. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= الرأي وابن المنذر، قالوا: لأنه مجهول لم يره ولم يوصف له فأشبه بيع الحمل، فهو غرر، وقد نهى النبي ﷺ عن بيع الغرر، رواه مسلم، وخالفوا أيضًا في جواز بيع القثاء والخيار وما أشبهه إلا لقطة لقطة؛ قالوا: لا يجوز إلا بيع الموجود منها دون المعدوم. وقال مالك: يجوز بيع الجميع؛ لأن ذلك يشق تمييزه، فجعل ما لم يظهر منه تبعًا لماظهر، كما أن ما لم يبد صلاحه تبع لما بدا صلاحه.
وأجازوا بيع ما لم يبد صلاحه، مما تقصد فروعه وأصوله معًا؛ كالبصل المبيع أخضر والكراث، والفجل، قالوا: فيدخل ما لم يظهر في البيع تبعًا، فلا تضر جهالته؛ كالحمل في البطن واللبن في الضرع مع الحيوان.
وجوز أحمد ومالك وأبو حنيفة بيع الجوز واللوز والباقلَّى الأخضر في قشرته مقطوعًا وفي شجره، وبغ الحب المشتد في سنبله، وبيع الطلع قبل تشققه مقطوعًا على وجه الأرض، وفي شجره، وخالف الشافعي إلا في الطلع والسنبل في أحد قوليه. وقال أحمد والشافعي: لا يجوز بيع ما كالنعناع مما تنبت أصوله في الأرض، ويؤخذ ما ظهر منه بالقطع دفعة بعد دفعة، إلا أن يبيع الظاهر منه بشرط أن يقطع في الحال، ورخص مالك في أن يشتري منه جزتين أو ثلاثًا. والله أعلم بمستند ذلك كله. وهو الموفق. ا. هـ. انظر المغني.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= عن أبي عميس: أخبرني عبد الرحمن بن قيس بن محمد بن الأشعث عن أبيه عن جده، قال: اشترى الأشعث بن قيس رقيقًا من رقيق الخمس من عبد الله بعشرين ألفًا، فأرسل عبد الله إليه في ثمنهم، فقال: إنما أخذتها بعشرة آلاف. فقال عبد الله: فاختر رجلًا يكون بيني وبينك.
قال الأشعث: أنت بيني وبين نفسك. قال عبد الله: فإني سمعت رسول اللهله ﷺ يقول: "إذَا اخْتَلَفَ الْبَيِّعَانِ، وَليْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ، فَهُوَ مَا يَقُولُ رَبُّ السِّلْعَةِ، أوْ يَتَتَارَكَانِ".
وفي السنة للبغوي أيضًا: وقال أبو عيسى: ناقتيبة، ناسفيان، عن ابن عجلان، عن عون بن عبد الله، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "إذَا اخْتَلَفَ الْبَيِّعَانِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ، وَالمُبْتاعُ بِالْخِيَارِ". قال أبو عيسى: هذا حديث مرسل، وعون لم يلق ابن مسعود.
وأخرج البغوي أيضًا بسنده عن ابن أبي ليلى، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:"الْبَيِّعَانِ إذَا اخْتَلَفَا، وَالْمَبِيعُ قَائِمٌ بعَيْنِهِ لَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ، فَالْقَوْلُ مَا قَالَ الْبَائِعُ، أوْ يَتَرَادَّان الْبَيْعَ".
قلت: الحديث الأول، قال شعيب: هو في سنن أبي داود في البيوع، والنسائي جـ ٧/ ص ٣٠٢ وأخرجه الحاكم جـ ٢/ ص ٤٥. قال: وعبد الرحمن بن قيس مجهول، لكن الطرق الآتية للحديث تقويه. وقال في الحديث الثاني: أخرجه الترمذي في البيوع. ونقل الزيلعي في نصب الراية في جـ ٧/ ص ١٠٧ عن ابن الجوزي قوله في التحقيق: أحاديث هذا الباب فيها مقال؛ فإنها مراسيل وضعاف، فأبو عبيدة لم يسمع من أبيه ولا من عبد الرحمن، والقاسم لم يسمع من ابن مسعود، ولا عون بن عبد الله. قال: وقد رواه الدار قطني بألفاظ مختلفة وبأسانيد ضعيفة فيها ابن عياش ومحمد بن أبي ليلى، والحسن بن عمارة وابن المرزبان، وكلهم ضعاف. وقال صاحب التنقيح: والذي يظهر أن حديث ابن مسعود بمجموع طرقه له أصل، بل هو حديث حسن يحتج به، لكن في لفظه اختلاف.
وقال في الحديث الثالث: أخرجه أحمد، وأبو داود الطيالسي عن القاسم عن عبد الله، وأخرجه الدارقطني ص ٢٩٧ عن القاسم.
وقال البيهقي في حديث أبي عميس عن عبد الرحمن بن قيس بن محمد بن الأشعث بن قيس =
стр. 1124
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= عن أبيه عن جده، قال: رواه أبو داود في كتاب السنن عن محمد بن يحيى عن عمر بن حفص.
وقال: هذا إسناد حسن موصول، وقد روي من أوجه بأسانيد مراسيل إذا جمع بينها صار الحديث بذلك قويًا.
وفي البيهقي بسنده عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاء قَوْمٍ وَأَموَالَهُمْ، وَلكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ". أخرجه مسلم في الصحيح من حديث ابن جريج، وأخرجه البخاري من وجه آخر عن ابن أبي مليكة. قال الشافعي: فإذا تبايع رجلان عبدًا فقال البائع: بعتكه بألف. وقال المبتاع: بخمسمائة. فكل واحد منهما مدع ومدعىً عليه؛ البائع يدعي فضل الثمن، والمشتري يدعي السلعة بأقل من الثمن، فيتحالفان ويبدأ بيمين البائع، ا. هـ. منه.
قال البغوي: اختلف أهل العلم في المتبايعين إذا اختلفا في الثمن؛ فقال البائع: بعت بكذا. وقال المشتري: بأقل. فذهب عامتهم إلى أنهما يتحالفان؛ يحلف البائع بالله، لقد بعته بكذا. فإذا حلف يقال للمشتري: إمَّا أن تأخذ السلعة بما حلف عليه البائع، وإمَّا أن تحلف: ما اشتريتها إلا بما قلت. فإن حلف، فسخ العقد بينهما، ورد لكل واحد منهما ما دفع. وهو قول شريح، وذهب إليه مالك، والشافعي، وأحمد، واسحاق، وأصحاب الرأي.
قال: ولا فرق عند الشافعي بين أن تكون السلعة قائمة أو تالفة في أنهما يتحالفان، ويرد قيمة السلعة. وذهب جماعة إلى أنهما لا يتحالفان بعد هلاك السلعة عند المشتري، بل القول قول المشتري مع يمينه. وهو قول النخعي، وإليه ذهب الثوري، والأوزاعي ومالك، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، ا. هـ. منه.
أما اختلافهما في قدر الثمن، فقد نسب المواق للمنتقى: إن اختلفا في الثمن قبل القبض للسلعة، فقال البائع: بعشرة. وقال المبتاع: بخمسة. بدئ البائع؛ فقيل له: إن أبيت ما قال المبتاع فاحلف أنك بعتها منه بعشرة. فإن حلف قيل للمبتاع: إن أبيت ما قال البائع فاحلف أنك اشتريتها منه بخمسة. فإن حلف لم يلزم أحدهما ما حلف عليه الآخر.
وأمَّا إن اختلفا في قبض السلعة وقبل فوتها، فقد روى أشهب وابن القاسم عن مالك أنهما =
стр. 1125
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= يتحالفان ويتفاسخان. قال ابن القاسم في الموازية: سواء نقد الثمن أو لم ينقده. وأما إذا فاتت السلعة بزيادة أو نقص أو حوالة سوق، فروى ابن القاسم عن مالك أن القول قول المبتاع، وروى أشهب أنهما يتحالفان، وأمَّا اختلافهما في المثمون فقد تقدم نص المدونة في السلم إن قال: هذا في فرس، وهذا في حمار، تحالفا وتفاسخا، وأما اختلافهما في قدر الأجل، فقال ابن رشد: إذا اختلفا في أجل الثمن واتفقا على عدده، ففي ذلك سبعة أقوال؛ المشهور عن ابن القاسم أنهما يتحالفان ويتفاسخان.
وأما اختلافهما في الرهن والحميل فقال المازري: قول بعض أصحابنا، كل ما يؤدي إلى الاختلاف في الثمن فهو كالاختلاف فيه كاختلافهما في رهن أو حميل. صحيحٌ، انظر ابن عرفة، ا. هـ. منه.
(٢) وقوله: وصدق من ادعى الأشبه وحلف إن فات، نسب المواق لابن القاسم قوله: إنما يراعى ملك من أشبه قوله من المتداعيين في فوت السلعة بيد المشتري في سوق أو بدن، وأما مع بقاء السلعة، وفي وقت يحكم فيه بالتحالف والتفاسخ، فعندي لا يراعى في ذلك قول من أشبه.
(٣) وقوله: وإن اختلفا في انتهاء الأجل فالقول لمنكر التقضي، نسب المواق للمدونة قال مالك: من أسلم في سلعة إلى أجل، فادعى حلوله، وقال البائع: لم يحل. فالقول قول البائع فيما يشبه -يريد مع يمينه- قال ابن القاسم: فإن لم يأت بما يشبه صدق المبتاع فيما يشبه.
وقال مالك فيمن ابتاع سلعة وفاتت عنده، وادعى أن الثمن إلى أجل كذا، وقال البائع إلى أجل دونه: ان القول قول المبتاع، والبائع مقر بأجل مدع حلوله. قال ابن القاسم: وهذا إذا أتى بما يشبه إلا صدق البائع، ولو لم تفت حلفا وردت، ا. هـ. منه.
(٤) وقوله: وفي قبض الثمن أو السلعة فالأصل بقاؤهما إلا لعرف كلحم أو بَقْلٍ بان به، نسب المواق للمدونة: قال مالك إذا اختلفا في دفع الثمن في الريع، والحيوان، والرقيق، والعروض، وقد قبضه المبتاع وبان به، فالبائع مصدق بيمينه إلَّا أن تقوم بينة؛ إلا في مثل ما يباع على النقد كالصرف، وما يباع في الأسواق من اللحم، والفواكه، والخضر، والحنطة والزيت ونحوه، وقد =
стр. 1126
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= انقلب به المبتاع، فالقول قوله، أنه دفع الثمن مع يمينه. واختلف فيه إن لم يفارقه. وسمع أصبغ ابن القاسم يقول: وإذا طلب البائع الثمن، فقال المشتري: لم أقبض السلعة. وقال البائع: قد قبضتها. فإن أشهد له بالثمن فقد قبض السلعة وعليه غرم الثمن ولا يصدق أنه لم يقبضها.
قال أصبغ: ويحلف له البائع ان كان بحرارة البيع والإِشهاد، وأما إن سكت حتى يحل الأجل وشبهه فلا قول له ولا يمين له على البائع. قال ابن عرفة: مفهومه أنه إن لم يكن أشهد فالقول قوله، وهو نقل المازري عن المذهب. قال ابن رشد: قيل إن حل الأجل صدق البائع بيمينه في دفع السلعة، وإن كان بالقرب صدق المشتري بيمينه ولو كان أشهد على نفسه بالثمن، وكذا لو باعها بالنقد وأشهد عليه المبتاع بدفع الثمن ثم قام يطلب منه السلعة بالقرب الذي يتأخر فيه القبض؛ كالأيام والجمعة ونحو ذلك، فالقول قول المشتري؛ وإن بعد كالشهر ونحوه فالقول قول البائع. وهذا القول ظاهر قول ابن القاسم في الدمياطية، وهو أظهر من رواية أصبغ هذه. وقال ابن يونس: والأصل في ذلك كله أن يحمل على العرف في تلك السلعة فيقضى به. ا. هـ. منه.
قلت والله أعلم بمستند هذه الآراء. وهو الموفق.
стр. 1127
باب الكلام على السلم
شَرْطُ السَّلَمِ قَبْضُ رَأسِ الْمَالِ كُلِّهِ أوْ تَأخِيرُهُ ثَلَاثًا (١) وَلَوْ بِشَرْطٍ، وَفِي فَسَادِهِ بالزِّيَادَةِ إنْ لَمْ تَكْثُرْ جِدًّا تَرَدُّدٌ، وَجَازَ بِخِيارٍ لِمَا يُؤخَّرُ إن لَمْ يُنْقَدْ، وبمَنْفَعَةِ مُعَيَّنٍ، وبجزَافٍ وتَأخِيرُ حَيَوَانٍ بلا شَرْطٍ، وَهَلِ الطعَامُ والعَرْضُ كَذَلِكَ؛ إنْ كِيلَ وأُحْضِرَ أوْ كالْعَيْنِ؟. تأويلانِ. وَرُدَّ زَائِفٌ وَعُجِّلَ وإلَّا فَسَدَ مَا يُقَابِلُهُ لا الجَميعُ على الأحْسَنِ، والتَّصْدِيقُ فِيهِ كَطَعَامٍ مِنْ بَيْعٍ ثُمَّ لَكَ أو عَلَيْكَ الزَّيْدُ والنَّقْصُ الْمَعْرُوفُ، وإلَّا فَلا رُجُوعَ لَكَ إلَّا بِتَصْدِيقٍ أوْ بَبَيِّنَةٍ لَمْ تُفَارِقْ؛ وحَلَفَ لَقَدْ أوْفَى مَا سَمَّى، أوْ لَقَدْ بَاعَهُ عَلى مَا كُتِبَ بِهِ إلَيْهِ إنْ أعْلَمَ مُشْتَرِيَهُ، وإلَّا حَلَفَ وَرَجَعَتْ، وإنْ أسْلَمْتَ عَرْضًا فَهَلَكَ بِيَدِكَ فَهُوَ مِنْهُ إنْ اهْمَلَ أوْ أَوْدَعَ أو على الانتفاعِ، وَمِنْكَ إنْ لَمْ تَقُمْ بَيِّنَة، وَوُضِعَ لِلتَوَثُّقِ وَنُقِضَ السَّلَمُ وَحَلَفَ وإلَّا خُيِّرَ الآخَرُ،
الكلام على السلم
قال القرطبي في تفسيره: حد علماؤنا -رحمة الله عليهم- السلم فقالوا: هو بيع معلوم في الذمة، محصور بالصفة، بعين حاضرة أو ما هو في حكمها، إلى أجل معلوم.
فقولهم: معلوم في الذمة، يفيد التحرز من المجهول، ومن السلم في الأعيان المعينة؛ مثل الذي كانوا يستلفون في المدينة حين قدم عليهم النبي ﷺ ، فإنهم كانوا يستلفون في ثمار نخيل بأعيانها، فنهاهم عن ذلك لما فيه من الغرر، إذْ قد تخلف تلك الأشجار فلا تثْمر شيئًا.
وقولهم: محصور بالصفة، تحرز عن المعلوم على الجملة دون التفصيل؛ كما لو أسلم في ثمر أو ثياب ولم يبين نوعها ولا صفتها المعينة.
وقولهم: بعين حاضرة، تحرز من الدين بالدين. =
стр. 1128
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وقولهم: أو ما هو في حكمها، تحرز من اليومين والثلاثة، التي يجوز تأخير رأس مال السلم إليه، فإنه يجوز تأخيره عندنا ذلك القدر بشرط وبغير شرط لقرب ذلك. ولم يجز الشافعي تأخير رأس مال السلم عن العقد والافتراق ورأى أنه كالصرف، ودليلنا اختلاف البابين في أخص أوصافهما؛ فإن الصرف بابه ضيق كثرت فيه الشروط، بخلاف السلم فإن شوائب المعاملات عليه أكثر.
وقولهم: إلى أجل معلوم، تحرز من السلم الحالِّ فإنه لا يجوز على المشهور. ووصف الأجل بالمعلوم تحرز من الأجل المجهول؛ الذي كانوا في الجاهلية يسلمون إليه.
قال: والسلم بيع من البيوع الجائزة بالاتفاق، مستثنى من نهيه ﵊ عن بيع ما ليس عندك، وأرخص في السلم لأن السلم لما كان بيع معلوم في الذمة، كان بيع غائب تدعو إليه ضرورة كل واحد من المتبايعين، فإن صاحب رأس المال محتاج إلى أن يشتري الثمرة، وصاحب الثمرة محتاج إلى ثمنها قبل إبانها لينفقه عليها، فظهر أن بيع السلم من المصالح الحاجية، وقد سماه الفقهاء بيع المحاويج، فلو جاز حالًا بطلت هذه الحكمة وارتفعت هذه المصلحة، ولم يكن لاستثناثه من بيع ما ليس عندك فائدة. ا. هـ. منه.
وحكم السلم الجواز بالكتاب، والسنة، والإِجماع، فأمَّا الكتاب فهو قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾. الآية. قال ابن عباس: هذه الآية نزلت في السلَم خاصة. ا. هـ. القرطبي.
وقال ابن قدامة بعد ذكر هذه الآية: وروى سعيد بإسناده عن ابن عباس أنه قال: أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى قد أحله الله في كتابه وأذن فيه، ثم قرأ هذه الآية.
وأما السنة: فروى ابن عباس عن رسول الله ﷺ أنهم قدموا المدينة وهم يسلفون في الثمار السنتين والثلاث فقال: "مَنْ أَسْلَفَ في شَيْء فَلْيُسْلِفْ في كَيْلٍ مَعْلُومِ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ ". متفق عليه.
وروى البخاري عن محمد بن أبي المجالد قال: أرسلني أبو بردة وعبد الله بن شداد إلى عبد الرحمن بن أبزى، وعبد الله بن أبي أوفى، فسألتهما عن السلف فقالا: نصيب المغانم مع رسول
стр. 1129
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= الله ﷺ ، فكان يأتينا أنباط من أنباط الشام فنسلفهم في الحنطة، والشعير، والزيت. فقلت: أكان لهم زرع أم لم يكن لهم زرع؟. قال: ما كنا نسألهم عن ذلك.
وأمَّا الإِجماع، فقال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن السلم جائز، ولأن المثمن في البيع أحد عوضي العقد، فجاز أن يثبت في الذمة كالثمن، ولأن بالناس حاجة إليه، لأن أرباب الزرع، والثمار، والتجارات، يحتاجون إلى النفقة على أنفسهم وعليها لتكمل، وقد تعوزهم النفقة، فجوّز لهم السلم ليرتفقوا ويرتفق المسلم بالاسترخاص. ا. هـ. منه.
قال القرطبي: وشروط السلم المتفق عليها والمختلف فيها تسعة: ستة في المُسْلَمِ فيه، وثلاثة في رأس مال السلم، أما الستة التي في المسلم فيه: فأن يكون في الذمة، وأن يكون موصوفًا، وأن يكون مقدرًا، وأن يكون مؤجلًا، وأن يكون الأجل معلومًا، وأن يكون موجودًا عند محل الأجل.
وأمَّا الثلاثة التي في رأس مال السلم: فأن يكون معلوم الجنس، مقدرًا، نقدًا. قال: وهذه الثروط الثلاثة التي في رأس المال متفق عليها إلا النقد حسب ما تقدم قال ابن العربي: أما الشرط الأول. وهو أن يكون في الذمة، فلا إشكال في أن المقصود منه كونه في الذمة، لأنه مداينة، ولولا ذلك لم يشرع دين، ولا قصد الناس إليه ربحًا ورفقًا، وعلى ذلك القول اتفق الناس، بيد أنَّ مالكًا قال: لا يجوز السلم في المعين إلا بشرطين: أحدهما أن يكون قرية مأمونة، والثاني أن يشرع في أخذه؛ كاللبن من الشاة، والرطب من النخلة، ولم يقل ذلك أحد سواه. قال: وهاتان المسالتان صحيحتان في الدليل؛ لأن التعيين امتنع في السلم مخافة المزابنة والغرر، لئلا يتعذر عند المحل؛ وإذا كان الموضع مأمونًا لا يتعذر وجود ما فيه في الغالب جاز ذلك، إذ لا يتيقن ضمان العواقب على القطع في مسائل الفقه، ولابد من احتمال الغرر اليسير، وذلك في في مسائل الفروع. قال: وأمَّا السلم في اللَّبن والرُّطب مع الشروع في أخذه، فهي مسألة مدنية اجتمع عليها أهل المدينة، وهي مبنية على قاعدة المصلحة، لأن المرء يحتاج الى أخذ اللبن والرطب مياومة ويشق أن يأخذ كل يوم ابتداء، لأن النقد قد لا يحضره ولأن السعر قد يختلف عليه، وصاحب النخل واللبن محتاج إلى النقد؛ لأن الذي عنده عروض لا يتصرف له، فلما اشتركا في =
стр. 1130
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= الحاجة رخص لهما في هذه المعاملة قياسًا على العرايا وغيرها من أصول الحاجات والمصالح. ا. هـ.
والشرط الثاني: وهو أن يكون موصوفًا. فهو متفق عليه، وكذلك الشرط الثالث؛ وهو أن يكون مقدرًا، والتقدير يكون من ثلاثة أوجه: الكيل، والوزن، والعدد، ومبنى ذلك على العرف؛ وهو إما عرف الناس، وإما عرف الشرع.
وأما الشرط الرابع، وهو أن يكون مؤجلًا، فقد اختلف فيه، فقال الشافعي: يجوز السلم الحال، ومنعه أكثر العلماء، والصحيع إن شاء الله أنه لابد من الأجل؛ لأن المبيع إما معجل وهو العين، وإما مؤجل، فإن كان حالًا ولم يكن عند المسلم إليه، كان ذلك من باب بيع ما ليس عندك، فلابد إذًا من الأجل حتى يخلص كل عقد على صفته وعلى شروطه، وحتى تتنزل الأحكام الشرعية منازلها، وتحديد الأجل عند أصحابنا هو مدة تختلف الأسواق في مثلها، وقول الله تعالى: ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. الآية، وقوله ﵊: "إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ" الحديث يغني عن قول كل قائل.
قال: والذي أجازه علماؤنا من السَّلَم الحال هو ما تختلف فيه البلدان من الأسعار؛ فيجوز السلم فيما كان بينه وبينه يوم أو يومان أو ثلاثة، أما في البلد الواحد فلا، لأن سعره واحد. والله أعلم، ا. هـ. منه. بتصرف قليل.
وأما الشرط الخامس؛ وهو أن يكون الأجل معلومًا، فلا خلاف فيه بين الأمة لوصف الله تعالى ونبيه ﷺ الأجل بذلك، وانفرد (١) مالك من بين فقهاء الأمصار بجواز البيع إلى الجذاذ والحصاد لأنه رآه معلومًا، وبه قال أبو ثور (٢)، وقال أحمد: أرجو أن لا يكون به بأس، وكذلك إلى قدوم الغزاة. وعن ابن عمر أنه كان يبتاع إلى العطاء. وأما الشرط السادمى؛ وهو أن يكون موجودًا عند حلوله، فلا خلاف فيه بين الأمة أيضًا، وقالوا: إن انقطع المبيع عند حلوله يأمر من الله تعالى انفسخ البيع عند كافة العلماء وقال بعض السلف: يشترط في السَّلَم أن يكون المسلم إليه مالكًا للمسلم فيه، وهو مردود بما رواه البخاري عن محمد بن المجالد قال: بعثني عبد الله بن شداد
стр. 1131
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وأبو بُرْدَةَ إلى عبد الله بن أبي أوفى فقالا: سله هل كان أصحاب النبي ﷺ في عهد النبي ﷺ يسلفون في الحنطة؟. فقال عبد الله: كنا نسلف نبيط أهل الشام في الحنطة والشعير والزيت؛ في كيل معلوم إلى أجل معلوم. قلت: إلى من كان أصله عنده؟. قال: كنا لا نسألهم عن ذلك. ثم بعثاني الى عبد الرحمن بن أبْزَى فسألته فقال: كان أصحاب النبي ﷺ يسلفون على عهد النبي ﷺ ، ولم نسألهم: ألهم حرث أم لا؟
واشترط أبو حنيفة وجود المسلم فيه حين العقد الى حين حلول الأجل، قال: مخافة أن يطلب المسلم فيه فلا يوجد فيكون ذلك غررًا، وخالفه سائر الفقهاء، وقالوا: المراعى في ذلك وجوده عند الأجل.
وقال أهل الكوفة والثوري: يشترط أن يذكر موضع القبض فيما له حملٌ ومئونة. وقالوا بفساد السلم إذا لم يذكر موضع القبض.
وقال أصحابنا: لو سكتوا عن موضع القبض لم يفسد البيع ويتعين أن يكون موضع القبض موضع العقد. وبذلك قال أحمد واسحاق وطائفة من أهل الحديث، محتجين بحديث ابن عباس، فإنه ليس فيه ذكر المكان الذي يقبض فيه السلم، ولو كان ذلك من شروطه لبينه النبي ﷺ كما بين الكيل والوزن والأجل. ومثله في ذلك حديث ابن أبي أوفى.
وقال مالك فيمن أسلف في طعام بسعر معلوم الى أجل مسمى، فحلّ الأجل فلم يجد المبتاعُ عند البائع وفاء مما ابتاعه منه فأقاله، قال: الأمر عندنا أنه لا ينبغي أن يأخذ منه الا ورِقه أو ذهبه أو الثمن الذي دفع إليه بعينه، وأنه إن أخذ منه شيئًا غير ذلك بدله، كان ممن باع الطعام قبل قبضه. قال مالك: وقد نهى رسول الله ﷺ عن بيع الطعام قبل أن يستوفى. ا. هـ. ملخصًا من تفسير القرطبي في جملته.
(١) قوله ﵀: شرط السلم قبض رأس المال كله أو تأخيره ثلاثًا، ذكر فيه أحد الشروط الثلاثة التي في رأس مال السلم وهو النقد، وقد أجاز فيه أصحابنا تأخير قبضه نحو الثلاثة الأيام لخفة الأمر في ذلك، وجريًا على شطر القاعدة الفقهية الخلافية وهي قولهم: هل قريب الشيء يعطى حكمه أو لا؟. وقد عقدها في المنهج المنتخب بقوله: =
стр. 1132
وَإنْ أَسْلَمْتَ حَيَوَانًا أوْ عَقَارًا، فَالسَّلَمُ ثَابِتٌ ويتَّبَعُ الْجَانِي، وأنْ لَا يَكُونَا طَعَامَيْنَ (١) وَلَا نَقْدَيْنِ، ولَا شَيْئًا في أكثْرِ مِنهُ أوْ أجْوَدَ كَالْعَكْسِ، إلَّا أنْ تَخْتَلِفَ الْمنْفَعَةُ؛ كَفارِهِ الحُمُرِ والأعْرَابِيَّةِ وسَابِقِ الخَيْلِ، لَا هِمْلَاج إلَّا كَبِرْذَوْنٍ وجَمَلٍ كَثير اْلحَمْلِ، وصُحِّحَ وبِسَبْقِهِ، وَبقُوَّةِ الْبقَر وَلَوْ أنْثَى، وَكثْرَةِ لبَنِ الشَّاةِ وظَاهِرُهَا عُمُومُ الضَّأْنِ وصُحِّحَ خِلَافُهُ، وَكَصَغِيريْن في كبِيرٍ وَعَكْسِهِ، أوْ صَغِير في كَبِيرٍ وَعَكْسِهِ، إنْ لَمْ يُؤَدِّ إِلى المزُابَنَةِ، وَتُؤُوِّلَتْ عَلى خِلَافِهِ؛ كالآدَمِيِّ وَالْغَنَمِ وكجذْع طَوِيلٍ غَلِيظٍ في غَيْرِهِ، وَكَسَيْفٍ قَاطعٍ في سَيْفَيْنِ دُونَهُ، وَكَالجِنْسَيْنِ وَلَوْ تَقَارَبَتِ المَنْفَعَةُ؛ كرقيقِ الْقُطْنِ والْكَتَّانِ، لَا جَمَلٍ في جَمَلَيْنِ مِثْلِهِ، وعُجِّلَ أَحَدُهُمَا، وكَطَيْرٍ عُلِّمَ لَا بِالْبَيْضِ والذُّكُورَةِ وَالأنُوثَةِ وَلَوْ آدَمِيًّا، وَغَزْلٍ وَطَبْخٍ إنْ يَبْلُغِ النِّهَايَةَ، وحِسَابٍ وكتَابَةٍ.
= وهل قريب الشيء كهو كالذي … نوى أو استجمر أو زكّي احْتذي
كحج أضحاة نكاح وسَلَمْ … صرف وثنيا عهدة صلح عدم
… ألخ.
ومعنى كلام المصنف أن من شروط السلم أن لا يتأخر قبض رأس مال السلم أكثر من ثلاث، فالمضر تأخيره أكثر من ذلك، وهو معنى قول بعضهم: من شروط السلم أن يكون رأس المال نقدًا، أي معجلًا أو في حكم النقد، ولا يؤخر بشرط فوق ثلاث. ا. هـ.
(١) وقوله: وأن لا يكونا طعامين، ألخ. يبتعد به عن جميع أنواع الربا، سواء كان ربا فضل أو ربا نساء. والله الموفق.
وقوله ﵀: وأن يؤجل بمعلوم زائد على نصف شهر، يشير به إلى أنه يشترط في السلم أن يكون إلى أجل معلوم، وقد تقدم دليل ذلك من الكتاب والسنة. وقوله: زائد على نصف شهر، يشير به إلى ما تقدم لك من أن مالكًا لا يجيز السلم الحال، ولهذا فإن أقل الأجل عنده ما يمكن فيه أن تكون حوالة الأسواق وهو خمسة عشر يومًا. =
فإنِ انْقَطَعَ بِحِصَّةِ ما بَقِي، وهَلْ على الْقِيمَةِ، وعَلَيْهِ الأكْثَرُ، أوْ عَلَى الْمَكيلَةِ؟ تأويلَانِ. وَهَلِ الْقَرْيَةُ الصَّغيرَةُ كَذلِكَ، أوْ إلَّا في وُجُوبِ تَعْجِيل النَّقْدِ فِيهَا، أوْ تُخَالِفُهُ فِيهِ وَفي السَّلَمِ لِمَنْ لَا مِلْكَ لَهُ؟ تَأْوِيلَاتٌ. وإنِ انْقَطَعَ مَا لَهُ إبَّانٌ أوْ مِنْ قَريَةٍ خُيِّرَ المُشْتَري في الْفَسْخِ وَالإِبْقَاء، وَإنْ قَبَضَ الْبَعْضَ وَجَبَ التَّأخِيرُ إلَّا أَنْ يَرْضَيَا بِالمحُاسَبَةِ ولَوْ كَانَ رَأسُ المالِ مُقَوَّمًا. ويَجُوزُ فيمَا طُبِخَ واللَّولُؤِ والْعَنْبَرِ والْجَوْهَرِ والزُّجَاج والجِصِّ والزِّرْنيخ وأحْمَالِ الْحَطَبِ وَالأدَمِ وَصُوفٍ بالْوزْنِ لَا بِالْجَزَّ، والسُّيُوفِ وَتَوْرٍ ليُكَمِّلَ، والشِّرَاء مِنْ دَائِمِ الْعَمَل كالخَبَّازِ، وَهُوَ بَيْعٌ وَإنْ يَدُمْ فَهُوَ سَلَمٌ؛ كاسْتِصْنَاعِ سَيْفٍ أوْ سَرْجٍ. وفَسَدَ بِتَعْيينِ الْمَعْمُول مِنْهُ أوْ الْعَامِل، وَإنْ اشْتَرىَ الْمَعْمولَ مِنْهُ واستأجَرَهُ جَازَ إنْ شَرَعَ، عَيَّنَ عَامِلَهُ أمْ لَا، لَا فِيمَا لَا يُمْكِنُ وَصْفُهُ؛ كَتُرابِ
= وقوله: كالنيروز والدراس والحصاد وقدوم الحاج، يثير به إلى أن مالكًا ﵀ اعتبر مثل ذلك أجلًا معلومًا منضبطًا ولذلك قال: واعتبر ميقات معظمه، أي يعتبر في ذلك الوقت الذي يغلب فيه وقوع ذلك، وقع أو لم يقع، وقوله: إلا أن يقبض ببلد كيومين، يشير به إلى ما تقدم لك مما يجوز عند مالك من السلم الحال، فارجع إليه إن شئت.
وقوله ﵀: وأن يضبط بعادته من كيل أو وزن أو عدد، يثير به إلى اشتراط التقدير في المسلم فيه كما ينص عليه حديث ابن عباس: "مَنْ أَسْلَفَ في شَيْء فَلْيُسْلِفْ في كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ". الحديث.
وقوله ﵀: وأن تبين صفاته التي تختلف بها القيمة في السلم عادة، هو أيضًا من باب اشتراط التقدير في السلم؛ فإن بانضباط الصفة المطلوبة يتعين الموصوف في الذمة، فإن القيمة تختلف باختلاف الصفات كما في الكبر والصغر والبخت والعراب، فإن الناس أرغب في بعض الصفات من بعضها.
стр. 1135
المَعْدِنِ، والأرْضَ، والدُّور، والْجِزَافِ، ومَا لَا يُوجَدُ، وحَدِيدٍ وَإنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ السُّيُوفُ في سُيُوفٍ وبِالعَكْسِ، وَلَا كتَّانٍ غَلِيظٍ في رَقِيقِهِ إنْ لَمْ يُغْزَلَا، وَثَوْبٍ لِيُكَمَّلَ، ومَصْنُوعٍ قُدِّمَ لا يَعُودُ هَيِّنَ الصَّنْعَةِ كالغَزْلِ، بِخِلَافِ النَسْجِ إلَّا ثِيابَ الْخَزِّ، وَإنْ قُدِّمَ أصْلُهُ اعْتُبِرَ الأَجَلُ، وَإنْ عَادَ اعْتُبِرَ فيهِمَا، والمَصْنُوعَانِ يَعُودَانِ يُنْظَرُ للْمنْفَعَةِ، وجَازَ قَبْلَ زَمَانِهِ قَبوُلُ صِفَتِهِ فَقَطْ؛ كَقَبْلَ مَحَلَّهِ في الْعَرْضِ مُطْلَقًا، وَفي الطَّعَامِ إنْ حَلَّ إنْ لَمْ يَدْفَعْ كِرَاءً، وَلَزِمَ بَعْدَهُمَا؛ كَقَاضٍ إنْ غَابَ وجَازَ أجْوَدُ وَأرْدَأُ لا أقَلُّ إِلّا عَنْ مِثْلِهِ، ويُبْرِئَ مِمَّا زَادَ، ولَا دَقِيقٌ عَنْ قَمْحٍ وعَكْسُهُ، وبِغَيْرِ جِنْسِهِ إنْ جَازَ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ، وبَيْعُهُ بالْمُسْلَمِ فِيهِ مُناجَزَةً وأنْ يُسْلَمَ فِيهِ رَأسُ الْمَالِ، لَا طَعَامٍ وَلَحْمٍ بِحَيَوَانٍ وذهَبٍ وَرَأسُ المالِ وَرِقٌ وعَكْسُهُ، وَجَازَ -بَعْدَ أجَلِهِ- الزِّيَادَةُ ليزيدَهُ طُولًا؛ كَقَبْلَهُ إنْ عَجَّلَ دَراهِمَهُ، وغَزْلٍ ينْسِجُهُ لَا أعْرَضَ أوْ أصْفَقَ، ولا يلْزَمُ دَفْعُهُ بِغَيْرِ مَحَلِّهِ ولَوْ خَفَّ حَمْلُهُ.
= وقوله ﵀: وكونه دينًا، يشير به إلى اشتراط كون المسلم فيه شيئًا موصوفًا متعلقًا بذمة المسلم إليه، خلافًا للشافعي الذي يجيز السلم الحال. قال أصحابنا: فلو كان معينًا عنده لزم بيع معين يتأخر قبضه، وإن كان عند غيره لزم بيع معين ليس عنده، وإن كان موصوفًا بالذمة حالًا لزم بيع ما ليس عندك.
وقوله: ووجوده عند حلوله، يشير به إلى أنه يشترط وجود المسلم فيه غالبًا عند حلول أجله، لأنه إن لم يكن الغالب وجود المسلم فيه عند حلوله كان السلم في مثله نوعًا من بيع الغرر. وبالله تعالى التوفيق.
стр. 1136
فَصْلٌ
يَجُوزُ قَرْضُ مَا يُسْلَمُ فِيهِ فَقَطْ (١) إلَّا جَارِيةً تَحِلُّ لِلْمُسْتَقْرِضِ (٢)، وَرُدَّتْ إلَّا أنْ تَفُوتَ عِنْدهُ بِمُفَوِّتِ الْبَيْع الْفَاسِدِ فالْقِيمَةُ كَفَسَادِهِ، وَحَرُمَ هَدِيَّتُهُ إِنْ لَّمْ يَتَقَدَّمْ مِثْلُهَا (٣) أوْ يَحْدُثْ مُوجِبٌ؛ كرَبِّ الْقِراضِ وَعَامِلِهِ، وَلَوْ بَعْدَ شَغْلِ الْمَالِ على الأرْجَحِ، وَذي الْجَاهِ، والْقَاضِي، ومُبَايَعَتُهُ مُسَامَحَةً، أوْ جَرُّ مَنْفَعَةٍ (٤) كشَرْطِ عَفِنٍ بِسَالِمٍ، ودَقيقٍ أوْ كَعْكٍ ببَلَدٍ، أو خُبْزِ فُرْنٍ بِمَلَّةٍ، أوْ عَيْنٍ عَظُمَ حَمْلُهَا، كَسَفْتَجَةٍ إلَّا أنْ يَعُمَّ الْخَوْفُ (٥)، وكَعَيْنٍ كُرِهَتْ إقَامَتُهَا إلَّا أنْ يَقوُمَ دَلِيلٌ عَلَى أنَّ الْقَصْدَ نَفْعُ المُقْتَرِضِ فَقَطْ في الْجَمِيع؛ كفدَّانٍ مُسْتَحْصِدٍ خَفَّتْ مَؤوْنَتُهُ عَلَيْهِ يَحْصُدُهُ وَيْدرُسُهُ وَيَردُّ مَكِيلَتَهُ، ومُلِكَ، وَلم يَلْزَمْ رَدُّهُ إلَّا بِشَرْطٍ أوْ عَادةٍ؛ كأخْذِهِ بِغَيْرِ مَحَلَّهِ إلَّا الْعَينَ.
الكلام على القرض
قال ابن قدامة: القرض نوع من السلف، وهو جائز بالسنة والإِجماع، أمَّا السنة، فقد روى
أبو رافع أن النبي ﷺ استسلف من رجل بكرًا، فقدمت على النبي ﷺ إبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره، فرجع إليه أبو رافع فقال: يا رسول اللهلهه، لم أجد فيها إلَّا خيارًا رباعيًا.
فقال: "إِعْطِهِ، فَإِنَّ خَيْرَ النَّاسِ أحْسَنُهُمْ قَضَاء". رواه مسلم. وعن ابن مسعود: أن النبي ﷺ قال: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُقْرِضُ مُسْلِمًا مَرَّتَيْنِ إلَّا كَانَ كَصَدَقَةٍ مَرَّةً". وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "رَأيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ مَكْتُوبًا: الصَّدَقَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَالْقَرْضُ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ. فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَا بَالُ الْقَرْضِ أَفَضَلُ مِنَ الصَّدَقةِ؟. قال: لأَنَّ السَّائِلَ يَسْأَلُ وَعِنْدَهُ، وَالْمُسْتَقْرِضُ لَا يَسَتَقْرِضُ إِلَّا مِنْ حَاجَةٍ". رواهما ابن ماجه. قال: وأجمع المسلمون على جواز القرض. وهو مندوب إليه في حق المُقْرِضِ مباح للمقترض؛ لما روينا من الأحاديث، ولما روى =
стр. 1137
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "مَنْ كَشَفَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، كَشَفَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
واللهُ في عَوْنِ الْعَبْدِ مَادَامَ الْعَبْدُ في عَوْنِ أَخيهِ". وعن أبي الدرداء أنه قال: لأن أقرض دينارين ثم يردان إليَّ ثم أقرضهما أحبُّ إليَّ من أن أتصدق بهما. قال: ولا إثم على من سئل القرض فلم يقرض؛ ذلك لأنه من المعروف فأشبه صدقة التطوع، وليس القرض من المسألة؛ ذلك أن النبي ﷺ كان يستقرض، ولو كان القرض مكروهًا كان أبعد الناس منه. قال: ولا ينبغي أن يتحمل المستقرض بأمانته ما لا يقدر على وفائه، ومن أراد أن يستقرض فليعلم من يسأله القرض بحاله. ا. هـ. منه. بتصرف. وقال القرطبي: قال الكسائي: القرض ما أسلفت من عمل صالح أو سيئ. وأصل الكلمة: القطع. ومنه المقراض. وأقرضته: أي قطعت له من مالي قطعة يجازي عليها. وانقرض القوم، انقطع أثرهم وهلكوا. ا. هـ. منه.
(١) وقوله: يجوز قرض ما يسلم فيه فقط، قال في المواق عن ابن عرفة: متعلق القرض ما صح ضبطه بصفة. وقال القرطبي: أجمع أهل العلم على أن استقراض الدراهم والدنانير والحنطة والشعير، والتمر، والزبيب، وكل ما له مثل من سائر الأطعمة، جائز، قال: وحديث استسلافه البكر من الإِبل فيه دليل على جواز قرض الحيوان، وهو مذهب الجمهور خلافًا لأبي حنيفة.
(٢) وقوله: إلَّا جارية تحل للمستقرض، نسب المواق هنا للخمي: لا يجوز قرض الجواري إلا أن تكون في سن من لا توطأ، أو يكون المقترض لا يمكن التذاذه منها لسنه، أو امرأة، أو محرمًا عليه وطؤها، ا. هـ. منه.
وقال الشوكاني في نيل الأوطار: وقد استثنى مالك والشافعي وجماعة من أهل العلم قرض الولائد، فقالوا: لا يجوز؛ لأنه يؤدي إلى إعارة الفروج. قال: وأجاز ذلك مطلقًا داود، والطبري، والمزني، ومحمد بن داود. قال: وأجازه بعض المالكية فيمن يحرم وطؤها على المستقرض. وقد حكى إمام الحرمين عن السلف، والغزالي عن الصحابة النهي عن قرض =
стр. 1138
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= الولائد. ا. هـ. منه. بتصرف قليل.
(٣) وقوله: وحرم هديته إن لم يتقدم مثلها، نسب المواق هنا للمدونة، قال مالك: لا ينبغي هدية مديانك إلا من تعودت ذلك منه قبل أن تداينه، وتعلم أن هديته إليك ليست لأجل دينك، فلا بأس بذلك.
وقال القرطبي: ولا يحل أن يُهدي من استقرض هدية للمقرض، ولا يحل للمقرض قبولها إلا أن يكوعا عادتهما ذلك. بهذا جاءت السنة: خرج ابن ماجه: حدثنا هشام بن عمار قال: حدثنا إسماعيل بن عياش، حدثنا عتبة بن حميد الضبي عن يحيى بن أبي اسحاق الهنائي، قال: سألت أنس بن مالك عن الرجل منا يقرض أخاه المال فيهدي إليه؟. قال قال رسول الله ﷺ : "إِذَا أَقْرَضَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ قَرْضًا فَأَهدَى لَهُ أَوْ حَمَلَهُ عَلَى دَابَّتِهِ فَلَا يَقْبَلْهَا وَلَا يَرْكَبْهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ قَبْلَ ذلِكَ". ا. هـ. وفي منتقى الأخبار عن أبي بردة بن أبي موسى، قال: قدمت المدينة، فلقيت عبد الله بن سلام فقال لي: إنك بأرض فيها الربا فاشٍ فإذا كان لك على رجل حق فأهدى إليك حمل تبن أو حمل شعير أو حمل قت فلا تأخذه فإنه ربا. رواه البخاري في صحيحه.
قال الشوكاني: والحاصل أن الهدية والعارية ونحوهما إذا كانت لأجل التنفيس في أجل الدين، أو لأجل رشوة صاحب الدين، أو لأجل أن يكون لصاحب الدين منفعة في مقابل دينه، فذلك محرم لأنه نوع دش الربا أو رشوة، وإن كان ذلك لأجل عادة جارية بين المقرض والمستقرض قبل التداين فلا بأس. ا. هـ. منه.
(٤) وقوله: أوجرّ منفعة، في المغني لابن قدامة. قال ابن المنذر، أجمعوا على أن المسلف إذا شرط على المستسلف زيادة أو هدية، فأسْلف على ذلك، أنَّ أخذ الزيادة على ذلك ربا. قال: وقد روي عن أُبيّ بن كعب، وابن عباس، وابن مسعود أنهم نهوا عن قرضٍ جرّ منفعة. قال؛ ولأنه عقد إرفاق وقربة، وإذا شرطت فيه الزيادة أخرجته عن موضعه، ا. هـ. منه.
قال الشوكاني: ومما يدل على عدم حل القرض الذي يجر إلى المقرض منفعة، ما أخرجه البيهقي في المعرفة عن فضالة بن عبيد موقوفًا بلفظ. "كُلُّ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً فَهُوَ وَجْهٌ مِنْ وُجُوهِ الرِّبَا". ورواه في السنن الكبرى عن ابن مسعود وأبي بن كعب وعبد الله بن سلام وابن عباس موقوفًا
стр. 1139
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= عليهم. ورواه الحارث بن أبي أسامة عن علي كرم الله وجهه ورضي عنه بلفظ: إِنَّ النبي ﷺ نهى عن قرض جر منفعة وفي رواية: "كُلُّ قَرْض جَرَّ مَنْفَعَةً فَهُوَ رِبًا". قال: وفي إسناده سوار بن مصعب وهو متروك. قال عمر بن زيد: لم يصح فيه شيء ووهم إمام الحرمين والغزالي فقالا: إنه صح. ولا خبرة لهما بهذا الفن. ا. هـ. منه.
تنبيهٌ: لو قضى المقترض المقرض دون حقه وترك له البقية جاز ذلك. واستدل البخاري لجواز ذلك بحديث جابر في دين أبيه، وفيه: فسألتهم أن يقبلوا ثمرة حائطي ويحللوا أبي. وفي رواية للبخاري أن النبي ﷺ سأل له غريمه في ذلك. قال العلماء: ولو حلله من جميع الدين جاز، فكذلك إذا حلله من بعضه والله ولي التوفيق.
(٥) وقوله: كسفتجة إلا أن يعم الخوف. نسب الحطاب للتوضيح، قال: السفاتج والسفتجات على جمع السلامة. وواحده سفتجة بكسر السين المهملة وسكون الفاء وفتح التاء المثناة الفوقية وبالجيم- هي كتاب صاحب المال لوكيله في بلد آخر ليدفع لحامله بدل ما قبضه منه، ا. هـ. ونحوه في تهذيب الأسماء للنووي، وزاد: وهي لفظة أعجمية. ا. هـ. وقال في القاموس: السفتجة -كقُرطعة- يعني بضم السين، أن يعطي مالًا لآخر، وللآخر مال في بلد المعطي فيوفيه إياها ثم يستفيد أمن الطريق، وفعله السفتجة، ا. هـ. منه.
وقال ابن قدامة: قال عطاء: كان ابن الزبير يأخذ من قوم بمكة دراهم، ثم يكتب لهم بها
إلى مصعب بن الزبير في العراق، فيأخذونها منه، فسئل عن ذلك ابن عباس، فلم يربه بأسًا.
وروي عن علي ﵁ أنه سئل عن مثل هذا، فلم ير به بأسًا. وممن لم ير به بأسًا ابن سيرين والنخعي. رواه كله سعيد. ا. هـ. منه ص. ٢٤٠/ جـ ٤. ثم ذكر بعد ذلك في ٢٤٢: وكذلك إن كتب له بها سفتجة، أو قضاه في بلد آخر جاز. ورخص في ذلك ابن عمر، وسعيد بن المسيب والحسن، والنخعي، والزهري، والشعبي، ومكحول، وقتادة، و مالك، والشافعي وإسحاق. ا. هـ. منه.
قلت: هذه النظائر التي ذكرها المصنف هنا في قوله كشرط عفن بسالم ألخ هي محظورات في الأمن والرخاء، تبيحها الضرورات في المجاعات والشدة والخوف. قال الشيخ على الزقاق في =
стр. 1140
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= المنهج المنتخب:
تبيح محظورًا ضرورة كما … لذي اضطرار وخلاف علما
في كسفاتج، ربا. وسائس … بسالم وأخضر بيابس
في سنةٍ ونجسٍ كعك وما … أخر بعد الوقت قرضًا علما
… ألخ.
يعني أن من الأصول أن الضرورة تبيح المحظورات، ودليله قوله تعالى: (وَقَدْ فَضَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ). الآية، قال: ويجري على هذه القاعدة مسألة السفاتج، والربا، يعني المسافر يأتي دار الضرب بالتبر وأجرة العمل ليأخذ زنته، ومسألة السائس بالسالم في المجاعة، والدقيق والكعك المحاج بمثله في بلد آخر إلى غير ذلك.
وحيث إنك وقفت على كتابة ابن الزبير ﵁ السفتجة بالدراهم إلى مصعب ﵁ بالعراق، ووقفت على فتوى الأئمة بأنه لا بأس بذلك عندهم، هان عندك، إن شاء الله، أمر ما تجري به العادة اليوم من سفاتج بورق البنكوت إلى البلاد ذات النقد المراقب، لأمرين:
أولًا. لبعد هذا الورق -بفتح الراء- من النقدية، وإن كان يجري به التعامل. وعلى كل حال، لئن جاز عمل السفاتج في الورق -بكسر الراء- فلأن يجوز في الورق -بالفتح- أولى.
ثانيًا: لما تلجأ إليه الضرورة من الخوف على هذه الأموال من المصادرة تارة، والانتقاص تارة أخرى في غير حق شرعي، وقد علمت أن الله جل وعلا يقول: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾. والله الموفق.
стр. 1141
فَصْلٌ
تَجُوزُ المقَاصَّةُ في دَيْنَي الْعَيْنِ مُطْلَقًا (١) إن اتَّحَدَا قَدْرًا وصِفَةً، حَلَّا أوْ أحَدُهُمَا أمْ لَا، وَإنِ اخْتَلَفَا صِفَةً مَعَ اتِّحَادِ النَّوْعِ أوِ اخْتِلَافِهِ فَكَذلِكَ، إن حَلَّا وإلَّا فَلَا؛ كأنِ اخْتَلَفَا زِنَةً مِنْ بَيْعٍ، والطَّعَامَانِ منْ قَرْضٍ كَذلِكَ، ومُنِعَا مِنْ بَيْعٍ وَلَوْ مُتَّفِقَيْنِ، وَمِنْ بَيْعٍ وَقَرْضٍ تَجُوزُ إنِ اتَّفَقَا وَحَلَّا، لا إن لَّمْ يَحِلَّا أوْ أحَدُهُمَا، وتَجُوزُ في الْعَرْضَيْنِ مُطْلَقًا إنِ اتَّحَدَا جِنْسًا وصِفَةً؛ كأَنِ اخْتَلَفَا جنْسًا واتّفَقَا أجَلًا، وإِنِ اخْتَلَفَا أجَلًا مُنِعَتْ إنْ لَمْ يَحِلَّا أوْ أحَدُهُمَا، وإنِ اتَّحَدَا جنْسًا والصِّفَةُ مُتَّفِقَةٌ أوْ مُخْتَلِفَةٌ جَازَتْ إنْ اتَّفَقَ الأجَلُ، وإلَّا فَلَا، مُطْلَقًا.
(١) وقوله. عليه رحمة الله، تجوز المقاصة في ديني العين مطلقًا ألخ، نسب الحطاب هنا للصحاح: تقاصَّ القوم: إذا قاصَّ كل واحد منهم صاحبه في حساب أو غيره. وعرف ابن عرفة المقاصة، فقال: هي متاركة مطلوب بمماثل صنف ما عليه لماله على طالبه فيما ذكر عليهما.
هذا، وقد تركنا، ما فيها من أخذ ورد لعدم وجود دليل يدعمه، إنما هي محض الآراء. والله تعالى ولي التوفيق.
تتمة: في الكلام على التسعير والاحتكار.
أمَّا التسعير، فقال في المغني لابن قدامة: ليس للإِمام أن يسعر على الناس، بل يبيع الناس أموالهم على ما يختارون. قال: وهذا مذهب الشافعي.
وكان مالك يقول: يقال لمن يريد أن يبيع أقل مما يبيع الناس به: بِعْ كَمَا يبيعُ الناس، وإلَّا فاخرج عنا. واحتج له بما روى الشافعي وسعيد بن منصور، عن داود بن صالح التمار، عن القاسم ابن محمد، عن عمر أنه مر بحاطب بن أبي بلتعة في سوق المصلَّى، وبين يديه غرارتان فيهما زبيب فسأله عن سعرهما؟. فسعَّر له مدّين بكلِّ درهمٍ، فقال له عمر: قد حدثت بعير مقبلة من الطائف تحمل زبيبًا، وهم يعتبرون بسعرك، فإما أن ترفع في السعر وإمَّا أن تدخل زبيبك فتبيعه =
стр. 1142
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= كيف شئت. قال: ولأن في ذلك إضرارًا بالناس؛ فإذا زاد تبعه أصحاب المتاع، وإذا نقص أضر بأصحاب المتاع. قال: واستدل المانعون للتسعير بما رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، عن أنس، قال: غلا السِّعر على عهد رسول الله ﷺ ، فقالوا: يارسول اللهلهه، غلا السِّعر فسعِّر لنا فقال: "إِنَّ اللهَ هُوَ المُسَعِّرُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ، الرَّزَّاقُ، إنِّي لَأرْجُو أَنْ ألْقَى اللهَ تَعَالَى وَلَيْسَ أحَدٌ يَطْلُبُني بِمَظْلمَةٍ في دَمٍ ولَا مَالٍ". قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وقال بعض أهل المذهب الحنبلي: التسعير سبب للغلاء، لأن الجالبين إذا بلغهم ذلك لم يقدموا بسلعهم بلدًا يكرهون فيه على بيعها بغير ما يريدون، ومن عنده البضاعة يمتنع من بيعها ويكتمها فيطلبها أهل الحاجة إليها فلا يجدونها إلَّا قليلًا فيرفعون في ثمنها ليصلوا إليها، فتغلو الأسعار ويحصل الضرر للجميع. ا. هـ. منه بتصرف؟.
وأمَّا الاحتكار، فهو حرام منهي عنه لما روي عن أبي أمامة قال: نهى رسول الله ﷺ أن يحتكر الطعام، وروي عن سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ قال: "مِنَ احْتكَرَ فَهُوَ خَاطِئٌ". وروي أن عمر بن الخطاب ﵁ خرج مع أصحابه فرأى طعامًا كثيرًا قد ألقي على باب مكة، فقال: ما هذا الطعام؟. فقالوا: جلب إلينا فقال: بارك الله فيه، وفيمن جلبه. فقيل له: فإنه احْتُكِر. قال: ومَنِ احْتكَرَه؟. قالوا: فلان وفلان، مولى عثمان بن عفان ومولاك. فأرسل إليهما، فقال: ما حملكما على احتكار الطعام على المسلمين؟. قالا: نشتري بأموالنا ونبيعُ. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنِ احْتَكَرَ عَلَى الْمُسْلِمينَ طَعَامَهُمْ لم يَمُتْ حَتَّى يَضْرِبَهُ اللهُ بالْجُذَامِ، أَو الْإِفْلَاسِ".
قال الراوَي: فأما مولى عثمان فباعه. وقال: والله لا أحتكره أبدًا. وأما مولى عمر، فلم يبعه، فرأيته مجذومًا.
وروي أيضًا أن النبي ﷺ قال: " الْجَالِبُ مَرْزُوقٌ وَالْمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ ".
قال ابن قدامة: والاحتكار المحرم ما اجتمعت فيه ثلاثة شروط:
أولها: أن يكون مشتريًا؛ فلو جلب شيئًا، أو أدخل من غلته شيئًا فادخره، لم يكن محتكرًا.
قاله مالك والحسن، والأوزاعي وقال: الجالب ليس بمحتكر لقوله ﷺ "الْجَالِبُ مَرْزُوقٌ وَالْمُحْتَكِرُ =
стр. 1143
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= مَلْعُونٌ". ولأنه لا يضيق على أحد ولا يضر به، بل هو نفع.
ثانيها: أن يكون المشترى للاحتكار قوتًا، بدليل أن سعيد بن المسيب الذي روى حديث الاحتكار، كان يحتكر الزيت والخبط والنوى والبزر، لأن هذه الأشياء مما لا تعم الحاجة إليها.
قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن أي شيء الاحتكار؟. قال: إذا كان من قوت الناس فهو الذي يكره.
ثالثها: أن يضيّق على الناس بشرائه؛ كأن يكون ببلد صغير، أو يكون اشترى الطعام في حال الضيق، أما إذا اشتراه في حال الاتساع والرخص على وجه لا يضيق على أحد، فليس بمحرم، ا. هـ. مضمونه من المغني.
والمذهب عند أصحابنا كراهة الاحتكار بكل شيء. قال مالك: يمنع احتكار الكتان، والصوف، والزيت، وكل شيء أضر بالسوق.
وروي عن عمر أنه قال: لا حُكرة في سوقنا؛ لا يعمد رجال بأيديهم فضول من أذهاب إلى رزق من رزق الله نزل بساحتنا فيحتكرونه علينا، ولكن أيما جالب جلب على عمود كبده، في الثتاء والصيف، فليبع كيف شاء الله، وليمسك كيف شاء الله. أخرجه في شرح السنة، وهو في موطإ مالك، أخرجه مالك بلاغًا.
قلت: وليس من الاحتكار أن يحبس الرجل لأهله طعام سنتهم، ففي البخاري عن عمر أن النبي ﷺ كان يبيع نخل بني النضير ويحبس لأهله قوت سنتهم. وبالله تعالى التوفيق.
стр. 1144
بَابٌ
الرَّهْنُ بَذْلُ مَنْ لَهُ الْبَيْعُ مَا يُبَاعُ أوْ غَرَرًا وَلَوْ اشْتُرِطَ في العَقْدِ، وَثِيقَةً بِحَقٍّ (١)؛ كَوِليٍّ وَمُكَاتَبٍ وَمَأْذُونٍ وَآبِقٍ وكِتَابَةٍ، واسْتُوفِيَ مِنْهَا أوْ رَقَبَتِهِ إنْ عَجَزَ، وخِدْمَةِ مُدَبَّرٍ وإنْ رُقَّ جُزْء فمِنْهُ لا رَقبَتِهِ. وَهَلْ يَنْتَقِلُ لِخِدْمَتِهِ؟ قَوْلَانِ.
الكلام على الرَّهْن
الرهن لغة: قيل الثبوت والدوام. يقال: ماء راهن أي راكد. ويقال: نعمة راهنة أي ثابتة، دائمة. وقيل: هو من الحبس، ومنه قوله تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾. الآية. وقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨)﴾. الآية.
ومنه قول زهير بن أبي سلمى في حوليته القافية:
وفارقتْك برهن لا فِكاكَ له … يومَ الوداع فأضحى الرهنُ قد غلقا
وهو في الشرع: المال الذي يُجعل وثيقهَ للدين، يستوفى من ثمنه إن تعذر استيفاؤه ممن هو عليه.
وحكمة الجواز بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾. الآية. والرهان جمع رهن وجمع الجمع منها رُهُنٌ.
وأما السنة: فقد روت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ اشترى من يهودي طعامًا ورهنه درعه.
متفق عليه. وروى البخاري من حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إذَا كَانَ مَرْهُونًا، ولَبَنُ الدَّرَّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إذَا كَانَ مَرْهُونًا، وعَلى الَّذِي يرْكَبُ ويَشْرَبُ النَّفَقَةُ".
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ".
وأما الإِجماع، فقد أجمع المسلمون على جوار الرهن، والله الموفق.
(١) قوله. الرهن بذل من له البيع ما يباع -ولو غررًا، ولو اشترط في العقد- وثيقة بحق، =
стр. 1145
كَظُهُورِ حُبُسِ دَارٍ، وما لم يَبْدُ صلَاحُهُ، وانْتُظِرَ ليُبَاعَ، وحاصَّ مُرْتَهِنُهُ في الموْتِ والْفَلَسِ، فإذا صَلُحَتْ بيعَتْ، فإنْ وَفَّى رَدَّ مَا أخَذَهُ وَإلَّا قُدِّرَ مُحَاصًّا بِمَا بَقيَ لا كَأحَدِ الْوَصِيَّيْنِ، وَجِلْدِ ميْتَةٍ وَكجَنينٍ وخَمْرٍ وَإنْ لذمِّيٍّ إلَّا أنْ تَتَخِّلَّلَ وَإنْ تَخَمَّرَ أهْراقَهُ بِحَاكِمٍ، وصَحَّ مُشَاعٌ وحيزَ بجَميعِه إنْ بَقيَ فيه للرَّاهِنِ، ولَا يَسْتَأَذِنُ شَريكَهُ، وَلَهُ أنْ يَقْسِمَ وَيَبيعَ ويُسَلِّمَ، وَلَهُ اسْتِئجَارُ جُزْء غَيْرهِ وَيْقبضُهُ المُرْتَهَنُ له. ولَوْ أمَّنَا شَريكًا فَرهَنَ حِصَّتَهُ لِلْمُرتَهِنِ، أمَّنَا الرَاهِنَ الأولَ بَطَلَ حَوْزُهُمَا، والمُسْتَأجَرُ والمُسَاقِي وحَوْزُهُمَا الأولُ كَافٍ، والمِثْليُّ ولوَ عينًا بِيَدِهِ إنْ طُبِعَ عَلَيْهِ وفَضْلَتُهُ إنْ عَلمَ الأَوَّلُ وَرَضِيَ، ولا يَضْمَنُهَا الَأوَّلُ؛ كَتَرْكِ الحِصَّةِ المُسْتَحَقَّةِ، أوْ رَهْنِ نِصْفِهِ ومُعْطىً دِينَارًا لِيَسْتَوْفِيَ نِصْفَهُ وَيَرُدَّ نِصْفَهُ، فإنْ حَلَّ أجَلُ الثَّانِي أوَّلًا قُسِمَ إنْ أمْكَنَ، وإلّا بيعَ وقُضِيَا، والمُسْتَعار
= ألخ. تقريره، والله أعلم، الرهن إعطاء شخص يصح منه البيع شيئًا يصح بيعه، بل ولو أعطى ما فيه غرر كآبق وبعير شارد، للتوثق بحق. وقد عرفه ابن عرفة فقال: الرهن مال قبضه توثقًا به في دين. قال: فتخرج الوديعة، والمصنوع في يد صانعه، وقبض المجني عليه عبدًا جنى.
وقد تقدم لك أن دليل الرهن من القرآن هو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣)﴾. الآية. ذلك أن الله تعالى لما ندب إلى الإِشهاد والكتب لمصلحة حفظ الأموال والأديان، عقب ذلك بذكر حال الأعذار المانعة من الكتب، وجعل لها الرهن، ونص على السفر من الأعذار لأنه أغلبها، لا سيما في عصر نزول الوحي؛ لكثرة الأسفار للغزو في سبيل الله.
قال العلماء: ويدخل في ذلك كل عذر، فإن الرهن في السفر بنص الكتاب، وهو في الحضر ثابت بالسنة، فقد رهن النبي ﷺ درعه عند يهودي طلب منه سلف الشعير، فقال: إنما يريد محمد أن يذهب بمالي فقال النبي ﷺ : "كَذَبَ إِنِّي لَأمِينٌ في لْأرْضِ أَمِينٌ في السَّمَاء، وَلَوِ ائْتَمَنَنيِ =
стр. 1146
لَهُ، وَرَجَعَ صَاحِبُهُ بقيمَتِهِ أوْ بمَا أدَّى مِنْ ثَمَنِهِ، نُقِلَتْ عَلَيْهِمَا، وضَمِنَ إنْ خَالفَ. وهَلْ مُطْلَقًا أوْ إِذَا أقَرَ المُسْتَعِيرُ لِمُعيره، وَخَالَفَ المُرْتَهِنُ وَلمْ يَحْلِفْ المُعيرُ؟ تأويلَانِ. وبَطلَ بِشَرْطٍ مُنَافٍ؛ كأنْ لَا يُقْبَضَ؛ وبِاشْتِراطِهِ في بَيْعٍ فَاسِدٍ ظَنَّ فيهِ اللزُومَ، وحَلَفَ المُخْطئُ الرَّاهِنُ أنَّهُ ظَنَّ لزُومَ الدِّيَةِ ورَجَعَ، أوْ في قَرْضٍ مَعَ دَيْنٍ قَدِيم، وَصَحَّ في الجَدِيدِ، وبِمَوْتِ رَاهِنِهِ أوْ فَلَسِهِ قَبْلِ حَوْزِهِ ولوْ جَدَّ فيهِ، وبإذْنِهِ في وَطْء أوْ إسْكَانٍ أوْ إجَارَةٍ وَلَوْ لَمْ يُسْكَنْ، وتَوَلاَّهُ المرتَهنُ بِإذْنِهِ، أوْ في بَيْعٍ وسَلَّمَ وَإلَّا حَلَفَ، وبَقِيَ الثمنُ إنْ لَمْ يأتِ بِرَهْنٍ كَالأوَّلِ، كَفَوْتِهِ بِجنَايَةٍ وأُخذِتْ قِيمتُهُ، وبعَارِيَةٍ أُطْلِقَتْ، وعلى الرَّدِّ أوْ رَجَعَ اخْتيارًا فَلَهُ أخْذُه إلَّا بِفَوتِهِ بِكَعتْقٍ أو حُبُسٍ أوْ تَدْبيرٍ أَوْ قيام الْغُرَمَاء، وغَصْبًا فَلَهُ أَخْذُهُ مُطْلَقًا وإنْ وَطئ غَصْبًا فَوَلدُهُ حُرٌّ، وَعَجَّلَ الْمَلِيُّ الدَّيْنَ أوْ قيمَتَهَا وَإلا بُقِّيَ، وَصَحَّ بتوْكِيلِ مُكَاتَبِ الرَّاهِنِ في حَوْزِهِ، وَكَذَا أخُوهُ عَلى الأَصَحِّ، لَا مَحْجُورِهِ ورَقيقِهِ، والْقَوْلُ لِطَالِب تَحْوِيزِهِ لِأمِينٍ، وفي تَعْيينِهِ نَظَرَ
= لَأدَّيْتُ إِلَيْهِ، اذْهَبُوا إِلَيْهِ بِدِرْعي". فمات ﷺ ودرعه مرهونة. فقد أخرج البخاري في عدة مرات، عن عائشة، قالت: توفي رسول الله ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعًا من شعير. قال شعيب: أخرجه البخاري في الجهاد، وفي البيوع، وفي باب شراء الطعام إلى أجل، وشراء الإِمام الحوائج بنفسه، وفي شراء النبي ﷺ بالنسيئة، وفي السلم، وفي الرهن في السلم، إلى غير ذلك.
قال القرطبي: ولم يرو عن أحد أنه منعه في الحضر سوى مجاهد، والضحاك، وداود، متمسكين بالآية، ولا حجة لهم فيها، فإن هذا الكلام -وإن خرج مخرج الشرط- فالمراد به غالب الأحوال، وليس كون الرهن في الآية في السفر يجعله مما يحظر في غيره، وقد عرفت ورود السنة الصحيحة به في الحضر. ا. هـ. منه بتصرف.
وَأفْتِيَ بِعَدَمِهِ في الْعِلْمِ، وَإلَّا فَلَا. وَلَوْ اشْتَرِطَ ثُبُوتَهُ إلَّا أنْ يُكَذِّبَهُ عُدُولٌ في دَعْواهُ مَوْتَ دَابَّةٍ، وَحَلَفَ فِيمَا يُغَابُ عَلَيْهِ أنَّة تَلِفَ بِلَا دُلْسَةٍ وَلَا يَعْلَمُ مَوْضِعَهُ، واسْتَمَرَّ ضَمَانُه إنْ قُبِضَ الدَّيْنُ أو وُهِبَ إِلَّا أن يُحْضِرَهُ المُرْتَهِنُ، أوْ يَدْعُوَهُ لأَخْذِهِ فَيَقُولُ: أَتْرُكُهُ عِنْدَكَ، وَإنْ جَنَى الرَّهْنُ واعْتَرفَ رَاهِنُهُ لَمْ يُصَدَّقْ إنْ أعْدَمَ، وإلَّا بِقيَ إنْ فَدَاهُ، وإلَّا أُسْلِمَ بَعْدَ الْأجَل ودَفْعِ الدَّيْنِ. وإنْ ثبتَتْ أو اعْتَرَفَا وَأَسْلَمَهُ، فإنْ أسْلَمَة مُرْتَهِنُهُ أيْضًا فَلِلْمَجْنيِّ عَلَيْهِ بِمَالِه، وَإنْ فَدَاهُ بِغَيْر إِذْنِهِ فَفِدَاؤُةُ في رَقَبَتِهِ فَقَطْ إن لَّمْ يُرْهَنْ بِمالِهِ، ولَمْ يُبَعْ إلَّا في الأَجَل، وَإنْ بإذْنِهِ فَلَيْسَ رَهْنًا بِهِ، وَإذا قُضِيَ بَعْضُ الدَّيْنِ أوْ سَقطَ، فَجَمِيعُ الرَّهْنِ فيمَا بَقِيَ كاسْتِحْقَاقِ، بَعْضِهِ، والْقَوْلُ لمُدَّعِي نَفْي الرَّهْنِيَّةِ، وهُوَ كالشَّاهِدِ في قَدْرِ الدَّيْنِ لَا الْعَكْسُ إلى قيمَتِهِ، وَلَوْ بِيَدِ أمين على الأصَحِّ مَا لَمْ يَفُتْ في ضَمَانِ الرَّاهِنِ، وَحَلَفَ مُرْتَهِنُهُ وَأَخَذَهُ إنْ لّمْ يَفْتَكَّهُ فَإِنْ زَادَ حَلَفَ الرّاهِنُ، وَإِنْ نَقَصَ حَلَفَا، وَأَخَذَهُ إِنْ لَمْ يَفْتَكَّهُ بِقيمَتِهِ، وإنِ اخْتَلَفَا في قِيمَةِ تَالفٍ تَوَاصَفَاهُ، ثُمَّ قُوِّمَ، فَإِنِ اختَلفَا فَالقَوْلُ لِلْمُرْتَهِنِ، فَإنْ تَجَاهَلَا فالرَّهْنُ بِمَا فيهِ. واعتُبِرَتْ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْحُكْمِ إنْ بَقِيَ، وَهَلْ يَوْمَ التَّلَفِ أوِ الْقَبْضِ أوِ الرهْنِ إنْ تَلِفَ؟. أقْوَالٌ. وإنْ اخْتَلَفَا في مَقْبُوضٍ فَقَالَ الرَّاهِنُ: عَنْ دَيْنِ الرَّهْنِ، وُزِّعَ بَعْدَ حَلِفِهِمَا، كَالحَمَالَةِ.
= وقوله تعالى (فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ) أخذ منه أصحابنا أن الرهن إذا خرج من يد المرتهن إلى الراهن، بوجه من الوجوه، أن ذلك يبطله، لأنه فارق ما جعل له باختيار المرتهن. قال القرطبي: هذا هو المعتمد عندنا. وبه قال أبو حنيفة، غير أنه قال: إن رجع بعارية أو وديعة لم يبطل. وقال الشافعي. إن رجوعه إلى يد الراهن مطلقًا لا يبطل حكم القبض المتقدم. =
стр. 1149
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وإذا رهنه بالقول ولم يقبضه فعلًا. قال الشافعي: لم يجعل الله الحكم إلا برهن موصوف بالقبض لقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبَوضَةٌ﴾. فالقبض عند الشافعي شرط في لزومه. وقال أصحابنا: يلزم الرهن بالعقد ويجبر الراهن على دفعه ليحوزه المرتهن، لقوله تعالى: ﴿أُوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. الآية. قالوا: وهذا عقد. وقوله تعالى: ﴿وَأَوفوُا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾. الآية. قالوا: وهذا عهد. ولقوله ﷺ : "الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ". قالوا: وهذا شرط؛ فالقبض عند أصحابنا شرط في كمال فائدة الرهن، وهو عند الشافعية شرط في لزوم الرهن وصحته كما علمت.
قال القرطبي: وقوله تعالى: ﴿مَقْبُوضَةٌ﴾ يقتضي بينونة المرتهن بالرهن، وقد أجمع الناس على صحة قبض المرتهن، وعلى قبض وكيله، واختلفوا في قبض عدل يوضع الرهن على يديه، فقال مالك وجميع أصحابه، وجمهور العلماء: قبض العدل قبض. وخالف ابن أبي ليلى، وقادة، والحكم، وعطاء، فقالوا: لا يكون مقبوضًا إلا إذا كان عند المرتهن، ورأوا ذلك تعبدًا. قال: وقول الجمهور أصح من جهة المعنى، لأنه إذا صار عند العدل صار مقبوضًا لغة وحقيقة؛ لأن العدل نائب عن صاحب الحق وبمنزلة الوكيل. وهذا ظاهر.
قال: وقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾. قال علماؤنا: فيه ما يقتضي بظاهره ومطلقه جواز رهن المشاع، خلافًا لأبي حنيفة وأصحابه، فإنه لا يجوز عندهم رهن المشاع؛ كأن يرهن عندهم ثلث دار، أو نصف عبد ونحو ذلك. قال ابن خويز منداد من أصحابنا: كل ما جاز بيعه يجوز رهنه. قال ابن المنذر: ورهن المشاع جائز كما يجوز بيعه. ا. هـ. منه. بتصرف.
قلت: ولأجل قولهم: ما جاز بيعه يجوز رهنه، قال أصحابنا: يجوز رهن ما في الذمة لأنه بمنزلة المقبوض عندهم يقبض وثيقة بذلك. وقال قوم: لا يجوز رهنه لأنه لا يتحقق إقباضه. والقبض عند هؤلاء شرط في لزوم الرهن لعلة إستيفاء الحق منه عند المحل.
وفي الكلام حديث عند البخاري عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْربُ بِنَفَقَتِهِ إذا كَانَ مَرْهُونًا، وعَلَى الَّذَي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ". قال الخطابي: هذا كلام مبهم، ليس في نفس اللفظ بيان من يركب ويحلب؛ هل الراهن أو المرتهن، أو العدل الموضوع على يده الرهن؟ =
стр. 1150
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= قال القرطبي: قد جاء ذلك مبينًا مفسرًا في حديثين، وبسببهما اختلف العلماء في ذلك؛ فقد روى الدارقطني من حديث أبي هريرة: ذكر النبي ﷺ : " إِذَا كَانَتِ الدَّابَّهُ مَرْهُونَةً فَعَلَى الْمرْتَهِنِ عَلَفُهَا. وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ وَعَلَى الَّذِي يَشْرَبُ نَفَقَتُهُ". ولذا قال أحمد واسحاق: ينتفع المرتهن من الرهن بالحلب والركوب بقدر النفقة، وقال أبو ثور: إذا كان الراهن ينفق عليه لم ينتفع به المرتهن، وإن كان الراهن لا ينفق عليه وتركه في يد المرتهن فأنفق عليه فله ركوبه واستخدام العبد.
وأخرج الدارقطني أيضًا بإسناده عن اسماعيل بن عياش عن ابن أبي ذئب عن الزهري عن المقبري عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "لَا يَغَلَقُ الرَّهْنُ وَلِصَاحِبِهِ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ". وبهذا قال مالك وأصحابه، والشافعي، والشعبي وابن سيرين. قال الشافعي: منفعة الرهن للراهن، ونفقته عليه، والمرتهن لا ينتفع بشيء من الرهن خلا الاحتفاظ به للتوثق، قال الخطابي: وهو أولى الأقوال وأصحها بدليل الحديث آنف الذكر.
قال القرطبي: وقد أجمعت الأمة على أن الأمة المرهونة لا يجوز للراهن أن يطأها، فكذلك لا يجوز له خدمتها. قال: وقد قال الشعبي: لا ينتفع من الرهن بشيء. فهذا الشعبي روى الحديث وأفتى بخلافه، ولا يجوز عنده ذلك إلا وهو منسوخ.
قال ابن عبد البر: وأجمعوا أن لبن الرهن وظهره للراهن، ولا يخلو احتلاب المرتهن له من أن يكون بإذن الراهن أو بغير إذنه، فإن كان بغير إذنه ففي حديث ابن عمر عن النبي ﷺ : "لَا يَحْلِبَنّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ". ما يرده ويقضي بنسخه، وإن كان بإذنه، ففي الأصول المجتمع عليها تحريم المجهول والغرر وبيع ما ليس عندك، ما يرد أيضًا، فإن ذلك كان قبل نزول تحريم الربا والله أعلم.
قلت: نسب القرطبي للطحاوي القول أن ذلك كان وقت كون الربا مباحًا، ولم ينه عن قرض جر منفعة، ولا عن أخذ الشيء بالشيء وإن كانا غير متساويين، تم حرم الربا بعد ذلك. ا. هـ.
ولو شرط المرتهن الانتفاع بالرهن، قال ابن خويز منداد من أصحابنا. فلذلك حالتان: إن كان من قرض لم يجز، وإن كان من بيع أو إجارة جاز؛ لأنه يكون بائعًا للسلعة بالثمن المذكور، وبمنافع الرهن مدة معلومة، فكأنه بيع وإجارة. ومنع لك في القرض لأنه يصيره قرضًا جر منفعة =
стр. 1151
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= ولأن موضوع القرض أن يكون قربة، فإذا دخله نفع صار زيادة في الجنحر وذلك ربا، ا. هـ. قرطبي.
تنبيهٌ: كان الرهن في الجاهلية يشترط المرتهن أنه إن لم يأت الراهن بحقه في أجله، كان الرهن له بحقه بمجرد انتهاء الأجل، فأبطل النبي ﷺ هذه العادة الجاهلية بقوله ﷺ : "لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ". قال القرطبي هكذا قيدناه برفع القاف على الخبرية أي ليس يغلقُ الرهن، ومعنى غَلَقَ الرهن في يد مرتهنه أنه لم يفتكَّ، ومنه قول زهير:
وفارقتْك برهن لا فكاك له … يوم الوداع فأمسى الرهنُ قد غَلَقَا
وقال القرطبي: نماء الرهن داخل معه إن كان لا يتميز كالسمن، أو كان نسلًا كالولادة والنتاج وفسيل النخل، وما عدا ذلك من غلة كثمرة ولبن وصوف فلا يدخل فيه إلا أن يشترطه، والفرق بين ذلك أن الأولاد تبع للأمهات في الزكاة، وليس كذلك الأصواف والألبان وثمرة الأشجار، ا. هـ.
منه والله تعالى أعلم.
وقال البغوي في شرح السنة: قوله: الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ قيل: أراد لصاحبه، وقيل من ضمان صاحبه. وقوله "لَهُ غُنْمُهُ". فيه دليل على أن الزوائد التي تحصل منه تكون للراهن. وقوله: "وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ". فيه دليل على أنه إذا هلك في يد المرتهن، يكون من ضمان الراهن، ولا يسقط بهلاكه شيء من حق المرتهن. وبه قال جماعهَ من أهل العلم. وإليه ذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وذهب قوم إلى أن قيمة الرهن إن كانت قدر الحق يسقط بهلاكه الحق، وإن كانت قيمته أقل من الحق، فبقدر قيمته من الحق يسقط، والباقي واجب على الراهن، وإن كانت أكثر من الحق، يسقط الحق، ولا يجب ضمان الزيادة على المرتهن، وهذا قول النخعي، وإليه ذهب سفيان الثوري وأصحاب الرأي.
قال: واختلفوا فيما يحدث من الرهن من ولد وثمر، فذهب قوم إلى أنه خارج عن الرهن، وكذلك جميع الزوائد المنفصلة عنه، وهو قول الشافعي. =
стр. 1152
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وذهب أصحاب الرأي إلى أنها مرهونة كالأصل، غير أنهم يفترقان في الضمان، فالأصل مضمون، والحادث منه غير مضمون.
وقال مالك: الولد الذي يحدث مرهون، والثمرة خارجة عن الرهن. ا. هـ. منه.
تتمة في الكلام على حديث: "لَا يَغْلَقُ الرهْنُ "
قال ابن قدامة في المغني: وإن اشترط أنه متى حل الحق، ولم يوفِّني فالرهن لي بالدين، أو هو لي مبيع بالدين الذي عليك. فهو شرط فاسد. روي ذلك عن ابن عمر، وشريح، والنخعي، ومالك، والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأىِ، لا نعلم أحدًا خالفهم. والأصل في ذلك ما روى معاوية بن عبد الله بن جعفر قال: قال رسول الله ﷺ : "لَا يَغْلَقُ الرهْنُ". رواه الأثرم. قال الأثرم: قلت لأحمد: ما معنى قوله: "لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ"؟ قال: لا يدفع رهنًا إلى أجل، ويقول: إن جئتك بالدراهم إلى كذا وكذا، وإلَّا فالرهن لك. قال ابن المنذر: هذا معنى قوله: "لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ" عند مالك والثوري، وأحمد. قال: وفي حديث معاوية بن عبد الله بن جعفر، أن رجلًا رهن دارًا بالمدينة إلى أجل مسمّى، فمضى الأجل، فقال للذي ارتهن: منزلي. فقال النبي ﷺ "لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ". ا. هـ. منه بلفظه. وبالله تعالى التوفيق.
стр. 1153
بَاب الفَلَس
لِلْغَرِيمِ مَنْعُ مَنْ أحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ مِنْ تَبَرُّعِهِ (١) وسَفَرِهِ إنْ حَلَّ بِغَيْبَتِهِ (٢)، وَإِعْطَاء غَيْرهِ قَبْلَ أجَلِهِ، أوْ كُلَّ مَا بِيَدِهِ (٣)؛ كإقْرارِهِ لمْتَّهَمٍ عَلَيْهِ عَلى المخُتَارِ والأصَحِّ، لَا بَعْضِهِ وَرَهْنِه. وَفي كِتَابَتِهِ قَوْلَان.
الكلام على الْفَلَس أعاذنا الله والمسلمين منه
التفليس مشتق من الفلوس التي هي نوع من النقود؛ لأن الإِنسان المفلس لم يترك له شيء يتصرف فيه من ماله إلا التافه. وقال عياض: التفليس العُدْمُ، وأصله من الفلوس، أي أنه صار صاحب فلوس بعد أن كان ذا ذهب وفضة، ثم استعمل في كل من عدم المال؛ يقال: أفْلَسَ الرجلُ فهو مفلس. وفي المقدمات: التفليس، العدم. والتفليس خلع الرجل من ماله لغرمائه. والمفلس، المحكوم عليه بحكم الفلس الذي لا مال له، ا. هـ. الحطاب وفيه: فوائد تتعلق بالدين:
الأولى: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ (١) الآية. وقال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (٢) الآية، فدل ذلك على جواز الدين؛ وذلك إذا تداين الرجل في غير سرف ولا فساد، وهو يرى أن ذمته تفي بما يدَّان به.
وقد استعاذ رسول الله ﷺ من الدين فقال: "اللهُمَّ إِنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ". وقال عمر بن الخطاب ﵁: إيَّاكم والدَّينَ فإنّ أوله همٌّ وآخره حَرَدٌ وحَرَبٌ -بفتح الحاء والراء- قاله في النهاية. وقيل بسكون الراء أي نزاع.
وقد وردت أحاديث في التشديد في الدين، منها: قوله ﷺ المتفق عليه: "إن الرَّجُلَ إذَا غرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ، وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ" الحديث. ومنها ما أخرجه مسلم من حديث عبد اللة بن عمرو =
стр. 1154
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وبن العاص أن رسول الله ﷺ قال: "يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُل ذَنْبٍ إلا الدَّيْنَ". إلى غير ذلك مما ورد في التشديد في الدين.
قال الحطاب: يحتمل أن تكون هذه الآثار واردة فيمن تداين في سرف أو فساد غير مباح، أو تداين وهو يعلم أن ذمته لا تفي بما تداين به، لأنه متى فعل ذلك فقد قصد استهلاك أموال الناس. وقيل أيضًا: إن هذا التشديد كله إنما كان من النبي ﷺ في الديْن قبل فرض الزكاة ونزول آية الفيء والخمس.
الثانية: كل من ادَّان في مباح، وهو يعلم أن ذمته تفي بما ادَّان به، فإن غلبه الدين فلم يقدر على قضائه حتى توفي، كان على الِإمام أن يؤدي ذلك عنه من بيت مال المسلمين أو من الزكاة من سهم الغارمين، أو من الصدقات إن كان ممن يرى جواز جعل الزكاة كلها في صنف واحد من الثمانية كمالك مثلًا، أو يؤديه عنه من الفيء إن كان ممن يرىَ عدم جواز تأدية دين الميت من الزكاة. الثالثة: واجب على من كان عليه دين أن يوصي بأدائه، فإذا فعل وترك وفاء، فليس يحبس عن الحنة يدينه ذلك، وكذا إن لم يترك وفاء، وعلى الإِمام وفاؤه، فإن لم يفعل فهو المسئول عن ذلك إذا لم يقدر على أدائه في حياته وأوصى به، وقد قال في التمهيد: الدين الذي يحبس به صاحبه عن الجنة -والله أعلم- هو الذي ترك صاحبه وفاء به ولم يوص به، أو قدر على وفائه في حياته فلم يوف، أو ادًان به في غير حق أو في سرف، أو مات ولم يوص به، وأمَّا من ادَّان في حق واجب لفاقته وعسره ولم يترك وفاء، فإن الله لا يحبسه به عن الجنة؛ لأن السلطان فرض عليه أن يؤدى عنه دينه من جملة الصدقات، أو من سهم الغارمين أو من الفيء الراجع على المسلمين من صنوف الفيء والله أعلم.
قال: ونقل الإِبي عن عياض في شرح قوله ﷺ : "ومَنْ تَرَكَ دَيْنًا أوْ ضَيَاعًا فَعَلَيَّ وإِلَيَّ". أي: فعليّ قضاء دينه وإِلَيَّ كفالة عياله. وهذا مما يلزم الأئمة في مال الله؛ فينفق منه على الذرية وأهل الحاجة ويقضي ديونهم. ذكره في أحاديث الجمعة من كتاب الصلاة من شرح مسلم. ا. هـ.
قال: وقال في الذخيرة: والأحاديث الواردة في الحبس عن الجنة في الدين منسوخة بما جعله =
стр. 1155
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= الله من قضاء الدين على السلطان، وكان ذلك قبل أن تفتح الفتوحات. ا. هـ.
الرابعة: قد كان الحكم من النبي ﷺ في أول الإِسلام بيع المديان فيما عليه من الدين، على ما كان عليه من الاقتداء بشرع من قبله، فيما لم ينزل عليه فيه شيء، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. الآية. انتهى مضمونه من الحطاب.
قوله ﵀، للغريم هو فعيل بمعنى فاعل من الغرم، يطلق على المدين وعلى رب الدين، وهو المراد هنا.
قال في الصحاح: الغريم الذي عليه الدين، يقال: خذ من غريم السوء ماسنح -بالنون- وقذ يطلق الغريم أيضًا على صاحب الدين الذي له، قال كُثيّر:
قضى كلُّ ذي ديْن فوفىَّ غريمَه … وعزةُ ممطول معنّىً غريمها
(١) قوله: للغريم منع من أحاط الدين بماله من تبرعه، قال المواق: أصل مذهب مالك، -وجميع الرواة من أصحابه- أن الذي لا وفاء عنده بما عليه من الدين، لا يجوز عتقه ولا هبته، ولا كل ما فعله من باب المعروف، ولا إقراره لمن يتهم عليه، ويجوز بيعه وشراؤه، فإذا ضرب على يديه لم يجز بيعه ولا شراؤه ولا إقراره. قال اللخمي: من حق الغرماء -إذا تبين فلس غريمهم- الحجر عليه وانتزاع ما في يديه، ا. هـ. منه.
قلت: أصل ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (١) ٠ الآية، قال أبو عبد الله القرطبي: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ مع قوله جل وعز ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾. الآية، يدل على ثبوت المطالبة لصاحب الدين على المدين وجواز أخذ ماله بغير رضاه، ويدل أيضًا على أن الغريم متى امتنع من أداء الدين مع الإمكان كان ظالمًا. قال: وقال بعض العلماء: هذه الآية ناسخة لما كان في الجاهلية من بيع من أعسر. وحكى مكي أن النبي ﷺ أمر به في صدر الإِسلام. قال ابن عطية: فإن ثبت فعل النبي ﷺ كان نسخًا وإلا فليس بنسخ. قال الطحاوي: كان الحر يباع في الدين أول الاسلام إذأ لم يكن له مال يقضيه عن نفسه، حتى نسخ الله ذلك بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. قال: واحتجوا بحديث =
стр. 1156
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= رواه الدارقطني من حديث مسلم بن خالد الزنجي: أخبرنا زيد بن أسلم عن ابن البيلماني عن سُرّق، قال: كان لرجل علىَّ مالٌ -أو قال دين- فذهب بي إلى رسول الله ﷺ فلم يصب لي مالًا فباعني منه -أو باعني له- أخرجه البزار بهذا الِإسناد أطول منه. ومسلم بن خالد الزنجي وعبد الرحمن بن البيلماني لا يحتج بهما. ا. هـ. منه.
قلت: سُرَّق بن أسد الجهني -ويقال الأنصاري- نسبه الشيخ أحمد البدوي في عمود النسب إلي جهينة فقال:
عَوْسَجَة لَهُ عَلى ألْفٍ عَقَدْ … خَيْرُ نبيٍّ، مِنْ جُهَيْنَةَ يُعَدّ
ومَعْبَدُ، وسُرَّقُ الَّذِي أمَرْ … بِبَيْعِهِ في دَيْنِهِ خيْرُ مُضَرْ
وقد ترجمت له في كتابي (إكمال تحفة الألباب على الأنساب) ومن لطيف ما يحكى عنه أنه يروى أنه قيل له: ما ينبغي لك أن تتسمى بهذا الاسم وأنت رجل من أصحاب النبي ﷺ فقال: لن أدع اسمًا سماني به رسول الله ﷺ . ا. هـ.
غير أن حديث سُرَّق -إذا لم يبلغ درجة الاحتجاج به- لا يمكن إثبات حكم شرعي به يجوز أن يحكم بنسخه بآية البقرة المتقدمة، ذلك أن النسخ -كما هو معلوم عند أهل الفن- هو رفع حكم شرعي بخطاب شرعي متأخر عنه: وإذا لم يثبت الأول شرعًا، امتنع وصف رفعه بالنسخ، وإنما يقول أهل الفن فيه: حكم رفع البراءة الأصلية. قال سيدي عبد الله بن الحاج ابراهبم في مراقي السعود:
وما من البراءة الأصلية … قد أخذت فليست الشرعية
ونقل المواق عن المفيد ما نصه: من أحاط الدين بماله لا يجوز له هبة ولا عتق ولا صدقة، فإن تصدق، وعليه ديون كثيرة، وبيده مال لا يدري أيفي بما عليه من الدين أم لا؟. فالصدقة جائزة حتى يعلم أن عليه من الدين ما يستغرق ماله، ا. هـ. ونقل المواق عن نوازل ابن الحاج: ما تركه مستغرق الذمة لبيت المال، لا حق فيه للغرماء، فإن كان في تركته أكثر، ضرب الغرماء فيما يبقى بعد أخذ بيت المال ما يجب له. قال: ومن وثائق ابن سلمون: للإِمام أخذ ما أفاده العمال كما فعله رسول الله ﷺ ؛ أخذ من العامل الهدية التي قال هذا أهدي لي، وقال ﷺ : =
стр. 1157
وَلَهُ التَّزَوُّجُ، وَفي تَزَوُّجهِ أرْبَعًا وتَطَوُعِهِ بالْحَجِّ تَرَدُّدٌ (١). وفُلِّسَ-حَضَرَ أو غاب- إنْ لَّمْ يُعْلَمُ مَلَاؤُةُ (٢) بِطَلَبِهِ -وإنْ أبى غَيْرهُ- دَيْنًا حَلّ زَادَ عَلى مَالِهِ، أوْ بقيَ مَا لا يَفي بِالْمُؤَجَّلِ، فَمُنِعَ مِنْ تَصَرُّفٍ مَالِيٍّ لَا في ذمَّتِهِ، كَخُلْعِهِ وَطَلَاقِهِ، وقِصَاصِهِ وعَفْوِهِ، وعِتْقِ أمِّ وَلدِهِ وتَبِعَهَا مَالُهَا إنْ قَلَّ، وحَلَّ بِهِ وبالمَوْتِ مَا أُجِّلَ (٣)، وَلَوْ دَيْنَ كِراء، أوْ قَدِمَ الْغَائِبُ مَلِيًّا، وَإنْ نَكَلَ المُفَلَّسُ
= " هَلَّا جَلَسَ في بَيْتِ أبِيهِ وَأْمِّهِ فَيَنْطُرَ مَا يُهْدَئ إِليْهِ". وقد فعله الصديق ﵁. قال ابن حبيب: فكل ما استفاده وآل من مال سوى رزقه، وقاضٍ في قضائه، فللإِمام أخذه منه للمسلمين. وبذلك أفتى مالك. ا. هـ.
(١) وقوله: وسفره إن حل بغيبته، قال الحطاب: هذا الكلام في المدين ولا يكون خاصًا بالمدين الذي أحاط بماله، كما نبه عليه ابن غازي ﵀، وقد أطلق المصنف في منعه من السفر إذا حل بغيبته، وهو مقيد بأن لا يوكّل جميلًا لأداء الحق، فإن وكل فلا منع، هذا الذي عليه أهل المذهب. قال: وقال ابن عبد السلام: ظاهر المدونة أنه يمنع من السفر البعيد، ولا يقبل منه التوكيل، ا. هـ. باختصار.
(٢) وقوله: وإعطاء غيره قبل أجله أو كل ما بيده، نقل المواق عن بهرام عن السيوري أنه إذا قضى جميع ما بيده لبعض غرمائه دون بعض، أنه لا يختلف في رده. قال: والذي في المدونة: قال مالك: رهن من أحاط الدين بماله جائز ما لم يفلس، ويكون المرتهن أحق بالرهن من الغرماء، وله أن يقضي بعض غرمائه دون بعض، سواء قام بقية غرمائه بأثر ذلك أو تأخر قيامهم، إذا كان يبيع ويتأخر الناس ببيعه، وقضاؤه ورهنه جائز. ونقل ابن حبيب عن ابن القاسم: وكذلك لو فطن أحد الغرماء باستغراقه وبادر، فهو أحق ما لم يكن الغرماء قد تشاوروا كلهم على تفليسه. ا. هـ. منه.
(٣) وقوله: وله التزوج، وفي تزوجه أربعًا وتطوعه في الحج تردد، قال في المدونة: مادام قائم الوجه فإقراره بالدين جائز، وله أن يتزوج فيما بيده من مال ما لم يفلس. قال المواق: ومقتضى ما يتقرر أن التردد في حجة الفرض، وأما حجة التطوع فيمنع منها. قال ابن رشد: إتلافه المال =
стр. 1158
حَلفَ كُلٌّ كَهُوَ وأخَذَ حِصَّتَهُ ولو نَكَلَ غَيْرهُ عَلى الأصَحِّ، وقُبلَ إقْرارُهُ بالمجْلِسِ أوْ قُرْبِهِ أنْ ثَبَتَ دَيْنُهُ بإقْرَارٍ لا بِبَيِّنَةٍ، وهو في ذمَّتِهِ، وقُبَلَ تَعْيينُهُ الْقِرَاضَ والوَدِيعَة إنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ باصْله، وَالمخْتَارُ قَبُولُ قَوْلِ الصَّانِعِ بلا بينَةٍ.
= قبل التفليس بغير عوض لا يجوز إلا فيما جرت العادة به؛ كالكسرة يعطيها لسائل، وكالضحية والنفقة في العيدين من غير سرف، ولا يجوز فيما لم تجر العادة به من الكرإء في حج التطوع. وانظر، هل له أن يحج حجة الفرض أم لا؟. وهل له أن يتزوج أربع زوجات؟. ا. هـ. بنقل المواق.
(٢) وقوله: وفُلِّس حضر أو غاب إن لم يعلم ملاؤه، قال المواق: القضاء، إذا طلب الغرماء الحجر على المفلس، فإن الحاكم بحجر عليه. قال مالك: إذا قام رجل واحد بالمديان فله تفليسه كقيام الجماعة، ويبيع الإِمام ما ظهر له من ماله فيوزعه بين غرمائه بالحصص، ويحبسه فيما بقي إن تبين لدده واتهم. ا. هـ.
وقال ابن قدامة في المغني: ومتى لزم الإِنسان ديون حالّة لا يفي ما له بها، فسأل غرماؤه الحاكم الحجر عليه، لزمته إجابتهم، ويستحب أن يظهر الحجر عليه لتتجنب الناس معاملته، فإذا حجر عليه ثبت بذلك أربعة أحكام: أحدها: تعلق حقوق الغرماء بعين ماله.
والثاني. منع تصرفه في عين ماله. والثالث: أن من وجد عين ماله عنده فهر أحق بها من سائر الغرماء، إذا توفرت شروط ذلك. الرابع: إن للحاكم بيع ماله. وإيفاء الغرماء.
قال: والأصل في هذا ما روى كعب بن مالك أن رسول الله ﷺ حجر على مُعاذ بن جبل وباع ماله. رواه الخلال بإسناده. وعن عبد الرحمن بن كعب، قال: كان مُعاذ بن جبل من أفضل شباب قومه، ولم يكن يمسك شيئًا، فلم يزل يدَّان حتى أغرق ماله في الدين، فكلم النبىِ ﷺ غرماؤه، فلو ترك أحدٌ من أجل أحد لتركوا معاذًا من أجل رسول الله ﷺ ، فباع لهم رسول الله ﷺ ماله حتى قام معاذ بغير شيء. ا. هـ. منه.
وقال القرطبي في التفشير: من كثرت ديونه وطلب غرماؤه ما لهم، فللحاكم أن يخلعه من كل ماله، ويترك له ما كان من ضرورته. روى ابن نافع عن مالك أنه لا يترك له إلا ما يواريه؛ والمشهور أنه يترك له كسوته المعتادة ما لم يكن فيها فضل، ولا ينزع منه رداؤه إن كان ذلك يزري
стр. 1159
وَحُجِرَ أيْضًا إنْ تَجدَّدَ مَالٌ، وانْفَكَّ وَلَوْ بِلَا حَاكِمٍ، وَلَوْ مَكَّنَهُمُ الْغَرِيمُ فَبَاعُوا واقْتَسَموا ثُمَّ دَايَنَ غَيْرهُمْ، فَلَا دُخُولَ لِلأَوَّلِينَ كَتَفْلِيسِ الحَاكِم إلَّا كَإِرْثٍ، وصِلَةٍ، وجِنَايَةٍ، وبِيعَ مَالُهُ بِحَضْرَتِهِ بالْخِيارِ ثلاثًا وَلَوْ كُتُبًا أوْ ثَوْبَيْ جُمُعَةٍ إنْ كثُرَتْ قِيمَتُهُمَا. وَفي بَيعِ آلَةِ الصَّانِعِ تَرَدُّدٌ. وَأُوجِرَ رقيقُهُ، بِخِلَافِ مُسْتَوْلَدَتِهِ، وَلَا يُلْزمُ بِتكَسُّبٍ وتَسَلُّفٍ واسْتِشْفَاعٍ وعَفْوٍ لِلدِّيَةِ، وانْتِزَاع مال رَقيقِهِ أوْ مَا وَهَبَهُ لِوَلَدِهِ، وعُجِّلَ بَيْعُ الْحَيَوانِ، واسْتُؤنِي بِعَقَارِه كالشَّهْرَيَنْ، وقُسِمَ بِنَسْبَةِ الدُّيُونِ بِلَا بَيِّنَةِ حَصْرِهِمْ. واسْتُؤنِني بِهِ إنْ عُرِفَ بِالدَّيْنِ في المَوْتِ فَقَطْ. وقُوِّمَ مُخَالِفُ النَّقْدِ يَوْمَ الْحِصَاصِ، وَاشْتُريَ لَهُ مِنْهُ بمَا يَخُصُّهُ، ومَضَى إنْ رَخُصَ أوْ غَلَا. وَهَلْ يُشْتَرَى في شَرْطِ جَيِّدٍ أدْنَاهُ أوْ وَسَطُهُ؟ قَوْلَانِ. وَجَازَ الثَّمَنُ إلَّا لِمَانِعٍ كَالاقْتضَاء، وحَاصَّتْ الزَّوْجَةُ بِمَا. أنْفَقَتْ وَبِصَداقِهَا كَالْمَوْتِ، لَا بِنَفَقَةِ الْوَلَدِ وإِنْ ظَهَرَ دَيْنٌ، أو اسْتُحِقَّ مَبِيعٌ وَإنْ قَبْلَ فَلَسِهِ رُجِعَ بالْحِصَّةِ كَوَارِثٍ أوْ مُوصىً لَهُ عَلى مِثله.
= به. وفي ترك كسوة زوجته وفي بيع كتبه إن كان عالمًا خلاف. ولا يترك له مسكن، ولا خادم، ولا ثوب جمعة ما لم تقل قيمته، وعند ذلك يحرم حبسه. والأصلى في هذا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. وروى الأئمة -واللفظ لمسلم- عن أبي سعيد الخدري قال: أصيب رجل في عهد رسول الله ﷺ في ثمار ابتاعها، فكثر دينه، فقال: رسول الله ﷺ : "تَصَدَّقُوا عَلَيْه". فتصدق الناس عليه، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال رسول الله ﷺ لغرمائه: "خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذلِكَ". وفي مصنف أبي داود: فلم يزد رسول الله ﷺ غرماءه على أن خلع لهم ماله. قال القرطبي: وهذا نص، فلم يأمر رسول الله ﷺ بحبس الرجل، وهو معاذ بن جبل كما قال شريح. ا. هـ. منه.
(٣) وقوله: وحل به وبالموت ما أجل، قال المواق: المذهب حلول دين المفلس المؤجل =
стр. 1160
وإِنْ اشْتَهَرَ مَيِّتٌ بِدَيْنٍ أوْ عَلِمَ وَارِثُهُ وأقْبَضَ، رُجِعَ عَلَيْهِ، وأُخِذَ مَليٌّ عَنْ مُعْدِمٍ مَا لَمْ يُجَاوِزْ مَا قَبَضَهُ، ثُمَّ رَجَعَ عَلى الْغَرِيمِ، وَفيها الْبُدَاءةُ بِالْغَرِيمِ. وَهَلْ خِلَافٌ أوْ عَلى التَّخْيير؟ تأويلَانِ؛ فَإِنْ تَلِفَ نَصِيبُ غَائبٍ عُزِلَ لَهُ فمنه، كَعَيْنٍ وُقفِ لغُرَمَائِهِ، لَا عَرْضٍ. وهَلْ إلَّا أنْ يَكونَ بِكَدَيْنِهِ؟ تأويلَانِ؛ وتُركَ لهُ قُوتُهُ والنَّفَقَةُ الْوَاجِبَةُ عَليْهِ (١). لِظَنِّ يُسْرَتهِ، وكِسْوتُهُمْ كل دَسْتًا مُعْتَادًا، وَلَوْ وَرِثَ أبَاهُ بِيعَ لَا وُهِبَ لَهُ، إنْ عَلِمَ وَاهِبُهُ أَنَّهُ يُعْتَقُ عَلَيْهِ، وحُبِسَ. لِثُبُوتِ عُسْره إنْ جُهِلَ حَالُهُ (٢)، وَلمْ يَسْألَ الصَّبْرَ لَهُ بَحمِيلٍ بَوِجْهِهِ، فَغَرِمَ إنْ لَمْ يَأتِ بهِ، ولَوْ أُثْبتَ عُدْمُهُ أوْ ظَهَر مَلَاؤُهُ، إنْ تَفَالَسَ، وَإنْ وَعَدَ بِقَضَاء وسَأَل تَأَخِيرَ كَالْيَوْمِ أغطَى حَمِيلًا بِالْمَالِ وإلَّا سُجِنَ، كمَعْلُومِ الْمَلَاءِ، وأجِّلَ لِبَيْعِ
= بتفليسه كالموت مطلقًا، وعبارة المدونة: ما كان على مفلس أو ميت من دين مؤجل، فإنه يحل بالموت وبالفلس، وما كان له من دين مؤِجل فإنه إلى أجله، ولغرمائه تأخيره إلى أجله. ا. هـ. ومذهب الإِمام أحمد أن الدين المؤجل على المفلس لا يحل بتفليسه، وكذلك الدين على الميت إذا وثق الورثة. وهو قول ابن سيرين، وعبيد الله بن الحسن، واسحاق، وأبي عبيد، وقال طاوس، وأبو بكر بن محمد، والزهري، وسعيد بن إبراهيم: الدين إلى أجله. وحكي ذلك عن الحسن. وفي المغني أن الرواية الأخرى عن أحمد؛ أن الدين على الميت يحل بموته قال: وبه قال الشعبي، والنخعي، وسوار، ومالك، والثوري، والشافعي، وأصحاب، الرأي، قالوا: لا يجوز بقاء الدين في ذمة الميت لخرابها، ولتعذر مطالبته، ولا يجوز اعتباره بذمة الورثة لأنهم لم يلتزموه أصلًا، ولا رضي صاحب الدين بذممهم المختلفة المتباينة، ا. هـ. منه. بتصرف.
(١) وقوله: وترك له قوته والنفقة الواجبة عليه، قال الحطاب: يعني ما ينفق على من وجبت عليه نفقته؛ كزوجاته، وولده، وأمهات أولاده، ومدبريه ونقل المواق عن المدونة، قال مالك: يترك للمفلس ما يعيش به هو وأهله الأيام. قال في الواضحة: الشهر ونحوه. وقال في العتبية: هو وأهله وولده الصغير ا. هـ. =