة أرحام، أو إحساناً إلى جار مسكين، أو إجابةً لسائل. وحيث يجانب المؤمنُ ذلك فقد قارب التشبه بصفة الشيطان في التبذير والسَّفَه، ومقاربة المعاصي واجتناب الطاعات، وفي ذلك كفر بالنعمة وجحود بها، وإنكار لها، باستعمالها بغير ما وُهِبَتْ لأجله، فيتآخى المسرف المبذر مع

стр. 190

الشيطان من هذه الحيثية، فيكون للشيطان على إخوانه المبذرين سبيل للغواية وتسلط على قلوبهم الجاحدة - بواقع حالهم - بنعمة الله تعالى. قال تعالى: [الإسرَاء: ٢٦-٢٧] ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا *إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيْاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا *﴾ . وقال سبحانه: [الفُرقان: ٦٧] ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا *﴾ . وقال رسول الله ﷺ : مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ رِزْقُهُ، أَوْ يُنْسَأُ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ (١) . وجاء رجل إلى النبي ﵊، فقال: يا رسول الله، مَنْ أحق الناس بحسن الصحبة؟ قال: أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أَبُوكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ (٢) . وقد أخبر - عليه أزكى صلاة وأتم تسليم - رجلاً ذا مال كثير وذا أهل وولد وحاضرةٍ، كيف يصنع بماله، فقال ﷺ : تُخْرِجُ الزَّكَاةَ مِنْ مَالِكَ، فَإِنَّهَا طُهْرَةٌ تُطَهِّرُكَ، وَتَصلُ

стр. 191

أَقْرِبَاءَكَ، وَتعْرِفُ حَقَّ السَّائِلِ وَالْجَارِ وَالْمِسْكِينِ ... (١) . * ... والجدال بالباطل، ومردّه إلى (إعجاب كل ذي رأي برأيه) (٢) ، وأصله من الكِبْر المذموم، والجدل مشتق من محاولة كل من المتخاصمين جَدْل صاحبه عن رأيه، فإن كان بغير وجه حق سمي مِراءً، وهو المعنيّ هنا، وإن كان بالحق سمي جدالاً، وقد فطر الإنسان على حب المجادلة، فمن أعمل ذلك من غير حجة بينة وكان قصده إعلاء كلمته وإظهار مذهبه تعظيمًا لشأن نفسه وتحقيرًا لنظيره، لا إظهارًا لوجه الحق الذي التزمه، وجد إذ ذاك غيظًا في قلبه واستفاض حَنَقاً على صاحبه، فإن قهره الخصم بحجته الدامغة استحال الغيظ غِلاًّ في قلبه، حتى إذا تظاهر أنه نسي تلك الجولة الخاسرة، تحوّل الغِلُّ في قلبه إلى إِحَنٍ وحقد دفين، وهو أخطر مدخل للشيطان على قلبه، حيث يبقى صاحبه يتحين الفرصة ليُنفِذ غيظه، ولينقضّ على صاحبه فيفتك به. إن مثل هذا المشكِّك بالحق - لأجل رأيه - لا ريب أنه ولي للشيطان، قد زخرف له مولاه الكِبْرَ والمماراةَ على أنها فضيلة يُتوصَّل بها إلى تحقيق الذات وقهر الخصم. هذا، فضلاً عما يورثه هذا الجدل من تحريش من الشياطين بين

стр. 192

المتخاصمَيْن، وقد تتعصب لرأي كل واحد منهما زمرة، مما يثير العداوة والبغضاء بينهم، وقد تجد أحدهم على أتم الأهبة والاستعداد لعمل ما بوسعه ليوقع الضر بصاحبه وقد يسلب عقله بسحر، أو يفرق بينه وبين من يحب، أو يتسبب في إمراضه، أو حتى قتله، وهذا عين ما يبغيه الشيطان وأتباعه من تحريش بين الناس، وإيقاع العداوة بينهم. - ... قال تعالى: [الكهف: ٥٤] ﴿وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ . - ... وقال سبحانه: [الأنعَام: ١٢١] ﴿وَإِنَّ الشَّيْاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَولِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ . - ... وقال عزّ شأنه: [غَافر: ٥٦] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ *﴾ . - ... وقال تقدست أسماؤه: [الأنعَام: ١١٢] ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ *﴾ . - ... وقد طرق النبي ﷺ باب حجرة علي وفاطمة ﵉ ليلةً، فقال: أَلاَ تُصَلِّيَانِ، فقلت - أي علي ﵁: يا رسول الله، أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعَثَنا، فَانْصَرَفَ حِينَ قُلْنَا ذَلِكَ، وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيَّ شَيْئًا، ثُمَّ سَمِعْتُهُ - وَهُوَ مُوَلٍّ [مُدْبِرٌ] يَضْرِبُ فَخِذَهُ - وَهُوَ يَقُولُ: ﴿وَكَانَ الإِنْسَانُ

стр. 193

أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ [الكهف: ٥٤] (١) . * ... والعمد إلى تغيير خلق الله تعالى، وهو من أعظم ما يستهوي الشياطين، والعياذ بالله ، فتعمد إلى تزيين ذلك للناس، فيقع كثير منهم في هذا الشَّرْك، متوهّمين بأن هذا التغيير يحسّن مظهرهم ويرفع منزلتهم، وقد لا يقتصر هذا التغيير على صاحبه، بل قد يسّول له الشيطان أن يتعدى ذلك إلى محاولة تغيير وتشويه خلقٍ آخر، وهذا عين ما فعله بعض مشركي العرب، حيث عمدوا إلى تشقيق آذان الأنعام وجعله سمة وعلامة لتحكمهم بجواز الانتفاع بها، أو حرمة ذلك، أو اختصاص هذا النفع بأناس دون آخرين، ومن ذلك ما ادَّعَوْه افتراءً من [بَحِيرة، أو سائبة، أو وصيلة، أو حامٍ] (٢) ، فوقعوا

стр. 194

في تغيير دين الله، ومحادّة ما شرعه لخلقه، واسترضَوْا بذلك الشيطان الرجيم، ومن ثَمَّ استحوذ عليهم فمَرَدُوا على الشرك، وحاربوا دين الله حرب استماتة لا هوادة فيها. ويتبين من ذلك أن تغيير خلق الله، هو مدعاة لطرد الإنسان من رحمة الله تعالى، ذلك أنه - في حقيقته - تدخُّلٌ سافِرٌ في حق التشريع الذي هو من أخص خصائص الألوهية. ومما يدخل في تغيير خلق الله تعالى ما يحرم من زينة النساء: كالوشم (١) ، والنَّمْص (٢) ، والتفلُّج (٣) في الأسنان ووصل الشعر، وما يحرم من زينة الرجال: كالتزين بما اختُصّت به النساء من لباس، أو تحلٍّ بذهب، أو ادهانٍ بطِيب ملوّنٍ كحناء في اليدين أو الرِّجْلين، أو تَزَعْفُرٍ (٤) لكونه مختصاً بالنساء، وكذلك التزيُّن بما فيه مُثْلة أو تشويه للخِلْقة، كالقَزَع (٥) ، وغير ذلك كثير مما يطلع به علينا،

стр. 195

أصحاب (التقليعات الغربية) وإنْ كلُّ ذلك إلا مدعاة للشياطين لاستخفاف نفوس فاعليه، مما يتسبب باستهوائها لتلك الأنفس، ومن ثم استعبادها وإضلالها. وهاك ما يدل من كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ على التحذير مما سلف ذكره: قال الله تعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطاناً مَرِيدًا *لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لأََتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا *وَلأَُضِلَّنَّهُمْ وَلأَُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُبِيناً *﴾ [النِّسَاء: ١١٧-١١٩] . وقال : ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلاَ سَائِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ *﴾ [المَائدة: ١٠٣] . وقال : ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ *﴾ [الرُّوم: ٣٠] . قال الإمام ابن كثير ﵀: ﴿لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الرُّوم: ٣٠] ، قال بعضهم: معناه لا تُبدِّلوا خلق الله، فتغيروا الناس عن فطرتهم التي فطرهم الله عليها، فيكون خبراً بمعنى الطَّلَب، كقوله تعالى: [آل عِمرَان: ٩٧] ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ ، وهذا معنى حسنٌ صحيح. اهـ (١) .

стр. 196

والمعنى المقصود: أمّنوا - أعطوا الأمان - كمن استأمن بدخوله بيت الله المحرّم. وقال الإمام البخاري ﵀: ﴿لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ : لدين الله. اهـ (١) . وقد خطب النبي ﷺ ذات يوم، فقال في خُطبته: أَلاَ إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مِمَّا عَلَّمَنِي، يَوْمِي هَذَا، كُلُّ مَا نَحَلْتُهُ عَبْدًا حَلاَلٌ، وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا ... الحديث (٢) . وفي الصحيح عن ابن مسعود - مرفوعًا - قال: لَعَنَ اللهُ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُوتَشِمَاتِ، وَالْمُتَنَمِّصَاتِ، وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ، الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللهِ، وقال: مالي لا ألعن من لعن رسولُ الله ﷺ ، ومن هو في كتاب الله ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحَشر: ٧] (٣) . وقد تزوجت جارية من الأنصار، فمرضت وتمعّط شعرها، فأرادوا أن يَصِلُوها، فسألوا النبي ﷺ فقال: لَعَنَ اللهُ الْوَاصِلَةَ

стр. 197

وَالْمُسْتَوْصِلَةَ (١) . أما تشبُّه كلٍّ من الجنسين بالآخر، فقد لَعَنَ النَّبِيُّ ﷺ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ (٢) . وقال ﷺ : أَخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ (٣) . وقد «أُتي النبيُّ ﷺ بمُخنَّثٍ قد خضب يديه ورجليه بالحِنَّاء، فقال النبي ﷺ : ما بال هذا؟» ، فقيل: يا رسول الله، يتشبَّه بالنساء! فأُمر به فنُفي إلى النقيع، قالوا: يا رسول الله، ألا نقتله؟ قال: إِنِّي نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ (٤) . وأما حرمة تختم الرجل بذهب، فقد رَأَى رَسُولُ اللهِ ﷺ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ فِي يَدِ رَجُلٍ، فَنَزَعَهُ فَطَرَحَهُ، وَقَالَ ﷺ : يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ إِلى جَمْرَةٍ مِنْ نَارٍ فَيَجْعَلُهَا فِي يَدِهِ، فقيل للرجل بعدما ذهب رسول الله ﷺ : خذ

стр. 198

خاتمك انتفِعْ به، قال: لا واللهِ، لا آخذه أبدًا، وقد طَرَحه رسول الله ﷺ (١) . وأما كراهة التَّزَعْفُر، فقد نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ (٢) . وأما كراهية القَزَع، فلِما صح أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ القَزَعِ (٣) . * ... والعمد إلى أفعال يحبها الشيطان، قد لا يلقي لها المؤمن بالاً، ومن ذلك: ١- ... الإكثار من التثاؤب. ٢- ... ترك القيلولة (وهي نومة يسيرة قبيل الزوال) . ٣- ... الجلوس في مجلس الشيطان، وهو الموضع الذي تخلله الظل والشمس.

стр. 199

٤- ... الأكل والشرب بالشمال، والأخذ والإعطاء بالشمال. ٥- ... ترك التأذين (المناداة للصلاة) . ٦- ... النوم الطويل، وترك قيام الليل. ٧- ... ترك اللقمة إذا سقطت على الأرض، لما فيه من تفريطٍ بنعمة الله تعالى. ٨- ... المكث على غير وضوء، وترك صلاة الجماعة في المسجد. ٩- ... اقتناء كلب (لغير صيد أو حراسة أو زرع) ، أو وضعِ صورٍ في البيوت، لذوات أرواح، ولو لم يكن لها ظِلّ. ١٠- ... العمد إلى الأكل منفردًا، والإكثار من المأكل والمشرب، لحد الشِّبَع والتُّخمة. ومن أدلة النهي عما سبق بترتيبه: ١- ... قول رسول الله ﷺ : إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْعُطَاسَ، وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ، فَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللهَ، فَحَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أَنْ يُشَمِّتَهُ، وَأَمَّا التَّثَاؤُبَ: فَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِذَا قَالَ: هَا، ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ» (١) . ٢- ... ترغيب رسول الله ﷺ بالقيلولة، معللاً ذلك بأن الشياطين لا تقيل. قال ﷺ : قِيلُوا، فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لاَ تَقِيلُ (٢) .

стр. 200

٣- ... نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُجْلَسَ بَيْنَ الضِّحِّ وَالظِّلِّ، وَقَالَ: مَجْلِسُ الشَّيْطَانِ (١) . ٤- ... قال ﵊: لاَ يَأْكُلَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ بِشِمَالِهِ، وَلاَ يَشْرَبَنَّ بِهَا، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِهَا (٢) . وقال ﷺ : لِيَأْكُلْ أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ، وَيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ، وَلْيَأْخُذْ بِيَمِينِهِ وَلْيُعْطِ بِيَمِينِهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ، وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ، وَيُعْطِي بِشِمَالِهِ، وَيَأْخُذُ بِشِمَالِهِ (٣) . ٥- ... قال النبي ﵊: إِذَا نُودِيَ بِالصَّلاَةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ حَتّى لاَ يَسْمَعَ الأَْذَانَ، فَإِذَا قُضِيَ الأَْذَانُ أَقْبَلَ، فَإِذَا ثُوِّبَ بِهَا أَدْبَرَ، فَإِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ ... الحديث (٤) .

стр. 201

٦- ... قال الله تعالى: مخاطبًا نبيه ﷺ : [المُزّمل: ١-٤] ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ *قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً *نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً *أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً *﴾ . ويقول ﵊: يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ ثَلاَثَ عُقَدٍ إِذَا نَامَ، بِكُلْ عُقْدَةٍ يَضْرِبُ: عَلَيْكَ لَيْلاً طَوِيلاً، فَإِذَا اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللهَ، انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، وَإِذَا تَوَضَّأَ، انْحَلَّتْ عَنْهُ عُقْدَتَانِ، فَإِذَا صَلَّى انْحَلَّتْ الْعُقَدُ، فَأَصْبَحَ نَشِيطاً طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإِلاَّ أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلاَنَ (١) . ٧- ... قال رسول الله ﷺ : إِنَّ الشَّيْطَانَ يَحْضُرُ أَحَدَكُم عِنْدَ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ شَأْنِهِ، حَتّى يَحْضُرَهُ عِنْدَ طَعَامِهِ، فَإِذَا سَقَطَتْ مِنْ أَحَدِكُمُ اللُّقْمَةُ، فَلْيُمِطْ مَا كَانَ بِهَا مِنْ أذىً، ثُمَّ لِيَأْكُلْهَا، وَلاَ يَدَعْهَا لِلشَّيْطَانِ، فَإِذَا فَرَغَ فَلْيَلْعَقْ أَصَابِعَهُ، فَإِنَّهُ لاَ يَدْرِي فِي أَيِّ طَعَامِهِ تَكُونُ الْبَرَكَةُ (٢) . ٨- ... سمع عثمان بن عفان ﵁ رسولَ الله ﷺ يقول: مَنْ تَوَضَّأَ لِلصَّلاَةِ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ مَشَى إِلَى الصَّلاَةِ الْمَكْتُوبَةِ، فَصَلاَّهَا مَعَ النَّاسِ، أَوْ مَعَ الْجَمَاعَةِ، أَوْ فِي الْمَسْجِدِ، غَفَرَ اللهُ لَهُ ذُنُوبَهُ (٣) .

стр. 202

وقال عليه أعطر الصلاة وأزكى التسليم: إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ (أَوِ الْمُؤْمِنُ) ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ، خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ - نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنَيْهِ - مَعَ الْمَاءِ (أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ) ، فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَ مِنْ يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ كَانَ بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ الْمَاءِ (أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ) ، فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيَئةٍ مَشَتْهَا رِجْلاَهُ مَعَ الْمَاءِ (أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ) ، حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيّاً مِنَ الذُّنُوبِ (١) . فأكرِمْ بمنزلةٍ نزلها المُسبِغُ لوضوئه، الماشي إلى الجماعات، فقد أخزى اللهُ شيطانَه، وسلّمه من مكائده، وجعل سعيَ شيطانِه هباءً منثورًا، لمّا أشغل قلبه وجوارحه بطاعة مولاه سبحانه. ٩- ... قال النبي ﷺ : مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا، إِلاَّ كَلْبًا ضَارِياً لِصَيْدٍ أَوْ كَلْبَ مَاشِيَةٍ، فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ (٢) . وقال ﵊: مَنْ أَمْسَكَ كَلْبًا، فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ عَمَلِهِ، كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ، إِلاَّ كَلْبَ حَرْثٍ أَوْ مَاشِيَةٍ (٣) .

стр. 203

ويقول ﵊: لاَ تَدْخُلُ الْمَلاَئِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلاَ صُورَةُ تَمَاثِيلَ (١) . ١٠- ... قال بعض أصحاب رسول الله ﷺ : يا رسول الله، إنا نأكل ولا نشبع، قال: فَلَعَلَّكُمْ تَفْتَرِقُونَ؟ قالوا: نعم. قال: فَاجْتَمِعُوا عَلَى طَعَامِكُمْ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ، يُبارَكْ لَكُم فِيهِ (٢) . ويقول ﵊: مَا مَلَأَ ابْنُ آدَمَ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنِهِ، حَسْبُ ابْنِ آدَمَ أُكُلاَتٌ، يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لاَ مَحَالَةَ، فَثُلُثُ طَعَامٍ، وَثُلُثُ شَرَابٍ، وَثُلُثٌ لِنَفْسِهِ (٣) . أخي القارئ، تلك تحصينات أربعة أوردتُّها مدلِّلاً عليها، فاجتهد وُسْعَك في حفظ الله تعالى يحفظْك، فإنك إن فعلت فلن يضرك شيء بعدها، - شيطان ولا غيره - لكنَّ ذلك لا يمنحك عصمة مستمرة،

стр. 204

فالعبد المؤمن قد يغفُل عن صنوف الحفظ تلك، لا بعمدِ محادّةٍ، لكنْ بغلَبة نفسٍ وميلِ هوىً، ثم إن العائن مثلاً قد يتوجه إلى نعمة أنعمها الله على عبد، فيَعِينُه - إذ لم يبرّك عليه -، أو يسلِّط ساحرٌ لَعِيْنٌ خادمَه ابتداءً على عبدٍ أذيةً له، أو استرضاء لعدوٍّ متربصٍ به، فبحسب تمكن العبد من تحصين نفسه، يتفاوت ضُرُّ ذلك عليه، أو يتملكه الضرّ حال خلوّه من التحصين، عياذاً بالله تعالى. لذا فإن عباد الله تعالى، يعمدون عند ذلك إلى الاستشفاء بما شرعه الله تعالى لعباده من رقى، وبما أنزله لهم من دواء، وهو ما سأعمد إلى بيانه - إن شاء الله - في فصلين؛ اختُصَّ الأول منهما ببيان أنواع الأمراض وأصول التداوي، مع ذكر بعض الأدوية النبوية، والآخر ببيان رقى مشروعة، قد جمعتها من مَعِين كتاب الله تعالى، وسُنَّة نبيه ﷺ ، أعانني الله وإياك على فقهها والالتزام بها، آمين.

стр. 205

الفصل الثالث أنواع الأمراض بعامة، وأصول التداوي المشروع وفيه بابان: الأول: ... في بيان أنواع الأمراض النازلة بابن آدم إجمالاً. وفيه مبحثان: أولاً: أنواع الأمراض. الثاني: الصَّرْع وأنواعه. والثاني: ... في ذكر بعضٍ من هدي النبي ﷺ في أصول التداوي. وفيه أربعة مباحث: أولاً: الشفاء بإذن الله تعالى. ثانيًا: الشفاء عامة جُعِل في ثلاث. ثالثاً: الوقاية مقدَّمة على العلاج. وفيه ثلاثة مطالب: أ- في مشروعية التداوي بالحِمْيَة. ب- في ضرورة التوقي من الأمراض بملازمة التنظّف. ج- في لزوم توقي مواضع الوباء. رابعاً: ذكر بعض ما صح - في السنة النبوية - من صنوفٍ يُتداوى بها.

стр. 206

الباب الأول في بيان أنواع الأمراض النازلة بابن آدم إجمالاً ويتضمن مبحثين: * الأول: أنواع الأمراض عامة. * الثاني: الصَّرْع وأنواعه. * أولاً: أنواع الأمراض عامة: قدّر الله بحكمته البالغة، ابتلاء الناس بصنوف الابتلاء في حياتهم الدنيا، ومن ذلك ما ينزل بهم من داء، يسعَوْن جاهدين إلى الاستشفاء منه بما تيسر لهم من أسباب ذلك، وإنَّ المسلم خاصة يعلم يقينًا بأن الداء هو من قَدَر الله تعالى، وأن الله سبحانه يرفع درجة المؤمن عنده بما يصيبه من بلاء في الدنيا، وأن الابتلاء للصالحين هو مَعْلم محبة الله لهم، وأن الله لم يُنزل داءً إلا أنزل له شفاءً إلا الهرم والموت، - كما صح من حديث النبي ﷺ (١) ، لكن - ما يؤسف له حقًا - أن كثيرًا من المسلمين يُهرَعون إلى نسبة سبب حدوث هذه

стр. 207

الأمراض إلى الضر المتوجه من مخلوق بعين أو حسد أو سحر ونحوه، فإذا ألمّ بأحدهم وسواس قهري مثلاً، أو عجز جنسي، أو حالة اكتئاب أو قلق عام سارع إلى الجزم بأن ما يعانيه هو بأثر سحر ربطٍ، أو تسلط جني، أو عين عائن، ومن ثَمَّ فإنه يتوجّه إلى من تلبس لَبُوس الصالحين، ليفك عنه الربط، أو يحلّ التسلط، أو يرد عين العائن، ويبدأ ذلك المعالج حالاً بحلّ صرة أموال المريض، وردّه إلى الفقر بعد الغنى، وربما ربطه بسحر أو ألبسه تميمة شركية وهو لا يدري!! b أيها القارئ الحصيف، إن الشريعة المطهرة لم تدع خيرًا إلا أرشدت إليه، ولا شرًا إلا نهت عنه، وقد شرع لنا ديننا الحنيف التداوي بل وأوجبه، وقد تعيّن تبعًا لذلك تبيُّن نوع الداء الذي ألمّ بالإنسان، كي يتسنى بذلك حصول التداوي، فالأمراض العضوية البحتة، تشخيصُها ومعالجتُها، إنما يكون لدى ذوي الاختصاص في الطب العضوي، وكذا الحال فيما يتعلق بالأمراض النفسية، والمؤثرة في كثير من الأحيان على عمل الأعضاء، فإن تبين بعدها عجز أهل هذين الاختصاصين عن تبيُّن المرض، ومن ثَمَّ العجز عن مداواته، عند ذلك تتوجه الأنظار إلى ذوي الصلاح من عباد الله ليصرفوا - بإذن الله - الضرّ عن المريض، بما شرعه الله تعالى ودلّ عليه رسوله ﷺ ، وأذِن به من رقى مشروعة وأدعية نافعة. لكنْ لو عمد مريض مرضًا عضوياً أو نفسياً للرقى المشروعة، مقتصرًا عليها، فقد قصَّر بالأخذ بأسباب التداوي، ولو فُرِض أنه شفي ببركة دعاء أو رقية راقٍ بإذن الله، وليس ذلك ببعيد. وعلى ذلك، اختصاراً، فإنه لابد من التفريق بين صنوف ثلاثة من الأمراض:

стр. 208

العضوية - النفسية - الروحية، إن جاز التعبير، كذلك ينبغي ألا يعمد صالحو العباد، إلى المعالجة بالمشروع من الرقى، إلا بعد الجزم بأن المسترقي قد عولج مسبقًا بشتى صنوف العلاج العضوي، والطب النفسي، بما يشتمل عليه من معالجة سلوكية، كما معالجة ظهور بعض الأمراض النفسية في صورة أعراض عضوية، وأمثلة ذلك عديدة منها: الغثيان، وألم الظهر، وارتجاف الأطراف، وازدياد التعرق، وزيادة في خفقان القلب، وغير ذلك مما يكون أصله مشاعر نفسية، لم يستطع المريض التعبير عنها بجلسات نفسية حوارية، متخصصة، فيقوم المريض عند ذلك تلقائياً بالتعبير عنها بشكل عضوي بحت (١) . * ثانيًا: أنواع الصَّرْع: تفريعًا مما سبق، فإنه يمكن التفريق بين ثلاثة أنواع من الصَّرْع: ١- الصَّرْع العضوي: وهو تشنجات عضلية أو مشاعر غير طبيعية يحس بها المريض بسبب حدوث زيادات مفاجئة في نشاط أعصاب الدماغ. وأعراضه الظاهرة قد تكون بانقباض عضلي، أو بوهن عضلي، أو بارتجاف عضلي مفاجئ قد يُفقِد المريضَ وعيه تماماً، وتتم معالجة ذلك باستخدام أدوية مضادة للصرع، أو باستخدام بعض الأجهزة المُثبِّطة لنشاط الجهاز العصبي الإرادي، وعند استعصاء بعض الحالات يُلجأ إلى العلاج الجراحي المعتمد على التخطيط الكهربائي للمخ، أو التخطيط

стр. 209

المغناطيسي، أو المصوّر، يتم فيه تحديد البؤرة الصرعية المستعصية، ومن ثم استئصالها. ٢- الصَّرْع النفسي (الهستيريا) : وهي تصاحب عادة أمراضاً نفسية مزمنة كالفصام، والاكتئاب المستمر، والقلق المتزايد، وأعراض هذا الصَّرْع تشابه سابقَه - العضويَّ - ولا يستطيع إلا ذوو الاختصاص من التفريق بينهما، كعدم حدوثه أثناء النوم، وحدوثه غالبًا بمَحْضرٍ من الناس (من أجل شد انتباههم، واستثارة شفقتهم) ، مع عدم التغيُّر في لون جسم المصروع إلى الزُّرقة، وغير ذلك. ويكون علاجه غالبًا بما يسمى العلاج النفسي المسانِد، والعلاج السلوكي، وعلاج المرض المصاحب للحالة كالقلق والاكتئاب، ونحو ذلك. ٣- صَرْع بسبب المس، وهو صَرْع الجن، - والعياذ بالله تعالى - ويكون ذلك بتسليط جني على إنسان من قِبَل ساحر، وقد سبق تعريفه بتفصيل (١) ، وأن أهل السنة والجماعة يقولون بإمكان دخول الجني في بدن المصروع، وأن أدلة الشرع أتت مُثبِتةً لذلك وألاَّ عبرة بقول من أنكر ذلك، كالجبائي من المعتزلة، والرازي من الأطباء، وغيرهما، وهذا النوع من الصرع هو المطلوب التحقق من وجوده قبل الشروع بما يشرع من الرقى، ومن أسبابه، بُعد العبد عن ذكر ربه، أو بسبب عشق الجني للإنسي، أو لغلبة ظن الجني أن الإنسي قد تعمَّد أذيَّته فيبغضه

стр. 210

ويَعْمَد إلى مجازاته فيعاقبه بأكثر مما يستحقه، أو لمجرد الشر من بعضهم والميل إلى الإيذاء، فهو بالجملة: إما لاستحسان بعض الصور الإنسية، وإما لإيقاع الأذية (١) ، وهذا الأخير، يكون - غالبًا - بسبب السحر، فتعين الشياطينُ السحرةَ فتمس الإنسي وقد تلبَّسُ به أيضًا، فيُصرَع ويتألم، وقد تؤثر عليه - بسحرٍ أيضًا - دونما تلبُّسٍ فتوسوس له بالبغض للتفريق بينه وبين زوجه، أو للتحبيب بينهما بشغف مفرط يسوّغ لهما الطاعة العمياء كلٌ لشريكه، ولا ريب بأن تأثير ذلك يتعاظم كلما خوى قلب العبد من حقيقة ذكر ربه، وخَرِب لسانه من اللهج بذلك، وتجردت أعضاؤه عن العمل بمراضي الله تعالى، فإذا عرف الراقي خلوَّ المرقي من مرض عضوي، أو آخر نفسي، وقد أعيا طبيبه، وعرف من حاله غواية وهجرًا لذكر ربه، رجح لديه احتمال المس بسحر أو بعشق أو بسبب بغض وميل إلى الأذى، فيعمد حينئذ - متوكلاً على الله مستعينًا به سبحانه - إلى إبطال كيد الساحر، وإبعاد الجني المتسلط، بما علمه من رقى مشروعة من كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ . وخلاصة لما سبق، فإن مس الجني للإنسي حاصل ثابت شرعًا، لكن حصوله هو في غاية الندرة، وليس كما يعتقد كثير من عامة الناس، حيث يعللون غالب الأمراض العضوية، وجميع الأمراض النفسية، بأنها بأثر عين، أو ضر حسد، أو أذى سحر، أو مس جنٍّ، فتراهم يُهرعون إلى أبواب كل مشعوذ أفاك أثيم، أو ساحرٍ مُعْتَمٍّ زُورًا، يدلِّس على

стр. 211

قاصديه، مدعيًا العلم والصلاح في حضرتهم، فإذا ما انفضوا عنه تلبّس بلَبوسٍ آخر لا يمت إلى الخير بصلة، يخلو بشياطينه مستعينًا بهم في ضر الخلق، واعجبْ بعد ذلك من تزاحمهم عند بابه في (طوابير) وإنفاقهم لديه من كرائم أموالهم الكثير، يبتغون لديه جلب نفع لهم أو دفع ضُرٍّ مسَّهم، جازمين أنه بذلك التقدير جدير، وأنه على ما ابتغَوْا منه قدير!!.

стр. 212

الباب الثاني في بيان نبذة من الهَدْي النبوي الشريف في مسائل التداوي وفيه أربعة مباحث: * أولاً: الشفاء بإذن الله تعالى. * ثانياً: الشفاء عامة جُعل في ثلاث. * ثالثًا: الوقاية مقدَّمة على العلاج. وفيه ثلاثة مطالب: (أ) في مشروعية التداوي بالحِمْيَة. (ب) ضرورة التوقي من الأمراض بلزوم التنظف. (ج) لزوم توقي مواضع الوباء. * رابعًا: ذكر بعضِ ما صح من صنوف ما يُتداوى به، في السُّنَّة النبوية. أولاً: الشفاء بإذن الله تعالى: إن المسلم بعد أن يسلّم بأن خيرة الله له فيما ابتدأه، فَإِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ (١) ، وبأن سنة الله تعالى في خلقه هي تشديد الابتلاء على الأمثل منهم فالأمثل، رفعًا لدرجاتهم، وتكفيرًا عن سيئاتهم، أقول: إذا اطمأنت

стр. 213

نفس المؤمن بذلك، جاءت الشريعة تزيده راحة وسكونًا في مشروعية التداوي، وأن الداء لا يُعجِز الدواءَ، لكنِ التعويلُ في ذلك على أن الشفاء بإذن الله تعالى، فهو سبحانه الذي يسبِّب الشفاء بالدواء، قال تعالى: [الشُّعَرَاء: ٨٠] ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ *﴾ ، وقال رسول الله ﷺ : لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ، فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ، بَرَأَ بَإِذْنِ اللهِ (١) . ثانيًا: الشفاء عامة في ثلاث: وهي تعتبر أصول الاستطباب الدوائي للأمراض المادية، وهي: الاحتجام (٢) ، وشرب العسل، وكيّ موضع الألم بلذعة نار. وقد كره رسول الله ﷺ العمدَ إلى الكيّ بالنار، واستحب الحجامة وشرب العسل.

стр. 214

قال ﵊: إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ خَيْرٌ، فَفِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ، أَوْ شَرْبَةٍ مِنْ عَسَلٍ، أَوْ لَذْعَةٍ بِنَارٍ، ثم أرشد ﷺ إلى كراهية الكيّ ابتداءً، وذلك بقوله ﷺ : وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ (١) ، وبقوله ﷺ : وَأَنَا أَكْرَهُ الْكَيَّ وَلاَ أُحِبُّهُ (٢) . وكذلك بقوله ﷺ : وَأَنْهَى أُمَّتِي عَنِ الْكَيِّ (٣) . وقد (انتظم هذا الحديث الشريف على جملة ما يتداوى به الناس، وذلك أن الحِجْم يستفرغ الدم، وهو أعظم الأخلاط والحجم أنجحها شفاء عند هيجان الدم، وأما العسل فهو مسهل للأخلاط البلغمية، ويدخل في المعجونات ليحفظ على تلك الأدوية قواها ويخرجها من البدن، وأما الكي فإنما يستعمل في الخلط الباغي، الذي لا تنحسم مادته إلا به، ولهذا وصفه النبي ﷺ ثم نهى عنه، وإنما كرهه لما فيه من الألم الشديد والخطر العظيم، ولهذا كانت العرب تقول: (آخر الدواء الكيّ) ، وقد كوى النبي ﷺ سعدَ بن معاذ وأبيّ بن كعب، ﵄، يوم الأحزاب (٤) ، واكتوى غيرُ واحد من الصحابة ﵃ اهـ (٥) . هذا، (وإن النبي ﷺ لم يُرِد الحصر في الثلاثة، فإن الشفاء قد يكون في

стр. 215

غيرها، وإنما نبَّه بها على أصول العلاج ... ثم إن تقرير النبي ﷺ لجواز التداوي بالكيّ، ثم إعلامه بكراهته، فهو من جنس تركه ﷺ أكل الضبِّ مع تقريره أكله على مائدته واعتذاره بأنه يعافه) . اهـ (١) . ثالثًا: الوقاية مقدَّمة على العلاج: أ- التداوي بالحِمْية: إن الأمراض المادية إنما تكون - غالبًا - عن زيادة مادة أفرطت في البدن، وهي الأمراض الأكثرية، وسببها إدخال الطعام على البدن قبل هضم الأول، والزيادة في القدر الذي يحتاج إليه البدن، وتناول الأغذية قليلة النفع، بطيئة الهضم، والإكثار من الأغذية المختلفة التراكيب المتنوعة، فإذا ملأ الآدمي بطنه من هذه الأغذية، واعتاد ذلك، أورثته أمراضًا متنوعة، منها بطيء الزوال (مرض مزمن) ، وسريعه: (مرض عارض) ؛ فإذا توسَّطَ في الغذاء، وتناول منه قدر الحاجة، وكان معتدلاً في كميته وكيفيته، كان انتفاع البدن به أكثر من انتفاعه بالغذاء الكثير ... كما أن امتلاء البطن من الطعام مضر للقلب والبدن) (٢) . قال الله تعالى: ﴿ ... وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ *﴾ [الأعرَاف: ٣١] . قال الإمام ابن كثير ﵀ في موضع تفسيره للآية الكريمة: (قال بعض السلف: جمع الله تعالى الطبَّ كلَّه في نصف آية) (٣) . اهـ. وقال الإمام ابن القيم ﵀ في بيان ذلك: (أرشد الله
следующие страницы →