الاقرار
بَابٌ: يُؤاخَذُ المُكَلَّفُ بلا حَجْرٍ بإقْرَارِهِ (١) لأِهْلٍ لَمْ يُكَذِّبْهُ وَلَمْ يُتَّهَمْ كَالْعَبْدِ في غَيْرِ الْمَالِ (٢) وأخْرَسَ ومَرِيضٍ إنْ ورِثَهُ وَلَدٌ لأبْعَدَ أوْ لِمُلَاطِفِهِ (٣)، أوْ لِمَنْ لَمْ يَرثْهُ أوْ لمجْهُولٍ حَالُهُ كَزَوْجٍ عُلِمَ بُغْضُهُ لَهَا أوْ جُهلَ، وَوَرِثَهُ ابْنٌ أوْ بَنُونِ، إلَّا أن تَنْفَردَ بالصَّغِير وَمَعَ الإِنَاثِ وَالعَصَبَةِ قَوْلَانِ، كإقْرَارِهِ لِلْوَلَدِ الْعَاقِّ أوْ لأمِّه، أَو لأَنَّ مَن لَمْ يُقَر لَهُ أَبْعَدُ وأقْرَبُ، لا المُسَاوي والأقْرَبِ، كأخِّرْني لِسَنَةٍ وَأنا أقِر وَرجَعَ للخُصُومَةِ وَلَزِمَ لِحَمْلٍ إنْ وُطِئَتْ وَوُضِعَ لأقَلَّهِ وإلَّا فَلأكْثَرِهِ، وسُوِّيَ بَيْن تَوْأمَيْهِ إلَّا لِبيَانِ الْفضْلِ، بِعَلَى أوْ في ذِمَّتِي، أوْ عِنْدِي، أوْ أخَذْتُ مِنْكَ ولو زَادَ إنْ شَاءَ اللهُ أوْ قَضى، أوْ وَهبْتَه لي، أوْ بعْتَهُ، أوْ وفَّيْتُهُ، أوْ أقْرَضْتَنِي، أوْ مَا أقرضْتَني أو أَلَمْ تُقْرِضْنِي، أوْ سَاهِلْني، أو اتَّزِنْهَا مِنِّي، أوْ لأقْضِينَّكَ الْيَوْمَ، أونَعَمْ، أوْبَلى، أوْ أجَلْ جَوابًا لألَيْسَ لي عِنْدَك؟ أوْ لَيْسَتْ لي مَيْسَرَةٌ.
كتاب الإِقرار
في الحطاب أن مادة الإِقرار، والقرار، والقر، والقارورة ونحو ذلك، من السكون والثبوت. لأن الإِقرار يثبت الحق، والمقر أثبت الحق به على نفسه. والقرار: السكون، والقر: البرد، وهو يسكن الدماء والأعضاء.
قال: ومنها قاعدة الإِقرار، والدعوى، والشهادة، كلها إخبارات، والفرق بينها أن الإِخبار إن كان يقتصر حكمه على قائله، فهو إقرار، وإن لم يقتصر: فإمَّا أن لا يكون للمخبر فيه نفع، وهو الشهادة، أو يكون، وهو الدعوى، قال: وقال ابن عرفة: الإِقرار لم يعرفوه وكأنه عندهم بديهي، ومن أنصف لم يدع بداهته، لأن مقتضى حال مدعيها أنه قول يوجب حقًا على قائله، والأظهر أنه نظري فيعرف بأنه خبر يوجب حكم صدقه عى قائله فقط، بلفظه أو لفظ نائبه.
وقال ابن قدامة لي المغني هو الاعتراف. والأصل فه الكتاب والسنة، والإِجماع، أما الكتاب: =
стр. 1227
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= فقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ - إلى قوله - قَالَ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ (٢). في آي كثيرة مثل هذا.
وأما السنة: فما روي أن ماعزًا أقر بالزنا، فرجمه رسول ﷺ ، وكذلك الغامدية وقال ﷺ : "اغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هذَا فَإِنِ اعْتَرفَتْ فَارْجُمْهَا".
وأَما الإِجماع، فإن الأمة أجمعت على صحة الإِقرار. قال: ولأن الإِقرار إخبار على وجه ينفي عنه التهمة والريبة، فإن العاقل لا يكذب على نفسه كذبًا يضر بها، ولهذا كان آكد من الشهادة، فإن المدعى عليه إذا اعترف لا تسمع عليه الشهادة، وإنما تسمع إذا أنكر، ولو كذَّب المدعي بينته لم تسمع، وإن كذب المقر ثم صدَّقه سمع، اهـ.
وقال الصنعاني: الإِقرار لغة الإِثبات. وفي الشرع: إخبار إنسان بما عليه. وهو ضد الجحود.
عن أبي ذر ﵁، قال: قال لي رسول اللُه ﷺ : "قُلِ الْحَقَّ وَلَوْ كَانَ مُرَّا". صححة ابن حبان من حديث طويل. قال: وقوله: "قُلِ الْحَقَّ" يشمل قوله على نفسه وعلى غيره، وهو مأخوذ من قوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (٣). الآية، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ (٤) الآية. قال: وفيه دلالة على اعتبار إقرار الإنسان على نفسه في جميع الأمور، وهو أمر عام لجميع الأحكام، لأن قول الحق على النفس هو الإخبار بما عليها مما يلزمها التخلص منه بمال أو بدن أو عِرْضِ. قال: وقوله "وَلَوْ كَانَ مُرًا" من باب التشبيه، لأن الحق قد يصعب إجراؤه على النفس، كما يصعب عليها إساغة المر لمرارته. ويأتي في باب الحدود والقصاص أحاديث في الإقرار. اهـ. منه باختصار.
(١) قول المصنف: يؤاخذ المكلف بلا حجر بإقراره، دليله، عمل رسول الله ﷺ ، فقد أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: أتى رجل رسول اللُه ﷺ وهو في المسجد فناداه فقال: يا رسول الله، إني زنيت. فأعرض عنه، حتى ردَّد عليه أربع مرات، فلما شهد على نفسه أربع شهادات، دعاه النبي ﷺ فقال: "أَبِكَ جُنُونٌ"؟ قال: لا. فقال: "هَلْ أحْصِنْتَ"؟ قال: نعم:
стр. 1228
لَا أُقِرُّ أوْ عَليَّ أوْ عَلى فُلَانٍ أوْ مِنْ أيِّ ضَرْبٍ تأخُذُهَا. مَا أبْعَدَكَ مِنْهَا، وفي حَتَّى يأتِيَ وَكِيلي وشِبْهِهِ أوْ اتَّزِنْ أوْ خُذْ، قَوْلانِ، كَلَكَ عَليَّ ألْفٌ فِيمَا أعْلَمُ أوْ أظُنُّ أوْ عِلْمي ولَزِمَ إنْ نُوكِرَ في أَلْفٍ مِن ثَمَنِ خَمْرٍ أوْ عَبْدٍ وَلَمْ أقْبِضْهُ، كدَعْوَاهُ الرِّبَا وَأقَامَ بَيِّنَةً أنَّهُ رَابَاهُ في ألْفٍ لَا إِنْ أقَامَهَا عَلى إقْرارِ المدَّعِي أنَّهُ لَمْ يَقَعْ بَيْنَهُمَا إلَاَ الرِّبَا، أوْ اشْتَرَيْتُ خَمْرًا بألْفٍ. أوْ اشْتَرَيْتُ عَبْدًا بألْفٍ ولَمْ أَقْبِضْهُ، أوْ أقْرَرْتُ بِكذَا وأنَا صَبِىٌّ كأنَا مُبَرْسَمٌ إنْ عُلمَ تَقَدُّمُهُ، أوْ أقَرَّ اعْتذَارًا، أوْ بِقَرْضٍ شُكْرًا على الأصَحِّ، وقُبِلَ أجَلُ مِثْلِهِ في بَيْعٍ لَا قَرْضٍ، وتَفْسِيرُ ألْفٍ في كألفِ دِرْهَمٍ وخَاتَمٍ فَصُّهُ لي نَسَقًا إلَاَ في غَصْبٍ فَقَوْلانِ.
= فقال النبي ﷺ : "اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ".
وأخرج البيهقي بسنده عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: جاء ماعز بن مالك ﵁ إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول اللُه، طهِّرني. فقال رسول الله ﷺ : "وَيْحَكَ، إرْجِعْ فَاسْتَغْفِرِ اللهَ وَتبْ إِلَيْهِ". فرجع غير بعيد ثم جاء فقال: يا رسول اللهُ، طهِّرني، فقال له النبي ﷺ : "ارْجِعْ فَاسْتَغْفِرِ اللهَ وَتبْ إِلَيْهِ". فرجع غير بعيد ثم جاء فقال: يارسول الله، طهِّرني، فقال له النبي ﷺ مثل ذلك، حتى إذا كانت الرابعة قال له النبي ﷺ : "مِمَّ أُطَهِّرُكَ"؟ قال من الزنا، فسأل النبي ﷺ "أَبِهِ جُنُونٌ"؟ فأخبر أنه ليس به جنون، فقال: "أَشَرِبْتَ خَمْرًا"؟. فقام رجل فاستنكهه فلم يجد فيه ريح خمر، فقال النبي ﷺ : "أَثَيِّبٌ أَنْتَ"؟ لَال: نعم. فأمر به النبي ﷺ فرجم، اهـ. منه، وسيأتي مزيد من هذا النوع في الحدود إن شاء اللهُ تعالى.
وأخرج البيهقي بسنده عن قتادة عن أنس أن جارية وجد رأسها بين حجرين فجيء بها إلى النبي ﷺ فقيل: من فعل بك هذا؟ أَفلان؟ أفلان؟ حتى سمى اليهودي فأومأت برأسها، فبعث إلى اليهودي فجيء به فاعترف قال: فأمر النبي ﷺ فَرُضَّ رأسُه بين حجرين. قال البيهقي: أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح من حديث همام بن يحيى. وأيضًا فقد تبت عن شريح أنه أقر عنده رجل ثم ذهب ينكر ما =
стр. 1229
لا بِجِذْعٍ وَبَابٍ فِيِ لَهُ مِنْ هذِهِ الدَّارِ أو الأرْضِ كَفِي عَلَى الأحْسَنِ، ومالٌ نِصَابٌ، والأحْسَنُ تَفْسيرُهُ كَشَيْءٍ وكذا، وسُجِنَ لَهُ، وكَعَشَرةٍ ونَيِّفٍ، وسَقَطَ في كَمِائةٍ وشيء وَكَذَا دِرْهَمًا عِشْرُونَ، وَكَذا وَكَذا أحَدٌ وعِشْروُنَ، وكَذَا كذا أحَدَ عَشَرَ، وَبِضْعٌ أوْ دَرَاهِمُ ثَلاثَةٌ، وكثيرةٌ أو لا كثيرةٌ وَلا قَلِيلَةٌ أرْبَعَةٌ، ودِرْهمٌ المتَعَارفُ وإلَّا فِالشَّرْعِيُّ، وقُبِلَ غِشُّهُ ونَقْصُهُ إنْ وَصَلَ، ودْرَهمٌ مَعَ دِرْهَمٍ أوْ تَحْتَه أوْ فوْقَهُ أوْ عَلَيْهِ أوْ قبْلَهُ أوَ بَعْدَهُ، أوْ فَدِرْهَمٌ أو ثُمَّ دِرْهَمٌ، دِرْهَمَانِ، وسَقَطَ في لا بل دِرْهَمانِ، وَدِرْهَمٌ دِرْهَمٌ أو بِدِرْهَم، دِرْهَمٌ، وحَلَفَ مَا أرَادَهُمَا، كإشْهَادٍ في ذُكْرٍ بمائَةٍ وفي آخر بمائةٍ وبمائةٍ وبمائتَين الأكْثَرُ، وجُلُّ المائَةِ أوْ قرْبُهَا أَوْ نَحْوُهَا الثُّلُثَانِ فأكْثَرُ بالاجْتِهَادِ، وهَلْ يَلزَمُهُ في عضَرَةٍ في عَشَرَةٍ عِشْرُونَ أَو مِائةٌ؟. قَوْلَانِ. وَثَوْبٌ في صَنْدُوقٍ وزَيْتٌ في
= أقر به أولًا، فحكم عليه شريح بإقراره، فقال: حكمت عليَّ بدون بينة. قال شريح: بل شهد عليك ابن أُخت خالتك. أخرجه في مصنف عبد الرزاق، وأخرجه البيهقي من رواية إبراهيم النخعي عن شريح. وقول المصنف: بلا حجر، يريد به أن المعجور عليه لا يجوز إقراره على نفسه بشيء، ودليله حديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ : "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ الصَّبِيِّ حَتى يَحْتَلِمَ وَعَنِ الْمَعْتوه حَتَّي يُفِيقَ، وَعَنِ النائِمِ حَتَّي يَسْتَيقِظَ". هكذا رواه البيهقي في السنن الكبرى بسنده عن حماد ابن سلمة عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة، تحت ترجمته باب: من لا يجوز إقراره.
تنبيهٌ: وهناك حديث: "وُضِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ والنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرهُوا عَلَيْهِ". أخرجه البيهقي تحت الترجمة المتقدمة، بسنده عن الوليد بن مسلم، عن مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر. ولعله استجلبه هنا للاستدلال به على أن المكره لا يجوز إقراره، ولا يؤاخذ به. والله أعلم.
وفي الحطاب عند قول خليل: يؤاخذ المكلف بلا حجر بإقراره، ما نصه: خرج بالمكلف إقرار المكره، فإنه غير مكلف على الصحيح؛ وقال القرطبي في شرح مسلم في آخر باب الديات: شرط صحة الإقرار أن لا يكون بإكراه، وأما المحبوس والمتهدد فاختلف في أخذه، قراره على ثلالة أقوال: =
стр. 1230
جَرَّةٍ، وفي لُزُومِ ظَرْفِهِ قَوْلَانِ، لَا دَابَّةٌ في اصْطَبْلٍ وألْفٌ إِنْ اسْتَحَلَّ أوْ أعَارَني لَمْ يلْزَمْ كإنْ حَلفَ في غَيْرِ الدَّعْوَى أوْ شَهِدَ فُلَان غيْر الْعَدْلِ. وهذِهِ الشَّاةُ أَوْ هذِهِ النَّاقَة لِزمَتْهُ الشّاةُ وَحَلَفَ عَلَيْهَا، وغَصَبْتُهُ مِنْ فُلَانٍ. لا، بَلْ مِنْ آخَرَ، فَهُوَ لِلْأوَّلِ، وقُضِيَ لِلثَّاني بِقيمَتِهِ، ولَكَ أحَدُ ثَوْبَيْنِ. عَيَّنَ، وإلًا فَإنْ عيَّنَ المُقَرُّ لَهُ أجْوَدَهُما حَلَفَ، وإنْ قَالَ: لا أدْرِي. حَلَفَا عَلى نَفْي الْعِلْمِ واشْتَركَا، والاسْتِثْنَاءُ هُنَا كغَيْرِهِ، وَصَحَّ لَهُ الدَّارُ والبَيْتُ لِي وبِغَيْرِ الجنْسِ كألْفٌ إلَّا عَبْدًا، وسَقَطَتْ قِيمَتُهُ، وإنْ أبْرأ فُلَانًا ممًا لَهُ قِبَلَهُ أوْ مِنْ كُل حَقً أوْ أبْرَأَهُ بَرئَ مُطْلَقًا، ومِنَ الْقَذْفِ والسَّرِقَةِ فَلَا تُقْبَلُ دَعْوَاهُ، وإنْ بِصَكٍّ إلَّا بِبيَّنَةٍ أنَهُ بَعْدَهُ وإنْ أبْرأهُ مِمَّا مَعَهُ بَرئَ مِنَ الأمانَةِ لا الدَّيْنِ.
= فقيل: يقبل جملة. وقيل: لا يقبل جممة، وفيل: يقبل إذا عين ما أقر به، ولا يقبل إذا لم يعين.
قلت: إنه انطلاقًا من مبدإ عدم اعتبار إقرار المكره، فإن ما تنتزع به الشرطة اليوم، في البلاد الإِسلامية، إقرار المتهمين، أقل أحواله أن يوصف بالإِكراه. والله تعالى أعلم. وهو حسبنا ونعم الوكيل. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
(٢) وقوله: كالعبد في غير المال، أي غير المأذون له، فيلزمه الإِقرار في غير المال؛ كجرحٍ أو قتل عمد، أو نحو ذلك مما فيه القصاص، وكسرقة بالنسبة للقطع دون المال، وأما المأذون له - ولو حكمًا - كالمكاتب فإنه يؤاخذ بإقراره في المال فيما في يده من مال التجارة. وقد وافق على أخذ العبد بإقراره فيما فيه قصاص أو قطع، كل من أبي حنيفة، والشافعي وخالف الإِمام أحمد.
قال ابن قدامة في المغني: وأما إقراره بما يوجب القصاص في النفس فالمنصوص عن أحمد أنه لا يقبل. ويتبع به بعد العتق، وبه قال زفر، والمزني، وداود، وابن جرير الطبري، قالوا: لأنه متهم في أنه يقر لرجل ليعفو عنه ويستحق أخذه فيتخلص بذلك من سيده. ا. هـ. منه.
(٣) وقوله: ومريض إن ورثه ولد لأبعد أو لملاطفه ألخ، تقريره: وكإقرار شخصر مريض بمال، ولو زاد على الثلث، لقريب في النسب، أو لصديق له ملاطف، فإنه يؤاخذ بهذا الإِقرار، بشرط أن =
стр. 1231
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= يكون ذلك المريض المقر موروثًا بولد سواء كان ذكرًا أو أنثى، أو بولد ولد، سواء كان الوارث يستحق بميراثه جميع المال كابن مثلًا، أو كان يستحق بعضه كابنة؛ ومفهوم المخالفة في قوله: لأبعد أو لملاطف، هو أنه إن أقر لأجنبي غير ملاطف، جاز الإقرار ولر لم يرثه ولد، لعدم اتهامه فيه.
ونقل المواق هنا عن ابن رشد: إن أقر المريض لوارث أبعد، ممن لم يقر له من الورثة، مثل أن يقر بعصبة وله أب، أو لأخ لأم وله أخ شقيق، أو لأب وله أم، جاز إقراره اتفاقًا، دهان أقر لصديق ملاطف أو لقريب غير وارث، فقيل: يجوز مطلقًا، وقيل لا يجوز إقراره إلَّا إن ورثه ولد، والقولان قائمان من المدونة. ا. هـ. منه.
قلت: أخرج البيهقي بسنده عن ليث عن طاوس قال: إن أقر المريض لوارث أو لغير وارث جاز، قال: وبلغني عن أبي يحيى الساجي أنه قال: روي عن الحسن، وعطاء، وعمر بن عبد العزيز أن إقراره جائز، وقال: قال البخاري: وقال الحسن: أحق ما يصدق به الرجل آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة، وقال البخاري: أوصى رافع بن خديج أن لا تكشف امرأته الفزارية عما أغلق عليه بابها. قال: وقال بعض الناس: لا يجوز إقراره لسوء الظن بالورثة، وقد قال رسول الله ﷺ : "إِيَّاكُمْ وَالظّنَّ فإنّ الظَّنَّ أَكَذبُ الْحَدِيثِ" ولا يحل مال المسلمين. والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا (١)﴾ فلم يخص وارثًا ولا غيره. اهـ. منه بتصرف قليل.
وهذا مذهب عطاء، والحسن، وإسحاق، وأبي ثور قالوا: يقبل إقراره لأن من صحَّ إقراره في الصحة صح في المرض، وهو احدى الروايتين عن الشافعي. وقال مالك: يصح إذا لم يتهم ويبطل إذا اتهم، وهو قول لا يمكن اعتباره لأن التهمة لا يمكن اعتبارها بنفسها لأنها ظن، وقد ثبت عن رسول اللُه ﷺ : "إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإنَّ الظَّنَّ اَكْذَبُ الْحَدِيثِ". وتد تقدم لك ما حكاه البخاري عن الحسن؛ أن أحق ما يصدق به الرجل آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة.
هذا، وبناء على ما أخرجه البخاري عن رافع بن خديج، وقد تقدم آنفًا، وأن الظن بعضه إثم، وأَنه أكذب الحديث، ولا يحل به مال المسلم، فقد ترجح عندي أن المريض يقبل إقراره في مرضه بملك سبق أن ملكه لولده الصغير مثلًا وأنه حازه له، أو بدين لأحد ورثته ونحو ذلك. والله تعالى أعلم. وهو الموفق.
стр. 1232
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= تنبيهٌ: في الحطاب عند قول المصنف: لا أقر، ما نصه: وصئل عن رجل جاء قومًا في مجلس فقال: أنا أشهدكم أن لي على فلان كذا وكذا دينارًا، وفلان ذلك مع القوم في المجلس. فسكت ولم يقل نعم ولا لا. ولم يسال الشهود عن شيء، ثم جاء يطلب ذلك قبله فأنكر أن يكون عليه شيء، قال: نعم، ذلك لازم إذا سكت ولم يقل شيئًا. قال محمد بن رشد: اختلف في السكوت هل هو إذن في الشيء وإقرار به على قولين مشهورين في المذهب. اهـ. منه.
قلت: هذه المسألة عقدها الشبخ علي الزقاق في المنهج المنتخب، فقال:
. . . . . . . . . . . . وهلْ … كمن أقر ساكت؟ وقد نقل
سليل رشد نفي كونه رضا … واختلفوا هل هو إذن وارتضى
نعم ببكر لا بغير للأثر … فمن فروع الأصل ما قد انكسر
بيد من قلَّب كالمكيال … والغرس والبنا وشبه تالي
وقد حكى الشيخ عن الأصحاب … الصمت كالإقرار في الإياب
والحوز، واليمين، واللعان … والعتق والنكاح والضمان
دعوى كديْن، تجر عبد، وكرا … . . . . . . . . . . . . . . .
وقوال الناظم: وقد حكى الشيخ عن الأصحاب، يعني به الشيخ ابن أبي زيد القيرواني ﵀، ذكر عنه أنه قال: إن المذهب عند أصحابنا أن السكوت في هذه الفروع التي عددها إقرار، وهي: الرجعة، فمن قال: راجعت زوجتي، فسكتت ثم تدعي بعد ذلك أن عدتها قد انقضت، فليس لها ذلك.
ومنها: الحوز، وهو أن يحوز شيئًا لغيره فيبيعه وهو يدعيه لنفسه، وصاحبه عالم ساكت لا ينكر بيعه، فإن ذلك يعد إقرارًا منه يقطع دعواه.
ومنها: مسألة اليمين؛ كأن يحلف لزوجته لا تخرج إلا بإذنه، فخرجت بغير إذنه وهو ينظر إليها ساكتًا، فإنه يحنث. =
стр. 1233
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= ومنها: مسألة اللعان، وهي أن يرى حملًا بزوجته فيسكت ولم ينكره، ثم بعد ذلك يريد أن ينفيه بلعان، فإنه لا يمكن من ذلك وعليه حد القذف.
ومنها: مسألة العتق، وهي فيما إذا سكت الغرماء عن عتق الغريم وطال ذلك، والحال أنه لا مانع لهم من القيام، فات عليهم.
وكذلك لو سكتوا حتى قسم الورثة ما تركه الغريم، والحال أنه لا مانع لهم من المطالبة بحقوقهم، فإن ذلك السكوت يفوت عليهم.
ومنها: مسألة النكاح، وأراد بها من عقد له وليه على امرأة، فسكت مدة، ثم قال: إني لا أرضى، فإن سكوته ذلك يفوت عليه.
ومنها: مسألة الضمان، وأراد بها من ضمن دينًا على غريم إلى أجل فحل الأجل. فصبر صاحب الدين على الغريم لشهر مثلًا، فلما انتهى الشهر قال للضامن: اقضني. فإن للضامن أن يقول: ليس علي شيء. لأن سكوته ذلك فوت عليه.
ومنها: مسألة دعوى الديْن، وأراد بها من يأتي رجلًا بشهود فيقول: اشهدوا أن لي عنده كذا وكذا. وهو ساكت، فإن ذلك يلزمه.
ومنها: مسألة الكراء، وأراد بها كراء الدور والأرضين، في الذي زرع أرض رجل بغير إذنه وهو عالم ولم ينكر، أو سكن داره بغير إذنه، وهو عالم ولم ينكر، فإن ذلك يفوت عليه. اهـ. انظر شرح المنهج لشيخنا محمد الأمين بن أحمد زيدان.
стр. 1234
كتاب الاستلحاق
فَصْلٌ: إنَّمَا يَسْتلحِقُ الأبُ (١) مَجْهُولَ النَّسَبِ إن لَمْ يُكَذِّبْهُ الْعَقْلُ لِصِغَرِه أوِ العَادَةُ إنْ لَمْ يَكُن رِقًّا لِمُكَذِّبِهِ أوْ مَوْلى لكِنَّهُ يُلْحَقُ بِهِ وَفيها أيْضًا يُصَدّقُ وَإنْ أَعْتَقَهُ مُشْتَرِيهِ إنْ لَمْ يُسْتَدَلَّ عَلى كَذِبِهِ وإنْ كَبِرَ أوْ مَاتَ وَوَرثَهُ إِنْ وَرِثَهُ ابْنٌ أوْ بَاعَهُ وَنُقِضَ وَرَجَعَ بِنَفَقَتِهِ إنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ خِدْمَةٌ عَلى الأرْجَحِ، وَإنْ ادَّعَى اسْتِيلَادَهَا بِسَابِقٍ فَقوْلَانِ فِيهَا، وَإنْ بَاعَهَا فَوَلَدَتْ فَاسْتَلْحَقَهُ لَحِقَ وَإنْ لَمْ يُصَدَّقْ فِيهَا إنْ اتُّهِمَ بِمَحَبَّةٍ أوْ عَدَمِ ثَمَنٍ أوْ وَجَاهَةٍ وَرَدَّ ثَمَنَهَا ولَحِقَ بِهِ الْوَلدٌ مُطْلَقًا، وَإنْ اشْتَرَى مُسْتَلْحَقَهُ والمِلْكُ لِغَيْرهِ عَتَقَ كَشَاهِدٍ رُدَّتْ شَهَادَتَهُ، وَإنْ اسْتَلْحَقَ غيْرَ وَلَدٍ لَمْ يَرِثْهُ إنْ كَانَ وَارِثٌ وإلَّا فَخِلَافٌ.
فصل في الاستلحاق
نقل المراق عن ابن شاس: روى ابن القاسم عن مالك أنه قال: الاستحسان تسعة أعشار العلم. وهذا الباب أكثره محمول على ذلك.
(١) قوله: إنما يستلحق الأب، نقل المواق عن ابن رشد قوله: لا خلاف أعلمه أن المرأة لا يجوز لها استلحاق. قال: ومن المدونة: وإن نظرت امرأة إلى رجل فقالت: ابني. ومثله يولد لها، وصدقها، لم يثبت نسبه منها؛ إذ ليس هناك أب يلحق به. وإن جاءت امرأة بغلام مفصول فادعت أنه ولدها لم يلحق بها في ميراث، ولا يحد من افترى عليه. قال: وفي كتاب ابن سحنون: قال مالك: ولا يصلح استلحاق الجد. قال ابن رشد: إن قال: هذا ابن ولدي. أو ولد ابني. لم يصدق، و إن قال. أبو هذا ابني. أو: والد هذا ابني. صُدِّق؛ لأن الرجل إنما يصدق في الحاق ولده بفراشه، لا في إلحاقه بفراش غيره؛ وهذا مما لا ينبغي أن يختلف فيه. اهـ. منه.
وفي الحطاب: أتى بأداة الحصر لينبه على أن الاستلحاق لا يصح إلَّا من الأب فقط. وهذا هو المشهور.
стр. 1235
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= قلت: يرد على هذا الحصر ما ثبت في صحيحي مسلم والبخاري عن عائشة ﵂ قالت: اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة إلى رسول اللهُ ﷺ ، في ابن أمة زمعة، فقال سعد: أوصاني أخي عتبة إذا قدمت مكة أن أنظر إلى ابن أمة زمعة فأقبضه فإنه ابنه. وقال عبد بن زمعة: أخي، ابن أمة أبي، وُلد على فراش أبي. فرأى رسول الله ﷺ شبَهًا بينًا بعتبة، فقال: "الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَللْعَاهِرِ الْحَجَر. وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَة". وفي رواية: "هُوَ أَخوكَ يَا عَبْدُ". هذا لفظ مختصر سنن أَبي داود للحافظ المنذري وقال: أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة، وهذه الزيادة رجال إسنادها ثقات. يعنىِ بالزيادة قوله: "هُوَ أَخوكَ يَا عَبْدُ".
قال الصنعاني على بلوغ المرام: وفي الحديث دليل هلى أن لغير الأب أن يستلحق الولد، فإن عبد ابن زمعة استلحق أخاه بإقراره أن الفراش لأبيه، وظاهر الرِّواية أن ذلك يصح وإن لم يصدقه الورثة، فإن سودة لم يذكر عنها تصديق ولا إنكار، إلا أن يقال: إن سكوتها قائم مقام الإقرار.
قلث: عدم ذكر سودة بتصديق ولا إنكار بين سببه؛ وهو أنها ليست من ورثة زمعة في شيء، فإن زمعة بن قيس بن عبد شمس العامري مات كافرًا، والعياذ بالكه، ومعلوم أنه لا يرث مسلم كافرًا. وقال الخطابي في معالم السنن: قد ورد أنه لم يكن لزمعة وارث غير عبد بن زمعة. إلى أن قال: والاعتبار في هذا إنما هو بقول من استحق المال بالإِرث، سواء كان ذلك من نسب أو زوجية، فلو كان له ابن واحد، فادَّعى أخًا ألحق به، لأنه جميع الورثة. ا. هـ. محل الغرض منه.
والحاصل أن قوله ﷺ : "هُوَ أَخوكَ يَا عَبْدٌ". كما أخرجه البخاري، فيه دليل على ثبوت النسب باستلحاقِ غير الأب بدون مكابرة.
وأما قوله ﷺ : "وَاحْتَجِبيِ مِنْهُ يَا سَوْدَةُ" هو أن هذا الفرع من الشريعة -أعني واقعة الحال في النزاع في ابن زمعة- تنازعه أصلان من أصول الشريعة الغراء هما: إلحاق الولد بالفراش، والثاني: هو إلحاقه بمن ألحقته به القافة. وسنبين أدلة الإلحاق بالقافة في محله إن شاء الله، فلما تناوله الحكم بموجب كل واحد من الأصلين، ألحقه ﷺ بأقوى الأصلين سببًا، وهو الفراش، فقال: "الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، هُوَ أَخُوك يَا عَبْدُ". ثم التفت إلى أم المؤمنين وقال لها: "احْتَجِبي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ" على سبيل الورع والاحتياط لأمهات المؤمنين، والاستظهارِ والتنزه عن الشبه، فإن لهن في هذا الباب ما ليس =
стр. 1236
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= لغيرهن، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (١). الآية.
قال ابن القيم في تهذيب السنن: وأما أمر سودة -وهي أخته- بالاحتجاب منه. فإنه يدل على أصل، وهو تبعيض أحكام النسب، فيكون أخاها في التحريم والميراث وغيره، ولا يكون أخاها في المحرمية والخلوة والنظر إليها. لمعارضة الشبه للفراش، فأعطى الفراش حكمه من ثبوت الحرمة وغيرها، وأعطى الشبه حكمه من عدم ثبوت المحرمية لسودة، وهذا الباب من دقيق الشرع وأسراره، قال: ومن نبا فهمه عن هذا، وغلظ عنه طبعهُ فلينظر إلى الولدِ من الرضاعة كيف هو اين في التحريم لا في الميراث، ولا في النفقة، ولا في الولاية، قال: وبالجملة فهذا من أسرار الفقه، ومراعاة الأوصاف التي تترتب عليها الأحكام. ا. هـ. منه بتصرف.
قلت: هذه القاعدة الفقهية عقدها الشيخ علي بن قاسم الزقاق في المنهج المنتخب بقوله:
إنْ دار فرعٌ بين أصلين وقدْ … تعذر الجمع يقدم الأسدَّ
فقوله: يقدم الأسد، أي الأكثر سدادًا واستقامة، أي أنه إن دار فرع بين أصلين يغلب الأقوى منهما دليلُا.
وأيضًا فقد تعرض الشيخ علي الزقاق في المنهج المنتخب إلى ما ذكره ابن القيم ﵀؛ أن من أسرار التشريع ورود حكم بين حكمين. قال في المنهج:
. . . . . . . . . . . . هل ورد … الحكمُ بَيْنَ بَيْنَ؟ كَوْنَة اعْتَقِدْ
كالبيع مع شرط يصح وبطلْ … وحكمُ زنديق وشبهه نُقِلْ
ومعناه: اختلف في ورود حكم بين حكمين؛ فأثبته أهل مذهب مالك، وهو أصل من أصولهم، ونفاه الشافعية، ويعمل بهذا الأصل عد من أثبته، في بعض صور تعارض الأدلة فيها، والحال أنه لا ترجيح، كما لو أشبه الفرع أصلين ولم يترجح أحد الشبهين. ومثلوا له بالبيع مع شرط حيث يحكم بصحة البيع وبطلان الشرط في مسائل، فإنه حكم ببطلان وصحة، والعقد واحد؛ ومثلوا له أيضًا بمسألة الزنديق؛ فإنه يقتل لما أبطن من الكفر، ويرث لما أظهر من الإِيمان، فلم يتمحض فيه حكم الكفر ولا
стр. 1237
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الإيمان، فهو حكم بين حكمين، وبالله التوفيق.
وفي الموطإ بعد ما ساق حديث عائشة ﵂ في خبر سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة في نزاع ابن وليدة زمعة:
وحدثني مالك عن زيد بن عبد الله الهادي، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن سليمان ابن يسار، عن عبد الله بن أبي أمية، أن امرأة هلك عنها زوجها فاعتدت أربعة أشهر وعشرًا، ثم تزوجت حين حلت، فمكثت عند زوجها أربعة أشهر ونصف شهر، ثم ولدت ولدًا تامًا، فجاء زوجها إلى عمر ابن الخطاب فذكز ذلك له، فدعا عمر نسغ من نساء الجاهلية قدماء فسألهن عن ذلك، فقالت امرأة منهن: أنا أخبرك عن هذه المرأة، هلك عنها زوجها حين حملت فأهريقت عليه الدماء فَحُشَّ ولدها في بطنها، فلما أصابها زوجها الذي نكحها وأصاب الولد الماء تحرك الولد في بطنها وكبر، فصدَّقها عمر ابن الخطاب وفرَّق بينهما. وقال عمر: أما إنه لم يبلغني عنكما إلّا خيرٌ، وألحق الولد بالأول.
قلت: تكررت هذه المسألة بعينها عام ١٣٨٤ هـ. ببعض البلاد الأفريقية حين توفي رجل كان يحدث بعض أصدقائه -حين طلبوا منه التأني معهم بعض الشيء قبل أن يرجع لأهله- فأخبرهم أن سبب استعجاله هو أنه ترك زوجته بها حمل ولا يريد البطء عنها، فأصيب، عليه رحمة الله، في حادث سيارة في وجهه ذلك، فاعتدت المرأة أربعة أشهر وعشرًا ولم تظهر ريبة، فتزوجها أحد بني عمومتها. ولما مكثت عنده أربعة أشهر وكثيرًا من الخامس نفست، فجاءت ببنت، فلما رفعت القضية لقاضي البلدة، فرق بين الزوجين وألحق البنت بالأول. وسبحان الله فإنها نفس القضية التي وقعت في زمن عمر ابن الخطاب تكررت في آخر القرن الرابع عشر الهجري. فسبحان القادر على كل شيء.
وأما ما نقله المواق عن ابن رشد أنه لا خلاف يعلمه أن المرأة لا يجوز لها أن تستلحق، فهذا ابن قدامة ينقل عن أحمد بن حنبل في رواية ابن منصور، في امرأة ادعت ولدًا، قال: فإن كان لها إخوة أو نسب معروف، فلابد من أن يثبت أنه ابنها، فإن لم يكن لها دافع، فمن يحول بينها وبينه؟ قال: وهذا لأنها متى كانت ذات أهل فالظاهر أنه لا تخفى عليهم ولادتها، فمتى ادَّعت ولدًا لا يعرفونه فالظاهر كذبها، قال: ويحتمل أن تقبل دعواها مطلقًا، لأن النسب يحتاط له، فأشبهت الرجل، اهـ. منه بلفظه.
стр. 1238
وَخَصَّهُ المخْتَارُ بِمَا إذا لَمْ يَطُلْ الإِقْرَارُ، وَإنْ قَالَ لأوْلَادِ أمَتِهِ: أحَدُهُمْ وَلَدِي. عُتِقَ الأصْغَرُ وثُلُثَا الأوْسَطِ وثُلُثُ الأكبرِ، وَإنْ افْتَرقَتْ أمَّهَاتُهُمْ فَوَاجِدٌ بِالْقُرْعَةِ، وَإِذَا وَلَدَتْ زَوْجَةُ رَجُلٍ وَأَمَةُ آخَرَ وَاخْتَلَطَا، عَيَّنَتْهُ القَافَةُ (١)، وعَن ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ وجَدَتْ مَعَ ابْنَتِهَا أُخْرى: لا تُلْحَقُ بِهِ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا، وإنَّمَا تَعْتَمِدُ الْقَافَةُ عَلَى أَبِ لَمْ يُدْفَنْ، وإنْ أقَر عَدْلَانِ بثَالثٍ ثَبَتَ النَّسَبُ، وعَدْلٌ يَحْلِفُ مَعَهُ وَيَرِثُ ولَا نَسَبَ، وإلَّا فَحِصَّة المُقِرِّ كَالْمَال؛ وَهذا أخِي بَلْ هذا فَللأوَّلِ نِصْفُ إِرْثِ أبِيهِ وللثَّاني نِصْفُ مَا بَقِيَ، وإنْ تَرَكَ أمًّا وَأخًا فَأقَرتْ بِأخٍ فَلَهُ مِنْهَا السُّدُسُ، وإنْ أَقَرَّ مَيَتٌ بأنَّ فُلانَةَ جَاريَتهُ ولَدَتْ مِنْهُ فُلَانَةَ، وَلَهَا ابْنَتَانِ أيْضًا وَنَسِيَتْهَا الْوَرَثَةُ والبيِّنَةُ، فَإنْ أقَرَّ بِذلِكَ الْوَرَثَةُ فَهُنَّ أحْرَارٌ وَلهُنَّ مِيراثُ بِنْتٍ وإلَّا لَمْ يَعْتِقْ شَيْءٌ وَإنْ اسْتَلْحَقَ وَلَدًا ثُمَ أنْكَرَهُ ثُمَ مَاتَ الْوَلَدُ فَلَا يَرثُهُ وَوُقِفَ مَالُهُ، فَإنْ مَاتَ فَلِورَثَتِهِ، وقُضي بِهِ دَيْنُهُ، وَإنْ قَامَ غُرَمَاؤُةُ وهو حَيٌّ أخَذوه.
(١) وقوله: عينته القافة: دليل ثبوت النسب بالقافة هو ما أخرجه الحافظ المنذري في مختصر سنن أبي د أود. قال: عن عائشة قالت: دخل علي رسول الله ﷺ قال مسدد وابن السرح: يومًا مسرورًا، وقال عثمان: تعرف أسارير وجهه، فقال: "أي عَائِشَةُ، أَلَمْ تَرَيْ أنً مُجَزَزًا المُدْلِجى رَأَى زَيْدًا وَأُسَامَةَ وَقَدْ غَطَّيَا رُؤُوسَهُمَا بِقَطِيفَةٍ، وَلَدَتْ أقْدَامُهُمَا، فقال: هذِهِ الَأقْدَامُ بَعْضُهَا مِنْ بِعْض"؟. وفي رواية: تبرُقُ أسارير وجهه، وقال: أخرجه البخاري ومسلم والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
قال أبو سليمان الخطابي في معالم السنن: فيه دليل على ثبوت أمر القافة، وصحة لقولهم في إلحاق الولد، وذلك أن رسول اللُه ﷺ لا يظهر السرور إلَّا بما هو حق عنده، وكان الناس قد ارتابوا بأمر زيد بن حارثة وابنه أسامة، فقد كان زيد أبيض، وجاء أسامة أسود، فلما رأى الناس ذلك تكلموا بقول كان يسوء رسول الله ﷺ سماعُه، فلما سمع هذا القول من مجزز فرح به وسُرِّي عنه، قال: وممن أثبت الحكم بالقافة: عمر بن الخطاب، وا بن عباس، وعطاء، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، =
стр. 1239
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وعامة أهل الحديث، ا. هـ. منه.
وقال أصحاب الرأي: إذا ادعاه اثنان، يقضى به لهما، وأبطلوا الحكم بالقافة والحديث حجة عليهم.
ومن أدلة ثبوت الشبه قوله في قصة المتلاعنين: إن جاءت به على صفة كذا فهو لفلان. فإنه دليل الالحاق بالقافة، ولكن الإيمان منعته عن الإِلحاق، ولذلك فقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: "لَوْلَا الْأيْمَانُ لَكَانَ لِي مَعَهَا شَأْنٌ". أو كما قال ﷺ .
ومما يستدل به في هذا الصدد قوله ﷺ لإِحدى أمهات المؤمنين عندما تساءلت: أو تحلم المرأة؟ قال: "فَمِنْ أَيْنَ يَكوُنُ الشَّبَهُ"؟.
ومن ذلك أمره ﷺ أم المؤمنين سودة بالاحتجاب من أخيها، وقد تقدم ذكر ذلك، وإنما أمرها لما رأى من شبه الولد بعتبة بن أبي وقاص. ويستأنس في هذا القبيل بحديث الصحيحين أنه ﷺ قال للذي ذكر له أن امرأته أتت بولد على غير لونه، قال: "وَلَعَلَّهُ لِعِرْقٍ نَزَعُهُ". لكن القافة إن عارضها الفراش قضي لصاحبه في ثبوت النسب لقوة سببه. وبالله تعالى التوفيق.
فائدة: ذكر الحطاب أن الحد ولحوق الولد قد يجتمعان، وذلك في خمس مسائل: منها: الرجل تكون عنده الجارية فتلد منه ثم يقر بأنه اغتصبها، فيحد ويلحق به الولد للتهمة التي تلحقه في محاولة قطع نسبه منه.
ومنها: من اشترى أمة فولدت ثم استحقت بحرية، فذكر أنه علم أنها كانت حرة ووطئها بعد ما علم بحريتها، فيلزمه الحد ويلحق الولد به.
ومنها: من اشترى جارية على الخيار من اثنتين، فأقر أنه اختار واحدة ثم وطئ التي لم يقع اختياره عليها فحملت منه. فإنه يحد ويلحق الولد به.
ومنها: من اشترى جارية ووطئها فطالبه بائعها بثمنها فيقول الواطئ: إنما تركتها عندي أمانة ووديعة، فإنه يحد، ويلحق الولد به.
ومنها: الرجل يتزوج بأم امرأته عالمًا بذلك فتلد منه، فإنه يحد ويلحق الولد به. قال: وليس ذكر هذه المسائل على سبيل الحصر، بل الضابط أن كل حد يثبت بالإقرار وشقط بالرجوع عنه، فالنسب ثابت منه، وكل حد لازم ثابت بالرجوع عنه، فالنسب معه غير ثابت ا. هـ. منه. =
стр. 1240
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= فائدة أخرى: نسب الحطاب للسهيلي في شرح السيرة، في حديث الأسراء، ومروره على النساء اللَّاتي أدخلن على الرجال ما ليس منهم من الأولاد: فإن بلغ الضبي وتابت أمه فأعلمته أنه لغير رشدة، ليستعفف عن ميراثهم ويكف عن الاطلاع على عوراتهم، أو علم بذلك بقرينة حال، وجب عليه ذلك، وإلَّا كان شر الثلاثة؛ كما في الحديث في ابن الزنا أنه شر الثلاثة، قال: وقد يُؤَوَّلُ على وجوه هذا أقربها إلى الصَّواب. ا. هـ.
وقيل في تأويله: أي إذا عمل بعمل أبويه.
قال: وقال الشعبي: ولد الزنا خير الثلاثة إذا اتّقى الله، قيل له: فقد قيل إنه شر الثلاثة، قال: هذا شيء قاله كعب، لو كان شر الثلالة لم تنتظر بأمه ولادته، وكذلك قال ابن عباس، وقال ابن مسعود: إنما قيل شرهم في الدنيا، ولو كان شرهم عند الله ما انتظر بامه أن تضع. وقال عمر بن الخطاب: أكرموا ولد الزنا وأحسنوا إليه. وقال ابن عباس: هو عبد من عبيد الله؛ إن أحسن جوزي، وإن أساء عوقب؛ وقال عمر: اعتقوا أولاد الزنا وأَحسنوا إليهم. واستوصوا بهم. ا. هـ. منه.
стр. 1241
كتاب الوديعة
بَابٌ: الإِيدَاعُ تَوْكِيلٌ بِحِفْظِ مَالٍ (١) تُضْمَنُ بِسُقُوطِ شَيْءٍ عَلَيْهَا (٢)، لَا إنْ انْكَسَرَتْ في نَقْلِ مِثْلِهَا، وبخَلْطِهَا إلَّا كَقَمْحٍ بِمِثْلِهِ أوْ دَرَاهِمَ بدَنَانِيرَ للإِحْرَازِ ثُمَّ إنْ تَلِفَ بَعْضُهُ فبَيْنَكُمَا إلَّا أنْ يَتَمَيَّزَ، وبانْتفَاعِهِ بها أوْ سَفَرِه إنْ قَدَرَ عَلى أمِين إلَّا أنْ تُردَّ سَالِمَةً (٣)، وَحَرُمَ سَلَفُ مُقَوَّمٍ ومُعْدِمٍ، وكُرهَ النَّقْدُ، والمِثْلِيُّ، كالتِّجَارةِ والرِّبْحُ لَهُ (٤) وَبَرِئ إنْ رَدَّ غَيْرَ المُحَرَّمِ إلَّا بإذْنٍ أوْ إنِ احتْجْتَ فَخُذْ، وضَمِنَ المأخوذَ فَقَطْ. أَوْ بِقُفْل بِنَهْي أوْ بِوَضْعٍ بِنُحَاسٍ فِي أمْرِهِ بِفَخَّارٍ، لَا إِنْ زَادَ قُفْلًا أو عَكَسَ فِي الفَخارِ أوْ أمَرَ بِرَبْطٍ بِكُمٍّ فَأخَذَهَا بالْيَدِ كجَيْبهِ عَلى المخْتَار، وبِنسْيَانِهَا في مَوْضِعِ إيدَاعِهَا.
كتاب الوديعة
قال الصنعاني في تعريف الوديعة: هي العين التي يضعها مالكها أو نائبه عند آخر ليحفظها. وهي مندوبة، إذا وثق من نفسه بالأمانة، لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (١) الآية. ولقوله ﷺ : "وَالله في عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ في عَوْنِ أَخِيهِ". أخرجه مسلم، وقد تكون واجبة، إذا لم يكن من يصلح لها غَيره، وخيف الهلاك عليها إن لم يقبلها. ا. هـ. منه.
(١) وقوله: الإيداع توكيل بحفظ مال، هو تعريف للإِيداع، وحقيقته أنه استنابة في حفظ مال.
قال المواق: وللوديعة عاقبتان: رد عند البقاء. وضمان عند التلف، فأما الضمان، فلا يجب إلا عند التقصير.
وقال الحطاب: قال في اللباب: أركانها ثلاثة: الصيغة، والمودعَ، والمودع؛ أما الصيغة فهي لفظ أو ما يقوم مقامه، يدل على الاستنابة في حفظ المال اهـ. وقال الذخيرة: قال الشافعي: تفتقر للإيجاب والقبول كالوكالة، وأصلنا يقتضي عدم الاشتراط فيهما كما تقرر في البيع، قال: ونزلت مسألة، وهي أن رجلًا كان جالسًا فجاء إنسان فوضع أمامه متاعًا ثم ذهب فقام الجالس وتركه، فذهب المتاع، فالظاهر ضمانه؛ لأن سكوته حين وضع المتاع يدل على قبوله للوديعة. اهـ. منه بلفظه. =
стр. 1242
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= قلت: يتجه تضمينه إذا كان المكان خاصًا به، يملك منع من وضع متاعه به، أما إذا كان في مكان عام لا يستطيع منعه من وضع متاعه به، فكيف يتجه تضمينه؟
(٢) وقوله: تضمن بسقوط شيء عليها: نقل المواق عن أشهب وعبد الملك: من أودع جرارًا فيها إدام، أو قوارير فيها دهن، فنقلها من موضع في بيته. إلى موضع، فانكسرت في موضعها ذلك لم يضمنها، ولو سقط عليها شيء من يده فانكسرت، أورمى بشيء في بيته يريد غيرها فأصابها، فانكسرت ضمنها. انتهى.
قلت: المودع -بفتح الدال- ضامن في حالتين: إن قصر في الحفظ، أو تعدى، والظاهر أن غلبة الظن في ذلك تكفي في تضمينه، وذلك لما أخرجه عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن قتادة قال:
كان عند أنس بن مالك وديعة، فهلكت من بين ماله، فضمَّنه إياها عمر بن الخطاب، فقال معمر: لأن عمر اتهمه، يقول: كيف ذهبت من بين مالك؛ وهذا الأثر أخرج مثله البيهقي بسنده إلى الشعبي عن أنس بن مالك، قال: استودعت مالًا فوضعته مع مالي فهلك من بين مالي، فرفعت إلى عمر فقال: إنك لأمين في نفسي، ولكن هلكت من بين مالك فضمنته ا. هـ. منه.
تنبيهٌ: ذكر الحطاب: يجب حفظ الوديعة من التلف، ولو أذن ربها في التلف. ويضمن إن فعل، قال ابن سلمون في كتاب الاستغناء: إذا قال رب الوديعة: ألقها في البحر أو في النار. ففعل، فهو ضامن للنهي عن إضاعة المال، كمن قال لرجل: اقتلني. أو: اقتل ولدي، قال الحطاب: ولا شك في الحرمة، وأما وجوب الضمان ففيه نظر. والظاهر دخول الخلاف فيه لإِذن المالك في ذلك. اهـ. منه.
والذي لا شك فيه -لكثرة الأدلة عليه- هو وجوب حفظها والترغيب في أدائها. فقد أخرج البيهقي بسنده عن الزهري قال: أخبرني سالم بن عبد الله، عن عبد اللهُ بن عمر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ؛ الْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ، وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ" قال: فسمعت هؤلاء من رسول الله ﷺ وأحسب أن رسول الله ﷺ قال: "وَالرَّجُلُ فِي مَالِ أَبِيهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ". - لفظ حديث علي بن محمد =
стр. 1243
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= بن عيسى -رواه البخاري في الصحيح عن أبي اليمان، وأخرجه مسلم من وجه آخر عن الزهري. اهـ. منه بلفظه.
وأخرج البيهقي بسنده أيضًا عن حماد بن سلمة، عن داود بن أبي هند، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ فَهُوَ مُنَافِقٌ، وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ".
قال البيهقي: رواه مسلم في الصحيح عن أبي نصر التمار وعبد الأعلى بن حماد.
وأخرج البيهقي بسنده أيضًا عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "آيَةُ الْمُنافِقِ ثَلَاث: إِذَا حَدَثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإذَا ائْتُمِنَ خَانَ". قال البيهقي: رواه البخاري في الصحيح عن أبي الربيع ورواه مسلم عن قتيبة ويحيى بن أيوب عن إسماعيل.
وأخرج البيهقي أيضًا بسنده عن أنس بن مالك قال: فلما خطبنا نبينا ﷺ أو قال: النبي ﷺ إلا قال في خطبته: "لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَة، وَلَا دِين لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ".
وأَخرج البيهقي أيضًا بسنده عن عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب بن حنطب، عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : "اضْمَنُوا لِي سِتًّا مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَضْمَنْ لَكُمُ الْجَنَّةَ: اصْدُقُوا إِذَا حَدَّثْتُمْ، وَأَوْفُوا إِذَا وَعُدْتُمْ، وَأَدُّوا إِذَا ائْتُمِنْتُمْ، وَاحْفَظُوا فُرُوجَكُمْ، وَغُضُّوا أَبْصَارَكُمْ، وَكُفُّوا أَيْدِيَكُمْ".
وأخرج بسنده عن عبد الرزاق، عن معمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: لا يغرنك صلاة الرجل ولا صيامه، من ضاء صام ومن شاء صلى، ولكن لا دين لمن لا أمانة له.
وأخرج بستده عن عبد العزيز بن عمر، عن عبيد بن أبي كلاب أنه سمع عمر بن الحطاب ﵁ يقول وهو يخطب الناس: لا يعجبنكم من الرجل طنطنته، ولكنه من أدَّى الأمانة، وكف عن أعراض الناس فهو الرجل. اهـ. منه.
كل هذه الآثار استجلبها البيهقي، واستجلب غيرها تحت عنوان باب: في الترغيب فى أداء الأمانات.
أما ما ورد في تضمين المودع -بالفتح- إن قصر أو خالف، وأنه لا ضمان على مؤتمن إذا لم تقع =
стр. 1244
وبدُخولِهِ الْحمَّامَ بِهَا، وبخرُوجِه بِها يَظُنُّهَا لَة فَتَلِفَتْ، لا إنْ نَسِيَهَا في كُمِّهِ فوَقَعَتْ، ولَا إنْ شَرَطَ عَلَيْه الضَّمَانَ، وَبإيدَاعِهَا وَإنْ بِسَفَرٍ لِغَيْرِ زَوْجَةٍ أوْ أمَةٍ اعْتيدَا بذلِكَ إِلَّا لِعَوْرَةٍ حَدَثَتْ أو لِسَفَرٍ عِنْدَ عَجْزِ الرَّدِّ، وإنْ أودعَ بِسَفَرٍ، وَوَجَبَ الإِشْهَادُ بِالْعُذْرِ، وبَرِئ إنْ رَجَعَتْ سَالِمةً وعَليْهِ اسْتِرجَاعُهَا إِنْ نَوَى الإِيابَ وبِبَعْثِهِ بِهَا وبإنْزائهِ عَلَيْهَا فَمُتْنَ وَإنْ مِنَ الْوِلَادَةِ كَأمَةٍ زَوَّجَهَا فَمَاتَتْ مِنَ الوِلَادَةِ، وبِجَحْدِهَا ثُمَّ في قَبُولِ بِيِّنَةِ الرَّدِّ خِلَافٌ، وبمَوْتهِ وَلَمْ يُوصِ وَلَمْ توجَدْ إلَّا لِكَعَشْرِ سِنينَ، وأخَذَهَا إنْ ثَبَتَ بِكِتَابَةٍ عَلَيْهَا أَنَّهَا لَهُ أنَّ ذلِكَ خَطُّهُ أوْ خَطُّ المَيِّتِ، وبِسَعْيِهِ بِهَا لِمُصَادِرٍ، وبِمَوْتِ المُرْسَل مَعَهُ لِبَلَدٍ إنْ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ، وَبِكلُبْسِ الثَّوْب وركُوب الدَّابَّةِ، وَالْقَوْلِ لهُ أنَّهُ رَدَّهَا سَالِمَةً إنْ أقَرَّ بِالْفِعْلَ.
= إحدى الخصلتين، فهذا ما تيسر من أدلة ذلك:
أخرج عبد الرزاق عن الثوري، عن عوف، عن أنر بن سيرين، عن شريح قال: من استودع وديعة، فاستودعها بغير إذن أهلها، فقد ضمن.
وعن عبد الرزاق: أخبرنا الثوري عن جابر، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن عليٍّ وابن مسعود، قالا: ليس على المؤتمن ضمان. قال معمر: ولم أسمع أحدًا يضمنه، يقولون: هو أمين إلَّا أن يعثر عليه بخيانة.
وعن عبد الرزاق قال: أخبرنا هشام عن الحسن، قال: إذا خالف المستودَعُ غير ما أمر به ضمن، وإن كان فيه فضل فهو له بضمانه.
وفي البيهقي في السنن الكبرى ما نصه: باب: لا ضمان على مؤتمن، ثم ساق سندًا إلى حجاج ابن أرطأة عن أبي الزبير، عن جابر أن أبا بكر الصديق ﵁ قضى في وديعة كانت في جراب، فضاعت من خرق الجراب، أن لا ضمان فيها.
وأخرج سندًا آخر عن سفيان، عن جابر، عن القاسم بن عبد الرحمن أن عليًا وابن مسعود رضي الله =
стр. 1245
وإنْ أكْرَاهَا لمَكَّةَ ورَجَعَتْ بحَالِهَا إلَّا أنَّه حَبَسَهَا عَنْ أسْوَاقِهَا فَلَك قِيمَتُهَا يَوْمَ كِرَائِهِ ولَا كِرَاءَ، أوْ أخْذُهُ وَأَخْذُهَا، وَبدَفْعِهَا مُدَّعِيًا أنَكَ أمَرْتَهُ بِهِ وحَلَفْتَ وَإلَّا حَلَفَ وبَرِئَ إلَّا بِبَيَّنَةٍ عَلَى الآمِرِ وَرَجَعَ عَلى القَابِضِ، وَإنْ بَعَثْتَ إليْهِ بِمَالٍ فَقَالَ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَيَّ وأنْكَرْتَ فَالرَّسُولُ شَاهِدٌ، وَهَلْ مُطْلَقًا؟. أوْ إنْ
= عنهما قالا: ليس على مؤتمن ضمان. قال: وروينا عن شريح: ليس على المستوح غير المغل ضمان، قال: وروي في ذلك حديث مسند ضعيف. ثم ساق سندًا آخر إلى عمروبن شعيب عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ قال: "مَنِ اسْتُودعَ وَدِيعَةً فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ".
قلت: وأَخرج في بلوغ المرام هذا الحديث وقال: أخرجه ابن ماجة وإسناده ضِعيف.
وأخرج البيهقي أيضًا أثرًا جاء فيه أن رجلين استودعا امرأة من قريش مائة دينار على أن لا تدفعها إلى واحد منهما دون صاحبه حتى يجتمعما، فأتاها أحدهما فقال: إن صاحبي توفي فادفعي إليَّ المال.
فأبت، فاختلف إليها ثلاث سنين واستشفع عليها حتى أعطته. ثم إن الآخر جاء فقال: اعطني الذي لي. فذهب بها إلى عمر بن الخطاب فقال له عمر ﵁: هل من بينة؟ قال: هي بينتي. فقال ما أظنك إلا ضامنة. فقالت: أسألك أن ترفعنا إلى ابن أبي طالب. فأتو وهو - يطين حوضًا له في بستان وهو مترز بكساء - فقصوا عليه القصة فقال: ائتني بصاحبك وإلى متاعك. اهـ. منه.
ونقل القرطبي في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (١) وقال ابن عباس: لم يرخص الله لمعسر ولا لموسر أن يمسك الأمانة، قال: وأجمعوا على أن الأمانات مردودة إلى أصحابها؛ الأبرار منهم والفجار. قاله ابن المنذر. والأمانة مصدر بمعنى المفعول ولذلك جمع.
وروى أبو أمامة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: في خطبة الوداع: "الْعَارِيَةُ مُؤَدَّاةٌ والْمِنْحَةُ مَرْدُودَة، وَالدّيْنُ مَقْضِيٌّ، وَالزَّعِيمُ غَارِمٌ". حديث صحيح أخرجه الترمذي وغيره، وزاد الدَّارقُطْنِي: قال رجل: فَعهد الله؟ قال: "عَهْدُ اللهِ أَحَقُ مَا أُدِّيَ"، وقال - بمقتضى هذا الحديث وهذه الآية - أن الوديعة مضمونة على كل حال، كانت مما يغاب عليه أو لا، تُعُدِّي فيها أو لم يتعدَّ، كل من عطاء وأحمد والشافعي، وأشهب بن عبد العزيز من أصحابنا. وروي أن ابن عباس وأبا هريرة ﵄ ضمَّنا الوديعة.
стр. 1246
كَانَ الْمَالُ بِيَدِهِ؟ تَأويلَانِ، وبدَعْوَى الرَّدِّ عَلى وَارِثِكَ أوْ المرْسَلِ إلَيْه المُنْكِرِ، كَعَلَيْكَ إنْ كانَتْ له بيِّنَةٌ به مَقْصُودَةٌ لَا بِدَعْوَى التَّلَفِ أوْ عَدَمِ الْعِلْم بِالتَّلَفَ أو الضَّيَاعِ وَحَلَفَ المتَّهَمُ وَإنْ لَمْ يُفِدْهُ شَرْطُ نَفْيِهَا فإنْ نَكَلَ حَلَفْتَ ولا إنْ شَرَطَ الدَّفْعَ لِلْمرسَلِ إلَيْهِ بلا بِيِّنَةٍ وبِقَوْلِهِ: تَلِفَتْ قَبْلَ أنْ تَلْقَانِي، بَعْدَ مَنْعِهِ دَفْعَهَا كَقْوله بَعْدَهُ بلا عُذْر لَا إنْ قَالَ: لا أدْري مَتَى تَلِفَتْ، وبِمَنْعِهَا حَتَّى
= وروى ابن القاسم عن مالك أن من استعار حيوانًا أو غيره، مما لا يغاب عليه، فتلف عنده، فهو مصدق في تلفه ولا يضمنه إلا بالتعدي. وهذا قول الحسن البصري والنخعي، والأوزاعي والكوفيين.
قالوا: فإذا تلفت الأمانة لم يلزم المؤتمن غرمها لأنه مصدق، قال: وروي عن عليٍّ وعمر، وابن مسعود أنه لا ضمان في العارية. وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: "لَا ضَمَانَ عَلَى مؤتَمَنٍ"، انتهى منه بتصرف.
(٣) وقوله: وبانتفاعه بها أو سفره إن قدر على أمين إلا أن ترد سالمة، نسب المواق هنا للمدونة: من أودعته دراهم أو حنطة أو ما يكال أو يوزن، فاستهلك بعضها ثم هلك بقيتها، لم يضمن إلا ما استهلك أوَّلًا، وإن كان رد ما استهلك لم يضمن شيئًا إن ضاعت، وهو مصدق أنه رد فيها ما أخذ منها، كما يصدق في ردها إليك وفي تلفها، وكذلك لو تسلف جميعها ثم رد مثلها مكانها لبرئ، كان أخذها على السلف أو على غيره ولا شيء علب إن هلكت بعد أن ردها. ولو كانت ثيابًا فلبسها حتى بليت أو استهلكها ثم رد مثلها، لم تبرأذمته من قيمتها لأنه إنما لزمته القيمة. اهـ.
وقد أخرج عبد الرزاق في المصنف: أخبرنا وكيع عن ابن أبي ليلى في الوديعة تدفع إلى الرجل، قال: إن دفعت إليه مختومة فكسر خاتمها، فأخذ منها شيئًا، فهو ضامن لها، وإلا فلا ضمان عليه، قال: وقال أصحابنا: لا يضمن إلا ما استنفق.
(٤) وقوله: كالتجارة والربح له، نسب المواق ها للموطإ، قال مالك: إذا استوح الرجل مالًا فابتاع به لنفسه وربح فيه، فإن ذلك الربح له لأنه ضامن للمال حتى يؤديه إلى صاحبه. قال أبو عمران: وهذا قول الليث، ومالك، وأبي سفيان لأنه إذا رد المال طاب الربح له، غاصبًا كان للمال أو مستودعًا عنده وتعدى فيه. قال الباجي: قوله: فإن دلك الربح له، يريد إن كانت الوديعة عينًا، وهذا عندي. على أن الدراهم والدنانير لا تتعين، ولذلك قال: فإن كانت الوديعة طَعامًا فباعه بتمن فإن صاحبه مخير =
стр. 1247
يَأتيَ الْحَاكِمُ إنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ، لَا إنْ قَالَ: ضَاعَتْ مُنْذُ سِنِينَ وكنْتُ أرْجُوهَا وَلَوْ حَضَرَ صَاحِبُهَا، كالْقِراضِ وليسَ لَهُ الأخْذُ مِنْها لِمَنْ ظَلَمَهُ بمِثْلِهَا (١)، ولَا أجْرَةُ حِفْظِهَا، بِخَلَافِ مَحَلِّهَا.
وَلِكُلٍّ تَرْكُهَا، وَإنْ أوْدَعَ صَبِيًّا أوْ سَفِيهًا أوْ أقْرَضَهُ أوْ بَاعَهُ فأتْلَفَ، لَمْ يَضْمَنْ وإنْ بإذْنِ أهْلِهِ وتَعَلَّغَتْ بِذِمَّةِ الْمأذُونِ عَاجِلًا وبِذَمَّةِ غَيْرِهِ إذَا عَتَقَ إن لَمْ يُسْقِطْهُ السَّيِّدُ، وَإنْ قَالَ: هِيَ لأحَدِكمَا ونَسِيتُهُ، تَحَالَفَا وقُسِمَتْ بَيْنَهُمَا. وَإنْ أوْدَعَ اثْنيْنِ جُعِلَتْ بِيَدِ الأعْدَلِ.
= بين إمضاء البيع وأخذ الثمن أو يضمنه مثل طعامه، ووجه ذلك أن هذا مما يتعين بالصفة. اهـ. منه.
تنبيهٌ: ذكر الحطاب مسألة: من أوح معه وديعة لبلد، فعرضت له إقامة في الطريق قصيرة؛ كالأيام أو طويلة كالسنة، أو متوسطة كالشهرين مثلًا، فإن بعثها في القصيرة ضمنها، وإن حبسها في الطويلة ضمنها، وهو في المتوسطة مخير، قال: هذا الذي ارتضاه ابن رشد وجمع فيه بين أقوال مالك وأصحابه.
(١) وقوله: وليس له الأخذ منها لمن ظلمه بمثلها، مراده به، والله أعلم، أن من ظلمه إنسان في مال ثم أودع عنده ذلك الإِنسان الظالم مالًا قدر ماله الذي ظلمه به أو أكثر، فليس له - أي ليس للمرح -بفتح الدال- الأخذ من وديعته التي هي ملك لمن ظلمه، بقدر ما ظلمه به، وذلك اجتنابًا لما نهى عنه رسول الله ﷺ حيث يقوق: "أَدِّ الْأمَانَةَ لِمَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ". والله الموفق.
стр. 1248
كتاب العارية
صَحَّ ونُدِبَ إعَارَة (١) مَالِكِ مَنْفَعَةٍ بِلَا حَجْر (٢)، وَإنْ مُسْتَعِيرًا، لا مَالِك انْتِفَاعٍ مِنْ أهْلِ التَّبَرُّعِ عَلَيْهِ، عَيْنًا لِمنْفَعَةٍ مُباحَةٍ (٣)، لَا كَذِمِّي مُسْلِمًا (٤)، وجَاريَة لِوَطْءٍ أوْ خِدْمَةٍ لِغَيْرِ مَحْرَمٍ (٥) أوْ لمَنْ لَا تَعْتِقُ عَلَيْهِ، وَهِيَ لَهَا والأطْعِمَةُ
كتاب العارية
العارية، قال الدسوقي: مأخوذة من التعاور، أي التداول، فهي واوية، فأصل عارية عورية: فَعَلِية، بفتحتين، تخفف ياؤها وتشدد، تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفًا. وقيل: هي مأخوذة من عرا يعرو بمعنى عرض، فأصلها عارُووَة: فاعولة. فقلبت الواو الثانية ياء لتطرفها، والتاء في نية الانفصال، فاجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء، هذا في المشددة، وأصل المخففة عارِوَة: فاعلة، فأبدلت الواو ياء لتطرفها.
وقيل: إنها يائية مأخوذة من العار فأصلها عيرية، تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفًا. ورد بأنها لو كانت يائية لقيل: القوم يتعيرون. مع أنهم قالوا: يتعاورون أي يعير بعضهم بعضًا. اهـ. منه بلفظه.
وقال ابن قدامة في المغني: والأصل فيها الكتاب والسنة، والإِجماع، اهـ.
وفي البغوي - أعني شرح السنة: باب العارية، قال الله : ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ (١) قال عبد الله بن مسعود: كنا نعد الماعون عارية الدلو، والقدر، قال شعيب الأرناؤوط: أخرجه أبو داود في الزكاة، وإسناده حسن. وذكره الحافظ في الفتح عن أبي داود والنسائي وقال: إسناده صحيح إلى ابن مسعود. وأورده السيوطي في الدر المنثور، وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور وابن أبي شيبة والبزار، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني في الأوسط، وابن مردويه، والبيهقي في سننه اهـ. منه.
وقال ابن قدامة: وأما السنة، فمن أدلة العارية، ما روي عن النبي ﷺ أنه قال في خطبة عام حجة
стр. 1249
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= الوداع: "الْعَارِيَةُ مَؤَدَّاةٌ، وَالدَّيْنُ مَقْضِيٌّ، والْمِنْحَةُ مَرْدُودَة، وَالزَّعِيمُ غَارِمٌ". أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن، غريب. اهـ. منه. بتصرف قليل.
ومن أدلتها كذلك حديث عائشة ﵂ عند البخاري في الهبة باب: الاستعارة للعروس عند البناء، ونورده هنا بلفظ البغوي بعدما ساق السند إلى عبد الواحد بن أيمن (قال) حدثني أبي قال: دخلت على عائشة، وعليها درع قطر ثمن خمسة دراهم، فقالت: إرفع بصرك إلى جاريتي، انظر إليها، فإنها تُزْهَى أن تلبسه في البيت، وقد كان لي منهن درع على عهد رسور الله ﷺ ، فما كانت امرأة تُقَيَّنُ بالمدينة إلا أرسلت إليَّ تستعيره. اهـ.
فقولها تُزهى: أي تأنف وتتكبر، يقال زُهي الرجل إذا دخله الزهو، وهو الكبر. وقولها: تُقَيَّنُ، أي تزين. يقال: قيَّن العروس أي زينها، ومن ذلك اشتق اسم القينة لمن تزين العروس، وتطلق على الماشطة، والمغنية، والأمة، ويقال للعبد، قين.
وأخرج الشيخان من حديث قتادة، قال: سمعت أنسًا يقول: كان فزعٌ بالمدينة، فاستعار النبيُّ ﷺ فرسًا من أبي طلحة يقال له المندوب فركب، فلما رجع قال: "مَا رَأيْنَا مِنْ شَىْءٍ، وَإِنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْرًا".
وفي السنة للبيهقي من طريق ابن اسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن جابر عن أبيه جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ لما أراد المسير إلى حنين بعث رسول الله ﷺ إلى صفوان بن أمية فسأله أدراعًا مائة درع، وما يصلحها من عدتها، فقال أغصبًا يا محمد؟ فقال: "بَلْ عَارِيَة مَضْمونَةٌ حتَّى نُؤَدِّيَهَا إِلَيْكَ". قال الحاكم: صحيح الإِسناد. ولم يخرجاه. اهـ. شعيب.
(١) وقوله: "صح وندب إعارة، نقل المواق هنا عن ابن يونس: العارية مندوب إليها لقوله ﷺ : "كُل مَعْرُوفٍ صَدَقَة".
وقال الحطاب: وهي من حيث ذاتها مندوب إليها لأنها إحسان ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ ويعرض وجوبها نعني عينها لمن يخشى بعدمها هلاكه، وحرمتها ككونها معينة على معصية، وكراهتها ككونها معينة على مكروه، وتباح لغني عنها. وفيه نظر لاحتمال كراهتها في حقه. اهـ. منه.
(٢) وقوله: بلا حجر، قال الحطاب: مراده هنا بالحجر أعم من الحجر المتقدم في بابه ليشمل =
стр. 1250
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= ما إذا منع المعير المستعير من الإِعارة فإنه ليس له الإِعارة، قال ابن سلمون: العارية مندوب إليها. وتصح من كل مالك للمنفعة، وإن كان ملكه لها بإجارة أو عارية ما لم ججر عليه، ذلك ومن اسْتعار شيئًا لمدة أو اكتراه، فله أن يعيره لمثله في تلك المدة أو يكريه إلا أن يشترط عليه أن لا يفعل ذلك. اهـ. منه.
وتصح من كل مالك للمنفعة، وإن كان ملكه لها بإجارة أو عارية ما لم يحجر عليه، ذلك ومن اسْتعار شيئًا لمدة أو اكتراه، فله أن يعيره لمثله في تلك المدة أو يكريه إلا أن يشترط عليه أن لا يفعل ذلك. اهـ. منه.
(٣) وقوله: عينًا لمنفعة مباحة: في المواق هنا: العارية هبة المنافع دون الرقاب؛ فلا تعار المكيلات ولا الموزونات، هانما تكون قرضًا لأنها لا تراد إلا للاستهلاك لا عيانها، وكذلك الدراهم والدنانير إذا أخذت ليتصرف فيها، قال: ومن شرط المستعار أن يكون الانتفاع به مباحًا، فلا تستعار الجواري للاستمتاع. ويكره استخدام الإِماء إلا من المحرم والنسوان، أو لمن لم يبلغ الإِصابة من الصبيان. ا. هـ.
(٤) وقوله: لا كذمي مسلمًا: أي لا تصح إعارة رقيق مسلم لذمي، فإن ذلك ممنوع لما فيه من إذلال المسلم للكافر، والله تعالى يقول: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (١) الآية وقال تعالى ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) الآية.
(٥) وقوله: وجارية لوطء أو خدمة لغير محرم، قال المواق هنا: شرط عارية خدمة الإِماء كونه لمن لا يخشى متعته بهن، وذلك للإِجماع على أنه لا يحل التممع بهن إلا بملك تام أو بنكاح. قال: فتجوز إعارتهن للنساء، ولغير بالغ، ولذي محرم منهن كالابن والأب والأح وابن الأخ والجد والعم، هؤلاء بالانتفاع بالخدمة على ضَرْبينِ: فمن حكان منهم يصح منه ملك رقبة المخدوم جاز أن يستخدمه، ومن لم يجز له ملك الرقبة لم يجز له أن يسخخدمه تلك المدة، وتكون منافع ذلك العبد أو تلك الأمة لهما دون من وهبت له. ا. هـ. منه.
تنبيهٌ: إجارة الرجل المرأة على خمسة أوجه. فإن كان عزبًا لم يجز له أن يستأجر امرأة، سواء كان
стр. 1251
والنُقُودُ قَرْضٌ بِمَا يَدُلُّ رَجَازَ أَعِنِّي بغُلَامِكَ لأعِينَكَ إجَارَةً، وَضَمِنَ الْمَغِيبَ عَلَيْهِ إلَّا لِبَيِّنَةٍ (١)، وَهَلْ وَإنْ شَرَطَ نَفْيَهُ؟ تَرَدُدٌ، لَا غَيْرُهُ (٢) ولَوْ بِشَرْطٍ (٣)، وحَلَفَ فِيمَا عُلِمَ أنَهُ بِلَا سَبَبِهِ كَسُوسٍ أنَهُ ما فَرَّطَ، وَبَرِئَ في كَسْرِ كَسَيْفٍ إنْ شُهِدَ لَهُ أنَّه مَعَه في اللِّقَاء أوْ ضَرَبَ بِه ضَرْبَ مِثله، وَفَعَلَ الْمأذُونَ وَمثْلَهُ وَدُونَهُ لَا أضَرَّ، وإنْ زَادَ مَا تُعْطَبُ بِهِ فَلهُ قِيمَتُهَا أوْ كِرَاؤهُ كرديفٍ وَاتُّبِعَ إنْ أعْدَمَ وَلَمْ يَعْلَمْ بالإِعَارةِ وإلَّا فَكِراؤُهُ. ولَزِمَتْ المقَيَّدَةُ بِعَمَلٍ أوْ أجَلٍ لانْقِضَائهِ وإلَّا فَالْمُعْتَادُ (٤)، ولَهُ الإِخْراج في كبِنَاءٍ إنْ دَفَعَ مَا أنْفَقَ وَفِيهَا أيْضًا قِيمَتُهُ، وهَلْ خِلافٌ؟ أوْ قِيمَتُهُ إنْ لمْ يَشْتَرِهِ؟ أوْ إنْ طَالَ؟ أوْ إنْ اشْتَراهُ بِغَبْنٍ كثير؟
= مأمونًا أو غير مأمون. وان كان له أهل والحال أنه مأمون جاز له أن يستأجرها. وان كان غير مأمون لم يجز له ذلك؛ وإن كانت المرأة متجالة لا أرب للرجال فيها، جاز للرجل أن يستأجرها، وكذلك إن كانت شابة وكان الرجل شيخًا فانيًا. انظر المواق.
(١) قوله: وضمن المغيب عليه إلا لبينة: نسب المواق هنا للمدونة، قال ابن القاسم: العارية مضمونة فيما يغاب عليه من ثوب أو غيره من العروض، فإن ادَّعى المستعير أن ذلك هلك أو سرق أو انحرق أو انحسر، فهو ضامن، وعليه فيما أفسد فسادًا يسيرًا ما نقصه، وإن كان كثيرًا ضمن قيمته كله إلَّا أن يقيم بينة أن ذلك هلك بغير سببه، فلا يضمن إلَّا أن يكون منه تضييع أو تفريط بيّن فيضمن. ا. هـ. منه.
وقال الحطاب: قال في المقدمات: إذا وجب على المستعير ضمان العارية، فإنه يضمن قيمة الرقبة يوم انقضاء أجل العارية على أنه ينقصها الاستعمال المأذون فيه، بعد يمينه؛ لقد ضاعت ضياعًا لا يقدر على ردها. ا. هـ. منه.
أما القول في ضمان العارية، فإن أهل العلم اختلفوا فيه؛ فذهب جماعة منهم إلى أنها أمانة في يد المستعير، إلَّا إذا تعدى فيها فيضمن بالتعدي، يروى ذلك عن عليٍّ ﵁، وابن مسعود، وهو قول شريح، والحسن، وإبراهيم النخعي، وبه قال سفيان الثوري، وأصحاب الرأي، وإسحاق ابن راهويه. =
стр. 1252
تأويلاتٌ. وإنْ انْقَضَتْ مُدَّةُ البنَاءِ والْغَرْسِ فكالْغَصْبِ وإن ادّعاهَا الآخِذُ والْمَالِكُ الْكِرَاءَ فَالْقَوْلُ لَهُ إلَّا أن يَأنَفَ مِثْلُهُ، كزَائِدِ المَسَافَةِ إنْ لَمْ يَزِدْ وَإلَّا فَلِلْمُسْتَعِيرِ فِي نَفْي الضَّمَانِ وَالكِرَاءِ وَإنْ بِرَسُولٍ مُخَالِفٍ، كدَعْوَاهُ رَدَّ مَا لَمْ يَضْمَنْ، وإنْ زعَمَ أَنَّهُ مُرْسَل لاسْتِعَارةِ حُلِيٍّ وَتَلِفَ ضَمِنَهُ مُرْسِلُهُ إنْ صَدَّقَهُ وَإلاَّ حَلَفَ وَيَرِئ ثُمَّ حَلَفَ الرَّسُولُ وَبَرِئَ، وَإنْ اعْتَرَفَ بِالْعَدَاءِ ضَمِنَ الْحُرُّ والْعَبْدُ في ذِمَّتِهِ إنْ عَتَقَ، وَإنْ قَالَ أوْصَلْتُهُ لَهُمْ فَعَلَيْه وعَلَيْهِمْ اليَمِينُ ومَئونَةُ أخْذِهَا عَلى المُسْتَعِيرِ كَردِّهَا على الأظْهَرِ. وفي عَلَفِ الدَّابَّةِ قَوْلَانِ.
= وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن العارية مضمونة على المستعير، منهم ابن عباس ﵄، وأبو هريرة، وهو قول عطاء، وبه قال الشافعي وأحمد، وذهب مالك ﵀ إلى أنه إن ظهر هلاك العارية فلا ضمان، وإن خفي هلاكها ضمن.
وحجة من يقول: هي مضمونة. حديث صفوان بن أمية وقول رسول الله ﷺ له: "بَلْ عَارِيَةٌ مَضْمُونَةٌ"؛ قال ابن التركماني في الجوهر النقي: ذكر -يعني البيهقي- قوله ﵇: "بَلْ عَارِيَة مَضْمُونَةٌ" من وجوه: الأول فيه ابن إسحاق. وفي الثاني شريك، وفيهما كلام، وفي الثاني عند أبي داود رواية يزيد ببغداد، وروايته بواسط على غير هذا، وفي الثالث قيس بن الربيع ضعفه البيهقي في باب: من زرع في أرض غيره. وفي الرابع مجهول ولفظه: "إِنْ شِئْتَ غَرِمْنَاهَا لَكَ"؛ وهذا اللفظ يدل على أنها غير مضمونة، إذ لو كانت مضمونة لغرم ﵊ ما ضاع منها دون أن يرد اليه المشيئة .. وفي الإِشراف لابن المنذر: وفي بعض الأخبار أنه ﵊ قال لصفوان: "إِنْ شِئْتَ غَرِمْنَاهَا لَكَ" - وفي هذا دليل على أنها ليست مضمونة، ولا أعلم مع من رأى تضمينها حجة توجب ذلك. انتهى كلامه، قال: وأيضًا لو كانت العارية مضمونة لكان النبي ﷺ غنيًا عن ذكر الضمان، بل ولقال: وهل تكون العارية إلا مضمونة.
قال: ثم أكثر البيهقي وجوه الحديث ثم قال: بعض هذه الأخبار وإن كان مرسلًا فإنه يقوي شواهد هذه الموصولة قبله. قال ابن التركماني: هذا الحديث اضطرب سندًا ومتنًا وجميع وجوهه لا يخلو من نظر، ولهذا قال صاحب التمهيد: الاضطراب فيه كثير، ولا حجة فيه عندي في تضمين العارية. انتهى =
стр. 1253
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= كلامه. قال: ثم على تقدير صحة قوله "مَضْمُونَةٌ" فإن المراد به مردودة أي مضمونة الرد عليك، بدليل قوله: "حَتَّى نُؤَدِيَهَا إِلَيْكَ" ويحتمل أن يريد اشتراط الضمان، والعارية بشرط الضمان مضمونة فى رواية للحنفية.
وأخرج النسائي عن يعلى بن أمية قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا أَتَتْكَ رُسلي فَأعْطِهِمْ ثَلَاثِينَ دِرْعًا وَثَلاثِينَ مِغْفَرًا" قال: قلت: يا رسول الله، أعارية مضمونة أو عارية مؤداة؟ قال: "بَلْ عَارِيَةَ مُؤَدَّاةٌ".
قال ابن حزم: حديث حسن ليس في شيء مماروي في العارية خبر يصح غيره. وأما ما سواه فليس يساوي الاشتغال به، وقد فرق فيه بين الضمان والأداء.
ومن طريق عبد الرزاق قال عمر: العارية بمنزلة الوديعة، ولا ضمان فيها إلا أن تتعدى.
ومن طريق ابن أبي شيبة قال عليُّ: العارية ليست بيعًا ولا مضمونة، إنما هو معروف، إلا أن يخالف فيضمن. قال ابن حزم: صحيح، وهو قول النخعي، وعمر بن العزيز، والزهري، وغيرهم.
وفي الإِشراف لابن المنذر: روينا عن علي وابن مسعود ﵄: قالا: ليس على مؤتمن ضمان. قال: وممن كان لا يرى العارية مضمونة الحسن، وعمر بن العزيز. وبه قال الثوري. وإسحاق والنعمان وأصحابه. وذكر الخطابي كما ذكر ابن المنذر، ثم ذكر البيهقي عن الحسن عن سمرة عنه ﵇: "عَلَى الْيَدِ مَا أخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ". ثم إن الحسن نسي حديثه فقال: هو أمينك.
قال ابن التركماني: لم يسمع الحسن من سمرة هذا الحديث، وأيضًا الأداء فرض ولا يلزم منه الضمان، ولو لزم من هذا اللفظ الضمان للزم البيهقي أن يضمن الرهون والودائع لأنها مما قبضته اليد، وإذا لم يدل هذا الحديث على الضمان، فلم يخالفه الحسن في قوله: لا ضمان عليه، ولم ينسه أيضًا. انتهى منه.
(٢) وقوله: لا غيره: يعني أنه لا يضمن ما لا يغاب عليه. قال الجزولي في شرح قول الرسالة: ولا يضمن ما لا يغاب عليه من عبد أو دابة، وهو مصدق في هلاكه ويحلف؛ متهمًا كان أو غير متهم.
ذكر ذلك الحطاب ونسب للتوضيح: قال ابن المواز: وإذا قلنا: لا يضمن الدابة، فيضمن سرجها ولجامها. قال اللخمي: ولا يضمن العبد ولا لباسه، لأن العبد حائز لما عليه. ا. هـ. منه.
(٣) قوله: ولو بشرط: ذكر المواق: قال ابن رشد: إن اشترط المعير على المستعير الضمان فيما =
стр. 1254
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= لا يغاب عليه، أو مع قيام البينة فيما يغاب عليه، فقول مالك وجميع أصحابه أن الشرط باطل جملة من غير تفصيل، حاشا مطرف. ا. هـ. منه.
وقال ابن قدامة: هي مضمونة، ولو شرط نفي الضمان لم يسقط. ونسب ذلك إلى كل من مذهب أحمد والشافعي.
(٤) وقوله: ولزمت المقيدة بعمل أو أجل لانقضائه وإلا فالمعتاد: نسب المواق هنا لابن عرفة: الوفاء بالعارية لازم. ونسب للمدونة: من ألزم نفسه معروفًا لزمه. ومن كتاب محمد قال مالك في السائل يقف في الباب، فيؤمر له بالكسرة، فيوجد قد ذهب: فأرى أن يعطى لغيره وما هو بالواجب. ومن قال لمديان أو غيره: أنا أعيرك. أنا أهبك، فلا يلزمه. وقد رغب عن مكارم الأخلاق ولا أدري كيف ذلك فيما بينه وبين الله. قال ابن القاسم: وأما ما أدخله بوعده في لازم فذلك الوعد يلزم. قال مالك: إلا أن يموت المعطي قبل القبض.
قلت: قاعدة: هل يلزم الوفاء بالوعد أو لا؟ عقدها الشيخ علي بن قاسم الزقاق في المنهج المنتخب بقوله:
هل يلزمُ الوفاة بالوعد نعمْ … أو لا نعم بسبب أو إن لَزِمْ
يعني هل يلزم الوفاء بالوعد مطلقًا؟ أولا يلزم الوفاء به مطلقًا؟ أوإنما يلزم الوفاء به إن وقع بسبب فقط؟ أو هو لا يلزم الوفاء به إلا إذا وقع بسبب ودخل من وقع له الوعد في ذلك السبب؟ أربعة أقوال، كأن يقول: إن تزوجت فعليَّ المهر. فيتزوج بناء على وعده.
وقد نظم شيخ مشائخنا العلامة الشيخ محمد الأمين بن أحمد زيدان الجكني هذا الفرع فقال:
مشهور مذهب الإِمام مالكْ … لزوم ما يعطى بقول المالكْ
تمامه بالقبض ثم ذلكْ … في عدة بالقبض أو إدخالكْ
موعَدَها في ورطة كالسالكْ … تصرفًا في المال من مقالكْ
وفي المواق هنا: المشتري يخاف الوضيعة فيقول له البائع: لا تخف، قد حط الله عنك كذا من ثمنه. ثم إن المشتري باع بربح، قال: لا تلزم الحطيطة، قال ابن رشد: صار السبب شرطًا لها فوجب بطلانها بارتفاع الشرط. ا. هـ. وهكذا كل وعد تخلف سببه. والله أعلم وهو الموفق.
стр. 1255
كتاب الغصب
بَابٌ: الْغَصْبُ أخْذُ مَالٍ (١) قَهْرًا تَعَدِّيًا بِلَا حِرَابَةٍ، وأدِّبَ مُمَيِّزٌ (٢) كمُدَّعِيهِ عَلى صَالح (٣)، وَفي حَلِفِ الْمجْهُولِ قَوْلَانِ، وضَمِنَ بالاستيلاءِ (٤) وإلَّا فَتَرَدُّدٌ كأنْ مَاتَ أوْ قُتِلَ عَبْدٌ قِصَاصًا أوْ رَكِب أوْ ذبَحَ أوْ جَحَدَ ودِيعَةً أوْ أكَلَ بِلَا عِلْمٍ
كتاب الغصب
(١) قوله: الغصب أخذ مال إلخ … قال الحطاب: الغصب لغة قال الجوهري: أخذ الشيء ظلمًا، غصبه منه وغلبه سواء، والاغتصاب مثله. ا. هـ. ثم قال صاحب المقدمات: التعدي على رقاب الأموال سبعة أقسام، لكل قسم منها حكم يخصه، وهي كلها مجمع على تحريمها. وهي: الحِرابةُ، والغصب، والاختلاس، والسرقة، والخيانة والإِدلال، والجحد. انتهى.
وقال ابن قدامة في المغني: الغصب: هو الاستيلاء على مال غيره بغير حق. وهو محرم بالكتاب والسنة، والاجماع؛ أما الكتاب فقال تعالى في النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (١). وقال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٢).:
وأمَّا السنة، فقد روى جابر أن رسول الله ﷺ قال في خطبته يوم النحر: "إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذَا في شَهْرِكُمْ هذَا في بَلَدِكُمْ هذَا". رواه مسلم، وغيره - وعن سعيد بن زيد قال: سمعت رسول اللهُ ﷺ يقول: "مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الأرْضِ ظُلْمًا طَوَّقَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِيَّاهُ مِنْ سَبْعِ أَرْضِينَ". متفق عليه. وعن هشام بن عروة عن أبيه يرفعه أن النبي ﷺ قال: "مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ، وَليس لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ". قال البغوي: العرق الظالم أن يجيء الرجل إلى أرض قد أحياها رجل قبله، فيغرس فيها، أو يحدث فيها شيئًا ليستوجب به الأرض. قال شعيب الأرنؤوط: هذا الحديث في كتاب الأموال ص: ٢٨٦، وأخرجه أبو داود في الخراج، والترمذي من حديث أيوب عن هشام بن عروة عن أبيه، عن سعيد بن زيد عن النبي ﷺ ، وإسناده قوي، وحسنه الترمذي. ا. هـ. منه.
تنبيهٌ: يفرق الفقهاء بين الغصب والتعدي في التعريف وفي الحكم، أما التعريف، قال المواق: وقال المازري: أحسن ما قيل: إن من قصد إلى التعدي على منفعة الشيء؛ كعبد يستخدمه أو ثوب يلبسه، ولم يقصد إلى الاستيلاء على رقبة العين ولا الحيلولة بينها وبين ربها في التصرف في ملكه،
стр. 1256
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= على حسب ما يتصرف به المالك في الرقاب، فإن هذا يسمى تعديًا. ا. هـ.
وقد تقدم تعريف الغصب أنه استعمل في عرف الفقهاء، أنه أخذ أعيان الممتلكات بغير رضا أربابها على وجه القهر والغلبة. والفرق بينهما في الحكم، منه: أن الغاصب ضامن للمغصوب يوم الغصب؛ لأنه يوم وضع يده عليه بالتعدي، والمعتدي يضمن يوم التعدي. ومنه: أن الغاصب يضمن الفساد اليسير، والمعتدي لا يضمن من ذلك إلا ما كان كثيرًا. ومنه: أنه على المعتدي كراء ما تعدى عليه وأجرته بكل حال عند مالك، وقال في الغاصب: لا كراء عليه. ا. هـ.
قال الحطاب: وفي كثير من هذه الأصول اختلاف بين أصحابنا معلوم، قال: ويؤخذ منه أن من تعدى على دابة وديعة وركبها فعليه أجرتها. فتأمله.
قال: وفي الذخيرة قال بعضهم: الغصب رفع اليد المستحقة ووضع اليد العادية قهرًا. وقيل: وضع اليد العادية قهرًا. قال: وقال ابن عرفة: التعدي قال المازري هو غير الغصب، وأحسن ما ميز به عنه أن التعدي هو الانتفاع بملك الغير بغير حق دون قصد الرقبة، أو إتلافه أو بعضه دون قصد تملكه.
(٢) وقوله: وأدب مميز، نسب المواق هنا: لابن رشد: يجب على الغاصب لحق الله تعالى الأدب والسجن على قدر اجتهاد الإِمام، ليتناهى الناس عن حرمات الله، إلا أن يكون صغيرًا لم يبلغ الحلم، فإن الأدب يرفع عنه لحديث: "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ" وقيل: يؤدب كما يؤدب في المكتب. ا. هـ. وقال الحطاب في المقدمات: يجتمع في الغصب حق الله وحق المغصوب منه، على الغاصب لحق الله تعالى الأدب والسجن على قدراجتهاد الحاكم؛ ليتناهى الناس عى حرمات الله. ولا يسقط ذلك عنه عفو المغصوب منه. ا. هـ. منه.
(٣) وقوله: كمدعيه على صالح: قال المواق: من المدونة: قال ابن القاسم: من ادَّعى على رجل غصبًا، وهو ممن لا يتهم بذلك، عوقب المدعي، وإن كان متهمًا بذلك نظر فيه الإِمام أو حلّفه، فإن نكل لم يقض عليه حتى يرد اليمين كسائر الحقوق. ا. هـ. منه. قال الدسوقي: وفي النوادر محل أدب من ادعاه على صالح إذا كانت الدعوى على وجه المشاتمة، لا إن كانت على وجه التظلم.
قال: فإن أقام عليه البينة غرم، وإلا فلا شيء عليه، ولا يمن عليه اتفاقًا، ا. هـ. منه. بتصرف.
(٤) قوله: وضَمِن بالاستيلاء ألخ .. قال المواق: ابن عرفة: الاستيلاء هو حقيقة الغصب يوجب =
стр. 1257
أوْ أكْرَهَ غَيْرَهُ على التَّلَفِ، أوْ حَفَرَ بِئْرًا تَعَدِّيًا، وقُدِّمَ عَلَيْهِ الْمُرْدِي إلَّا لِمُعَيَّنٍ فسِيَّانِ، أوْ فَتَحَ قَيْدَ عَبْدٍ لِئَلَّا يأبَقَ، أوْ عَلى غَيْرِ عَاقِلٍ إلَّا بِمُصَاحَبَةِ رَبِّهِ، أوْ حِرْزًا لِمثْلِيٍّ ولَوْ بِغَلَاءٍ بِمِثْلِهِ (١)، وصَبَرَ لِوُجُودِهِ ولبَلَدِهِ (٢) وَلَوْ صَاحَبَهُ ومُنعِ مِنْهُ لِلتَّوثُّق ولَا رَدَّ لَهُ كإجَارتِه بَيعَهُ مَعيبًا زَال، وقال: أجَزْتُ. لِظنِّ بَقَائِه، كنُقْرة
= الضمان، وقال أيضًا: مجرد حصول المغصوب في حوزة الغاصب يوجب ضمانه بسماوي أو بجناية غيره عليه. وقال ابن يونس: يضمنه يوم الغصب، وإن هلك من ساعته بأمر من الله، أو بجنايته، أو بجناية غيره، أو كانت دارًا فانهدمت. قال مالك: كن غصب عبدًا فمات من وقته بغير سببه ضمنه، وقال ابن القاسم فيمن غصب دارًا فلم يسكنها حتى انهدمت: غرم قيمتها، وفي المدونة: ما مات من حيوان أو انهدم من الربع بيد غاصبه، بقرب الغصب أو بغير قربه، بغير سبب الغاصب، فإنه يضمن قيمته يوم الغصب. وقال ابن عرفة: وموت المغصوب بحق قصاصٍ أو حرابة كموته. ا. هـ. منه.
(١) وقوله: والمثلي ولو بغلاء بمثله: نسب المواق للمدونة: قال مالك: من غصب لرجل طعامًا أو إدامًا فاستهلكه فعليه مثله بموضع غصبه منه، فإن لم يجده هناك مثلًا، لزمه أن يأتي بمثله إلا أن يصطلحا على أمر جائز. ا. هـ. منه.
(٢) وقوله: وصبر لوجوده ولبلده، قال ابن عرفة: لو فقد المثل حين طلبه فقال ابن القاسم: ليس عليه إلا مثله، يريد أنه يصبر حتى يوجد المثل، وخالف أشهب فقال: يخير حينئذ بين أن يصبر أو يأخذ القيمة.
وإذا لقي المغصوب منه الغاصب بغير البلد الذي غصب فيه، قال في المدونة: لم يقض عليه فيه هناك بمثله ولا بقيمته، وإنما له عليه مثله بموضع غصبه فيه. انتهى مضمونه من المواق.
قلت: كل هذه الفروع التي ذكرها المصنف في هذا الباب دليلها قوله ﷺ : "عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ". من حديث سمرة بن جندب ﵁، هذا إذا كان المغصوب لا يزال باقيًا.
وأما إذا كان المغصوب مقومًا أو مثليًا، وأتلفه الغاصب أو تلف في يديه، فإن الاستدلال له، إذا كان مقومًا، ظاهر بين بحديث الصحيحين:"مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ، فَكَانَ لَهُ مَا يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ يُقَوَّمُ قِيمَةَ عَدْلٍ، فَأَعْطَى شُرَكَاؤُهُ حُصَصَهُمْ وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْدَ، وَإِلَّا فَقَدْ أَعْتَقَ مِنْهُ مَا عْتَقَ". هذا لفظ البيهقي وقال: اتفقا على إخراجه في الصحيح من حديث مالك. =
стр. 1258
صيغَتْ وطِينٍ لُبِّنَ وقَمْحٍ طُحِنَ ويذْرٍ زُرعَ وبيضٍ أفْرخَ إلَّا مَا بَاضَ إنْ حَضَنَ، وعَصِيرٍ تَخَمَّرَ، وإنْ تَخلَّلَ خُيِّرَ كتَخَلُّلِهَا لِذِمِّيٍّ، وتَعَيَّنَ لِغَيْره، وإنْ صَنَعَ كَغَزْلٍ وحَلْيٍ وغيْرِ مِثْلِيٍّ فَقِيمتُة يَوْمَ غَصْبِهِ وَإنْ جِلْدَ مَيْتَةٍ لمْ يُدْبَغْ أوْ كَلْبًا ولَوْ قَتَلَهُ تَعَدِّيًا، وخُيِّرَ في الأجنبيِّ، فإنْ تَبِعَهُ تَبِعَ هُوَ الْجَانِيَ فإنْ أخَذَ رَبُّهُ أقَل فَلَهُ الزَّائِدُ مِنَ الغَاصِبِ فَقَطْ. وَلَهُ هَدْمُ بِنَاءٍ عَلَيْهِ وغَلَّة مُسْتَعْمَلٍ، وصَيْدُ عَبْدٍ وجَارح وَكراءُ أرْضٍ بنيتْ كَمَرْكَبٍ نَخِرٍ وأخَذَ مَا لَا عَيْنَ لَهُ قَائِمَة، وصَيْدَ شَبَكَةٍ وَمَا أنْفَقَ في الْغَلَّةِ، وهَلْ إنْ أعْطَاهُ فيه مُتَعَدّدٌ عَطَاءً فَبِهِ أوْ بالأكْثَر مِنْهُ ومِن الْقِيمَةِ تَرَدُّدٌ، وَإنْ وَجَدَ غَاصِبَهُ بِغَيْرِهِ وَغَيْر مَحَلِّهِ فَلَة تَضْمِينُهُ، ومَعَهُ أخَذَهُ إنْ لَمْ يَحْتَجْ لِكبيرِ حَمْلٍ، لَا إنْ هَزلَتْ جَارِيَةٌ أوْ نَسِيَ عَبْدٌ صَنْعَةً ثُمَّ عَادَ أوْ خَصَاهُ فَلَمْ يَنْقُصْ أوْ جَلَسَ عَلى ثوْبِ غَيْرِهِ في صَلَاةٍ، أوْ دَلَّ لِصًّا أوْ أعَادَ مَصُوغًا عَلى حَالِهِ، وعَلى غَيْرهَا فَقِيمَتُهُ كَكَسْرِهِ أوْ غَصَبَ مَنْفَعَةً فَتَلِفَتْ الذَّاتُ، أوْ أكَلَهُ مَالِكُهُ ضِيافَةً أوْ نَقَصَتْ لِلسُّوقِ (١) أوْ رَجَعَ بِها مِن سَفَرٍ، وَلَوْ بَعُدَ كَسَارِقٍ. ولَهُ في تَعَدِّي كَمُسْتَأجِر كِرَاءُ الزَّائدِ إنْ سَلِمَتْ وإلَّا خُيِّرَ فِيهِ وَفِي قيمَتِها وَقْتَهُ وإنْ تَعَيَّبَ وإنْ قَلَّ كَكَسْرِ نَهْديْهَا أوْ جَنَى هُوَ أوْ أجْنَبِيٌّ خُيِّرَ فِيهِ كَصِبْغِهِ في قيمَتِهِ وَأخْذِ
= وبحديث أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ كان عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين مع خادم بقصعة فيها طعام، فضربت بيده فانكسرت القصعة، فضمها وجعل فيها الطعام وقال "كُلُوا" وحبس الرسول والقصعة حتى فرغوا، فدفع القصعة الصحيحة إلى الرسول وحبس المكسورة، هذا لفظ البيهقي، وقال رواه البخاري في الصحيح عن مسدد، وللحديث ألفاظ أخرى غير هذا.
(١) قوله: أو نقصت للسوق، هذا التغيير لا يفوت المغصوب على صاحبه، بخلاف التعدي. قال في المدونة: ما اغتصبه غاصب فأدركه ربه بعينه لم يتغير في بدنه فليس له غيره، ولا ينظر إلى نقص =
стр. 1259
ثَوْبِهِ وَدَفْعَ قِيمَةِ الصِّبْغَ وَفي بِنَائِه في أخْذِهِ وَدَفْعَ قِيمَةِ نُقْضِهِ بَعْدَ سُقُوطِ كُلْفَةٍ لَمْ يَتَوَلَّهَا ومَنْفَعَةَ الْبُضْعِ والحُر بالتَّفْويتِ كَحُرٍّ بَاعَهُ وتَعَذَّرَ رُجُوعُهُ ومَنْفَعَةَ غَيْرِهمَا بِالْفَوْتِ. وَهَلْ يَضْمَنُ شَاكِيهِ لمُغَرِّمٍ زائِدًا عَلى قَدْرِ الرسُولِ إنْ ظَلَمَ أوِ الْجَمِيعَ أوْ لَا؟ أقوَال، ومَلكهُ إنِ اشْتَراهُ وَلَوْ غَابَ أوْ غَرمَ قِيمَتَهُ إنْ لَّمْ يُمَوِّهْ، ورَجَعَ عَلَيْهِ بِفَضْلَةٍ أخْفَاهَا، والْقَوْلُ لَهُ في تَلَفِهِ وَنَعْتِهِ وَقَدْرِهِ، وَحَلَفَ كَمُشْتَرٍ مِنْهُ ثُمَّ غَرِمَ لآخِرُ رُؤْيَةٍ، ولِرَبِّهِ إمْضَاءُ بَيْعِهِ، ونَقْضُ عِتْقِ المشْتَرِي وإجَازَتُهُ، وَضَمِنَ مشْتَرٍ لَمْ يَعْلَمْ في عَمْدٍ لَا سَمَاوِيٍّ وغَلّةٍ، وَهَلْ الْخَطَأ كَالْعَمْدِ؟
تَأويلَانِ، وَوَارِثُهُ وَمَوْهُوبُهُ إِنْ عَلِمَا كَهُوَ، وَإلَّا بُدِئَ بِالْغَاصِب وَرَجَعَ عَلَيْهِ بِغَلَّةِ مَوْهُوِبهِ، فَإنْ أعْسَرَ فَعَلى الْمَوْهُوبِ، ولُفِّقَ شَاهِدٌ بِالْغَصْبِ لَآخَرَ عَلى إقْرَارِهِ بِالْغَصْبِ، كَشَاهِدٍ بِمِلْكك لثانٍ بِغَصْبِكَ وَجُعِلْتَ ذَا يَدٍ لَا مَالِكًا إلَّا أَنْ تَحْلِفَ مَعَ شَاهِدِ المِلْكِ وَيَمِينَ الْقَضَاءِ. وإنْ ادَّعَتْ اسْتِكْرَاهًا عَلى غَيْرِ لَائقٍ بِلَا تَعَلُّقٍ
= قيمته باختلاف سوقه. طال زمان ذلك سنين أو كان ساعة واحدة، وإنما ينظر إلى تغيير بدنه.
قال مالك: وهو بخلاف المتعدي في حبس الدابة من مكتر أو مستعير يأتي بها أحسن حالًا، فربها مخير في أخذ الكراء أو يضمنه القيمة يوم التَّعدي لأنه حبسها عن سوقها. ا. هـ. المواق.
قلت: وأما دليل تضمين الغاصب ما نقص به المغصوب من حيث بدنه، فهو ما أخرجه البيهقي في السنن الكبرى بسنده عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن الفقهاء من أهل المدينة أنهم كانوا يجعلون في كل بهيمة أصيبت، ما بين قيمة البهيمة صحيحة العين ومصابة العين، وكل ما أصيب من البهيمة فعلى قدر ذلك. قال عيسى بن منيا - وهو أحد من روى عن عبد الرحمن بن أبي الزناد: فأما جراح العبد فإنهم يجعلون جراح العبد تجري جراحه كلها في قيمته يوم يصاب كما تجري جراح الحرفي ديته.
стр. 1260
حُدَّتْ لهُ (١).
والمُعْتَدِي جَانٍ عَلى بَعْضٍ غَالِبًا (٢)، فإنْ أَفَاتَ المَقْصُودَ كقَطْعِ ذنَبِ دَابَّةٍ ذِي هَيْئَةٍ أوْ أذُنِهَا أوْ طيْلَسَانِهِ أوْ لَبَنِ شَاةٍ هُوَ المقْصُودُ، وقَلْعِ عَيْنَيْ عَبْدٍ أوْ لِدَيْهِ فَلَهُ أخْذهُ ونَقْصُهُ أوْ قِيمَتُهُ، وإنْ لمْ يُفِتْهُ فَنَقْصُهُ (٣) كَلَبَنِ بَقَرَةٍ وَيَدِ عَبْدٍ أو عَيْنِهِ، وعَتَقَ عَلَمه إنْ قُوِّمَ وَلَا مَنْعَ لِصَاحِبِهِ في الفاحِش عَلى الأرْجَحِ. ورفَا الثَّوْبَ مُطْلَقًا. وَفِي أجْرَةِ الطَّبيبِ قَوْلَانِ.
(١) وقوله: وادَّعت استكراهًا على غير لائق بلَا تعلق حدت له: نقل المواق هنا عن ابن رشد قال: من استكره أمة أو حرة فوطئها، فعليه في الحرة صداق مثلها، وفي الأمة ما نقصها، بكرًا كانت أو ثيبًا. وهذا إذا ثبت الوطء ببينة أو بإقراره، وادعت هىِ ذلك مع قيام البجنة لحى غيبته طيها، وأما إنْ ادعت أنه استكرهها ولا بينة لها، فإن كان رجلًا صالحًا لا يليق به ذلك، ولم تأت متعلقة به، فلا خلاف أنه لا شيء على الرجل، وأنها تحد له حد إلقذف، وتحد حد الزنا إن ظهر بها حمل، وتحد حد الزنا وإن لم يظهر بها حمل لإِقرارها به إلا أن ترجع عن إشرارها، وإن أتت متعلقة بهذا الرجل الصالح فهذا يسقط عنها حد الزنا، لما بلغت من فضيحة نفسها، وتحد له حد القذف عند ابن القاسم. قال: وإن ادعت ذلك على فاسق ولم تأت متعلقة به، فهذا لا تحد له حد القذف ولا تحد أيضًا حد الزنا إلا أن يظهر بها حمل. ولا صداق لها. وينظر الإِمام في أمره. وإن أتت متعلقة بهذا الفاسق، سقص عنها حد القذف وحد الزنا وإن ظهر حمل. ا. هـ. منه.
قال الحطاب في المحتعلقة بالصالح: وقال بعض أصحابنا في المشتهرة بذلك مثل صاحبة جريج أنها تحد للزنا على كل حال، ولا تصدق بتعلقها وفضيحة نفسها لأنها لم تزل مفتضحة بحالها، قال: وهذا صحيح في النظر. ا. هـ. منه.
خاتمة: يستفاد من الأدلة أنه لا يجوز شيء من مال المسلم إلا برضاه، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (١). الآية. وقد تقدمت، قال القرطبي في التفسير: الخطاب بهذه الآية يضمن جميع أمة محمد ﷺ ، والمعنى: لا يأكل بعضكم مال بعض بغير حق. فيدخل في هذا القمار،
стр. 1261
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= والخداع، والغصب، وجحد الحقوق، وما لا تطيب به نفس مالكه، وما حرمتد الشريعة وإن طابت به نفس مالكه كمهر البغي وحلوان الكاهن، وأثمان الخمور والخنزير. ا. هـ. محل الغرض منه.
وفي الحديث عن عمرو بن يثربي الضمري قال: شهدت خطبة النبي ﷺ بمنى، فكان فيما خطب به قال: "وَلَا يَحِلُ لأحَدٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا طَابَتْ بِهِ نَفْسُهُ". فلما سمعه قال ذلك قال: يا رسول الله، أرأيت لو لقيت غنم ابن عمي فأخذت منها شاة فأجزرتها، فعليّ في ذلك شيء؟ قال: "إِنْ لَقِيتَها نَعْجَةٌ تَحْمِلُ شفرة وَزِنَادًا بِخَبْتِ الْجَميشِ فَلَا تَمَسَّهَا". أخرجه البيهقي.
وأضج البيهقي كذلك بسنده عن يسار، عن ابن عمر فذكر الحديث في خطبة النبي ﷺ أيام التشريق وقال فيها: " أَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ كَانَتْ عِنْدهُ وَدِيعَة فَلْيَرُدَّهَا إِلَى مَنِ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ شَيْءٌ إِلَّا مَا طابَتْ بِهِ نَفْسُهُ".
وأخرج البيهقي كذلك بسنده عن عاصم بن كليب الجرمي، عن أبيه، عن رجل من مزينة قال: صنعت امرأهَ من المسلمين من قريش لرسول الله ﷺ طعامًا فدعَه وأصحابه، قال فذهب بي أبي معه. قال: فجلسنا بين يدي آبائنا مجال الأبناء من آبائهم، قال: فلم يأكلوا حتى رأوا رسول اللهُ ﷺ أكل، فلما أخذ رسول الله ﷺ لقمة رمى بها ثم قال: "إِنِّي لَأجِدُ طَعْمَ لَحْمِ شَاةٍ ذُبِحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ صَاحِبِهَا". فقالت: يا رسول الله، أَخي، وأنا من أعز الناس عَليه، ولو كان خيرًا منها لم يغير عليَّ، وعليَّ أَن أُرضه بافضل منها. فأبى أن يأكل منها وأمر بالطعام للأسارى. قال البيهقي: وهذا لأنه كان يخشى عليه الفساد، وصاحب الشاة كان غائبًا، فرأى من المصلحة أن يطعمها الأسارى، ثم يضمن لصاحبها. والله أعلم. ا. هـ. منه.
(٢) وقوله: والمعتدي جان على بعض، هذا التعريف للمعتدي لابن الحاجب. واعترضه ابن عبد السلام بأن هذا التعريف لا يعم صور التعدي؛ لأنه لا يشمل من استعار أو اكترى دابة لمكان معين، ثم زاد على المسافة المدخول عليها، فإنهما متعديان على كل الدابَّة لا على بعضها، ومع ذلك جعلوه من التعدي. قال: فلابد من زيادة غالبًا؛ لأدخالهما في التعدي.
قال الإكليل: ولما أنهى الكلام على الغاصب أتبعه الكلام على المتعدي لتناسبهما. ا. هـ.
وتقدم لك الفرق بين الغصب والتعدي، وأن ضابط التعدي هو الانتفاع بمال الغير دون حق فيه. =
стр. 1262
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= قال اللخمي: والتعدي على أربعة أنواع: يسير لم يبطل الغرض المقصود منه، ويسير يبطل الغرض المقصود منه، وكثير لم يبطل الغرض المقصود منه، وكثير يبطل الغرض المقصود منه، قال: فاليسر الذي يبطل الغرض المقصود منه، فيه خلاف، قال ابن القصار. يضمن جميعه، فإن قطع ذنب دابة القاضي أو أذنها ضمنها، وكذلك مركوب كل من يعلم أن مثله لا يركب مثل ذلك، فذلك سواء، وسواء كانت الدابة حمارًا أو بغلًا أو غيره، ولا فرق بين المركوب والملبوس كقلنسوة القاضي وطيلسانه وعمامته. وكذا من يعلم أنه لا يلبس مثل ذلك المجني عليه، قال: وهذه هي الرِّواية المشهورة عن مالك.
وإن كانت الجناية كثيرة مفوتة للمقصود من المجني عليه ضمن قيمته أيضًا. قال في المدونة: من فقأ عيني عبد، أو قطع يديه جميعًا فقد أبطله، ويضمن الجارح قيمته ويعتق عليه، فإن لم يبطله بأن فقأ إحدى عينيه، أو قطع إحدى يديه. فعليه ما نقص ولا يعتق عليه. قال ابن رشد: إن قطع اليد الواحدة من صانع ضمن قيمته اتفاقًا ا. هـ. المواق.
(٣) وقوله: وإن لم يُفِتْهُ ويفته فنقصه: أبي وإن لم يفت المقصود منه يأخذ ما نقصه - مع أخذه، وليس له تركه وأخذ قيمته، مثل لما لم يفته فقال: كلبن بقرة ويد عبد أو عينه، إلا أن يكون صانعًا أو ذا يد واحدة فقط أو عين واحدة، فله حينئذ أخذ قيمته وعتق على الجاني.
قلت: وغير خاف على أحد أن حرمة التعدي دليلها قوله ﷺ "وَلَا يَحِلُّ لِأحَدٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا طابَتْ بِهِ نَفْسُهُ". وقد تقدم. والله أَعلم. وهو الموفق. وعليه التكلان.
تنبيهٌ: ذكر المواق عند قول المصنف: أو دَلَّ لصًّا، ما يفهم تضمين الغارِّ بالقول، وهو أمر يخالف القاعدة الفقهية التي عقدها في المنهج المنتخب بقوله:
وكل من خالف أو تعدَّى … أو غر بالفعل كمن قد شدَّا
أو صب أو قطع أو قد أنكحا … لا غر بالقول على ما صححا
ضمنه، لا منازعًا فيما قلع … كالصبغ والنحر وللخوف نزع
قال في شرح المنهج. فقوله ضمنه، راجع لكل هذه الأمثلة المتقدمة، أي كل من فعل مما تقدم مما مثل به للغرور بالفعل ضمنه، أي ألزمه ضمان ما غر فيه بفعله. أما من غر بالقول فإنه لا ضمان عليه =
стр. 1263
الاستحقاق
فصل: وَإنْ زَرعَ فاسْتُحِقَّتْ، فَإنْ لَمْ يُنْتَفَعْ بِالزَّرْعِ أُخِذَ بِلَا شيءٍ (١)، وإلَّا فَلَهُ قَلْعُهُ إنْ لَمْ يَفتْ وَقْتُ مَا تُرادُ لَهُ، ولَهُ أخْذُهُ بِقيمَتِهَ عَلى المختَارِ وإلَّا فَكِرَاءُ السَّنَةِ كَذي شُبْهَةٍ (٢) أوْ جُهِلَ حَالُهُ وفاتَتْ بِحَرْثِهَا فِيمَا بَيْنَ مُكْرٍ ومُكْتَرٍ ولِلمُسْتَحِقِّ أخْذُهَا ودَفْعُ كِرَاءِ الحَرْثِ، فإنْ أبَى قيلَ لَهُ: اعْطِ كِراءَ سَنَةٍ وإلَّا أَسْلِمْهَا بلا شيْءٍ، وفي سِنينَ يَفْسَخُ أوْ يُمْضِي إنْ عَرَفَ النِّسْبَةَ، ولَا خِيَارَ للمُكْترِي لِلعُهْدَةِ وانتَقَدَ إن انْتَقَدَ الأولُ وأمِنَ هُوَ، والْغَلَّةُ لِذِي الشُّبْهَةِ أوْ المجهولِ، لِلْحُكْمِ، كوَارِثٍ ومَوْهُوبٍ ومُشْتَرٍ منه إنْ لم يَعْلَمُوا بخلافِ ذي دَيْنٍ على وَارِثٍ، كَوارثٍ طَرَأ على مِثْلِهِ إلَّا أنْ يَنْتَفعَ وإنْ غَرَسَ أَوْ بَنَى قِيلَ لِلْمَالِك: اعْطِهِ قِيمَتَهُ قَائمًا، فإنْ أبَى فَلَهُ دَفْعُ قِيمَةِ الأرْضِ، فإنْ أبي فشريكانِ بِالْقِيمَةِ يَوْمَ الْحُكْمِ، إلَّا المُحَبَّسَة فالنَّقْضُ وضَمنَ قِيمَةَ المسْتَحَقَّةِ وَوَلدِهَا يَوْمَ الْحُكْمِ (٣)، وَالأقَلَّ إنْ أخَذَ دِيَةً لَا صَدَاقَ حُرَّةٍ أوْ غَلَّتَهَا،
= على ما صححه غير واحد من الشيوخ، وذلك مثل أن يقول: الإناء صحيح ولم يصب فيه، أو يقول: الشقة تقطع قميصًا ولم يباشر هو قطعها، أو يقول: فلانة حرة، ولم يباشر هو تزويجها منه، فلا ضمان عليه في هذه على الصحيح. ا. هـ. وبالله تعالى التوفيق.
الاستحقاق
قال ابن عرفة: الإستحقاق ترجمة من تراجم كتب المدونة، وهو رفع ملك شيء بثبوت ملك قبله أو حرية كذلك بغير عوض. ا. هـ. المواق.
وقال الحطاب: لم يبين المصنف حقيقته، وحكمه، وسببه، وشروطه، وموانعه، ولا يتصور إلا بمعرفة ذلك. قال ابن عرفة: هو من تراجم كتبها، أما حقيقته فقال ابن عرفة: هو رفع ملك شيء بثبوت ملك قبله أو حرية كذلك بغير عوض. =
стр. 1264
وَإنْ هَدَمَ فكْتَرٍ تَعَدِّيًا فللْمُسْتَحِقِّ النَّقْضُ وَقِيمَةُ الْهَدْم، وإنْ أبْرَأهُ مُكْرِيه كَسَارِقِ عَبْد ثمَّ اسْتُحِقَّ بخِلافِ مُسْتَحِقِّ مُدَّعِي حُرِّيَّة إلَّا الْقَلِيلَ، ولَهُ هَدْمُ مَسْجدٍ، وإنْ اسْتحقَّ بَعْض فَكالْبَيْعِ ورُجِعَ لِلتَّقْويمِ ولَهُ ردُّ أحَدِ عَبْدَيْنِ اسْتُحِقَّ أَفْضَلهُمَا بِحُرِّيَّةٍ، كان صَالحَ عَنْ عَيْبٍ بآخرَ، وهَلْ يُقَوَّمُ الأوَّلُ يَوْمَ الصُّلْح أوْ يَوْمَ الْبَيْعَ؟ تأويلان.
= وقال في اللباب: هو الحكم بإخراج المدعَى فيه الملكية من يد حائزه إلى يد المدعي بعد ثبوت السبب والشروط وانتفاء الموانع.
وأما حكمه، فقال ابن عرفة: حكمه الوجوب عند تيسر أسبابه في الربع على عدم يمين مستحقه، وعلى يمينه مباح كغير الربع، لأن اليمين مشقة.
وأما سببه، فهو قيام البينهَ على عين الشيء المستحق أنه ملك للمدعي لا يعلمون خروجه ولا خروج شىِء منه عن ملكه حتى الآن. والشهادة في أنها لم تخرج عن ملكه إنما تكون على نفي العلم- في قول ابن القاسم المعمول به. قاله في اللباب.
وأما شروطه فثلاثة:
الأول: الشهادة على عينه إن أمكن، وإلا فحيازته، وهي أن يبعث القاضي عدلين -وقيل: أو عدلًا- مع الشهود الذين شهدوا بالملكية، فإن كانت دارًا مثلًا، قالوا لهما مثلًا: هذه الدار هي التي شهدنا عند القاضي فيها الشهادة المقيدة أعلاه.
الثاني: الإِعذار في ذلك إلى الحائز، فإن ادعى مدفعًا أجل له فيه بحسب ما يراه.
الثالث: يمين الاستبراء، واختلف في لزومها على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه لابد منها في جميع الأشياء. قاله ابن القاسم، وابن وهب، وابن سحنون. القول الثاني: لا يمين في الجميع أيضًا: قاله ابن كنانة. القول الثالث: إنه لا يحلف في العقار ويحلف في غيره، وهو المعمول به عند الأندلسيين، قال: وفي سجلات الباجي: لو استحق ذلك من يد غاصب لم يحلف. قال ابن سلمون: ولا يمين على مستحق الأصل إلا أن يدعي عليه خصمه ما يوجبها. وقيل لابد من اليمين كالعروض والحيوان. ا. هـ. =
стр. 1265
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= ونص هذه اليمين المختلف فيها: هو بالله الذي لا إله إلا هو ما بعت هذا الشيء [ويسميه] المشَهود لي به فيه ولا فوْته ولا خرج عن ملكي بوجه من وجوه الفوْت حتى الآن. والحال أنه يشر إلى الشيء المحلوف عليه الحاضر. ا. هـ. منه باختصار.
(١) قوله: وإن زرع فاستحقت، فإن لم ينتفع بالزرع أخذ بلا شيء، قال المواق: من تعدى على أرض رجل فزرعها، فقام بها وقد نبت الزرع، فإن قام في إبان يدركه فيه الحرث فله قلعه -يريد في قلعه المتعدي- وإن فات الأوان فله كراء أرضه.
قال أشهب: وكذلك غاصب الأرض. وقال ابن القاسم وأشهب: وإن كان الزرع صغيرًا، إذا قلع لا منفعة فيه للغاصب قضى به لصاحب الأرض بلا ثمن. قال: وإذا كان في الإِبان، وهو إذا قلع انتفع به، فلرب الأرض أن يأخذ منه كراء الأرض أو يأمره بقلعه، إلا أن يتراضيا على أمر جائز، وإن لم يكن في قلعه نفع ترك لرب الأرض إلا أن يأباه فيؤمر بقلعِهِ، قال عبد الوهاب: وإنما كان له قلعه لقول النبي ﷺ : "لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِم حَقٌّ". قال: وهذا عرق ظالم.
قال: وإن قام عليه، وقد فات إبان الزراعة ولا ينتفع المالك بأرضه إن قلع الزرع، قيل: له أن يقلعه. وقيل: ليس له قلعه وإنما له كراء أرضه، والقول الأول أصح للحديث المتقدم. وقال مالك: إن الزرع إذا أسبل لا يقلع لأن قلعه من الفساد العام للناس فهو كمنع ذبح الفتي من الإبل لما فيه من الحمولة، وذبح ذوات الدر من الغنم.
قال: وقال مالك: وكما نهى عن تلقي الركبان، واحتكار الطعام لمصلحة العامة، فقد منع الخاص من بعض منافعه لما فيه من الضرر بالعامة. ا. هـ. وقال ربيعة: العرق أرْبعة؛ عرقان فوق الأرض، الغرس والبناء وعرقان في جوفها؛ الماء والمعدن.
وقال البغوي في شرح السنة: العرق الظالم أن يجىِء الرجل إلى أرض قد أحياها رجل قبله فيغرس فيها، أويحدث فيها شيئًا ليستوجب به الأرض. قال: وقال أبو عبيد: هذا التفسير في الحديث. ومما يحقق ذلك حديث آخر، سمعت عباد بن عوام يحدث به عن محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عروة، عن أبيه يرفعه إلى النبي ﷺ مثل هذا الحديث، قال عروة: ولقد أخبرني الذي حدثني بهذا الحديث أن رجلًا غرس في أرض رجل من الأنصار نخلًا، فاختصما إلى رسول الله ﷺ فقضى للأنصاري بأرضه، =