← Фикх малики

Фикх малики · id 784

مواهب الجليل من أدلة خليل

أحمد بن أحمد المختار الشنقيطي

Полный текст (1 647 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = رواه الدارقطني من حديث مسلم بن خالد الزنجي: أخبرنا زيد بن أسلم عن ابن البيلماني عن سُرّق، قال: كان لرجل علىَّ مالٌ -أو قال دين- فذهب بي إلى رسول الله ﷺ فلم يصب لي مالًا فباعني منه -أو باعني له- أخرجه البزار بهذا الِإسناد أطول منه. ومسلم بن خالد الزنجي وعبد الرحمن بن البيلماني لا يحتج بهما. ا. هـ. منه. قلت: سُرَّق بن أسد الجهني -ويقال الأنصاري- نسبه الشيخ أحمد البدوي في عمود النسب إلي جهينة فقال: عَوْسَجَة لَهُ عَلى ألْفٍ عَقَدْ … خَيْرُ نبيٍّ، مِنْ جُهَيْنَةَ يُعَدّ ومَعْبَدُ، وسُرَّقُ الَّذِي أمَرْ … بِبَيْعِهِ في دَيْنِهِ خيْرُ مُضَرْ وقد ترجمت له في كتابي (إكمال تحفة الألباب على الأنساب) ومن لطيف ما يحكى عنه أنه يروى أنه قيل له: ما ينبغي لك أن تتسمى بهذا الاسم وأنت رجل من أصحاب النبي ﷺ فقال: لن أدع اسمًا سماني به رسول الله ﷺ . ا. هـ. غير أن حديث سُرَّق -إذا لم يبلغ درجة الاحتجاج به- لا يمكن إثبات حكم شرعي به يجوز أن يحكم بنسخه بآية البقرة المتقدمة، ذلك أن النسخ -كما هو معلوم عند أهل الفن- هو رفع حكم شرعي بخطاب شرعي متأخر عنه: وإذا لم يثبت الأول شرعًا، امتنع وصف رفعه بالنسخ، وإنما يقول أهل الفن فيه: حكم رفع البراءة الأصلية. قال سيدي عبد الله بن الحاج ابراهبم في مراقي السعود: وما من البراءة الأصلية … قد أخذت فليست الشرعية ونقل المواق عن المفيد ما نصه: من أحاط الدين بماله لا يجوز له هبة ولا عتق ولا صدقة، فإن تصدق، وعليه ديون كثيرة، وبيده مال لا يدري أيفي بما عليه من الدين أم لا؟. فالصدقة جائزة حتى يعلم أن عليه من الدين ما يستغرق ماله، ا. هـ. ونقل المواق عن نوازل ابن الحاج: ما تركه مستغرق الذمة لبيت المال، لا حق فيه للغرماء، فإن كان في تركته أكثر، ضرب الغرماء فيما يبقى بعد أخذ بيت المال ما يجب له. قال: ومن وثائق ابن سلمون: للإِمام أخذ ما أفاده العمال كما فعله رسول الله ﷺ ؛ أخذ من العامل الهدية التي قال هذا أهدي لي، وقال ﷺ : =

стр. 1157

وَلَهُ التَّزَوُّجُ، وَفي تَزَوُّجهِ أرْبَعًا وتَطَوُعِهِ بالْحَجِّ تَرَدُّدٌ (١). وفُلِّسَ-حَضَرَ أو غاب- إنْ لَّمْ يُعْلَمُ مَلَاؤُةُ (٢) بِطَلَبِهِ -وإنْ أبى غَيْرهُ- دَيْنًا حَلّ زَادَ عَلى مَالِهِ، أوْ بقيَ مَا لا يَفي بِالْمُؤَجَّلِ، فَمُنِعَ مِنْ تَصَرُّفٍ مَالِيٍّ لَا في ذمَّتِهِ، كَخُلْعِهِ وَطَلَاقِهِ، وقِصَاصِهِ وعَفْوِهِ، وعِتْقِ أمِّ وَلدِهِ وتَبِعَهَا مَالُهَا إنْ قَلَّ، وحَلَّ بِهِ وبالمَوْتِ مَا أُجِّلَ (٣)، وَلَوْ دَيْنَ كِراء، أوْ قَدِمَ الْغَائِبُ مَلِيًّا، وَإنْ نَكَلَ المُفَلَّسُ = " هَلَّا جَلَسَ في بَيْتِ أبِيهِ وَأْمِّهِ فَيَنْطُرَ مَا يُهْدَئ إِليْهِ". وقد فعله الصديق ﵁. قال ابن حبيب: فكل ما استفاده وآل من مال سوى رزقه، وقاضٍ في قضائه، فللإِمام أخذه منه للمسلمين. وبذلك أفتى مالك. ا. هـ. (١) وقوله: وسفره إن حل بغيبته، قال الحطاب: هذا الكلام في المدين ولا يكون خاصًا بالمدين الذي أحاط بماله، كما نبه عليه ابن غازي ﵀، وقد أطلق المصنف في منعه من السفر إذا حل بغيبته، وهو مقيد بأن لا يوكّل جميلًا لأداء الحق، فإن وكل فلا منع، هذا الذي عليه أهل المذهب. قال: وقال ابن عبد السلام: ظاهر المدونة أنه يمنع من السفر البعيد، ولا يقبل منه التوكيل، ا. هـ. باختصار. (٢) وقوله: وإعطاء غيره قبل أجله أو كل ما بيده، نقل المواق عن بهرام عن السيوري أنه إذا قضى جميع ما بيده لبعض غرمائه دون بعض، أنه لا يختلف في رده. قال: والذي في المدونة: قال مالك: رهن من أحاط الدين بماله جائز ما لم يفلس، ويكون المرتهن أحق بالرهن من الغرماء، وله أن يقضي بعض غرمائه دون بعض، سواء قام بقية غرمائه بأثر ذلك أو تأخر قيامهم، إذا كان يبيع ويتأخر الناس ببيعه، وقضاؤه ورهنه جائز. ونقل ابن حبيب عن ابن القاسم: وكذلك لو فطن أحد الغرماء باستغراقه وبادر، فهو أحق ما لم يكن الغرماء قد تشاوروا كلهم على تفليسه. ا. هـ. منه. (٣) وقوله: وله التزوج، وفي تزوجه أربعًا وتطوعه في الحج تردد، قال في المدونة: مادام قائم الوجه فإقراره بالدين جائز، وله أن يتزوج فيما بيده من مال ما لم يفلس. قال المواق: ومقتضى ما يتقرر أن التردد في حجة الفرض، وأما حجة التطوع فيمنع منها. قال ابن رشد: إتلافه المال =

стр. 1158

حَلفَ كُلٌّ كَهُوَ وأخَذَ حِصَّتَهُ ولو نَكَلَ غَيْرهُ عَلى الأصَحِّ، وقُبلَ إقْرارُهُ بالمجْلِسِ أوْ قُرْبِهِ أنْ ثَبَتَ دَيْنُهُ بإقْرَارٍ لا بِبَيِّنَةٍ، وهو في ذمَّتِهِ، وقُبَلَ تَعْيينُهُ الْقِرَاضَ والوَدِيعَة إنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ باصْله، وَالمخْتَارُ قَبُولُ قَوْلِ الصَّانِعِ بلا بينَةٍ. = قبل التفليس بغير عوض لا يجوز إلا فيما جرت العادة به؛ كالكسرة يعطيها لسائل، وكالضحية والنفقة في العيدين من غير سرف، ولا يجوز فيما لم تجر العادة به من الكرإء في حج التطوع. وانظر، هل له أن يحج حجة الفرض أم لا؟. وهل له أن يتزوج أربع زوجات؟. ا. هـ. بنقل المواق. (٢) وقوله: وفُلِّس حضر أو غاب إن لم يعلم ملاؤه، قال المواق: القضاء، إذا طلب الغرماء الحجر على المفلس، فإن الحاكم بحجر عليه. قال مالك: إذا قام رجل واحد بالمديان فله تفليسه كقيام الجماعة، ويبيع الإِمام ما ظهر له من ماله فيوزعه بين غرمائه بالحصص، ويحبسه فيما بقي إن تبين لدده واتهم. ا. هـ. وقال ابن قدامة في المغني: ومتى لزم الإِنسان ديون حالّة لا يفي ما له بها، فسأل غرماؤه الحاكم الحجر عليه، لزمته إجابتهم، ويستحب أن يظهر الحجر عليه لتتجنب الناس معاملته، فإذا حجر عليه ثبت بذلك أربعة أحكام: أحدها: تعلق حقوق الغرماء بعين ماله. والثاني. منع تصرفه في عين ماله. والثالث: أن من وجد عين ماله عنده فهر أحق بها من سائر الغرماء، إذا توفرت شروط ذلك. الرابع: إن للحاكم بيع ماله. وإيفاء الغرماء. قال: والأصل في هذا ما روى كعب بن مالك أن رسول الله ﷺ حجر على مُعاذ بن جبل وباع ماله. رواه الخلال بإسناده. وعن عبد الرحمن بن كعب، قال: كان مُعاذ بن جبل من أفضل شباب قومه، ولم يكن يمسك شيئًا، فلم يزل يدَّان حتى أغرق ماله في الدين، فكلم النبىِ ﷺ غرماؤه، فلو ترك أحدٌ من أجل أحد لتركوا معاذًا من أجل رسول الله ﷺ ، فباع لهم رسول الله ﷺ ماله حتى قام معاذ بغير شيء. ا. هـ. منه. وقال القرطبي في التفشير: من كثرت ديونه وطلب غرماؤه ما لهم، فللحاكم أن يخلعه من كل ماله، ويترك له ما كان من ضرورته. روى ابن نافع عن مالك أنه لا يترك له إلا ما يواريه؛ والمشهور أنه يترك له كسوته المعتادة ما لم يكن فيها فضل، ولا ينزع منه رداؤه إن كان ذلك يزري

стр. 1159

وَحُجِرَ أيْضًا إنْ تَجدَّدَ مَالٌ، وانْفَكَّ وَلَوْ بِلَا حَاكِمٍ، وَلَوْ مَكَّنَهُمُ الْغَرِيمُ فَبَاعُوا واقْتَسَموا ثُمَّ دَايَنَ غَيْرهُمْ، فَلَا دُخُولَ لِلأَوَّلِينَ كَتَفْلِيسِ الحَاكِم إلَّا كَإِرْثٍ، وصِلَةٍ، وجِنَايَةٍ، وبِيعَ مَالُهُ بِحَضْرَتِهِ بالْخِيارِ ثلاثًا وَلَوْ كُتُبًا أوْ ثَوْبَيْ جُمُعَةٍ إنْ كثُرَتْ قِيمَتُهُمَا. وَفي بَيعِ آلَةِ الصَّانِعِ تَرَدُّدٌ. وَأُوجِرَ رقيقُهُ، بِخِلَافِ مُسْتَوْلَدَتِهِ، وَلَا يُلْزمُ بِتكَسُّبٍ وتَسَلُّفٍ واسْتِشْفَاعٍ وعَفْوٍ لِلدِّيَةِ، وانْتِزَاع مال رَقيقِهِ أوْ مَا وَهَبَهُ لِوَلَدِهِ، وعُجِّلَ بَيْعُ الْحَيَوانِ، واسْتُؤنِي بِعَقَارِه كالشَّهْرَيَنْ، وقُسِمَ بِنَسْبَةِ الدُّيُونِ بِلَا بَيِّنَةِ حَصْرِهِمْ. واسْتُؤنِني بِهِ إنْ عُرِفَ بِالدَّيْنِ في المَوْتِ فَقَطْ. وقُوِّمَ مُخَالِفُ النَّقْدِ يَوْمَ الْحِصَاصِ، وَاشْتُريَ لَهُ مِنْهُ بمَا يَخُصُّهُ، ومَضَى إنْ رَخُصَ أوْ غَلَا. وَهَلْ يُشْتَرَى في شَرْطِ جَيِّدٍ أدْنَاهُ أوْ وَسَطُهُ؟ قَوْلَانِ. وَجَازَ الثَّمَنُ إلَّا لِمَانِعٍ كَالاقْتضَاء، وحَاصَّتْ الزَّوْجَةُ بِمَا. أنْفَقَتْ وَبِصَداقِهَا كَالْمَوْتِ، لَا بِنَفَقَةِ الْوَلَدِ وإِنْ ظَهَرَ دَيْنٌ، أو اسْتُحِقَّ مَبِيعٌ وَإنْ قَبْلَ فَلَسِهِ رُجِعَ بالْحِصَّةِ كَوَارِثٍ أوْ مُوصىً لَهُ عَلى مِثله. = به. وفي ترك كسوة زوجته وفي بيع كتبه إن كان عالمًا خلاف. ولا يترك له مسكن، ولا خادم، ولا ثوب جمعة ما لم تقل قيمته، وعند ذلك يحرم حبسه. والأصلى في هذا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. وروى الأئمة -واللفظ لمسلم- عن أبي سعيد الخدري قال: أصيب رجل في عهد رسول الله ﷺ في ثمار ابتاعها، فكثر دينه، فقال: رسول الله ﷺ : "تَصَدَّقُوا عَلَيْه". فتصدق الناس عليه، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال رسول الله ﷺ لغرمائه: "خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذلِكَ". وفي مصنف أبي داود: فلم يزد رسول الله ﷺ غرماءه على أن خلع لهم ماله. قال القرطبي: وهذا نص، فلم يأمر رسول الله ﷺ بحبس الرجل، وهو معاذ بن جبل كما قال شريح. ا. هـ. منه. (٣) وقوله: وحل به وبالموت ما أجل، قال المواق: المذهب حلول دين المفلس المؤجل =

стр. 1160

وإِنْ اشْتَهَرَ مَيِّتٌ بِدَيْنٍ أوْ عَلِمَ وَارِثُهُ وأقْبَضَ، رُجِعَ عَلَيْهِ، وأُخِذَ مَليٌّ عَنْ مُعْدِمٍ مَا لَمْ يُجَاوِزْ مَا قَبَضَهُ، ثُمَّ رَجَعَ عَلى الْغَرِيمِ، وَفيها الْبُدَاءةُ بِالْغَرِيمِ. وَهَلْ خِلَافٌ أوْ عَلى التَّخْيير؟ تأويلَانِ؛ فَإِنْ تَلِفَ نَصِيبُ غَائبٍ عُزِلَ لَهُ فمنه، كَعَيْنٍ وُقفِ لغُرَمَائِهِ، لَا عَرْضٍ. وهَلْ إلَّا أنْ يَكونَ بِكَدَيْنِهِ؟ تأويلَانِ؛ وتُركَ لهُ قُوتُهُ والنَّفَقَةُ الْوَاجِبَةُ عَليْهِ (١). لِظَنِّ يُسْرَتهِ، وكِسْوتُهُمْ كل دَسْتًا مُعْتَادًا، وَلَوْ وَرِثَ أبَاهُ بِيعَ لَا وُهِبَ لَهُ، إنْ عَلِمَ وَاهِبُهُ أَنَّهُ يُعْتَقُ عَلَيْهِ، وحُبِسَ. لِثُبُوتِ عُسْره إنْ جُهِلَ حَالُهُ (٢)، وَلمْ يَسْألَ الصَّبْرَ لَهُ بَحمِيلٍ بَوِجْهِهِ، فَغَرِمَ إنْ لَمْ يَأتِ بهِ، ولَوْ أُثْبتَ عُدْمُهُ أوْ ظَهَر مَلَاؤُهُ، إنْ تَفَالَسَ، وَإنْ وَعَدَ بِقَضَاء وسَأَل تَأَخِيرَ كَالْيَوْمِ أغطَى حَمِيلًا بِالْمَالِ وإلَّا سُجِنَ، كمَعْلُومِ الْمَلَاءِ، وأجِّلَ لِبَيْعِ = بتفليسه كالموت مطلقًا، وعبارة المدونة: ما كان على مفلس أو ميت من دين مؤجل، فإنه يحل بالموت وبالفلس، وما كان له من دين مؤِجل فإنه إلى أجله، ولغرمائه تأخيره إلى أجله. ا. هـ. ومذهب الإِمام أحمد أن الدين المؤجل على المفلس لا يحل بتفليسه، وكذلك الدين على الميت إذا وثق الورثة. وهو قول ابن سيرين، وعبيد الله بن الحسن، واسحاق، وأبي عبيد، وقال طاوس، وأبو بكر بن محمد، والزهري، وسعيد بن إبراهيم: الدين إلى أجله. وحكي ذلك عن الحسن. وفي المغني أن الرواية الأخرى عن أحمد؛ أن الدين على الميت يحل بموته قال: وبه قال الشعبي، والنخعي، وسوار، ومالك، والثوري، والشافعي، وأصحاب، الرأي، قالوا: لا يجوز بقاء الدين في ذمة الميت لخرابها، ولتعذر مطالبته، ولا يجوز اعتباره بذمة الورثة لأنهم لم يلتزموه أصلًا، ولا رضي صاحب الدين بذممهم المختلفة المتباينة، ا. هـ. منه. بتصرف. (١) وقوله: وترك له قوته والنفقة الواجبة عليه، قال الحطاب: يعني ما ينفق على من وجبت عليه نفقته؛ كزوجاته، وولده، وأمهات أولاده، ومدبريه ونقل المواق عن المدونة، قال مالك: يترك للمفلس ما يعيش به هو وأهله الأيام. قال في الواضحة: الشهر ونحوه. وقال في العتبية: هو وأهله وولده الصغير ا. هـ. =

стр. 1161

عَرْضِهِ إنْ أعْطَى حَميلًا بِالْمَالِ، وإلَّا سُجِنَ. وَفي حَلِفِهِ عَلى عَدَمِ النَّاضِّ تَرَدُّدٌ، وإنْ عُلِمَ بالنَّاضِّ لَمْ يُؤخَّرْ، وضُرِبَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. وإنْ شُهِدَ بِعُسْرِهِ أنَّهُ لَا يُعْرَفُ لَهُ مالٌ ظَاهِرٌ ولَا بَاطِنٌ حَلَفَ كذلِك، وَزَادَ: وإنْ وَجَدَ لَيَقْضِيَنَّ. وأُنْظِرَ. وَحَلَفَ الطَّالِبُ إنِ ادَّعَى عَلَيْهِ عِلْمَ الْعُدْمِ، وإنْ سَألَ تَفْتِيشَ دَارِه فَفِيهِ تَرَدُّدٌ. وُرجّحَتْ بَيِّنَةُ الْمَلَاء إنْ بَيَّنَتْ. = نقل ابن رشد: وقال المازري: التحقيق فيما يترك لعيشه اعتبار حال المفلس في كسبه، فيترك له قدر ما يرى أن يبلغه لتحصيل معيشته، فإن كان صانعًا ينفق على أهله من خدمته لم يترك له شيء. ومن المشايخ من قال: تترك له نفقة اليومين أو الثلاثة خشية المرض. ا. هـ. منه. وقال الخرقي: وينفق على المفلس وعلى من تلزمه مؤنته بالمعروف من ماله إلى أن يفرغ من قسمته بين الغرماء وقال ابن قدامة: وإن لم يكن ذا كسب أنفق عليه من ماله مدة الحجر وإن طالت؛ لأن ملكه باق. وقد قال النبي ﷺ : "ابْدَأْ بِنَفْسِكَ ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ". ومعلوم أن فيمن يعوله من تحب نفقته عليه. قال: وممن أوجب الإِنفاق على المفلس وزوجته وأولاده الصغار من ماله، أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، ولا نعلم أحدًا خالفهم في ذلك. قال: وتجب كسوتهم أيضًا؛ لأن ذلك مما لابد منه. ا. هـ. منه باختصار. (٢) وقوله: وحبس في لثبوت عسره إن جهل حاله، نقل المواق عن ابن الحاجب: من أحكام الحجر على المفلس حبسه. ابن رشد: حبس الغريم إنما يكون ما لم. يثبت عدمه ويظهر فقره. وحبس المديان على ثلاثة أوجه: حبس تلوم واختبار في جهل حاله؛ ويكون ذلك بقدر ما يستبرأ أمره ويكشف عن حاله، فإرسال هذا المحبوس للتلوم والاختبار أن يعطى حميلًا حتى يكشف عن حاله ولا يحبس، ففي المدونة في هذا الحال يحبس أو يؤخذ عليه حميل، ا. هـ. منه. وفي الحطاب هنا فرع، قال ابن عرفة: تلقى الأشياخ بالقبول ما في ثمانية أبي زيد: لا يسجن في الحديد إلا من سجن في دم. قال: وكذا: لا يؤمن هربه. ا. هـ. منه. وقال ابن المنذر: أكثر من نحفظ عنه من علماء الأمصار وقضاتهم، يرون الحبس في الدين. منهم مالك، والشافعي، وأبو عبيد، والنعمان، وسوَّار، وعبيد الله بن الحسن، وروي عن شريح =

стр. 1162

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = والشعبي. كان عمر بن عبد العزيز يقسم ماله بين الغرماء ولا يحبس. وبه قال عبد الله بن جعفر، والليث بن سعد. ا. هـ. بنقل المغني. وقال القرطبي في تفسيره: ويحبس في المفلس في قول مالك، والشافعي، وأبي حنيفة وغيرهم حتى يتبين عدمه. ولا يحبس عند مالك إن لم بتهم أنه غيب ماله ولم يتبين لدَدُه، وكذلك لا يحبس إنْ صحَّ عسره، ا. هـ. قلت: والدليل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. ومن السنة حديث أبي سعيد الخدري عند مسلم في قصة معاذ بن جبل ﵁، فإن رسول الله ﷺ قال لغرمائه: "خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذلِكَ". وفي مصنف أبي داود: فلم يزد رسول الله ﷺ غرماءه على أن خلع لهم ماله. وهذا نص في محل النزاع، فإن رسول الله ﷺ لم يأمر بحبس الرجل. ا. هـ. من القرطبي. وفي مصنف ابن أبي شيبة: حدثنا جرير عن طلق بن معاوية، قال: كان لي على رجل ثلاثمائة درهم فخاصمته إلى شريح، فقال الرجل: إنهم وعدوني أن يحسنوا إليَّ. فقال شريح: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾. الآية. قال: وأمر بحبسه، وما طلبت إليه أن يحبسه، حتى صالحني بمائة وخمسين درهمًا. وفي ابن أبي شيبة أيضًا بسنده عن أبي المنهزم، أن رجلًا أتى أبا هريرة في غريم له فقال: احبسه قال: قال أبو هريرة: هل تعلم له عينًا فآخذه به؟. تال: لا. قال: فهل تعلم له عقارًا أكسره؟. قال: لا. قال: فما تريد؟. قال: احبسه قال. لا، ولكني أدعه يطلب لك ولنفسه ولعياله. ا. هـ. قلت: فقد تبين لك من خلال الأدلة أن المدين يحبس في الدين إذا كان واجدًا ولم يقض ما عليه؛ لقوله ﷺ : "لَيُّ الْوَاجِدِ ظُلْمٌ يُحِلُّ عُقُوبَتَهُ وَعَرْضَهُ". وإنه إذا كان مجهول حال: وادعى عليه غريمه وجود مال، حبس حتى تتبين براءته، أما إذا كان معلوم العدم أو صدقه غريمه، فإن الدليل إلى جانب من يقول بعدم سجنه. والله الموفق.

стр. 1163

وأُخْرِجَ الْمجْهُولُ إِنْ طَالَ سِجْنُهُ بِقَدْرِ الدَّيْنِ والشَّخْصِ، وَحُبِسَ النِّسَاءُ عِنْدَ أَمِينَةٍ أوْ ذَاتِ أمِينٍ، والسَّيِّدُ لِمُكَاتَبهِ، والْجَدُّ والْوَلَدُ لأبِيهِ، لَا عَكْسُهُ كَالْيَمِينِ، الَّا المُنْقَلِبَةَ والمُتَعَلِّقَ بِهَا حَقٌّ لِغَيْرِهِ، وَلَمْ يُفرِّقْ بَيْنَ كَالأَخَوَيْنِ والزَّوْجَيْنِ إنْ خَلَا، وَلَايَمْنَعُ مُسَلِّمًا أوْ خَادِمًا بِخِلَافِ زوجَةٍ، وأُخْرِجَ لِحَدٍّ أوْ ذَهَاب عَقْلِهِ لِعَوْدِهِ، واسْتُحْسِنَ بِكفِيلٍ بِوَجْهِهِ لِمَرَضِ أبَوَيْهِ، وَوَلِدِهِ، وأخِيهِ، وقَرِيبٍ جِدًّا لِيُسَلِّمَ، لَا جُمُعَةٍ وعِيدٍ وعَدُوٍّ إلَّا لِخوْفِ قَتْلِهَ أوْ أسْرِهِ. وَلِلْغَريمِ أخْذُ عَيْنِ مَالِهِ المُحَازِ عَنْهُ في الْفَلَسِ لَا الْمَوْتِ (١)، وَلَوْ مَسْكُوكًا وآبِقًا، وَلِزِمَهُ إنْ لّمْ يَجِدْهُ إنْ لم يَفْدِهِ غُرَمَاؤُهُ ولَوْ بِمَالِهِمْ وَأمْكَنَ، لَا بُضْعٌ وعصْمَةٌ وقصَاصٌ، ولَمْ يَنْتَقِلْ. لَا انْ طُحِنَتِ الْحِنْطَةُ أوْ خُلِطَ بِغَيْرِ مِثْلٍ، أوْ سُمِّنَ زُبْدُهُ، أوْ فَضِّلَ ثَوْبُهُ، أوْ ذُبِحَ كَبْشُهُ، أوْ تَتَمَّرَ رُطَبُهُ، كأجِيرِ رَعْي ونَحْوِهِ، وذي حَانُوتٍ فيمَا بِهِ، ورَادٍّ لِسِلْعَةٍ بعَيْبٍ وَإنْ أُخِذَتْ عَنْ دَيْنٍ. وَهَلْ القَرْضُ كَذلِك -وإنْ لَمْ يقْبِضْهُ مُقْتَرِضُهُ- أوْ كالْبَيْعِ؟ خِلَافٌ.

стр. 1164

وَلَه فَكُّ الرَّهْنِ، وَحَاصَّ بِفِدَائِهِ لا بِفِدَاء الْجاني، وَنَقْضُ الْمُحَاصَّةِ إنْ رُدَّتْ بِعَيْبٍ، ورَدُّهَا، والمحاصَّةُ بِعَيْبٍ سَمَاوِيٍّ، أوْ مِنْ مُشْتَرِيهِ، أوْ أجَنَبيٍّ لَمْ يَأخُذْ أَرْشَهُ، أوْ أَخَذَهُ وعَادَ لِهَيْئتِهِ، وإلَّا فبنِسْبَةِ نَقْصِهِ، ورَدُّ بَعْضِ ثَمَنٍ قُبضَ، وَأخْذُها وَأخْذُ بَعْضِهِ، وحَاصَّ بالْفَائت؛ كبَيْع أمٍّ وَلَدَتْ. وإنْ مَاتَ أحَدُهُمَا أو بَاعَ الْوَلَدَ فَلَا حِصَّةَ، وأخَذَ الثَّمَرةَ والْغَلَّةَ إلَاَ صُوفًا تَمَّ أَوْ ثَمْرَةً مُؤبَّرَةً، وَأخَذَ المُكْرِي دَابَّتَهُ وَأرْضَهُ، وَقُدِّمَ في زَرْعِهَا في الْفَلَسِ، ثُمَّ = قدامة فيمن أدرك سلعته بعينها في مال المفلس، قال: وجملة ذلك أنه يستحق الرجوع في السلعة بخمسة شروط: الأول: أن تكون السلعة باقية بعينها لم يتلف بعضها، فإن تلف جزء منها ليس له الرجوع. وقال مالك، والأوزاعي، والشافعي، والعنبري: له الرجوع في الباقي منها، ويضرب مع الغرماء بحصة التالف. الثاني: أن لا يكون المبيع زاد زيادة متصلةً كالسِّمَنِ، والكبر، وتعَّلُّم الصناعة، أو الكتابة أو القرآن ونحو ذلك. وقال مالك والشافعي: لا يمنع ذلك الرجوع، إلا أن مالكًا يخير الغرماء بين أن يعطوه السلعة، أو ثمنها الذي باعها به. الثالث: أن لا يكون البائع قبض من ثمنها شيئًا، فإن كان حد قبض بعض ثمنها سقط حقه في الرجوع. وقال مالك: هو مخير إن شاء رد ما قبضه ورجع في جميع العين، وإن شاء حاصَّ الغرماء ببقية ثمنها. قلت: وحجة الحنبلي هنا قوية؛ لاستدلاله بحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "أَيُّمَا رَجُلٍ بَاعَ سِلْعَةً فَأَدْرَكَ سِلْعَتَهُ بِعَيْنِهَا عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أَفْلَسَ، وَلَمْ يَكُنْ قَدْ قَبَضَ مِنْ ثَمَنِها شَيْئًا، فَهِيَ لَهُ، وَأنْ كَانَ قَدْ قَبَضَ ثَمَنهَا، شَيْئًا فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاء". رواه مالك وموسى بن عقبة، عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة. كذا قال ابن عبد البر. وأخرجه أبو داود، وابن ماجه، والدارقطني. ا. هـ. =

стр. 1165

سَاقِيهِ، ثُمَّ مُرْتَهِنُهُ، وَالصَّانِعُ أَحَق -ولَوْ بِمَوْتٍ- بِمَا بِيَدِهِ، وإلَّا فَلَا، إنْ لَّم يُضِفْ لِصَنْعَتِهِ شَيْئًا إلَّا النَّسْجَ، فَكَالمَزيدِ يُشَاركُ بِقيمَتِهِ، والْمُكْتَرِي بِالْمُعَيَّنَةِ وَبَغَيْرِهَا إنْ قُبِضَتْ وَلَوْ أدِيرَتْ، وَربُّهَا بِالْمَحْمُولِ وإنْ لّمْ يَكْنْ مَعَهَا، مَا لَمْ يقْبِضْهُ رَبُّهُ. وَفي كَوْنِ المُشْتَرِي أحَقَّ بِالسِّلْعَةِ يُفْسَخُ لِفَسَادِ الْبَيْعِ أوْ = والرابع: أن لا يكون تعلق بها حق الغير، فإن رهنها المشتري ثم أفلس، أو وهبها ثم أفلس، لم يملك البائع الرجوع فيها، لأن النبي ﷺ قال:"مَنْ وَجَدَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أفْلَسَ فَهُوَ أحَقُّ بِهِ". وهذا لم يجده عند المفلس. قال: ولا نعلم في هذا خلافًا. والشرط الخامس: أن يكون المفلس حيًّا، فإن مات فالبائع أسوة الغرماء، سواء علم بفلسه قبل الموت فحجر عليه ثم مات، وسواء تبين فلسه بعد الموت. وبهذا قال مالك واسحاق، وقال الشافعي: له الفسخ واسترجاع العين. واحتج بما رواه ابن خَلَدَة الزرقي قاضي المدينة قال: أتينا أبا هريرة في صاحب لنا قد أفلس، فقال أبو هريرة: هذا الذي قضى فيه رسول الله ﷺ : "أَيُّمَا رَجُلٍ مَاتَ أوْ أَفْلَسَ، فصَاحِبُ الْمَتَاعِ أَحَقُّ بِمتَاعِهِ إِذَا وَجَدَهُ بِعَيْنِهِ". رواه أباِ داود وابن ماجه. قال في المغني: وهو حديث مجهول الإِسناد، قال ابن عبد البر: يرويه أبو أبو المعتمر عن الزرقي، وأبو المعتمر غير معروف بحمل العلم، ثم هو غير معمول به إجماعًا، فإنه جعل المتاع لصاحبه بمجرد موت المشتري من غير شرط فلسه، ولا تعذر وفائه، ولا عدم قبض ثمنه، والأمر بخلاف ذلك عند جميع العلماء إلا ما حكي عن الاصطخري من أصحاب الشافعي، وهو شذوذ عن أقوال أهل العلم، وخلاف للسنة لا يعرج على مثله. والدليل على أن البائع إن مات المشتري المفلس يكون أسوة الغرماء، قد تقدم لك بعضه، وهو حديث الموطإ، ومنه ما رواه أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن ابي هريرة عن النبي ﷺ في حديث المفلس قال: "فَإنْ مَاتَ فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ أُسْوَةُ الْغُرمَاء". رواه أبو داود. وروى أبو اليمان عن الزبيدي، عن الزهري، عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أَيُّمَا امْرِئٍ مَات وعِنْدَهُ مَالٌ امْرِئٍ بِعَيْنِهِ، اقْتَضَى مِنْ ثَمَنِهِ شَيْثًا أوْ لَمُ يَقْتَضِ، فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاء". رواه ابن ماجه. ا. هـ. من المغني لابن قدامة باختصار وتصرف.

стр. 1166

لَا؟. أوْ في النَّقْدِ، أقْوَالٌ. وَهُوَ أحَقُّ بِثَمَنِهِ وبِالسِّلْعَةِ إنْ بِيعَتْ بسِلْعَةٍ وَاسْتُحِقَّتْ، وَقُضِيَ بأخْذِ المَدِينِ الوَثيقَةَ أو تَقْطِيعِهَا، لَا صَدَاقٍ قُضِيَ (١). وَلِربِّهَا رَدُّهَا إنِ ادَّعَى سُقُوطَهَا. وَلِرَاهِنٍ بِيِدهِ رَهْنُهُ بِدَفْعِ الدَّيْنِ؛ كَوَثِيقَةٍ زَعَمَ رَبُّهَا سُقُوطَهَا ولَمْ يَشْهَدْ شَاهِدُهَا إلَّا بها.

стр. 1167

بَابٌ في الحجر الْمَجْنون محْجُوزرٌ لِلْإِفَاقَةِ، والصَّبيُّ لِبُلُوغِهِ (١) بِثَمَانِ عَشْرَةَ، أوْ الْحُلُمِ أَوِ الْحَيْضِ أوِ الْحَمْلِ أوِ الإِنْبَاتِ (٢). وَهَلْ إلَّا في حَقِّ اللهِ تعالى؟ تَردُّدٌ. وصُدِّقَ إنْ لَمْ يُرَبْ. ولْلِوَلِيِّ رَدُّ تَصَرُّفِ مُمَيِّزٍ (٣)، وَلَهُ إِنْ رَشَدَ -وَلَوْ حَنِثَ- بَعْدَ بُلُوغِهِ أوْ وَقعَ المَوْقِعَ. كتاب الحجر قال الحطاب: عقب المصنف ﵀ التفليس بالحجر تكميلًا لبيان أسباب الحجر. ا. هـ. وأسباب الحجر سبعة: التفليس، والمرض، والنكاح في حق الزوجة، والرق، والصِّبا، والجنون، والتبذير. ذلك أن الحجر على ضربين: حجر على الإنسان لحق نفسه، وحجر عليه لحق غيره، فالحجر على الإِنسان لحق غيره؛ كالحجر على المفلس لحق غرمائه، وعلى المريض في التبرع بزيادة على الثلث، أو التبرع بشيء لوارث، وذلك لحق ورثته، وكالحجر على الرقيق لحق سيِّده، وكالحجر على المرأة في التبرع بزائد على الثلث وذلك لحق زوجها، ولهؤلاء أبواب تذكر فيها الأحكام التي تتعلق بهم. وأما المحجور عليه لحق نفسه فثلاثة: الصبيُّ، والمجنون، والسفيهُ. وهذا الباب يختص بأحكام الحجر على هؤلاء الثلاثة؛ والحجر عليهم حجر عام لأنهم يمنعون من التصرف في أموالهم وذممهم. والحجر لغة مصدر حجر يحجر -بضم الجيم وكسرها- إذا حصر الِإنسان أو منعه. ويطلق على الحرام، ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَقولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ أي حرامًا محرمًا. ويطلق أيضًا على العقل؛ ومن ذلك الاستعمال قوله تعالى: ﴿هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذي حِجْرٍ﴾ أي لذي عقل. قال الحطاب: وهو مثلث الحاء في المعاني الثلاثة. قال: ويطلق أيضًا على ما بين يدي الإنسان من ثوبه. وحكى في القاموس أن هذا بكسر الحاء فقط. والحجر ما دار بالكعبة المشرفة من الجانب الشمالي وكل ما حجر به من حائط فهو حجر، والحجر أيضًا موضع به ديار ثمود عند وادي القرى على طريق الشام. قال تعالى: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾. والحجر أيضًا الأنثى من الخيل. قال: والجميع بمعنى المنع؛ لأن العقل يمنع من الرذائل جميعها، والحائط =

стр. 1168

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = يمنع من الدخول إليه، والأنثى من الخيل تمنع صاحبها من العدو. قال: ويطلق أيضًا على القرابة، وعلى فرج الرجل والمرأة، قاله في القاموس. ا. هـ. من الحطاب بتصرف. والحجر في اصطلاح الشرع هو منع المالك من التصرف في ماله لمنفعة نفسه أو لمنفعة غيره. ا. هـ. (١) وقوله: المجنون محجور للإِفاقة، والصبي لبلوغه، الأصل في الحجر على هذين وعلى السفيه قوله تعالى: ﴿وَلَاتُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَموَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ (١) قِيَمًا﴾ إلى قوله: ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أمْوَالَهُمْ﴾. قال ابن قدامة في المغني: قال سعيد بن جبير وعكرمة: هو مال اليتيم عندك، لا تؤته إيَّاهُ، وأنفق عليه. قال: وإنما أضاف الأموال إلى الأولياء، وهي لغيرهم، لأنهم قوَّامُها ومدبِّروها. وقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ معناه اختبروهم في حفظ أموالهم ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ أي مبلغ الرجال والنساء ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ أي أبصرتم وعلمتم. منهم حفظًا لأموالهم، وصلاحًا في تدبير معاشهم ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أمْوَالَهُمْ﴾ أي لأن الحجر إنما كان لعجزه عن التصرف في ماله على وجه المصلحة؛ حفظًا لماله عليه، فإذا ببغ مبلغ الرجال والنساء، وعلم منه حفظ ماله وصلاح تدبيره في معاشه، زال عنه الحجر لزوال سببه. ا. هـ. المغني بتصرف. (٢) وقوله: بثمان عشرة، أو الحيض، أو الحلم أو الإِنبات ألخ. قال القرطبي في التفسير: البلوغ يكون بخمسة أشياء: ثلاثة يشترك فيها الرجال والنساء، واثنان يختصان بالنساء وهما: الحيض والحبل. ولم يختلف العلماء أنهما بلوغ وأن الفرائض والأحكام تجب بهما. واختلفوا في الثلاثة؛ فأما الإِنبات والسن فقد قال الأوزاعي والشافعي وابن حنبل: خمس عشرة بلوغ لمن لم يحتلم. وهو قول ابن وهب، وأصبغ بن الفرج، وعبد الملك بن الماجشون، وعمر ابن عبد العزيز، وجماعة من أهل المدينة، واختاره ابن العربي، فتجب الحدود والفرائض عندهم على من بلغ هذه السن، واحتجوا بحديث ابن عمر إذْ عرضر يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة فأجيز، ولم يجز يوم أحد لأنه كان ابن أربع عشرة. أخرجه مسلم. قال ابن عبد البر: هذا فيمن عرف مولده، وأما من جهل مولده وعدة سنه، أو جحد، فالعمل

стр. 1169

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = فيه بما روى نافع عن أسلم عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كتب إلى أمراء الأجناد: ألَّا تضربوا الجزية إلا على من جرت عليه الموسى. وقال عثمان في غلام سرق: انظروا، فإن كان قد اخضر مئزره فاقطعوه. وقال عطية القرظي: عرض رسول الله ﷺ بني قريظة، فكل من أنبت منهم قتله بحكم سعد بن معاذ، ومن لم ينبت منهم استحياه، وكنت فيمن لم ينبت فتركني. وقال مالك وأبو حنيفة وغيرهما: لا يحكم لمن لم يحتلم حتى يبلغ ما لم يبلغ أحد إلا احتلم؛ وذلك سبع عشرة. وعن مالك رواية أخرى: بلوغه أن يغلظ صوته وتنشق أرنبته. وأما الإِنبات، فمنهم من قال يستدل به على البلوغ؛ روي عن ابن القاسم وسالم، وقاله مالك مرة، والشافعي في أحد قوليه. وبه قال اسحاق، وأحمد، وأبو ثور. وقيل: هو البلوغ إلا أنه يحكم به في الكفار؛ فيقتل من أنبت ويجعل من لم ينبت منهم في الذراري. قاله الشافعي في قوله الآخر، وذلك لحديث عطية القرظي الذي تقدم. قالوا: ولا اعتبار بالخضرة والزغب، وإنما يترتب الحكم على الشعر. وقال ابن القاسم: سمعت مالكًا يقول: العمل عندي على حديث عمر بن الخطاب: لو جرت كليه الموسى لحددته. وقال أصبغ: قال لي ابن القاسم: وأحب إليَّ ألَّا يقام الحد إلا باجتماع الإنبات والبلوغ. وقال أبو حنيفة: لا يثبت بالإِنبات حكم، وليس هو بلوغ ولا دلالة على البلوغ. وقال الزهري وعطاء: لا حدّ على من لم يحتلم. قال: وهو قول الشافعي، ومال إليه مالك مرة، وقال به بعض أصحابه، وظاهره عدم اعتبار الإِنبات والسن. قال ابن العربي: إذا لم يكن حديث ابن عمر دليلًا في السن، فكل عدد يذكرونه في السنين فإنه دعوى، فالسن التي أجازها رسول الله ﷺ أولى من سن لم يعتبرها. ولا قام في الشرع دليل عليها، وكذلك اعتبر النبي ﷺ الإِنبات في بني قريظة، فمن عذيري ممن ترك أمرين اعتبرهما النبي ﷺ فيتأوله ويعتبر ما لم يعتبره النبي ﷺ لفظًا، ولا جعل الله له في الشريعة نظرًا؟. ا. هـ. منه. وفي الحطاب، قال الطرطوشي: والمراد بالإِنبات الإِنبات الخشن على المذاكر وما حوله دون =

стр. 1170

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = الزغب الضعيف. ا. هـ. من الذخيرة. ونقله ابن عرفة، وكذلك الأنثى. ا. هـ. منه. وفيه أيضًا (فرع) قال البرزلي في كتاب الصيام: زاد القرافي في العلامات نتن الأبط. وزاد غيره فرق الأرنبة. وبعض المغاربة يأخذ خيطًا ويثنيه ويديره برقبته، ويجمع طرفيه في أسنانه، فإن دخل رأسه منه فقد بلغ وإلا فلا. قال: وهذا، وإن لم يكن منصوصًا فقد رأيت في كتاب التشريح ما يؤيده، ولأنه إذا بلغ الإِنسان تغلظ حنجرته ويمحل صوته فتغلظ الرقبة كذلك، وقد جربه كثير من العوام فصدق له. ا. هـ. منه بلفظه. (٣) وقوله: وللولي رد تصرف مميز، قال القرطبي عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تُوْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ﴾ الآية: بين الله أن السفيه وغير البالغ لا يجوز دفع ماله اليه، فدك الآية على ثبوت الوصيِّ والوليِّ والكفيل للأيتام، وأجمع أهل العلم على أن الوصية إلى المسلم الحر الثقة العدل جائزة، واختلفوا في الوصية إلى المرأة الحرة فقال عامة أهل العلم: الوصية لها جائزة، واحتج الإِمام أحمد لذلك بأن عمر ﵁ أوصى إلى حفصة. وخالف عطاء بن أبي رباح، روي عنه أنه قال في رجل أوصى إلى امرأته قأل: لا تكون المرأة وصيًا، فإن فعل حُوِّلت إلى رجا من قومه. واختلفوا كذلك في الوصية إلى العبد، فمنع ذلك الشافعي، وأبو ثور، ومحمد ويعقوب، وأجازه مالك، والأوزاعي، وابن عبد الحكم. وهو قول النخعي إذا أوصى إلى عبده. ا. هـ. منه بتصرف. قال الحطاب عند هذا النص: يعني أن الولي سواء كان وصيًا، أو وصي وصي، أو مقدم القاضي، فإنه يرد تصرف المميز من بيع وغيره، ويريد المصنف المميز المحجور سواء كان صغيرًا أو بالغًا سفيهًا، ولو صرح بذلك فقال: تصرف مميز محجور لكان أبين. قال: وهذه اللام يظهر فيها أنها لام الإِباحة، وأن له الرد، وله الإِمضاء؛ وذلك إنما يكون بحسب المصلحة لا بحسب شهوته واختياره. قال في الذخيرة عن الجوهري: ولا يتصرف الولي إلا بما تقتضيه المصلحة لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَال الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحسنُ﴾. وظاهر كلامه أن ذلك في جميع التصرفات له الإِجازة والرد، وليس الأمر كذلك وإنما يكون له الإِجازة والرد في التصرفات المالية التي خرجت =

стр. 1171

وَضَمِنَ مَا أفْسَدَ (١) إن لَّمْ يُؤمَّنْ عَلَيْهِ (٢). وصَحَّتْ وَصيتُهُ كالسَّفِيهِ إِنْ لمْ يُخَلِّطْ (٣) إلَى حِفْظِ مَالِ ذي الأَبِ بَعْدَهُ (٤)، وَفَكِّ وَصِيٍّ وَمُقَدَّمٍ (٥) إلَّا كَدِرْهَمٍ لِعَيْشِهِ، لَا طَلَاقُهُ وَاسْتِلْحَاقِ نَسَبٍ وَنَفْيِهِ، وَعِتْقِ مُسْتَوْلَدَتِهِ، وَقِصَاصٍ وَنَفْيِهِ وَإِقْرَارٍ بِعُقُوبَةٍ وَتَصَرُّفهُ قَبْلَ الْحَجْرِ عَلى الْإِجَازَةِ عِنْدَ مَالِكٍ (٦)، لَا ابْنِ الْقَاسِمِ، وعَلَيْهَما الْعَكْسُ في تَصَرُّفِهِ إِذا رَشدَ بِعْدَهُ، وزيد في الأُنْثَى دُخُولُ زَوْجٍ بِهَا، وَشَهَادَةُ الْعُدُولِ عَلى صَلَاحِ حَالِهَا، وَلَوْ جَدَّدَ أبُوهَا حجرًا على الأرْجَح، وَلِلْلأَبِ تَرْشِيدُهَا قَبْلَ دُخُولِهَا كَالْوَصِيِّ وَلَوْ لَمْ يُعْرَفْ رُشْدُها. وَفي مُقَدَّمِ الْقَاضِي خِلَافٌ. = عن عوض، وأمَّا التبرعات فيتعين عليه ردها. ا. هـ. ونبه الحطاب هنا على قول المصنف: مميز، احترز به من غير المميز فإنه لا يصح تصرفه ولو بالمعاوضة كما قال في باب البيع: وشرط عاقده تمييز. ا. هـ. وفيه أيضًا: قال في كتاب المديان من المدونة: ولا يجوز للمولَى عليه عتق ولا هبة ولا صدقة ولا بيع، ولا يلزمه ذلك بعد بلوغه ورشده إلا أن يجيزه الآن. قال: وأنا أستحب إمضاءه ولا أجبره عليه. ا. هـ. عياض: ولا أستحب له أن يمضي إلا ما كان لله فيه قربة، وأما ما بينه وبين العباد مما لم يقصد به القربة، فأي استحباب في هذا؟. وهكذا جاء منصوصًا في سماع أشهب على ما تأولناه. انتهى منه. والله الموفق. (١) وقوله: وضمن ما أفسد، قال ابن رشد: يلزم الصغير ما أفسده أو كسره في ماله ما لم يؤتمن عليه. قلت: وذلك لقولهم: العمد والخطأ في أموال الناس سواء. وهذا الحكم خطاب وضع محض لا يوجد معه تكليف لقوله ﷺ :"رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ .. " الحديث، وذكر منهم الصبي حتى يبلغ، وبذلك تعلم أن النسبة بين خطاب الوضع وخطاب التكليف هي العموم والخصوص المطلق، كما قرره شيخنا سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم في مراقي السعود بقوله: وهو من ذاك أعم مطلقًا =

стр. 1172

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = (٢) وقوله: إن لم يؤمن عليه، قال المواق: إن ابتاع المولّى عليه أمة وحبلت منه، كانت له أم ولد ولم يتبع بالثمن. قال: ومن المدونة: من بعث يتيمًا في طلب آبق، أخذه فباعه وأتلف الثمن، لرب العبد أخذه، ولا شيء عنى اليتيم من المال الذي أتلف، ولا يتبع به دينًا، بخلاف ما أفسده أو كسره. ا. هـ. منه. (٣) وقوله: وصحت وصيته كالسفيه إن لم يخلّط، نسب المواق للمدونة: تجوز وصية ابن عشر سنين وأقل مما يقاربها، إذا أصاب وجه الوصية؛ وذلك أن لا يكون في اختلاط. قال محمد: وأجاز مالك وأصحابه وصية من يعقل ما يوصي به ابن سبع سنين وشبهه. قال في المدونة: وتجوز وصية المحجور عليه والسفيه والمصاب حال إفاقته لا حال خبله. وقال القرطبي في التفسير ج ٢ / ص ٢٦٦: قال مالك: الأمر المجمع عليه عندنا أن الضعيف في عقله والسفيه والمصاب، الذي يفيق أحيانًا، تجوز وصاياهم، إذا كان معهم من عقولهم ما يعرفون به ما يوصون به، وكذلك الصبي الصغير إذا كان يعقل ما أوصى به، ولم يأت بمنكر من القول، فوصيته جائزة ماضية. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا تجوز وصية الصبي. وقال المزني: وهر قياس مذهب الشافعي، ولم أجد له في ذلك شيئًا ذكره ونص عليه، واختلف أصحابه على قولين: أحدهما كقول مالك، والثاني كقول أبي حنيفة. قال أبو عمر: قد اتفق هؤلاء على أن وصية البالغ المحجور عليه جائزة، ومعلوم أن من يعقل من الصبيان ما يوصي به فحاله حال المحجور عليه في ماله، وعلة الحجر تبذير المال وإتلافه، وتلك علة مرتفعة عند الموت، وهو بالمحجور عليه في ماله أشبه منه بالمجنون الذي لا يعقل، فوجب أن تجوز وصيته مع الأمر الذي جاء فيه من عمر ﵁. وقال مالك: إنه الأمر المجمع عليه عندهم بالمدينة. وبالله التوفيق. ا. هـ. منه بلفظه باختصار. (٤) وقوله: إلى حفظ مال ذي الأب بعده، نسب المواق لابن رشد، قال: الإِبن في ولاية أبيه مادام صغيرًا، ويخرج من الولاية ببلوغه، وإن لم يشهد الأب على إطلاقه من الولاية، هذا إن بلغ معلومًا بالرشد، وليس للأب أن يرد من أفعاله شيئًا، فإن بلغ وهو معلوم السفه فلا يخرجه الاحتلام من ولاية أبيه، وأفعاله كلها مردودة غير جائزة. ا. هـ. منه. =

стр. 1173

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وقال الحطاب: ومعنى قول المصنف إلى حفظ مال ذي الأب بعده، أن الصبي لا يخرج من الحجر ببلوغه، بل هو محجور عليه إلى ظهور رشده. قال في التوضيح: ولا خلاف انه لا يخرج من الحجر قبل بلوغه وإن ظهر رشده. فإذا بلغ فإمَّا أن يكون أبوه حجر عليه وأشهد بذلك أم لا؛ أما إن حجر عليه فحكمه كمن لزمته الولاية، وإن لم يحجر عليه فإن علم رشده أو سفهه عمل عليه، وإن جهل فالمشهور أنه محمول على السفه. وروى زياد بن غانم عن مالك أنه محمول على الرشد. ا. هـ. منه. قلت: الأصل في ذلك قوله تعالى في النساء: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُم". أي أبصرتم ورأيتم. واختلف العلماء في تأويل ﴿رُشْدًا﴾ فقال الحسن وقتادة وغيرهما: صلاحًا في الدين والعقل. وقال ابن عباس والسُّدي والثوري: صلاحًا في العقل وحفظ المال. وأكثر العلماء على أن الرشد لا يكون إلا بعد البلوغ وعلى أنه إن لم يرشد بعد البلوغ، وإنْ شاخ لا يزول عنه الحجر. وهذا مذهب مالك وغيره، خلافًا لأبي حنيفة، وزفر بن هذيل، والنخعي، قالوا: لا يحجر على الحر البالغ إذا بلغ مبلغ الرجال ولو كان أفسق الناس وأشدهم تبذيرًا، إذا كان عاقلًا. واحتجوا بقضية حَبَّان بن منقذ، ولا حجة لهم في ذلك لأنه حكم مخصوص به هذا الرجل كما هو معلوم. قال الثعلبي: والذي ذكرناه من الحجر على السفيه هو قول عثمان، وعليٍّ، والزبير، وعائشة، وابن عباس، وعبد الله بن جعفر رضوان الله عليهم، ومن التابعين: شريح، وبه قال الفقهاء: مالك وأهل المدينة، والأوزاعي، وأهل الشام، وأبو يوسف، ومحمد، وأحمد، واسحاق، وأبو ثور. قال الثعلبي: وادَّعى أصحابنا الإِجماع في هذه المسألة. ا. هـ. من القرطبي. وإذا ثبت ذلك فاعلم أن فك الحجر عنه يكون بشرطين: البلوغ وإيناس الرشد. فإن وجد أحد هذين دون الآخر لم يجز تسليم المال إليه، وكذلك يشهد سياق الآية. وهو رواية ابن القاسم، وأشهب وابن وهب عن مالك في الآية. وهو قول جماعة الفقهاء إلا أبا حنيفة وزفر والنخعي، فإنهم أسقطوا إيناس الرشد ببلوغ خمس وعشرين سنة. =

стр. 1174

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = غير أن أصحابنا شرطوا في الجارية زيادة على ذلك، دخول الزوج بها، قالوا: الأنثى مخالفة للغلام لكونها محجوبة لا تعاني الأمور ولا تبرز لأجل البكارة، ولذلك وقف فيها على وجود النكاح، فبه تفهم المقاصد كلها، والذكر بخلافها فإنه بملاقاته الناس من أول نشأته إلى بلوغه يحصل له الاختبار ويكمل عقله. قال القرطبي: وما قاله الشافعي أصوب؛ فإن نفس الوطء بإدخال الحشفة لا يزيدها في رشدها إذا كانت عارفة بجميع أمورها ومقاصدها، غير مبذرة لمالها، ولذا زاد علماؤنا: لابد من دخول زوجها ومضي مدة من الزمان تمارس فيها الأحوال. قال ابن العربي: وذكروا في ذلك أقوالًا كثيرة ليس في شيء منهما دليل، قال: أما تمادي الحجر في المولَّى عليها حتى يتبين رشدها، فيخرجها الوصي عنه أو يخرجها الحكم منه فهو ظاهر القرآن. قال: والمقصود من هذا كله داخل تحت قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾. فتعين اعتبار الرشد في الجميع ولكن يختلف إيناسه باختلاف حال الراشد، قال: فاعرف وركِّبْ عليه، واجتنب التحكم الذي لا دليل عليه. ا. هـ. مضمونه من القرطبي. (٥) وقوله: وفك وصي ومقدم، نسب المواق لابن رشد، قال: إن مات الأب وهو صغير، وأوصى به إلى أحد، أو قدم عليه السلطان، فلا يخرجه من ولاية أبيه ولا مقدم السلطان، حتى يخرجه منها الوصي أو السلطان، إن كان الوصي مقدمًا من قبله، وأفعاله كلها مردودة، وإن علم رشده، ما لم يطلق من الحجر. قال: إن هذا قول ابن زرب، أن الوصي من قبل القاضي لا يطلق من الولاية إلا بإذن القاضي، وأما وصي الأب فإطلاقه جائز، وهو مصدق فيما ذكر من حاله، وإن لم يعرف ذلك إلا من قوله. قال ابن عرفة: وقال غير ابن زرب: مقدم القاضي يكفي إطلاقه؛ كوصي الأب. وأخذ من إرخاء الستور من المدونة: إن لم يكن لليتيم وصي فأقام له القاضي خليفة كان كالوصي في جميع أمره. ا. هـ. منه. وقال القرطبي: واختلفوا في دفع المال إلى المحجور عليه؛ هل يحتاج إلى السلطان أم لا؟. فقالت فرصة: لابد من رفعه إلى السلطان، ويثبت عنده رشده، تم يدفع إليه ماله. وقال فرقة أخرى: ذلك موكول إلى اجمهاد الوصي دون أن يحتاج إلى رفحه إلى السلطان. وقال ابن عطية: =

стр. 1175

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = والصواب في أوصياء زمننا أن لا يستغنى عن رفعه إلى السلطان وثبوت الرشد عنده، لما حفظ من تواطؤ على أن يرشد الصبي، ويبرأ المحجور عليه؛ لسفهه وقلة تحصيله في ذلك الوقت. قلت: هذا زمن ابن عطية، فما ظنك بزمننا هذا؟. اللهم إنا نسألك التوفيق في القول والعمل وأن تحفظنا من سائر الزلل. (٦) وقوله: وتصرفه قبل الحجر على الِإجازة عند مالك، الضمير عائد إلى السفيه البالغ المهمل، الذي لا أب له ولا وصي ولا مقدم قاض عليه. قال الحطاب: وماعزاه لمالك؛ قال في المقدمات: هو المشهور من قول مالك وكبراء أصحابه إلا ابن القاسم. وفي المواق: قال مالك وكبراء أصحابه: أفعاله كلها بعد البلوغ جائز نافذة، رشيدًا كان أو سفيهًا، من غير تفصيل في شيء. وذهب ابن القاسم إلى أنه ينظر إلى حاله يوم بيعه وابتياعه. ا. هـ. منه. =

стр. 1176

والْوَلِيُّ الأَبُ، وَلَهُ الْبَيْعُ مُطْلَقًا وَإنْ لَمْ يَذْكُرْ سَبَبَهُ (١)، ثُمَّ وَصِيُّهُ وَإنْ بَعُدَ (٢). وَهَلْ كَالأَبِ أوْ إلَّا الرَّبْعَ فَبِبَيَانِ السَّبَبِ؟. خِلَافٌ (٣). ولَيْسَ لَهُ هِبَةٌ لِلثَّوَابِ، ثُمَّ حَاكِمٌ وبَاعَ بِثبُوتِ يُتْمِهِ وإهْمَالِهِ ومِلْكِهِ لِمَا بيعَ وأنَّهُ الأَوْلى. وحِيازَةُ الشُهُودِ لَهُ، والتَّسَوُّقِ وَعَدَمِ إلْغَاء زَائِدٍ، والسَّدَادِ في الثَّمَنِ، وَفي تَصْرِيحهِ بأسْمَاء الشَّهُودِ قَوْلَانِ. لَا حَاضِنٍ كَجَدٍّ. وعُملَ بإمْضَاء الْيَسِيرِ. وَفي حَدِّهِ تَرَدُّدٌ. ولِلْوَليِّ تَرْكُ التَّشَفُّعِ وَالْقِصَاصِ فَيَسْقُطَانِ وَلَا يَعْفوُ، ومَضَى عِتْقُهُ بِعِوَضٍ كَأبِيهِ إِنْ أيْسَرَ، وإنَّمَا يَحْكُمُ -في الرُّشْدِ، وَضِدِّهِ، والوَصِيَّةِ، وَالحُبُسِ المُعَقَّب (٤)، وَأمْرِ الْغَائِبِ، والنَّسَبِ، والْوَلَاء، وحَدِّ، وِقِصَاصٍ، ومال يَتِيمٍ- الْقُضَاةُ. وإنَّمَا يُبَاعِ عَقَارُهُ لِحَاجَةٍ أوْ غِبْطَةٍ أوْ لِكَوْنِهِ مُوَظَّفًا أوْ حصَّةً، أوْ قَلَّتْ غَلَّتُهُ فِيُسْتَبْدَلَ خِلَافُهُ، أوْ بَيْنَ ذِمِّيَيْنِ أوْ جِيرَانِ سُوءٍ، أَوْ لإِرَادَةِ شَرِيكِهِ بَيْعًا ولَا مَالَ لَهُ، أوْ لِخَشْيَةِ انْتِقَالِ الْعِمَارَةِ أوْ الخَرِاب وَلَا مال له، أوْ لَهُ والبَيْعُ أَوْلَى، وحُجِرَ عَلَى الرقيقِ إلَّا بإذْنٍ (٥) وَلَوْ في نَوْعٍ فَكَوَكِيل مُفَوَّضٍ، ولَهُ أنْ يَضَعَ ويؤخِّرَ ويُضَيِّفَ إنِ اسْتألَفَ ويأَخُذَ قِراضًا ويَدْفَعَهُ (١) وقوله: والولي الأب، وله البيع مطلقًا وإن لم يذكر سببه، نسب المواق لابن عرفة: ولي المولّى عليه: أبو، ثم وصيه، ثم الحاكم. ومن المدونة: لا تجوز وصيه الجد بولد الولد، ولا أخ بأخ وإن قل المال. ولا يجوز إيصاء الأم بمال ولدها إلا أن يكون وصيًا من قبل الأب، وإلا لم يجز إن كثر المال، وإن كان يسيرًا كالستين دينارًا جاز؛ لعدل فيمن لا أب له ولا وصي. وقال المتيطي: بيع الأب على صغار بنيه وأبكار بناته محمول على النظر حتى يثبت خلافه. ا. هـ. منه. (٢) وقوله: ثم وصيه وإن بعُد، نسب المواق للمدونة: يجوز أن توصي الأم بمال ولدها إن كانت وصيًا من قبل الأب. ا. هـ. منه. (٣) وقوله: وهل كالأب، أو إلا الربع فببيان السبب؟. خلاف، نسب المواق لابن رشد: لا

стр. 1177

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = يجوز للوصي بيع عقار اليتيم إلا لوجوه حصرها أهل العلم بالعد، قال ابن عرفة: حاصل عدها أحد عثر وجهًا: دين لا قضاء له من غير ثمنه، ونفقة اليتيم، ثم كثرة الثمن الحلال، ولخرابه وليس ثَمَّ ما يصلحه به، ولشريك فيه ليعوضه ما لا شرك فيه، لدعوى شريكه فيما لا ينقسم بيعه ولا مال لليتبم يباع له به تلك الحصة، ولكونه موضعًا ليستبدل له خيرًا، ولأنه لا يعود بنفع، ولكونه دارًا بين اليهود ليشتري له بين المسلمين، وككونه مثقلًا بالغرم، أو يخشى عليه النزول. ا. هـ، منه. وفي الحطاب فائدة: الأمناء المصدقون على ما في أيديهم ثمانية عشر: ١ - الوالد في مال ولده الصغير وابنته البكر. ٢ - والوصي في مال اليتيم والمحجور عليه. ٣ - وأمناء الحكام الموضوع تحت أيديهم المال. ٤ - والمستودع. ٥ - والمقارض. ٦ - والأجير فيما استؤجر عليه. ٧ - والكريُّ في جميع ما استحمله غير الطعام. ٨ - والصانع غير الصائغ. ٩ - والراعي ما لم يبعد فيكون كالصناع. ١٠ - والمستعير. ١١ - والمرتهن فيما يغاب عليه. ١٢ - والوكيل فيما وكل عليه. ١٣ - والمأمور بالشراء والبيع. ١٤ - والدلال. ١٥ - والشريك مفوضًا أو غيره. ١٦ - والرسول فيما أرسل به. =

стр. 1178

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = ١٧ - والمبضع معه المال للشراء والتبليغ. ١٨ - والمستأجر للأشياء المغيب عليها. قال: كل هؤلاء مصدقون، وما ادعي عليهم مما يوجب الضمان فالقول قولهم بلا يمين، إلَّا أن يتهموا، فتجب عليهم اليمين. ا. هـ. منه بلفظه. (٤) وقوله: إنما يحكم في الرشد وضده، والوصية والحُبُس المعقَّب ألخ. قال المواق من المدونة: قال مالك: لا يقسم بين الصغار أحد إلا القاضي خلافًا للواضحة. وقال ابن أبي زمنين وكذلك ما كان من أحكام الأيتام؛ من تسفيه أو إطلاق، أو توكيل للنظر عليهم، وكذلك الأحباس المعقبة، لا يكون النظر فيها إلا للقضاة، وفي دواوينهم توضع. وأموال الغيب والوصايا والأنساب. قال: وبهذا جرى العمل بالأندلس وبه أفتى شيوخنا. ا. هـ. منه. (٥) وقوله: وحجر على الرقيق إلا بإذن، نسب المواق لابن عرفة: الرق سبب في الحجر. وقال في المدونة، ولا يجوز للعبد المحجور عليه في ماله بيع ولا إجارة. وقال ابن القاسم: من آجر صبيًا أو عبدًا بغير إذن سيده، فعليه الأكثر مما سمي، أو أجر المثل؛ فإن عطب العبد كان للسيد قيمة عبده. انظر كتاب الجُعل من المدونة. ا. هـ. تنبيه: لابد من اختبار المحجور عليه قبل دفع المال إليه، وذلك طبقًا لقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ والابتلاء: الاختبار. وقد اختلف العلماء في معنى الاختبار هذا؛ فقيل هو أن يتأمل الوصي أخلاق يتيمه، ويستمع إلى أغراضه؛ فيحصل له العلم بنجابته والمعرفة بالسعي في مصالحه، وضبط ماله، أو الإِهمال لذلك. فإذا توسم الخير، قال أصحابنا: لا بأس أن يدفع إليه شيئًا من ماله يبيح له الصرف فيه، فإن نمَّاه وحسّن التصرف فيه، فقد وقع الاحتبار ووجب على الوصىّ تسليم جميع ماله إليه إذا بلغ الحلم؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾. وقال جماعة من العلماء: يختبر الغلام برد النظر إليه في نفقة الدار شهرًا، أو إعطائه شيئًا قليلًا يتصرف؛ ليعرف كيف تدبيره وتصرفه. ويرعاه مع ذلك لئلا يتلفه، فإن أتلفه فلا ضمان على الوصي، فإذا رآه مَوخيًا سلم إليه ماله وأشهد عليه. قالوا: ويختبر الجارية بأن يرد إليها ما يرد إلى ربَّة البيت من تدبير بيتها والنظر فيه؛ فإن رآها رشيدة سلَّم إليها مالها وأشهد عليها، وإلَّا بقيا تحت الحجر حتى يؤنس الرشد منهما.

стр. 1179

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . تنبيهٌ: وقد اختلف العلماء في الحجر على الكبير، فقال مالك وجمهور الفقهاء: يحجر عليه. وخالف أبو حنيفة، فقال: لا يحجر على من بلغ عاقلًا إلا أن يكون مفسدًا لماله فإذا كان كذلك منع من التصرف في ماله حتى يبلغ خمسًا وعشرين، فإن بلغها سلم إليه المال سواء كان مفسدًا أو غير مفسد. ولنا ما رواه الدارقطني بسنده إلى هشام بن عروة عن أبيه، أن عبد الله بن جعفر أتى الزبير ابن العوام حقال: إني اشتريت بيع كذا وكذا، وإن عليا يريد أن يأتي أمير المؤمنين فيسأله أن يحجر عليَّ فيه. فقال الزبير: أنا شريكك في البيع. فأتى عليٌّ عثمان ﵄ فقال: إن ابن جعفر اشترى بيع كذا وكذا فاحجر عليه. فقال الزبير: أنا شريكه في البيع. فقال عثمان: كيف أحجر على رجل في بيع شريكه فيه الزبير؟. ا. هـ. وهو في مصنف عبر الرزاق، وفي البيهقي. فقول عثمان: كيف أحجر على رجل ألخ. دليل على جواز الحجر على الكبير. ا. هـ. وقال ابن المنذر: أكثر علماء الأمصار من أهل الحجاز، والعراق، والشام، ومصر، يرون الحجر على كل مضيع لماله، صغيرًا كان أو كبيرًا. وهذا قول القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وبه قال مالك، والشامي، وأبو يوسف، ومحمد. وروى الجوزجاني في كتابه، قال: كان محمد بن القاسم يلي أمر شيخ من قريش ذي أهاى ومال، فلا يجوز له أمر في ماله دونه لضعف عقله. قال ابن اسحاق: رأيته شيخًا يخضب وقد جاء إلى القاسم ابن محمد، فقال: يا أبا محمد، ادفع إليَّ مالي، فإنه لا يولىَّ على مثلي. فقال: إنك فاسد. فقال: امرأته طالق ألبتة، وكل مملوك له حر، إن لم تدفع إليَّ مالي. فقال له القاسم بن محمد: ما يحل لنا أن ندفع إليك مالك على حالك هذه فبعث إلى امرأته، وقال: هى حرة مسلمة، وما كنت لأحبسها عليك وقد فهت بطلاقها، فأرسل إليها فأخبرها بذلك. وقال: أما رقيقك فلا عتق لك ولا كرامة. فحبس رقيقه. ا. هـ. من مغنى ابن قدامة. تنبيهٌ: وإن فك الحجر عن المحجور لرشده ودفع إليه ماله ثم عاد إليه السفه، أعيد عليه الحجر. وبهذا قال القاسم بن محمد، ومالك، والشافعي، والأوزاعىِ، واسحاق وأبو عبيد، وأبو يوسف، ومحمد، خلافًا لأي حنيفة، وابن سيرين، والنخعي. ا. هـ. من مغني ابن قدامة.

стр. 1180

ويَتَصَرَّفَ في كَهِبَةٍ، وأقِيمَ مِنْها عَدَمُ مَنْعِهِ مِنْهَا وَلِغَيْرِ مَنْ أُذِنَ لَهُ الْقَبُولُ بِلَا إذْنٍ، والْحَجْرُ عَلَيْهِ كَالْحُرِّ، وَأخِذَ مِمَّا بِيَدِهِ وَإنْ مُسْتَوْلَدَته كَعَطِيَّتِهِ، وَهَلْ إنْ مُنِحَ للِدَّيْنِ أوْ مُطْلَقًا؟ تَأوِيلَانِ. لَا غَلَّتِهِ ورَقَبتِهِ. وَإنْ لَمْ يَكُنْ غَرِيمٌ فَكَغَيْرهِ. وَلا يُمَكَّنُ ذِمِّيٌّ مِنْ تَجْرٍ في كَخَمْرٍ إنِ اتَجَرَ لِسَيدِهِ، وَإلَّا فَقَوْلَانِ. وعَلى مَريضٍ حَكَمَ الطِّبُّ بِكَثْرَةِ المَوْتِ بِهِ؛ كَسِلّ وقَوْلَنْج (١) وحُمَّى قَويَّةٍ وحَامِلِ سِتَّةٍ (٢)، ومَحْبُوسٍ لِقَتْلٍ أوْ لِقَطْعٍ إنْ خِيفَ الْمَوْتُ، وحَاضِرٍ صَفَّ الْقِتَالِ، لَا كَجَرَبٍ ومُلَجَّجٍ بِبَحْرٍ، وَلَوْ حَصَلَ الْهَولُ في غَيْرِ مَئُونَتِهِ وَتَدَاوِيهِ وَمُعَاوضَةٍ مَالِيَّةٍ. وَوُقِفَ تبَرُّعُهُ إلَّا لِمَالٍ مَأمُونٍ وَهُوَ الْعَقَارُ، فَإنْ مَاتَ فَمِنَ الثُّلُثِ وَإلَّا مَضَى عَلى الزَّوْجَةِ لِزَوْجَها، وَلَوْ عَبْدًا، في تَبَرُّعٍ زَادَ عَلى ثُلُثهَا (٣) وَإنْ بِكَفَالَة، وَفي إقْراضِهَا قَوْلَانِ، وهُوَ جَائزٌ حَتَّى يُرَدَّ، فمَضَى إنْ لَمْ يَعْلَمْ حَتَّى تَأيَّمَتْ أو مَاتَ أَحَدُهُمَا كَعِتْقِ الْعَبْدِ وَوَفَاء الدَّيْنِ، وَلَهُ رَدُّ الْجَميعِ إنْ تَبَرَّعَتْ بِزَائدٍ وَلَيْسَ لَهَا بَعْدَ الثُّلُثِ تَبَرُّعٌ إلَّا أنْ يَبْعُدَ. (١) وقوله: وعلى مريض حكَمَ الطبُّ بكثرة الموت به كسلِّ وقولَنْج، في المواق قال مالك: كل مرض أقعد صاحبه عن الدخول والخروج -وإن كان جذامًا أو برصًا أو فالجًا- فإنه يحجر فيه عن ماله، وإن طلق فيه زوجته ورثته. وقال ابن الحاجب: مخوف المرض ما يحكم الطب بأن الهلاك به كثير؛ كالحمى الحادة، والسل، والقولنج، وذات الجنب والإِسهال بالدم. ا. هـ. منه. (٢) وقوله: وحامل ستة، نسبة المواق للسيوري ما نصه: القول بأن الحامل المقرب كالمريض ليس بصحيح، والذي أخذ به، إن بانت من زوجها فله مراجعتها، وهو قول لأصحابنا. وقال المازري: مستند هذه المسألة العوائد، والهلاك من الحمل قليل من كثير، لو بحثت عن مدينة من المدائن لوجدت أمهات أهلها إما أحياء وإما أمواتًا عن غير نفاس، ومن كان هذا حاله لم تخرج به المرأة إلى أحكام المرض المخوف، وهذا مختارنا. ا. هـ. منه.

стр. 1181

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = والذي في الموطإ في هذا الباب: قال يحيى: سمعت مالكًا يقول: أحسن ما سمعت في وصية الحامل وفي قضاياها في مالها وما يجوز لها أن الحامل كالمريض، فإذا كان المرض الخفيف غير المخوف على صاحبه، فإن صاحبه يصنع في ماله ما يشاء، وإذا كان المرض المخوف عليه، لم يجز لصاحبه شيء إلا في الثلث قال: وكذلك المرأة الحامل أول حملها بشر وسرور وليس بمرض ولا خوف لأن الله ﵎ قال في كتابه: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِاسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاء إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾. الآية. وقال تعالى: ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتيتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِن الشَّاكِرِينَ﴾. الآية. فالمرأة الحامل إذا أثقلت لم يجز لها قضاء إلا في ثلثها؛ فأول الإِتمام ستة أشهر، قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾. الآية. وقال تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾. الآية. فإذا مضت للحامل ستة شهور من يوم حملت، لم يجز لها قضاء في مالها إلا في الثلث. قال: وسمعت مالكًا يقول في الرجل يحضر القتال: إنه إذا زحف في الصف للقتال لم تجز له أن يقضي في ماله شيئًا إلا في الثلث، وإنه بمنزلة الحامل والمريض المخوف عليه ما كان بتلك الحال. انتهى منه بلفظه. (٣) وقوله وعلى الزوجة لزوجها ولو عبدًا، في تبرع زاد على ثلثها، قال المواق: أمَّا الزوجة الأمة تحت الحر، فليس له عليها حجر لأن مالها لسيدها، وأمَّا الحرة تحت العبد؛ فقول مالك أن لى ما للحر لأنه زوج وهو حق له، خلافًا لابن وهب، ومن المدونة: إذا عرف بعد البناء رشد المرأة وصلاح حالها، جاز ببعها وشراؤها في مالها كله وإن كره الزوج، إذا لم تحاب، فإن حابت او تكلفت أو أعتقت أو تصدقت أو وهبت أو صنعت شيئًا من المعروف كان ذلك في ثلثها وكفالتها معروف، وهي عند مالك من وجه الصدقة، فإن حمل ذلك كله ثلثها، وهي لا مولى عليها، جاز وإن كره الزوج؛ لأن ذلك ليس بضرر إلا أن يزيد على الثلث كالدينار، ا. هـ. منه. قلت: هذا مذهب مالك، وهو رواية عن أحمد بن حنبل، والدليل ما روي أن امرأة كعب بن مالك أتت النبي ﷺ بحلي لها، فقال لها النبي ﷺ : "لَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ عَطِيَّةٌ حَتَّى يَأُذَنَ زَوْجُهَا، فَهَل اسْتَأُذَنْتِ كَعْبًا؟ ". فقالت: نعم! فبعث النبي ﷺ إلى كعب: "هَلْ أَذِنْتَ لَهَا أَنْ تَتَصَدَّقَ بحُلِيِّهَا". قال: نعم. فقبله ﷺ . رواه ابن ماجه. وروى أيضًا عن عمرو بن شعيب عن أبيه =

стр. 1182

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = عن جده أن رسول الله ﷺ قال في خطبة خطبها: "لَا يَجُوزُ لاِمْرأَةٍ عَطِيَّةٌ في مَالِهَا إلَّا بِإذْنِ زَوْجِهَا إِذْ هُوَ مَالِكُ عِصْمَتِهَا". رواه أبو داود. قال ابن قدامة: ولفظه عن عبد الله ابن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: "لَا تَجُوزُ لامْرأَةٍ عَطِيَّةٌ إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا". قال: وِلأن حق الزوج متعلق بمالها، فإن النبي ﷺ قال: "تُنْكَحُ الْمرأَة لمالها، وجمالها، ودينها". قال: والعادة أن الزوج يزيد في مهرها لمالها، ويتبسط فيه وينتفع به، فإذا أعسر بالنفقة أنظرته، فجرى ذلك مجرى حقوق الورثة المتعلقة بمال المريض. ا. هـ. منه. والرواية الأخرى عن أحمد، ومذهب الشافعي، وأبي حنيفة، وابن المنذر؛ أن المرأة الرشيدة لها التصرف في مالها كله، بالتبرع والمعاوضة، عملًا بمنطوق قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَتُيمْ منْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ". الآية. تنبيهٌ: يجوز للمرأة الصدقة من مال زوجها بالشيء اليسير بدون إذنه، لحديث عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ . "مَا أنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ كَانَ لَهَا أَجْرُهَا وَلَهُ مِثْلُهُ بِمَا كَسَبَ، وَلَهَا بِمَا أَنْفَقَتْ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِك مِنْ غَيْرِ أنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ". ولم يذكر إذنًا. وعن أسماء أنها جاءت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، ليس لي شيء إلا ما أدخل علي الزبير، فهل عليَّ جناح أن أرْضَخَ مِمَّا يَدْخُلُ عَليَّ؟. فقال ﷺ : "ارْضَخِي مَا اسْتَطَعْتِ وَلَا تُوعِي فَيُوعَى عَلَيْكِ". قال ابن قدامة: متفق عليهما. وقولها: فهل لي أن أرضخ، الرضخ: العطاء اليسير. وقوله: توعي: تحبسي. أي لا تمنعي العطاء وتحبسي النفقة عن الفقراء فيوعى عليك، أي يحبسها الله عنك، قال: وهو مأخوذ من وضع الشيء في الوعاء. والله أعلم. قال ابن قدامة: وروي أن امرأة أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، إنَّا كَلٌّ على أزْوَاجنَا وآبائِنَا، فما يحلُ لنا مِن أموالهم؟. قال: "الرُّطَبُ تَأْكُلِينَهُ وَتُهْدِينَهُ". قال: ولأن العادة السماح بذلك وطيب النفس، فجرى ذلك مجرى صريح الإِذن. فإن صرح لها بالمنع من ذلك بأن قال: لا تتصدقي بشيء ولا تتبرعي من مالي بقليل ولا بكثير، لم يجز لها ذلك، لأن المنع الصريح رفع للإِذن العرفي. قال ابن قدامة. ولو كان في بيت الرجل من يقوم مقام امرأته، كجاريته، أو كأخته، أو كالغلام

стр. 1183

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = المتصرف في بيت سيده، جرى ذلك مجرى الزوجة فيما ذكرنا، لوجود المعنى فيه. ا. هـ. منه. والله تعالى الموفق. انتهى الجزء الثالث من كتاب [مواهب الجليل من أدلة خليل] بحمد الله وتوفيقه. ويليه بإذن الله تعالى وعونه وإرشاده وتوفيقه الجزء الرابع أول كتاب الصّلح، وغير خفي على من طالع الأجزاء التي أعان الله على إنجازها من هذا الكتاب المبارك، أنها مجهود مقل، ولكن ما لا يدرك كله لا يترك كله. وبالله المستعان وهو ولي التوفيق هو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 1184

مَواهبْ الجَليل من أدلة خليل تأليف الشيخ أحمد بن أحمد المختار الجكينى الشنقيطي الجزء الرابع عني بمراجعته خادم العلم عَبد الله إبَراهيْم الأنصَارى من مطبوعات إِدارة إِحياء التراث الإِسلامى بدولة قطر ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧ م

стр. 1185

رقم الإِيداع بدار الكتب القطرية ٦٥ لسنة ١٩٨٧

стр. 1186

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب الصلح بَابٌ: الصُّلْحُ عَلى غير المُدَّعَى بَيْعٌ أوْ إِجَارَةٌ (١)، وَعَلَى بَعْضِهِ هِبَةٌ (٢)، كِتَابُ الصُّلحِ الصلح عرفه الحطاب عزوًا إلى النووي، قال: الصلح والإِصلاح والمصالحة، قطع المنازعة. وهو مأخوذ من صلح الشيء -بفتح اللام وضمها- إذا كمل، وهو خلاف الفساد، يقال: صالحته مصالحة وصِلاحًا -بكسر الصاد- وهو يذكر ويؤنث. ا هـ. منه. وقال ابن قدامة في المغني: الصلح معاقدة يتوصل بها إلى الإِصلاح بين المختلفين. ويتنوع أنواعًا: صلح بين المسلمين وأهل الحرب، وصلح بين أهل العدل وأهل البغي، وصلح بين الزوجين إذا خيف الشقاق بينهما. قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنينَ اقْتَتَلوا. فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَليْهِمَا أَنْ يَصَّالَحَا (٢) بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾. وروى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "الصُّلْحُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ جَائِزٌ إلَّا صُلْحًا حَرَّمَ حَلَالًا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا". أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وروي عن عمر بن الخطاب أنه كتب إلى أبي موسى ﵁ بمثل ذلك. وأجمعت الأمة على جواز الصلح في هذه الأنواع التي ذكرناها، ولكل واحد منها باب يذكر فيه، وهذا الباب خاص للصلح بين المتخاصمين. ا هـ. منه بتصرف. وقد حده ابن عرفة فقال: الصلح انتقال من حق أو دعوى بعوض لرفع نزاع أوخوف وقوعه. قال: وهو من حيث ذاته مندوب إليه وقد يعرض وجوبه عند تعيين مصلحة، وحرمته وكراهته لاستلزامه مفسدة واجبة الدرء أو راجحته. ا هـ. الحطاب. وقال ابن رشد: لا بأس بندب القاضي الخصمين إلى الصلح ما لم يتبين له الحق لأحدهما؛ وذلك لقول عمر بن الخطاب لأبي موسى: احرص على الصلح ما لم يتبين لك فصل القضاء. ا هـ. من الحطاب. (١) قول المصنف رحمة الله: الصلح على غير المدعَى بيع أو إجارة، يريد به، والله أعلم أن

стр. 1187

وَجَازَ عَنْ دَيْنٍ بِمَا يُبَاعُ بِهِ، وَعَنْ ذَهَبٍ بِوَرِقٍ وَعَكْسِهِ إِنْ حَلَّا وَعُجِّلَ؛ كمائةِ = الصلح على أخذ شيء غير الشيء المدعى به، يعتبر بيعًا لذات ذلك الشيء المدعى به بالشيء المأخوذ بدلًا منه، إن كان ذاتًا، وإذًا، فإنه يشترط فيه ما يشترط في البيع من شروط وانتفاء موانع. وإن كان المأخوذ من الشيء المدعى به منفعة، فإن الصلح يعتبر إجارة للمصالح به. يشترط فيه ما يشترط في الإِجارة من شروط وانتفاء موانع. فمثال ما كان من ذلك بيعًا توفرت شروطه وانتفت موانعه: أن يدعي بعرض، أو حيوان، أو طعام، أو عقار، فيقرّ به المدعى عليه، ثم يصالحه بدنانير أو دراهم أو بهما معًا نقدًا، أو يصالحه بعرض أو طعام مخالف للمصالح عنه. ومثال ما كان من ذلك إجارة توفرت شروطها وانتفت موانعها: أن يدعي عليه بشيء معين كثوب أو حيوان مثلًا، فيقرّ به، ثم يصالحه بمنفعة شيء معين أو مضمون من عقار أوحيوان أو عرض. إن الصلح الذي يقع على نحو ما تقدم مثاله جائز، بدليل ما رواه أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "الصُّلْحُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ جَائِزٌ إِلَّا صُلْحًا حَرَّمَ حَلَالًا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا". أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، وقد أخرجه البيهقىِ في السنن الكبرى بسنده عن كثير بن زيد، وعن كثير ابن عبد الله عن أبيه عن جده. وقال البيهقي أيضًا في السنن الكبرى: أخبرنا أبو طاهر الفقيه، أنبأنا أبوحامد بن بلال، ثنا يحيى ابن الربيع المكي، ثنا سفيان عن إدريس الأودي، قال: أخرج إلينا سعيد بن أبي بردة كتابًا فقال: هذا كتاب عمر ﵁ إلى أبي موسى- فذكره وفيه: والصلح جائز بين الناس، إلا صلحًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا، ا هـ. منه. (٢) وقوله: وعلى بعضه هبة: يريد به، والله أعلم، أن الصلح على أخذ بعض المدعى به وترك الباقي يعتبر هبة للباقي المتروك، وإذًا، فإنه. يشترط فيه ما يشترط في الهبة من قبول قبل موت واهبه، وقبل جنونه أو مرضه المتصلين بموته، وقبل فلسه. غير أن الدسوقي ذكر أنه ليس المراد بالهبة هنا حقيقتها -حتى يحتاج فيها للقبول من المدعى عليه قبل موت الواهب الذي هو المدعي- بل المراد بها الإبراء، وحينئذ فلا يشترط قبول، ولا تجدد حيازة على المعتمد، ا هـ. منه. وعزاه للعدوي، والله أعلم بمستنده في ذلك. ودليل جواز الصلح على بعض المدعى به، ما رواه يونس بن يزيد عن ابن شهاب قال: حدثني =

стр. 1188

دِينارٍ وَدِرْهَمٍ عَنْ مِائتَيْهمَا، وعَلَى الافْتِداء مِنْ يَمينٍ (١)، أوْ السُّكوتِ أوِ الإِنْكَارِ (٢) إنْ جَازَ عَلى دَعْوَى كُلٍّ وَعَلى ظَاهِر الْحُكْمِ (٣) = عبد الله بن كعب بن مالك أن كعب بن مالك أخبره أنه تقاضى ابن أبي حدرد دينًا كان له عليه في عهد رسول الله ﷺ في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول ﷺ وهو في بيته، فخرج إليهما رسول الله ﷺ حتى كشف سجف حجرته، ونادى كعب بن مالك فقال: "يَا كَعْبُ"! فقال: لبيك يا رسول الله. فأشار بيده أنْ ضع الشطر من دينك. قال كعب: قد فعلت يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ : "قُمْ فَاقْضِهِ". قال البغوي: هذا حديث متفق على صحته، وفيه دليل على أن لصاحب الحق ملازمة الغريم، واقتضاء الحق منه في المسجد، وأن للقاضي أن يصلح بين الخصمين، وأن الصلح على حط بعض الحق جائز. ا. هـ. منه. وقال ابن قدامة في المغني: إذا كان للرجل على الرجل دين ليس عنده وفاء، فوضع عنه بعض حقه وأخذ منه الباقي، كان ذلك جائزًا لهما. ولو فعل ذلك قاضٍ لم يكن عليه في ذلك إثم، لأن النبي ﷺ كلم غرماء جابر ليضعوا عنه، فوضعوا عنه الشطر. قال: وفي الذي أصيب في حديقته، فمر به النبي ﷺ وهو ملزوم- فأشار إلى غرمائه بالنصف، فأخذوه منه، ا هـ. منه. قلت: إن الوارد في قصة دين والد جابر أن رسول الله ﷺ كلم غرماء جابر أن يقبلوا ثمر حائطه ويحللوا أباه، فأبوا، فدعا رسول الله ﷺ في ثمر الحائط بالبركة، فجد جابر حائطه وقضاهم من ثمرها وبقيت له بقية. فقد أخرج البيهقي في السنن بسنده عن يونس عن ابن شهاب قال: وحدثني ابن مالك أن جابر بن عبد الله أخبره أن أباه قتل يوم أحد شهيدًا، وعليه دين، فاشتد الغرماء في حقوقهم، قال جابر: فأتيت رسول الله ﷺ فكلمته، فسألهم أن يقبلوا ثمر حائطي ويحللوا أبي فأبوا، فلم يعطهم رسول الله ﷺ حائطي، ولم يكسره لهم، ولكن قال: "سَأَغْدُو عَلَيْكَ". فغدا علينا حين أصبح، فطاف في النخل ودعا في ثمرها بالبركة، قال: فجددتها فقضيتهم حقوقهم وبقيت لنا من ثمرها بقية، فجئت رسول الله ﷺ فأخبرته بذلك، فقال رسول الله ﷺ لعمر وهو جالس عنده: "أَسَمِعَ عُمَرُ مَا يَقُولُ"؟. قال عمر ﵁: ألا يكون قد علمنا أنك رسول الله، إنك لرسول الله. (١) وقوله وعلى الافتداء من يمين، تبع في ذلك المدونة، ففيها. ومن لزمته يميمت فأفتدى منها بمال جاز ذلك. =

стр. 1189

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = قال الحطاب: وظاهر ذلك الإِطلاق، سواء كان يعلم براءته أم لا. قال: والأصل في هذا أن الصحابة ﵃، منهم من افتدى ومنهم من حلف. وقال الدسوقي: قوله: ولو علم براءة نفسه -يعني الدردير- رد بذلك على ابن هشام الخضراوي في قوله: إن علم براءة نفسه وجبت اليمين، ولا يجوز له أن يصالح لأربعة أمور: منها أن فيه إذلال نفسه، وقد قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أَذَلَّ نَفْسَهُ أَذَلَّهُ اللهُ". ومنها ان فيه إضاعة المال، ومنها أن فيه إغراءً للغير، ومنها أن فيه إطعام ما لا يحل. قال: ورد قوله بأن ترك اليمبن وترك الخصام عز لا إذلال، وحينئذ فبذل المال فيه ليس إضاعة له لأنه لمصلحة، وأما أكل الغير الحرام فلا، سبيل على المظلوم فيه ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ (١). انتهى منه. (٢) وقوله: أو السكوت أو الإِنكار، قال ابن قدامة في المغني: الصلح على الإِنكار صحيح. وبه قال مالك وأبو حنيفة. وقال الشافعي: لا يصح؛ لأنه عاوض على ما لم يثبت له فلم تصح المعاوضة؛ كما لو باع مال غيره. قال: ولنا عموم قوله ﷺ : "الصُّلْحُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ جَائِزٌ". فيدخل هذا في عمومه، إلى أن قال: وإذا كان المدعي معتقدًا أنما ادَّعاه حق، والمدعى عليه يعتقد أنه لا حق عليه، فيدفع إلى المدعي شيئًا افتداءً ليمينه، وقطعًا للخصومة وصيانة لنفسه من التبذل وحضور مجلس الحاكم، فإن ذوي النفوس الشريفة والمروءة يصعب عليهم ذلك، ويرون دفع ضرر ذلك عنهم من أعظم مصالحهم، والشرع لا يمنعهم من وقاية أنفسهم. ا. هـ. منه. (٣) وقوله: إن جاز على دعوى كل وعلى ظاهر الحكم، يريد به، والله تعالى أعلم، أن الصلح يشترط فيه أن يكون جائزًا على دعوى المدعي، وعلى دعوى المدعى عليه، وعلى ظاهر الحكم. قال الدسوقي: والحق أن هذه الشروط إنما هي معتبرة في الصلح على الإنكار، وأما الصلح على السكوت فإن المشترط فيه إنما هو جوازه على دعوى المدعي. قال: والمراد بقوله: وعلى ظاهر الحكم، كونه جائزًا على ما ظهر من الأحكام الشرعية، أي بأن

стр. 1190

وَلَا يَحِلُّ للظَّالِم (١)، فَلَوْ أقَرَّ بَعْدَهُ أوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ لَمْ يَعْلَمْهَا، أوْ أشْهَدَ وأعْلَنَ أنَّهُ يَقُومُ بِهَا، أوْ وَجَدَ وثِيقَتَهُ بَعْدَهُ، فَلَهُ نَقْضُه (٢) كمَن لمْ يُعْلِنْ أوْ يُقِرَّ سِرًّا فَقَطْ عَلى الأحْسَن فِيهِمَا، لَا إنْ عَلمَ بِبَيِّنَتِهِ وَلَمْ يُشْهِد، أوِ ادَّعَى ضَياعَ الصَّكِّ فَقِيلَ لَهُ: حَقّكَ ثَابِتٌ فائْتِ بِهِ، فَصَالحَ ثمَّ وجَدَهُ. وَعَنْ إِرْثِ زوجَةٍ مِنْ عَرْضٍ وَوَرِقٍ وذَهَبٍ بِذَهَبٍ، مِنَ التَّرِكَة (٣) قَدْرَ مَوْرِثِهَا مِنْهُ فَأقَلَّ أوْ أكْثَر، = يكون ذلك الصلح ليس فيه شيء من تلك الأحكام التي تقتضي المنع؛ كتهمة سلف جر منفعة. وكتهمة بيع الطعام قبل قبضه ونحو ذلك، ا هـ. منه بتصرف. - وقوله قبل: وجاز عن دين بما يباع به وعن ذهب بورق وعكسه، قال الحطاب: وجاز عن دين بما يباع به، هذا إذا كان المأخوذ من غير الجنس، وأما إذا أخذ عن دين من جنسه فإنه يجوز أن يأخذ منه أقل منه، ولا يجوز بيعه بأقل من جنسه، قال: كمائة دينار ودرهم عن مثلها، هذه مسألة المدونة. قال أبو الحسن عن ابن يونس: وسواء أخذ منه الدرهم نقدًا أو أخذ منه المائة دينار نقدًا، أو أخره بها لأنه لا مبايعة هنا وإنما قضاء وحطيطة، فلا تهمة في ذلك. قال: ولو كانت المائة الدينار أو المائة الدرهم لم تحل، لأنه: ضَعْ وَتَعَجَّلْ. ا. هـ. أخرج البيهقي في السنن الكبرى بسنده عن الزهري: أخبرني سالم أن عبد الله بن عمر كان إذا كان للرجل عليه الذهب أو الورق خيّره حين يقضيه؛ أي الصنفين أحب إليك؟ ثم يقضيه بصرف الناس، أو يصرف فيقضيه، فإذا قبل ذلك الرجل لم ير به عبد الله بأسًا. ا هـ. وأخرج بسنده كذلك عن سعيد مولى الحسن بن علي قال: كان لي على ابن عمر دراهم، فأتيته أتقاضاها فقال: إذا خرج عطائي قضيتك. قال: فخرج عطاؤه مائة دينار، فأتيته فقال لغلامه: اذهب بهذه الدنانير إلى السوق فإذا قامت على ثمن فاعطها إياه بدراهمه، وإن أحب أن يبيعها بالدراهم، فبعها واعطه دراهمه. ا. هـ. (١) وقوله: ولا يحل للظالم، نقل المواق عن المدونة، الصلح على الإِنكار جائز. قال ابن عرفة: باعتبار نقده، وفي باطن الأمر إن كان الصادق المنكر، فالمأخوذ منه حرام، وإلا فحلال. فإن وفى بالحق برئ وإلا فهو غاصب في الباقي. اهـ. منه.

стр. 1191

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = قال الدسوقي: وقوله: ولا يحل الصلح للظالم في نفس الأمر، أي فيما بينه وبين الله؛ وظاهره أن الصلح لا يحل للظالم ولو حكم له به حاكم يرى حله للظالم. وهذا موافق الآتي في القضاء، ورفع الخلاف لا أحل حرامًا. ا هـ. منه بتصرف. قلت: والدليل على أن حكم الحاكم لا يحل شيئًا للظالم هو ما أخرجه المنذري في مختصر أبي داود له: باب في قضاء القاضي إذا أخطأ: عن زينب بنت أم سلمة عن أم سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِن بَعْضٍ فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ بِشَيْءٍ فَلَا يَأْخُذْ مِنْه شيْئًا فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ". قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. قال الخطابي: فيه من الفقه وجوب الحكم بالظاهر، وأن حكم الحاكم لا يحل حرامًا ولا يحرم حلالًا، وأنه من أخطأ في حكمه فمضى، كان ذلك في الظاهر، فأما في الباطن وفي حكم الآخرة فإنه غير ماض. وفيه، أنه لا يجوز للمقضي له بالشيء أخذه، إذا علم أنه لا يحل له فيما بينه وبين الله، ألا تراه يقول:"فَلَا يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ". وأخرج البيهقي في السنن بسنده عن أبي رافع مولى أم سلمة عن أم سلمة، قالت: كنت عند النبي ﷺ جالسة، فجاءه رجلان من الأنصار يختصمان في أشياء قد درست وبادت، فقال النبي ﷺ : "إِنَّمَا أَقْضِي بَيْنَكُمَا فِيمَا لَمْ يَنْزِلْ عَلَيَّ فِيهِ شَيْءٌ فَمَنْ قَضَيْبُ لَهُ بِشَيْءٍ بِحُجَّةٍ أَرَاهَا فَأَقْتَطِعُ بِهَا مِنْ مَالِ أَخِيهِ ظُلْمًا أَتَى بِهَا أَسْطَامًا فِي عُنُقِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". فبكى الرجلان وقال كل واحد منهما: حقي له يا رسول الله. قال:"لَا، وَلكِنْ اذْهَبَا فَاسْتَهِمَا وَتَوَخَّيَا، ثُمَّ لْيُحَلِّلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا صَاحِبَهُ". اهـ. منه. (٢) وقوله: فلو أقر بعده إلى قوله: فله نقضه، لعله لما أخرجه البيهقي في السنن الكبرى بسنده عن المفضل بن غسان الغلابي: ثنا أبو داود، ثنا شريك عن أبي اسحاق، قال: كان لرجل على رجل ألف وخمسمائة درهم، فأبوا أن يُعطوه حتى حط الخمسمائة، فكتب عليه الكتاب وأبرأه ثم أخذ بالخمسمائة، فاختصموا إلى شريح، فقال للشهود: هل وضع الخمسماثة في كفه؟. فقالوا: لا. فأمر فرد عليه. قال الشيخ: ونحن أيضًا لا نجيز الحط إذا كان بشرط. اهـ. منه بلفظه. =

стр. 1192

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = (٣) وقوله: وعن إرث زوجة من عرض وورق وذهب بذهب، من التركة ألخ، لعله لما أخرجه البيهقي في السنن الكبرى بسنده عن عطاء، عن ابن عباس أنه كان لا يرى بأسًا بالمخارجة في الميراث. قال: وحدثنا سعيد بن منصور، ثنا أبو عوانة، عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه، قال: صولحت امرأة عبد الرحمن من نصيبها -ربع الثمن- على ثمانين ألفًا. وهذا محمول على أنها كانت عارفة بمقدار نصيبها. وقد روى الشعبي عن شريج أنه قال: أيما امرأة صولحت من ثمنها ولم تخبر بما ترك زوجها فتلك الريبة كلها. اهـ. منه. ولعل هذا أيضًا دليله قوله: إن عَرَفا جميعَها. تنبيهٌ: الصلح عند الشافعي يجري مجرئ المعاوضات، ولذلك لا يجوز عنده إلا فيما أوجب المال، ولا يجوز في دعوى القذف، ولا على دعوى الزوجية، ولا على مجهول، ولا أن يصالحه من دين له على مال نسيه، لأنه من باب الكالئ بالكالئ. قاله الخطابي في معالم السنن وقال: لا يجوز الصلح في قول مالك على الإِقرار، غير أن المواق نقل عند قول خليل أو السكوت ما نصه: الصلح على ثلاثة أضرب: على الإِقرار وعلى الإِنكار وعلى السكوت، وهو جائز في الوجوه الثلاثة ا. هـ. تنبيهٌ: وقول الخطابي: إن الصلح لا يصح على دعوى مجهولة هو مذهب الشافعي، قال لأنه فرع البيع ولا يصح البيع على مجهول، غير أن هذا الاجتهاد يرد عليه ما روي عن النبي ﷺ أنه قال في رجلين اختصما في مواريث درست: "اسْتَهِمَا وَتَوَخَّيَا، وَلْيُحَلِّلْ أَحَدكُمَا صَاحِبَهُ" الحديث، وقد تقدم تخريجه في الكلام على قول المصنف: ولا يحل للظالم، وهو صلح على مجهول. وقال المتيطي في الصلح على مجهول: يسجل بنحو: قام فلان على فلان يزعم أن قِبَله له حقًا لا يعرف قدره ولا مبلغه، ثم إن فلانًا المدعى عليه خشي أن تكون للقائم علاقة فيما مضى، وإن كان لا يعرف شيئًا من ذلك، فرأى أن يتحلل من دعواه بأن يدفع له كذا، فرضي بذلك فلان القائم وقطع حجته وأسقط التبعة. اهـ. انظر المواق. تنبيه: تقدم القول بأنه يستحب للقاضي أن لا يعجل بالقضاء بين الخصمين قبل أن يدعوهما إلى الصلح، تجنبًا للضغائن بينهما، لا سيما إذا كان الخصمان أهل قرابة ورحم، عملًا، بسنة عمر بن الخطاب ﵁، فقد أخرج البيهقي في السنن الكبرى بسنده عن أزهر عن محارب، قال: قال عمر رضىِ الله عنه: ردوا الخصوم حتى يصطلحوا، فإن فصل القضاء يحدث بين القوم الضغائن. =

стр. 1193

إنْ قَلّتْ الدَّرَاهِمُ، لَا مِنْ غَيْرِهَا مُطْلَقًا إلَّا بِعَرْضٍ، إن عَرَفَا جَمِيعَهَا وحَضَرَ وَأقَرَّ المَدِينُ وحَضرَ، وَعَنْ دَرَاهِمَ وعَرْضٍ تُركَا بِذَهَبٍ، كبَيْعٍ، وَصَرْفٍ، وإنْ كَانَ فِيهَا دَيْنٌ فَكَبَيْعهِ، وَعَنِ الْعَمْدِ بِمَا قَلَّ وَكَثُرَ (١)، لَا غَرَرٍ؛ كَرِطْلٍ مِنْ شَاةٍ، ولِذىِ دَيْنٍ مَنْعُهُ مِنْهُ، وَإنْ رُدَّ مُقَوَّمٌ بِعَيْبٍ أوِ اسْتُحِقَّ رُجِعَ بِقيمَتِهِ؛ كَنِكَاحٍ وَخُلْعٍ، وَإنْ قَتَلَ جَمَاعَةٌ أوْ قَطَعُوا، جَازَ صُلْحُ كُلٍّ والْعَفْوُ عَنْهُ، وَإنْ صَالحَ مَقْطُوعٌ ثُمَّ نُزِىَ فَمَاتَ فَلِلْوَليِّ لَا لَهُ رَدُّهُ وَالقْتَلُ بِقَسَامَةٍ؛ كأخْذِهِمُ الدِّيَةَ في الْخَطإ، وَإنْ وَجَبَ لِمَريضٍ عَلَى رَجُلٍ جَرْحٌ عَمْدًا، فَصَالحَ في مَرَضهِ بِأرْشِهِ أوْ غَيْرهِ، ثُمَّ مَاتَ مِنْ مَرضِهِ، جَازَ وَلَزِمَ، وَهَلْ مُطْلَقًا؟. أوْ إنْ صَالَحَ عَلَيْهِ، لَا مَا يَئُولُ إلَيهِ؟ تأويلَانِ. وَإنْ صَالحَ أحَدُ ولِيَّيْنِ فَلْلآخَرِ الدُّخُولُ مَعَهُ وَسَقَطَ الْقَتْلُ، كَدَعْوَاك صُلْحَهُ فَأنْكَرَ، وَإنْ صَالَحَ مُقِرٌّ بِخَطَإ بِمَالِه لَزِمَهُ، وَهَلْ مُطْلَقًا؟. أوْ مَا دَفَعَ؟ تَأويلَانِ. لَا إنْ ثَبَتَ وَجَهِلَ لُزُومَهُ، وَحَلَفَ وَرُدَّ إنْ طُلبَ بِهِ مُطْلقًا، أوْ طَلَبَهُ وَوُجدَ. وَإنْ صَالحَ أحَدُ وَلَدَيْنِ وَارِثَيْنِ، وَإنْ عَنْ إنْكَارٍ، = وأخرج أيضًا بسنده عن معروف بن واصل، عن محارب بن دثار، قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: ردوا الخصوم لعلهم أن يصطلحوا فإنه أبرأ للصدق وأقل للحنات. قال: وحدثنا يحيى، ثنا الحسن بن صالح عن علي بن بذيمة الجزري، قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: ردوا الخصوم إذا كان بينهم قرابة، فإن فصل القضاء يورث بينهم الشنآن. قال: وهذه الروايات عن عمر ﵁ منقطعة. والله أعلم. اهـ. منه. (١) وقول المصنف: وعن العمد بما قل أو كثر ألخ. دليله حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: "مَنْ قَتَلَ مُتَعَمدًا دُفِعَ إِلَى أَوُلِيَاءِ الْمَقْتُولِ فَإِنْ شَاءُوا قَتلُوا وَإنْ شَاءُوا أَخَذُوا الدِّيَةَ؛ وَهِيَ ثَلَاثُونَ حِقَّةً وَثَلَاثُونَ جَذَعَةُ وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً، وَذلِكَ عَقْلُ الْعَمْدِ، وَمَا صَالَحُوا عَلَيْهِ فَهُوَ لَهُمْ، وَذلِكَ تَشْدِيدُ الْعَقْلِ". رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وحسنه. قال الشوكاني: الحديث يأتي الكلام =

стр. 1194

فَلِصَاحِبِهِ الدُّخُولُ؛ كَحَقٍّ لَهُمَا في كِتَابِ أو مُطْلَقٍ، إلّا الطَّعَامَ فَفِيهِ تَرَدُّدٌ إلّا أنْ يشَخَصَ ويُعْذِرَ إِلَيْهِ في الخُروجِ أوَ الْوكَالَةِ، فيمْتَنِعُ وَإنْ لَمْ يَكنْ غَيْرُ المُقْتَضَى. أوْ يَكُونَ بِكتَابَيْنِ وَفيمَا لَيْسَ لَهُمَا وكُتِبَ فِي كِتَابٍ قَوْلَانِ. ولَا رُجُوعَ إِنْ اخْتَارَ مَا عَلى الْغَريمِ وَإنْ هَلَكَ. وَإنْ صَالَحَ على عَشَرَةٍ مِنْ خَمْسِينِهِ فَلِلآخَرِ إسْلَامُهَا أوْ أخْذُ خَمْسَةٍ مِنْ شَرِيكِهِ وَيَرْجِعُ بِخمْسَةٍ وأرْبَعينَ ويأخُذُ الآخَرُ خَمْسَةً. وإنْ صَالحَ بِمُؤخَّرٍ عَنْ مُسْتَهلَكٍ لَمْ يَجُزْ، إلَّا بِدَراهِمَ كَقيمَتِهِ فَأقَلَّ أوْ ذَهَبٍ كذلِك، وَهُوَ مِمَّا يُبَاعُ بِهِ كَعَبْدٍ آبِقٍ، وإنْ صَالحَ بشقْصٍ عَنْ مُوَضِّحَتَيْ عَمْدٍ وَخَطَإ، فَالشُّفْعَةُ بِنِصْفِ قِيمَةِ الشِّقْصِ وبِدِيَةِ المُوَضِّحَةِ، وَهَلْ كذلِكَ إنْ اخْتَلَفَ الجُرْحُ؟ تَأوِيلَان. = على ما اشتمل عليه في أبواب الديات، وإنما ساقه المصنف -يعني المجد- هنا للاستدلال بقوله فيه: "وَمَا صَالَحُوا عَلَيْهِ فَهُوَ لَهُمْ". فإنه يدل على جواز الصلح في الدماء بأكثر من الدية، اهـ. منه. خاتمة: السعي في الصلح والإِصلاح بين الناس من فضائل الأعمال، قال الله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أوْ إِصْلَاحٍ بَيْن النَّاسِ وَمَنْ يَفْعْلْ ذلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١). وأخرج البخاري في سنده عن أم كلثوم بنت عقبة أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلحُ بَيْنَ النَّاسِ؛ فَيَنْمِي خَيْرًا أَوْ يَقُولُ خَيْرًا". والله تعالى نرجوه التوفيق لما يرضى به عنا إنه سميع مجيب.

стр. 1195

كتاب الحوالة بَابٌ: شَرْطُ الْحَوَالَةِ رِضَا المُحِيلِ والمُحَالِ فَقَطْ (١)، وثبوتُ دَيْنٍ لَازِمٍ، فإن أعْلمَهُ بَعَدَمِهِ وَشَرَطَ البراءَةَ صَحَّ. وَهَلْ إلَّا أن يُفَلَّسَ أوْ يَمُوتَ؟. تأويلان. وَصِيغَتُهَا، وَحُلُولُ المُحَالِ بهِ وإنْ كتابة، لَا عَلَيْهِ، وَتَسَاوي الدَّينَيْنِ قَدْرًا وَصِفَةً. وَفي تَحَوُّلِهِ على الأَدْنَى تَرَدُّدٌ. وأن لَا يَكُونا طَعَامًا منْ بَيْعٍ، لَا كَشْفُهُ عَنْ ذمَّةِ المُحَال عَلَيْهِ. ويَتَحَوَّلُ حَقُّ المُحَالِ عَلى المُحَال عَلَيْهِ وَإنْ أفْلَسَ أوْ جَحَدَ، إِلَّا أنْ يَعْلَمَ المُحِيلُ بإِفلاسِهِ فَقَطْ (٢)، وَحَلَفَ على الكلام على الحوالة قال ابن قدامة في المغني: الحوالة ثابتة بالسنة والإِجماع؛ أمَّا السنة فحديث أبي هريرة المتفق عليه أن النبي ﷺ قال: "مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَإذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَليَتْبَعْ" قال البغوي: "أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ" بالتخفيف معناه: أحيل أحدكم على مليء "فَلْيَتْبَعْ" أي فليحتل، يقال: أتبعت غريمي على فلان فتَبْعَهُ أي أحلته فاحتال، وتبِعْتُ الرجل بحقي أتبعه تِباعة: إذا طالبته به، وأنا تبيعه. قال: ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا﴾ (١). أي تابعًا مطالبًا بالثأر. اهـ. منه. وقد أجمع أهل العلم على جواز الحوالة في الجملة. وقالوا إن اشتقاقها من تحويل الحق من ذمة إلى ذمة. وقد قيل: إنها بيع؛ فإن المحيل يشتري ما في ذمته بمال له في ذمة المحال عليه. قال ابن قدامة: والصحيح أنها عقد إرفاق منفرد بنفسه ليس بمحمول على غيره؛ لأنها لوكانت بيعًا لما جازت، لكونها بيع دين بدين، ولما جاز التفرق قبل القبض؛ لأنه بيع مال الربا بجنسه. اهـ. منه. وحدّها ابن عرفة بأنها طرح الدين عن ذمة بمثله في أخرى لامتناع تعلق الدين بما هو له. وقال ابن يونس: لم يختلف في جواز الحوالة وهي في الحقيقة بيع دين بدين، فاستثنيت منه لأنها معروف كاستثناء العرية من بيع الرطب بالتمر، اهـ. المواق. (١) قوله: شرط الحوالة رضا المحيل والمحال فقط، نسب المواق هنا لابن عرفة قوله: المذهب
следующие страницы →