شامل لكل الذرات. فكأن (محيط) يتلو عليهم: لاتنفذون من أقطار السموات والأرض، (فأينما تولوا فثمَّ وجه الله) . (١)
وأما تعلق "الباء" فرمز الى انهم وقعوا فيما هربوا عنه فصاروا هدفا للسهام.
وأما التعبير بالكافرين فاشارة الى اراءة تمثال الممثل - أعني المنافقين - في مرآة التمثيل، لئلا يتوغل فيه ذهن السامع فينسى المقصد.. ورمز الى ان المشابهة وصلت الى درجة، وتضايق المسافة بينهما الى حدّ يتراءيان معا، فتمتزج الحقيقة بالخيال.. وأيضاً ايماء الى ظلمة قلوبهم اذ وجدانهم أيضاً يعذبهم لقصورهم وجنايتهم؛ اذ من رأى جزاء جنايته لايستريح وجدانه.
وأما هيئات جملة: (يكاد البرق يخطف أبصارهم) فاستينافها يشير الى ان السامع يقول: ألا ينتفعون بالبرق المخفف لبلاء الظلمة عنهم؟ فأُجيبَ بأنهم يخافون من الضرر فضلاً عن الفائدة.
وأما (يكاد) (٢) فيشير باعتبار خاصته المشهورة الى وجود سبب زوال البصر لكن لم يزل لوجود مانع.
وأما (يخطف) باعتبار استعماله كاختطفته الغُول والعُقاب ففيه بلاغة لطيفة تبرق للذهن وتشير الى ان البرق يسابق شعاع العين من قبل ان يصل الى الأشياء ليأخذ صورها يمرّ هو عليه فيقطعه ويضرب على جفنه فيذهب بنوره. كأن نور العين لما خرج من بيته مسرعاً لأجتناء صور الأشياء يسارع البرق الذي هو شعاع عين الليل، فيأخذ من يد شعاع العين صورته قبل ايصاله الى المخزن، أي يختلس البرق صورته من يده.
وأما (أبصارهم) فرمز - بناء على كونها مرآة للقلوب - الى عمل بصائر المنافقين المتعامية عن البراهين القاطعة القرآنية.
وأما هيئات جملة (كلما أضاء لهم مشوا فيه واذا اظلم عليهم قاموا) فاستينافها يشير الى ان السامع حينما رأى اختلاف المصيبة وتغيرها سأل عن شأنهم في الحالتين فأجيب بذلك.
(١) سورة البقرة: ١١٥.
(٢) كاد من افعال المقاربة وضعت لمقاربة الخبر من الوجود لعروض سببه، لكنه لم يوجد إما لفقد شرط او لعروض مانع (ب) .
стр. 142
وأما (كلما) في الاضاءة و "اذا" في الاظلام فاشارة الى شدة حرصهم على الضياء ينتهزون ادنى الضياء فرصة. وأيضا "كلما" متضمن لقياس مستقيم استثنائي.
وأما (اضاء لهم) بلام الَاجْلية والنفع فرمز الى ان المصاب المدهوش يستغرق في حاجة نفسه حتى يظن الضياء الذي تنشره يد القدرة في العالم لآلاف حِكمٍ كلية أنه المراد به خاصة، ويد القدرة انما ارسلته لأجله.
واما (مشوا) مع اقتضاء الفرصة السير السريع فاشارة الى ان المصيبة اقعدتهم فما سيرهم السريع الاّ مشي وحركة على مهل.
واما (فيه) فاشارة الى ان مسافة حركتهم الضياءُ الذي هو لون الزمان فكأنه يحدد لهم المكان.
واما (واذا) فـ "الواو" رمز الى تجديد المصيبة لتشديد التأثير. واما الاهمال والجزئية في "اذا" عكس "كلما" فاشارة الى شدة نفرتهم وتعاميهم، فتأخذهم وهم منغمسون في آن الفرصة.
وأما (اظلم) بالاسناد الى البرق فاشارة الى ان الظلمة بعد الضياء اشد. وايماء الى ان خيال المصاب لما رأى البرق طرد الظلمة ثم ذهب وامتلأ موضعه بالظلمات يتخيل انه انطفأ واورث دخاناً.
وأما (عليهم) الملوِّح بالضرر فاشارة الى ان الاظلام ليس تصادفيا بل جزاء لعملهم. ورمز الى ان المدهوش يتخيل الظلمةَ المالئة للفضاء كأنها تقصد - من بين الأشياء - ذلك الانسان الصغير الذليل وتجعله خاصة هدفَ هجومها وإضرارها.
واما (قاموا) بدل "سكنوا" فاشارة الى انهم بالمصيبة وشدة التشبث تقوّسوا كالراكعين كما هو شأن المجدِّين في العمل.
وأما هيئات جملة (ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم) فالـ "واو" بسر الربط تلوّح الى ان يد القدرة تتصرف تحت حجاب الأسباب، وان نظر الحكمة يراقب من فوق جميع العلل.
стр. 143
وأما (لو) فمتضمنة لقياس استثنائيّ غير مستقيم. أي عدم المشيئة علة لعدم ذهابهما؛ كما ان عدم الذهاب دليل على العلم بعدم المشيئة بذهابهما. وأيضاً رمز الى ان السبب بلغ النهاية.
وأما (شاء) فاشارة الى ان الرابط بين السبب والمسبَّب انما هي المشيئة والارادة الإلهية. فالتأثير للقدرة، وما الاسباب إلا حجاب العزة والعظمة لئلا تباشر يد القدرة بالأمور الخسيسة في ظاهر نظر العقل.
وأما التصريح بلفظة (الله) فاشارة الى زجر الناس عن الإِبتلاء بالأسباب والانغماس فيها. وأيضا لدعوة الأذهان الى رؤية يد القدرة خلف كل الأسباب.. وأما حذف مفعول "شاء" وان كان واجبا بالقاعدة المطردة فيجوز بقرينة اخواته ان يكون ايماء الى عدم تأثر المشيئة والارادة الالهية بأحوال الكائنات وعدم تأثير الأشياء في الصفات الالهية كما تتأثر ارادة البشر بحسن الأشياء وقبحها وعظمتها وصغرها.
واما (لذهب) فاشارة الى ان الأسباب ليست مسلطة ومستولية على المسببات حتى اذا رُفعت بقيت المسببات في جوف العدم تلعب بها يد التصادف وتشتّتها بالاتفاق، بل يد القدرة حاضرة خلف الأسباب. اذا أخرجت الأشياءَ تأخذها يدُ الحكمة الالهية بقانون الموازنة والانتظام، ترسلها الى مواقع اُخر ولاتهملها. كما ان الحرارة اذا خرّبت بُنية الماء، فبالنظام المندمج في الهواء يذهب البخار في مجرى معين ويسوقه صانعه الى موقع معين.. وكذا في "ذهب" رمز الى ان الحواس الخمس الظاهرة ليست متولدة عن الطبيعة ولا لازمة لتجاويف السمع والبصر، بل انما هي هداياه تعالى وعطاياه. وما التجاويف والأسباب الاّ شرائط عادية.
وأما التعدية بالباء بدل الهمزة فايماء الى ان يد القدرة لا تطلق الأشياء عن حبل الأسباب، غَاربُها على عنقها (١) بل تضع ازمّتها بيد نظام.
واما افراد "السمع" مع جمع "البصر" فاشارة الى افراد المسموع وتعدد المبصر، اذ الف رجل يسمعون شيئاً واحداً مع تخالف المبصرات.
(١) اصل المثل: حبلكِ على غاربك. ِ والغارب: اعلى السنام. وهذا كناية عن الطلاق، اى: اذهبى حيث شئتِ (مجمع الامثال) .
стр. 144
وأما هيئات جملة (ان الله على كل شيء قدير) فاعلم! انها فذلكة لتحقيق الدهشة في التمثيل والممثل له تشير الى انه كما لا تهمل دقائق أحوال المصابين المتمثلة لجزئيات أحوال المنافقين؛ كذلك يُرى في كل ذرة تصرف القدرة الالهية.
واما (ان) فمع اشارتها الى ان هذا الحكم من الحقائق الراسخة، رمز الى عظمة المسألة ووسعتها ودقتها، وعجز البشر وضعفه وقصوره عنها المولِّدة للأوهام المنتجة للتردّد في اليقينيات.
واما التصريح بلفظة (الله) فايماء الى دليل الحكم، اذ القدرة التامة الشاملة لازمة للالوهية.
وأما (على) فايماء الى ان القدرة المخرجة للاشياء من العدم لا تتركها سُدىً هَملاً، بل ترقب عليها الحكمة وتربيها.
وأما (كل) فاشارة الى ان آثار الأسباب، والحاصل بالمصدر من الأفعال الاختيارية أيضا بقدرته تعالى.
وأما لفظ (شيء) بمعنى مشئ أي ما تعلقت به المشيئة، فاشارة الى ان الموجودات بعد وجودها لاتستغني عن الصانع بل تفتقر في كل آن لبقائها - الذي هو تكرر الوجود - الى تأثير الصانع.
وأما لفظ (قدير) بدل "قادر" فرمز الى ان القدرة ليست على مقدار المقدورات فقط، وانها ذاتية لا تغير فيها، ولازمة لاتقبل الزيادة والنقصان لعدم امكان تخلل ضدها حتى تترتب شدة ونقصانا.. وتلويح الى ان القدرة كالجنس وكميزان الصرف، أعني: (فَعَلَ) لجميع الأوصاف الفعلية من الرزاق والغفار والمحيي والمميت وغيرها. تفكر فيما سمعت حق التفكر!.
стр. 145
يَا اَيُّهَا النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَاَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ
تَتَّقُونَ ٢١ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَاَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً فَاَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا ِلله اَنْدَاداً وَاَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ٢٢
مقدمة
اعلم! ان العبادة هي التي ترسِّخ العقائد وتُصيِّرها حالا ومَلَكة؛ اذ الأمور الوجدانية والعقلية إن لم تنمِّها وتربِّها العبادة - التي هي امتثال الأوامر واجتناب النواهي - تكن آثارُها وتأثيراتها ضعيفة. وحال الاسلام ١ الحاضرة شاهدة.
واعلم أيضاً! ان العبادة سبب لسعادة الدارين.. وسبب لتنظيم المعاش والمعاد.. وسبب للكمال الشخصيّ والنوعيّ.. وهي النسبة الشريفة العالية بين العبد وخالقه.
أما وجه سببيتها لسعادة الدنيا التي هي مزرعة الآخرة فمن وجوه:
منها: ان الانسان خُلق ممتازاً ومستثنى من جميع الحيوانات بمزاج لطيف عجيب، انتج ذلك المزاج فيه ميلَ الانتخاب وميلَ الأحسن وميلَ الزينة، وميَلاناً فطرياً الى ان يعيش ويحيى بمعيشة وكمال لائقين بالانسانية.. ثم لأجل تلك الميول احتاج الانسان في تحصيل حاجاته في مأكله وملبسه ومسكنه الى تلطيفها واتقانها بصنائع جمة لا يقتدر هو بانفراده على كلها. ولهذا احتاج الى الامتزاج مع أبناء جنسه ليتشاركوا، فيتعاونوا، ثم يتبادلوا ثمرات سعيهم. لكن لما لم يحدد الصانعُ الحكيم قوى البشر الشهوية والغضبية والعقلية بحدٍّ فطريّ لتأمين ترقّيهم بزَمْبَرَكِ ٢ الجزء الاختياريّ - لا كالحيوانات التي حُددت قواها - حصل انهماك وتجاوز.. ثم لانهماك القوى وتجاوزها - بسر عدم التحديد - تحتاج الجماعة الى العدالة في تبادل ثمرات السعي.. ثم لأن عقل كل احد لايكفي في درك العدالة احتاج النوع الى عقل كلي للعدالة يستفيد منه عقل العموم. وما ذلك العقل الاّ قانون كليّ، وما هو إلاّ
стр. 146
الشريعة.. ثم لمحافظة تأثير تلك الشريعة وجريانها لابد من مقننِّ وصاحب ومبلّغ ومرجع، وما هو الاّ النبيّ ﵇.. ثم ان النبيّ لادامة حاكميته في الظواهر والبواطن وفي العقول والطبائع يحتاج الى امتياز وتفوق مادةً ومعنى، سيرةً وصورة، خَلْقاً وخُلُقاً. ويحتاج أيضاً الى دليل على قوة المناسبة بينه وبين مالك الملك صاحب العالم، وما الدليل الا المعجزات.. ثم لتأسيس اطاعة الأوامر وتأمين اجتناب النواهي يحتاج الى ادامة تصور عظمة الصانع وصاحب الملك في الاذهان وما هو الا تجلي العقائد.. ثم لادامة التصور ورسوخ العقائد يحتاج الى مذكِّر مكرر وعمل متجدد، وما المذكِّر المكرر الا العبادة.
ومنها: ان العبادة لتوجيه الأفكار الى الصانع الحكيم. والتوجه لتأسيس الانقياد. والانقياد للإِيصال الى الانتظام الأكمل والارتباط به. واتباع النظام لتحقيق سر الحكمة. والحكمة يشهد عليها اتقان الصنع في الكائنات.
ومنها: ان الانسان كالشجر الذي علق على ذروته كثير من خطوط الآلة البرقية، قد التفّت على رأسه رؤوس نظامات الخلقة، وامتدت مشرعة اليه قوانين الفطرة، وانعكست متمركزة فيه اشعة النواميس الالهية في الكائنات. فلابد للبشر ان يتممها ويربطها وينتسب اليها ويتشبث باذيالها ليسري بالجريان العمومي حتى لا يُزلق ولايُطرد ولا يُلقى عن ظهر هذه الدواليب المتحركة في الطبقات. وما هي الا بالعبادة التي هي امتثال الأوامر واجتناب النواهي.
ومنها: ان بامتثال الأوامر واجتناب النواهي يحصل للانسان نسبٌ كثيرة الى مراتب عديدة في الهيئة الاجتماعية، فيصير الشخص كنوعٍ؛ اذ كثير من الأوامرلاسيما التي لها تماس بالشعائر والمصالح العمومية كالخيط الذي نيط به حيثيات ونظُم فيه حقوق، لولاه لتمزقت وتطايرت.
ومنها: ان الانسان المسلم له مناسبات ثابتة وارتباط قوي مع كل المسلمين. وهما سببان لاخوة راسخة ومحبة حقيقية بسبب العقائد الايمانية والملكات الاسلامية. أما سبب ظهور تلك العقائد وتأثيرها وصيرورتها مَلَكة راسخة فانما هي العبادة.
стр. 147
وأما جهة الكمال النفسيّ فاعلم!
ان الانسان مع صغر جرمه وضعفه وعجزه وكونه حيواناً من الحيوانات ينطوي على روح غال ويحتوي على استعداد كامل، ويتبطن ميولا لاحصر لها ويشتمل على آمال لا نهاية لها، ويحوز افكاراً غير محصورة ويتضمن قوى غير محدودة مع ان فطرته عجيبة كأنه فهرستة للأنواع والعوالم. فالعبادة هي السبب لانبساط روحه وجلاء قيمته.. وأيضاً هي العلة لانكشاف استعداده ونموّه ليناسب السعادة الأبدية.. وكذا هي الذريعة لتهذيب ميوله ونزاهتها.. وهي الوسيلة لتحقيق آماله وجعلها مثمرة ريانة.. وكذلك هي الواسطة لتنظيم أفكاره وربطها.. وأيضاً هي السبب لتحديد قواه وإلجامها.. وأيضا هي الصَيْقل لرَيْن الطبيعة على أعضائه المادية والمعنوية التي كل منها كأنه منفذ الى عالم مخصوص ونوع اذا شف.. وأيضا هي الموصل للبشر الى شرفه اللائق وكماله المقدر، اذا كانت بالوجدان والعقل والقلب والقالب.. وكذلك هي النسبة اللطيفة العالية، والمناسبة الشريفة الغالية بين العبد والمعبود. وتلك النسبة هي نهاية مراتب كمال البشر.
ثم ان الاخلاص في العبادة هو: ان تفعل لأنه أُمر بها، وان اشتمل كل أمر على حِكَم، كل منها يكون علة للامتثال، الا ان الاخلاص يقتضي ان تكون العلةُ هي الأمر، فان كانت الحكمةُ علةً فالعبادة باطلة، وان بقيت مرجِّحة فجائزة.
***
ثم ان المخاطبين لما سمعوا (يا ايها الناس اعبدوا) استفسروا بلسان الحال: ما الحكمة؟ ولِمَ؟ وما المجبورية؟ ولأيّ شئ؟
أما الحكمة فقد سمعت في المقدمة. وأما العلة فأجاب القرآن الكريم باثبات الصانع وتوحيده بقوله: (ربكم الذي خلقكم) .. الخ. واثبات النبوّة بقوله: (وان كنتم في ريب مما نزلنا) .. الخ.
стр. 148
مقدمة في نكات هذه الآية:
اعلم! ان البرهان إما "لِمّي" وهو الاستدلال بالمؤثر على الأثر. وإما "اِنّيّ" وهو الاستدلال بالأثر على المؤثر، وهذا أسلم ١. وهو إما "إمكانيّ بالاستدلال" بتساوي الطرفين على المرجِّح، واما "حدوثيّ بالاستدلال" بالتحوّل والتبدّل على المُوجِد.. وكل منها اما باعتبار ذوات الاشياء أو باعتبار صفاتها.. وكل منها إما باعطاء الوجود أو بادامة البقاء.. وكل منها إما "دليل اختراعيّ" أو "دليل عنايتيّ". وهذه الآية اشارة الى هذه الأنواع، فالملخص منها هنا، وقد فصلناه في كتاب آخر.
أما دليل العناية على اثبات الصانع الذي تلوِّح به هذه الآية، هو: "النظام المندمج في الكائنات"؛ اذ النظام خيط نيط به المصالح والحكم. فجميع الآيات القرآنية التي تعد منافع الأشياء وتذكر حِكَمها انما هي نسّاجةٌ لهذا الدليل، ومظاهر لتجلِّي هذا البرهان؛ اذ النظام المرعي به المصالح والحكم كما يثبت وجود نظّام، كذلك يدل على قصد الصانع وحكمته وينفي من البين وهمَ التصادف الأعمى والاتفاقية العمياء.
ياهذا! ان لم يحط نظرك بهذا النظام العالي المزيَّن بفصوص الحكَم، ولاتقتدر على الاستقراء التام؛ فانظر بجواسيس الفنون - التي هي الحواس لنوعك - الحاصلة من تلاحق الأفكار - الذي هو في حُكم فكر النوع - لترى نظاماً يبهر العقول، وتعلم ان كلّ فن من فنون الكائنات كشّاف بكلية قواعده عن اتساق وانتظام لايعقل أكمل منهما؛ اذ كل نوع من الكائنات اما تشكّل فيه فن أو يقبل ان يتشكل. والفن عبارة عن قواعد كلية. وكلية القاعدة تدل على حسن النظام؛ اذ ما لانظام له لاتجري فيه الكلية. ألا ترى ان قولنا "كل عالم فهو ذو عمامة بيضاء" انما يصدق كلية، اذا كان في ذلك النوع انتظام. فانتج أن كل فن من الفنون الكونية بسبب كلية قواعده ينتج بالاستقراء التام نظاماً كاملا شاملا، وان كل فن برهان نيّر يشير الى المصالح والثمرات المتدلية كالعناقيد في حلقات سلاسل الموجودات، ويلوِّح الى الحِكَم والفوائد المستترة في معاطف انقلابات الأحوال. فترفع الفنونُ اعلامَ الشهادة على قصد الصانع وحكمته، كأن كل فن نجم ثاقب في طرد شياطين الأوهام.
стр. 149
وان شئت فعليك بهذا المثال مع قطع النظر عن العموم وهو:
ان الحيوان المكروسكوبيّ الذي لا يُرى بالعين بلا واسطة، اشتملت صورته الصغيرة على ماكينة دقيقة بديعة إلهية. فبالضرورة والبداهة ان تلك الماكينة الممكنة في ذاتها وصفاتها ما وجدت بنفسها بلا علة لإمكان ذاتها وصفاتها وأحوالها. والممكن متساوي الطرفين ككفتي الميزان، ولو وجد الترجح لكان في العدم. فباتفاق العقلاء لابد لها من علة مرجِّحة.. ومن المحال ان تكون العلة أسبابا طبيعية؛ اذ ما فيها من النظام الدقيق يقتضي نهاية علم وكمال شعور لايمكن تصورهما في تلك الأسباب، التي يخادعون أنفسهم بها. مع انها أسباب بسيطة قليلة جامدة لم يتعين مجاريها، ولم يتحدد محاركها مع ترددها بين ألوف من الإمكانات التي لا اولوية لبعضها. فكيف تجري في مجرى معين، وتتحرك على محرك محدود، وكيف يترجح بعض وجوه الإمكانات حتى يتولد هذه الماكينة العجيبة المنتظمة التي حيرت العقول في دقائق حكَمها، بل انما تقنع نفسُك وتطمئن بتولدها منها ان اعطيت لكل ذرّة شعور "افلاطون" ١ وحكمة "جالينوس" ٢ واعتقدتَ بين تلك الذرات مخابرة عمومية. وما هذه الاّ سفسطة يخجل منها السوفسطائيّ. مع أن أس الأسباب المادية وجود القوة الجاذبة والقوة الدافعة معا في جزء لايتجزأ والجوهر الفرد، وان هذا كاجتماع الضدين.
نعم، قانون الجاذبة والدافعة وأمثالهما اسماء لقوانين عادات الله تعالى وشريعته الفطرية المسماة بالطبيعة. فهذه القوانين مقبولة بشرط ان لاتنتقل من القاعدية الى الطبيعية، وان لاتخرج من الذهنية الى الخارجية، وان لاتتحول من الاعتبارية الى الحقيقية، وان لا تترقى من الآلتية الى المؤثرية.
فاذا تفهمت ما في هذا المثال ورأيت عظمته مع صغره ووسعته مع ضيقه؛ فارفع رأسك وانظر في الكائنات تر وضوح دليل العناية وظهوره بمقدار درجة وسعة
стр. 150
الكائنات. فكل الآيات القرآنية العادّة لنِعم الأشياء والمذكِّرة لفوائدها مظاهرُ لهذا الدليل. فكلما أمر القرآن الكريم بالتفكر فانما أشار مخاطباً للعموم الى طريق هذا الاستدلال (فَارجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ) ١ ثم ان الذي يومئ الى هذا الدليل من هذه الآية قوله تعالى: (الذي جَعَلَ لَكُمْ الارْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَاَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَاَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ) .
وأما الدليل الاختراعيّ المشار اليه بقوله تعالى: (اَلَّذي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) فهو:
ان الله تعالى اعطى لكل فرد ولكل نوع وجوداً خاصاً هو منشأ آثاره المخصوصة، ومنبع كمالاته اللائقة؛ اذ لانوع يتسلسل الى الازل لإِمكانه، ولبطلان التسلسل، ولان هذا التغير في العالم يثبت حدوث بعض بالمشاهدة، وبعض آخر بالضرورة العقلية. ثم انه قد ثبت بعلم الحيوانات والنباتات تكثّر الأنواع الى أزيد من مائتي الف نوع ولكل نوع آدم وأب عال. فبسر الحدوث والامكان يثبت بالضرورة صدور تلك الاوادم والآباء للانواع عن يد القدرة الإلهية بلا واسطة. ولا يُتوهم فيها ما يتوهم في السلسلة. وتوهم انشقاق الأنواع بعضها عن بعض باطل، لأن النوع المتوسط لا يتسلسل بالتناسل في الأكثر فلا يكون رأس سلسلة. فاذا كان المبدأ والأصل هكذا، فأجزاء السلسلة كذلك بالطريق الأولى.
نعم كيف يُتصور ان تكون الأسباب الطبيعية البسيطة الجامدة التي لاشعور لها ولا اختيار قابلة لإِيجاد تلك السلاسل التي تحيرت الأفهام فيها، ولاختراع أفرادها التي كل منها صنعة عجيبة من معجزات القدرة. فكل الأفراد مع سلاسلها تشهد بلسان حدوثها وامكانها شهادة قاطعة على وجوب وجود خالقها ﷻ .
"ان قلت: فمع هذه الشهادة القاطعة كيف يعتقد الانسان بأمثال ضلالات ازلية المادة وحركتها؟.
قيل لك: ان النظر التبعيّ قد يُري المحالَ ممكناً، كالمستهلّ الذي رأى الشعرة البيضاء من اهدابه هلال العيد؛ لأن الانسان بسبب جوهره العالي وماهيته المكرمة انما يدور خلف الحق والحقيقة. وانما يقع الباطل والضلال في يده بلا اختيار ولادعوة ولا تحرٍّ
стр. 151
بل بنظره السطحيّ التبعيّ فيقبله اضطراراً؛ لأنه لما تغافل عن النظام الذي هو خيط الحِكَم، وتعامى عن ضدية الحركة والمادة للازلية احتمل عند نظره التبعي اسناد هذا النقش البديع والصنعة العجيبة الى التصادف الأعمى والأتفاق الأعور. كما قال "الجسريّ" ١ في مَنْ دخل قصراً مزينا مشتملاً على آثار المدنية، من انه حينما لايرى صاحبه فيعتقد عدمه يضطر لإِسناد زينته وأساساته الى الاتفاق والتصادف وناموس الانتخاب الطبيعيّ.
وأيضاً لما تعامى وتغافل عن شهادة كل الحكم والفوائد في نظام العالم على اختيار تام وعلم شامل وقدرة كاملة احتمل في نظره التبعي اثبات تأثير حقيقي لهذه الأسباب الجامدة.
فيا هذا! مع قطع النظر عن دقائق صنعته ﷻ تأمل في اظهر الآثار التي تسمى "طبيعة" وهو الارتسام - بشرط ان تمزق حجاب الالفة - كيف تقنع نفسك ويقبل عقلك ان خاصية وجه المرآة علة مؤثرة مناسبة لكشط وجه السماء وجلب صورة ارتفاعها ونقشها بنجومها في زجيجتها؟. وكيف يقنع عقلك بأن الأمر الوهميّ في الحقيقة المسمّى بالجاذب العموميّ علة مؤثرة كخيط المنجنيق لإِمساك الأرض والنجوم وتحريكها وتدويرها بانتظام محكم؟
الحاصل: ان الانسان اذا نظر نظراً سطحياً تبعيّاً الى الأمر الباطل المحال ولم ير العلة الحقيقية احتمل صحته عنده. الا انه اذا نظر اليه قصداً وبالذات وتحراه مشترياً له لايمكن ان يقبل شيئاً من تلك المسائل التي يطنطنون بها في الحكميات، الاّ ان يتبلّه بفرض عقل الحكماء وحكمة السياسيّين في الذرّات.
" ان قلت: فما الطبيعة والنواميس والقُوَى التي يدمدمون بها ويسلّون أنفسهم بها؟
стр. 152
قيل لك: ان الطبيعة مِسْطر ١ لامصدر.. ومطبعة لا طابع.. وقوانين لاقوة. بل انما هي شريعة فطرية إلهية أوقعت نظاما بين أفعال أعضاء جسد عالم الشهادة. كما ان الشريعة محصَّلُ وخلاصةُ قواعد الأفعال الاختيارية، ونظام الدولة مجموع الدساتير السياسية. فكما ان الشريعة والنظام أمران معقولان اعتباريان؛ كذلك الطبيعة أمر اعتباريّ ملخَّصُ عادة الله الجارية في الخلقة. وأما توهم وجودها الخارجيّ فكتوهم الوحشي الذي يرى فرقة العسكر يتحركون بانتظام، وجودَ أمر خارجيّ ربط بينهم. فمن كان وجدانه وحشيا يتخيل الطبيعة بسبب الاستمرار موجوداً خارجياً مؤثراً.
الحاصل: ان الطبيعة صنعة الله تعالى وشريعته الفطرية. واما نواميسها فمسائلها. وأما قواها فأحكام تلك المسائل.
أما دليل التوحيد الذي أشار اليه (اعبدوا) على تفسير ابن عباس أي وحّدوا، فاعلم! ان القرآن المعجز البيان ما ترك من دلائل التوحيد شيئاً. وما تضمنته آية (لو كان فيهما آلهة الا الله لفسدتا) ٢ من برهان التمانع دليل كاف ومنار نيِّر على ان الاستقلال خاصة ذاتية ولازم ضروري للالوهية، ثم في هذه الآية رمز الى دليل لطيف على التوحيد وهو: ان تعاونَ الأرض والسماء ومناسبتهما في توليد الثمرات - لتُعَيِّش نوع البشر وجنس الحيوان - ومشابهةَ آثار العالم وتعانقَ أطرافه وأخذ بعضٍ يد بعضٍ بتكميل بعض انتظام بعض، وتجاوبَ الجوانب وتلبيةَ بعضٍ لسؤال حاجة بعض، ونظرَ الكل الى نقطة واحدة، وحركةَ الكل بالانتظام على محور نظام واحد؛ تلوِّح بل تصرِّح بان صانع هذه الماكينة الواحدة واحد وتتلو على كلٍ:
وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى اَنَّهُ وَاحِدٌ ٣
ثم اعلم! ان الصانع كما انه واجب الوجود وواحد؛ كذلك انه متصف بجميع الأوصاف الكمالية؛ لأن ما في المصنوع من فيض الكمال انما هو مقتبس من ظل تجلي كمال صانعه. فبالضرورة يوجد في الصانع ﷻ من الجمال والكمال والحسن ما هو أعلى بدرجات غير متناهية من عموم ما في عموم الكائنات من الحسن والكمال
стр. 153
والجمال؛ اذ الاحسان فرعٌ لثروة المحسِن ودليل عليها، والايجاد لوجود الموجِد، والايجاب لوجوب الموجب، والتحسين لحسن المحسّن المناسب له..
وكذلك ان الصانع منزَّه عن جميع النقائص، لأن النواقص انما تنشأ عن عدم استعداد ماهيات الماديات وهو تعالى مجرد عن الماديات..
وكذلك انه تعالى مقدس عن لوازم وأوصافٍ نشأت من إمكان ماهيات الكائنات وهو سبحانه واجب الوجود ليس كمثله شئ ﷻ . ولقد أشار الى هاتين الحقيقتين بقوله: (فلا تجعلوا لله أنداداً) .
أما الدليل الامكانيّ المشار اليه بقوله تعالى: (وَالله الْغَنِيُّ وَاَنْتُمُ الفُقَرَاءُ) ١ فاعلم! ان كل واحدة من ذَرات الكائنات باعتبار ذاتها، وباعتبار فردٍ فردٍ من صفاتها، وباعتبار واحدٍ واحدٍ من أحوالها، وباعتبار جهةٍ جهةٍ من وجوهها؛ بينما تراها تتردد بين الامكانات الغير المتناهية في الذات والصفات والأحوال والوجود، اذاً انتعشت وقامت وسلكت طريقاً معيناً منها ولبست صفة مخصوصة، وتكيفت بحالة منتظمة، وركبت على قانون مسدَّد، وتوجهت الى مقصد معيّن، فأنتجت حكمةً ومصلحةً لا تحصلان الاّ بذلك الطرز المعين.. أفلا تنادي بلسانها المخصوص، وتصرّح بقصد صانعها وحكمته؟ فكما ان كل ذرة بنفسها دليل على الانفراد؛ كذلك تتزايد دلالتها باعتبار كونها جزءاً من مركبات متداخلة متصاعدة؛ اذ لها في كل مركب مقام.. وفي كل مقام لها نسبة.. وفي كل نسبة لها وظيفة.. وفي كل وظيفة تثمر مصالح.. وفي كل مرتبة تتلو بلسانها دلائل وجوب وجود صانعها.. مثلها كمثل جنديّ في "طاقمه وطابوره وفرقته الخ".
***
ولنشرع في نظم هذه الآية باعتبار نظم مجموعها بما قبلها، ثم نظم جملها بعض مع بعض، ثم نظم هيئات كل جملة جملة.
أما نظم المجموع بما قبله:
стр. 154
فاعلم! ان القرآن لما بيّن أقسام البشر وأنواع المكلَّفين من المؤمنين المتّقين والكافرين المعاندين والمنافقين المذبذبين توجه اليهم كافة مخاطبا بقوله: (يا أيها الناس اعبدوا) عقّبه ورتّبه على سابقه ترتيب البناء على الهندسة، والأمر والنهي بالعمل على قانون العلم، والقضاء على القدر، والانشاء والايجاد على القصة والحكاية؛ اذ لما ذكر مباحث الفرق الثلاث، وذكر خاصة كلٍ وعاقبة كلٍّ تهيأ الموضع وانتبه السامع فالتفت مخاطبا بذلك الخطاب.. ثم ان في هذا الالتفات - أعني ذكرهم أولاً بالغيبة ثم الخطاب معهم هنا - نكتة عمومية في اسلوب البيان وهي: انه اذا ذكر محاسن شخص أو مساويه شيئاً فشيئاً يتزايد بحكم الايقاظ والتهييج ميلان استحسان أو ميل نفرة. ويتقوى ذلك الميل شيئاً فشيئاً الى أن يجبر صاحبه على المشافهة مع ذلك الشخص، وبالنظر الى المقام يقتضي ميولات السامعين لأوصافه ان يحضر المتكلم ذلك الشخص ويجره الى حضورهم فيتوجه اليه بالخطاب..
وفيه نكتة خصوصية هنا: وهي تخفيف أعباء التكليف بلذة الخطاب.. وفيه أيضاً اشارة الى ان لا واسطة في العبادة بين العبد وخالقه.
وأما نظم الجمل فـ (يا أيها الناس اعبدوا) خطاب لكل انسان من الفرق الثلاث في الأزمنة الثلاثة من كل طبقات الفرق. أي: ايها المؤمنون الكاملون اعبدوا على صفة الثبات والدوام.. وأيها المتوسطون اعبدوا على كيفية الازدياد.. وأيها الكافرون افعلوا العبادة مع شرطها من الايمان والتوحيد.. وايها المنافقون اعبدوا على كيفية الإخلاص. فالعبادة هنا كالمشترك المعنوي فتأمل!.
(ربكم) أي: اعبدوه لأنه رب يربيكم فلابد ان تكونوا عباداً تعبدونه.
تذييل: في (ربكم) رمز دقيق الى دليل امكان الذوات. وفي (جعل لكم الأرض فراشا) الى دليل امكان الصفات. وفي (الذي خلقكم والذين من قبلكم) الى دليل حدوث الذوات والصفات. والذي ينصّ على دليل امكان الذوات قوله تعالى L والله الغنيّ وانتم الفقراء) وايضا الى ربك المنتهى ١ وأيضاً (فانهم عدوّ لي إلاّ رب العالمين) ٢ وكذلك (قل الله ثم ذَرْهم في
стр. 155
خوضهم يلعبون) ١ وأيضا (ففروا الى الله) ٢ وكذلك (اَلَا بذكر الله تطمئنُّ القلوب) ٣ وقس فتأمل.!.
وأما جملة (الذي خلقكم) فاعلم! ان الله تعالى لما أمر بالعبادة وهي تقتضي ثلاثة أشياء:
وجود المعبود، ووحدته، واستحقاقه للعبادة..
أجاب عن هذه الأسئلة المقدرة بالاشارة الى دلائلها الثلاثة:
فدلائل الوجود قسمان: آفاقي وأنفسي. والأنفسي نوعان: نفسي وأصولي. فاشار الى النفسي الأقرب الأوضح بقوله: (الذي خلقكم) والى الاصولي بقوله: والذين من قبلكم.
وأما نظم (لعلكم تتقون) فاعلم! ان القرآن الكريم لما علق العبادة على خلقهم وآبائهم اقتضى ترتيب العبادة على خلق البشر نقطتين:
إحداهما: ان تكون خلقتهم باستعداد العبادة، وجبليتهم على قابلية التقوى؛ حتى من يرى ذلك الاستعداد يأمل ويرجو منهم العبادة كمن يرى المخالب يأمل الافتراس.
والثانية: ان يكون المقصد من خلقتهم ووظيفتهم التي هم مأمورون بها وكمالهم الذي يتوجهون اليه هو التقوى الذي هو كمال العبادة.
(ولعلكم تتقون) أي المقصد من خلقكم وكمالكم والذي هيئ له استعدادكم انما هو التقوى.
وأما جملة (جعل لكم الأرض فراشا) فاشارة الى أقرب الدلائل الآفاقية على وجوده تعالى. . وأيضاً فيها رمز الى رد التأثير الحقيقي للأسباب الذي هو منشأ لنوع شرك. أي تمهيد الأرض بجعله تعالى لا بالطبيعة.
стр. 156
وأما (والسماء بناء) فإشارة - بذكر السماء التي هي لصيق الأرض - الى أعلى الدلائل الآفاقية البسيطة.
ثم اشار بقوله (وأنزل من السماء) الى وجه دلالة المركبات والمواليد على وجود صانعها.
ثم ان كل من الجمل السابقة كما تدل على اثبات الوجود؛ كذلك المجموع يلوّح بالوحدة. وصورة الترتيب المشير الى النظام الملوح بالنعم مع دلالة (رزقا لكم) تثبت استحقاقه تعالى للعبادة، لأن شكْرَ المُنْعِم واجبٌ. وفي (رزقا لكم) اشارة الى انه كما ان الارض والمواليد تخدم لك لابد ان تخدم لمن سخرها لك.
وأما نظم (فلا تجعلوا لله انداداً) فاعلم! انه قد امتدت من نظمها خطوط الى (يا ايها الناس اعبدوا ربكم) والى (الذي خلقكم) والى (الذي جعل لكم) والى (وانزل) . أي: اذا عبدتم ربكم فلا تشركوا له لأنه هو الرب، ولأنه هو الخالق لكم ولنوعكم فلا يجعل بعضكم بعضا أرباباً من دون الله، ولأنه هو الذي خلق الأرض وفرشهاومهدها لكم، ولأنه هو الذي خلق السماء وجعلها سقفا لبنائكم فلا تعتقدوا تأثيراً حقيقياً للأسباب الطبيعية التي هي منشأ الوثنية، ولأنه هو الذي أرسل الماء الى الأرض لرزقكم ومعيشتكم، ولا نعمة الا منه فلا شكر ولا عبادة الاّ له.
وأما نظم كيفيات وهيئات جملة جملة، فاعلم! ان كلمة (يا أيها) في جملة "يا ايها الناس اعبدوا" قد أكثر التنزيل من ذكرها لنكت دقيقة ولطائف رقيقة، اذ هذا الخطاب مؤكد بوجوه ثلاثة:
بما في "يا" من الايقاظ، وما في "اَيُّ" من التوسم، وما في "ها" من التنبيه.
فالخطاب هنا رمز الى فوائد ثلاث: مقابلة مشقة التكليف بلذة الخطاب.. وان ترقى الانسان من حضيض الغيبة الى مقام الحضور انما هو بواسطة العبادة ١.. وأيضاً اشارة الى ان المخاطب مكلف بجهات ثلاث: باعتبار قلبه بالتسليم والانقياد، ومن جهة عقله بالايمان والتوحيد، وبالنظر الى قالبه بالعمل والعبادة..
وأيضاً ايماء الى ان المخاطبين ثلاث فرق ٢.. وأيضاً تلويح الى الطبقات الثلاث من الخواص والمتوسطين والعوام..
стр. 157
وأيضاً تلميح الى الطرز المألوف والنسق المأنوس وهو ان المرء اولا ينادي أحداً فيوقفه. ثم يتوسمه فيوجهه. ثم يخاطبه فيخدمه. ١
فبناء على هذه النكت تكون التأكيدات في الخطاب مؤسسة من تلك الجهات.
أما النداء في "يا" فلأن المنادى هو الناس المشتمل على الطبقات المختلفة من الغافلين والغائبين والساكنين والجاهلين والمشغولين والمعرضين والمحبين والطالبين والكاملين يكون هذا النداء للتنبيه، وكذا للإِحضار، وكذا للتحريك، وكذا للتعريف، وكذا للتفريغ، وكذا للتوجيه، وكذا للتهييج، وكذا للتشويق، وكذا للازدياد، وكذا لهزّ العطف..
وأما البُعد في "يا" مع ان المقام مقام القرب، فاشارة الى جلالة وعظمة امانة التكليف.. وأيضاً ايماء الى بُعد درجة العبودية عن مرتبة الالوهية.. وأيضاً رمز الى بُعد اعصار المكلفين عن محلِّ وزمانِ ظهور الخطاب. وأيضاً تلويح الى شدة غفلة البشر.
وأما "أيّ" الموضوع للتوسم من العموم فرمز الى ان الخطاب لعموم الكائنات. فيخصص من بينها الانسان بتحمل الأمانة على طريق فرض الكفاية. فاذاً قصور الانسان تجاوزٌ لحق مجموع الكائنات.. ثم في "أي" جزالة الاجمال ثم التفصيل. ٢
وأما "ها" فمع كونه عوضاً عن المضاف اليه، اشارة الى تنبيه من حضر بـ "يا".
وأما (الناس) فاشارة - بحكم تلميح الوصفية الأصلية - الى العتاب، أي "ايها الناس كيف تنسون الميثاق الأزلي"؟ وأيضاً الى العذر أي "ايها الناس لابد ان يكون قصوركم عن السهو والنسيان لا بالعمد والجد"!.
أما (اعبدوا) فبحكم جوابيته للنداء العام مناداه للطبقات المذكورة يدل على الاطاعة، ويشير الى الاخلاص، ويرمز الى الدوام، ويلوح الى التوحيد. أي اطيعوا.. واخلصوا.. واثبتوا.. وازدادوا.. ووحدوا.
стр. 158
وأما (ربكم) فإشارة إلى ان العبادة كما ينبغي ان يرغّب فيها لأنها نسبة شريفة ومناسبة عالية؛ كذلك لابد ان تطلب لأنها شكر وخدمة لمن هو يربيكم وتحتاجون اليه.
أما هيئات (الذي خلقكم والذين من قبلكم)
فاعلم! ان (الذي) الذي جهة معلوميته الصلة ١ يشير الى ان معرفة الله تعالى انما تكون بأفعاله وآثاره لا بكنهه.
وان "خَلَق" الممتاز عن الايجاد والانشاء بكونه على وجه مقدر مستو، اشارة الى ان استعداد البشر مسدَّد للتكليف.. وأيضاً رمز الى ان العبادة وظيفة، لأنها نتيجة الخلقة واجرتها. فما الثواب الاّ من محض فضل الله تعالى.
وان (الذين) بناءً على ابهامه ايماء الى ان الذين سبقوكم انقرضوا فماتوا فذهبوا.. فلم يبق منهم جهة المعلومية الا كونهم مخلوقين قبلكم.. فأنتم على شفا جرف القبر.. فاعتبروا.. فلا تغتروا بالدنيا.. فتشبثوا بأذيال العبادة التي هي وسيلة السعادة الابدية.
أما كيفيات (لعلكم تتقون) فاعلم! ان "لعل" للرجاء ففي المرغوب يقال اطماع وفي المكروه اشفاق. فالرجاء في حق المتكلم هنا حقيقةً محالٌ. فهو اما باعتباره لكن مجازاً، واما باعتبار المخاطب، واما باعتبار المشاهدين والسامعين:
أما باعتبار المتكلم فاستعارة تمثيلية كما ان من جهز أحداً بأسباب خدمةٍ يرجو منه عرفا تلك الخدمة؛ كذلك ان الله جهز البشر باستعداد الكمال وقابلية التكليف وواسطة الاختيار. ففي الاستعارة اشارة الى ان حكمة خلق البشر هي التقوى.. وكذا رمز الى ان نتيجة العبادة مرتبة التقوى.. وكذلك ايماء الى ان التقوى أكبر المراتب.. وأيضاً تلميح الى طرز اسلوب الملوك بالاطماع والرمز في موضع الوعد القطعيّ.
وأما باعتبار المخاطب فكأنه يقول: اعبدوا حال كونكم راجين للتقوى ومتوسطين بين الرجاء والخوف. وفي هذا الاعتبار اشارة الى انه لابد ان لايعتمد الانسان على
стр. 159
عبادته.. وكذا ايماء الى انه لابد ان لايكتفي بما هو فيه بل لزم ان يكون مصداقا لـ"عليك بالحركة غير السكون" فينظر في كل مرتبة الى ما فوقها.
واما باعتبار المشاهدين والسامعين فكأن من شاهد البشر مجهزاً ومسلحاً باستعدادات يأمل ويرجو منه العبادة، كمن يرى مخالب حيوان وأنيابه يأمل منه الافتراس.. وكذلك اشارة الى ان العبادة مقتضى الفطرة.
اما لفظ (تتقون) فاشارة - بحكم ترتبه على عبادة الطبقات المذكورة - الى مراتب التقوى وهي: التقوى عن الشرك. ثم التقوى عن الكبائر. ثم التقوى بحفظ القلب عما سواه تعالى.. وكذا التقوى بالتجنب عن العقاب.. وايضاً التقوى بالتحرز عن الغضب.. وكذا رمز الى ان العبادة بالاخلاص تكون عبادة.. وايضاً ايماء الى ان العبادة مقصودة بالذات لا وسيلة محضة.. وكذلك رمز الى ان العبادة لابد ان لاتكون لأجل الثواب والعقاب.
اما هيئات آية (الذي جعل لكم الارض فراشا والسماء بناء) فاعلم! انها اشارة الى التهييج على العبادة ببيان عظمة قدرة الصانع، والى التشويق عليها بالامتنان. كأنه يقول: ايها الانسان! ان الذي سخر لك الارض والسماء يستحق ان تعبده.. وكذا ايماء الى فضيلة البشر وعلوّ قيمته ومكرميته عند الله، كأنه يقول: ان الذي اكرمكم بأن هيّأ الاجرام العلوية والسفلية بعظمتها لاستفادتكم، لابد أن تظهروا لياقتكم للكرامة بعبادته.. وكذا تلميح الى رد التصادف والاتفاق وتأثير الطبيعة. أي ان كل ما ترون بصفاتها انما هي بجعلِ جاعل وقصدِ قاصد وتخصيصِ مخصِّص ونظمِ نظَّام جلّت حكمته.. وكذا تلويح الى رد مذهب اهل الطبيعة ومذهب الصابئين المولد لمذهب الوثنيين.. وايضاً تنبيه الى ان صفات الأجسام بإمكانها تدل على الصانع؛ اذ الاجسام متساوية ذراتُها في قابلية الأحوال والكيفيات العمومية فكل صفة ممكنة مترددة بين احتمالات كثيرة فكل جسم باعتبار كل صفة وكيفية يحتاج الى قصد وحكمة وتخصيصِ مخصِّص.
اما تقديم (لكم) فاشارة الى ان تفريش الارض لأجل الانسان، لا ان المفترش والمستفيد هو الانسان فقط، حتى يكون الزائد عبثاً، فتأمل!.
стр. 160
واما (فراشا) فاشارة الى نكتة البلاغة التي هي نقطة الغرابة وهي قيد "مع اقتضاء طبعها الانغماس في الماء".. وايماء الى ان التفريش بالجعل خلاف الطبيعة؛ اذ مقتضى طبيعة الكرة استيلاء الماء عليها واحاطته بها، فالصانع بحكمته ومرحمته اظهر قسما منها وفرشه ووضع عليه مائدة نِعَمه.. وكذا تنبيه - بقاعدة "اذا ثبت الشئ ثبت بلوازمه" - الى ان الأرض كأرض البيت مبسوطة، فانواع النباتات والحيوانات فيها كأساسات البيت انما وضعت بقصد وحكمة.. وكذا ايماء الى ان الارض توسطت بقصد وحكمة بين المائع الذي لايتمسك عليه الاقدام، وبين الصلب الشديد الذي لايقبل الاستفادة والزراعة فيكون عبثا، ولو كان ذهبا. فبالتوسط اشارة الى انه بتخصيصِ وجعلِ وقصدِ حكيم.
اما (والسماء بناءً) فاشارة الى انه تعالى لما جعل لكم السماء سقفا وبناء صارت نجومها قناديل لكم فلا يتوهم التصادف في تفريق تلك القناديل وانتشارها كما يتوهم التصادف في وضعية الجواهر التي ترمى على الأرض منتثرة.
اعلم! ان في هذه الآية اشارة ورمزاً وايماء الى سرّ عجيب دقيق غال وهو:
- ان قلت: ان الانسان ذرة بالنسبة الى أرضه، وأرضه ذرة بالنسبة الى الكائنات. وكذا فرده ذرة ١ الى نوعه ونوعه ذرة بالنسبة الى شركائه في الاستفادة في هذا البيت العالي. وكذا جهة استفادة البشر بالنسبة الى فوائد وغايات هذا البيت ذرة، والغايات التي تحس بها العقول ذرة بالنسبة الى فوائده في الحكمة الأزلية والعلم الإلهي فكيف جعل العالم مخلوقاً لاجل البشر واستفادته علة غائية؟.
قيل لك: نعم! ولكن مع كل ما مرّ لأجل وُسعة روح الانسان وتبسط عقله وانبساط استعداده وكثرة وانتشار استفادته من الكائنات.. وايضاً لأجل عدم المزاحمة والتجزي والمدافعة في جهة الاستفادة كنسبة الكلي الى جزئياته - اذ الكلي بتمامه موجود في كل من جزئياته لامزاحمة ولا تجزء - جعل القرآن الكريم جهة استفادة البشر التي هي غاية فذة من الوف الوف غايات السماء والأرض في منزلة العلة الغائية كأنها هي العلة بالنظر الى الانسان. اي ان الانسان يستفيد من الأرض عرصةً لبيته والسماء سقفا له والنجوم قناديل والنباتات ذخائر، فحقّ لكل فرد ان يقول: شمسي وسمائي وأرضي. فتأمل وعقلك معك!
стр. 161
اما كيفيات (وانزل من السماء ماء فاخرج به من الثمرات رزقا لكم) فاعلم! ان نسبة انزل الى الضمير اشارة الى ان القطرات انما تُنزَل بميزان قصد وتُرسل بحكمة، حتى ان كل قطرة محفوفة بنظام مخصوص بأمارة عدم مصادمتها لأخواتها في تلك المسافة البعيدة مع تلعب الهواء بها. فيؤذن ان ليست غواربها على اعناقها ١، بل زمام كل في يد ملَك ممثِّل لنظام ومعكس له.
أما (من السماء) فاشارة باقامة الظاهر مقام الضمير الى ان الغرض من هذه السماء جهتها لا جِرمها المخصوص. ٢
اما (ماء) مع ان المنزل ثلج وبَرَد ومطر، فاشارة الى المنشأ القريب للاستفادة (وجعلنا من الماء كل شئ حي) ٣. أما تنكيره فاشارة الى انه ماء عجيب شأنه، غريب نظامه، مجهول لكم امتزاجاته الكميوية.
أما فاء (فاخرج) الموضوعة للتعقيب بلا مهلة مع المهلة بين نزول الماء وخروج الثمر فتلويح الى فـ"اهتزت الأرض وربت واخضرت وانبتت من كل زوج بهيج فاخرج". أما نسبة "اخرج" الى الضمير فاشارة الى ان خروج الثمار ليس بتولد وتركب فقط، بل الصانع الحكيم ينشؤها ويرتبها بصفات وخواص لاتوجد في مادتها.
أما (به) فبسبب تشرب المعنى الحقيقي - وهو الالصاق - للسببية رمز الى لطافة طراوة الثمار، فيعلو اليها الماء - خلاف طبيعته - بوساطة "الآثار الشعرية" فيملأ أقداح الثمرات ملصقاً بها.
أما (من الثمرات) فلعدم خلوها من معنى الابتداء عند (سيبويه) يشير الى مفعول يتنوع بتعين فهم السامع، أي ان من الثمرات أنواعاً كما تشتهون.
أما تنوين (رزقاً) فاشارة الى انه رزق مجهول لكم أسباب حصوله فيجئ من حيث لا يحتسب.
стр. 162
أما (لكم) فاشارة الى تأكيد معنى الامتنان.. وأيضاً ايماء الى ان الرزق لأجلكم فلا بأس من استفادة غيركم منه تبعاً.. وكذا رمز الى انه تعالى كما خصكم بالنعم فخصوه بالشكر.
أما نظم هيآت (فلا تجعلوا لله اندادا) فالفاء، ينظر الى الفقرات الأربعة: أي لأنه هو المعبود فلا تشركوا، ولأنه هو القادر المطلق والأرض والسماء في قبضته فلا تعتقدوا له شريكا، ولانه المنعم فلا تشركوا في شكره، ولأنه هو خالقكم فلا تتخيلوا له شريكا.
أما (تجعلوا) بدل تعتقدوا فاشارة الى معنى (ان هي الا اسماء سميتموها) ١ أي اسماء لا معنى لها تتخيلون لها وجوداً بجعلكم.
أما تقديم (لله) فمع الاهتمام بجعله نصب العين ايماء الى ان منشأ النهي كون الشريك لله.
اما (اندادا) فلفظ الند بمعنى: المثل، ومثله تعالى يكون عين ضده، وبينهما تضاد، ففيه ايماء لطيف الى ان الند بيّن البطلان بنفسه.. أما الجمع فاشارة الى نهاية جهالة المشركين وايماء الى التهكم بهم، أي كيف تجعلون لله الذي لا شبيه له بوجه ما، جماعة من أمثال واضداد؟. وكذا رمز الى رد كل أنواع الشرك أي لا شريك له في ذاته ولا في صفاته ولا في افعاله.. وتلويح الى رد طبقات المشركين من الوثنيين والصابئين وأهل التثليث وأهل الطبيعة المعتقدين بالتأثير الحقيقي للأسباب.
تذييل: منشأ الوثنية والأصنام إما تأليه النجوم أو تخيل الحلول أو توهم الجسمية.
أما (وانتم تعلمون) فمع اخواتها من الفواصل اشارة الى ان منشأ الاسلامية هو العلم وأساسها العقل، فمن شأنه ان يقبل الحقيقة ويرد سفسطة الاوهام. ثم انه أطنب بايجاز ترك المفعول، أي وانتم تعلمون: ان لامعبود حقيقياً ولا خالق ولا قادر مطلقاً ولا منعم الا هو.. وكذا وانتم تعلمون ان الآلهة والأصنام ليست بشئ، لا تقتدر على شئ وانها مخلوقة مجعولة تتخيلونها، فتدبر!.
стр. 163
وَإنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ الله اِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ٢٣ فَاِن لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتي وَقُودُهَا النّاسُ والحِجَارَةُ اُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ ٢٤
مقدمة في تحقيق النبوة
اعلم! انه كما اثبتت الآية السابقة اوّل المقاصد الأساسية القرآنية وهو التوحيد؛ كذلك تثبت هذه الآية ثانيَ المقاصد الأربعة وهو اثبات نبوّة محمّد ﵊ بأكمل معجزاته الذي هو التحدّي باعجاز القرآن الكريم. ولقد فصلنا دلائل نبوّته في كتاب آخر فلنلخص بعضها هنا في ست ١ مسائل:
المسألة الأولى:
اعلم! ان الاستقراء التام في أحوال الأنبياء مع الانتظام المطّرد المسمى بالقياس الخفيّ ينتج ان مدار نبوّة الأنبياء وأساسها وكيفية معاملاتهم مع اممهم - بشرط تجريد المسألة عن خصوصيات تأثير الزمان والمكان - يوجد بأكمل وجه في محمّد ﵊ الذي هو استاذ البشر في سنِّ كمال البشر، فينتج بالطريق الَاوْلى وبالقياس الأَوْلَويّ انه أيضاً رسول الله. فجميع الأنبياء بألسنة معجزاتهم كأنهم شاهدون على صدق محمّد ﵇ الذي هو البرهان النيِّر على وجود الصانع ووحدته فتأمل ...
المسألة الثانية:
اعلم! ان كل حال من احواله وكل حركة من حركاته ﵇ وان لم يكن خارقاً - يلَوِّح بالمبدأ على صدقه وبالمنتهى على حقانيته. ألا ترى انه ﵇ كيف كان حاله في أمثال واقعة الغار التي انقطع - بحسب العادة - أمل الخلاص،
стр. 164
يقول بكمال الوثوق والاطمئنان والجدية (لاتَحْزَنْ اِن الله مَعَنَا) ١!. فكما ان ابتداءه بالحركة - بلا مبالاة لمعارض وبلا خوف وتردد مع كمال الاطمئنان - يدل على تمسكه بالصدق؛ كذلك تأسيسه بانتهاء حركاته - لقواعد هي الأساس لسعادة الدارين - واصابته للحق واتصاله بالحقيقة دليل على حقانيته، فهذا فرداً فرداً. وأما اذا نظرت الى مجموع حركاته واحواله يتجلى لعينك برهانُ نبوّته كالبرق اللامع. فتبصّر!..
المسألة الثالثة:
اعلم! ان الزمان الماضي والحال - أي عصر السعادة - والاستقبال اتفقت على تصديق نبوّته كما ان ذاته دليل على نبوّته. ولنطالع هذه الصحف الأربع:
فأولاً: نتبرك بمطالعة ذاته ﵇. ولابد أوّلاً من تصوّر أربع نكت:
إحداها: انه "ليس الكحلُ كالتكحّل" أي لايصل الصنعيُ والتصنعيُ - ولو كانا على أكمل الوجوه - مرتبة الطبيعيّ والفطريّ ولا يقوم مقامه، بل فلتاتُ غلطاتِ هيئةِ حركةِ الصنعي تومئ بمزخرفيته.
والثانية: ان الاخلاق العالية انما تتصل بأرض الحقيقة بالجدية، وان ادامة حياتها وانتظام مجموعها انما هي بالصدق. ولو ارتفع الصدق من بينها صارت كهشيم تذروه الرياح.
والثالثة: هي انه كما يوجد الميل والجذب في الأمور المتناسبة، كذلك يوجد الدفع والتنافر في الأمور المتضادة.
والرابعة: هي "ان للكلِّ حكماً ليس لكلٍ" كقوّة الحبل مع ضعف خيوطه..
واذا تفطنت لهذه النكت فاعلم! ان آثار محمّد ﵊ وسيره وتاريخ حياته تشهد - مع تسليم أعدائه - بانه لعلى خلق عظيم، وبانه قد اجتمع فيه الخصائل العالية كافة. ومن شأن امتزاج تلك الأخلاق توليد عزة للنفس وحيثية وشرف ووقار لاتساعد التنزل للسفاسف. فكما ان علوّ الملائكة لايساعد لاختلاط الشياطين بينهم؛ كذلك تلك الأخلاق العالية بجمعها لا تساعد أصلا لتداخل الحيلة
стр. 165
والكذب بينها. ألا ترى ان الشخص المشتهر بالشجاعة فقط لا يتنزل للكذب الاّ بعسر؟ فكيف بالمجموع؟ فثبت ان ذاته ﵇ كالشمس دليل لنفسه..
وأيضاً اذا تأملت في حاله ﵇ من الأربع الى اربعين - مع ان من شأن الشبابية وتوقد الحرارة الغريزية ان تظهر ما يخفى وتلقي الى الظاهر ما استتر في الطبيعة من الحيل - تراه ﵇ قد تدرج في سنينه وعاشر بكمال استقامة ونهاية متانة وغاية عفة واطراد وانتظام. ما اومأ حالٌ من أحواله الى حيلة، لاسيما في مقابلة المعاندين الأذكياء. وبينما تراه ﵇ كذلك اذ تنظر اليه وهو على رأس اربعين سنة - الذي من شأنه جعل الحالات مَلَكة والعادات طبيعة ثابتة لا تخالف - قد تكشّف ﵇ عن شخص خارق قد اوقع في العالم انقلاباً عظيماً عجيبا. فما هو الاّ من الله.
المسألة الرابعة:
اعلم! ان صحيفة الماضي المشتملة على قَصَص الأنبياء المذكورة على لسانه ﵇ في القرآن الكريم برهان على نبوّته بملاحظة أربع نكت.
إحداها: إن من يأخذ أساسات فنٍ ويعرف العقد الحياتية فيه ويحسن استعمالها في مواضعها ثم يبني مدّعاه عليها؛ يدل ذلك على مهارته وحذاقته في ذلك الفن.
النكتة الثانية: هي انك ان كنت عارفا بطبيعة البشر لا ترى أحداً يتجاسر وبلا تردد وبلا مبالاة بسهولة على مخالفةٍ وكذبٍ ولو صغيراً.. في قوم ولو قليلين.. في دعوى ولو حقيرة.. بحيثية ولو ضعيفة. فكيف بمن له حيثية في غاية العظمة.. وفي دعوى في غاية الجلالة.. في قوم في غاية الكثرة.. في مقابلة عناد في غاية الشدة مع انه اميّ لم يقرأ.. يبحث عن أمور لا يستقل فيها العقل ويظهرها بكمال الجدية، ويعلنها على رؤوس الأشهاد. أفلا يدل هذا على صدقه وانه ليس منه بل من الله؟
الثالثة: هي ان كثيراً من العلوم المتعارفة عند المدَنيين - بِتعليم العادات والأحوال وتلقين الوقوعات والأفعال - مجهولة نظريةٌ عند البدويين. فبناء علىه لابد لمن يحاكم ويتحرى حال البدويين - لا سيما في القرون الخالية - ان يفرض نفسه في تلك البادية.
стр. 166
الرابعة: هي انه لو ناظر اميّ علماء فن - ولو فن الصرف - ثم بيّن رأيه في مسائله مصدِّقاً في مظان الاتفاق، ومصحِّحاً في مطارح الاختلاف؛ افلا يدلك ذلك على تفوقه، وأن علمه وهبي؟.
اذا عرفت هذه النكت: فاعلم! ان محمّداً العربيّ ﵇ مع اميّته قصّ علينا بلسان القرآن الكريم قصَصَ الاولين والانبياء قصةَ مَنْ حضر وشاهد، وبيّن أحوالهم وشرح أسرارهم على رؤوس العالم في دعوى عظيمة تجلب اليها دقة الأذكياء. وقد قص بلا مبالاة، وأخذ العقد الحياتية فيها واساساتها مقَدَّمة لمدّعاه، مصدِّقاً فيما اتفقت عليه الكتب السالفة، ومصحِّحا فيما اختلفت فيه. كأنه بالروح الجوّال المعكس للوحي الالهي طيّ الزمانَ والمكانَ، فتداخل في اعماق الماضي فبيّن كأنه مشاهد. فثبت ان حاله هذه دليل نبّوته وإحدى معجزاته. فمجموع دلائل نبوّة الأنبياء في حكم دليل معنوي له، وجميع معجزات الانبياء في حكم معجزة معنوية له.
المسألة الخامسة:
في بيان صحيفة عصر السعادة لا سيما مسألة جزيرة العرب. فها هنا أيضاً أربع نكت:
احداها: انك اذا تأملت في العالم ترى انه قد يتعسر ويستشكل رفع عادة ولو حقيرة في قوم ولو قليلين. أو خصلة ولو ضعيفة.. في طائفة ولو ذليلين.. على ملِك ولو عظيما.. بهمّة ولو شديدة. في زمان مديد بزحمة كثيرة ١. فكيف انت بمن لم يكن حاكما، تشبث في زمان قليل بهمة جزئية - بالنسبة الى المفعول - وَقَلَعَ عاداتٍ وَرَفَعَ أخلاقاً قد استقرت بتمام الرسوخ واستؤنس بها نهاية استيناس واستمرت غاية استمرار، فغرس فجأة بدلها عادات وأخلاقاً تكملت دفعة عن قلوب قوم في غاية الكثرة ولمألوفاتهم في نهاية التعصب. أفلا تراه خارقاً للعادات؟..
النكتة الثانية: هي ان الدولة شخص معنويّ. تشكُّلُها تدريجيّ كنمو الطفل، وغلَبتُها للدولة العتيقة - التي صارت أحكامُها كالطبيعة الثابتة لملتها - متمهلة. أفلا
стр. 167
يكون حينئذ من الخارق لعادةِ تشكّل الدول تشكيلُ محمّد ﵇ لحكومةٍ عظيمةٍ دفعةً، مهيئة لنهاية الترقي، متضمنة للأساسات العالية الأبدية مع غلبتها للدول العظيمة دفعة مع ابقاء حاكميته لا على الظاهر فقط، بل ظاهراً وباطناً ومادةً ومعنىً.
النكتة الثالثة: هي انه يمكن بالقهر والجبر تحكم ظاهريّ، وتسلط سطحيّ. لكن الغلبة على الأفكار، والتأثير بالقاء حلاوته في الأرواح، والتسلط على الطبائع مع محافظة حاكميته على الوجدان دائما لا يكون الاّ من خوارق العادات.. وليس الاّ الخاصة الممتازة للنبّوة.
النكتة الرابعة: هي ان تدوير أفكار العموم وارشادها بحيل الترهيب والترغيب والخوف والتكليف انما يكون تأثيرها جزئيا سطحياً موقتا يسدّ طريق المحاكمة العقلية في زمان. أما من نفذ في أعماق القلوب بارشاده، وهيج دقائق الحسيات، وكشف اكمام الاستعدادات، وأيقظ الأخلاق، وأظهر الخصائل المستورة، وجعل جوهر انسانيتهم فواراً، وأبرز قيمة ناطقيتهم؛ فانما هو مقتبس من شعاع الحقيقة ومن الخوارق للعادة. بينما ترى شخصا في قساوة قلبه يقبر بنته حيةً ولا يتألم ولا يتأثر اذ تراه بعد يوم - وقد اسلم - يترحّم على نحو النمل، ويتألم بألم حيوان. فبالله عليك أينطبق هذا الانقلاب الحسي على قانون؟.
فاذا عرفت هذه النكت تأمل في نقطة أخرى وهي:
ان تاريخ العالم يشهد ان الداهيَ الفريدَ انما هو الذي اقتدر على انعاش استعداد عموميّ، وايقاظ خصلة عمومية، والتسبب لانكشاف حسّ عموميّ؛ اذ مَن لم يوقظ هكذا حسّا نائما يكون سعيُه هباء موقتا ولو كان جليلا في نفسه.. وأيضا ان التاريخ يرينا ان أعظم الناس هو الموفَّق لايقاظ واحد أو اثنين أو ثلاث من هذه الحسِّيات العمومية: كحس الحمية الملّية، وحس الاخوة، وحس المحبة، وحس الحرية الخ. أفلا يكون اذاً ايقاظ الوف من الحسِّيات - المستورة العالية، وجعلها فوّارة منكشفة في قوم بَدَوييّن منتشرين في جزيرة العرب تلك الصحراء الوسيعة - من الخوارق؟.. نعم ١.! هو من ضياء شمس الحقيقة.
стр. 168
فيا هذا! من لم يُدخل في عقله هذه النقطة نُدْخِل جزيرةَ العرب في عينه. فهذه جزيرة بعد ثلاثة عشر عصراً وبعد ترقي البشر في مدارج التمدن!.. فانتخِب ايها المعاند من أكمل الفلاسفة مائة، فليسعوا مائة سنة فان فعلوا جزءاً من مائة جزء مما فعله محمّد العربي ﵊ بالنسبة الى زمانه ١ ... فان لم تفعل - ولن تفعل - فاتّق عاقبة العناد! نعم، هذه الحالة خارقة للعادة وان هي الاّ معجزة من معجزاته ﵊.
واعلم أيضاً: ان من اراد التوفيق يلزم عليه ان يكون له مصافاة مع عادات الله، ومعارَفَة مع قوانين الفطرة، ومناسبة مع روابط الهيئة الاجتماعية. والاّ، أجابته الفطرة بعدم الموفَّقية جوابَ إسكات..
وأيضاً مَن تحرك بمسلك في الهيئة الاجتماعية يلزمه ان لا يخالف حركة الجريان العموميّ. والاّ، طيّره ذلك الدولاب عن ظهره فيسقط في يده. فاذاً من ساعده التوفيق في ذلك الجريان كمحمّد ﵇ يثبت انه متمسك بالحق.
فاذا تفهمت هذا، تأمل في حقائق الشريعة مع تلك المصادمات العظيمة والانقلابات العجيبة، وفي هذه الأعصار المديدة تَرَها قد حافظت على موازنة قوانين الفطرة وروابط الاجتماعيات اللاتي بدقتها لا تتراءى للعقول مع كمال المناسبة والمصافاة معها. فكلما امتد الزمان تظاهر الاتصال بينها. ويتظاهر من هذه الحالة؛ ان الاسلامية هي الدين الفطريّ لنوع البشر وانها حق، لهذا لاينقطع ان رقّ. ألا ترى ان الترياق الشافي للسموم القاتلة في الهيئة الاجتماعية انما هو أمثال "حرمة الربا ووجوب الزكاة" اللتين هما مسألتان في ألوف مسائل تلك الشريعة.
فاذا عرفت هذه النكت الأربع مع هذه النقط الثلاث، اعلم! ان محمداً الهاشميّ ﵊ مع انه امّيّ لم يقرأ ولم يكتب، ومع عدم قوته الظاهرية وعدم حاكميته له أو لسلفه، وعدم ميل تحكم وسلطنة، قد تشبث بقلبه بوثوق واطمئنان في موقع في غاية الخطر وفي مقام مهم، بأمر عظيم فغلب على الأفكار، وتحبب الى الأرواح، وتسلط على الطبائع، وقلع من أعماق قلوبهم العادات والأخلاق الوحشية المألوفة الراسخة المستمرة الكثيرة. ثم غرس في موضعها في غاية الإِحكام والقوة -
стр. 169
كأنها اختلطت بلحمهم ودمهم - أخلاقا عالية وعادات حسنة، وقد بدل قساوة قلوب قوم خامدين في زوايا الوحشة بحسيات رقيقة وأظهر جوهر انسانيتهم. ثم أخرجهم من زاوية الوحشة وَرقي بهم الى اوج المَدَنية وصيّرهم معلِّمي عالَمهم، وأسَّس لهم دولةً ابتلعت الدول كعصا موسى فلما ظهرت صارت كالشعلة الجوّالة والنور النّوار فاحرقت روابط الظلم والفساد، وجعل سرير تلك الدولة الدفعية في زمان قليل الشرقَ والغربَ. أفلا تدل هذه الحالة على ان مسلكه حقيقة وانه صادق في دعواه؟
المسألة السادسة:
في صحيفة المستقبل لاسيما "مسألة الشريعة". ولابد من ملاحظة أربع نكت في هذه المسألة:
احداها: ان شخصاً ولو خارقاً انما يتخصص ويصير صاحب ملَكة في أربعة فنون او خمسة فقط.
النكتة الثانية: إن كلاماً واحداً قد يتفاوت بصدوره عن متكلمين، فكما يدل على سطحية أحد وجهله.. يدل على ماهرية الآخر وحذاقته مع ان الكلام هو الكلام؛ اذ احدهما لما نظر الى المبدأ والمنتهى، ولاحظ السياق والسباق، واستحضر مناسبته مع أخواته، ورأى موضعاً مناسبا فأحسن الاستعمال فيه، وتحرى أرضا منبتة فزرعه فيها؛ ظهر منه انه خارق وصاحب ملكة فيما هذا الكلام منه. وكل فذلكات القرآن الكريم من الفنون وملتقطاته انما هي من هذا القبيل.
النكتة الثالثة: هي ان كثيراً من الامور العادية الآن - بسبب تكمل المبادئ والوسائط حتى يلعب بها الصبيان - لو كانت قبل هذا بعصرين لعدّت من الخوارق. فما يحافظ شبابيته وطراوته وغرابته على هذه الاعصار المديدة يكون البتة من خوارق العادات والعادات الخارقة.
النكتة الرابعة: هي ان الارشاد انما يكون نافعا اذا كان على درجة استعداد أفكار الجمهور الأكثر. والجمهور - باعتبار المعظم - عوام. والعوام لا يقتدرون على رؤية الحقيقة عريانةً ولا يستأنسون بها الا بلباس خيالهم المألوف. فلهذه النكتة صوّر القرآنُ
стр. 170
الكريم تلك الحقائق بمتشابهات وتشبيهات واستعارات وحفظ الجمهور الذين لم يتكملوا عن الوقوع في ورطة المغلطة. فأبْهَمَ وأهمَلَ في المسائل التي يعتقد الجمهورُ - بالحس الظاهريّ - خلاف الواقع ضروريا، لكن مع ذلك أومأ الى الحقيقة بنصب امارات.
فاذا تفطنت لهذه النكت، اعلم! ان الديانة والشريعة الاسلامية المؤسسة على البرهان العقليّ ملخصة من علوم وفنون تضمنت العقد الحياتية في جميع العلوم الأساسية: من فن تهذيب الروح، وعلم رياضة القلب، وعلم تربية الوجدان، وفنّ تدبير الجسد، وعلم تدوير المنزل، وفن سياسة المدنية، وعلم نظامات العالم، وفن الحقوق، وعلم المعاملات، وفن الآداب الاجتماعية، وكذا وكذا وكذا ... الخ. مع ان الشريعة فسّرت وأوضحت في مواقع اللزوم ومظان الاحتياج، وفيما لم يلزم او لم يستعد له الاذهانُ او لم يساعد له الزمانُ اجملتْ بفذلكة ووضعت أساسا احالت الاستنباط منه وتفريعه ونشو نمائه على مشورة العقول. والحال ان كل هذه الفنون بل ثلثها بعد ثلاثة عشر عصرا - مع انبساط تلاحق الأفكار وتوسع نتائجها، وكذا في المواقع المتمدنة، وكذا في الأذكياء - لايوجد في شخص. فمن زيّن وجدانه بالانصاف يصدق بان حقيقة هذه الشريعة خارجة عن طاقة البشر دائما لاسيما في ذلك الزمان، ويصدّق بمآل (لم تفعلوا ولن تفعلوا) .
"والفضل ما شهدت به الاعداء": فهذا "قارلائيل" ١ فيلسوف امريكا نقل عن الأديب الشهير الالماني وهو "كوته" ٢ اذ قال بعد ما أمعن النظر في حقائق القرآن الكريم عجبا أيمكن تكمّل العالم المدني في دائرة الاسلامية؟ فأجاب بنفسه: نعم! بل
стр. 171
المحققون الآن مستفيدون بجهة من تلك الدائرة. ثم قال الناقل: لما طلعت حقائق القرآن الكريم صارت كالنار الجوّالة وابتعلت سائر الاديان، فحُقَّ له؛ اذ لايحصل شئ من سفسطيات النصارى وخرافات اليهود. فصدّق ذلك الفيلسوف مآل (فأتوا بسورة من مثله.. فان لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار) .
فان قلت: ان القرآن الكريم وكذا مفسِّره - أعني الحديث - انما اخذ من كل فن فذلكة، واحاطةَ فذلكاتٍ كثيرة ممكنة لشخص.
قيل لك: ان الفذلكة بحسن الاصابة في موقعها المناسب، واستعمالها في أرض منبتة مع أمور مرموزة غير مسموعة - قد اشرنا اليها في النكتة الثانية - تشفّ كالزجاجة عن ملكة تامة في ذلك الفن واطلاع تام في ذلك العلم فتكون الفذلكة في حكم العلم ولا يمكن لشخص أمثال هذه.
اعلم! ان نتيجة هذه المحاكمات هي ان تستحضر اوّلا ما سيأتي من القواعد وهي:
ان شخصاً لايتخصص في فنون كثيرة.. وان كلاما واحداً يتفاوت من شخصين، يكون بالنظر الى واحد ذهباً والى الآخر فحماً.. وان الفنون نتيجة تلاحق الأفكار وتتكمل بمرور الزمان.. وان كثيراً من النظريات في الماضي صارت بديهية الآن.. وان قياس الماضي على هذا الزمان قياس مثبط مع الفارق.. وان أهل الصحراء لاتستر بساطتهم وصفوتهم الحيل والدسائس التي تختفي تحت حجاب المدنية.. وان كثيراً من العلوم انما يتحصل بتلقين العادات والوقوعات وبتدريس الأحوال لطبيعة البشر باعداد الزمان والمحيط.. وان نور نظر البشر لاينفذ في المستقبل ولا يرى الكيفيات المخصوصة.. وانه كما ان لحياة البشر عمراً طبيعياً ينقطع؛ كذلك لقانونه عمر طبيعيّ ينتهي البتة.. وان للمحيط الزماني والمكاني تأثيراً عظيماً في أحوال النفوس.. وان كثيراً من الخوارق الماضية تصير عادية بتكمل المبادئ.. وان الذكاء ولو كان خارقاً لا يقتدر على ايجاد فنٍ وتكميله دفعةً بل كالصبيّ يتدرج.
واذا استحضرت هذه المسائل وجعلتها نصب عينيك فتجرَّد وتعرَّ من الخيالات الزمانية والأوهام المحيطية، ثم غُصْ من ساحل هذا العصر في بحر الزمان، ماراً تحته الى ان تخرج من جزيرة عصر السعادة ناظراً على جزيرة العرب!.. ثم ارفع رأسك والبس
стр. 172
ما خاط لك ذلك الزمان من الأفكار، ثم انظر في تلك الصحراء الوسيعة!. فأول ما يتجلى لعينك: انك ترى انسانا وحيدا لا معين له ولا سلطنة يبارز الدنيا برأسه.. ويهجم على العموم.. وحمل على كاهله حقيقة اجلّ من كرة الارض.. وأخذ بيده شريعة هي كافلة لسعادة الناس كافة.. وتلك الشريعة كأنها زبدة وخلاصة من جميع العلوم الالهية والفنون الحقيقية.. وتلك الشريعة ذات حياة لا كاللباس بل كالجلد، تتوسع بنموّ استعداد البشر وتثمر سعادة الدارين، وتنظم أحوال نوع الانسان كأهل مجلس واحد. فإن سُئلتْ قوانينُها من اين الى اين؟ لقالت بلسان اعجازها: نجئ من الكلام الأزليّ ونرافق فكر البشر الى الأبد، فبعد قطع هذه الدنيا نفارق صورةً من جهة التكليف ولكن نرافق دائما بمعنوياتنا واسرارنا فنغذي روحهم ونصير دليلهم.. فيا هذا أفلا يتلو عليك ما شاهدت الأمرَ التعجيزيَّ في (فأتوا بسورة من مثله.. فان لم تفعلوا ولن تفعلوا) ..الخ.
ثم اعلم ان آية (وان كنتم في ريب مما نزلنا) ... الخ: تشير الى ان ناساً - بسبب الغفلة عن مقصود الشارع في ارشاد الجمهور وجهلهم بلزوم كون الارشاد بنسبة استعداد الأفكار - وقعوا في شكوك وريوب منبعها ثلاثة امور:
احدها: انهم يقولون: وجود المتشابهات والمشكلات في القرآن الكريم منافٍ لإعجازه المؤسس على البلاغة المبنية على ظهور البيان ووضوحِ الافادة.
والثاني: انهم يقولون: ان القرآن الكريم اطلق وأبهمَ في حقائق الخِلقة وفنون الكائنات مع انه مناف لمسلك التعليم والارشاد.
والثالث: انهم يقولون: ان بعض ظواهر القرآن الكريم اميل الى خلاف الدليل العقلي فيحتمل خلاف الواقع وهو مخالف لصدقه.
الجواب - وبالله التوفيق - ايها المشككون اعلموا!. ان ما تتصورونه سبباً للنقص انما هو شواهد صدق على سر اعجاز القرآن الكريم.
أما الجواب عن الريب الأول وهو وجود المتشابهات والمشكلات:
فاعلم! ان ارشاد القرآن الكريم لكافة الناس، والجمهور الأكثر منهم عوام، والأقل تابع للأكثر في نظر الارشاد. والخطاب المتوجه نحو العوام يستفيد منه الخواص
стр. 173
ويأخذون حصتهم منه.. ولو عكس لبقي العوام محرومين، مع ان جمهور العوام لا يجردون اذهانهم عن المألوفات والمتخيلات، فلا يقتدرون على درك الحقائق المجردة والمعقولات الصرفة الاّ بمنظار متخيلاتهم وتصويرها بصورة مألوفاتهم. لكن بشرط ان لايقف نظرُهم على نفس الصورة حتى يلزم المحال والجسمية او الجهة بل يمر نظرهم الى الحقائق.
مثلا: ان الجمهور انما يتصورون حقيقة التصرف الالهي في الكائنات بصورة تصرف السلطان الذي استوى على سرير سلطنته. ولهذا اختار الكناية في (الرحمن على العرش استوى) ١ واذا كانت حسيات الجمهور في هذا المركز فالذي يقتضيه منهجُ البلاغة ويستلزمه طريقُ الارشاد رعايةَ افهامهم واحترامَ حسياتهم، ومماشاة عقولهم ومراعاة أفكارهم. كمن يتكلم مع صبي فهو يتصبى في كلامه ليفهمه ويستأنس به. فالأساليب القرآنية في أمثال هذه المنازل المرعي فيها الجمهور تسمى بـ"التنزلات الإِلهية الى عقول البشر"، فهذا التنزل لتأنيس اذهانهم. فلهذا وضع صورَ المتشابهات منظاراً على نظر الجمهور. ألا ترى كيف أكثر البلغاء من الاستعارات لتصور المعاني الدقيقة، أو لتصوير المعاني المتفرقة! فما هذه المتشابهات الا من أقسام الاستعارات الغامضة، اذ انها صور للحقائق الغامضة.
أما كون العبارة مُشكلاً؛ فإما لدقة المعنى وعمقه، وايجاز الاسلوب وعلويته، فمشكلات القرآن الكريم من هذا القبيل.. وإما لإِغلاق اللفظ وتعقيد العبارة المنافي للبلاغة، فالقرآن الكريم مبرأ منه. فيا أيها المرتاب! أفلا يكون من عين البلاغة تقريب مثل هذه الحقائق العميقة البعيدة عن أفكار الجمهور الى أفهام العوام بطريق سهل؟ اذ البلاغة مطابقة مقتضى الحال فتأمل..
أما الجواب عن الريب الثاني، وهو ابهام القرآن في بحث تشكل الخلقة على ما شرحته الفنون الجديدة:
فاعلم! ان في شجرة العالم ميلَ الاستكمال، وتشعَّبَ منه في الانسان ميلُ الترقي، وميل الترقي كالنواة يحصل نشوّه ونماءه بواسطة التجارب الكثيرة، ويتشكل ويتوسع بواسطة تلاحق نتائج الأفكار؛ فيثمر فنوناً مترتبة بحيث لا ينعقد المتأخر الاّ بعد
стр. 174
تشكل المتقدم، ولا يكون المتقدم مقدمة للمؤخر الا بعد صيرورته كالعلوم المتعارفة. فبناء على هذا السر لو أراد أحد تعليم فنٍ أو تفهيم علمٍ - وهو انما تولد بتجارب كثيرة - ودعا الناس اليه قبل هذا بعشرة أعصر لا يفيد الاّ تشويش اذهان الجمهور، ووقوع الناس في السفسطة والمغلطة.
مثلا: لو قال القرآن الكريم" ايها الناس انظروا الى سكون الشمس ١ وحركة الأرض واجتماع مليون حيوان في قطرة، لتتصوروا عظمة الصانع" لأَوْقع الجمهورَ إما في التكذيب واما في المغالطة مع أنفسهم والمكابرة معها بسبب ان حسهم الظاهريّ - أو غلط الحس - يرى سطحية الأرض ودوران الشمس من البديهيات المشاهَدة. والحال ان تشويش الاذهان - لا سيما في مقدار عشرة أعصر لتشهِّي بعض أهل زماننا - منافٍ لمنهاج الارشاد وروح البلاغة.
يا هذا! لا تظنن قياس أمثالها على النظريات المستقبلة من أحوال الآخرة ٢.. اذ الحس الظاهري لما لم يتعلق بجهة منها بقيت في درجة الامكان فيمكن الاعتقاد والاطمئنان بها فحقها الصريح التصريح بها. لكن ما نحن فيه لما خرج من درجة الامكان والاحتمال في نظرهم - بحكم غلط الحس - الى درجة البداهة عندهم فحقه في نظر البلاغة الابهام والاطلاق احتراما لحسياتهم وحفظاً لاذهانهم من التشويش. ولكن مع ذلك اشار القرآن الكريم ورمز ولوّح الى الحقيقة، وفتح الباب للأفكار ودعاها للدخول بنصب امارات وقرائن. فيا هذا! ان كنت من المنصفين اذا تأملت في دستور "كلِّم الناس على قدر عقولهم" ورأيت ان أفكار الجمهور لعدم اعداد الزمان والمحيط لا تتحمل ولاتهضم التكليف بمثل هذه الأمور - التي انما تتولد بنتائج تلاحق الأفكار - لعرفت ان ما اختاره القرآن الكريم من الابهام والاطلاق من محض البلاغة ومن دلائل اعجازه.
اما الجواب عن الريب الثالث، وهو امالة بعض ظواهر الآيات الى منافي الدلائل العقلية وما كشفه الفن:
стр. 175
فاعلم! ان المقصد الأصليّ في القرآن الكريم ارشادُ الجمهور الى أربعة اساسات هي: اثبات الصانع الواحد، والنبوّة، والحشر، والعدالة.. فذكرُ الكائنات في القرآن الكريم انما هو تبعيّ واستطراديّ للاستدلال؛ اذ ما نزل القرآن لدرس الجغرافيا والقوزموغرافيا ١، بل انما ذكرَ الكائنات للاستدلال بالصنعة الإِلهية والنظام البديع على النظّام الحقيقي ﷻ . والحال ان اثر الصنعة والعمد والنظام يتراءى في كل شئ. وكيف كان التشكل فلا علينا؛ اذ لا يتعلق بالمقصد الأصلي، فحينئذ ما دام انه يبحث عنها للاستدلال، وما دام انه يجب كونه معلوما قبل المدعى، وما دام انه يستحسن وضوح الدليل.. كيف لا يقتضي الارشادُ والبلاغةُ تأنيسَ معتقداتهم الحسية، ومماشاة معلوماتهم الأدبية بامالة بعض ظواهر النصوص، اليها، لا ليدل عليها بل من قبيل الكنايات او مستتبعات التراكيب مع وضع قرائن وامارات تشير الى الحقيقة لأهل التحقيق.
مثلا: لو قال القرآن الكريم في مقام الاستدلال: "ايها الناس! تفكّروا في سكون الشمس مع حركتها الصورية، وحركة الأرض اليومية والسنوية مع سكونها ظاهراً، وتأملوا في غرائب الجاذب العموميّ بين النجوم، وانظروا الى عجائب الالكتريك والى الامتزاجات الغير المتناهية بين العناصر السبعين، والى اجتماع الوف الوف حيوانات في قطرة ماء لِتعلموا ان الله على كل شئ قدير!.." لكان الدليل اخفى واغمضَ واشكلَ بدرجات من المدعى. وإنْ هذا الاّ مناف لقاعدة الاستدلال. ثم لأنها من قبيل الكنايات لا يكون معانيها مدار صدق وكذب. ألا ترى ان لفظ "قال" ألفه يفيد خفة سواء كان أصله واوا أو قافا أو كافا.
الحاصل: ان القرآن الكريم لأنه نزل لجميع الانسان في جميع الأعصار يكون هذه النقط الثلاث دلائل اعجازه. والذي علّم القرآنَ المعجِزَ انّ نظر البشير النذير وبصيرته النقّادَة ادقّ وأجلّ وأجلى وأنفذ من ان يلتبس او يشتبه عليه الحقيقة بالخيال، وان مسلكه الحقّ أغنى وأعلى وأنزه وأرفع من ان يدلِّس أو يغالط على الناس!.
стр. 176
المسألة السابعة:
اعلم! ان كتب السير والتاريخ قد ذكرت كثيراً من معجزاته المحسوسة، والخوارق الظاهرة المشهورة عند الجمهور، وقد فسرها المحققون. فلأن تعليم المعلوم ضائع، اَحَلْنا التفصيلَ على كتبهم فلنجمل بذكر الأنواع:
فاعلم! ان الخوارق الظاهرة وان كان كل فرد منها آحاديا غير متواتر لكن الجنس وكثيراً من الأنواع متواتر بالمعنى. ثم ان انواعها ثلاثة:
الأول: الارهاصات المتنوعة كانطفاء نار المجوس، ويبوسة بحر ساوة، وانشقاق ايوان كسرى، وبشارات الهواتف. حتى كأنه يتخيل للانسان ان العصر الذي ولد فيه النبيّ ﵊ صار حسّاساً ذا كرامةٍ فبشّر بقدومه بالحسّ قبل الوقوع.
النوع الثاني: الاخبارات الغيبية الكثيرة من فتح كنوز كسرى وقيصر، وغلبة الروم، وفتح مكة، وأمثالها. كأن روحه المجرّد الطيّار مزّق قيد الزمان المعيّن والمكان المشخّص، فجال في جوانب المستقبل فقال لنا كما شاهد.
النوع الثالث: الخوارق الحسيَّة التي أظهرها وقت التحدِّي والدعوى. كتكلم الحجر، وحركة الشجر وشق القمر، وخروج الماء. وقد قال الزمخشري: بلغ هذا النوع إلى الف. وأصناف من هذا النوع متواترة بالمعنى حتى ان (وانْشَقَّ الْقَمَرُ) لم يتصرف في معناه من أنكر القرآن الكريم أيضاً.
стр. 177
فإن قلت: مثل انشقاق القمر لابد أن يشتهر في العالم ويتعارف.
قيل لك: فلإختلاف المطالع، ووجود السحاب، وعدم الترصد للسماء كما في هذا الزمان، ولكونه في وقت الغفلة، ولوجوده في الليل، ولكون الانشقاق آنياً.. لايلزم ان يراه كل الناس أو أكثرهم. على انه قد ثبت في الروايات انه قد رآه كثير من القوافل الذين كان مطلعهم ذلك المطلع.
ثم أن رئيس هذه المعجزات هو القرآن المبين المبرهن اعجازه بجهات سبع أُشير اليها في هذه الآية.
واذ تفهمت هذه المسائل فاستمع لما يتلى عليك من نظم الآىة بوجوهها الثلاثة؛ من نظم المجموع بما قبله، ونظم الجمل بعضها مع بعض، ونظم هيئات وقيود جملة جملة.
أما النظم الأول فمن وجهين:
الأول: انه لما قال (يا ايها الناس) لإثبات التوحيد - على تفسير ابن عباس - اثبت بهذه نبّوة محمد ﵊ الذي هو من اظهر دلائل التوحيد. ثم ان اثبات النبوّة بالمعجزات. وأعظم المعجزات هو القرآن. وادقّ وجوه اعجاز القرآن ما في بلاغة نظمه. ثم انه اتفق الاسلام على ان القرآن معجِز.. الاّ ان المحققين اختلفوا في طرق الاعجاز، لكن لاتزاحم بين تلك الطرق، بل كلٌ اختار جهةً من جهاته. فعند بعض اعجازه: اخباره بالغيوب.. وعند بعض: جمعه للحقائق والعلوم.. وعند بعض: سلامته من التخالف والتناقض.. وعند بعض: غرابة اسلوبه وبديعيته في مقاطع ومبادئ الآيات والسور.. وعند بعض: ظهوره من امّي لم يقرأ ولم يكتب.. وعند بعض: بلوغ بلاغة نظمه الى درجة خارجة عن طوق البشر. وكذا وكذا.. الخ.
ثم اعلم! ان معرفة هذا النوع من الاعجاز تفصيلا انما تحصل بمطالعة أمثال هذا التفسير، واجمالاً يُعْرف بثلاث طرق. (كما حققها عبد القاهر الجرجاني شيخ البلاغة والزمخشري والسكاكي والجاحظ 1.)
стр. 178
الطريق الأول: هو ان قوم العرب كانوا بدويين امّيين ولهم محيط عجيب يناسبهم.. وقد انتبهوا بالانقلابات العظيمة في العالم.. وكان ديوانهم الشعر وعلمهم البلاغة، ومفاخرتهم بالفصاحة في أمثال سوق عكاظ.. وكانوا أذكى الأقوام.. وكانوا أحوج الناس لجولان الذهن اذاً.. ولقد كان لأذهانهم فصل الربيع، فطلع عليهم القرآن الكريم بحشمة بلاغته فمحا وبهر تماثيل بلاغتهم وهي "المعلقات السبعة" المكتوبة بذوب الذهب على جدار الكعبة. مع ان اولئك الفصحاء البلغاء - الذين هم أمراء البلاغة وحكام الفصاحة - ما عارضوا القرآن وما حاروا ببنت شفة، مع شدة تحدِّي النبيّ ﵇ لهم، ولومه لهم، وتقريعه اياهم، وتسفيهه لأحلامهم، وتحريكه لاعصابهم في زمان طويل، وترذيله لهم مع ان من بلغائهم من يحكّ بيافوخه ١ كتف السماء، ومنهم من يناطح السِّماكَيْن ٢ بكبره فلولا انهم ارادوا وجربوا أنفسهم فأحسوا بالعجز، لما سكتوا عن المعارضة البتة؛ فعجزهم دليل اعجاز القرآن.
والطريق الثاني: هو ان اهل العلم والتدقيق واهل التنقيد الذين يعرفون خواص الكلام ومزاياه ولطائفه تأملوا في القرآن سورةً سورةً، وعشراً عشراً، وآيةً آيةً، وكلمةً كلمةً؛ فشهدوا بانه جامع لمزايا ولطائف وحقائق لاتجتمع في كلام بشر. فهؤلاء الشهداء الوف الوف. والذي يدل على صدق شهادتهم هو ان القرآن أوقع في العالم الانساني تحوّلاً عظيما، واسس ديانة واسعة، وادام على وجه الزمان ما اشتمل عليه من العلوم. فكلما شاب الزمانُ شبّ، وكلما تكرر حلا. فاذاً (ان هو الا وحي يوحى) ٣.
والطريق الثالث: ٤ كما حققه الجاحظ: هو ان الفصحاء والبلغاء مع شدة احتياجهم الى إبطال دعوى النبيّ ﵇، ومع شدة حقدهم وعنادهم له تركوا المعارضة بالحروف الطريقَ الأسلمَ والأقربَ والأسهلَ، والتجأوا الى المقارعة بالسيوف الطريقِ الأصعبِ الأطولِ المشكوكة العاقبة الكثيرة المخاطر؛ وهم بدرجة من الذكاء
стр. 179
السياسي، لا يمكن ان يخفى عليهم التفاوت بين هذين الطريقين. فمن ترك الطريق الأول لو امكن - مع انه أشد إبطالا لدعواه - واختار طريقاً أوقع مالَه وروحَه في المهالك فهو إما سفيه، وهو بعيد ممن ساسوا العالم بعد ان اهتدوا.. وإما انه أحس من نفسه العجز عن السلوك في الطريق الأول فاضطر للطريق الثاني.
فان قلت: يمكن ان تكون المعارضة ممكنة؟
قيل لك: لو امكنتْ لطمع فيها ناسٌ لتحريك أعصابهم لها. ولو طمعوا لفعلوا لشدة احتياجهم. ولو عارضوا لتظاهرت للرغبة وكثرة الأسباب للظهور. ولو تظاهرت لوجد من يلتزمها ويدافع عنها ويقول: انه قد عورض لا سيما في ذلك الزمان. ولو كان لها ملتزمون ومدافعون ولو بالتعصب لاشتهرت لانها مسألة مهمة. ولو اشتهرت لنقلتها التواريخ كما نقلت هذيانات مسيلمة بقوله: (الفيل ما الفيل وماادراك ما الفيل صاحب ذَنَب قصير وخُرْطوم طويل) .
فان قلت: مسيلمة كان من الفصحاء فكيف صار كلامه مَسْخرة وأضحوكة بين الناس؟
قيل لك: لأنه قوبل بما فاقه بدرجات كثيرة. ألا ترى ان شخصا ولو كان حسناً اذا قوبل بيوسف ﵇ لصار قبيحاً ولو كان مليحا. فثبت ان المعارضة لايمكن؛ فالقرآن معجز.
فان قلت: للمرتابين كثير من الاعتراضات والشكوك على تراكيب القرآن وكلماته مثل (إن هذان) ١ و (الصابئون) ٢ و (الذي استوقد ناراً) وامثالها من الاعتراضات النحوية؟
قيل لك: عليك بخاتمة مفتاح السكاكي فانه ألقمهم الحجر بـ"أفلا يتفطنون ان من كرر كلامه في زمان مديد مع انه فصيح بالاتفاق كيف لايحس بالغلطات التي تظهر لنظر هؤلاء الحمقاء"؟.
стр. 180
أما الوجه الثاني:
لنظم الآية فاعلم! ان الآية السابقة لما امرت بالعبادة استفسر ذهنُ السامع بـ "على أية كيفية نعبد"؟ فكأنه أجاب: كما علمكم القرآن! فعاد سائلا: كيف نعرف انه كلام الله تعالى؟ فأجاب بقوله: (وان كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا..) الخ.
أما نظم الجمل بعضها مع بعض فهو:
ان جملة (وان كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا) قد وقعت في موقعها المناسب؛ اذ لما أمر القرآن بالعبادة كأنه سُئل: كيف نعرف انه امر الله حتى يجب الامتثال؟ فقيل له: ان ارتبتَ فجرِّب نفسك لتتيقن انه امر الله..
ومن وجوه النظم ايضا ان القرآن لما اثنى على نفسه بجملة (ذلك الكتاب لاريب فيه هدى للمتقين) ثم استتبع مدحه مدح المؤمنين، ثم استطرد مدح المؤمنين ذم الكافرين والمنافقين، ثم استعقب الأمر بالعبادة والتوحيد.. عاد القرآن الى الأول بالنظر الى (لاريب فيه) أي: أما القرآن فليس قابلا للشك والريب؛ فما ريوبكم الاّ من مرض قلوبكم وسقامة طبعكم. كما:
قَدْ يُنْكَرُ ضَوْءُ الشَّمْسِ مِنْ رَمَدٍ وَيُنْفَرُ طَعْمُ اْلماءِ مِنْ سَقَمٍ
وأما نظم (فأتوا بسورة من مثله) فاعلم! ان هذه جزاء الشرط، وجزاء الشرط يلزم ان يكون لازماً لفعل الشرط. ولما كان الأمر تعجيزيا استلزم تقدير "تشبثوا". ولما كان الأمر انشاء والانشاء لايصير لازما، يلزم اَن يكون لازم الأمر جزاء. وهو الوجوب الذي هو من أصول معاني الأمر، ثم وجوب التشبث أيضاً لايظهر لزومه للريب فاقتضى تقدير جمل مطوية تحت ايجاز الآية. فالتقدير "ان كنتم في ريب انه كلام الله يجب عليكم ان تتعلموا اعجازه، فان المعجز لايكون كلام البشر ومحمّد ﵇ بشر، وان أردتم ظهور اعجازه فجرِّبوا أنفسكم ليظهر عجزكم، فيجب عليكم التشبث باتيان سورة من مثله".
فلله در التنزيل ما أوجزَه وما أعجزه!.
وأما نظم (وادعوا شهداءَكم من دون الله) فبثلاثة اوجه: