Полный текст (1 647 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= قال: وقد اختلف الناس في حكم المصراة؛ فذهب جماعة من الفقهاء إلى أنه يردها ويرد معها صاعًا من تمر، قولًا بظاهر الحديث؛ وهو قول مالك، والشافعي، والليث بن سعد، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبي عبيد وأبي ثور. وقال أبو يوسف وابن أبي ليلى: يرد قيمة اللبن.
وقال أبو حنيفة: إذا حلب الشاة فليس له أن يردها، ولكن يرجع على البائع بأرشها ويمسكها، واحتج بأنه خبر مخالف للأصول؛ لأن فيه تقويم المتلف بغير النقود، وفيه إبطال رد المثل فيما له مثل، وفيه تقويم القليل والكثير من اللبن بقيمة واحدة، وبمقدار واحد. واحتج أهل هذا القول أيضًا بحديث: "الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ".
قال الخطابي: والجواب عن هذا: أن الأصل أن الحديث إذا ثبت عن رسول اللهِ ﷺ ، وجب القول به، وصار أصلًا في نفسه، وعلينا قبول الشريعة المبهمة، كما علينا قبول الشريعة المفسرة، والأصول إنما صارت أصولًا لمجيء الشريعة بها، وخبر المصراة قد جاء به الشرع من طرق جياد أشهرها هذا الطريق، فالقول به واجب، وليس تركه لسائر الأصول أولى من تركها له.
قال: على أن تقويم المتلف بغير النقد موجود في بعض الأصول. منها: الدية في النفس مائة من الإِبل، ومنها: الغرة في الجنين. وقد جاء أيضًا تقويم القليل والكثير بالقيمة الواحدة؛ كأرش الموضحة مثلًا، فإنها ربما أخذت أكثر من مساحة الرأس، فيكون فيها خمسٌ من الإِبل، وربما كانت قدر الأنملة فيجب الخمس من الإِبل سواء. وكذلك الدية في الأصابع على اختلاف مقادير جمالها ومنفعتها، وجاءت السنة بالتسوية بين دية اللسان، والعينين، واليدين والرجلين. وأصحاب الرأي يوجبون في الحاجبين الدية، فأين منافع الحاجبين من اللسان واليدين والرجلين؟!
فكيف يجوز رد سنة ثابتة عن النبي ﷺ من أجل أن بينها وبين بعض السنن مخالفة في بعض أحكامها؟. إنَّ أصحاب الرأي يقولون بخبر الوضوء بالنبيذ، وبخبر نقض الرضوء بالقهقهة في الصلاة، وهما خبران ضعيفان عند أهل المعرفة بالحديث، فكيف، إذًا يردون الخبر الصحيح بأنه خبر مخالف للأصول؟!
قال الخطابي: وأما احتجاجهم بحديث: "الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ" فإن هذا الحديث مخرجه مخرج =
стр. 1087
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= العموم، وخبر المصراة إنما جاء خاصًا في حكم بعينه، والخاص يقضي على العام، قال: ولو جاء الخبران معًا مقترنين في الذكر، لصح الترتيب فيهما، ولاستقام الكلام، ولم يتناقض عند تركيب أحدهما على الآخر، فكذلك إذا جاءا منفصلين غير مقترنين، لأن مصدرهما عن قول من تجب طاعته، ولا تجوز مخالفته.
قال: وقد أخذ كل واحد مز، أبي حنيفة ومالك بطرف من الحديث وترك الطرف الآخر، فأبو حنيفة يقول: لا خيار أكثر من ثلاث، ولم يقل برد الصاع، ومالك يقول برد الصاع، ولم يأخذ بالتوقف في خيار الثلاث، فكان أصح المذاهب قول من استعمل الحديث على وجهه، وقال بجملة ما فيه. يعني مذهبه مذهب الشافعي.
قلت: التحقيق إن شاء الله والفقه ما ذهب إليه شيخ الشافعي مالك ﵀؛ الذي يقول برد الصاع، والذي يقول في مدة الخيار بما يحصل فيه التروي في مثلها عادة؛ لأن المقصود من مدة التروي اختبار السلعة، ومعلوم أن مدة اختبار ثوب لا يمكن أن تتناسب مع مدة اختبار رقيق في خلقه وعمله وقوته وضعفه وما إلى ذلك؛ ولا يمكن أن تتناسب مع مدة اختبار دار في معرفة أخلاق جيرانها، واختبار منافعها، والكشف عن أسسها، وبئرها، وتشطب جدرانها، إلى غير ذلك.
ولا يمكن أن يتناسب مع مدة اختبار دابة في خلقها وخلقها؛ من صعوبة وسهولة وحرن إلى غير ذلك.
وأما قول المختصر في الصاع: من غالب القوت، فهو مذهب المدونة، ولعله يعتمد على حديث جُميع بن عمير عن ابن عمر عند أبي داود، فإن سنده ليس بذاك كما قال الىخطابي. قال المنذري: والأمر كما قال. قال ابن نمير: هو من أكذب الناس. وقال ابن حبان كان رافضيًا يضع الحديث.
стр. 1088
وَحَرُمَ رَدُّ اللَّبَنِ (١)، لَا إنْ عَلِمَهَا مُصرَّاةً (٢)، أوْ لَمْ تضَرَّ وظَنَّ كَثْرَةَ اللَّبَنِ إلَّا إنْ قُصِدَ واشْتُرَيَتْ فِي وَقْتِ حِلابِهَا وَكَتَمَهُ، ولَا بغَيْرِ عَيْبِ التَّصْرِيَةِ على الأحْسَنِ وتَعَدَّدَ بِتَعَدُّدِهَا عَلَى المخْتارِ والأرْجَحِ (٣) وَإنْ حُلِبَتْ ثَالِثَةً، فإنْ حَصَلَ الاخْتِبَارُ بالثَّانِيَةِ فَهُوَ رضًا، وَفِي الموَازيَة لَهُ ذلِكَ، وَفِي كَوْنِهِ خِلَافًا تأويلان (٤). ومَنعَ مِنْهُ بَيْعُ حَاكِمٍ وَوَارِثٍ رَقيقًا فَقَطْ بَيَّنَ أنَّهُ إرْثٌ وَخُيَّرَ مُشْتَرٍ ظَنَّهُ غَيْرَهُمَا وتَبَرَّي غَيْرِهِمَا فِيهِ مِمَّا لَمْ يَعْلَمْ إنْ طَالَتْ إقَامَتُهُ، وَإذَا عَلِمَهُ بَيَّنَ أنَّهُ بِهِ، وَوَصَفَهُ أوْ أرَاهُ لَهُ ولَمْ يُجْملْهُ، وَزَوَالُهُ إلَّا مُحْتَمِلَ الْعَوْدِ، وَفِي زَوَالِهِ بِمَوْتِ الزَّوجَةِ وطَلَاقِهَا، وهُوَ المتأوَّلُ والأحْسَنُ، أوْ بالْمَوْتِ فَقَطْ، وهُوَ الأظْهَرُ، أو لا؟ أقْوَالٌ. وَمَا يَدُلُّ على الرِّضَا إلَّا مَا لَا يُنَقَّصُ كَسُكْنَى الدَّارِ، وحَلَفَ إنْ سَكَتَ بِلَا عُذْرٍ، فِي كَالْيَوْمِ، لا كَمُسَافِرٍ اضْطُرَّ لَهَا، أوْ تَعَذَّرَ قَوْدُهَا لِحَاضِرٍ، فَإنْ غَابَ بَائِعُهُ أشْهَدَ، فإنْ عَجَزَ أعْلَمَ الْقَاضِيَ فتَلَوَّمَ فِي بَعيدٍ الغيبةِ إنْ رُجِيَ قُدُومُهُ، كَأنْ لَمْ يُعْلَمْ مَوْضِعُهُ عَلى الأصَحَّ، وفيها أيْضًا نَفْيُ التَّلَوُّمِ، وفي حملِهِ على الخلاف، تأويلانِ، ثُمَّ قَضَى إِنْ أثْبَتَ عُهْدَةً مُؤرَّخَةً وصِحَّةَ الشِّرَاءِ إنْ لَمْ يَحْلِفْ عَلَيْهِمَا وَفَوْتُهُ حِسًّا كَكِتَابَةٍ وتَدْبِيرٍ، فَيُقَوَّمُ سَالِمًا ومَعيبًا ويُؤخَذُ مِنَ الثَّمَنِ النَّسْبَةُ وَوُقِفُ فِي رَهْنِهِ وإجَارَتِهِ لِخلاصِهِ، وَرُدَّ إن لَمْ يَتَغيَّر كعَوْدِهِ لهُ بِعَيْبٍ أوْ بِمِلْكٍ مُسْتأنَفٍ؛ كَبَيعٍ أوْ هِبَةٍ أوْ إرْثٍ، فَإنْ بَاعَهُ
(١) وقوله: وحرم رد اللبن، المواق: من المدونة قال ابن القاسم، وإذا ردها لم يكن له أن يرد اللبن معها إن كان قائمًا بغير صاع ولو كان له رده كان عليه في فواته مثله. ولو رضي البائع أن يقبلها مع اللبن بغير صاع لم يعجبني ذلك، لأنه وجب له صاع طعام فباعه قبل قبه بلبن، إلا أن يقبلها البائع بغير لبنها، فيجوز. =
стр. 1089
لأجْنَبِيٍّ مُطْلَقًا، أوْ لَهُ بِمِثْلِ ثَمَنِهِ أوْ أكثَرَ إنْ دَلَّسَ فلا رجوع، وإلَّا رَدَّ ثُمَّ رُدَّ عَلَيْهِ، ولَهُ بِأَقَلَّ كَمَّلَ، وتَغَيُّرُ المَبِيعِ إنْ تَوسَّطَ فَلَهُ أخْذُ القَدِيمِ، وَرَدُّهُ ودَفْعُ الْحَادِثِ، وقُوِّمَا بِتَقْوِيمِ المبِيعِ يَوْمَ ضَمِنَهُ المُشْتَرِي، ولَهُ إنْ زَادَ كصِبْغٍ أنْ يَرُدَّ ويَشْتَرِكَ بِمَا زَادَ يَوْمَ البَيْعِ عَلَى الأظْهَرِ، وجُبِرَ بِهِ الْحَادِثُ، وفُرِقَ بين مُدَلِّسٍ وغيْره إنْ نَقَصَ؛ كهَلَاكِهِ مِن التَّدْلِيسِ.
وأخْذِهِ مِنْهُ بأَكْثَرَ، وتَبَرٍّ مِمَّا لَمْ يَعْلَمْ، ورَدِّ سِمْسَارٍ جُعْلًا، ومَبيعٍ لِمَحَلِّهِ إنْ رُدَّ بِعَيْبٍ، وإلَّا رُدَّ إِنْ قَرُبَ، وإلَّا فَاتَ كَعَجَفِ دَابَّةٍ وسِمَنِهَا وعَمىً وشَلَلٍ وتَزْويجِ أمَةٍ وَجُبِرَ بالْوَلَدِ إلَّا أنْ يَقْبَلَهُ بِالْحَادِثِ أوْ يَقِلَّ فكَالْعَدَمِ؛ كَوَعَكٍ ورَمَدٍ وصُدَاعٍ وَذَهَاب ظُفُرٍ وخَفِيفِ حُمَّى وَوَطْءِ ثَيَّبٍ وقَطْعٍ مُعْتَادٍ.
= (٢) وقوله: لا إن علمها مصراة. يريد به والله أعلم، أنه إن اشتراها وهو عالم أنها مصراة، لم يكن له الرد، إلا أن يجدها قليلة اللبن جدًا دون المعتاد من مثلها، فإن لم تصر الشاة مثلًا، وظن المشتري كثرة لبنها، قال ابن القاسم في المدونة: من باع شاة حلوبًا غير مصراة في إبان حلابها، فإن لم يذكر ما تحلب، فإن كانت الرغبة فيها إنما هي اللبن، فإن يكن علم ذلك البائع فلا رد للمبتاع. قال. فإن كانت الرغبة فيها إنما هي اللبن والبائع يعلم ما تحلب فكتمه، فللمبتاع أن يرضاها أو يردها. قال: كصبرة يعلم البائع كيلها دون المبتاع.
(٣) وقوله: وتعدد بتعددها على المختار والأرجح، في المواق: قال اللخمي: اختلف إذا كان المبيع جماعة غنم هل يغرم صاعا واحدا أو يغرم صاعا عن كل شاة وهذا أصوب. وعزاه ابن يونس لابن الكاتب وصوبه.
(٤) وقوله: وإن حلبت ثالثة، فإن حصل الاختبار بالثانية فهو رضا، وفي الموازية له ذلك وفي كونه خلافًا تأويلان، في المواق: من المدونة قلت: فإن حلبها ثالثة؟. قال إن جاء من ذلك ما يعلم أنه حلبها بعد إن تقدم له من حلابها ما فيه خبرة، فلارد له، ويعد حلابها بعد الاختبار =
стр. 1090
والْمُخْرِجُ عَنِ المَقْصُودِ مُفِيتٌ، فَالْأرْشُ كَكِبَرِ صَغِيرٍ، وهَرَمٍ، وافْتِضَاضِ بِكْرٍ، وقَطْعٍ غَيْرِ مُعْتَادٍ، إلَّا أنْ يَهْلِكَ بِعَيْبِ التَّدْلِيسِ أوْ بِسَمَاوِيًّ زَمَنَهُ كَمَوْتِهِ في إِبَاقِهِ، وَإنْ بَاعَهُ المُشْتَرِي وَهَلَكَ بِعَيْبِهِ رَجَعَ عَلى المُدَلَّسِ إنْ لَمْ يُمْكِنْ رُجُوعُهُ عَلى بائِعِهِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، فإنْ زَادَ فلِلثَّانِي، وإنْ نَقَصَ فَهَلْ يُكَمِّلُهُ؟. قَوْلَانِ، وَلَمْ يُحَلَّفْ مُشْتَرٍ ادُّعِيَتْ رُؤيَتُهُ إلَّا بِدَعْوَى الإِرَاءَةِ، وَلَا الرِّضا بِهِ إلَّا بِدَعْوَى مُخْبِرٍ، ولَا بائِعٌ أنَّهُ لَمْ يَأْبَقْ لإِبَاقِهِ بالقُرْبِ. وَهَلْ يُفْرَقُ بَيْنَ أكْثَرِ الْعَيْبِ، فيرْجِعُ نالزَّائِدِ، وأقَلَّهِ، بِالْجَمِيعِ، أو بالزَّائد مُطْلَقًا.
أوْ بَيْنَ هَلَاكِهِ فِيمَا بَيَّنَهُ أوْ لَا؟. أقوالٌ. وَرُدَّ بَعْضُ المَبِيعِ بِحِصَّتِهِ، ورُجِعَ بِالْقِيمَةِ إِنْ كَانَ الثَّمَنُ سِلْعَةً إلَّا أن يَكُونَ الْأكْثَرَ أوْ أحَدَ مُزْدَوِجَيْنِ أوْ أْمًّا وَوَلَدَهَا، ولَا يَجُوزُ التَّمَسُّكُ بأَقَلَّ استُحِقَّ أكْثَرُهُ وَإنْ كَانَ دِرْهَمَانِ وَسِلْعَةٌ تُسَاوِي عَشَرَةً بِثَوْبِ، فاسْتُحِقَّتْ السَّلْعَةُ وَفَاتَ الثَّوْبُ، فَلَهُ قِيمَةُ الثَّوْبِ بِكَامِلِهِ ورَدَّ الدَّرْهَمَيْن، وَرَدُّ أحَدِ المشْتَرِيَيْنِ وَعَلى أحَدِ الْبَائِعَيْنِ، والْقَوْلُ لِلْبَائعِ فِي الْعَيْبِ
= رضا بها، ولا حجة عليه في الثانية إذ بها مختبر أمرها، وإنما يختبر ذلك الناس بالحلاب الثاني ولا يعرف بالأول، وفي الموازية: له زدها. قال اللخمي: وهو أحسن. وقال: عسى إن نقص لبنها في الثانية فظن نقصه من سوء المرعى ونحوه، ثم حلبها الثالثة فبان أنها مصراة، فله ردها بعد حلفه: ما رضي بها. ا. هـ. منه.
تنبيهٌ. موانع الخيار ومبطلاته صنفان: الأول منهما ما يبطل الرد على الإِطلاق؛ وهو. شرط البراءة مات العيب، وفوات المعقود عليه حسًا أو حكمًا، وما يدل على الرضا بالعيب، وزوال العيب قبل القيام به.
والصنف الثاني؛ ما يمنع من الرد على وجه دون وجه، شرع المصنف في تعداد ذلك بقوله ومنع بيع حاكم ووارت رقيقًا ألخ.
стр. 1091
أوْ قِدَمِهِ إلَّا بِشَهَادَةِ عَادَةٍ لِلْمُشْتَرِي، وحَلَفَ مَنْ لَمْ يُقْطَعْ بِصِدْقِهِ، وقُبِلَ لِلْتَّعَذُرٍ غَيْرُ عُدُولٍ وَإنْ مُشْرِكَيْنَ، ويَمِينُهُ بِعْتُهُ، وَفِي ذِي التَّوْفيَة، وأقْبَضْتُهُ وَمَا هُوَ بِهِ بتًّا فِي الظَّاهِرِ، وعَلى الْعِلْمِ فِي الْخَفِيِّ، والْغَلَّةُ لَهُ فِي الْفَسْخِ (١) وَلَمْ تُرَدَّ بِخِلَافِ وَلَدٍ وَثَمَرَةٍ أبِّرَتْ وَصُوفٍ تَمَّ (٢)؛ كَشُفْعَةٍ واسْتِحْقَاقٍ وتَفْلِيسٍ وفسَادٍ، ودَخَلَتْ فِي ضَمَانِ البَائعِ إنْ رَضِيَ بالْقَبْضِ أوْ ثَبَتَ عِنْدَ حَاكِمٍ وَإنْ لَمْ يَحْكُمْ بِهِ وَلَمْ يُرَدَّ بِغَلَطٍ إنْ سُمَّيَ بِاسْمِهِ، ولَا بِغَبْنٍ وَلَوْ خَالَفَ الْعَادَة (٣)، وهَلْ إلَّا أنْ يَسْتَسْلِمَ وَيُخْبِرَهُ بِجَهْلِهِ أوْ يَسْتَأمِنَهُ؟. تَرَدُّدٌ. وَرُدَّ فِي عُهْدَةِ الثَّلَاثِ بِكُلَّ حَادِثٍ إلَّا أنْ يَبِيعَ بِبَرَاءَةٍ (٤)، ودَخَلَتْ فِي الإِسْتِبْرَاءِ والنَّفَقَةُ عَلَيْهِ، وَلَهُ الأرْشُ كَالْمَوْهُوبِ لَهُ إلَّا المُسْتَثْنَى مَالُهُ، وَفِي عُهْدَةِ السَّنَةِ بِجُذَامٍ وبَرَصٍ وجُنُونٍ بِطَبْعٍ أوْ مَسِّ جِنٍّ، لَا بِكَضرْبَةٍ إِنْ شُرِطَا أوْ اعْتِيدَا. ولِلْمُشْتَرِي إسْقَاطُهُمَا، والمُحْتَمِلُ بَعْدَهُمَا مِنْهُ، لَا فِي مُنْكَحٍ بِهِ أوْ مُخَالَعٍ أوْ مُصَالَحٍ فِي دَمِ عَمْدٍ أوْ مُسْلَمٍ فِيهِ، أوْ بِهِ، أوْ قَرْضٍ، أَوْ عَلى صِفَةٍ أوْ مُقَاطَعٍ بِهِ مُكَاتَبٌ، أوْ مَبِيعٍ عَلى كَمُفَلَّسٍ أوْ مُشْتَرىً لِلْعِتْقِ أوْ مَأخُوذٍ عَنْ دَيْنٍ، أوْ رُدَّ بِعَيْبٍ، أوْ وُرِثَ أوْ وُهِبَ، أو اشْتَراهَا زَوْجُهَا، أوْ مُوصىً بِبَيْعِهِ مِنْ زيْدٍ أوْ مِمَّنْ أحَبَّ، أوْ بِشِرَائِهِ لِلْعِتْقِ، أوْ مُكَاتَبِ بِهِ، أوْ المبِيع فَاسِدًا، وسَقَطَتَا بِكَعِتْقٍ فِيهِمَا.
(١) وقوله: والغلة له للفسخ، أحب والغلة الناشئة من المبيع المعيب، التي لا يدل استيفاؤها على الرضا بالعيب، وسواء نشأت بلا تحريك؛ كلبن وصوف، أو عن تحريك قبل الاطلاع على العيب، أو بعد الاطلاع عليه في زمن الخصام، تكون للمشتري ابتداء، من حين العقد اللازم إلى غاية فسخ البيع بسبب العيب، ودليل ذلك قوله ﷺ من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: "الْخَراجُ بِالضَّمَانِ". قال البغوي: والمراد بالخراج الدخل والمنفعة. ومعنى الحديث: =
стр. 1092
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= إن من اشترى شيئًا فاستغله؛ بأن كان عبدًا، فأخذ كسبه، أو دارًا فسكنها أو أجرها فأخذ غلتها، أو دابة فركبها أو أكراها فأخذ الكراء، ثم وجد بها عيبًا قديمًا، فله أن يردها إلى بائعها، وتكون الغلة للمشتري لأن المبيع كات مضمونًا عليه، قوله ﷺ : "الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ" أي ملك الخراج ثابت بضمان أصله.
قال البغوي: وكذلك قال الشافعي فيما يحدث في يد المشتري من نتاج الدابة، وولد الأمة ولبن الماشية وصوفها، وثمرة الشجرة المشتراة، إنَّ الكل يبقى للمشتري، وله رد الأصل بالعيب. وذكر ابن قدامة في المغني أن المردود بالعيب لا يخلو من أن يكون بحاله، فإنه يرده ويأخذ رأس ماله، أو يكون المبيع قد زاد بعد العقد، قال: فذلك قسمان:
١ - أن تكون الزيادة متصلة كالسمن، والكِبَر، والتعلم، والحمل قبل الوضع، والثمر قبل التَّأبير، فهذا يرده معه كله لأنه أمر يتبع في العقود والفسوخ.
٢ - أن تكون الزيادة منفصلة، وهي نوعان:
أحدها أن تكون الزيادة من غير عين المبيع كالكسب، والغلة، وهي المنافع الحاصلة من جهتها كالخدمة والأجرة، وكذلك ما يوهب للعبد أو يوصى له به، فكل ذلك للمشتري في مقابل ضمانه؛ لأن المبيع لو هلك هلك من مال المشتري، وهذا معنى قوله ﷺ : "الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ".
قال: ولا نعلم في هذا خلافًا. وقد روى ابن ماجه عن هشام بن عمار عن مسلم بن خالد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ أن رجلًا اشترى عبدًا فاستغله ما شاء الله، ثم وجد به عيبًا فرده، فقال: يا رسول الله، إنه استغل غلامي. فقال له رسول الله ﷺ : "الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ". رواه أبو داود، والشافعي، ورواه سعيد في سننه عن مسلم بهذا الإِسناد، وقال فيه: "الْغَلَّةُ بِالضَّمَانِ". وبهذا قال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي. ولا نعلم عن غيرهم خلافهم.
- والنوع الثاني أن تكون الزيادة من عين المبيع كالولد، والثمرة، واللبن، فهي للمشتري ويرد الأصل دونها. كذا قرر ابن قدامه وقال: وبهذا قال الشافعي. وفصل مالك فقال: إن كان النماء ثمرة لم يردها، وإن كان ولدًا رده مع أصله. قال: لأن الرد حكم فسرى إلى ولدها كالكتابة. وقال أبو حنيفة: النماء الحادث في يد المشتري يمنع من الرد؛ لأنه لا يمكن رد الأصل بدونه =
стр. 1093
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= لأنه من موجَبه، فلا يرفع العقد مع بقاء موجبه، ولا يمكن رده معه؛ لأنه لم يتناوله العقد. ا. هـ. منه.
ولأجل ما نسب من التفصيل عن مالك في الفرق بين الزيادة إن كانت من عين المبيع أولا؟.
(٢) ذكر المصنف قوله: بخلاف ولد وثمرة أُبرت وصوف. قال في المدونة: من اشترى إبلًا أو بقرًا أو غنمًا فولدت عنده، ثم وجد بها عيبًا فلا يردها إلا مع ولدها، ولا شيء عليه في الولادة إلا أن ينقصها ذلك فيرد معها ما نقصها.
وفي الثمرة المؤبرة، قال ابن القاسم في المدونة: إن كانت الثمرة يوم الشراء مأبورة فاشترطتها، فإنك إن رددت النخل بعيب وقد جذذتها، رددت الثمرة معها، وإلا فلا شيء لك، فإن رددتها معها كان لك أجر سقيك وعلاجك. قال المواق: ما لم يجاوز قيمة الثمرة. قال ابن القاسم: لما لم تكن واجبة إلا بالاشتراط، صح أن لها حصة من الثمن، فلم ألزمها لك إلا بحصتها من الثمن.
وفي الصوف، قال ابن القاسم في المدونة: إن كان صوف الغنم يوم الصفقة تامًا فجزه، ثم ردها بعيب، فليردد ذلك الصوف معها أو مثله إن فات. ا. هـ. بنقل المواق.
وقال ابن قدامة: وإن كان المبيع جارية ثيبًا فوطئها المشتري قبل علمه بالعيب، فله ردها وليس معها شيء. روي ذلك عن زيد بن ثابت، وبه قال مالك والشافعي، وأبو ثور: وعثمان البتي.
وعن أحمد رواية أخرى، أن ذلك يمنع الرد. وهو مروي عن علي ﵁، وبه قال الزهري، والثوري، وأبو حنيفة، وإسحاق. قالوا: لأن الوطء يجري مجرى الجناية، لأنه لا يخلو في ملك الغير من عقوبة أو مال، فوجب أن يمنع الرد، كما لو كانت بكرًا وقال شريح، والنخعي، والشعبي، وسعيد بن المسيب، وابن أبي ليلى: يردها ومعها أرش. واختلفوا في ذلك الأرش؛ قال شريح والنخعي: نصف عشر ثمنها. وقال الشعبي: هو حكومة. وقال ابن المسيب: عشرة دنانير. وقال ابن أبي ليلى: مهر مثلها. وحكي نحوه عن عمر بن الخطاب ﵁.
قال: ولنا أنه معنىً لا ينقص عينها ولا قيمتها، ولا يتضمن الرضا بالعيب، فلا يمنع الرد؛ كالاستخدام، وكوطء الزوج، وما قالوه يبطل بوطء الزوج، ووطء البكر ينقص ثمنها: فلا يقاس عليه وطء الثيب. =
стр. 1094
. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= (٣) وقوله: ولا بغبن ولو خالف العادة، قال الحطاب: الغبن -بفتح الغبن وسكون الباء- عبارة عن بيع السلعة بأكثر مما جرت العادة أن الناس لا يتغابنون بمثله أو اشتراها كذلك. وقال في أول سماع ابن القاسم من كتاب الرهون: لو باع رجل جارية قيمتها مائة وخمسون دينارًا، بألف دينار وارتهن رهنًا، وكان مشتريها من غير أهل السفه، جاز ذلك - قال ابن رشد: هذا يدل على أنه لا قيام في بيع المكايسة بالغبن، ولا أعرف في المذهب في ذلك نص خلاف. قال: وقد حكى بعض البغداديين عن المذهب -وعزاه لابن القصار- أنه يجب الرد بالغبن إذا كان أكثر من الثلث، وليس ذلك بصحيح لقول رسول الله ﷺ : "لَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ، دَعُوا النَّاسَ يَرْتَزِقُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ". وفي قوله ﷺ : "غَبْنُ الْمُسْتَرْسِلِ ظُلْمَ". دليل على أنه لاغبن في غير المسترسل، وما لم يكن فيه ظلم فهو حق لا يجب القيام به، قال: وقد استدل على ذلك بعض الناس بقوله ﷺ في الأمة الزانية: "بِيعُوهَا وَلَوْ بِطُفَيْرٍ"؟ وبقوله ﷺ لعمر: " لَا تَشْتَرِهِ وَلَوْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَم".
قال: وهذا لا دليل فيه؛ لأنه خرج على المبالغة في التقليل، مثل قوله ﷺ في العقيقة: "وَلَوْ بِعُصْفُورٍ". وقوله ﷺ : "مَنْ بَنَى مَسْجِدًا وَلَوْ بِقَدْرِ مَفْحَصَةِ قَطَاةٍ بَنَى اللّهُ لَهُ بِهِ بَيْتًا في الْجَنَّةِ". وأشباه ذلك كثير. ا. هـ.
قال ابن عبد السلام وظاهر الأحاديث يدل على صحة مشهور المذهب لقوله ﷺ في حديث جابر في الجمل الذي باعه منه، وقد ساومه أولًا: "بِعْنِيهِ بِدِاْهَمٍ". فَقال: لا. ثم ثبت في الصحيح أنه باعه له بخمس أواق على أن له ظهره إلى المدينة. ا. هـ. منه.
قلت: وأصل رد البيع بالغبن عند من يقول به الحديث المتفق عليه من حديث عبد الله بن عمر أن رجلًا ذكر لرسول الله ﷺ أنه يخدع في البيوع، فقال رسول الله ﷺ : "إِذَا بَابَعْتَ فَقُلْ لَا خِلَابَةَ". قال: فكان الرجل إذا بايع يقول: لا خِلابة.
قال البغوي: الخلابة، الخديعة، وهي مصدر خَلَبْتُ الرجل، إذا خدعته، أَخْلُهُ، خَلْبًا، وخِلابةً. وفي المثل: إذا لم تَغْلِبْ فاخْلِبْ. أي إذا أعياك الأمر مغالبة، فاطلبه مخادعة.
قال البغوي: وفي جواز رد البيع بالغبن اختلف االناس؛ فذهب بعضهم إلى أن هذا الحديث خاص بحَبَّان بن منقذ، جعل له النبي ﷺ شرطًا في بيوعه ليكون له الرد إذا تبين الغبن في صفقته.
стр. 1095
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وقال بعضهم: الخبر عام في حق كافة الناس، إذا ذكروا هذه الكلمة في البيع كان لقائلها الردُّ إذا ظهر الغبن في البيع. وهو قول أحمد بن حنبل، قال: فكان سبيله سبيلَ من باع أو اشترى على شرط الخيار.
وذهب أكثر الفقهاء إى أن البيع إذا صدر عن غير محجور عليه، فلا رد له بالغبن. وقال مالك ابن أنس: إذا لم يكن المشتري ذا بصيرة، فله الخيار إذا كان مغبونًا. وقال أبو ثور: إذا كان غبنًا لا يتغابن الناس بمثله فالبيع فاسد. ا. هـ. منه.
تنبيهٌ: قال ابن رشد في المقدمات: أما بيع المكايسة؛ فهو أن يساوم الرجل الرجل في سلعته، فيبتاعها منه بما يتفقان عليه من الثمن، ثم لا قيام للمبتاع فيها بغبن ولا بغلط على المشهور من الأقوال. وقد قيل: إنه يرجع بالغلط. وهو ظاهر ما في كتاب الأقضية من المدونة.
قال: وأما الغبن -وهو الجهل بقيمة المبيع- فافى رجوع له في بيع المساومة. هذا ظاهر ما في سماع ابن القاسم من كتاب الرهون، ولا أعرف في المذاهب في ذلك نص خلاف.
قال: وأما بيع المزايدة؛ فهو أن يطلق الرجل السلعة في النداء ويطلب الزيادة فيها، فمن أعطى فيها شيئًا لزمه إلا أن يزاد عليه، فيبيع البائع من الذي زاد عليه، أو لا يمضيها له حتى يطول النداء.
قال: وأما بيع الاستنابة والاسترسال؛ فهو أن يقول الرجل: اشترِ مني كما تشتري من الناس، فإني لا أعلم القيمة. فيشتري منه بما يعطيه من الثمن.
قال: فالبيع والشراء على هذا الوجه جائز، إلا أن البيع على المكايسة والمماكسة أحب إلى أهل العلم وأحسن عندهم. والقيام بالغبن في البيع والشراء إذا كان على الإسترسال والاستنابة واجب الرد بإجماع لقول رسول الله ﷺ : "غَبْنُ الْمُسْتَرْسِلِ ظُلْمٌ". وبالله تعالى التوفيق. ا. هـ. منه.
(٤) وقوله: ورُد في عهدد الثلاث بكل حادث إلا أن يبيع ببراءة، قال المواق: الباجي: معنى العهدة تعلق المبيع بضمان البائع. وقال ابن شاس: خاتمة للنظر في خيار النقيصة تشتمل على ذكر العهدتين وهما: صغرى في الزمان كبرى في الضمان، وكبرى في الزمان صغرى في الضمان، فالأولى هي عهدة الثلاث.=
стр. 1096
وَضَمِنَ بائِعٌ مَكِيلًا لِقَبْضِهِ بِكَيْلٍ؛ كَمَوْزُونٍ وَمَعْدُودٍ والأْجْرَةُ عَلَيْهِ،
= ودليل عهدة الرقيق ما أخرجه أبو داود، باب في عهدة الوقيق: عن الحسن -وهو البصري- عن عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال: "عُهْدَة الرَّقِيقِ ثَلَاثَةُ أَيَّام". قال المنذري: وفي رواية: "إنْ وَجَدَ دَاء في الثَّلَاثِ لَيَالٍ رَدَّ بِغَيْرِ بَيَّنَةٍ، وِإِنْ وَجَدَ دَاءً بَعْدَ الثَّلاثِ كُلَّفَ الْبَيَّنَةَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ وَبِهِ هذَا الدَّاءُ".
قال أبو داود: هذا كلام قتادة. والحسن لم يصح له سماع عن عقبة بن عامر. ذكر ذلك ابن المديني وأبو حاتم الرازي، فهو منقطع. قال: وقد وقع أيضًا فيه الاضطراب، فأخرجه الإِمام أحمد في مسنده وفيه: "عُهْدَةُ الرَّقِيقِ أَرْبَعُ لَيَالٍ". وأخرجه ابن ماجه في سننه، وفيه: "لَا عُهْدَةَ بَعْدَ أَرْبَعٍ"، وقيل فيه أيضًا: عن سمرة أو عقبة، على الشك، فوقع الاضطراب في متنه وإسناده. وقال البيهقي: وقيل عنه عن سمرة، وليس بمحفوظ. وقال أبو بكر الأثرم: سألت أبا عبد الله - يعني -أحمد بن حنبل- عن العهدة قلت: إلى أي شيء تذهب فيها؟ فقال: ليس في العهدة حديث يثبت، هو ذاك الحديث حديث الحسن، وسعيد، يعني ابن أبي عروبة أيضًا يشك فيه؛ يقول عن سمرة أو عقبة.
قال الخطابي: معنى عهدة الرقيق، أن يشتري العبد أو الجارية ولا يشترط البائع البراءة من العيب، فما أصاب المشتري من عيب المبيع في الأيام الثلاثة لم يردَّ إلا ببينة. وهكذا فسره قتادة فيما ذكره أبو داود عنه، قال: وإلى هذا ذهب مالك بن أنس وقال: هذا إذا لم يشترط البائع البراءة من العيب. قال: وعهدة السنة من الجنون والجذام والبرص، فإذا مضت السنة، قد برئ البائع من العهدة كلها.
قال: ولا عهدة إلا في الرقيق خاصة. وهذا قول أهل المدينة. ابن المسيب، والزهري أعني عهدة السنة في كل داء عضال أي صعب. قال: وكان الشافعي لا يعتبر الثلاث والسنة في شيء منها، وينظر إلى العيب، فإن كان مما يحدث مثله في مثل المدة التي اشتراه فيها إلى وقت الخصومة، فالقول قول البائع مع يمين، وإن كان لا يمكن حدوثه في تلك المدة رده على البائع. ا. هـ. من مختصر أبي داود للمنذري ومعالم السنن للخطابي.
стр. 1097
بِخِلَافِ الْإِقَالَةِ والتَّوْلِيَةِ والشَّرِكَةِ عَلى الأرْجَح، فكالْقَرْضِ (١) واسْتَمَرَّ بِمِعْيَارِهِ وَلَوْ تَوَلَّاهُ المُشْتَرِي، وَقَبْضُ الْعَقَارِ بِالتَّخْلِيَةِ، وَغَيْرِهِ بِالْعُرْفِ، وَضُمِنَ بالْعَقْدِ إلَّا المَحْبُوسَةَ لِلثَّمَنِ وَلِلْإِشْهَادِ فَكَالرَّهْنِ، وإلَّا الْغَائِبَ فَبِالْقَبْضِ، وإلا المُواضَعَةَ فَبِخُرُوجِهَا مِنَ الحَيْضَةِ، وإلا الثِّمَارَ لِلْجَائِحَةِ، ويُدِّئَ المُشْتَرِي للتَّنَازُعِ، والتَّلَفُ وقْتَ ضَمَانِ الْبَائِعِ بِسَمَاوِيٍّ فَسْخٌ، وَخُيِّرَ المُشْتَرِي إِنْ غَيَّبَ أَوْ عُيِّبَ، أو اسْتُحِقّ شَائِعٌ وَإنْ قَلَّ، وتَلَفُ بَعْضِهِ أوْ اسْتِحْقَاقُهُ كَعَيْبٍ بِهِ، وَحَرُمَ التَّمَسُّكُ بِالأقَلَّ، إِلا المِثْلِيَّ وَلَا كَلَامَ لِوَاجِدٍ فِي قَلِيلٍ لَا يَنْفَكُّ كَقَاعٍ، وَإنِ انْفَكَّ فَالِلْبَائِعِ الْتِزَامُ الرُّبُعِ بحِصَّتِهِ لَا أكْثَرَ، ولَيْسَ لِلْمُشْتَرِي الْتِزَامُهُ بِحِصَّتِهِ مُطْلَقًا، وَرُجِعَ لِلْقِيمَةِ لا لِلتَّسْمِيَةِ وَصَحَّ وَلَوْ سَكَتَا لَا إنْ شَرَطَا الرُّجُوعَ لها، وإتْلَافُ المُشْتَري قَبْضٌ، والْبَائِعِ والأجْنَبِيَّ يُوجِبُ الْغُرْمَ، وَكَذلِكَ إتْلَافُه، وَإنْ أهْلَكَ بَائعٌ صُبْرَةً عَلى الْكَيْلِ، فَالْمِثْلِ تَحَرِّيًا لِيُوَفَّيَهُ ولَا خِيارَ لَكَ، أوْ أجْنَبِيٌّ فَالْقِيمَةُ إنْ جُهِلَتِ الْمَكِيلَةُ، ثُمَّ اشْتَرى الْبَائِعُ مَا يُوَفَّي فإنْ فَضَلَ فَلِلْبَائِعِ، وَإنْ نَقَصَ فكالاسْتِحْقَاقِ. وجَازَ الْبَيْعُ قَبْلَ الْقَبْضِ إلا مُطْلَقَ طَعَامِ المُعَاوَضَةِ وَلَوْ كَرِزْقِ قَاضٍ أُخِذَ بِكَيْلٍ أوْ كَلَبَنِ شَاةٍ وَلَمْ يَقْبِضْ مِنْ نَفْسِهِ إلَّا كوَصِيًّ لِيَتِيمَيْهِ (٢)، وجَازَ بالْعَقْدِ جُزَافٌ وَكَصَدَقَةٍ وبَيْعُ مَا على مُكاتَبٍ مِنْهُ، وَهَلْ إنْ عُجَّلَ الْعِتْقُ؟ تَأويلَانِ. وإقْواضُهُ أوْ وَفَاؤهُ عَنْ قَرْضٍ، وبَيْعُهُ لِمُقْتَرِضٍ وإقَالَةٌ مِنَ الْجَميع وإنْ تَغَيَّرَ سُوقُ شَيْئِكَ لَا بَدَنُهُ؛ كَسِمَنِ دَابَّةٍ وَهُزَالِهَا بِخِلَافِ الأمَةِ، وَمِثْلُ مِثْلِيِّكَ إلَّا الْعَيْنَ فَلَهُ دَفْعُ مِثْلِهَا وَإنْ كَانَتْ بِيَدِهِ. والإِقَالَةُ بَيْعٌ إلَّا فِي الطَّعَامِ والشُّفْعَةِ والمُرابَحَةِ (٣) والتَوْلِيَةِ والشركة إنْ لَمْ يَكُنْ
(١) وقوله: والأجرة عليه بخلاف الإِقالة والتولية والشركة على الأرجح فكالقرض، يريد به، =
стр. 1098
عَلى أنْ يَنْقُدَ عَنْكَ واسْتَوى عَقْدَاهُمَا فِيهِمَا وَإلَّا فبَيْعٌ كَغَيْرِهِ، وَضَمِنَ المُشْرَكُ المُعَيَّنَ وطَعَامًا كِلْتَهُ وَصَدَّقَكَ، وَإنْ أشْرَكَهُ حُمِلَ، وإنْ أطْلَقَ، عَلى النّصْفِ وإنْ سَألَ ثَالثٌ شرِكَتَهُمَا فَلَهُ الثُّلُثُ، وَإنْ ولَّيْتَ ما اشْتَرِيْتَ بِمَا اشْتَرَيْتَ، جَازَ إنْ لَمْ تُلْزِمْهُ وَلَهُ الْخِيَارُ، وإنْ رَضِيَ بأنَّهُ عَبْدٌ ثُمَّ عَلِمَ بِالثَّمَنَ فَكَرِهَ فَذلِكَ لَهُ، والأضْيَقُ صَرْفٌ، ثُمَّ إقَالَةُ طَعَامٍ، ثم تَوْلِيةٌ وشَرِكَةٌ فِيهِ، ثُمَّ إقَالَةُ عُرُوضٍ، وفَسْخُ الدَّيْن فِي الدَّيْنِ، ثُمَّ بَيْعُ الدَّيْنِ ثُمَّ ابْتِدَاؤه.
= والله أعلم، أن أجرة كيل المكيل أو وزن الموزون أو عد المعدود، مما فيه حق توفية، هي على البائع لوجوب التوفية عليه ولا تحصل إلا بذلك، كما أن أجرة كيل أو وزن أو عد المعدود في الثمن على المشتري لأنه بائعه، إلا لشرط أو عرف، بخلاف الإِقالة؛ وهي ترك المبيع لبائعه بثمنه، والتولية؛ وهي ترك المبيع لغير بائعه بثمنه، والشركة؛ وهي ترك بعض المبيع بثمنه لغير بائعه، فإن الأجرة فيها على المُقال والمولَى والمشرَك -بفتح لام المولى وراء المشرك- لأن المقيل والمولي والمشرك -بصيغة اسم الفاعل في ثلاثتهم- فإنما فعلوا معروفًا، وإذًا فلا غرم عليهم، فهم كالمقرض لمكيل أو موزون أو معدود في أن أجرة الكيل والوزن والعد على المقترض لا على المقرض؛ لأنه إنما صنع معروفًا فلا غرم عليه. ا. هـ.
(٢) وقوله: ولم يقبض من نفسه إلا كوصي ليتيميه، هو في هذين الفرعين مشى على شطري القاعدة الخلافية التي هي: هل تكون اليد قابضة دافعة في آن واحد؟ والتي عقدها في المنهج المنتخب بقوله:
هل تقبض اليد وتدفع معا؟ … وهل يكون قابضًا ما صنعا؟
ثم رتب على القاعدة الأولى المذكورة في الشطر الأول من البيت، والتي هي: اليد الوحدة، هل تكون قابضة دافعة في وقت واحد، رتب على ذلك قوله:
كمال محجور لأول عرف
يعني أن الأول يبنى عليه مال مال المحجور؛ يعني بذلك تصرف الولي في مال محجوريه،=
стр. 1099
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= يبيع طعام أحدهم على الآخر، ثم يبيعه أيضًا على ثالث منهم من غير قبض حسي، فقد صارت يده بذلك قابضة دافعة.
وقولنا: إنه مشى على شطري القاعدة بفرعيه اللذين ذكرهما؛ لأنه قال في الأول: إنه لا يجوز له أن يقبض طعام المعاوضة من نفسه في حالة توكيله على شراء طعام وبيعه، فاشتراه وصار بيده ثم اشتراه من موكله، فلابد له من توفيته ولا يكتفي بقبضه لنفسه من نفسه. ثم قال مستثنيًا: إلا أن يكون كوصي ينصرف ليتيميه. فأردت التنبيه على أنه استعمل شطري القاعدة في آن واحد. وبالله تعالى التوفيق.
(٣) وقوله: والإقالة بيع إلا في الطعام والشفعة والمرابحة، يعني أنه يقرر من الخلاف الواقع أصلًا في الإقالة: هل هي بيع مستأنف، أم هي حل للبيع الأول؟. أن الإقالة عند أصحابنا بيع، يشترط فيها شروطه وتمنعها موانعه، وإن حدث في المبيع عيب وقت ضمان المشتري، ولم يعلم به البائع إلا بعد الإِقالة، فله رده به على المشتري، إلا الإِقالة في الطعام قبل قبضه؛ إن وقعت على الثمن الأول فإنها حل للبيع الأول وليس لها حكم البيع المستأنف، فإن وقعت بزيادة عن الثمن الأول أو نقص فهي بيع تجري عليها أحكامه، وإلا في الشفعة؛ فمن باع شقصه من عقار مشترك فلشريكه الشفعة، ولو تعدد البيع فله الخيار في أخذه بأي بيع شاء، وعهدته على المشتري الذي يأخذ منه، وإلا الإقالة بالنسبة لبيع المرابحة فليست بيعًا؛ فإن اشترى شيئًا بعشرة وباعه مرابحة بخمسة عشر، ثم أقاله البائع. فلا يجوز له بيعه بالمرابحة بخمسة عشر ولا بعشرة إلا مع بيان الإِقالة لكراهة النفوس المقال منه.
قلت: وقد عقد الشيخ على الزقاق هذه القاعدة الخلافية في المنهج المنتخب بقوله:
هل نقضٌ أوْ بَيْعٌ إقالَةٌ بلا … زَيْدٍ ونقصٍ، وعليه نقلا
إقَالَةٌ في بيع ما أزهى وقد … يبس، كالعهدة، والفرق أسدّ
نَقْضٌ بطُعمٍ، شفعةٍ، مرابحةْ … في غيرها بيعٌ …
يعني أنهم اختلفوا في الإقالة: هل هي ابتداء بيع، أو هي حل للبيع من أصله؟. ومحل =
стр. 1100
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= الخلاف إذا كانت بلا زيد ولا نقص على الثمن الأول، وإلا فهي بيع حقيقي؛ وهذا الخلاف يجري عليه بيع ما أزهى من الثمار وقد وقع يبس، فهل تجوز إقالته؟. فعلى أنها حل للبيع جازت، لأنها على عين الشيء، ولا يعد ذلك من بيع الطعام واقتضاء شيء غيره عنه، وعلى أنها بيع، يمنع ذلك ويكون حينئذ من باب اقتضاء طعام من ثمن طعام آخر. وعليه أيضًا ثبوت العهدة على أنها بيع، وعدم ثبوتها على أن الإِقالة حل للبيع الأول.
وقوله في النظم: والفرق أسدّ، أي والتفصيل أسدّ بأن يقال: هي بيع في كل شيء عند أصحابنا إلا في ثلاث مسائل فإنها نقض للبيع فيها: وهي الطعام يتقايل فيه قبل القبض، والشفعة بالنسبة إلى العهدة؛ وذلك أن عهدة الشفعة على المشتري، فلو تقايل المتبايعان قبل أخذ فذلك لا يسقط الشفعة، وعهدة الشفيع على خصوص المشتري كما لو أخذ من يده قبل التقايل، والمسألة الثالثة المرابحة، وهي أن يبيع الشيء على المرابحة بعشرة مثلًا، ثم أقاله المشتري على البائع على الثمن الأول، فلا يجوز أن يبيعه مرابحة على أن رأس ماله عشرة حتى يبين، ولو كان بيعًا لجاز. ا. هـ. من شرح المنهج لابن أحمد زيدان الجكني.
وأصل جواز الإِقالة دليله ما أخرجه أبو داود: باب في فضل الإِقالة: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا أَقالَةُ اللهُ عَثْرَتَهُ". قال شعيب: وأخرجه ابن ماجه في التجارات، باب الإِقالة، وأخرجه البيهقي، وإسناده صحيح، وصححه ابن حبان، والحاكم، وابن دقيق العيد، وابن حزم، ا. هـ. منه.
وفي البغوي بسنده عن شريح الشَّامي: قال: قال رسول الل ﷺ : "مَنْ أَقالَ أَخَاهَ الْمُسْلِمَ صَفْقَةً كَرِهَهَا، أَقَالَ اللهُ عَثْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". قال البغوي: هذ حديث مرسل، والإِقالة في البيع والسلم جائزة قبل القبض وبعده، وهي فسخ للبيع الأول حتى ولو تبايعا وتقابضا ثم تقايلا؛ فيجوز لكل واحد منهم التصرف فيما عاد إليه بالإِقالة قبل أن يسترده إلى أن قال: وهو قول الشافعي،. هـ. منه.
стр. 1101
فَصْلٌ
وَجَازَ مَرَابَحَةٌ، والأحَبُّ خِلَافُهُ (١)، وَلَوْ عَلى مُقَوَّمٍ، وَهَلْ مُطْلَقًا أوْ إنْ كَانَ عِنْدَ المُشْتَرِي؟ تَأويلَانِ. وحُسِبَ رِبْحُ مَا لَهُ عَيْنٌ قَائِمَهٌ كَصِبْغٍ وطَرْزٍ، وقَصْرٍ، وخِيَاطَةٍ، وفَتْلٍ، وكَمْدٍ، وتَطْريَةٍ، وأصْلُ ما زَادَ فِي الثَّمَنِ كَحُمُولَةٍ، وشَدٍّ، وطَيٍّ اعْتِيدَ أجْرَتُهُمَا وَكِراءُ بَيْتٍ لِسِلْعَةٍ وإلَّا لَمْ يُحْسَبْ كسِمْسَارٍ لَمْ يُعْتَدْ، إنْ بَيَّن الْجَمِيعَ أوْ فَسَّرَ الْمَئُونَةَ فَقَالَ: هِي بِمائةٍ أصْلُهَا كذا وَحَمْلُهَا كَذَا. أوْ عَلى المرابَحَةِ وبَيَّن كَرِبْح العَشَرَةِ أحَدَ عَشَرَ ولم يُفَصِّلَا مَا لَهُ الربْحُ وزيدَ عُشْرُ الأصْلِ، والْوَضِيعَةُ كذلك، لَا أبْهَمَ؛ كَقَامَت عَليَّ بكَذَا. أوْ قَامَتْ بشَدَّها وَطَيِّها بِكَذَا. ولَمْ يُفَصِّلْ، وهَلْ هو كذِبٌ أوْ غِشٌّ؟. تَأوِيلَانِ. وَوَجَبَ تَبْيِينُ مَا يُكْرَهُ كَمَا نَقَدَهُ وعَقَدَهُ مُطْلَقًا والأجَلِ وإنْ بِيعَ على النَّقْدِ، وطُولِ زَمَانِهِ، وتجاوُزِ الزَّائِفِ، وهِبَةٍ اعْتِيدَتْ، وأنَّها لَيْسَتْ بَلَدِيَّةً أوْ مِنَ التِرْكَةِ، وَوِلَادَتُهَا
الكلام على المرابحة
(١) قوله: جاز مرابحة، والأحب خلافه، اعلم أن البيوع تنقسم إلى أربعة أقسام هي: بيع مرابحة، وبيع مكايسة، وبيع مزايدة، وبيع استنابة واسترسال.
فأما بيع المرابحة فإنه على وجهين:
أحدهما: ربحٌ مسمى على جملة الثمن. والثاني: أن يربحه للدرهم درهمًا، أو للدرهم نصف درهم، أو للعشرة أحد عشر، أو أقل أو أكثر على حسب ما يتفقان عليه. وحكمه الجواز، غير أن المواق نقل عن ابن رشد قوله: البيع على المكايسة والمماكسة أحب إلى أهل العلم وأحسن عندهم، ا. هـ. وذلك ماعناه المصنف بقوله: والأحب خلافه.
قلت: وحيث إنه لم يكن في الموضوع نص، وإنما هي مسائل اجتهادية، فإن ذلك ليس=
стр. 1102
وَإنْ بَاعَ وَلَدَهَا مَعَهَا، وَجَذِّ ثَمَرَةٍ أُبِّرَتْ، وَصُوفٍ تَمَّ، وَإقالةِ مُشْتَريهِ إلَّا بزيادَةٍ أوْ نَقْصٍ، والركُوب، واللُّبْسِ، والتَّوْظِيفِ وَلَوْ مُتَّفِقًا إلَّا مِنْ سَلَمٍ لَا غَلَّةِ رَبْعٍ كَتَكْمِيلِ شِرَائِهِ، لَا إنْ وَرِثَ بَعْضَهُ، وهَلْ إنْ تَقَدَّمَ الإِرْثُ أوْ مُطْلَقًا؟. تَأوِيلَانِ. وَإنْ غَلِطَ بنَقْصٍ وصُدِّقَ أوْ أثْبَتَ رَدَّ أوْ دَفَعَ مَا تَبيَّنَ وَربْحَهُ، فإنْ فَاتَ خُيَّرَ مُشْترِيهِ بَيْنَ الصَّحِيحِ وَرِبْحِهِ وقِيمَتِهِ يَوْمَ بَيْعِهِ ما لم تَنْقُصْ عَنِ الْغَلَطِ وربْحِهِ، وإنْ كذَبَ لَزمَ المشْتَرِيَ إنْ حَطَّهُ ورِبْحَهُ، بخِلَافِ الْغِشِّ، وإنْ فَاتَتْ فَفِي الْغِشِّ أقَلُّ الثَّمَنِ والْقِيمَةِ، وَفِي الْكَذِب خُيِّرَ بَيْنَ الصّحِيحِ وَرِبْحِهِ أوْ قيمَتِهَا ما لَمْ تَزِدْ على الْكَذِبِ وَرِبْحِهِ، ومُدَلِّسُ المُرابَحَةِ كَغَيْرِهَا.
= مما التزمت الإِتيان به، غير أنه لما كانت المرابحة من المسائل الواقعة في المجتمع يوميًا، فلابد من تبيين بعض أحكامها اختصارًا من مقدمات ابن رشد، قال:
فإن كان في السلعة المبيعة مرابحة ما له عين قائمة؛ كالصبغ والكمد والفتل والخياطة وما أشبه ذلك، فإنه بمنزله الثمن ويجب له الربح، وأما ما ليس له عين قائمة، فإن كان مما لا يختص بالمتاع فإنه لا يحسب في أصل الثمن ولا يحسب له ربح، وذلك كنفقة وكراء ركوبه وكراء بيته وإن خزن المتاع فيه، لأن العادة جارية أن يخزن الرجل متاعه في بيت سكناه، وأما ما يختص بالمتاع، فإن كان مما، يستأجر عليه غالبًا ولا يتولاه التاجر بنفسه؛ كحمل المتاع ونفقة الرقيق ونحو ذلك، فإنه يحسب في أصل الثمن ولا يحسب له ربح لأنه ليس له عين قائمة. قال: وإذا اشترى المبتاع ما يعلم أنه لا يشتريه إلا بواسطة سمسار تجري العادة بذلك، أو اكترى منه مخزنًا يجعل فيه المتاع، فيجب أن يحسب ذلك في أصل الثمن ولا يحسب له ربح. قال: وهذا إذا بيّن هذه الأشياء كلها فقال: اشتريت هذه السلعة بكذا، أو صبغتها بكذا، أو اكتريت عليها بكذا، وأعطيت عليها السمسار كذا، فأبيعها بربح للعشرة أحد عشر. فحينئذ يكون العمل على هذا، وينظر إلى ما سمى مما له عين قائمة فيحسب ويحسب له الربح، وما لم تكن له عين قائمة إلا أنه يختص
стр. 1103
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= بالمتاع ولا يتولاه التاجر بنفسه عادة، فإنه يحسب ولا يحسب له ربح.
وأما إن قال: قامت علي هذه السلعة بكذا وكذا، وأبيعها بربح للعشرة أحد عشر. وما أشبه ذلك، ولم يبين هذه الأشياء، فالعقد على هذا فاسد؛ لأن المشتري لا يدري كم رأس المال الذي يجب له الربح، وكم أضيف إليه مما يحسب رأسًا ولا يجب له الربح، وما لا يحسب رأسًا ولا يجب له ربح، وهذا جهل بيّن في الثمن.
والوجه الثاني من وجوه المرابحة هو ربح مسمى على جملة الثمن؛ فإن سمى أيضًا ما اشتراها به، وما أنفق عليها مما له عين قائمة وما ليس له عين قائمة مما يحسب أو لا يحسب جاز البيع.
قال: ولا يجوز في بيع المرابحة أن يكتم البائع من أمر سلعته ما إذا ذكره كان أوكس للثمن أو أكره للمبتاع؛ لأن ذلك من أكل المال بالباطل الذي نهى الله عنه، ومن الغش والخديعة والخلابة المنهي عنه بالسنة.
فإن زاد البائع مرابحة في الثمن، كان للمشتري الخيار أن يمسك السلعة بجميع الثمن أو يردها، إلا أن يشاء البائع أن يحط عنه الزيادة وما ينويها من الربح فيلزمه البيع المسأله الأولي وأما من باع مرابحة وخدع المبتاع وغشه، فإن كتم من أمر السلعة ما يكره، ولم يزد عليه في الثمن ولا دلس به بعيب، فالمبتاع بالخيار بين أن يمسك بجميع الثمن أو يرد، وليس للبائع إلزامه برضاها وإن حط عنه من ثمنها. ا. هـ. منه باختصار.
قال مالك في الموطإ: الأمر المجمع عليه عندنا في البز يثتريه الرجل ببلد، ثم يقدم به بلدًا آخر فيبيعه مرابحة، إنه لا يحسب فيه أجر السماسرة، ولا أجر الطيِّ ولا الشد، ولا النفقة ولا كراء بيت. أما كراء البز في حملانه فإنه يحسب في أصل الثمن، ولا يحسب فيه ربح إلا أن يُعلم البائعُ من يساومه بذلك كُلِّه؛ فإن ربحوه على ذلك كله بعد العلم به فلا بأس به.
قال مالك: فأما القصارة والخياطة والصِّباغ وما أشبه ذلك، فهو بمنزلة البز يحسب فيه الربح كما يحسب في البز؛ فإن باع البز ولم يبين شيئًا مما سميت إنه لا يحسب له فيه ربح، فإنْ فات البز فإن الكراء يحسب ولا يحسب عليه ربح، فإن لم يفت البز فالبيع مفسوخ بينهما الا أن يتراضيا على شيء مما يجوز بينهما.
قال مالك: وإذا باع رجل سلعة قامت عليه بمائة دينار بعشرة أحد عشر، ثم جاءه بعد ذلك= المسأله الرابعة
стр. 1104
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= أنها قامت عليه بتسعين دينارًا، وقد فاتت السلعة خيّر البائع، فإن أحب فله قيمة سلعته يوم قبضت منه، إلا أن تكون القيمة أكثر من الثمن الذي وجب له به البيع أوَّل يوم، فلا يكون له أكثر من ذلك؛ وذلك مائة دينار وعشرة دنانير، وإن أحب ضرب له الربح على التسعين إلا أن يكون الذي بلغته سلعته من الثمن أقل من القيمة، فيخير في الذي بلغت سلعته وفي رأس ماله وربحه، وذلك تسعة وتسعون دينارًا. المسأله الرابعة
قال مالك: وإن باع رجل سلعة مرابحة فقال: قامت عليَّ بماثة دينار. ثم جاءه بعد ذلك أنها قامت بمائة وعشرين دينارًا، خيّر المبتاع؛ فإن شاء أعطى البائع قيمة السلعة يوم قبضها، وإن شاء أعطى الثمن الذي ابتاع به على حساب ما ربحه بالغًا ما بلغ، إلا أن يكون ذلك أقل من الثمن الذي ابتاع به السلعة، فليس له أن ينقص رب السلعة من الثمن الذي ابتاعها به، لأنه قد كان رضي بذلك، وإنما جاء رب السلعة يطلب الفضل، فليس للمبتاع في هذا حجة على البائع؛ بأن يضع من الثمن الذي ابتاع به على البرنامج.
وقال مالك: الأمر عندنا في القوم يشترون السلعة- البزَّ أو الرقيق- فيسمع به الرجل فيقول لرجل منهم: البز الذي اشتريت من فلان قد بلغتني صفته وأمره، فهل لك أن أُربحك في نصيبك كذا وكذا؟. فيقول: نعم. فيربحه ويكون شريكًا للقوم مكانه، فإذا نظر إليه رآه قبيحًا واستغلاه. قال مالك: ذلك لازم له ولا خيار له فيه، إذا كان ابتاعه على برنامجٍ وصفةٍ معلومةٍ.
وقال مالك في الرجل يقدم وله أصناف من البزِّ، ويحضره السُّوَّامُ ويقرأ عليهم برنامجه فيقول.
في كل عدلٍ كذا وكذا ملحفة بصرية، وكذا وكذا ريطهة سابريَّة؛ ذرعها كذا وكذا. ويسمَّي لهم أصنافًا من البزِّ بأجناسه ويقول: اشتروا منِّي على هذه الصفة فيشترون الأعدال على ما وصف لهم، ثم يفتحونها فيستغلونها ويندمون. قال مالك: ذلك لازم لهم إذا كان موافقًا للبرنامج الذي باعهم عليه. قال مالك: وهذا الأمر الذي لم يزل عليه الناس عندنا يجيزونه بينهم؛ إذا كان المتاع موافقًا للبرنامج ولم يكن مخالفًا له. ا. هـ.
قلت: وقد تقدم قول المختصر في ذلك: وجاز برؤية بعض المثلي وعلى الصِّوان وعلى البرنامج، أي وجاز بجع عروض أو طعام في عِدْلٍ مع الاعتماد في معرفتها على رؤية أو سماع ما كتب في البرنامج، أي في الدفتر. والله الموفق.
стр. 1105
فَصْلٌ (١)
تَنَاوَلَ الْبِنَاء والشَّجَرُ الْأرْضَ (٢) وَتَنَاوَلتهُمَا لا الزَّرْعَ والْبَذْرَ (٣) وَمَدْفُونًا كَلَوْ جُهِلَ (٤)، وَلَا الشَّجَرُ الثَّمَرَ المُؤَبَّرْ (٥) أوْ أكْثَرَهُ إلاَّ بِشَرْطٍ كالمُنْعَقِدِ وَمَالِ الْعَبْدِ (٦) وخِلْفَةِ الْقَصِيلِ (٧)، وإنَّ أُبِّرَ النَّصْفُ فَلِكُلٍّ حُكْمُهُ ولَكِلَيْهِمَا السَّقْيُ مَالَمْ يَضُرَّ بالآخَرِ وَالدَّارُ الثابِتَ كَبَابٍ وَرَفّ (٨) وَرَحىً مَبْنَيَّةٍ بِفَوْقَانِيَّتِهَا وسُلَّمًا سُمَّرَ، وَفِي غيْرهِ قَوْلَانِ. ولْعَبْدُ ثيابَ مِهْنَتِهِ. وَهَلْ يُوَفَّى بِشَرْطِ عَدَمِهَا (٩) - وَهُوَ الأظْهَرُ-
(١) قوله: فصل أي فيما يتناوله البيع وما لا يتناوله، وحكم بيع الثمرة وشراء العربة بخرصها والجائحة.
(٢) قال: تناول البناء والشجر الأرض، وتناولتهما، أي العقد على أي منهما يتناول العقد على الآخر شرعًا لجريان العرف بذلك؛ فيتناول العقد على الأرض بيعًا كان أو رهنًا أو وصية، ما فيها من الأشجار إلا إذا أخرجه شرط أو جرى عرف بخلاف ذلك. وكذا لو جرى عقد على الشجر لتناول الأرض، إلا إذا أخرجها شرط أو جرى عرف بخلاف ذلك.
قال في المدونة: من ارتهن أرضًا ذات نخل لم يسمها، أو رهن الأرض ولم يذكر الأرض، فذلك موجب لكون الأرض والنخل رهنًا، وكذلك في الوصية والبيع. انتهى.
قلت: وليس هناك إلا الاجتهاد، ولذلك جرى الخلاف في المسألة بسن المذاهب، قال ابن قدامة: إذا باعه أرضًا بحقوقها، دخل ما فيها من غراس وبناء في البيع. وكذلك إذا قال: رهنتك هذه الأرض بحقوقها، دخل في الرهن غراسها وبناؤها، وإن لم يقل: بحقوقها، فهل يدخل الغراس والبناء فيهما؟. فقد نص الشافعي على أنهما يدخلان في البيع دون الرهن، واختلف أصحابه في ذلك. قال: وإن باعه شجرًا لم تدخل الأرض في البيع. ذكره أبو اسحاق بن شاقلا؛ لأن الاسم لا يتناولها، ولا هي تبع للمبيع. ا. هـ. منه.
(٣) وقوله: لا الزرع والبذر، قال المواق: صوابه والبذر لا الزرع، قال المتيطي: و إن كان في هذه الأرض بذر مستكن لم يبرز منها، أو في الشجر ثمر لم يؤبر، فإنه كله تبع للمبيع ولا يجوز للبائع استثناؤه، كما لا يجوز استثناء الجنين في بطن أمه. قال: وأما الزرع الظاهر. فقال=
стр. 1106
أوْ لَا؟. كَمُشْتَرِطٍ زَكَاةَ مَا لَمْ يَطِبْ، وَأنْ لَا عُهْدَةَ وَلَا مُوَاضَعَةَ أوْ لَا جَائِحَةَ، أوْ إنْ لَمْ يَأْتِ بالثَّمَنِ لِكَذَا فَلَا بَيْعَ، أوْ مَا لَا غَرَضَ فِيهِ وَلَا مَالِيةَ، وَصُحَّحَ، تَرَدُّدٌّ.
= المتيطي: إن كان في الأرض زرع حين البيع، أو كان في الشجر ثمر مأبور، فإن ذلك كله للبائع بمطلق البيع، لا يكون للمبتاع إلا بالشرط، ا. هـ. منه.
(٤) وقوله: ومدفونًا كلو جُهل، أي ولا تتناول شيئًا مدفونًا فيها. قال الحطاب: هذا هو المعلوم من مذهب ابن القاسم، أنه لا حق للمبتاع فيما وجد تحت الأرض من بئر أو جب أو رخام أو حجارة. قال في البيان: وهو للبائع إذا ادَّعاه، وأشبه أن يكون له بميراث أو غيره، وإلا كان سبيله سبيل اللقطة كلو جهل رب المدفون، فلا تتناوله الأرض ويكون سبيله سبيل اللقطة في أن محله بيت المال.
(٥) وقوله: ولا الشجر المؤبر، والتأبير هو تعليق طلع النخلة الذكر على الأنثى لئلا تسقط ثمرتها، وهو اللقاح. ونص ما في الموطإ عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: " مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرَتُهَا للْبَائِع إِلًا ان يَشْتَرِطهَا الْمُبْتَاعُ". قال المواق ونسبه للباجي: والتأبير في التين وما لا زهو له، أن تبرز جميع الثمرة عن موضعها وتتميز عن أصلها، فذلك بمنزلة التأبير؛ لأنه حينئذ تبين حاله وقلته وكثرته، أما الزرع فإباره أن يفرك في رواية ابن القاسم. وفي رواية أشهب: إباره ظهوره في الأرض. وقال ابن رشد: روى ابن القاسم وقال: إبار الزرع نباته. قال المتيطي: وهذا هو المشهور. ا. هـ. منه.
(٦) وقوله: ومال العبد، أي فلا يتناوله العقد، فهو للبائع إلا أن يشترطه المبتاع، ففي الموطإ عن ابن عمر: من باع عبدًا وله مال فماله لبائعه إلا أن يشترطه المبتاع.
قال أبو عمر: وروي أيضًا مرفوعًا. وقال الباجي: لا خلاف في جواز اشتراط مال العبد في نفس العقد، فإن لم يشترطه في نفس العقد، ثم أراد المشتري أن يزيد البائع شيئًا يلحق المال بالبيع، فاختلف في ذلك قول مالك، وأخذ ابن القاسم بالجواز. ا. هـ. المواق.
(٧) وقوله: وخلفة القصيل، قال المواق: من المدونة، يجوز لمن اشترى أول جذة من القصيل، اشتراء خلفته بعد ذلك ولا يجوز ذلك لغيره. قال ابن يونس: قال بعض أصحابنا: إنما
стр. 1107
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= يجوز شراء الخلفة بعد الرأس إذا كان مشتري الرأس لم يجذه حتى اشترى االخلفة، وأما إن جذ الرأس ثم أراد شراء الخلفة، فهو وغيره سواء، لا يجوز له ذلك لأنه غرر منفرد، والأوق قد أضافه إلى أصل فاستخلف لأنه في حيز التبع.
وانظر خلفة القصيل إذا لم تشترط، كالزرع الذي أفسدته البهائم وأخلف بعد الغرم. ا. هـ. منه. قلت: يجري ذلك على القاعدة الخلافية التي هي قولهم: إن جرى الحكم على موجب التوقع، هل يرتفر بالوقوع؟. أو لا يرتفع لأنه نفذ؟ وقد عقدها الشيخ علي الزقاق في المنهج المنتخت بقوله:
وإن جرى الحكم على ما يُوجَبُ … توقعًا هل بالوقوع يذهب
ئم ذكر ﵀ أمثلة مما يجري حكمها على هذه القاعدة فقال:
كالزرع والسن وعين والكرا … ورفعه بما الرَّحى اللخمي يرى
يريد أنه من الفروع التي تجري على هذه القاعدة؛ الزرع تأكله الماشية بليل، فتغرم قيمته، ثم يعود كما كان. والسن تقلع خطأ فيغرم عقلها ثم تنبت، والعين تصاب كذلك فيغرم عقلها ثم تبرأ، الى غير ذلك.
(٨) وقوله: والدار الثابت كباب ورف، قال الخطاب: يتبع العقار كل ما هو ثابت من مرافقه؛ كالأبواب والرفوف والسلاليم المؤدية والأخصاص والميازيب، لا منقوق إلا المفاتيح. ا. هـ. منه.
تنبيةٌ: ذكر في الحطاب عن البرزلي أنه لو قال الممئتري للبائع: اعطني عقد شرائك. فذلك له. قال: وفائدته أنه إذا طرأ الاستحقاق رجع المشتري على من وجد منهما، ولئلا يدعي البائع الأول أنه لم يبغ قط، قال: وله في الاستحقاق الرجوع على غريم الغريم، وكذا في الرد بالعيب. قال: والعمل اليوم على أخذ النسخة، وهو الحزم. ا. هـ. منه.
وقال ابن قدامة: وإن باعه دارًا بحقوقها، تناول البيع أرضها وبناءها وما هو متصل بها مما هو من مصلحتها؛ كالأبواب المنصوبة، والخوابي المدفونة، والرفوف المسمرة، والأوتاد المغروزة، والحجر المنصوب من الرحى، وأشباه ذلك. ولا يدخل في البغ ما ليس من مصالحها؛ كالكنز والأحجار المدفونة. ا. هـ. منه.
(٩) وقوله: والعبد ثياب مهنته، وهل يوفى بشرط عدمها، يريد به، والله أعلم، إن بيع=
стр. 1108
وَصَحَّ بَيْعُ ثَمَرٍ وَنَحْوِهِ، بَدَا صَلَاحُهُ (١) إنْ لَمْ يَسْتَتِرْ، وقَبْلَة مَعَ أَصْلِهِ أوْ أُلْحِق بِهِ أوْ عَلى قَطْعِهِ إنْ نَفَعَ واضْطُرَّ لَهُ وَلَمْ يُتَمَالأ عَلَيْهِ، لَا عَلَى التَّبْقِيَةِ أوْ الِإطْلَاقِ، وَبُدُوُّهُ فِي بَعْضِ حَائِطٍ كَافٍ فِي جِنْسِهِ إنْ لَّمْ تُبَكِّرْ (٢)، لَا بَطْنٌ ثَانٍ بِأَوَّلَ، وهو الزُهُوُّ وَظُهُورُ الْحَلَاوَةِ والتَّهَيُؤ لِلنُّضْجِ، وَفِي ذِي النَّوْرِ بانْفِتَاحِهِ، والبُقُولِ بإطْعَامِهَا وَهَلْ هُوَ فِي البِطِّيخِ الاصْفِرَارُ أو التَّهَيؤ لَلتَّبَطُّخِ؟ قَوْلَانِ. ولِلْمُشْترِي بُطونُ كَيَاسَمِينٍ وَمَقْثَأةٍ، ولَا يَجُوزُ بكَشَهْرٍ، وَوَجَبَ ضَرْبُ الأجَل إنْ اسْتَمَرَّ كَالَمَوْزِ، ومَضَى بَيْعُ حَبٍّ أفْرَكَ قَبْلَ يُبْسِهِ بِقَبْضِهِ، ورُخِّصَ لِمُعْرٍ أو قَائِمٍ مَقَامَهُ، وَإن بِاشْتِرَاءِ الثَّمَرَةِ فَقَطْ، اشْتِرَاءُ ثَمَرَةٍ تيبَسُ كَلَوْزٍ لَا كَمَوْزٍ إنْ لَفَظَ بِالْعَرِيَّةِ، وبدا صلاحُها، وَكَانَ بِخَرْصِهَا وَنَوْعِهَا يُوفِّي عِندَ الجِذَاذِ، وَفي الذِّمَّةِ، وخَمْسَةَ أوْسُقٍ فَأقَلَّ، وَلَا يَجُوزُ أخْذُ زائدٍ عَلَيهِ مَعَهُ بِعَيْنٍ عَلى الأصَحِّ، إلَّا لِمَنْ أعْرَى عَرَايَا في حَوَائِطَ فَمِنْ كُلٍّ خَمْسَةٌ إِنْ كَانَ بِألْفَاظٍ لا بلَفْظٍ عَلى الأرْجَحِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ أوْ لِلْمَعْروفِ فيَشْتَري بَعْضَهَا كَكُلِّ الْحَائِطِ وَبَيْعِهِ الْأصْلَ، وَجَازَ لَكَ شِرَاءُ أصْلٍ فِي حَائِطِكَ بِخَرْصِهِ إنْ قصَدْت الْمَعْرُوفَ فَقَطْ.
= الرقيق يتناول ثياب مهنته، ذكرًا كان أو أنثى، بخلاف ثياب الزينة فلا تدخل إلا الشرط. وإن اشترط البائع عدم دخول ثياب المهنة صح الشرط ولزم لقوله ﷺ : "الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ".
(١) وقوله: وصح بيع ثمر ونحوه بدا صلاحه، قال في الموطإ ما نصه: عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، نهى البائع والمشتري.
وحدثني عن مالك عن حميد الطويل عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الثمار حتى تُزْهِيَ، فقيل له: يا رسول الله. وما تُزهي؟. فقال "حِينَ تَحْمَرُّ". وقال رسول الله ﷺ :
стр. 1109
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= " أَرَأيْتَ إِذَا مَنَع اللهُ الثَّمَرَةَ فَبِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخَيهِ"؟.
وحدثني مالك عن أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن بن حارثة، عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الثمار حتَّى تنجوَ من العاهة. قال مالك: وبيع الثمار قبل أن يبدوَ صلاحها من بيع الغرر.
(٢) وقوله: وبدوه في بعض حائط كاف في جنسه إن لم يبكر، نسب المواق لكتاب ابن المواز: إذا أزهى في الحائط نخلة أو دالية بيع جميعه بذلك ما لم تكن باكورة. قال مالك: وإذا عجل زهو الحائط جاز بيعه، وإذا أزهت الحوائط حوله ولم يزه هو جاز بيعه. قال ابن القاسم: وأحب إليَّ حتى يزهيَ هو. ا. هـ. منه.
وحيث إني إنما التزمت إيراد ما وقفت عليه من الأدلة لا الآراء، فإني سوف اذكر أولًا ما وقفت عليه من السنة في بيع الثمار.
قال المنذري في مختصر أبي داود: باب بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، نهى البائع والمشتري. قال:
وأخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه. قال الخطابي في الكلام على هذا الحديث: الثمرة إذا بدا صلاحها أمنت العاهة غالبًا، ومادامت وهي رخوة رخصة، أي رطبة، قبل أن يشتد حبها أو يبدو صلاحها، فإنها بعرض الآفات، فكان نهيه للبائع عن ذلك لأحد وجهين:
- احتياطًا له حتى يبين صلاحها فتزداد قيمتها، ويكثر نفعة بالذات منها، لأنه إذا تعجل ثمنها لم يكن فيها طائل لقلته، فكان ذلك نوعًا من إضاعة المال.
- والوجه الآخر، أن يكون ذلك مناصحة لأخيه المسلم، واحتياطًا لمال المشتري لئلا تنالها الآفة فيبور ماله، أو يطالبه برد الثمن من أجل الجائحة، فيكون بينهما في ذلك الشر والخلاف.
قال: وأما نهيه المشتري فمن أجل المخاطرة والتغرير بماله؛ لأنها ربما تلفت بأن تنالها العاهة فيذهب ماله، فنهى ﷺ عن هذا البيع تحصينًا للأموال، ولم يختلف العلماء أنه إذا باعها قبل بدو صلاحها بشرط أن يقطعها، جاز البيع، وإنما انصرف النهي عن البيع قبل بدو الصلاح، إلى البيع مع التبقية، وإذا بيعت الثمرة بعد بدو صلاحها على الإطلاق، فقال أبو حنيفة: البيع جائز وعلى=
стр. 1110
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= المشتري قطعها. فكأنه بالإِطلاق شرط القطع. وقال الشافعي ومن وافقه: البيع جائز وعلى البائع تركها على الشجرة حتى تبلغ إناها. وجعل العرف فيها كالشرط، واستدل بما روي عن رسول الله ﷺ من طريق حميد عن أنس أنه نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها. وقال: " أَرَأَيْتَ إنْ مَنَعَ اللهُ الثَّمَرَةَ، فَبِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟ ". قال: فدل ذلك على أن حكم الثمرة التبقية. ا. هـ.
وقال المنذري: وعن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع النخل حتى يَزْهُوَ، وعن السنبل حتى يبيضَّ ويأمَنَ العاهة، نهى البائع والمشتري.
قال الخطابي: قوله: حتى يزهو، هكذا يروى، والصواب في العربية: حتى يُزْهَى. والإِرَهاء في الثمرة حتى تَحمرَّ أو تصفرَّ، فذلك أمارة الصلاح فيها ودليل على خلاصها من الآفة.
قال: وقوله: عن السنبل حتى تبيض ظاهره يوجب جواز بيع الحب في سنبله إذا اشتد وابيض؛ لأنه حرمه إلى غاية، فحكمه بعد بلوغ الغاية بخلاف حكمه قبلها. وإلى هذا ذهب أصحاب الرأي، ومالك بن أنس، وشبهوه بالجوز واللوز يباعان في قشرهما.
قال: وقال الشافعي: لا يجوز بيع الحب في السنبل لأنه غرر، وقد نهى عن بيع الغرر، والمقصود من السنبل حبه، وهو مجهول، لا يدري هل سليم في باطنه أم لا، فيفسد البيع من أتجل الجهالة والغرر، كبيع المسلوخة في جلدها. قال: وإنما نهى عن بيع الحب في السنبل لعلتين، أما قبل أن يبيض ويشتد، فلأجل الآفات والجوائح، وأما بعد ذلك، فلأجل الجهالة وعدم المعرفة. قال: وأما بيع الجوز في قشره، فإنه غرر معفو عنه، لما فيه من الضرورة. وذلك أنه لو نزع لبُّه عن قشره، أسرع إليه الفساد والعفن، وليس كذلك البر والشعير وما في معناهما؛ لأن هذه الحبوب تبقى بعد التذرية والتنقية المدة الطويلة من الأيام والسنين. ا. هـ. منه.
وقال في المغني: ويجوز بيع الجوز، واللوز، والباقلَّى الأخضر في قشرته، مقطوعًا، وفي شجره، وبيع الحب المشتد في سنبله، وبيِع الطلع قبل تشققه، مقطوعًا على وجه الأرض، وفي شجره. وبهذا قال مالك وأبو حنيفة، وقال الشافعي: لا يجوز حتى ينزع عنه قشره الأعلى. قال: ولنا أن النبي ﷺ نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، وعن بيع السنبل حتى يبيض ويأمن
стр. 1111
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= العاهة. قال: فمفهويه إباحة بيعه، إذا بدا صلاحه وابيض سنبله، ولأنه مستور بحائل، من أصل خلقته، فجاز بيعه كالرمان، والبيض، ا. هـ. منه.
وأخرت المنذري في مختصره لأبي داود، عن جابر بن عبد الله قال: نهى رسول الله ﷺ أن تباع الثمرة حتى تُشَقَّح، قيل: وما تُشَقَّح؟ قال: تحمارَّ وتَصْفَارَّ، ويؤكل منها، قال: وأخرجه البخاري، وأخرجه مسلم أتم منه. قال الخطابي: التَّشْقِيحُ تغير لونها إلى الصفرة والحُمرة، والشُّقْحَةُ: لون غير خالص في الحمرة والصفرة، وإنما هو تغير لونه في كمودة، ومنه قليل: قبيح شقيح لتغير اللون إلى السماجة والقبح.
قال: وإنما قال: يحمارَّ ويصفارَّ، لأنه يرد به اللون الخالص، وإنما يستعمل ذلك في اللون المتميل، يقال. مازال يحمارُّ وجهه ويصفارُّ، إذا كان يضرب مرة إلى الحمرة ومرة إلى الصفرة، فإذا أرادوا أنه قد تمكن من اللون واستقر قالوا: احمرَّ واصفرَّ.
قال: وفي قوله: حتى تُشَقَّحَ، دليل على أن الاعتبار في بدو الصلاح إنما هو بحدوث الحمرة في الثمرة، دون إتيان الوقت الذي يكون فيه صلاح الثمار غالبًا؛ فقد ذهب بعض أهل العلم إلى اعتباره بالزمان، واحتج بيحا روي في بعض الحديث أنه قيل: متى يبدو صلاحها؟. "إذَا طَلَعَ النَّجْمُ" يعني الثريا.
قلت: ذكر أبو عبد الله القرطبي من أصحابنا في تفسيره، في الكلام على قوله تعالى: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾ الآية. قال: وهذا الينع الذي يقف عليه جواز بيع الثمر، وبه بطيب أكلها ويأمن من العاهة، هو عند طلوع الثريا بما أجرى الله من العادة، وأحكمه من العلم والقدرة. ذكر المعلى بن أسد، عن وهيب، عن عِسْل بن سفيان عن عطاء عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (إِذَا طَلَعَتِ الثُّرَيَّا صَبَاحًا رُفِعَتِ الْعَاهَةُ أَهْلِ لْبَلَدِ". والثريا النجم، لا خلاف في ذلك، وطلوعها صباحًا لاثنتي عشرة ليلة تَمضي من شهر أيار- وهو شهر مايو.
قال: وفي البخاري: وأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت، أن زيد بن ثابت لم يكن يبيع ثمار رضه حتي تطلع الثريا، فيتبين الأصفر والأحمر. ا. هـ. منه بلفظه. =
стр. 1112
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وقال المنذري في مختصره لأبي داود: وعن زيد بن ثابت قال: كان الناس يتبايعون الثمار قبل أن يبدو صلاحها، فإذا جدَّ الناس وحضر تقاضيهم قال المبتاع: قد أصاب الثمر الدَّمانُ، وأصابه قُشام، وأصابه مُراض -عاهات يحتجون بها- فلما كثرت خصومتهم عند النبي ﷺ ، قال رسول الله ﷺ كالمشورة لهم يشير بها: " فَأَمَّا لَا، فَلَا تَبْتَاعُوا الثَّمَرَةَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا". لكثرة خصومتهم واختلافهم، قال: وأخرجه البخاري تعليقًا.
قال الخطابي: وفي هذا الباب حرف غريب من جهة اللغة في حديث زيد بن ثابت قال: كان الناس يبتاعون الثمار قبل أن يبدو صلاحها، فإذا جدَّ الناس قال المبتاع: أصاب الثمر الدمار، وأصابه قُشام، هكذا في رواية ابن داسة.
وقال ابن الأعرابي في روايته عن أبي داود: الدمانُ بالنون، قال الأصمعي: القُشام أن ينتقص ثمر النخل قبل أن يصير بلحًا. قال: والدمانُ- بفتح الدال: أن تنشق النخلة أول ما يبدو قلبُها عن عَفَنٍ وسواد. ا. هـ.
قيل: والذي جاء في غريب الخطابي: الدُّمان -بالضم- وكأنه أشبه؛ لأن ما كان من الأدواء والعاهات فهو بالضم كالسُّعال، والنُّحاز، والزُّكام، كذا في النهاية. ا. هـ.
وقوله: لا على التبقية، قال المواق عزوا لابن عرفة: بيع الثمر قبل بدو صلاحه على بقائه، نصوص المذهب فساده؛ قال اللخمي: هذا إذا شرطا مصيبته من المشتري أو من البائع، والبيع بالنقد؛ لأنه تارة ت وتارة سلف. وإن كانت المصيبة من البائع والبيع بغير نقد جاز. وقد تقدم للسيوري نحو هذا. وكان سيدي ابن سراج زحمه الله تعالى يقول: ظاهر كلام المازري أن قول السيوري هو الفقه. قال: وانظر إذا اشترى الثمرة على التبقية قبل بدو صلاحها ثم اشترى الأصل، إنه بخلاف ما إذا اشتراها على الجد ثم اشترى الأصل، فإن له أن يبقيها، ا. هـ. منه.
قوله: أو الإِطلاق: نسب المواق لعبد الوهاب، قال: بيع الثمار قبل بدو الصلاح على ثلاثة أوجه: عنى الجداد، وعلى التبقية، أو مطلقًا لا شرط فيه، فأما على الجداد فيجوز باالإِجماع، وأما على انتبقية فلا يجوز بالإِجماع، وأصا مطلقًا فلا يجوز عندنا.
قلت. ولا يجوز عند، الشافعي وأحمد، خلافًا لأبي حنيفة.
стр. 1113
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وقوله: وبدوه في بعض حائط كاف، قد تقدم الكلام عليه قريبًا، وهو مذهب مالك، والشافعي ورواية عن الإمام أحمد، والمشهور عنه عدم ذلك، فلابد من بدو الصلاح في كل بستان بعينه، انظر المغني.
وقوله: لا بطن ثان بأول، قال المواق: سمع ابن القاسم: الشجرة تطعم بطنين في السنة؛ بطنًا بعد بطن، لا يباع البطن الثاني مع الأول، بل كل بطن وحده. وقال ابن رشد: ظاهر قوله لا يجوز، وإن كان لا ينقصع الأول حتى يبدو طيب الثاني، وهو خلاف ما تقدم من قول مالك.
وروى ابن نافع في جواز بيع البطن الثاني مع الأول إن كان لا ينقطع الأول حتى يدركه الثاني. ا. هـ. منه.
وقوله: ورخص لمعر، الخ .. هذا الكلام على العرية، قال المواق: مالك: العرية هبة الثمر من نخل أو شجر. ونص ما في الموطإ عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر عن زيد بن ثابت أن رسول الله ﷺ أرخص لصاحب العرية أن يبيعها بخرصها. وعن مالك عن داود بن الحصين عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد عن أبي هريرة أن رسول ﷺ أرخص في بيع العرايا بخرصها فيما دون خمسة أوسق، أو في خمسة أوسق، يشك داود قال: خمسة أوسق أو دون خمسة أوسق.
قال مالك: وإنما تباع العرايا بخرصها من التمر، يتحرى ذلك ويخرص في رؤوس النخل. وإنما أرخص فيه لأنه أنزل بمنزلة التولية والإِقالة والشرك، ولو كان بمنزلة غيره من البيوع ما أشرك أحد أحدًا في طعامه حتى يستوفيه، ولا أقاله منه ولا ولَّاهُ أحدًا حتى يقبضه المبتاع. ا. هـ. منه.
وعن سهل بن أبي حثمة، قال: نهى رسول الل ﷺ عن بيع التّمر بالتمر، إلَّا أنه رخص في العريَّة أن تباع بخرصها تمرًا يأكلها أهلها رُطَبًا، متفق عليه. وعن جابر أن رسول الله ﷺ نهى عن المزابنة، والمزابنة بيع التّمر بالتمر، إلا أنه رخص في العرايا. متفق عليه.
وقال الخرقي: والعرايا التي أرخص فيها رسول الله ﷺ هو أن يوهب للإنسان من النخل ما ليس فيه خمسة أوسق، فيبيعها بخرصها من التمر لمن يأكلها رطبًا.
قال ابن قدامة: إباحة بيع العرايا في الجملة هو قول أكثر أهل العلم. منهم مالك، وأهل المدينة، والأوزاعي، وأهل الشام، والشافعي، وإسحاق، وابن المنذر، وقال أبو حنيفة: لا يجوز=
стр. 1114
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= بيعها.
قال ابن قدامة: ولنا ما رواه أبو هريرة أن النبي ﷺ رخص في العرايا في خمسة أوسق، أو دون خمسة أوسق. حديث متفق عليه. ورواه زيد بن ثابت، وسهل بن أبي حثمة وغيرهما.
وأخرجه أئمة الحديث في كتبهم. قال: وقال ابن المنذر: الذي نهى عن المزابنة هو الذي أرخص في العرايا، وطاعة رسول الله ﷺ أولى، والقياس لا يصار إليه مع النص، ا. هـ. منه.
قال ابن قدامة: لا تجوز العرية في زيادة على خمسة أوسق بغير خلاف نعلمه، وتجوز فيما دون خمسة أوسق بغير خلاف بين القائليق بجوازها.
قال: وأما في خمسة أوسق، فلا يجوز عند إمامنا ﵀ -يعني أحمد بن حنبل- وبذلك قال ابن المنذر، والشافعي في أحد قوليه. وقال مالك والثافعي في قول: يجوز ذلك في خمسة أوسق، ورواه إسماعيل بن سعيد عن أحمد، لأن في حديث سهل وزيد أنه رخَّص في العرية مطلقًا، ثم استثنى ما زاد على خمسة أوسق في حديث أبي هريرة، وشك في الخمسة، فاستثنى اليقين، وبقي المشكوك فيه على مقتضى الإِباحة.
قال: ولنا أن النبي ﷺ نهى عن المزابنة، والمزابنة بيع الرطب بالتمر، ثم أرخص في العرية فيما دون خمسة أوسق، وشُكَّ في الخمسة، فيبقى على العموم في التحريم، ولأن العرية رخصة بنيت على خلاف النص يقينًا فيما دون خمسة أوسق، والخمسة مشكوك فيها، فلا تثبت إباحتها مع الشك. قال: وروى ابن المنذر بإسناده أن النبي ﷺ رخَّص في بيع العريَّة في الوسْق والوسْقيْن، والثلاثة، والأربعة، قال: والتخصيص بهذا يدل على أنه لا تجوز الزيادة في العدد عليه، كما حصل الاتفاق على أنه لا تجوز الزيادة على الخمسة لتخصيصها بالذكر، وروى مسلم عن سهل أن النبي ﷺ رخص في بيع العريَّة النخلة والنخلتين.
وأما إن باع الرجل عريتين من رجلين فيهما أكثر من خمسة أوسق جاز ذلك. وقال أبو بكر والقاضي: لا يجوز. قال: ولنا أن علة التجويز حاجة المشتري؛ بدليل ما روي عن محمود بن لبيد. قال: قلت لزيد بن ثابت: ما عراياكم هذه؟. فسَّمى رجالًا محتاجين من الأنصار شكوا إلى رسول الله ﷺ أن الرطب يأتي ولا نقد بأيديهم يبتاعوت به رُطَبًا يأكلونه، وعندهم فضول من=
стр. 1115
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= التمر، فرخص لهم أن يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر الذي في أيديهم يأكلونه رطبًا. وقال مالك: بيع العريَّة الجائز هو أن يُعري الرجلُ نخلات من حائطه، ثم يكره صاحب الحائط دخول الرجلِ المُعْرَى، لأنه ربما كان مع أهله في الحائط، فيؤذيه دخول المعرّى عليه، فيجوز أن يشتريها منه. وما ذهب إليه مالك هو ظهر ما نقلناه من كلام الخرقي. ونقل ابن قدامة عن الأثرم قال: سمعت أحمد سئل عن تفسير العرايا، فقاك: العرايا أن يعري الرجلُ الجارَ أو القرابةَ للحاجة أو للمسكنة؛ فللمُعْرى أن يبيعها ممن شاء. قال: واحتج من فسرها هذا التفسير بأن العريَّة في اللغة هي هبة ثمرة النخيل عامًا. قال أبو عبيد: الإِعراء، أن يجعل الرجلُ للرجل ثمرة نخلة عامها ذلك. قال شاعر الأنصار يصف النخل:
لَيْسَتْ بِسَنْهَاء ولَا رُجَبيَّةٍ … ولكِنْ عَرَايا في السنين الْجَوائح
يقول في نخلته أنها ليست مما يحافظ على ثمرها؛ بجعل الشوك حوله ولا بشد عذوقها إلى سعفها، وإنما هي عرايا للناس في السنين المجدبة، فيتعين صرف اللفظ إلى موضوعه اللغوي وإلى مقتضاه في اللغة العربية ما لم يوجد ما يصرفه عن ذلك.
قلت: والدليل إلى جانب الشافعية ومشهور مذهب الحنابله؛ من أنه لا يشترط في العريَّة أن تكون موهوبة لبائعها، ذلك أن حديث محمود بن لبيد عن زيد بن ثابت: ما عراياكم هذه؟. الذي ذكر فيه أن سبب الترخيص في العرايا شكوى رجال من الأنصار أن الرطب يأتي ولا نقد بأيديهم يبتاعون به الرطب يأكلونه، وعندهم فضول من التمر، فرخص لهم أن يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر الذي بأيديهم يأكلونها رطبًا، هو خير دليل أنه لا يشترط في العريَّة أن تكون موهوبة لبائعها.
وقال ابن قدامة: إنما يجوز بيعها بخرصها من التمر لا أقل منه ولا أكثر، ويجب أن يكون التمر الذي يشترى به معلومًا كيلًا، ولا يجوز ذلك جزافًا. ولا نعلم في هذا عند من أباح بيع العرايا اختلافًا، لما روي أن رسول ال ﷺ أرْخص في العرايا أن تباع بخرصها كيلًا، متفق عليه.
ولمسلم: أن تؤخذ بمثل خرصها تمرًا يأكلها أهلها رطبًا. قال: ولأن الأصل اعتبار الكيل من الطرفين، وقد سقط عن أحدهما للتّعَذر.
وقال: ويشترط في بيع العرايا التقابض في المجلس، وهذا قول الشافعي، ولا نعلم فيه=
стр. 1116
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= مخالفًا؛ لأنه بيع تمر بتمر فاعتبر فيه شروطه إلا ما استثناه الشرع مما لا يمكن اعتباره في بيع العرايا. قال: والقبض في كل واحد منهما بحسبه؛ ففي التمر كيله أو نقله، وفى الثمرة التخلية، وليس من شروطه حضور التمر عند النخيل، بل ولو تبايعا بعد معرفة التمر والثمرة، ثم مضيا جميعًا إلى النخلة فسلمها لمشتريها ثم مشيا إلى التمر فتسلمه مشتريه جاز، لأن التفرف لا يحصل في هذا قبل القبض.
وقال ابن قدامة: إنه لا يجوز بيع العرية إلا لمحتاج إلى أكلها رطبًا، بدليل حديث محمود بن لبيد عن زيد بن ثابت: ما عراياكم هذه؟. الحديث، قال: ولأن ما أبيح للحاجة لم يبح مع عدمها؛ كالزكاة للمساكين والترخيص للسفر، فعلى هذا متى كان صاحبها غير محتاج إلى أكل الرطب، أو كان محتاجًا ومعه من الثمن ما يشتري به العرية، لم يجز له شراؤها بالتمر، وسواء باعها لواهبها تحرزًا من دخول صاحب العرية حائطه كمذهب مالك، أو لغيره، فإنه لا يجوز.
قال: فيشترط إذًا في بيع العريَّة شروط خمسة:
- أن يكون فيما دون خمسة أوسق.
- أن تباع بخرصها من التمر.
- وأن يقبض ثمنها قبل التفرق.
- أن يكون المشتري محتاجًا إلى أكل الرطب.
- وأن لا يكون معه ما يشتري به الرطب سوى التمر.
قال: واشترط الخرقي أن تكون موهوبة لبائعها. واشترط أصحاب المذهب الحنبلي أن يأكلها أهلها رطبًا، فإن تركت حتى تصير تمرًا بطل العقد.
قال الخرقي: فإن تركه المشتري حتى يُتْمر بطل العقد. واحتج له ابن قدامة بالحديث " يَأْكُلُهَا أهْلُهَا رُطَبًا ". قال: ولأن شراءها إنما جاز للحاجة إلى أكل الرطب، فإذا أتمرت تبينا عدم الحاجة فيبطل العقد. ا. هـ. منه.
أما عند أصحابنا فإن لجواز بيعها ثمانية شروط هي:
أ- أن يلفظ المعري -باسم الفاعل- بالعريَّهَ حين الإِعطاء؛ كأن يقول: أعريتك. مثلًا لا =
стр. 1117
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= بلفظ العطية ولا الهبة ولا المنحة.
٢ - أن يبدو صلاحها وقت الشراء، وإن قلت: هذا يختص بالعرية فلم عددته شرطًا هنا؟. قلنا: لئلا يتوهم عدم اشتراطه لأجل الرخصة.
٣ - أن يكون الشراء واقعًا بخرصها، أي بقدرها من التمر لا بأكثر ولا بأقل.
٤ - أن يكون التمر من نوعها، ومراده به الصنف، فلا يباع صيحاني ببرني.
٥ - أن لا يشترط تعجيله على جذ العريَّة، فإن شرط تعجيله فسد، سواء عجل فعلًا أو لا، أما التعجيل من غير شرط فلا يضر، سواء اشترط التأجيل أو سكت عنه.
٦ - ولابد أن يكون ذلك الخرص في ذمة المعري -باسم الفاعل- لا في حائط بعينه خلافًا لما في المبسوط من صحة البيع وبطلان شرط التعيين.
٧ - أن يكون المشتري عارية خمسة أوسق فأقل.
٨ - أن يكون الترخيص وقع لدفع الضرر عن المعري -باسم الفاعل- أو بالرفق بالمُعرى- باسم إلمفعول، ا. هـ.
وأما ما يشترط في جواز العارية على مذهب الإِمام الشافعي ﵀، فقد قال صاحب المنهاج ما نصه:
ويرخَّص في العرايا -وهو بيع الرطب على النخل بتمر في الأرض، أو العنب في الشجر بزبيب- فيما دون خمسة أوسق، ولو زاد في صفقتين جاز. ويشترط التقابض بتسليم التمر كيلًا والتخلية في النخل، والأظهر أنه لا يجوز في سائر الثمار، وأنه لا يختص بالفقراء، ا. هـ. منه.
وأما الحنفية، فقد قال أبو حنيفة: لا يحل بيعها لأن النبي ﷺ نهى عن بيع المزابنة، والمزابنة بيع التمر بالتمر، متفق عليه. قال: ولأنه بيع التمر بالرطب من غير كيل في أحدهما، فلم يجز، كما لو كان على وجه الأرض أو فيما زاد على خمسة أوسق. ا. هـ. المغني.
هذا ملخص حكم بيع العرايا على ضوء المذاهب الأربعة وأدلتها. وبالله تعالى التوفيق.
стр. 1118
وَبَطَلَتْ إنْ مَاتَ قَبْلَ الْحَوْزِ. وَهَلْ هُوَ حَوْزُ الأُصُولِ أوْ أنْ يَطْلُعَ ثَمَرُهَا؟. تَأويلَانِ. وزَكَاتُهَا وسَقْيُهَا علَى المُعْرِي وكُمِّلَتْ، بخِلَافِ الوَاهِبِ، وتُوضَعُ جَائحَةُ الثِّمَارِ (١) كَالْمَوْزِ والْمقَاثِئُ وَإنْ بِيعَتْ عَلى الْجَذِّ وَإنْ مِنْ عَرِيَّةٍ، لَا مَهْرٍ، إنْ بَلَغَتْ ثُلُثَا المَكِيلَةِ ولوْ كَصَيْحَانِىٍّ وبَرْنِىٍّ وبُقِّيَتْ لِيَنْتَهِيَ طيبُها وَأفْرِدَتْ أوْ ألْحِقَ أصْلُهَا لَا عَكْسُهُ أوْ مَعَهُ ونُظِرَ مَا أُصِيبَ مِنَ البُطُونِ إلى مَا بَقِيَ فِي زَمَنِهِ لَا يَوْمَ الْبَيْعِ وَلَا يُسْتَعْجَلُ عَلى الأصَحِّ، وَفِي المُزْهِيَةِ التَّابِعَةِ للدَّارِ تأويلَانِ. وَهَلْ هِيَ مَالَا يُسْتَطَاعُ دَفْعُهُ كَسَمَاوِيٍّ وجَيْشٍ (٢) أوْ سَارِقٌ؟. خِلَافٌ. وتَعْييبُهَا كَذلِكَ. وتُوضَعُ مِنَ الْعَطَشِ وَإنْ قَلَّتْ (٣)؛ كَالبُقُولِ (٤) والزَّعْفَرَانِ وَالرَّيْحَانِ، والْقَرْطِ (٥)، والْقَضْبِ، وَوَرَقِ التُّوتِ ومُغَيَّبِ الْأصْلِ كَالجَزَرِ، وَلَزِمَ المُشْتَرِيَ بَاقِيهَا وَإنْ قَلَّ.
(١) وقوله: وتوضع جائحة الثمار، قال في الموطإ عن مالك عن أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن، عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن أنه سمعها تقول: ابتاع رجل ثمر حائط في زمان رسول الله ﷺ فعالجه وقام به حتى تبين له النقصان، فسأل رب الحائط أن يضع له أو أن يقيله، فحلف أن لا يفعل، فذهبت أم المشتري إلى رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له، فقال رسول الله ﷺ : "تَأَلَّى أَنْ لَا يَفْعَل خَيْرًا ". فسمع بذلك رب الحائط فأتى رسول اللهه ﷺ فقال: يا رسول الله، هو له.
وعن مالك أنه بلغه أن عمر بن عبد العزيز قضى بوضع الجائحة، قال مالك: وعلى ذلك الأمر عندنا. قال مالك: والجائحة التي توضع عن المشتري الثلث فصاعدًا، ولا يكون ما دون ذلك جائحة. ا. هـ. منه.
قال القرطبي في تفسيره- في الكلام على قوله تعالى: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾. الآية. في المسألة السابعة- ما نصه: وقد استدل من أسقط الجوائح من الثمار بهذه الآثار وما كان مثلها من نهيه ﵊ عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، وعن بيع الثمار حتى تذهب العاهة، قال عثمان بن سراقة: فسألت ابن عمر متى هذا؟. فقال: طلوع الثريا. =
стр. 1119
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وقال الشافعي: لم يثبت عندي أمر بوضع الجوائح، ولو ثبت عندي لم أعْدُه. والأصل المجتمع عليه أن كل من ابتاع ما يجوز بيعه وقبضه كانت المصيبة منه، قال: ولو كنت قائلًا بوضعها لوضعتها في القليل والكثير. وهو قول الثوري والكوفيين. وذهب مالك وأكثر أهل المدينة إلى وضعها؛ لحديث جابر أن رسول الله ﷺ أمر بوضع الجائحة. أخرجه مسلم. وبه كان يقضي عمر ابن عبد العزيز، وهو قول أحمد بن حنبل وسائر أصحاب الحديث.
وأهل الظاهر وضعوها عن المبتاع في القليل والكثير على عموم الحديث، إلا أن مالكًا وأصحابه اعتبروا أن تبلغ الجائحة ثلث الثمرة فصاعدًا، وما كان دون الثلث ألغوه، إذ لا تخلو ثمرة من أن يتعذر القليل من طيبها وأن يلحقها في اليسير منها فساد. ا. هـ. منه.
قلت: لم يتبين لي تخصيص طرح الجائحة إذا بلغت الثلث، فالذي يؤيده الدليل عندي طرحها في القليل والكثير لعموم الحديث، كما ذهب إليه أهل الظاهر وبالله تعالى التوفيق.
(٢) وقوله: وهل هي ما لا يستطاع دفعه كسماوي وجيش، نسب المواق للمدونة، قال ابن القاسم: كل ما أصاب الثمرة من الجراد والريح والنار والغرق والبرد والمطر والطير الغالب والدود وعفن الثمرة في الشجر والسموم فذلك كله جائحة توضع من المبتاع إن أصابت الثلث، والجيش يمر بالنخل فيأخذ ثمرته فذلك جائحة. قال ابن القاسم: ولو سرقها سارق كانت جائحة أيضًا، وقال ابن نافع: ليس السارق جائحة، قال ابن يونس: قول ابن القاسم أصوب لأنه فعل مخلوق لا يقدر على دفعه، ا. هـ. منه.
وفي الحطاب: تنبيهٌ: قال في التوضيح: قال الشيخان وغير واحد: وإنما يكون السارق عند ابن القاسم جائحة إذا لم يعرف، وأما إن عرف فيتبعه المشتري مليئًا كان أو معدمًا، ا. هـ. منه.
(٣) وقوله: وتوضع من العطش وإن قلّت، نسب المواق للمدونة، قال ابن القاسم: أما إن هلكت الثمرة من انقطاع ماء السماء، أو انقطع عنها ماء عين يسقيها، فهذا يوضع قليل ما هلك منه بسبب ذلك وكثيره بخلاف الجوائح.
(٤) وقوله: كالبقول، قال مالك من اشترى شيئًا من البقول: السلق، والبصل، والجزر=
стр. 1120
وَإنْ اشْتَرى أجناسًا فأُجِيحَ بَعْضُهَا، وُضِعَتْ إنْ بَلَغَتْ قِيمَتُهُ ثُلُثَ الْجَمِيعِ وأُجِيحَ مِنْهُ ثُلُثُ مَكِيلَتِهِ (١)، وإنْ تَنَاهَتِ الثَمَرَةُ فَلَا جَائِحَةَ كالْقَصَبِ الْحُلْو ويَابِسَ الْحَبِّ. وخُيِّرَ الْعَامِلُ فِيَ الْمُسَاقاةِ بَيْنَ سَقْيِ الْجَمِيعِ أوْ تَرْكِهِ إنْ أُجِيحَ الثُّلُثُ فَأَكْثَرُ ومُسْتَثْنٍ كَيْلَ مَعْلُومٍ مِنَ الثَّمَرَةِ تُجَاحُ بِمَا يُوضَعُ، يَضَعُ مِنْ مُشْتَريهِ بِقَدْرِهِ.
= والفجل والكراث وشبه ذلك، فإنه يوضع قليل ما أجيح منه وكثيره. وقال ابن المواز: اللفت والأصوك المغيبة في الأرض مما لا يدخر، هي بمنزلة البقول، ا. هـ.
(٥) وقوله: والزعفران والريحان والقرْط. نسب المواق لسحنون: أما الزعفران والريحان والبقل والقرط والقصب فإن الجوائح توضع في قليلها وكثيرها، لا يصلح فيها المساقاة. ا. هـ.
وقال القرطبي في تفسيره: واختلف في العطش؛ ففي روأية ابن القاسم هو جائحة، والصحيح في البقول أنه فيها جائحة كالثمر، ومن باع ثمرة قبل بدو صلاحها بشرط التبقية، فسخ بيعه ورد، للنهي عنه، ولأنه من أكل ألموال الناس بالباطل لقوله ﵊: " أَرَأَيْتَ إِنْ مَنَعَ اللهُ الثَّمَرَ فَبِمَ يَأْخُذُ أحَدُكُمْ مَالَ أخِيهِ بِغَيْرِ حَقٍّ"؟. هذا قول الجمهور خلافًا لأبي حنيفة وأصحابه. إ. هـ. منه بتصرف قليل.
(١) وقوله: وإن اشترى أجناسًا فأجيح بعضها وضعت إن بلغت قيمة ثلث الجميع وأجيح منه ثلث مكيلته، نسب المواق لابن المواز: إن كان في الحائط أنواع مختلفة -نخل وكرم ورمان- فأُجيح بعض نوع منها، نظر، فإن كان جميع ذلك الصنف لا تبلغ قيمته لو لم يحج ثلث قيمة لجميع فلا جائحة فيه، أجيح كله أو بَعضُه، وإن كاق كله يبلغ ثلث قيمة الجميع نظر ما أجيح مه، فإن كان قدر ثلث ثمرته وضع ثلث قيمة ذلك من قيمه، باقيه هى الثمن، وإن كان أقل سن ثلث ثمرته لم يوضع منه شيء.
قلت: ليس لهذا التحديد بالثلث إلا الآراء. رالله تعالى أعلم بمستندها.
تنبيهٌ: قد خالف الإمام أحمد، والإمام الشافعي في جواز بيع ما المقصود منه مستور في الأرض؛ كالجزر والفجل، والبصل، والثوم، حتى يقلع ويشاهد. ووافقهما على ذلك أصحاب =
стр. 1121
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= الرأي وابن المنذر، قالوا: لأنه مجهول لم يره ولم يوصف له فأشبه بيع الحمل، فهو غرر، وقد نهى النبي ﷺ عن بيع الغرر، رواه مسلم، وخالفوا أيضًا في جواز بيع القثاء والخيار وما أشبهه إلا لقطة لقطة؛ قالوا: لا يجوز إلا بيع الموجود منها دون المعدوم. وقال مالك: يجوز بيع الجميع؛ لأن ذلك يشق تمييزه، فجعل ما لم يظهر منه تبعًا لماظهر، كما أن ما لم يبد صلاحه تبع لما بدا صلاحه.
وأجازوا بيع ما لم يبد صلاحه، مما تقصد فروعه وأصوله معًا؛ كالبصل المبيع أخضر والكراث، والفجل، قالوا: فيدخل ما لم يظهر في البيع تبعًا، فلا تضر جهالته؛ كالحمل في البطن واللبن في الضرع مع الحيوان.
وجوز أحمد ومالك وأبو حنيفة بيع الجوز واللوز والباقلَّى الأخضر في قشرته مقطوعًا وفي شجره، وبغ الحب المشتد في سنبله، وبيع الطلع قبل تشققه مقطوعًا على وجه الأرض، وفي شجره، وخالف الشافعي إلا في الطلع والسنبل في أحد قوليه. وقال أحمد والشافعي: لا يجوز بيع ما كالنعناع مما تنبت أصوله في الأرض، ويؤخذ ما ظهر منه بالقطع دفعة بعد دفعة، إلا أن يبيع الظاهر منه بشرط أن يقطع في الحال، ورخص مالك في أن يشتري منه جزتين أو ثلاثًا. والله أعلم بمستند ذلك كله. وهو الموفق. ا. هـ. انظر المغني.
стр. 1122
اختلاف المتبايعين فَصْلٌ
إِنْ اخْتَلَفَ المُتَبَايِعَانِ فِي جِنْسِ الثَّمَنِ أوْ نَوْعِهِ، حَلَفَا وَفُسِخَ، وَرَدَّ مَعَ الْفَوَاتِ قِيمَتَهَا يَوْمَ بَيْعِهَا وَفِي قَدْرِهِ كَمَثْمُونِهِ أوْ قَدْر أجَلٍ أوْ رَهْنٍ أوْ حَمِيلٍ، حَلَفَا وَفُسِخَ (١) إِنْ حُكِمَ بِهِ ظَاهِرًا وبَاطِنًا كتَنَاكُلِهِمَا، وصُدِّق، مُشْتَرٍ ادَّعَى الأشْبَهَ وَحَلَفَ إنْ فَاتَ (٢)، ومِنْهُ تَجَاهُلُ الثَّمَنِ وَإنْ مِنْ وَارِثٍ، وَبَدَأ الْبَائِعُ وحَلَفَ عَلى نَفْيِ دَعْوَى خَصْمِهِ مَعَ تَحَقُّقِ دَعْوَاهُ، وَإنْ اخْتَلَفَا في انْتِهَاءِ الْأجَلِ فَالْقَوْلُ لِمُنْكَرِ التَّقَضِّي (٣)، وَفِي قَبْضِ الثَّمَنِ أو السِّلْعَةِ فالأَصْلُ بَقَاؤُهُمَا إلَّا لِعُرْفٍ كَلَحْمٍ أوْ بَقْلٍ بَانَ بِهِ (٤) وَلَوْ كَثُرَ، وَالاَّ فَلَا إنْ ادِّعَى دَفْعَهُ بَعْدَ الأخْذِ، وإلَّا فَهَلْ يُقْبَلُ أوْ فِيمَا هُوَ الشّأنُ أوْ لَا؟ أقْوالٌ. وكإشْهَادِ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ مُقْتَضٍ لِقَبْضِ مُثْمَنِهِ، وحَلَّفَ بَائِعَهُ إنْ بَادَرَ؛ كإشْهَادِ البائِع بِقَبْضِهِ، وَفِي البَتِّ مُدَّعِيهِ، كَمُدَّعِي الصِّحَّةِ إنْ يَغْلِبِ الْفَسَادُ، وَهَلْ إلَّا أنْ يَخْتَلِفَ بِهِمَا الثَّمَنُ فَكقَدْرِهِ؟. تَرَدُّدٌ. والمُسْلَمُ إِلَيْهِ مَعَ فَوَاتِ الْعَيْنِ بالزَّمَنِ الطَّوِيلِ أو السِّلْعَةِ كالمُشْتَرِي، فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ إنِ ادَّعى مُشْبِهًا، وَإِنْ ادَّعَيَا مَا لَا يُشْبِهُ فَسَلَمٌ وَسَطٌ، وَفِي مَوْضِعِهِ، صُدِّقَ مُدَّعِي مَوْضِعِ عَقْدِهِ، وَإلَّا فالْبَائِعُ، وَإنْ لَمْ يُشْبِهْ وَاحِدٌ تَحَالَفَا وَفُسِخَ كَفَسْخِ مَا يُقْبَضُ بِمِصْرَ وجَازَ بِالْفُسْطَاطِ، وقُضِيَ بِسُوقِهَا، وإلَّا فَفِي أيِّ مَكانٍ منها.
الكلام على اختلاف المتبايعين
(١) قوله: إن اختلف المتبايعان في جنس الثمن أو نوعه حلفا وفسخ، ورد مع الفوات قيمتها يوم بيعها، وفي قدره كمثمونه أو قدر أجل أو رهن أو حميل، حلفا وفسخ، فقد روى البغوي بسنده=
стр. 1123
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= عن أبي عميس: أخبرني عبد الرحمن بن قيس بن محمد بن الأشعث عن أبيه عن جده، قال: اشترى الأشعث بن قيس رقيقًا من رقيق الخمس من عبد الله بعشرين ألفًا، فأرسل عبد الله إليه في ثمنهم، فقال: إنما أخذتها بعشرة آلاف. فقال عبد الله: فاختر رجلًا يكون بيني وبينك.
قال الأشعث: أنت بيني وبين نفسك. قال عبد الله: فإني سمعت رسول اللهله ﷺ يقول: "إذَا اخْتَلَفَ الْبَيِّعَانِ، وَليْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ، فَهُوَ مَا يَقُولُ رَبُّ السِّلْعَةِ، أوْ يَتَتَارَكَانِ".
وفي السنة للبغوي أيضًا: وقال أبو عيسى: ناقتيبة، ناسفيان، عن ابن عجلان، عن عون بن عبد الله، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "إذَا اخْتَلَفَ الْبَيِّعَانِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ، وَالمُبْتاعُ بِالْخِيَارِ". قال أبو عيسى: هذا حديث مرسل، وعون لم يلق ابن مسعود.
وأخرج البغوي أيضًا بسنده عن ابن أبي ليلى، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:"الْبَيِّعَانِ إذَا اخْتَلَفَا، وَالْمَبِيعُ قَائِمٌ بعَيْنِهِ لَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ، فَالْقَوْلُ مَا قَالَ الْبَائِعُ، أوْ يَتَرَادَّان الْبَيْعَ".
قلت: الحديث الأول، قال شعيب: هو في سنن أبي داود في البيوع، والنسائي جـ ٧/ ص ٣٠٢ وأخرجه الحاكم جـ ٢/ ص ٤٥. قال: وعبد الرحمن بن قيس مجهول، لكن الطرق الآتية للحديث تقويه. وقال في الحديث الثاني: أخرجه الترمذي في البيوع. ونقل الزيلعي في نصب الراية في جـ ٧/ ص ١٠٧ عن ابن الجوزي قوله في التحقيق: أحاديث هذا الباب فيها مقال؛ فإنها مراسيل وضعاف، فأبو عبيدة لم يسمع من أبيه ولا من عبد الرحمن، والقاسم لم يسمع من ابن مسعود، ولا عون بن عبد الله. قال: وقد رواه الدار قطني بألفاظ مختلفة وبأسانيد ضعيفة فيها ابن عياش ومحمد بن أبي ليلى، والحسن بن عمارة وابن المرزبان، وكلهم ضعاف. وقال صاحب التنقيح: والذي يظهر أن حديث ابن مسعود بمجموع طرقه له أصل، بل هو حديث حسن يحتج به، لكن في لفظه اختلاف.
وقال في الحديث الثالث: أخرجه أحمد، وأبو داود الطيالسي عن القاسم عن عبد الله، وأخرجه الدارقطني ص ٢٩٧ عن القاسم.
وقال البيهقي في حديث أبي عميس عن عبد الرحمن بن قيس بن محمد بن الأشعث بن قيس =
стр. 1124
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= عن أبيه عن جده، قال: رواه أبو داود في كتاب السنن عن محمد بن يحيى عن عمر بن حفص.
وقال: هذا إسناد حسن موصول، وقد روي من أوجه بأسانيد مراسيل إذا جمع بينها صار الحديث بذلك قويًا.
وفي البيهقي بسنده عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاء قَوْمٍ وَأَموَالَهُمْ، وَلكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ". أخرجه مسلم في الصحيح من حديث ابن جريج، وأخرجه البخاري من وجه آخر عن ابن أبي مليكة. قال الشافعي: فإذا تبايع رجلان عبدًا فقال البائع: بعتكه بألف. وقال المبتاع: بخمسمائة. فكل واحد منهما مدع ومدعىً عليه؛ البائع يدعي فضل الثمن، والمشتري يدعي السلعة بأقل من الثمن، فيتحالفان ويبدأ بيمين البائع، ا. هـ. منه.
قال البغوي: اختلف أهل العلم في المتبايعين إذا اختلفا في الثمن؛ فقال البائع: بعت بكذا. وقال المشتري: بأقل. فذهب عامتهم إلى أنهما يتحالفان؛ يحلف البائع بالله، لقد بعته بكذا. فإذا حلف يقال للمشتري: إمَّا أن تأخذ السلعة بما حلف عليه البائع، وإمَّا أن تحلف: ما اشتريتها إلا بما قلت. فإن حلف، فسخ العقد بينهما، ورد لكل واحد منهما ما دفع. وهو قول شريح، وذهب إليه مالك، والشافعي، وأحمد، واسحاق، وأصحاب الرأي.
قال: ولا فرق عند الشافعي بين أن تكون السلعة قائمة أو تالفة في أنهما يتحالفان، ويرد قيمة السلعة. وذهب جماعة إلى أنهما لا يتحالفان بعد هلاك السلعة عند المشتري، بل القول قول المشتري مع يمينه. وهو قول النخعي، وإليه ذهب الثوري، والأوزاعي ومالك، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، ا. هـ. منه.
أما اختلافهما في قدر الثمن، فقد نسب المواق للمنتقى: إن اختلفا في الثمن قبل القبض للسلعة، فقال البائع: بعشرة. وقال المبتاع: بخمسة. بدئ البائع؛ فقيل له: إن أبيت ما قال المبتاع فاحلف أنك بعتها منه بعشرة. فإن حلف قيل للمبتاع: إن أبيت ما قال البائع فاحلف أنك اشتريتها منه بخمسة. فإن حلف لم يلزم أحدهما ما حلف عليه الآخر.
وأمَّا إن اختلفا في قبض السلعة وقبل فوتها، فقد روى أشهب وابن القاسم عن مالك أنهما =
стр. 1125
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= يتحالفان ويتفاسخان. قال ابن القاسم في الموازية: سواء نقد الثمن أو لم ينقده. وأما إذا فاتت السلعة بزيادة أو نقص أو حوالة سوق، فروى ابن القاسم عن مالك أن القول قول المبتاع، وروى أشهب أنهما يتحالفان، وأمَّا اختلافهما في المثمون فقد تقدم نص المدونة في السلم إن قال: هذا في فرس، وهذا في حمار، تحالفا وتفاسخا، وأما اختلافهما في قدر الأجل، فقال ابن رشد: إذا اختلفا في أجل الثمن واتفقا على عدده، ففي ذلك سبعة أقوال؛ المشهور عن ابن القاسم أنهما يتحالفان ويتفاسخان.
وأما اختلافهما في الرهن والحميل فقال المازري: قول بعض أصحابنا، كل ما يؤدي إلى الاختلاف في الثمن فهو كالاختلاف فيه كاختلافهما في رهن أو حميل. صحيحٌ، انظر ابن عرفة، ا. هـ. منه.
(٢) وقوله: وصدق من ادعى الأشبه وحلف إن فات، نسب المواق لابن القاسم قوله: إنما يراعى ملك من أشبه قوله من المتداعيين في فوت السلعة بيد المشتري في سوق أو بدن، وأما مع بقاء السلعة، وفي وقت يحكم فيه بالتحالف والتفاسخ، فعندي لا يراعى في ذلك قول من أشبه.
(٣) وقوله: وإن اختلفا في انتهاء الأجل فالقول لمنكر التقضي، نسب المواق للمدونة قال مالك: من أسلم في سلعة إلى أجل، فادعى حلوله، وقال البائع: لم يحل. فالقول قول البائع فيما يشبه -يريد مع يمينه- قال ابن القاسم: فإن لم يأت بما يشبه صدق المبتاع فيما يشبه.
وقال مالك فيمن ابتاع سلعة وفاتت عنده، وادعى أن الثمن إلى أجل كذا، وقال البائع إلى أجل دونه: ان القول قول المبتاع، والبائع مقر بأجل مدع حلوله. قال ابن القاسم: وهذا إذا أتى بما يشبه إلا صدق البائع، ولو لم تفت حلفا وردت، ا. هـ. منه.
(٤) وقوله: وفي قبض الثمن أو السلعة فالأصل بقاؤهما إلا لعرف كلحم أو بَقْلٍ بان به، نسب المواق للمدونة: قال مالك إذا اختلفا في دفع الثمن في الريع، والحيوان، والرقيق، والعروض، وقد قبضه المبتاع وبان به، فالبائع مصدق بيمينه إلَّا أن تقوم بينة؛ إلا في مثل ما يباع على النقد كالصرف، وما يباع في الأسواق من اللحم، والفواكه، والخضر، والحنطة والزيت ونحوه، وقد =
следующие страницы →