← Фикх малики

Фикх малики · id 784

مواهب الجليل من أدلة خليل

أحمد بن أحمد المختار الشنقيطي

Полный текст (1 647 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = فِيهِمْ حَقُّهُ". كذا في البغوي وقال شعيب: أخرجه الشافعي عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن يحيى بن جعدة وهو مرسل، قال في تلخيص الحبير. وقد وصله في الكبير من طريق عبد الرحمن بن سلام عن سفيان، فقال يحيى بن جعدة، عن هبيرة بن مريم، عن ابن مسعود، وإسناده قوي، وله شاهد من حديث أبي سفيان بن الحارث عند البيهقي والخطيب: "إِنَّ اللهَ لَا يُقَدِّسُ أمَّةً لَا يأْخُذُ الضعِيفُ فِيهَا حَقَّهُ مِنَ الْقَوِيِّ وَهُوَ غَيْرُ مُتَعْتَعٍ". وفي سنده رجل لم يسم الراوي عن أبي سفيان وباقي رجاله ثقات، فهو حسن لغيره. ا. هـ. قلت: غير أن جعل أصحابنا الإقطاع تمليكًا مطلقًا يستطيع بسببه كل أنواع التصرف، تأباه الأدلة، والذي يقتضيه النظر في الأدلة هو ما ذهب إليه الحنابلة، قال ابن قدامة: وللإِمام إقطاع الموات لمن يحييه، فيكون بمنزلة المتحجر الشارع في الإِحياء، لما روي أن النبي ﷺ أقطع بلال بن الحارث العقيق أجمع، فلما كان عمر قال لبلال: إن رسول الله ﷺ لم يقطعك لتُحِيزَهُ عن الناس، إنما أقطعك لتُعَمِّرَ، فخذ منها ما قدرت على عمارته ورُدَّ البَاقي. فإذا ثبت هذا، فإنَّ من أقطعه الإِمام شيئًا من الموات لم يملكه بذلك، لكنه يصير أحَقَّ به من غيره، فيعد بمثابة الشارع في التعمير والإِحياء، فما أحيا منه ملكه وما عجز عن إحيائه رُدَّ منه، بدليل ما ذكرنا من حديث بلال بن الحارث المزني ﵁ حيث استرجع منه عمر ﵁ ما عجز عن إحيائه من العقيق الذي أقطعه إياه رسول الله ﷺ ، فلو كان بلال بن الحارث ﵁ ملك سائر العقيق بموجب ذلك الإِقطاع لما أقدم أمير المؤمنين العدل عمر بن الخطاب على انتزاع ما لم يستطع إحياءه منه. وأيضًا فقد رد عمر بن الخطاب ما أقطعه أبو بكر لعيينة بن حصن الفزاري، فسأل عيينة أبا بكر أن يجدد له كتابًا بالإقطاع، فقال أبو بكر ﵁: والله لا أجدد شيئًا رده عمر. رواه أبو عبيد، نقله عنه ابن قدامة. لذلك، فإن المقطع له يصير أحق بالمقطوع من سائر الناس، وأولى بإحيائه من جميع الناس، فإن أحياه، وإلا قال له السلطان: إن أحييته، وإلا فارفع يدك عنه. كما قال عمر بن الخطاب ﵁ لبلال بن الحارث المزني ﵁: إن رسول الله ﷺ لم يعطك لتحجبه دون الناس، وإنما أقطعك لتعمر، فخذ منها ما قدرت على عمارته، ورُدَّ الباقي. =

стр. 1332

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = هذا، وليس للإمام إقطاع ما لا يجوز إحياؤه من المعادن الظاهرة، لأن النبي ﷺ لما استقطعه أبيض ابن حمَّال الملح الذي بمأرب، فقيل: يا رسول الله، إنما أقطعنه الماء العِدَّ، فأرجعه منه؛ لأن في ذلك تضييقًا على المسلمين. فأما إن كان المعدن باطنًا لا ينتفع به إلا بعمل، فإن الدليل إلى جانب من يقول بجواز إقطاعها؛ لما روى أبو داود وغيره، أن النبي ﷺ أقطع لبلال بن الحارث ﵁ معادن القبلية، جَلْسِيِّهَا وغَوْريِّها. قال ابن قدامة: ومن سبق في الموات إلى معدن ظاهر أو باطن فهو أحق بما ينال منه، لقول النبي ﷺ : "مَنْ سَبَقَ إلى مَا لَمْ يَسْبِقْ إِلَيْهِ مُسْلِمٌ فَهُوَ لَهُ". قال: فإن أخذ قدر حاجته، وأراد الإِقامة فيه بحيث يمنع غيره، منع منه، لأنه يضيق على الناس ا. هـ. منه. (٦) وقوله: وبحمى إمام محتاجًا إليه قلّ من بلد عفا لكغزو، قال الحطاب: يعني أن الوجه الرابع من أوجه الاختصاص التي تمنع إحياء الموات هو الحِمَى؛ يحمى للضعفاء من المسلمين لترعاه مواشيهم، ويمنع منه الأغنياء، وكذلك يجوز للإِمام أن يحمي. والحمى - بكسر الحاء المهملة وفح الميم وبالقصر - هو المكان الذي يمنع رعيه ليتوفر فيه الكلأ، فترعاه مواشي مخصوصة ويمنع غيرها من رعيه، والكلأ - بالهمزة من غير مدٍّ - هو المرعى رطبًا كان أو يابسًا. الخَلَا - بالقصر من غير همز - النبات الرطب، قال في المشارق: وضبطه السمرقندي العذرى بالمد، وهو خطأ. والحمى بمعنى المحمي، هو مصدر بمعنى المفعول، وهو خلاف المباح، وتثنيته حميان. وحكى الكسائي أنه سمع في تثنيته حموان بالواو، والصواب الأول لأنه يائي. وأصل الحمى عند العرب أن الرئيس منهم كان إذا نزل منزلًا مخصبًا استعوى كلبًا على مكان عال، وحيث بلغ صوته حماه من كل جانب، فلا يرعى فيه غيره، لكنه هو يرعى مع غيره فيما سواه. هذا هو أصل معنى الحمى لغة. وأما الحمى الشرعي، فهو أن يحمي الإِمام موضعًا، لا يقع به التضييق علي الناس، للحاجة العامة إلى ذلك؛ إما للخيل التي يحمل عليها الناس للغزو، وإما لماشية الصدقة. انظر الحطاب. روى الصَّعْبُ بن جثَّامة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لَا حِمَى إلَّا لله ولِرَسُوله". رواه أبو داود، وهو في البخاري من طريق يونس عن الزهري، وفي آخره عنده: وقال: بلغنا أن النبي ﷺ =

стр. 1333

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = حمى النقيع. قال شعيب: وقد وصله أبو داود من طريق الزهري عن عبيد الله بن عبد الله، عن عبد الله ابن عباس، عن الصعب بن جثَّامة. قال: وإسناده لا بأس به. قال البغوي: وكان الحمى جائزًا لرسول الله ﷺ لخاصَّة نفسه، لكنه لم يفعل، وإنما حمى النقيع لمصالح المسلمين؛ للخيل المعدة في سبيل الله، ولما فضل من سهمان أهل الصدقة، ولما فضل من نعم الجزية. قال: والنقيع موضع معروف بالمدينة مستنقع للماء ينبت فيه الكلأ عند نضوب الماء عنه. قال: وليس بالواسع الذي إذا حمي ضاقت البلاد على أهل المواشي حوله. قال: وليس لأحد من أئمة المسلمين بعد رسول الله ﷺ أن يحمي لنفسه. ا. هـ. منه. قال ابن قدامة: ولكن لهم أن يحموا مواضع لترعى فيها خيل المجاهدين، ونعم الجزية، وإبل الصدقة، وضوالُّ الناس التي يقوم الإمام بحفظها، وماشية الضعيف من الناس، على وجه يتضرر به من سواه من الناس، قال: وبهذا قال أبو حنيفة ومالك والشافعي - في صحيح قوليه - وأما قوله الثاني: ليس لغير النبي ﷺ أن يحمي لقوله: "لَا حِمَى إِلَّا للهَ ولِرَسُولهِ". قال ابن قدامة: ولنا أن عمر، وعثمان حميا، واشتهر ذلك في الصحابة فلم ينكر عليهما، فكان إجماعًا. وروى أبو عبيد بإسناده عن عامر بن عبد الله بن الزبير، أحسبه عن أبيه قال: أتى أعرابي عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين، بلادنا قاتلنا عليها في الجاهلية وأسلمنا عليها في الإِسلام، علام تحميها؟. فأطرق عمر وجعل ينفخ ويفتل شاربه - وكان إذا كربه أمر فتل شاربه ونفخ - فلما رأى الأعرابي ما به، جعل يردد ذلك، فقال عمر: المال مال الله، والعباد عباد الله، والله لولا ما أحمل عليه في سبيل الله ما حميت شبرًا من الأرض في شبر. ا. هـ. منه. وأخرج الموطأ، وأبو عبيد في الأموال، والبخاري في الجهاد: باب إذا أسلم قوم في دار الحرب ولهم مال وأرضون فهي لهم. وأخرج البغوي، واللفظ له: أن عمر بن الخطاب استعمل مولى له يقال له هُنَيُّ، على الحمى، فقال له: يا هُنَيُّ، اضمم جناحك عن المسلمين، واتَّق دعوة المظلوم، فإن دعوة المظلوم مجابةٌ، وأدْخل ربَّ الصُّريْمَةِ وربَّ الغُنَيْمَةِ، وإيَّايَ ونَعَمَ ابْنِ عَوْفٍ وابْنِ عَفَّانَ، فإنهما إن تَهْلِك ماشيتُهما يَرْجِعَا إلى زرعٍ ونَخْلٍ، وإنَّ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ والغُنَيْمَةِ إنْ تَهْلِك ماشيتُه يأتي فيقولُ: يا أمير =

стр. 1334

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = المؤمنين … أفَتَاركهُمْ أنَا؟. لا أبا لك، فالماءُ والكلأ أيسر عليَّ من الذَّهَبِ والْوَرِقِ، وأيْمُ اللهِ إنَّهُم لَيَرَوْنَ أنْ قَدَ ظَلَمْتُهُمْ، إنَّها لَبِلَادُهُم، قَاتلوا عليها في الجاهليَّة، وأسلموا عليها في الإسلام، وأيْمُ الله لولا المالُ الذي أحْمِلُ عليه في سبيل الله، ما حميت على المسلمين من بلادهم شبرًا. ا. هـ. قال البيهقي: وأثر إبل ابن عمر يدل على أن غير النبي ﷺ ليس له أن يحمي لنفسه. وفيه أيضًا دلالة على أن قول رسول الله ﷺ : "لَا حِمَى إلَّا للهِ وَلِرَسُولهِ". أراد به أن لا حمى إلا على مثل ما حمى عليه رسول الله ﷺ في صلاح المسلمين. قلت: وأثر إبل ابن عمر ساقه قبل كلامه هذا، بسنده عن يونس بن أبي يعقوب، عن أبيه قال: قال ابن عمر: اشتريت إبلًا وأنجعتها إلى الحمى، فلما سمنت قدمت بها. قال: فدخل عمر بن الخطاب ﵁ السوق فرأى إبلًا سمانًا فقال: لمن هذه الإِبل؟ قيل: لعبد الله بن عمر، فجعل يقول: يا عبد الله بن عمر، بخ بخ ابن أمير المؤمنين، قال: فجئته أسعى فقلت: ما لك يا أمير المؤمنين؟ قال: قلت: إبل أنضاء اشتريتها وبعثت بها إلى الحمى أبتغي ما يبتغي المسلمون، قال: فقال: ارعُوا إبل ابن أمير المؤمنين، اسقُوا إبل ابن أمير المؤمنين، يا عبد الله، اغد على رأس مالك، واجعل باقيه في بيت مال المسلمين. ا. هـ. والحاصل أن الدليل إلى جانب من يجعل للإِمام أن يحمي حمى لمصلحة المسلمين العامة لا لمصلحة نفسه، وأن هذا لا ينبغي أن ترد عنه ماشية الضعيف، والله أعلم. (٧) وقوله: وافتقر لإِذن، أي وافتقر إحياء الموات لإذن الإِمام، وقال ابن رشد، فيما عزاه له المواق: المشهور في القريب الذي لا ضرر في إحيائه على أحد، لا يجوز إحياؤه إلا بإذن الإِمام. ا. هـ. (٨) وقوله: وإلا فللإمام إمضاؤه أو جعله متعديًا، قال ابن عبد السلام: فإذا فرعنا على أن القريب الذي لا ضرر فيه يفتقر إلى إذن الإِمام، كان الأمر أنه أحياه أحد من غير إذن منه، تعقب الإِمام ما فعله هذا؛ فإن رأى إمضاءه أمضاه، وإن لم ير ذلك أخذه منه وأعطاه قيمة صنعه منقوضًا إن رده لبيت المال، وإن شاء كلفه بهدمه، وإن شاء أقطعه لغيره، فيكون لذلك الذي أقطعه الإِمام إياه أن يكلفه بما كان الإِمام يأمره به. ا. هـ. من الحطاب بتصرف. (٩) وقوله: ولو ذميًا بغير جزيرة العرب، قال ابن قدامة: لا فرق بين المسلم والذمي في الإِحياءِ، =

стр. 1335

وَالإِحْيَاءُ بِتَفْجِيرِ مَاءٍ وَبإخْراجِهِ (١) وبِبِنَاءٍ وغَرْسٍ، وبَحَرْثِ وَنَحْرِيكِ أرْضٍ وبِقَطْع شَجَرٍ، وبكَسْر حَجَرهَا وَتَسْويَتِهَا، لا بتَحْويطٍ (٢) وَرَعْي كلَإ، وحفْرِ بِئرِ مَاشِيةٍ (٣). = نص عليه أحمد، وبه قال مالك، وأبو حنيفة. وقال مالك: لا يملك الذمي بالإحياء في دار الإسلام. قال القاضي: وهو مذهب جماعة من أصحابنا لقول النبي ﷺ : "مَوَتَانُ الْأرْضِ للهِ ولِرَسُولِهِ، ثُمَّ هُو لَكُمْ مِنِّي". فجمع الموتان وجعله للمسلمين، ولأن موتان الدار من حقوقها، والدار للمسلمين فكان موتانها لهم كمرافق المملوك. واحتج من قال بجواز إحياء الذمي بعموم قوله ﷺ : "مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ" قال: ولأن هذه جهة من جهات التمليك، فاشترك فيها المسلم والذمي كسائر جهاته قالوا: ثم لا يمتنع أن يريد ﷺ بقوله: "هِي لَكمْ" أي لأهل دار الإِسلام، والذمي من أهل الدار، يتملكها كما يتملكها بالشراء، ويملك مباحاتها من حشيش، وحطب، وصيد، وركاز، ومعدن، ولقطة، وهي من مرافق الإِسلام. انظر المغني. نسب المواق هنا للباجي: إنْ أحيا ذمي، فقال ابن القاسم: هي له إلا أن يكون ذلك في جزيرة العرب، وإنما يحيي الذمي ذلك فيما بَعُدَ، وأما ما قرب من العمران فيخرج عنه ويعطي قيمة ما عمر، لأن ما قرب بمنزلة الفيء، ولا حق للذمي في الفيء، وكذلك في جزيرة العرب؛ مكة والمدينة والحجاز كله والنجود واليمن. قاله مطرف وابن الماجشون، وفيه نظر، قال: ولو قيل: إن حكمهم في ذلك حكم المسلمين لم يبعد كما كان لهم ذلك فيما بعد. ا. هـ. منه. (١) وقوله: والإحياء بتفجير ماء وبإخراجه. الخ. نسب المواق للباجي: قال مالك: صفة الإحياء أن يحفر فيها بئرًا، أو يجري عينًا، أو يغرس شجرًا، أو يبني، أو يحرث، ما فعل من ذلك فهو إحياء. قال عياض: اتفق على سبعة: تفجير الماء، وإخراجه عن غامرها به، والبناء، والغرس، والحرث، ومثله تحريك الأرْض بالحفر وقطع شجرها. وسابعها كسر حجرها وتسوية حفرها وتعديل أرضها. ا. هـ. المواق. (٢) وقوله: لا بتحويط، قال ابن القاسم: ليس التحجير إحياء. قال أشهب: فمن حجر أرضًا مواتًا بعيدة لا يكون أولى بها حتى يعلم أنه حجرها ليعمل فيها إلى أيام لا يمكنه العمل ليبس الأرض =

стр. 1336

وَجَازَ بِمَسْجِدٍ سُكْنَى لِرَجُل تَجَرَّدَ لِلْعِبَادَةِ (١)، وعَقْدُ نِكَاحٍ (٢)، وقَضَاءُ دَيْنٍ، وقَتْلُ عَقْرَبٍ (٣)، ونَوْمٌ بِقَائِلةٍ (٤)، وتَضْييفٌ بِمَسْجِدِ بادِيَةٍ (٥)، وإنَاءٌ لِبَوْلٍ إنْ خَافَ سَبْقًا كَمَنْزِلٍ تَحْتَهُ ومُنِعَ عَكْسُهُ كإخْراجِ رِيحٍ (٦) ومُكْثٍ بنجسٍ (٧) وَكُرِهَ أنْ يَبْصُقَ بأرْضِهِ وحَكّهُ (٨). = ونحوه. قال: ومن حجر ما لا يقوى عليه فله منه ما عَمَّر. ا. هـ. مواق. قال ابن قدامة: ظاهر كلام الخرقي أن تحويطها إحياء لها، سواء أرادها للبناء أو للزرع، أو لتكون حظيرة لغنم، أو غير ذلك، ونص على ذلك أحمد في رواية علي بن سعيد، فقال: الإِحياء أن يحوط عليها حائطًا، ويحفر فيها بئرًا أو نهرًا. ولا يعتبر في ذلك تسقيف، وذلك لما روى الحسن، عن سمرة، أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ أَحَاطَ حَائِطًا عَلَى أَرْضٍ فَهِيَ لَهُ". رواه أبو داود، والإِمام أحمد في مسنده، ويروى عن جابر عن النبي ﷺ مثله. قال: ولابد أن يكون الحائط منبعًا يمنع ما وراءه، وأن يكون مما جرت العادة بمثله، ويختلف باختلاف البلدان. ا. هـ. منه. (٣) وقوله: وحفر بئر ماشية، قال الباجي ليس حفر بئر الماشية إحياء. قاله ابن القاسم. ا. هـ. غير أننا لم نجد مستندًا لهذه الفتيا، إنما وجدنا الدليل إلى جانب أن من حفر بئرًا في موات للتمليك فله حريمها، واختلفوا في تحديد ذلك الحريم، ففي رواية عن أحمد: "مَنْ سَبَق إِلَن مَا لَمْ يَسْبِقْ إلِيْهِ مُسْلِمٌ فَهُوَ لَهُ، وَلَهُ حَرِيمُهَا خَمْسُونَ ذِرَاعًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ". وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "حَرِيمُ الْبِئْر أَرْبَعُونَ ذِراعًا لأعْطَانِ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ". وعن الشعبي مثله. رواه أبو عبيد. إن هذا الحديث الذي رواه أبو عبيد ظاهر في بئر الماشية لقوله: "لأعْطَانِ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ". وقد حدد لها حريمها الذي لا يجوز لأحد إحياؤه. لذلك، فقد يستشكل نفي الإِحياء عن بئر الماشية، ولعلهم اطلعوا على ما لم نطلع عليه، فهم أهل اليد الطولى في العلم وسعة المعرفة، وأصحاب القدم الراسخة في العلم. غفر الله لنا ولهم، وجمعنا بهم في مستقر رحمة الله. (١) قوله: وجاز بمسجد سكنى لرجل تجرد للعبادة: دليله أن الصفّة من مسجد رسول الله ﷺ وقد كان أصحاب الصفّة يسكنونها ويقيمون بها حتى يستغني أحدهم بما يتحصل به على مسكن بالملك أو بالأجرة. =

стр. 1337

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وكان رسول الله ﷺ يسكن بالمسجد من مرض من أصحابه لعلاجه به ولتمكنه ﷺ من عيادته في أي وقت شاء، كما كان الحال بالنسبة لسعد بن معاذ بن النعمان سيد الأوس ﵁. (٢) وقوله: وعقد نكاح - قال الزركشي في "إعلام الساجد بأحكام المساجد": يستحب عقد النكاح في المسجد. قاله أبو عمر بن الصلاح، واحتج بحديث: "أَعْلِنُوا النِّكَاحَ فِي الْمَسْجد". رواه الترمذي. (٣) وقوله: وقتل عقرب، في الحديث: "لَعَنَ اللهُ الْعَقْرَبَ، لَا يَدَعُ مُصَلٍّ وَلَا غَيْرَ مُصَلٍّ إِلَّا وَلَدَغَتْهُ، اقْتُلُوهَا لي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ". أو كما قال ﷺ . (٤) وقوله: ونوم بقائلة - قال الزركثي: قال القاضي أبو منصور بن الصباغ في كتاب الإِشعار باختلاف العلماء: الذي حكاه ابن المنذر في الإشراف: أن ابن عمر قال: كنت أنام في المسجد على عهد رسول ﷺ . قلت: وهو في صحيح البخاري. قال: وإن عمرو بن دينار قال: كنا نبيت على عهد ابن الزبير في المسجد، وأن سعيد بن المسيب، والحسن البصري، وعطاء، والشافعي رخصوا فيه. وأن ابن عباس قال: لا تتخذوا المساجد مرقدًا. وعنه أنه قال: إن كنت تنام فيه للصلاة فلا بأس. وأن مالكًا قال: أما الغرباء الذب يأتون فيمن يريد الصلاة فإني أراه واسعًا. وأما رجل حاضر فلا أرى ذلك له. وأن أحمد بن حنبل قال: إذا كان على رجل سفر وما أشبهه فلا بأس، فأما أن تتخذه مبيتًا، أو مقيلًا فلا. وبه قال إسحاق. ا. هـ. منه. (٥) وقوله: وتضييف بمسجد بادية، قال المواق: سمع ابن القاسم: يجوز تعليق الأقتاب بكل مسجد لضيافة من أتى يريد الإِسلام، ولم ير مالك بأسًا بأكل الرطب الذي يجعل في المسجد. قال ابن رشد: وفيها ما يدل على أن الغرباء الذين لا يجدون مأوى يجوز لهم أن يأووا إلى المسجد ويبيتوا فيه ويأكلوا فيه ما أشبه التمر من الطعام الجاف، وقد خفف مالك أيضًا للضيفان المبيت والأكل بالمساجد في القرى. ا. هـ. منه. قلت: يستأنس لذلك بربط رسول الله ﷺ لثمامة بن أثال الحنفي بالمسجد وضيافته به وهو مربوط، وكان ﷺ يغدوا إليه كل يوم يقول: "مَا تَقُولُ يَا ثُمَامَةُ؟ ". فيقول: إن تنعم تنعم على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم. فلما كان اليوم الثالث أطلقه، فكان سبب إسلامه. متفق عليه. انظر شرحه في فتح المنعم على زاد المسلم تجد أنهم كانوا يضيفونه بالمسجد، وأنه كان قبل إسلامه يأكل ويشرب كثيرًا، فلما أسلم =

стр. 1338

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = نقص قوته فكان ذلك سبب حديث: "الْكَافِرُ يَأكُلُ بِسَبْعَةِ أَمْعَاءٍ". الحديث. (٦) وقوله: كإخراج ريح، في الحطاب هنا ما نصه: عده المصنف من المحرمات. وقال ابن العربي في عارضته في باب: تطييب المساجد، في شرح قول عائشة: أمر رسول الله ﷺ ببناء المساجد وأن تنظف وتطيب، ونظافتها أن لا تبقى فيها قمامة من الخرف والقذى والعيدان، وليس من ذلك الحدث يكون فيه ريح أو صوت، ولا يناقض تنظيفه تعليق قنو فيه من ثمر يأكله المساكين، ولا أكل ما فيه إذا وضع لقاطة أو سقاطة ما يأكل في حجره أو كمه. ا. هـ. وقال في باب المشي إلى المسجد وانتظار الصلاة فيه في شرح قوله ﷺ : "لَا تَزَالُ الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدكُمْ مَا دَامَ فِي الْمَسْجِدِ؛ اللَّهُمَّ اغفرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، مَا لَمْ يُحْدِثْ". قال رجل من حضرموت لأبي هريرة: ما الحدث؟. قال: فساء أو ضراط. وفيه دليل على جواز إرسالهما في المسجد كما يرسلهما في بيته إذا احتاج إلى ذلك، وأن المسجد إنما ينزه عن نجاسة عينية. ا. هـ. منه بلفظه. وقال الزركشي: لا يحرم إخراج الريح من الدبر في المسجد لكن الأولى اجتنابه لقوله ﷺ "فَإنَّ الْمَلائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ". (٧) وقوله: ومكث بنجس، قال الزركشي: يحرم إدخال النجاسة إلى المسجد، فأما من على بدنه نجاسة، فإن خاف تلويث المسجد، لم يجز له الدخول، وإن أمن ذلك، جاز. نقله عن التتمة في شرح المهذب وأقره، وأما إذا افْتَصد في المسجد أو احتجم، فإن كان في غير إناء فحرام، وإن قطر دمه في إناء فمكروه، والأولى تركه. قال: وأما إذا بال في المسجد في إناء ففيه احتمالان لابن الصباغ، وأصحهما في الروضة أنه حرام، ويخالف الحجامة، لأنه مما يستقبح ويستحقر فينزه المسجد عنه. وأما قول المصنف فيما قبل: وإناء لبول إن خاف سبقًا، فإنه يستأنس له بما في كتاب الطهور لأبي عبيد عن سعيد بن أبي بردة أنه أبصر أبا وائل شقيق ابن سلمة في المسجد يبول في طست وهو معتكف. وفي صحيح البخاري في باب الاعتكاف عن عائشة، قالت: اعتكفت مع رسول الله ﷺ امرأة من أزواجه مستحاضة، فكانت ترى الحمرة والصفرة، فربما وضعنا الطست تحتها وهي تصلي. ا. هـ. (٨) وقوله: وكره أن يبصق بأرضه وحكه، نسب المواق هنا للمدونة، قال مالك: لا يبصق أحد بحصير المسجد أو في الصلاة ويدلك برجله، ولا بأس أن يبصق تحت الحصير. قال أبو القاسم: =

стр. 1339

وتَعْلِيمُ صَبيٍّ (١) وبَيْعٌ وشِرَاءٌ (٢)، وسَلُّ سَيْفٍ (٣)، وإنْشَادُ ضَالَّةٍ (٤)، وهَتْفٌ بِميِّتٍ، ورَفْعُ صَوْتٍ كرفْعِهِ بِعِلْمٍ (٥)، وَوَقيدُ نَارٍ، ودُخُولُ كَخَيْلٍ لَنَقْل فَرْشٍ، أو مُتَّكَأً، ولِذي مَأجَلٍ وبِئر ومِرْسَالِ مَطَرٍ، كماءٍ يَمْلِكُهُ (٦) مَنْعُهُ وبَيْعُهُ إلَّا مَنْ خِيفَ عَلَيْهِ ولَا ثَمَنَ مَعَهُ، والأرجَحُ بالثَّمَنِ، كفَضْلِ بئر زَرْعٍ. = وكذلك إن كان المسجد غير محصب فلا يبصق تحت قدمه ويحكه برجله بمنزلة الحصير، قال مالك: وإذا كان المسجد محصبًا، فلا بأس أن يبصق بين يديه وعن يساره وتحت قدمه ويدفنه، ويكره أن يبصق أمامه في حائط القبلة. قال: وإن كان عن يمينه رجل وعن يساره رجل في الصلاة بصق أمامه ودفنه، وإن كان لا يقدر على دفنه لا يبصق في المسجد بحال، كان مع الناس أو وحده لقوله ﷺ : "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلَا يَبْصُقْ فِي الْقِبْلَة بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ وَلكِنْ عَنْ شِمَالِهِ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَبْصُقْ فِي ثَوبِهِ". وقال ﷺ : "إِن أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي فإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ وَإِنَّ رَبَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قِبْلَتِهِ فَلْيَبْصُقْ إِذَا بَصَقَ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ". قال ألو عمر: في هذا الحديث دليل على أن للمصلي وهو في الصلاة أن يبصق إذا لم يبصق قبل وجهه ولا عن يمينه. ا. هـ. منه. وقال الزركشي: يحرم البصاق في المسجد كما جزم به النووي في التحقيق وشرح المهذب لظاهر قوله ﷺ : "الْبُصَاقُ في المَسْجِدِ خَطِيئَةٌ". قال: وأما إطلاق الروياني والجرجاني، والعمراني، والمحاملي، وسليم الرازي وغيرهم الكراهة، فمحمول على إرادة التحريم، فمن بصق فقد ارتكب محرمًا، وكفارته دفنه في رمل المسجد، ولو مسحها بيده أو خرقة كان أفضل. قال في شرح المهذب: ومن رأى من يبصق في المسجد لزمه الإِنكار عليه، ومنعه منه إن قدر، ومن رأى بصاقًا أو نحوه في المسجد، فالسنة أن يزيله بدفنه أو إخراجه، ويستحب تطييب محله. ا. هـ. منه. هذا وقد تقدم الكلام على البصاق بالمسجد عند قول المؤلف: وبصق به إن حصب. فليرجع إليه من شاء. (١) وقوله: وتعليم صبي: قال الزركشي: قال القرطبي منع بعض العلماء من تعليم الصبيان في المسجد وقال: إنه من باب البيع، وهذا إذا كان بأجرة، فإن كان تبرعًا فهو ممنوع أيضًا لعدم تحرز الصبيان من القذر والوسخ، فيؤدي ذلك إلى عدم تنظيف المساجد، وقد ورد الأمر بتنظيفها، قال: وفي الحديث: "جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ صِبْيَانَكُمْ". =

стр. 1340

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = قلت: حكم دخول الصبيان المساجد قد قدمت الكلام عليه في هذا الكتاب المبارك عند قول خليل: وإحضار صبي به لا يعبث ويكف إذا نهي، فأغنى ذلك عن إعادته هنا. ولله الحمد وله الشكر. وهو المرجو أن يوفق لما يرضيه من القول والعمل. (٢) وقوله: وبيع وشراء، نسب المواق لأبي عمر قال: قال رسول ﷺ : "إِذَا رَأيْتُم الرَّجُلَ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي في الْمَسْجِدِ فَقُولُوا: لَا أَرْبَحَ اللهُ تِجَارتَكَ، وَإِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمسْجِدِ فَقُولوا: لَا رَدَّهَا اللهُ عَلَيْكَ". وقال ابن القاسم عن مالك: لا بأس أن يقضي الرجل الرجل في المسجد ذهبًا. وقال مالك: لا أحب لأحد أن يظهر سلعته في المسجد للبيع، فأما أن يساوا رجلًا بثوب عليه أو سلعة تقدمت رؤيته لها، فيراجعه البيع فيها فلا بأس به. قال مالك: وينهى المساكين عن السؤال في المسجد. قال ابن عبد الحكم: وإذا سألوا فلا يعطوا شيئًا. ا. هـ. منه. قال الزركشي: ولا بأس أن يعطى السائل في المسجد شيئًا لحديث عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄: قال رسول الله ﷺ : "هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَطْعَمَ الْيَوْمَ مِسْكِينًا "؟ فقال أبو بكر: دخلت المسجد فإذا أنا بسائل، فوجدت كسرة خبز في يد عبد الرحمن فأخذتها فدفعتها إليه. رواه أبو داود في سننه: والبزار في مسنده، وقال: لا نعلمه يروى عن عبد الرحمن بن أبي بكر إلا بهذا الإسناد، ويروى مرسلًا، وأخرجه الحاكم في مستدركه في كتاب الزكاة، وقال: صحيح على شرط مسلم. قال المنذري: وقد أخرجه مسلم في صحيحه، والنسائي في سننه من حديث أبي حازم سليمان الأشجعي عن أبي هريرة، فتموه أتم منه. قال: وأخرجه البخاري أيضًا قال: والمختار أنه إن كان السائل لا يتخطي رقاب الناس، ولا يمر بين يدي المصلي، ولا يسأل الناس إلحافًا، فلا بأس بالسؤال والإِعطاء، لأن السؤَال كانوا يسألون على عهد رسول الله ﷺ في المسجد، حتى روي أن عليَّ بن أبي طالب تصدق بخاتمه وهو في الركوع، فمدحه الله بقوله تعالى: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ (١). ا. هـ. منه. (٣) وقوله: وسلّ سيف، قال الزركشي: يكره سل السيف في المسجد. قال عطاء: نهي عن سل السيف في المسجد. وفيه آثار رواها ابن أبي شيبة في مصنفه. قال: وأما إقراره ﷺ الحبشة على لعبهما بالحراب والسيوف في المسجد يوم العيد فهو مخصوص بما أقره ﷺ من جهة التدريب على الحرب والتمرين فيه، فهو من باب المندوب. ا. هـ. منه. =

стр. 1341

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = (٤) وقوله: وإنشاد ضالة، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ فَلْيَقُلْ: لَا رَدَّهَا اللهُ عَلَيْكَ. فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهذَا". وروى الترمذي أيضًا عنه أن رسول الله ﷺ قال: "إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ أوْ يَبْتَاعُ في الْمَسْجِدِ فَقُولوُا: لَا أَرْبَحَ الله تِجَارَتَكَ. وإِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَنْشُدُ فِيهِ ضَالَّةً فَقُولُوا: لَا رَدَّهَا اللهُ عَلَيْكَ". قال الترمذي: حسن غريب. وذكر الحطاب: قال الطرطوشي في كتاب البدع: ولو لم يرفع بذلك صوته، ولكن يسأل عن ذلك جلساءه غير رافع صوته فلا بأس بذلك، لأنه من جنس المحادثة، وذلك غير ممنوع. ا. هـ. منه. وفي الحطاب هنا فرع: قال القرطبي في شرح مسلم في قوله: إن عمر مر بحسان ينشد الشعر في المسجد فلحظ إليه، قال: أي أومأ إليه بعينه أن اسكت، وهذا يدل على أن عمر كان يكره إنشاد الشعر في المسجد، وكان قد بنى رحبة في خارج المسجد، وقال من أراد أن يلغط أو ينشد شعرًا فليخرج إلى هذه الرحبة. وقد اختلف في ذلك؛ فمن مانع مطلقًا، ومن مجيز مطلقًا، والأولى التفصيل: فما كان يقتضي الثناء على الله تعالى أو على رسوله ﷺ أو الذب عنهما، كما كان شعر حسان، أو يتضمن الحث على الخير، فهو حسن في المساجد وغيرها، وما لم يكن كذلك لم يجز، لأن الشعر لا يخلو في الغالب من الكذب والفواحش والتزيين بالباطل، ولو سلم من ذلك فأقل ما فيه اللغو والهذر، والمساجد منزهة عن ذلك لقوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ (١). ولقوله ﷺ : "إِنَّ هذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ كَلَام النَّاسِ، إِنَّمَا هِيَ لِلذِّكْر وَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآن". ا. هـ. منه بلفظه. (٥) وقوله: ورفع صوت كرفعه بعلم. قال المواق: قال ابن القاسم: رأيت مالكًا يعيب على أصحابه رفع أصواتهم في المسجد. ا. هـ. منه. وقال الزركشي: يكره اللغط ورفع الصوت في المسجد، ففي مصنف ابن أبي شيبة أن عمر بن الخطاب سمع رجلًا رافعًا صوته في المسجد فقال: أتدري أين أنت؟. وفي البخاري نحوه، قلت: ولفظ ما في البخاري عن السائب بن يزيد قال: كنت قائمًا في المسجد فحصبني رجل، فنظرت فإذا عمر بن الخطاب، فقال: اذهب فائتني بهذين. فجئته بهما، فقال من أنتما؟ أو من أين أنتما؟. قالا: من أهل الطائف، قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله ﷺ ؟!. ا. هـ. =

стр. 1342

خِيفَ عَلى زَرْعِ جَارِهِ بِهَدْمِ بِئْرِه وَأخَذَ يُصْلحُ، وأُجْبِرَ عَلَيْهِ، كَفَضْلِ بِئْرِ مَاشِيَةٍ بِصَحْرَاءَ هَدَرًا إنْ لَمْ يُبَيِّنْ المِلْكِيَّةَ، وبُدِئ بِمُسَافِرٍ، ولَهُ عَارِيَةُ آلَةٍ ثُمَّ حَاضِرٍ ثُمَّ دَابَّةِ رَبِّهَا بِجَمِيعِ الرِّيِّ وَإلَّا فَبِنفْسِ المَجْهُودِ. وإنْ سَال مَطَرٌ = نسبه مصطفى المراغي في تعليقه على إعلام الساجد. لعمدة القاري جـ ٤/ ص ٢٩٤ قال الزركشي: وسئل مالك عن رفع الصوت بالعلم في المسجد، فقال: لا خير في ذلك العلم ولا غيره. ولقد أدركت الناس قديمًا يعيبون ذلك على من يكون في مجلسه، وأنا أكره ذلك ولا أرى فيه خيرًا. قاله أبو عمر، وقال: وأجاز ذلك قوم، منهم أبو حنيفة، ومحمد بن مسلمة من المالكية، واحتجوا بحديث عبد الله بن عمرو قال: تخلف فينا رسول الله ﷺ ، وقد أرهقتنا الصلاة، ونحن نتوضأ ونمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته "وَيْلٌ لِلْأعْقَابِ مِنَ النَّارِ". قال: وليس في الحديث أنهم كانوا في المسجد. واحتجوا أيضًا بحديث كعب بن مالك وابن أبي حدرد في الديْن الذي له عليه، وأنهما دخلا المسجد وارتفعت أصواتهما فيه، ولم ينكر النبي ﷺ وقال له: "ضَعْ مِنْ دَيْنِكَ الشَّطْرَ". الحديث. (٦) وقوله: ولذي مأجل وبئر ومرسال مطر كماء يملكه الخ. هو شروع منه ﵀ في تفصيل أحكام المياه، قال ابن رشد: ما كان من المياه بأرض ممتلكة، وسواء أكانت مستنبطة مثل بئر يحفرها، أو عين يستخرجها، أو مواجل يتخذها أو غير ذلك؛ مثل غدير بأرضه، وما أشبه ذلك، فهو أحق به، ويحل له بيعه، ومنع الناس منه إلا بثمن، إلا أن يرد عليه قوم لا ثمن معهم، ويخاف عليهم الهلاك إن منعهم. ويحق عليه أن لا يمنعهم، فإن منعهم كان عليهم مجاهدته. هذا قوله في المدونة، لأنه لم يحمل نهيه ﵊ على منع نفع البئر على عمومه، بل تأوله على ما تقدم؛ لأنه يستحب له أن لا يمنع الشرب من العين أو الغدير في أرضه من أحد من الناس من غير حكم يحكم به عليه، وله في واجب الحكم أن يمنع ماءه إذا شاء ويبيحه إذا شاء. وقال في المدونة: إذا حرث جارك على غير أصل ماء فلك منعه أن يسقي أرضه بفضل ماء بئرك الذي في أرضه إلا بثمن إن شئت، وأما إن حرث ولأرضه بئر فانهارت، فخاف على زرعه، فإنه يقضى له عليك بفضل ماء بئرك بغير ثمن، وإن لم يكن في مائه فضل فلا شيء له، وروي عن مالك أنه يرجع عليه الثمن. ا. هـ. من المواق.

стр. 1343

بِمُبَاحٍ سُقِيَ الأعْلى (١) إنْ تَقَدَّمَ لِلكَعْب وأمِرَ بِالتَّسْويَةِ (٢)، وإلَّا فَكَحَائطَيْنِ. وقُسِمَ للمُتَقابلَيْنِ كالنِّيلِ، وإنْ مُلِكَ أوَّلًا قُسِمَ بِقلْدٍ أوْ غيْرهِ، وَأقرعِ للتَّشَاحِّ في السَّبْقِ، ولَا يَمْنعُ صَيْدَ سَمَكٍ وَإنْ مِنْ مِلْكِهِ، وَهَلْ في أرْضِ الْعَنْوة فَقَطْ أوْ إلَّا أنْ يَصِيدَ الْمَالِكُ؟ تأوِيلَانِ. وكَلَأً بِفحْصٍ وَعَفَاءٍ لَمْ يَكْتَنفْهُ زَرْعُهُ بِخِلَافِ مَرْجِهِ وحِمَاهُ. (١) وقوله: وإن سال مطر بمباح سقي الأعلى. قال ابن قدامة: إذا كان الماء نهرًا صغيرًا يزدحم الناس فيه، ويتشاحون في مائه، أو سيلًا يتشاح فيه أهل الأرض الشاربة منه، فإنه يبدأ بمن في أول النهر، فيسقي ويحبس الماء حتى يبلغ إلى الكعب، ثم يرسل إلى الذي يليه فيصنع كذلك، وعلى هذا إلى أن تنتهي الأرض كلها، فإن لم يفضل عن الأول شيء، أو عن الثاني، أو عمن يليهم، فلا شيء للباقين، لأنه ليس لهم إلا ما فضل، فهم كالعصبة في الميراث، قال: وهذا قول فقهاء المدينة، ومالك، والشافعي، ولا نعلم فيه مخالفًا. قال: والأصل في هذا ما روى عبد الله بن الزبير؛ أن رجلًا من الأنصار خاصم الزبير في شراج الحرة التي يسقون منها إلى النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : "اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ أَرْسِلِ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ". فغضب الأنصاري وقال: يا رسول الله، أنْ كان ابن عمتك؟. فتلون وجه رسول الله ﷺ ثم قال: "يَا زُبَيْرُ اسْقِ ثُمَّ احْبِسِ المَاءَ حَتَّى يَرْجعَ إلَى الْجَدْرِ". قال الزبير: فوالله إِني لأحسب هذه الآية نزلت فيه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ (١). متفق عليه. ورواه مالك في الموطإ عن الزهري، عن عروة، عن عبد الله بن الزبير، وذكر عنه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: نظرنا في قول النبي ﷺ : "ثُمَّ احْبِسِ الْمَاءَ حتَّى يَبْلُغَ إِلَى الْجَدْرِ". فكان ذلك إلى الكعبين، قال: وإنما أمر النبي ﷺ الزبير أن يسقي ثم يرسل الماء تسهيلًا على غيره، فلما قال الأنصاري ما قال استوعى النبي ﷺ الزبير حقه قال: وروى مالك في الموطإ أيضًا عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم أنه بلغه أن رسول الله ﷺ قال في سبل مهزوز ومذينيب: "يُمْسِكُ حَتَّى الْكَعْبَيْنِ ثُمَّ يُرْسِلُ الأعْلَى عَلَى الأسْفَلِ". قال ابن عبد البر: =

стр. 1344

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = هذا حديث مدني مشهور عند أهل المدينة، معمول به عندهم. قال عبد الملك بن حبيب: مهزوز ومذينيب واديان من أودية المدينة يسيلان بالمطر، وتتنافس أهل الحوائط في سيليهما. وروى أبو داود بإسناده عن ثعلبة بن أبي مالك أنه سمع كبراءهم يذكرون أن رجلًا من قريش كان له سهم في بني قريظة، فخاصم إلى رسول الله ﷺ في سيل مهزوز، والسيل يقتسمون ماءه، قضى بينهم رسول الله ﷺ أن الماء إلى الكعبين، يحبس الأعلى على الأسفل. قال: ولأن من أرضه قريبة من فوهة النهر أسبق إلى الماء فكان أولى به، كمن سبق إلى المشرعة. ا. هـ. ابن قدامة. (٢) وقوله: وأمر بالتسوية: نقل المواق عن الباجي: فإن كان بعض الحائط أعلى من بعض، فقال سحنون: يؤمر أن يعدل أرضه، وليس له أن يحبس على أرضه كلها إلى الكعبين. قال: فإن تعذرت عليه التسوية؛ سقى كل ما كان على حدته. ا. هـ. منه والله تعالى أعلم.

стр. 1345

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . كتاب الأحباس الحُبُسُ لغة حقيقته الحبْسُ، وشرْعًا: هو حبر عين لمن يستوفي منافعها على التأبيد. قال النووي: وهو مما اختص به المسلمون. قال الشافعي ﵀: لم يحبس أهل الجاهلية فيما علمته دارًا ولا أرضًا تبررًا بحبسها، وإنما حبس أهل الإِسلام. والحبس حكمه الجواز خلافًا لأبي حنيفة. وقال شريح: لا حبر على فرائض الله. يريد به أن من حبس شيئًا يورث عنه. قال مالك: إنما تكلم شريح ببلده، ولم يرد المدينة فيرى أحباس الصحابة. قال: وينبغي للمرء أن لا يتكلم فيما لم يحط به خبرًا. ا. هـ. المواق. قال ابن قدامة: وهو مستحب، والأصل فيه ما روى عبد الله بن عمر قال: أصاب عمر أرضًا بخيبر، فأتى النبي ﷺ يستأمره فيها، فقال: يا رسول الله، إنِّي أصبت أرضًا بخيبر لم أصب قط مالًا أنفس عندي منها، فما تأمرني فيها؟ فقال: "إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا وتَصَدَّقْتَ بِهَا، غَيْر أنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا، ولا يُبْتَاعُ، ولَا يُوهَبُ، ولَا يُورَثُ". قال: فتصدق بها عمر على الفقراء، وذوي القربى، والرقاب، وابن السبيل، والضيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها، أو يطعم صديقًا بالمعروف غير متأثل فيه أو غير متمول فيه. متفق عليه. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا مات ابنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَملُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْعِلْم يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْ بَعْدِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالحٍ يَدْعُو لَهُ". قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وأكثر أهل العلم من السلف ومن بعدهم على القول بصحة الوقف. قال جابر: لم يكن أحد من أصحاب النبي ﷺ ذو مقدرة إلا وقف. وقال الترمذي: العمل على صحة الوقف عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، لا نعلم بين أحد من المتقدمين منهم في ذلك اختلافًا. وقال الحميدي: تصدق أبو بكر ﵁ بداره على ولده، وعمر بربعه عند المروة على ولده، وعثمان ببئر رومةَ، وتصدق عليّ بأرضه بينبع، وتصدق الزبير بداره بمكة وبداره بمصر وأمواله بالمدينة على ولده، وتصدق سعد بداره بالمدينة وداره بمصر على ولده، وتصدق حكيم بن حزام بداره بمكة والمدينة على ولده، وتصدق عمرو بن العاص بالوهط (١) وبداره بمكة على ولده، قال: فذلك كله إلى =

стр. 1346

كتاب الأحباس بَابٌ: صَحَّ وَقْفُ مَمْلُوكٍ (١) وإنْ بِأُجْرَةٍ، ولَوْ حَيَوَانًا (٢) ورَقيقًا كَعَبْدٍ عَلَى مَرْضَى لَمْ يَقْصِدْ ضَرَرَهُ، وَفي وَقْفِ كطعَامٍ تَرَدُّدٌ، عَلى أهْل لِلتَمَلُّكِ كمَنْ = اليوم. فإن الذي قدر منهم على الوقف وقف، واشتهر ذلك، فلم ينكره أحد فكان إجماعًا. ومن أنكر الوقف احتج بحديث عبد الله بن زيد - راوي الأذان - روي أنه جعل حائطًا صدقة، وجعله إلى رسول الله ﷺ ، فجاءه أبواه إلى النبي ﷺ فقالا: لم يكن لنا عيش إلا هذا الحائط، فرده ﷺ لهما، ثم ماتا فورثه منهما، رواه المحاملي في أماليه. والجواب عن هذا الحديث إن صح، بأنه ليس فيه ذكر الوقف إطلاقًا، فالظاهر أنه جعله صدقة استناب فيها رسول الله ﷺ ، فرأى والديه أحقَّ الناس بها، فصرفها إليهما، ولهذا لم يردها عليه وإنما دفعها إليهما. ويحتمل أيضًا أن البستان كان لهما فتصرف فيه عبد الله بهذا التصرف بغير إذنهما، فلم ينفذاه وأتيا النبي ﷺ فرده إليهما. ا. هـ. مضمونه من المغني. (١) وقوله: صح وقف مملوك، قال الحطاب: احترز به من وقف الإِنسان نفسه على نوع ما من العبادات، كذا ذكر ابن عبد السلام. (٢) وقوله: ولو حيوانًا، الأصل في تحبيس ما سوى الأرض لقوله ﷺ : "مَنْ حَبَسَ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللهِ إِيمَانًا بِاللهِ وَتَصْدِيقًا بِوَعْدِهِ، فَإِنَّ شِبَعَة وَرِيَّهُ في مِيزَانِه". أخرجه البخاري، كذا نسب الحطاب للمتيطي واللخمي، قال: والذي للبخاري في كتاب الجهاد عن أبي هريرة رضي الله عه قال: قال النبي ﷺ : "مَنِ احْتَبَسَ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللهِ إِيمَانًا وَتَصْدِيقًا بِوَعْدِهِ فَكَانَ شِبَعُهُ وَرِيُهُ رَوْثُهُ وَبَوْلُهُ فِي مِيزَانِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". فلفظ البخاري "احْتَبَسَ" على وزن: افتعل، وكذلك نقله المنذري في الترغيب والترهيب عن البخاري، ومقتضى كلام ابن عرفة ﵀، أن حبس بالتخفيف ليس معناه أوقف، ومخالف لما قاله القاضي عياض في المشارق، ونصه في باب الجامع في قوله: وأما خالد فإنه احتبس أذراعه أي أوقفها في سبيل الله، واللغة الفصيحة أحبس. قاله الخطابي. ويقال: حبس مخففا وحبَّس مشددًا، فدل كلام القاضي على أن حبس بالتخفيف بمعنى حبَّس بالتشديد، وهو الوقف، فصح ما قاله اللخمي والمتيطي، هذا إذا كانا نقلا الحديث بلفظ: حبس - بالتخفيف - وإن كانا نقلاه بلفظ احتبس =

стр. 1347

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = كما هو في صحيح البخاري فقد حرفه النساخ، فمعنى احتبس أوقف كما تقدم. كذا قال النووي وغيره، فصح ما قالاه أن الحديث المذكور أصل في تحبيس ما سوى الأرض، وكذا حديث خالد كما قاله القاضي عياض في شرح مسلم. ا. هـ. منه. وفي السنن الكبرى للبيهقي بسنده عن ابن عباس أن نبي الله ﷺ أراد الحج فقالت امرأة لزوجها حجَّ بي مع النبي ﷺ . قال: ما عندي ما أحجك عليه. قالت: أحجني على جملك فلان. قال: ذاك حبيس في سبيل الله، قالت: فحج بي على ناضحك. قال: ذاك أعتقبه أنا وابنك. قالت: فبع ثمرتك. قال: ذاك قوتي وقوتك. فلما قدم رسول الله ﷺ أرسلت زوجها إلى النبي ﷺ فقالت: أقرئه السلام ورحمة الله، وسله ما يعدل حجة معك؟ فأتى زوجها النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، امرأتي تقرئك السلام ورحمة الله، إنها سألتني أحجها فقلت: ما عندي ما أحجك عليه. فقالت: أحجني على جملك فلان. قلت: ذاك حبيس في سبيل الله. فقال النبي ﷺ : "لَوْ كُنْتَ أَحْجَجْتَهَا عَلَيْهِ كَانَ فِي سِبِيلِ الله". قالت: فاحجني على ناضحك. فقلت: ذاك نعتقبه أنا وابنك. قالت: فبع ثمرتك. فضحك النبي ﷺ من حرصها على الحج، قال: فإنها أمرتني أن أسألك: ما يعدل حجة معك؟ قال: "أَقْرئْهَا السَّلَامَ وَرَحْمَةَ اللهِ وَأَخْبِرْهَا أَنَّهَا تَعْدِلُ حَجةً مَعِي" يعني عمرة في رَمَضَانَ؟. قال القاضي: هكذا رواه عبد الوارث عن عامر الأحول عن بكر، عن ابن عباس. ا. هـ. منه. قلت: وهذا الحديث أخرجه المجد في منتقى الأخبار، وقال: رواه أبو داود. وقال الشوكاني في الكلام عليه: وحديث ابن عباس أخرجه أيضًا ابن خزيمة في صحيحه، وأخرجه أيضًا البخاري والنسائي مختصرًا، وسكت عنه أبو داود والمنذري، ورجال إسناده ثقات. قال الشوكاني: وقوله: "مَنِ احْتَبَسَ فَرَسًا" ألخ. فيه دليل على أنه يجوز وقف الحيوان، وإليه ذهب الجمهور، وقال أبو حنيفة: لا يصح لعدم دوامه، وقال محمد، لا يصح في الخيل فقط إذ هي معرضة للتلف. قال: وحديث الباب يرد عليهما. ويؤيد الصحة حديث عمر بن الخطاب المتقدم في باب نهي المتصدق أن يشتري ما تصدق فإن فيه أن عمر حمل على فرس في سبيل الله وأطلع النبي على ذلك وقرره ونهاه عن شرائه برخص. وقد ترجم عليه البخاري في كتاب الوقف باب: وقف الدواب والكراع والعروض والصامت. قال: ومن أدلة الصحة حديث ابن عباس المذكور، وحديث تحبيس خالد يدل على جواز وقف المنقولات. ا. هـ. من نيل الأوطار للشوكاني.

стр. 1348

سَيُولَدُ (١)، وذمِّيٍّ وإنْ لَمْ تَظْهَرْ قُرْيَةٌ أوْ يَشْتَرِطْ تَسْلِيمَ غَلَّتِهِ مِنْ ناظِرِه لِيَصْرِفَهَا أوْ كَكِتَابِ عَادَ إليْهِ بَعْدَ صَرْفِهِ في مَصْرِفِهِ. وبَطلَ على مَعْصِيَةٍ (٢) وحَرْبيٍّ وكافِرٍ لِكَمَسْجِدٍ (٣) أوْ عَلى بَنيهِ دُونَ بنَاتِهِ (٤)، أوْ عَادَ لِسُكْنَى مَسْكَنِهِ قَبْلَ عَامٍ، أوْ (١) وقوله: على أهل للتملك كمن سيولد، قال المواق: الذي لابن الحاجب أن من أركان الوقف الموقوف عليه، قال: ولا يشترط قبوله إلا إن كان معينًا وأهلًا. وقال ابن عرفة: المحبس عليه ما جاز صرف منفعة المحبَّس له أو فيه. وقال المتيطي: المشهور المعمرل عليه صحته على الحمل. ابن الهندي: زعم بعضهم أنه لا يجوز على الحمل والروايات واضحة بصحته على من سيولد له، وبها احتج الجمهور على الحمل، وفي لزومه بعقده على من يولد قبل ولادته قولا ابن القاسم ومالك لنقل الشيخ: روى محمد بن المواز وابن عبدوس: لمن حبس على ولده ولا ولد له، بيع ما حبسه ما لم يولد له، ومنعه ابن القاسم قائلًا: لو جاز لجاز بعد وجود الولد وموته، قال الحطاب: يرد بأنه لما لزم بوجوده استمر ثبوته لوجود متعلقه، وقبله لا وجود لمتعلقه حكمًا، قال: والأولى الاحتجاج بأنه حبس على مجهول من يأتي فصار موقوفًا أبدًا ومرجعه لأولى الناس بالمحبس، ولهم فيه تكلم ا. هـ. (٢) وقوله: وبطل على معصية، قال الحطاب هنا: وانظر الوقف على مكروه، والظاهر أنه إن كان مختلفًا في كراهته فإنه يمضي، وإن اتفق على كراهته فلا يصرف في تلك الجهة، ويتوقف في بطلانه أو صرفه إلى جهة قربة، وكذا قال الشيخ أبو عبد الله بن الحاج في المدخل في فصل: الأذان جماعة، بعد أن قرر أن الأذان جماعة على صوت واحد مكروه، قال: وفعلهم ذلك لا يخلو إمَّا أن يكون لأجل الثواب، فالثواب لا يكون إلا بالاتباع، أو لأهل الجامكية (١)؛ فالجامكية لا تصرف في بدعة، كما أنه يكره الوقف عليها ابتداء. ا. هـ. (٣) وقوله: وكافر لكمسجد، قال المواق: سمع ابن القاسم: إن حبَّس ذميٌّ دارًا على مسجد ردت. رواه معن في نصرانية بعثت بدينار إلى الكعبة رد عليها. قال ابن عرفة: لا يصح الوقف من كافر في قربة دينية، ولو كانت في منفعة عامة دنيوية كبناء القناطر، ففي رده نظر، والأظهر إن لم يحتج إليها ردت. ا. هـ. (٤) وقوله: وعلى بنيه دون بناته، هو عطف على الوقف الباطل، قال المواق: سمع ابن القاسم =

стр. 1349

جُهِلَ سَبْقُهُ لِدَيْنٍ إنْ كانَ عَلى مَحْجُورِهِ أوْ عَلى نَفْسِهِ وَلَوْ بِشَريكٍ، أوْ عَلى أنَّ النَّظَرَ لَهُ، أوْ لَمْ يَحُزْهُ كَبِئرٍ وُقِفَ عَلَيْهِ ولَوْ سَفِيهًا أوْ وَلِيُّ صغِيرٍ، أوْ لَمْ يُخَلِّ بَيْنَ النَّاسِ وبَيْنَ كَمَسْجِدٍ قَبْلَ فَلسِهِ وَمَوْتِهِ ومرَضِهِ، إلَّا لِمَحْجُورِه إِذا أشْهَدَ وصَرَفَ الغَلَّةَ لَهُ ولَمْ تَكُنْ دَارَ سُكْنَاهُ. أوْ عَلى وَارِثٍ بِمَرضِ مَوْتِهِ إلَّا مُعَقَّبًا خَرَجَ مِنْ ثُلُثِهِ فَكَمِيَراثٍ لِلْوَارِثِ كثَلَاثَةِ أوْلَادٍ وأرْبَعَةِ أوْلَادِ أوْلَادٍ وعَقَّبَهُ وَتَركَ أُمًّا وزوجَةً فيدْخُلَان فِيما للأوْلَادِ وأرْبَعَةُ أَسْباعِهِ لِوَلدِ الْوَلَدِ وقْفٌ، وَانْتَقَضَ الْقَسْمُ بِحُدُوثِ وَلَدٍ لَهُمَا كَمَوْتِهِ عَلى الأصَحِّ لَا الزّوْجَةِ والأُمِّ فيَدْخُلَانِ، ودَخَلَا فيمَا زيدَ لِلْوَلَدِ. بِحَبَّسْتُ وَوَقَفْتُ وتَصَدَّقْتُ إنْ قَارَنَهُ قَيْدٌ أوْ جِهَةٌ لَا تَنْقَطِعُ (١) أو لِمَجْهُولٍ = إذا حبس على ولده وأخرج البنات منه إن تزوجن فالشأن أن يبطل ذلك، ورأى ابن القاسم إن فات ذلك أن يمضي على ما حبس، وإن كان حيًا لم يحز عنه الحبُسُ فليرده ويدخل فيه البنات، وإن حيز عنه أو مات مضى على شرطه. ا. هـ. (١) وقوله: بحبَّستُ ووقَّفت وتصدقت إن قارنه قيد أو جهة لا تنقطع، قال المواق: قال ابن الحاجب: لفظ تصدقت، إن اقترن به ما يدل من قيد أو جهة لا تنقطع، تأبد، وإلَّا فروايتان. وقال ابن رشد: التحبيس ثلاثة ألفاظ: حُبُسٌ، وَوَقْفٌ، وصَدَقَةٌ، فأما الحبُس والوقف فمعناهما واحد لا يتفرقان في وجه من الوجوه، وأمَّا الصدقة، فإن قال: داري أو عقاري صدقة أو في السبيل أو على بني زهرة، فإنها تباع ويتصدق بها على المساكين على قدر الاجتهاد، إلَّا إنْ قال: صدقة على المساكين يسكنونها أو يستغلونها. فتكون حُبُسًا على المساكين للسكنى والاستغلال ولا تباع. ا. هـ. منه. وفي الحطاب، قال ابن عبد السلام: يعني أن لفظتي حبَّست وتصدقت لا تدلان على التأبيد بمجردهما، بل لابد مع ذلك من ضميمة قيد في الكلام كقوله: حبس لا يباع ولا يوهب. وشبه ذلك من الألفاظ، أو الجمع بين اللفظتين معًا، كما وقع في بعض الروايات إذا قال: حبسًا صدقة. أو ذكر لفظ التأبيد أو ضميمة جهة في الحبس لا تنقطع، ومراده عدم انحصار من يصرف إليه الحبُس بأشخاص =

стр. 1350

وإنْ حُصِرَ. ورَجَعَ إنِ انْقَطَعَ لأقْرَبِ فُقَراءِ عَصَبَةِ المُحَبِّس (١) وامرأةٍ لو رُجِّلَتْ عَصَّبَ، فإنْ ضَاقَ قُدِّمَ البَناتُ، وعَلى اثْنَيْنِ وبَعْدَهُمَا على الفُقَرَاءِ، نَصِيبُ مَنْ مَاتَ لَهُمْ، إلا كَعَلَى عَشَرَةٍ حَياتَهُمْ فَيُمْلَكُ بَعْدَهُمْ. وفي كَقَنْطرَة وَلَمْ يُرْجَ عَوْدُهَا في مِثْلِهَا وَإلَّا وُقِفَ لَهَا، وصَدَقَةٌ لِفُلَانٍ فَلَهُ، أو لْلِمَسَاكِينِ فُرِّقَ ثَمَنُهَا بالاجتهَادِ ولَا يُشْتَرَطُ التَّنْجِيزُ وَحُمِلَ في الإِطْلَاقِ عَلَيْهِ كَتَسْويَةِ أنثى بِذَكَرٍ، ولَا التَّأبيدُ، ولَا تَعْيِينُ مَصْرفِه، وصُرفَ في غَالبِ وإلَّا فَالفُقَرَاءُ، ولَا قَبُولُ مُسْتَحِقِّهِ إلَّا المعَيَّنَ الأَهْل فإنْ رَدَّ فكمُنْقَطِعٍ. = معينين كقوله: حبُس على المساكين، أو على المجاهدين، أو على طلبة العلم، فإن انعدمت هذه القيود والجهاد وشبهها ففي التأبيد حينئذ روايتان، وظاهر كلام المؤلف أنه لا يختلف في التأبيد إذا وجدت هذه القيود أو الجهات، وذلك قريب مما قال في المدونة إذا قال: حبس صدقة، أو حبس لا يباع ولا يوهب. إن قول مالك لم يختلف في هذا أنه صدقة محرمة ترجع مراجع الأحباس ولا ترجع إلى المحبس ملكًا. ا. هـ. منه. (١) وقوله. ورجع إن انقطع لأقرب فقراء عصبة المحبِّس: قال المواق: قال ابن الحاجب: إذا لم يتأبد رجع بعد انقطاع جهته ملكًا لمالكه أو لوارثه، وإذا تأبد رجع إلى عصبة المحبس من الفقراء ثم للفقراء، قال ابن عرفة: لو قال حبس عليك وعلى عقبك. قال: مع ذلك صدقة أو لا، فإنه يرجع بعد انقراضهم لأولى الناس بالمحبس يوم المرجع من ولد أو عصبة، ذكورهم وإناثهم سواء، يدخلون في ذللت حبسًا، ولو لم تكن إلا ابنة واحدة كانت الصدقة لها حبسًا. ولا يرجع إلى المحبس ولو كان حيًا، وهي لذوي الحاجة من أهل المرجع دون الأغنياء، فإن كانوا كلهم أغنياء فهي لأقرب الناس بهم من الفقراء، قال مالك: من قال هذه الدار حبس على فلان وعقبه. أو عليه وعلى ولده. أو قال: حبس على ولدي. ولما يجعل لها مرجعًا. فهي موقوفة لا تباع ولا توهب، وترجع بعد انقراضهم حبسًا على أولى الناس بالتحبيس يوم المرجع وإن كان المحبس. فقيل لابن المواز: من أقرب الناس بالمحبس الذي يرجع إليه الحبر بعد انقراض من حبس عليهم؟. فقال: قال مالك: على الأقرب من العصبة، =

стр. 1351

واتُّبِعَ شَرْطُهُ إِنْ جَازَ (١) كَتَخْصِيصِ مَذْهَبٍ، أوْ نَاظِرٍ، أوْ تَبْدِئَةِ فُلَانٍ بِكَذَا وإنْ مِنْ غَلَّةِ ثانِي عَامِ إنْ لمْ يَقُلْ مِنْ غَلَّةِ كُلِّ عَامٍ (٢) أوْ أنَّ مَنِ احْتَاجَ مِنَ المُحَبَّسِ عَلَيْهِ بَاعَ (٣)، أَوإنْ تَسَوَّرَ عَلَيْهِ قَاضٍ أوْ غَيْرُهُ رَجَعَ لَهُ أوْ لِوَرَثَتِهِ كَعَلى وَلَدِي ولَا ولَدَ لَهُ. لَا بِشَرْطِ إصلَاحِهِ على مُسْتَحِقِّهِ كأرْضٍ مُوظَّفَةٍ إلَّا مِنْ غَلَّتِهَا عَلى الأصَحِّ أوْ عَدَم بَدْءٍ بإصْلَاحِهِ أَو بِنَفَقَتِهِ، وَأُخْرِجَ السَّاكنُ الموْقُوفُ عَلَيْهِ لِلسُّكْنَى إن لَمْ يُصْلحْ لِتُكْرَى لَهُ، وأُنْفِقَ في فَرَسٍ لِكغَزْوٍ مِنْ بَيْتِ الْمَال فإنْ عُدِمَ بِيعَ وعُوِّضَ بِهِ سِلَاحٌ كما لَوْ كَلِبَ، وبيعَ مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْ غَيْر عَقَارٍ في مِثْلِهِ أَو شِقْصه كَأنْ أَتْلَفَ، وفَضْلُ الذَّكورِ وَما كَبِرَ مِنَ الإِنَاثِ في إنَاثٍ، لا عَقَارٌ وإنْ خَرِبَ وَنِقْضٌ ولوْ بغير خَرِبٍ إلَّا لتَوْسِيعِ كمَسْجِدٍ ولَوْ جَبْرًا، = من النساء من لو كانت رجلًا كانت عصبة للمحبس فيكون ذلك عليهم حبسًا، قال مالك: ولا يدخل في ذلك ولد البنات ذكرًا كان أو أنثى، ولا بنو الأخوات ولا زوج ولا زوجة. قال ابن القاسم: وإنما يدخل مثل العمات والجدات وبنات الأخ والأخوات أنفسهن، شقائق كن أم لأب، ولا يدخل في ذلك الإِخوة والأخوات لأم. ا. هـ. منه. (١) وقوله: واتُّبع شرطُه إن جاز، هو لحديث أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: "المُسْلِمُونَ علَى شرُوطِهِمْ". وأخرج البيهقي بسنده عن هشام بن عروة أن الزبير جعل دوره صدقة، قال: وللمردودة من بناته أن تسكن غير مضرّة ولا مضرّ بها، فإن استغنت بزوج فلا شيء لها. ومن أدلة اتباع شرط الواقف، وصية عمر بن الخطاب ﵁، ونصها: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به عبد الله أمير المؤمنين إن حدث به حدث، إن ثمغًا وصرمة بن الأكوع، والعبد الذي فيه، والمائة سهم التي بخبير ورقيقه الذي فيه، الذي أطعمه محمد ﷺ بالواد، تليه حفصة ما =

стр. 1352

وأمرُوا بِجَعْلِ ثَمنِه لِغَيْرِهِ، ومَنْ هَدَمَ وَقْفًا فَعَلَيْهِ إعَادَتُهُ. وتناوَلَ الذُّرِّيَّةُ وَوَلَدُ فُلَانٍ وَفُلَانَة أو الذُّكُورُ والإِنَاثُ وأوْلَادُهُمْ، الحافِدَ (٤). لَا نَسْلِي وعَقِبي وَوَلَدِي = عاشت، ثم يليه ذو الرأي من أهلها، أن لا يباع ولا يشترى؛ ينفقه حيث رأى من السائل والمحروم وذوي القربى، لا حرج على من وليه إن أكل أو آكل أو اشترى رقيقًا منه. رواه أبو داود. (٢) وقوله: أو تبدئة فلان بكذا وإن من غلة ثاني عام إن لم يقل: من غلة كل عام، قال المتيطي: إذا شرط المحبس في حبسه أن ينفق من غلته على فلان كذا في كل عام، أو يخرج منه كذا ربعًا من زيت لمسجد كذا، أو شرط ذلك لنفسه حياته، جاز إن كان المستثنى أقل من الثلث، وإلا بطل الحبس إن كان هو الحائز على من يلي، وإن كان الحائز من قبض لنفسه بطل ما وقع فيه الشرط. ا. هـ. المواق. (٣) وقوله: وأن من احتاج إليه من المحبَّس عليه باع، قال المواق: في كتاب ابن المواز قال مالك: من حبس داره على ولده وقال في حبسه: إن احتاجوا. أو: اجتمع ملؤهم على بيعها، باعوها واقتسموا الثمن بينهم بالسواء، ذكورهم وإناثهم، فهلكوا جميعًا إلا واحدًا، فأراد بيعها فقال مالك: له ذلك، ولا حق فيها لأحد من ولد بنات المحبس إن طلبوا ميراثهم. قال ابن القاسم: لأنه بتله في صحته، فليس لسواهم من ورثة أبيهم فيها حق. ا. هـ. منه. ومثله في الحطاب من سماع ابن القاسم من كتاب الحبس انظره جـ: ٦/ ص: ٤٣. وفيه في نفس المدرك: سئل مالك عمن تصدق على ابنتين بدار على وجه الحبس وكتب لهما في كتاب: صدقة؛ إن شاءتا باعتا وإن شاءتا أمسكتا، فرهق ابنتيه دين داينتا به الناس، فقام عليهما الغرماء وقالوا: نحن نبيع الدار، فقد كتب أبوكما في صدقته: إن شئتما بعتما وإن شئتما أمسكتما. قال مالك: صدقوا في ذلك، لهم أن يبيعوا الدار حتى يستوفوا. ا. هـ. منه. (٤) وقوله: وتناول الذرية وولد فلان وفلانة أو الذكور والإِناث وأولادهم، الحافد: قال المواق أما الذرية، فقال ابن رشد: اختلف الشيوخ في الذرية والنسل فقيل: إنهما بمنزلة العقب، والولد لا يدخل فيه ولد البنات على مذهب مالك. وقيل: إنهم يدخلون فيها. وفرق ابن العطار فقال: النسل كالولد. والعقب لا يدخل فيه ولد البنات، بخلاف الذرية فتشمل ولد البنت اتفاقًا لقوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ﴾ إلى قوله تعالى. ﴿وَعِيسَى﴾ وهو ولد بنت. قال ابن رشد: صحيح أن ولد بنت الرجل من ذريته، وكذا نقول في نسله وعقبه. قال وأما إذا قال: حبست على ولدي، ويسميهم بأسمائهما ذكورهم وإناثهم، ثم قال: وعلى أولادهم، فإن ولد البنات يدخلون في ذلك على مذهب مالك وجميع =

стр. 1353

وولدِ وَلَدِي، وأولادي وأولادِ أولادي، وبنيَّ وبني بنيَّ، وفي: على ولدي وولدهم قولان. والإِخوة الأنثى، ورجال إخوتي ونِسَاؤُهُمْ الصَّغِيرَ، وبَنِي أبي وإخْوتَهُ الذُّكُورَ، وأوْلادَهُمْ، وآلِي وأهْلي الْعَصَبَة (١) وَمَنْ لَوْ رُجِّلَتْ عَصَّبَتْ، وَأقارِبي أقارِبَ جِهَتَيْه مُطْلقًا (٢) وإنْ قَصَوْا، ومَوَالِيهِ المُعْتَقَ وَوَلَدَهُ، ومُعْتَقَ أبيهِ وابْنِهِ وقَوْمُهُ عَصَبَتَهُ فَقَطْ، وطِفْلٌ وصَبيٌّ وصَغيرٌ، مَنْ لَمْ يَبْلُغْ، وشَابٌّ وحَدَثٌ للأرْبَعِينَ. وإلَّا فَكَهْلٌ للسِّتِّينَ وإلَّا فشَيْخٌ وشَملَ الأنْثَى كالأرمل. والمِلْكُ لِلْوَاقِفِ (٣) لَا الْغَلَّةُ، فَلَهُ وَلِوَارِثِهِ مَنْعُ مَنْ يُريدُ إصْلَاحَهُ، ولَا يُفْسَخُ كراؤُهُ لِزيَادَةٍ ولَا يُقْسَمُ إلَّا مَاضٍ زَمَنُهُ وأكْرَى نَاظِرُهُ إنْ كَانَ عَلى مُعَيَّنٍ كالسَّنَتَيْنِ ولِمَنْ = أصحابه. قال: وما روي عن ابن زرب فهو خطأ. قال ابن رشد: وإذا قال: حبست على أولادي، ذكورهم وإناثهم، ولم يسمهم بأسمائهم ثم قال: وعلى أعقابهم، فالظاهر من مذهب مالك أن أولاد البنات يدخلون في ذلك كما لو سمى. ا. هـ. منه. قلت: أخرج البيهقي في السنن الكبرى بسنده عن عبد الملك بن عمير، وبسند آخر عن عاصم بن بهدلة، قال: اجتمعوا عند الحجاج، فذكر الحُسين بن علي ﵄، فقال الحجاج: لم يكن من ذرية النبي ﷺ ، وعنده يحيى بن يعمر، فقال له: كذبت يا أمير، فقال: لتأتيني على ما قلت ببينة من مصداق من كتاب الله أو لأقتلنك. قال: قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى﴾ (١). فأخبر اللهُ تعالى أن عيسى من ذرية آدم بأمه، والحسين بن علي من ذرية محمد ﷺ بأمه. قال: صدقت، فما حملك على تكذيبي في مجلسي؟ قال: ما أخذ الله على الأنبياء: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ (٢). قال اللهُ تعالى: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ (٣). قال: فنفاه إلى خراسان. ا. هـ. منه. (١) وقوله: وآلي وأهلي العصبة، ذكر البيهقي أن أبا بكر ﵁ قال فيما احتج به على الأنصار يوم السقيفة: بعث الله محمدًا ﷺ بالهدى ودين الحق فدعا إلى الإِسلام فأَخذ اللّه بقلوبنا ونواصينا إلى ما دعا إليه. وكنا معشر المهاجرين أول الناس إسلامًا ونحن عشيرته وأقاربه. ا. هـ. =

стр. 1354

مَرْجِعُهَا لَهُ كَالْعَشْرِ وإنْ بَنَى مُحَبَّسٌ عَلَيْهِ فَمَاتَ وَلَمْ يُبَيِّنْ فَهُوَ وَقْفٌ وَعَلى مَنْ لَا يُحَاطُ بِهِمْ أوْ عَلى قَوْمٍ وأعْقَابِهِمْ، أوْ عَلى كوَلَدِهِ ولَمْ يُعَيِّنْهُمْ، فَضَّلَ المُوَلَّى أهْلَ الحَاجَةِ والْعِيَالِ في غَلَّةٍ وسُكْنَى وَلَمْ يُخْرَجْ سَاكِنٌ لِغيْرِهِ إلَّا بشَرْطٍ أوْ سَفَرِ انْقِطَاعٍ أوْ بَعيدٍ. = (٢) وقوله: وأقاربي؛ أقارب جهتيه مطلقًا وإن قصَوْا: نقل المراق، قال مالك: من أوصى لأقاربه قسم على الأقرب فالأقرب بالاجتهاد، ولا يدخل في ذلك ولد البنات. قال عيسى وينظر فيه على قدر ما يرى وينزل، فربما لم يدع غير ولد النات وولد الخالات. قال ابن يونس: يريد فيعطوا حينئذ. قال ابن القاسم: ولا يدخل الخال ولا الخالة ولا قرابته من قبل الأم إلا أن لا يكون له قرابة من قبل الأب. ا. هـ. منه. قلت: في السنن الكبرى للبيهقي: باب الصدقة في الأقربين، ثم ساق سندًا إلى أنس بن مالك ﵁. قال: كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة مالًا من نخل، وكات أحب أمواله إليه بئر تسمى بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله ﷺ يدخلها ويشرب من ماء كان فيها طيب، قال أنس: فلما نزلت هذه الآية: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (١). قام أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ وقال إن الله يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾. وإن أحب مالي إليَّ بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله. فقال رسول الله ﷺ : "ذلِكَ مَالٌ رَابِحٌ وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأقْرَبِينَ". قال أبو طلحة: أفعل يا رسول اللهُ. فقسمها أبو طلحة في أقاربه أو بني عمه. متفق عليه. وفي رواية لمسلم: فجعلها فس حسان بن ثابت وأبي بن كعب. وفي رواية للبخارىِ قال "اجْعَلْهَا لِفُقَرَاءِ قَرَابَتِكَ" وعليه فإن أبا طلحة جعل بيرحاء في قرابته بإرشاد من رسول الله ﷺ فجعلها في حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام، يجتمع مع أبي طلحة زيد بن سهل بن الأسود بن حرام، يجتمع معه في حرام؛ وهو الجد الثالث بالنسبة لهما، وجعلها أيضًا في أبي بن كعب بن قيس بن عتيك بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك، وعمرو هذا هو الذي يجتمع فيه مع أبي طلحة زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك، فإن عمرو بن مالك هو السادس بالنسبة لأبي بن كعب، السابع بالنسبة لأبي طلحة. =

стр. 1355

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . هذا وقد اختلف العُلماء في الأقارب، فقال أبو حنيفة: القرابة كل ذي رحم محرم من قبل الأب أو الأم، ولكن يبدأ بقرابة الأب قبل الأم. وقال الشافعية: القريب من اجتمع في النسب سواء قرب أم بعُد، مسلمًا كان أو كافرًا، غنيًا أو فقيرًا، ذكرًا أو أنثى، وارثًا أو غير وارث، محرمًا أو غير محرم. وقال أحمد في القرابة مثل الشافعية إلا أنه أخرج الكافر، وفي رواية أخرى له: القريب هو كل من يجمعه مع الموصي الأب الرابع إلى ما هو أسفل منه. وقال مالك يختص بالعصبة سواء كان يرثه أو لا، ويبدأ بفقرائهم ثم يعطي الأغناء. هكذا في الفتح. قلت: ومن يقول القرابة المحصبة، يتأيد قوله ذلك بقسم رسول الله ﷺ سهم ذوي القربى لبني هاشم وبني المطلب، وعلل إعطاءه بني المطلب بعدم الفرقة مع بني هاشم؛ جاهلية ولا إسلامًا، ولو كان الصرف لهم بالقرابة لما اختصوا بذلك دون بني عبد شمس وبني نوفل، إذ الكل يجتمع في عبد مناف. ويتأيد كذلك بأن رسول الله ﷺ لما نزل قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (١). دعا رسول الله ﷺ قريشًا، فعم وخص فقال: "يَا بَني كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَني مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَني عَبْدِ شَمْسٍ أَنْقِذَوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَني عَبْدِ مَنَافٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بِنَي هَاشِمٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النًارِ، يَا بَنِي عَبْدِ الْمطلِبِ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ". الحديث، وفيه دليل على أن جميع من ناداهم رسول الله ﷺ يطلق عليهم لفظ الأقربين، لأن النبي ﷺ فعل ذلك ممتثلًا لقوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾. وفي الحديث دليل أيضًا على دخول النساء في الأقربين لذكره ﷺ في هذا الحديث لفاطمة بنت محمد، وذكره في رواية للبخاري من حديث أبي هريرة لعمته صفية ﵂. ا. هـ. وبالله تعالى التوفيق. (٣) وقوله: والملك للواقف، قال الموات: قال ابن عرفة: صرح الباجي ببقاء ملك المحبس على محبِّسه، وهو لازم تزكية الأحباس على ملك محبسها، فقول اللخمي: الحبس يسقط ملك المحبس غلط. قال الحطاب: ظاهره حتى في المساجد، ونقل القرافي الإِجماع على أن المساجد ارتفع عنها الملك، قال: وهو خلاف ما حكاه أول الحبس من النوادر أن المساجد باقية أيضًا على ملك محبسها، والله أعلم. =

стр. 1356

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وخالف قوم فقالوا: إن الوقف إذا صحَّ زال به ملك الوقف عن الواقف. قال ابن قدامة: وهو الصحيح من مذهب الإِمام أحمد، وهو المشهور من مذهب الشافعي، ومذهب أبي حنيفة. قال: وعن أحمد لا يزول ملكه، وحكى قولًا عن الشافعي وهو مذهب مالك، لقوله ﷺ لعمر بن الخطاب "حَبِّسِ الْأصْلَ وَسَبِّلِ الثَّمَرَةَ". قلت: ومما يدل على بقاء ملك الموقوف للواقف، قوله ﷺ : "إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا من ثَلَاثٍ" الحديث، وذكر منها الصدقة الجارية التي هي الوقف، ففي رأي أنه لو لم يكن باقيًا في ملكه، ما عده رسول الله ﷺ من عمله الجاري عليه بعد الموت، لأنه لو خلف مال قارون غير الوقف ينقطع عنه بمجرد الموت لانتقال الملك إلى غيره. والله تعالى أعلم. وهو الموفق عليه توكلت وإليه أنيب.

стр. 1357

كتاب الهبة بَابٌ: الْهِبَةُ تَمْلِيكٌ بلَا عِوَضٍ (١) ولِثَوَاب الآخِرَةِ صَدَقَةٌ، وصَحَّتْ في كل مَمْلُوكٍ يُنْقَلُ مِمَّنْ لَهُ تَبَرُّعٌ بِهَا (٢) وإنْ مَجْهُوَلًا أوْ كَلْبًا وَدَيْنًا، وَهُو إبْرَاءٌ إنْ وُهِب لمَنْ عَلَيْهِ وإلَّا فَكالرَّهْنِ، وَرَهْنًا لم يُقْبَضْ وأيْسَرَ رَاهِنُهُ أوْ رَضِيَ مُرْتَهِنُهُ وَإلَّا قُضِيَ بِفَكِّهِ إنْ كَانَ مِمَّا يُعَجَّلُ وإلَّا بَقيَ لِبَعْدِ الأجَلِ. بِصيغَةٍ أوْ مُفْهِمِهَا (٣) وإنْ بفِعْلٍ كَتَحْلِيَةِ وَلدِهِ، لا بابْن مَعَ قَوْلِهِ دَارَهُ، وحِيزَ وإنْ بِلا إذنٍ وَأُجْبِرَ عَلَيْهِ (٤)، وبَطلَتْ إنْ تَأخَّرَ لِدَيْنٍ مُحِيطٍ (٥) أو وَهَبَ لِثَانٍ وحَازَ أوْ أعْتَقَ الْوَاهِبُ أوْ اسْتَوْلَدَ ولَا قِيمَةَ، أو اسْتَصْحَبَ هَدِيَّةً أوْ أرْسَلَهَا ثُمَّ مَاتَ، أو المُعَيَّنَةُ لَهُ (٦) إن لمْ يُشْهِدْ، كأنْ دَفَعْتَ لِمنْ يَتَصَّدَّقُ عَنْكَ بِمَالٍ ولم تُشْهِدْ. كتاب الهبة (١) قوله: الهبة تمليك بلا عوض ألخ. الهبة، والصدقة، والهدية، والعطية، معان متقاربة، وكلها تمليك بلا عوض، واسم العطية شامل لجميعها، وكذلك الهبة، لكن الصدقة والهدية بينهما تغاير، فإن النبي ﷺ كان يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، وقال ﵊ في اللحم الذي تصدِّق به على بريرة: "هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ". لذلك، فإن الفرق بين الصدقة والهدية؛ أنه من أعطى شيئًا يتقرب به إلى الله تعالى للمحتاج، فهو صدقة، ومن دفع إلى إنسان شيئًا للتقرب إليه ولمحبته، فهو هدية. قال ابن قدامة: وجميع ذلك مندوب إليه، فإن النبي ﷺ قال: "تهَادَوْا تَحَابُّوا" (١). وفي البيهقي عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "يَا نِسَاءَ الْمُسْلِماتِ لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ". قال: رواه البخاري في الصحيح عن عاصم بن علي، وأخرجه مسلم من وجه آخر عن سعيد. وفي البيهقي أيضًا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لَوْ أُهْدِيَ إلَيَّ ذِرَاعٌ لَقَبِلْتُ، وَلَوْ دُعِيتُ إلَى كِرَاعٍ لأجَبْتُ". وقال: أخرجه البخاري من حديث شعبة. =

стр. 1358

لا إنْ بَاعَ وَاهِبٌ قَبْلَ عِلْمٍ الموهوب وإلَّا فالثَّمَنُ للمُعْطِي - رُويَتْ بِفَتْحِ الطَّاءِ وكسْرِهَا - أوْ جُنَّ أوْ مَرِض واتَّصَلَا بِمَوْتِهِ أوْ وَهَبَ لمُودَعٍ وَلَمْ يَقْبلْ لِمَوْتِهِ. وصَحَّ إنْ قَبَضَ لِيتَرَوَّى أوْ جَدَّ فِيهِ أوْ في تَزْكِيَةِ شَاهِدِهِ، أو أعتَقَ أوْ بَاعَ أو وَهَبَ إذا أشْهَدَ وَأعْلَنَ، أو لمْ يُعْلَمْ بِهَا إلَّا بَعْدَ مَوْتِهِ، وَحَوْزُ مُخْدَمٍ ومُسْتَعِيرٍ مُطْلَقًا ومُودَعٍ إنْ عَلِمَ، لا غَاصِبٍ ومُرْتَهِنٍ، ومُسْتَأجِرٍ إلَّا أنْ يَهَبَ الإِجَارَةَ، ولَا إنْ رَجَعَتْ إلَيْهِ بَعْدَهُ بِقُرْبٍ بأن آجرها أو أرْفَقَ بِهَا بِخِلَافِ سَنَةٍ أوْ رَجَعَ مُخْتَفِيًا أوْ ضَيْفًا فَمَاتَ. وهِبَةُ أحَدِ الزَّوجَيْن لِلْآخَرِ مَتَاعًا، وهِبَةُ زوجَةٍ دَارَ سُكْنَاهَا لِزَوْجِهَا، لا الْعَكْسُ، ولَا إن بَقِيَتْ عنده، إلَّا لِمَحْجُورِهِ، إلَّا مَا لا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ وَلَوْ خَتَمَ عَلَيْهِ، ودَارَ سُكْنُاهُ إلَّا أنْ يَسْكُنَ أقَلَّهَا ويُكْريَ لَهُ الأكْثَرَ، = وفي الحديث عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان لرسول الله ﷺ جيران من الأنصار، وكانت لهم منائح، فكانوا يرسلون إلى رسول الله ﷺ من ألبانها. متفق عليه. وعن عائشة ﵂ قالت: كان الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة، يبتغون بذلك مرضاة رسول الله ﷺ . متفق عليه. وفي سنن البيهقي بسنده عن أنس ﵁ أن رجلًا من أهل البادية كان اسمه زاهر بن حرام قال: كان يهدي للنبي ﷺ الهدية من البادية، فيجهزه رسول اللّه ﷺ إذا أراد أن يخرج، فقال النبي ﷺ : "إِنَّ زَاهِرًا بَادِيَتُنَا وَنَحْنُ حَاضِرُوهُ". (٢) وقوله: ممن له تبرع بها، قال المواق: الأولى أن يقول: الواهب من لا حجر عليه بوجه، فيخرج من أحاط الدين بماله. وقول المواق: من لا حجر عليه بوجه؛ يريد في القدر الذي يصح له منه أن يهب، فتصح هبة المريض في ثلثه، وهبة الزوجة في ثلث مالها، لأنه لا حجر عليهما في ذلك. ا. هـ. (٣) وقوله: بصيغة أو مفهمها، ذكر الحطاب قال: في الذخيرة الركن الرابع: السبب الناقل. وفي الجواهر: هو الإِيجاب والقبول الدالة على التمليك بغير عوض، أو ما يقوم مقامها في الدلالة على =

стр. 1359

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = ذلك من قول أو فعل. ا. هـ. قال الحطاب: مذهب الشافعي القبول فورًا على الفور، وظاهر مذهبنا يجوز على التراخي لما يأتي بعد من إرسال الهبة للموهوب قبل القبول. والشافعي يقول: لابد من توكيل الرسول في أن يهب عنه، ولم يشترط ذلك مالك، وقد وقع لأصحابنا أن للموهوب له التروي في القبول. ا. هـ. قال ابن قدامة: والإِيجاب والقبول أن يقول: وهبتك، أو أهديت إليك، أو أعطيتك، أو هذا لك. ونحوه من الألفاظ الدالة على هذا المعنى، والقبول أن يقول: قبلت أو رضيت أو نحو هذا، قال: والأفعال الدالة على الإِيجاب والقبول كافية، ولا يحتاج إلى لفظ، فإن النبي ﷺ ، كان يهدي ويهدى إليه، ويعْطي ويُعْطَى، ويفرق الصدقات ويأمر سعاته بتفريقها وأخذها، وكان أصحابه يفعلون ذلك، ولم ينقل عنهم في ذلك إيجاب ولا قبول، ولا أمر به أحدًا، ولا أمر تعليمه لأحد. ولو كان ذلك شرطًا لنقل عنهم نقلًا مشهورًا. قال وكان ابن عمر على بعير لعمر، فقال النبي ﷺ لعمر: "بِعْنِيهِ" فقال: هو لك يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ : "هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ عُمَرَ فَاصْنَعْ بِهِ مَا شِئْتَ". ولم ينقل قبول النبي ﷺ من عمر، ولا قبول ابن عمر من النبي ﷺ ، ولو كان شرطًا لفعله النبي ﷺ وعلمه ابن عمر. ا. هـ. منه. (٤) وقوله: وحيز وإن بلا إذن وأجبر عليه، نسب المواق هنا للمدونة: من وهب هبة لغير ثواب، فقبضها الموهوب له بغير أمر الواهب، جاز قبضه، إذ يقضى بذلك على الواهب إن منعه إياها. ا. هـ. قال الحطاب: وهذا على المشهور من أن الهبة تلزم بالقبول، قال ابن عرفة: والمعروف لزوم العطية بعقدها. قال المازري: للواهب الرجوع في هبته قبل حوزها عند جماعة، وفي قولة شاذة عندنا، وحكاه الطحاوي عن مالك، وحكاه ابن خويزمنداد عن مالك. ا. هـ. قلت: المعروف من الأدلة أن الهبة يشترط في ملكها الحوز، ففي البيهقي ما نصه: باب شرط القبض في الهبة، ثم ساق سندًا إلى عروة بن الزبير عن عائشة ﵂ أنها قالت: إن أبا بكر الصديق ﵁ منحها جداد عشرين وسقا من مال بالغابة، فلما حضرته الوفاة قال: والله يا بنية ما من الناس أحد أحب إليَّ غنى بعدي منك، ولا أعز عليَّ فقرًا منك، وإني كنت نحلتك من مالي جداد عشرين وسقًا، فلو كنت جددتيه واحتزتيه كان لك ذلك، وإنما هو مال الوارث؛ وإنما هو أخواك وأختاك =

стр. 1360

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = فاقتسموه على كتاب الله. قالت: يا أبت، والله لو كان كذا وكذا لتركته، إنما هي أسماء فمن الأخرى؟. قال: ذو بطن بنت خارجة، أراها أنثى. ا. هـ. وفي البيهقي أيضًا بسنده عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة عن يحيى بن يعمر عن أبي موسى الأشعري قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: الإِنحال ميراث ما لم يقبض. ا. هـ. منه. وعلى ذلك فإن الخلاف في اشتراط إذن الواهب في الحوز الذي يشترطه الحنابلة ومن وافقهم قالوا: إن قبضها الموهوب له بغير إذن الواهب لم تتم الهبة، وعدم اشتراط إذنه لذلك الذي درج عليه المُصَنّف هنا، إن الخلاف في ذلك يتخرج على الخلاف في رجوع الواهب في هبته؛ هل يجوز له ذلك أم لا؟ فمن قال: يجوز له الرجوع فيها. اشترط إذنه في الحوز، ومن قال: لا يجوز له الرجوع في هبته، أجاز بدون إذنه وقال: يجبر على تمكينه من حوز الهبة إن امتنع. ومنشأ الخلاف قوله ﷺ : "الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَقِيءُ ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ". متفق عليه. وفي رواية للبخاري: "لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْء الَّذِي يَعُودُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَقِيءُ ثُمَّ يَعُودُ في قَيْئِهِ". وقد بوب البخاري باب: لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته. فمن منع حمل الحديث على التحريم، ومن أجاز حيل الحديث على التغليظ في الكراهة. قال الطحاوي: فقوله: كالكلب، يدل على عدم التحريم؛ لأن الكلب غير متعبد، فالقيء غير حرام عليه، فالمراد التنزه عن فعل يشبه فعل الكلب. ا. هـ. والمقصود من البحث معرفة مبنى الخلاف في اشتراط إذن الواهب في الحوز، لا تقرير الحكم في ذلك، فاللّه تعالى. أعلم، وهو ولي التوفيق. (٣) وقوله: وبطلت إن تأخر لدين محيط، قال الحطاب: يعني أن الهبة تبطل إذا تأخر الحوز حتى أحاط الدين بمال الواهب، وظاهره ولو كان حادثًا بعد الهبة، وهو أحد القولين، وعليه اقتصر ابن الحاجب. ا. هـ. قلت: والدليل يؤيد ما اقتصر عليه ابن الحاجب، لأن هبة الصديق ﵁ لابنته أم المؤمنين ﵂، وقعت قبل المانع، وإنما أبطلها تأخر القبض حتى كان المانع، لأنه ﵁ قال لها: فلو كنت جددتيه واحتزتيه كان ذلك لك، وأما الآن فإنما هو مال وارث، فالأمر واضح والتوفيق بيد الله . (٦) قوله: أو أرسلها ثم مات أو المعينة له، قال ابن قدامة في المغني: وإن مات الواهب أو =

стр. 1361

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = الموهوب له قبل القبض، بطلت الهبة، قال: وقال أحمد في رواية أبي طالب وأبي الحارث في رجل أهدى هدية فلم تصل إلى المهدى إليه حتى مات، إنها تعود إلى صاحبها، وروي بإسناد عن أم كلثوم بنت أبي سلمة، قالت: لما تزوج رسول الله ﷺ أمَّ سلَمَةَ قال لها: "إِنِّي قَدْ أَهْدَيْتُ إِلَى النَّجَاشِيِّ حُلَّةً وَأَوَاقِيَ مِسْكٍ، وَلَا أرَى النَّجَاشِيَّ إلَّا قَدْ مَاتَ، وَلَا أَرَى هَدِيَّتِي إِلَّا مَرْدُودَةٌ إِلَيَّ فَإِنْ رُدَّتْ فَهِيَ لَكِ". قالت: فكان ما قال رسول الله ﷺ . وردت عليه هديته فأعطى كل امرأة من نسائه أوقية من مِسْك، وأعطى أمَّ سلمة بقية المسك والحلة. ا. هـ. تنبيهٌ: ذكر ابن قدامة أنه حصل الاتفاق بين الفقهاء على أن ما وهبه المرء لذوي رحمه المحرم غير ولده، لا يجوز له الرجوع فيه، وكذلك ما وهبه الزوج لامرأته. قال: ووقع الخلاف فيما عدا هؤلاء. قال: فعندنا لا يرجع إلا الوالد، وعندهم لا يرجع إلا الأجنبي، وقد ذكر من مجوزي الرجوع النخعي، والثوري، وإسحاق، وأصحاب الرأي، قالوا: من وهب لغير ذي رحم فله الرجوع ما لم يثب عليها. ومن وهب لذي رحم فليس له الرجوع. وروي ذلك عن عمر بن الخطاب ﵁. واحتجوا بما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "الرَّجُلُ أَحَقُّ بِهِبَتِه مَا لَمْ يُثَبْ مِنْهَا". رواه ابن ماجه. وأمَّا دليل من منع الرجوع فقد قدمنا أنه الحديث المتفق عليه: "الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ". وأما المرأة تهب لزوجها. فقد اختلف العُلماء في ذلك، فقد قال قوم: لا رجوع لها في ذلك، ومن هؤلاء: عمر بن عبد العزيز، والنخعي، وربيعة، ومالك، والثوري، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وعطاء، وقتادة، وهو رواية عن أحمد. والرواية الثانية: لها الرجوع. قال الأثرم: سمعت أحمد يسأل عن المرأة تهب ثم ترجع، فرأيته يجعل النساء غير الرجال، ثم ذكر الحديث: "إِنَّمَا يَرْجِعُ فِي الْمَوَاهِبِ النِّسَاءُ وَشِرَارُ الْأقْوَامِ". وذكر حديث عمر: إن النساء يعطين أزواجهن رغبةً ورهبة، وأيما امرأة أعطت زوجها شيئًا ثم أرادت أَن تعتصره فهي أحق به. رواه الأثرم بإسناده، قال: وهذا قول شريح والشعبي، وحكاه الزهري عن القضاة. قال: ولأحمد رواية ثالثة نقلها عنه أبو طالب: إذا وهبت له مهرها، فإن كان سألها ذلك ردَّه إليها رضيت أو كرهت؛ لأنها لا تهب إلا مخافة غضبه أو إضرار بها بأن يتزوج عليها، وإن لم يكن سألها =

стр. 1362

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وتبرعت به فهو جائز. قال تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ (١). قال ابن قدامة: وظاهر كلام الخرقي الرِّواية الأولى للآية المتقدمة ولقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ (٢). ا. هـ. منه. أما هبة الأب لابنه، فقد قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الرجل إذا وهب لولده الطفل دارًا بعينها، أو عبدًا بعينه، وقبضه له من نفسه وأشهد عليه، أن الهبة تامة، هذا قول مالك، والشافعي، والثوري، وأصحاب الرأي، وروينا معنى ذلك عن شريح وعمر بن عبد العزيز. وقال ابن عبد البر: أجمع العُلماء على أن هبة الأب لابنه الصغير في حجره لا تحتاج إلى قبض، وأن الإِشهاد فيها يغني عن القبض وإن وليها أبوه، لما رواه مالك عن الزهري عن ابن المسيِّب أنَّ عثمان قال: من نحل ولدًا صغيرًا لم يبلغ أن يحوز نحلة، فأعلن ذلك وأشهد على نفسه، فهي جائزة وإن وليها أبوه. وقال الشافعي: لابد أن يقول الوالد: قد قبلته له، لأن الهبة عنده لا تصح إلا بإيجاب وقبول. وقال ابن حنبل: أحب إِليَّ أن يقول: قد قبضته له. قيل فإن سها؟ قال: إن كان مفرزًا رجوت. قال ابن قدامة: وهذا موافق للإِجماع المذكور عن سائر العُلماء. وإن كان الواهب للصبي غير أبيه من أوليائه، فقد قال أصحاب مذهب أحمد: لابد أن يوكل من يقبل للصبي ويقبض له. قال ابن قدامة: والصحيح عندي أن الأب وغيره في هذا سواء؛ لأنه عقد يجوز أن يصدر منه، ومن وكيله فجاز له أن يتولى طرفيه كالأب. قلت: وما ذهب إليه ابن قدامة جار على القاعدة الفقهية، أي على أحد شطريها وهو الراجح، وهي: هل اليد الواحدة يمكن أن تقبض وتدفع في آن واحد، وقد عقدها الشيخ علي الزقاق المغربي في المنهج المنتخب بقوله: هل تقبض اليد وتدفع معا؟ … وهل يكون قابضًا ما صنعا كمال محجور لأول عرف … للثاني أجر صُنْع مصنوع تلف =

стр. 1363

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وغير خاف عليك أن البيت الأول اشتمل على أصلين هما: اليد الواحدة، هل تكون قابضة دافعة في آن واحد؟ والثاني: المصنوع هل يكون قابضًا لصنعته وإن لم يقبضه ربه؟ كما لا يخفاك إن البيت الثاني اشتمل على أمثلة الأصلين على سبيل اللف والنشر المرتب. أما المفاضلة بين الأولاد في العطية فقد جرى اختلاف العُلماء في جوازها ومنعها. قال أصحاب ابن حنبل: فإن خص أحدهم بعطية أو فاضل بينهم فيها أثم، ووجبت عليه التسوية إمَّا برد ما فضل به البعض، وإمَّا بإتمام نصيب الآخر، قالوا: وهذا قول طاوس، وابن المبارك، وروي معناه عن مجاهد، وعروة، وكان الحسن يكره ويجيزه في القضاء. وقال مالك، والليث، والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي: ذلك جائز. وروي معناه عن شريح، وجابر بن زيد، والحسن بن صالح؛ لأن أبا بكر نحل عائشة ﵄ جذاذ عشرين وسقًا دون سائر ولده، ولأن النبي ﷺ في حديث النعمان بن بشير قال لبشير: "أَشْهِدْ عَلَى هذَا غَيْرِي" فهو أمر بتأكيد الهبة دون الرجوع فيها. قال العُلماء: فقوله في بعض روايات الحديث: "هذَا تَلْجِئَةٌ فَأَشْهِدْ عَلَى هذَا غَيْرِي". وفي بعض رواياته: "أَلَيْسَ يَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا لَكَ فِي الْبِرِّ واللُّطْفِ سَوَاءٌ". وفي بعض رواياته: "فَإِنِّي لَا أَشْهَدُ عَلَى هذَا. هذَا جَوْرٌ أَشْهِدْ عَلَى هذَا غَيْرِي. اعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ فِي النِّحَلِ كَمَا تُحِبُّونَ أَنْ يَعْدِلُوا بَيْنَكُمْ فِي الْبِرِّ وَاللُّطْفِ". قالوا: كل هذه الألفاظ تدل على صحة الهبة، وعلى أنه ﷺ أرشد بهذه الألفاظ إلى ما هو أفضل؛ وهو العدل بينهم والتسوية، ولا خلاف بين علماء الأمة في أن ذلك أَفضل. قلت: ويؤيد ما ذهب إليه أصحابنا ما وقفنا عليه من عمل الصحابة في هذا القبيل؛ فقد أثبت البيهقي بالإسناد أن أبا بكر ﵁ فضل عائشة ﵂ بنحل. قال: وقال الشافعي: وفضل عمر عاصم بن عمر بشيء أعطاه إياه، وفضل عبد الرحمن بن عوف ولد أم كلثوم، وساق البيهقي سندًا إلى ابن عمر أنه فضل بعض ولده بثلاثة أرؤس أو أربعة أقطعها له، وساق سندًا آخر إلى ابن عمر أنه فضل ولده واقدًا بأرض وقال: هذه الأرض لابني واقد، فإنه مسكين. نحله إياها دون ولده، ولم يبن لطالب العلم في في ذلك إلا أن ينظر بعين الإِنصاف وترك التعصب. وبالله التوفيق. وأما التسوية بينهم فإنها كانت هي الأخرى محل أخذ ورد بين أهل العلم، ولا خلاف بينهم في =

стр. 1364

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = استحباب التسوية بين الأولاد في النحل وكراهة التفضيل، ولكنهم اختلفوا في تحقيق مناط تلك التسوية. فقد قال قوم: التسوية المستحبة أن يقسم بينهم على حسب قسمة الله تعالى الميراث؛ فيجعل للذكر مثل حظ الأنثيين. هذا قول أحمد وعطاء، وشريح، وإسحاق، ومحمد بن الحسن. وقال قوم، منهم مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وابن المبارك: التسوية بينهم أن تعطى الأنثى مثل ما يعطى الذكر، لأن النبي ﷺ قال لبشير بن سعد: "سَوِّ بَيْنَهُمْ". وعلَّل ذلك بقوله: "أَيَسُرُّكَ أَنْ يَستَوُوا فِي بِرِّكَ"؟ قال: نعم! قال: "فَسَوِّ بَيْنَهُمْ"، قالوا: والبنت كالابن في استحقاق برها، وكذلك في عطيتها، واحتجوا أيضًا بحديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "سَوُّوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ فِي الْعَطِيَّةِ، وَلَوْ كُنْتُ مُؤْثِرًا لَآثَرْتُ النِّسَاءَ عَلَى الرِّجَالِ". رواه سعيد في سننه، واحتجوا من حيث النظر بأنها عطية في الحياة يستوي فيها الذكر والأنثى كالنفقة والكسوة. وأما حق الوالد في الرجوع فيما وهبه لولده، فهو حق ثابت عند أصحابنا، وهو ظاهر مذهب ابن حنبل، سواء قصد برجوعه التسوية بين الأولاد، أو لم يرد ذلك. وبهذا يقول الشافعي، والأوزاعي، وإسحاق، وأبو ثور. وقال أحمد في إحدى الروايتين عنه: لا يجوز له الرجوع فيها، وبهذا قال أصحاب الرأي والثوري والعنبري، واحتجوا بحديث: "الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ". واحتج الجمهور على جواز رجوعه في هبته بقوله ﷺ في حديث النعمان بن بشير: "ارْدُدْهُ". وفي رواية "أَرْجِعْهُ". كما احتجوا بحدِيث طاوس عن ابن عمر وابن عباس يرفعانه إلى النبي ﷺ أنه قال: "لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُعْطِيَ فَيَرْجِعَ إلَّا الْوَالِدُ فِيمَا يُعْطِي لِوَلَدِهِ". رواه الترمذي وقال: حديث حسن. وأما الأم فليس لها الرجوع في هبتها لولدها إلا ما دام أبوه حيًا - عند أصحابنا - فإذا مات أبو صار يتيمًا، وهبة اليتيم لازمة كصدقة التطوع، ومعلوم أنه لا رجوع عندنا في صدقة التطوع، لقول عمر ﵁: من وهب هبة وأراد بها صلة الرحم أو على وجه صدقة، فإنه لا يرجع. ولا فرق بين الصدقة والهبة عند أحمد والشافعي، والحجة عندهم عموم قوله ﷺ : "إلَّا الْوَالِدُ فِيمَا يُعْطِي لِوَلَدِهِ". قالوا: وهو عموم يقدم على قول عمر، ثم هو خاص في الولد، وحديث عمر عام فيجب تقديم الخاص، وهذا قول وجيه من حيث الصناعة الفقهية، والله الموفق.

стр. 1365

وإنْ سَكَنَ النِّصْفَ بَطَلَ فَقَطْ، والأكْثَرَ بَطَلَ الجَمِيعُ وَجَازَتْ الْعُمْرَى كأعْمَرتُكَ (١) أوْ وَارِثَكَ، وَرَجَعَتْ لْلِمُعْمِرِ أوْ وَارِثِهِ، كحُبُسٍ عَلَيْكُمَا وهُوَ لآخِرِكُمَا مِلْكًا، لَا. الرُّقْبَى (٢) كَذَوَيْ دَارَيْنِ قَالَا: إن مُتَّ قَبْلي فَهُمَا لِي وإلَّا فَلَكَ، كَهِبَةِ نَخْلٍ وَاسْتِثْنَاءِ ثَمرَتِهَا سِنينَ والسَّقْيُ عَلى الْمَوْهُوبِ لَهُ، وَفرَسٍ لِمَنْ يَغْزُو سِنِينَ ويُنْفِقُ عَلَيْهِ المَدْفُوعُ لَهُ وَلَا يَبِيعُهُ لبَعْدِ الْأجَلِ. وللْأبِ اعْتِصَارُهَا مِنْ وَلدِهِ كأمٍّ فَقَطْ وَهَبَتْ ذا أبٍ وَإنْ مَجْنُونًا ولَوْ تيتَّمَ عَلى المُخْتَار. إلا فِيمَا أريدَ به الآخرةُ، كصَدَقَةٍ بِلَا شَرْطٍ إنْ لَمْ تَفُتْ لَا بِحَوَالَةِ سُوقٍ بَلْ بَزيْدٍ أوْ نَقْصٍ (٣) ولَمْ يُنْكَحْ أوْ يُدَايَنْ لَهَا أوْ يَطأْ ثَيِّبًا أوْ يَمْرُضْ كوَاهِبٍ إلَّا أنْ يَهَبَ عَلى هذِهِ الأحْوالَ أوْ يزولَ الْمَرضُ عَلى المخْتَارِ. وَكُرِهَ تَمَلُّكُ صَدَقِةٍ بِغَيْرِ ميراثٍ (٤) وَلَا يَرْكَبُهَا أوْ يَأكُلَ مِنْ غَلَّتِهَا، وَهَلْ إلَّا أن يَرْضَى الإِبْنُ الْكَبيرُ بِشُرْب اللَّبَنِ؟ تأويلان. وينفِقُ عَلى أبِ افْتَقَرَ مِنْها، وتَقْويمُ جَارِيَةٍ أوْ عَبْدٍ لِلضَّرُورَةِ ويُسْتَقْصَى. وجَازَ شَرْطُ الثَّوابِ، وَلَزمَ بتَعْيينه (٣)، وصُدِّقَ واهِبٌ فِيهِ إن لَمْ يَشْهَدْ عُرْفٌ بِضِدِّهِ وإنْ لِعُرْسٍ، وهَلْ (١) وقوله: وجازت العمرى كأعمرتك، قال ابن عرفة: العمرى تمليك منفعة حياة المعطى، بغير عوض، وحكمها الندب، ويتعذر عروض وجوبها. قال الباجي: وصيغة العمرى ما دل على هبة المنفعة دون الرقبة؛ كأسكنتك هذه الدار، ووهبتك سكناها عمرك. قال في المدونة: وإن قال: سكنتك هذه وعقبك. رجعت إليه ملكًا بعد انقراضهم، فإن مات فلأقرب الناس به يوم مات أو إلى ورثتهم. ا. هـ المواق. (٢) وقوله: لا الرقبى، قال المواق: لم يعرف مالك الرقبى ففسرت له فلم يجزها. وهي أن تكون داران بين رجلين فيحبسانهما على أن من مات منهما أولًا فنصيبه حُبُسٌ على الآخر. ا. هـ. المواق. وقال ابن قدامة في المغني: العمرى والرقبى نوعان من الهبة يفتقران إلى ما يفتقر إليه سائر الهبات؛ من الإيجاب والقبول والقبض أو ما يقوم مقام ذَلك عند من اعتبره. وصورة العمرى أن يقول: أعمرتك =

стр. 1366

يحْلِفُ أوْ إنْ أشْكَلَ؟ تأويلَان في غيْرِ المسْكُوكِ إلَّا لِشَرْطٍ. وهِبَةُ أحَدِ الزوجَيْنِ للآخَرِ ولِقَادِمٍ عِنْدَ قدُومِهِ وَإنْ فَقِيرًا لِغَنيٍّ ولا يأخُذُ هِبَتَهُ وإنْ قائمَةً ولَزِمَ واهِبَهَا لا المَوْهوبَ لَهُ الْقِيمَةُ إلَّا لفَوْتٍ بِزيْدٍ أو نَقْصٍ، ولَهُ مَنْعُهَا حَتَّى يَقْبِضَهُ وأثيب ما يُقْضَى عنه بِبَيْع وإنْ مَعِيبًا إلَّا كَحَطَبٍ فَلَا يَلْزَمُهُ قَبُولُه وللْمَأذُونِ وللأبِ في مَالِ ولَدِهِ الْهِبَةُ، وإنْ قَالَ دَاري صَدَقةٌ بِيَمِينٍ مُطْلَقًا أوْ بِغَيْرهَا وَلَمْ يُعَيِّنْ لَمْ يُقْضَ عَلَيْهِ بِخِلَاف المُعَيَّنِ، وفي مَسْجِدٍ مُعَيَّنٍ قَوْلَانِ. وقُضِي بَيْنَ مُسْلِمٍ وذِمِّيٍّ فيها بِحُكْمِنَا. = داري هذه، أو هي لك عُمْرَى، أو ما عشت، أو مدة حياتك، أو ما حييت، ونحو هذا، قال: وسميت عمرى لتقييدها بالعمر. قال: والرقبى أن يقول: أرقبتك هذه الدار، أو هي لك حياتك على أنك إن مت قبلي عادت إليَّ، وإن مت قبلك فهي لك ولعقبك. فكأنه يقول: هي لآخرنا موتًا، وبذلك سميت رقبى؛ لأن كل واحد منهما يرقب موت صاحبه. ا. هـ. وقال مالك والليث: العمرى تمليك المنافع، ولا تملك رقبة المعمر بحال، ولكون للمعمر السكنى، فإذا مات عادت إلى المعمر، وإن قال له: ولعقبك، كان سكناها لهم، فإذا انقرضوا عادت إلى المعمر. والحجة عندهما ما روى يحيى بن سعيد عن عبد الرحمن بن القاسم قال: سمعت مكحولًا يسأل القاسم بن محمد عن العُمْرى، ما يقول الناس فيها؟ فقال القاسم: ما أدركت الناس إلَّا على شروطهم في أموالهم وما أعطوا. وقال إبراهيم بن إسحاق الحربي عن ابن الأعرابي: لم يختلف العرب في العُمرى، والرقبى، والإِقفار (١)، والإِحبال (٢)، والمنحة، والعرية، والعارية، والسكنى، والإِطراق (٣)، إنها على ملك =

стр. 1367

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = أربابها، ومنافعها لمن جعلت له، ولأن التمليك لا يتأقت، كما لو باعه إلى مدة، فإذا كان لا يتأقت حمل قوله على تمليك المنافع، لأنه يصح تمليكه. وذهب قوم إلى أن العمرى تنقل الملك إلى المعمر، منهم جابر بن عبد الله، وابن عمر، وابن عباس، وشريح، ومجاهد، وطاوس، والثوري، والشافعي، وأحمد، وأصحاب الرأي، واحتجوا بِما روى جابر قال: قال النبي ﷺ : "أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ لَا تُفْسِدُوهَا، فَإِنَّهُ مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِيَ لِلَّذِي أُعْمِرَهَا حَيًّا وَمَيِّتًا وَلِعَقِبِهِ". رواه مسلم، وفي لفظ: قَضى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْعُمْرَى لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ. متفق عليه. وروى ابن ماجة عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "لَا رُقْبى، فَمَنْ أُرْقِبَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ حَيَاتَهُ وَمَوْتَهُ". وعن زيد بن ثابت أن النبي ﷺ جعل العمرى للوارث. واحتجوا أيضًا بما رواه مالك في الموطإ؛ يعني حديث جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "أَيُّمَا رَجُلٍ أُعْمِرَ عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ فَإنَّهَا لِلَّذِي أُعْطِيَهَا، لَا تَرْجِعُ إِلَى الَّذِي أَعْطَاهَا، لِأَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ". قال ابن قدامة: هو حديث صحيح رواه جابر، وابن عمر، وابن عباس، ومعاوية، وزيد بن ثابت، وأبو هريرة، قال: وقول القاسم لا يقبل في مخالفة من سمينا من الصحابة والتابعين، فكيف يقبل في مخالفة قول سيد المرسلين؟. قال: ولا يصح أن يدعى إجماع أهل المدينة لكثرة من قال بها منهم. ا. هـ. منه. (٣) وقول المُصَنِّف رحمة الله عليه: إن لم تفت لا بحوالة سوق بل يزيد أو نقص الخ. يريد به، والله أعلم أن للرجوع في هبة الولد شروطًا: منها: أن تكون الهبة باقية في ملك الولد، فإن خرجت عن ملكه ببيع، أو هبة، أو أي تصرف يخرجها عن ملكه، لم يكن للوالد الرجوع فيها، ولو عادت إلى الولد بسبب جديد من بيع أو وصية أو هبة أو إرث ونحو ذلك لم يك للوالد الرجوع فيها. ومنها: أن لا يتصرف الولد فيها تصرفًا يفوتها؛ كأن يستولدها. وإن رهن العين الموهوبة، أو أفلس وحجر عليه، لم يملك الأب الرجوع فيها، لأن في ذلك إبطالًا لحق غير ولده. ومنها: أن لا يتعلق بالهبة رغبة لغير ولده، فإن تعلقت رغبة غير الولد بالهبة فليس للوالد ردها، كأن يهب لولده هبة فيرغب الناس فيه من أجلها، فزوجوه أو حملوه دينًا، فإنه إن رجع في الهبة كان كمن غرَّ =

стр. 1368

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = هؤلاء، وليس له الرجوع حينئذ في هبته لقوله ﷺ : "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ". وفي الرجوع ضرر. وأما تغير الهبة بحوالة سوق، فقد نقل المواق عن الباجي قوله: لم يمنع ذلك الاعتصار. قاله مطرف، وابن الماجشون، وأصبغ، لأن الهبة على حالها، وزيادة القيمة ونقصها لا تعلق له بها ولا تأثير له في صفتها، فلم يمنع الاعتصار كنقلها من موضع لآخر، وأما إن تغيرت الهبة في عينها، فقد قال مطرف وابن الماجشون: زيادتها في عينها ونقصها لا يمنع الاعتصار، وقال أصبغ: يمنع ذلك اعتصارها وهو الظاهر من قول مالك وابن القاسم، لأن تغير حالة ذمة المعطي يمنع الاعتصار، فلأن يمنعه تغير الهبة أولى وأحرى. ا. هـ. منه بتصرف قليل. وقال الحطاب: حكى في معين الحكام قولين في فوات الاعتصار بحوالة السوق، فيحتمل أن يكون المُصَنِّف اعتمد القول بالإِفاتة. (٤) وقول المصنف: وكره تملك صدقة بغير ميراث، قال مالك لا يشتري الرجل صدقته من المتصدق عليه ولا من غيره، وقال محمد: ولا ترجع إليه باختبار من شراء أو غيره، وإن تداولتها الأملاك. واختلف، هل النهي على الندب أو الوجوب؟ فقال مالك: لا ينبغي أن يشتريها. وقال: يكره، وظاهر الموازية أنه لا يجوز. قال اللخمي: والأول أحسن لأن المثل ضرب لنا بما ليس بحرام. انتهى من المواق، ودليل نهي المتصدق عن تملك ما تصدق به، الحديث المتفق عليه عن عمر بن الخطاب ﵁، قال: حملت على فرس في سبيل الله، فأضاعه الذي كان عنده، فأردت أن اشتريه، وظننت أنه يبيعه برخص فسألت النبي ﷺ فقال: "لَا تَشْتَرِهِ وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ وَإنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ، فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْعَائِدِ في قَيْئِهِ". وأما رجوع الصدقة إلى المتصدق بالإِرث، فهو جائز اتفاقًا، لما أخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، أن امرأة أتت رسول الله ﷺ فقالت: كنت تصدقت على أمي بوليدة، وإنها ماتت وتركت تلك الوليدة؟ قال. "وَجَبَ أَجْرُكِ وَرَجَعَتْ إِلَيْكِ فِي الْمِيرَاثِ" قال الشوكاني: ويجمع بجواز تملك الشيء المتصدق به بالميراث، لأن ذلك ليس مشبهًا بالرجوع عن الصدقة دون سائر المعاوضات. ا. هـ. وعن عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ يقبل الهدية ويثيب عليها، رواه أحمد، =

стр. 1369

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = والبخاري، وأبو داود، والترمذي. كذا قال في منتقى الأخبار. وعن ابن عباس أن أعرابيًا وهب النبي ﷺ هبة فأثابه عليها، قال: "أَرَضِيتَ"؟ قال: لا. فزاده، قال: "أَرَضِيتَ"؟ قال: لا. فزاده، قال" أَرَضِيتَ"؟ قال: نعم، فقال النبي ﷺ : "لَقَدْ هَمَمْتُ أَلَّا أَتَّهِبَ هِبَةً إِلَّا قُرَشِيٌّ أَوَ أَنْصَارِيٌّ أَوْ ثَقَفِيٌّ". أخرجه في منتقى الأخبار وقال: رواه أحمد. قال الشوكاني: حديث ابن عباس أخرجه أيضًا ابن حبان في صحيحه، وقال في مجمع الزوائد: رجال أحمد رجال الصحيح. وأخرجه أبو داود والنسائي من حديث أبي هريرة بنحوه وطوله، ورواه من وجه آخر وبين أن الثواب كان ست بكرات. وكذا رواه الحاكم وصححه على شَرط مسلم. قال: واستدل المالكية بهذا الحديث على وجوب المكافأة على الهدية إذا أطلق المهدي وكان مثله ممن يطلب الثواب كأن يهدي فقير لغني، بخلاف ما يهبه الأعلى للأدنى. قال: ووجه الدلالة منه مواظبته ﷺ . ا. هـ. منه. (٥) وقوله: وجاز شرط الثواب ولزم بتعيينه، قال ابن قدامة: الهبة المطلقة لا تقتضي ثوابًا، سواء كانت من الإِنسان لمثله، أو لمن هو دونه، أو أعلى منه، قال: وبهذا قال الشافعي وأبو حنيفة في الهبة لمثله أو دونه مثل قولنا. وإن كانت لأعلى منه فإنها تقتضي الثواب عند مالك لقول عمر بن الحطاب ﵁: ومن وهب هبة أراد بها الثواب فهو على هبته، يرجع فيها إذا لم يرض عنها. وقال أصحاب أحمد: إنها عطية على وجه التبرع فلم تقتض ثوابًا كهبة المثل، وحديث عمر احتجوا بأنه خالفه ابنه وابن عباس. وقال ابن قدامة: فإن شرط في الهبة ثوابًا معلومًا صح، خلافًا للشافعي. قال: لأنه شرط في الهبة ما ينافي مقتضاها. وقال: فإذا قال الواهب: هذا لك على أن تثيبني. فله أن يرجع إذا لم يثبه؛ لأنه شرط، قال: والأصل في هذا قول عمر المتقدم: من وهب هبة أراد بها الثواب فهو على هبته، يرجع فيها إذا لم يعوض، قال: وروي معنى ذلك عن عليٍّ، وفُضالة بن عبيد، ومالك بن أنس، وهو قول الشافعي على القول الذي يرى أنه الهبة المطلقة تقتضي ثوابًا. ا. هـ. منه.

стр. 1370

اللقطة بَابٌ: اللُّقَطَةُ مالٌ مَعْصُومٌ عَرَضَ للضَّيَاعِ (١)، وإنْ كَلْبًا وفَرَسًا وحمَارًا (٢)، ورُدَّ بِمَعْرِفَةِ مَشْدُودٍ فِيهِ وبِهِ (٣) وعَدَدِه، بِلَا يَمينٍ، وقُضِيَ لَهُ عَلى ذي الْعَدَدِ وَالوَزْنِ، وإنْ وَصَفَ ثَانٍ وَصْفَ أولٍ وَلَمْ يَبِنْ بِهَا حَلَفَا وقُسِمَتْ كَبَيِّنَيْنِ لَمْ يُؤرِّخَا، وإلَّا فلِلْأقْدَمِ. ولَا ضَمَانَ عَلى دَافعٍ بِوَصْفٍ وإنْ قَامَتْ بيِّنَةٌ لِغَيْرِهِ، واستُؤْنيَ بالوَاحِدَةِ إن جَهِلَ غَيْرَهَا، لَا غَلِطَ على الأظْهَرِ، ولم يَضُرَّ جَهْلُهُ بِقَدْرِهِ ووجب أَخْذُهُ لِخَوْفِ خَائنٍ (٤) لا إن عَلِمَ خِيَانَتَهُ هُوَ فَيَحْرُمُ وإلَّا كُرهَ على الأحْسَنِ. وتعرِيفُه سَنَةً وَلَوْ كدَلْوٍ، لَا تَافِهًا، بِمَظانِّ طَلَبِهَا بِكَبَابِ مسَجْدٍ (٥) في كُلِّ يَوْمَيْنِ أوْ ثَلَاثَةٍ بِنَفْسِهِ أوْ بِمَنْ يَثِقُ به أو بأجرةٍ مِنْهَا إنْ لَمْ يُعَرِّفْ مِثْلُهُ، وِبالْبَلدَيْنِ إنْ وُجِدَتْ بَيْنَهُمَا، ولَا يَذْكُرُ جِنْسَهَا عَلى المخْتَارِ. وَدُفِعَتْ لِحَبْرٍ إنْ وُجِدَتْ بَقَرْيَةٍ ذمِّيَّةٍ، ولَهُ حَبْسُهَا بَعْدَهُ أو التَّصَدُّقُ أو التَّملُّكُ وَلَوْ بمكَّةَ (٦) كتاب اللقطة اللقطة، قال الخليل بن أحمد: هي بفتح القاف اسم للملتقط، لأن ما جاء على فُعَلَة - بضم الفاء وفتح العن - هو اسم للفاعل نحو: هُمَزةٍ لمزَةٍ، وضُحَكَةٍ، وهُزَأَةٍ، قال: واللقْطة بسكون القاف، المالُ الملقوط، مثل الضُّحْكَةِ، للذي يضحك منه، والهُزْأة للذي يهزأ به. وقال الأصمعي وابن الأعرابي: هي بفتح القاف اسم للمال الملقوط أيضًا. ا. هـ. ابن قدامة. وقال الحطاب: هي بضم اللام وفتح القاف، هكذا ضبطها الأكثر، وعليه استعمال الفقهاء وهو خلاف القياس، وبعضهم أنكر فتح القاف وزعم أنها بالسكون على الأصل، وبعضهم رواها بالوجهين. منهم ابن الأثير وقال: الفتح أصح. ومنهم ابن العربي وقال: السكون أولى. ا. هـ. (١) قوله: اللقطة مال معصوم عرض للضياع: الأصل في اللقطة ما رواه زيد بن خالد الجهني قال: سئل رسول الله ﷺ عن لقطة الذهب والورق فقال: "اعْرِفْ وِكاءَهَا وَعِفَاصَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فإن لَمْ تُعْرَفْ فَاسْتَنْفِقْهَا، وَلْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ، فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا من الدَّهْرِ فَادْفَعْهَا إلَيْهِ"، وسأله عن ضَالة =
следующие страницы →