يحْلِفُ أوْ إنْ أشْكَلَ؟ تأويلَان في غيْرِ المسْكُوكِ إلَّا لِشَرْطٍ. وهِبَةُ أحَدِ الزوجَيْنِ للآخَرِ ولِقَادِمٍ عِنْدَ قدُومِهِ وَإنْ فَقِيرًا لِغَنيٍّ ولا يأخُذُ هِبَتَهُ وإنْ قائمَةً ولَزِمَ واهِبَهَا لا المَوْهوبَ لَهُ الْقِيمَةُ إلَّا لفَوْتٍ بِزيْدٍ أو نَقْصٍ، ولَهُ مَنْعُهَا حَتَّى يَقْبِضَهُ وأثيب ما يُقْضَى عنه بِبَيْع وإنْ مَعِيبًا إلَّا كَحَطَبٍ فَلَا يَلْزَمُهُ قَبُولُه وللْمَأذُونِ وللأبِ في مَالِ ولَدِهِ الْهِبَةُ، وإنْ قَالَ دَاري صَدَقةٌ بِيَمِينٍ مُطْلَقًا أوْ بِغَيْرهَا وَلَمْ يُعَيِّنْ لَمْ يُقْضَ عَلَيْهِ بِخِلَاف المُعَيَّنِ، وفي مَسْجِدٍ مُعَيَّنٍ قَوْلَانِ. وقُضِي بَيْنَ مُسْلِمٍ وذِمِّيٍّ فيها بِحُكْمِنَا.
= داري هذه، أو هي لك عُمْرَى، أو ما عشت، أو مدة حياتك، أو ما حييت، ونحو هذا، قال: وسميت عمرى لتقييدها بالعمر.
قال: والرقبى أن يقول: أرقبتك هذه الدار، أو هي لك حياتك على أنك إن مت قبلي عادت إليَّ، وإن مت قبلك فهي لك ولعقبك. فكأنه يقول: هي لآخرنا موتًا، وبذلك سميت رقبى؛ لأن كل واحد منهما يرقب موت صاحبه. ا. هـ.
وقال مالك والليث: العمرى تمليك المنافع، ولا تملك رقبة المعمر بحال، ولكون للمعمر السكنى، فإذا مات عادت إلى المعمر، وإن قال له: ولعقبك، كان سكناها لهم، فإذا انقرضوا عادت إلى المعمر. والحجة عندهما ما روى يحيى بن سعيد عن عبد الرحمن بن القاسم قال: سمعت مكحولًا يسأل القاسم بن محمد عن العُمْرى، ما يقول الناس فيها؟ فقال القاسم: ما أدركت الناس إلَّا على شروطهم في أموالهم وما أعطوا.
وقال إبراهيم بن إسحاق الحربي عن ابن الأعرابي: لم يختلف العرب في العُمرى، والرقبى، والإِقفار (١)، والإِحبال (٢)، والمنحة، والعرية، والعارية، والسكنى، والإِطراق (٣)، إنها على ملك =
стр. 1367
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= أربابها، ومنافعها لمن جعلت له، ولأن التمليك لا يتأقت، كما لو باعه إلى مدة، فإذا كان لا يتأقت حمل قوله على تمليك المنافع، لأنه يصح تمليكه.
وذهب قوم إلى أن العمرى تنقل الملك إلى المعمر، منهم جابر بن عبد الله، وابن عمر، وابن عباس، وشريح، ومجاهد، وطاوس، والثوري، والشافعي، وأحمد، وأصحاب الرأي، واحتجوا بِما روى جابر قال: قال النبي ﷺ : "أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ لَا تُفْسِدُوهَا، فَإِنَّهُ مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِيَ لِلَّذِي أُعْمِرَهَا حَيًّا وَمَيِّتًا وَلِعَقِبِهِ". رواه مسلم، وفي لفظ: قَضى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْعُمْرَى لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ. متفق عليه. وروى ابن ماجة عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "لَا رُقْبى، فَمَنْ أُرْقِبَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ حَيَاتَهُ وَمَوْتَهُ". وعن زيد بن ثابت أن النبي ﷺ جعل العمرى للوارث. واحتجوا أيضًا بما رواه مالك في الموطإ؛ يعني حديث جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "أَيُّمَا رَجُلٍ أُعْمِرَ عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ فَإنَّهَا لِلَّذِي أُعْطِيَهَا، لَا تَرْجِعُ إِلَى الَّذِي أَعْطَاهَا، لِأَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ".
قال ابن قدامة: هو حديث صحيح رواه جابر، وابن عمر، وابن عباس، ومعاوية، وزيد بن ثابت، وأبو هريرة، قال: وقول القاسم لا يقبل في مخالفة من سمينا من الصحابة والتابعين، فكيف يقبل في مخالفة قول سيد المرسلين؟. قال: ولا يصح أن يدعى إجماع أهل المدينة لكثرة من قال بها منهم. ا. هـ. منه.
(٣) وقول المُصَنِّف رحمة الله عليه: إن لم تفت لا بحوالة سوق بل يزيد أو نقص الخ. يريد به، والله أعلم أن للرجوع في هبة الولد شروطًا:
منها: أن تكون الهبة باقية في ملك الولد، فإن خرجت عن ملكه ببيع، أو هبة، أو أي تصرف يخرجها عن ملكه، لم يكن للوالد الرجوع فيها، ولو عادت إلى الولد بسبب جديد من بيع أو وصية أو هبة أو إرث ونحو ذلك لم يك للوالد الرجوع فيها.
ومنها: أن لا يتصرف الولد فيها تصرفًا يفوتها؛ كأن يستولدها. وإن رهن العين الموهوبة، أو أفلس وحجر عليه، لم يملك الأب الرجوع فيها، لأن في ذلك إبطالًا لحق غير ولده.
ومنها: أن لا يتعلق بالهبة رغبة لغير ولده، فإن تعلقت رغبة غير الولد بالهبة فليس للوالد ردها، كأن يهب لولده هبة فيرغب الناس فيه من أجلها، فزوجوه أو حملوه دينًا، فإنه إن رجع في الهبة كان كمن غرَّ =
стр. 1368
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= هؤلاء، وليس له الرجوع حينئذ في هبته لقوله ﷺ : "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ". وفي الرجوع ضرر.
وأما تغير الهبة بحوالة سوق، فقد نقل المواق عن الباجي قوله: لم يمنع ذلك الاعتصار. قاله مطرف، وابن الماجشون، وأصبغ، لأن الهبة على حالها، وزيادة القيمة ونقصها لا تعلق له بها ولا تأثير له في صفتها، فلم يمنع الاعتصار كنقلها من موضع لآخر، وأما إن تغيرت الهبة في عينها، فقد قال مطرف وابن الماجشون: زيادتها في عينها ونقصها لا يمنع الاعتصار، وقال أصبغ: يمنع ذلك اعتصارها وهو الظاهر من قول مالك وابن القاسم، لأن تغير حالة ذمة المعطي يمنع الاعتصار، فلأن يمنعه تغير الهبة أولى وأحرى. ا. هـ. منه بتصرف قليل.
وقال الحطاب: حكى في معين الحكام قولين في فوات الاعتصار بحوالة السوق، فيحتمل أن يكون المُصَنِّف اعتمد القول بالإِفاتة.
(٤) وقول المصنف: وكره تملك صدقة بغير ميراث، قال مالك لا يشتري الرجل صدقته من المتصدق عليه ولا من غيره، وقال محمد: ولا ترجع إليه باختبار من شراء أو غيره، وإن تداولتها الأملاك. واختلف، هل النهي على الندب أو الوجوب؟ فقال مالك: لا ينبغي أن يشتريها. وقال: يكره، وظاهر الموازية أنه لا يجوز. قال اللخمي: والأول أحسن لأن المثل ضرب لنا بما ليس بحرام. انتهى من المواق، ودليل نهي المتصدق عن تملك ما تصدق به، الحديث المتفق عليه عن عمر بن الخطاب ﵁، قال: حملت على فرس في سبيل الله، فأضاعه الذي كان عنده، فأردت أن اشتريه، وظننت أنه يبيعه برخص فسألت النبي ﷺ فقال: "لَا تَشْتَرِهِ وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ وَإنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ، فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْعَائِدِ في قَيْئِهِ".
وأما رجوع الصدقة إلى المتصدق بالإِرث، فهو جائز اتفاقًا، لما أخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، أن امرأة أتت رسول الله ﷺ فقالت: كنت تصدقت على أمي بوليدة، وإنها ماتت وتركت تلك الوليدة؟ قال. "وَجَبَ أَجْرُكِ وَرَجَعَتْ إِلَيْكِ فِي الْمِيرَاثِ" قال الشوكاني: ويجمع بجواز تملك الشيء المتصدق به بالميراث، لأن ذلك ليس مشبهًا بالرجوع عن الصدقة دون سائر المعاوضات. ا. هـ.
وعن عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ يقبل الهدية ويثيب عليها، رواه أحمد، =
стр. 1369
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= والبخاري، وأبو داود، والترمذي. كذا قال في منتقى الأخبار.
وعن ابن عباس أن أعرابيًا وهب النبي ﷺ هبة فأثابه عليها، قال: "أَرَضِيتَ"؟ قال: لا. فزاده، قال: "أَرَضِيتَ"؟ قال: لا. فزاده، قال" أَرَضِيتَ"؟ قال: نعم، فقال النبي ﷺ : "لَقَدْ هَمَمْتُ أَلَّا أَتَّهِبَ هِبَةً إِلَّا قُرَشِيٌّ أَوَ أَنْصَارِيٌّ أَوْ ثَقَفِيٌّ". أخرجه في منتقى الأخبار وقال: رواه أحمد.
قال الشوكاني: حديث ابن عباس أخرجه أيضًا ابن حبان في صحيحه، وقال في مجمع الزوائد: رجال أحمد رجال الصحيح. وأخرجه أبو داود والنسائي من حديث أبي هريرة بنحوه وطوله، ورواه من وجه آخر وبين أن الثواب كان ست بكرات. وكذا رواه الحاكم وصححه على شَرط مسلم. قال: واستدل المالكية بهذا الحديث على وجوب المكافأة على الهدية إذا أطلق المهدي وكان مثله ممن يطلب الثواب كأن يهدي فقير لغني، بخلاف ما يهبه الأعلى للأدنى. قال: ووجه الدلالة منه مواظبته ﷺ . ا. هـ. منه.
(٥) وقوله: وجاز شرط الثواب ولزم بتعيينه، قال ابن قدامة: الهبة المطلقة لا تقتضي ثوابًا، سواء كانت من الإِنسان لمثله، أو لمن هو دونه، أو أعلى منه، قال: وبهذا قال الشافعي وأبو حنيفة في الهبة لمثله أو دونه مثل قولنا. وإن كانت لأعلى منه فإنها تقتضي الثواب عند مالك لقول عمر بن الحطاب ﵁: ومن وهب هبة أراد بها الثواب فهو على هبته، يرجع فيها إذا لم يرض عنها.
وقال أصحاب أحمد: إنها عطية على وجه التبرع فلم تقتض ثوابًا كهبة المثل، وحديث عمر احتجوا بأنه خالفه ابنه وابن عباس.
وقال ابن قدامة: فإن شرط في الهبة ثوابًا معلومًا صح، خلافًا للشافعي. قال: لأنه شرط في الهبة ما ينافي مقتضاها. وقال: فإذا قال الواهب: هذا لك على أن تثيبني. فله أن يرجع إذا لم يثبه؛ لأنه شرط، قال: والأصل في هذا قول عمر المتقدم: من وهب هبة أراد بها الثواب فهو على هبته، يرجع فيها إذا لم يعوض، قال: وروي معنى ذلك عن عليٍّ، وفُضالة بن عبيد، ومالك بن أنس، وهو قول الشافعي على القول الذي يرى أنه الهبة المطلقة تقتضي ثوابًا. ا. هـ. منه.
стр. 1370
اللقطة
بَابٌ: اللُّقَطَةُ مالٌ مَعْصُومٌ عَرَضَ للضَّيَاعِ (١)، وإنْ كَلْبًا وفَرَسًا وحمَارًا (٢)، ورُدَّ بِمَعْرِفَةِ مَشْدُودٍ فِيهِ وبِهِ (٣) وعَدَدِه، بِلَا يَمينٍ، وقُضِيَ لَهُ عَلى ذي الْعَدَدِ وَالوَزْنِ، وإنْ وَصَفَ ثَانٍ وَصْفَ أولٍ وَلَمْ يَبِنْ بِهَا حَلَفَا وقُسِمَتْ كَبَيِّنَيْنِ لَمْ يُؤرِّخَا، وإلَّا فلِلْأقْدَمِ. ولَا ضَمَانَ عَلى دَافعٍ بِوَصْفٍ وإنْ قَامَتْ بيِّنَةٌ لِغَيْرِهِ، واستُؤْنيَ بالوَاحِدَةِ إن جَهِلَ غَيْرَهَا، لَا غَلِطَ على الأظْهَرِ، ولم يَضُرَّ جَهْلُهُ بِقَدْرِهِ ووجب أَخْذُهُ لِخَوْفِ خَائنٍ (٤) لا إن عَلِمَ خِيَانَتَهُ هُوَ فَيَحْرُمُ وإلَّا كُرهَ على الأحْسَنِ. وتعرِيفُه سَنَةً وَلَوْ كدَلْوٍ، لَا تَافِهًا، بِمَظانِّ طَلَبِهَا بِكَبَابِ مسَجْدٍ (٥) في كُلِّ يَوْمَيْنِ أوْ ثَلَاثَةٍ بِنَفْسِهِ أوْ بِمَنْ يَثِقُ به أو بأجرةٍ مِنْهَا إنْ لَمْ يُعَرِّفْ مِثْلُهُ، وِبالْبَلدَيْنِ إنْ وُجِدَتْ بَيْنَهُمَا، ولَا يَذْكُرُ جِنْسَهَا عَلى المخْتَارِ. وَدُفِعَتْ لِحَبْرٍ إنْ وُجِدَتْ بَقَرْيَةٍ ذمِّيَّةٍ، ولَهُ حَبْسُهَا بَعْدَهُ أو التَّصَدُّقُ أو التَّملُّكُ وَلَوْ بمكَّةَ (٦)
كتاب اللقطة
اللقطة، قال الخليل بن أحمد: هي بفتح القاف اسم للملتقط، لأن ما جاء على فُعَلَة - بضم الفاء وفتح العن - هو اسم للفاعل نحو: هُمَزةٍ لمزَةٍ، وضُحَكَةٍ، وهُزَأَةٍ، قال: واللقْطة بسكون القاف، المالُ الملقوط، مثل الضُّحْكَةِ، للذي يضحك منه، والهُزْأة للذي يهزأ به. وقال الأصمعي وابن الأعرابي: هي بفتح القاف اسم للمال الملقوط أيضًا. ا. هـ. ابن قدامة.
وقال الحطاب: هي بضم اللام وفتح القاف، هكذا ضبطها الأكثر، وعليه استعمال الفقهاء وهو خلاف القياس، وبعضهم أنكر فتح القاف وزعم أنها بالسكون على الأصل، وبعضهم رواها بالوجهين. منهم ابن الأثير وقال: الفتح أصح. ومنهم ابن العربي وقال: السكون أولى. ا. هـ.
(١) قوله: اللقطة مال معصوم عرض للضياع: الأصل في اللقطة ما رواه زيد بن خالد الجهني قال: سئل رسول الله ﷺ عن لقطة الذهب والورق فقال: "اعْرِفْ وِكاءَهَا وَعِفَاصَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فإن لَمْ تُعْرَفْ فَاسْتَنْفِقْهَا، وَلْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ، فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا من الدَّهْرِ فَادْفَعْهَا إلَيْهِ"، وسأله عن ضَالة =
стр. 1371
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= الإبل، فقال: "مَا لَكَ وَلَهَا؟ دَعْهَا فَإنَّ مَعَهَا حِذَاءَهَا وسِقَاءَهَا، تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا". وسأله عن الشاة، فقال: "خُذْهَا، فَإنَّمَا هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ، أوْ للذِّئْبِ". والحديث متفق عليه.
فاللقطة مال ضاع على ربه، يلتقطه غيره.
(٢) وقوله: وإن كلبًا وفرسًا وحمارًا، الظاهر أن ضائع الحيوان لا يطلق عليه لقطة في الاصطلاح؛ لأن المتعارف أن ضائع الحيوان يقال له ضالة، جمعها ضَوَالٌّ ويقال لها أيضًا الْهَوَامَى والهَوامِلُ، ألا ترى إلى ألفاظ الحديث كيف سأله أولًا عن لقطة الذهب والورق، ثم لما أجابه عن ذلك سأله عن الضوال. والذي يظهر، والله أعلم، أن ضالة البقر والخيل والحمير، إن تكن بأرض مضيعة أنها تلتقط لحفظها لصاحبها، وإن كانت بأرض أمينة يتوفر بها الماء والمرعى فالأحسن تركها تأكل من ذلك المرعى وتشرب من الماء حتى يجدها ربها.
(٣) وقوله: ورد بمعرفة مشدود فيه وبه، قال في المدونة: من التقط لقطة فأتى رجل فوصف عِفاصها ووكاءها وعدتها لزمه أن يدفعها إليه، ويجبره السلطان على ذلك. قال أبو عمر: أجمعوا على أن العفاص: الخرقة المربوط فيها، وهي لغة ما يسد به فم القارورة، والوكاء: الخيط الذي تربط به. ا. هـ. المواق.
قلت: قوله في المدونة: فوصف عفاصها ووكاءها وعددها، زيادة العدد هنا على ما جاء في حديث زيد بن خالد الجهني، يشهد لها ما جاء في حديث أبيّ بن كعب فإن فيه: فعرفتها حولًا ثم أتيته فقلت: لم أجد من يعرفها. فقال: "احْفظ عَدَدَهَا وَوِكَاءَهَا وَوِعَاءَهَا، فإنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَاسْتَمْتِعْ بِهَا". متفق عليه. قال الخطابي في معالم السنن في الكلام على حديث أبيِّ بن كعب: فيه دلالة على أنه إذا وصف اللقطة وعرف عددها دفعت إليه من غير تكليف بينة سواها، وهو مذهب مالك وأحمد، وقال الشافعي: إن وقع في نفسه أنه صادق، وقد عرف العفاص والوكاء والعدد والوزن دفعها إليه إنْ شاء، ولا أجبره على ذلك إلا ببينة، وكذلك قال أصحاب الرأي. قال الخطابي: ظاهر الحديث يوجب دفعها إليه إذا أصاب الصفة، وهو فائدة قوله: "عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا" فإن صحت هذه اللفظة في رواية حماد، وهي قوله: "فَعَرفَ عَدَدَهَا فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ". كان ذلك أمرًا لا يجوز خلافه، وان لم يصح فالاحتياط مع =
стр. 1372
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= من لم ير الرد إلا بالبينة، لقوله ﵊: "الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي".
قال أبو داود: ليس يقول هذه الكلمة إلا حماد في هذا الحديث. يعني "فَعَرفَ عَدَدَهَا". وفي التعليق على النسخة التي بيدي من أبي داود، طبعة دار الحديث بحمص، ما نصه: وليس في حديث البخاري ومسلم: "فَعَرَفَ عَدَدَهَا وَوِعَاءَهَا وَوِكَاءَهَا". وفي حديث الترمذي: "فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا فَأَخْبَرَكَ بِعِدَّتِها وَوِعَائِها وَوِكَائِهَا فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ". وفي حديث النسائي: "فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يُخْبِرُ بِعَدَدِهَا وَوِعَائِهَا وَوِكَائِهَا فَاعْطِهَا إِيَّاهُ". ا. هـ.
يتحصل منه أن قول المدونة: فوصف عفاصها ووكاءها وعدتها لزمه أن يدفعها إليه، لها أساس من السنة المرفوعة إليه ﷺ ، والله الموفق.
(٤) وقوله: ووجب أخذه لخوف خائن، قال ابن قدامة: واختار أبو الخطاب إذا وجدها بمضيعة، وأمن نفسه عليها فالأفضل أخذها، وهذا قول الشافعي، وحكي عنه قول آخر أنه يجب أخذها لقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (١). قال: فإذا كان وليه وجب عليه حفظ ماله. وممن رأى أخذها سعيد بن المسيب، والحسن بن صالح، وأبو حنيفة، وأخذها أبي بن كعب وسويد بن غفلة، وقال مالك: إن كان شيئًا له بال يأخذه أحب إليَّ ويعرفه؛ لأن فيه حفظ مال المسلم. وقال الإِمام أحمد: الأفضل ترك الإِلتقاط، وروي معنى ذلك عن ابن عباس وابن عمر، وبه قال جابر، وابن زيد، والربيع بن خيثم، وعطاء.
(٥) وقوله: وتعريفه سنة ولو كدلوٍ، لا تافهًا، بمظان طلبها بكباب مسجد، المواق - قال مالك: من التقط دنانير أو دراهم أو حليًا مصوغًا أو عرضًا أو شيئًا من متاع أهل الإِسلام، فليعرفها سنة، فإن جاء صاحبها أخذها، وإلا تم أمره بأكلها، كثرت أو قلّت، درهم فصاعدًا، إلا أن يحب بعد السنة أن يتصدق بها، ويخير صاحبها إن شاء في أن يكون له ثوابها أو يغرمها.
وقال في المدونة: يعرف اللقطة حيث وجدها، وعلى أبواب المساجد، ويعرف حيث يعلم أن صاحبها هناك أو خبره، ولا يحتاج في ذلك إلى أمر الإِمام؛ لأن الإِنسان مندوب إلى فعل الخير والعون عليه، وهذا منه. ويكون التعريف بالمساجد بأبوابها لكراهة رفع الصوت في المسجد، قالوا. ولو مشى =
стр. 1373
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= إلى الحلق في المسجد يعرفها بغير رفع صوت فلا بأس. قال ابن قدامة: ومكان التعريف الأسواق وأبواب المساجد، والجوامع، في الوقت الذي يجتمعون فيه كأدبار الصلوات في المساجِد، وكذلك في مجامع الناس. وحكم التعريف الوجوب، ودليل ذلك أن النبي ﷺ أمر به زيد بن خالد الجهني وأبيَّ بن كعب ولم يقيد، فكان أمرًا مطلقًا. ومدة التعريف سنة كاملة، روي ذلك عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وابن عباس، وبه قال ابن المسيِّب، والشعبي ومال، والشافعي، وأحمد وأصحاب الرأي. ودليل ذلك حديث زيد بن خالد المتفق عليه، فإن النبي ﷺ أمره فيه بتعريفها سنة. ويجب التعريف فور التقاطها؛ لأن ذلك أحرى أن يصل خبرها إلى صاحبها، والدليل أن النبي ﷺ أمر بتعريفها حين سئل عنها، والأمر يقتضي فور الامتثال.
قالوا: وكيفية التعريف؛ هي أن يذكر جنسها لا غير، كأن يقول من ضاع له ذهب؟ أو فضة؟ أو دنانير، أو ثياب، ونحو ذلك. لقول عمر بن الخطاب ﵁ لواجد الذهب في طريق الشام، ولا توصف اللقطة لأنه إن وصفها لعلم صفتها من يسمعها، فلا تبقى صفتها دليلًا لمالكها لمشاركة غير المالك في ذلك، ولأنه لا يؤمن أن يدعيها بعض من يسمع صفتها.
قال ابن قدامة: ولا خلاف بين أهل العلم في إباحة أخذ اليسير، وقد روي ذلك عن عمر، وعليّ، وابن عمر، وعائشة، وبه قال عطاء، وجابر بن زيد، وطاوس، والنخعي، ويحيى بن أبي كثير، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي.
أما تحديد ذلك اليسير المباح، فقد قال مالك وأبو حنيفة: لا يجب تعريف ما لا تقطع فيه اليد، وهو ربع دينار عند أصحابنا، وعشرة دراهم عند أبي حنيفة، قالوا: لأن ما دون ذلك تافه فلا يجب تعريفه، والدليل على أنه تافه، قول عائشة ﵂، كانوا لا يقطعوت في الشيء التّافه.
وفي الحديث عن أبي سعيد الخدري أن عليَّ بن أبي طالب وجد دينارًا فأتى به فاطمة، فسألت عنه رسول الله ﷺ فقال: "هُوَ رِزْقُ اللَّهِ ". فأكل منه رسول الله ﷺ وأكل عليّ وفاطمة، فلما كان بعد ذلك أتته امرأة تنشد الدينار فقال رسول الله ﷺ : "يَا عَلَيُّ أَدِّ الدينَارَ". رواه أبو داود، وفى سنده رجل مجهول.
أما مذهب أحمد، فقال: لا فرق في تعريف اللقطة بين يسيرها وكثيرها إلا ما كان من ذلك تافهًا =
стр. 1374
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= جدًّا مثل العصا، والسوط، والحبل وأشباه ذلك، واستدلوا لذلك بما رواه ابن ماجة بإسناده عن سويد بن غفلة، قال: خرجت مع سلمان بن ربيعة وزيد بن صوحان حتى إذا كنَّا بالعذيب التقطت سوطًا، فقالا لي: ألقِهِ، فأبيت حتى قدمنا المدينة، أتيت أُبيّ بن كعب، فذي ت ذلك له، فقال أصبت، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(٦) وقوله: وله حبسها ليأتي ربُّها، أو التصدق أو التملك ولو بمكة، نسب المواق هنا للجلاب: إنْ مضت السنة ولم يأت طالبها، فهو مخير إن شاء أنفقها أو تصدق بها وضمنها، أو حبسها ليأتي ربها، قال اللخمي: ثبت في الحديث: "عَرِّفْهَا سَنَةً فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَشَأْنَكَ بِهَا". وفي النسائي: "فَإِنْ لَمْ يَأْتِ صَاحِبُهَا فَهُوَ مَالٌ لِلَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ". قال: فتضمنت هذه الأحاديث أن الحكم فيها بعد الحول خلافه قبله، وله أن يتصرف لنفسه. والذي يقتضيه قول ابن القاسم في المدونة أن له أن ينتفع بها، غنيًا كان فقيرًا، وقال مالك في الذي اشترى كبَّة الخيوط من المغنم بدرهم، فوجد فيها صليب ذهب فيه سبعون مثقالًا: له أن يحب لنفسه لنفسه. قال ابن رشد: لأنه لما لم يمكنه قسمة ذلك على الجيش لافتراقه، صار حكمه حكم اللقطة بعد التعريف، واليأس من وجود صاحبها، في جواز أكلها لملتقطها؛ لقول النبي ﷺ : "فَشَأْنَكِ بِهَا". لأن مالكًا إنما كره له أكلها بعد التعريف مخافة أن يأتي صاحبها فيجده عديمًا لا شيء له، ولو علم أنه لا يجد صاحبها أبدًا لما كره له أكلها، قال: وافتراق الجيش في هذه المسألة كاليأس من وجود صاحبها، قال: وهذا في الأربعة الأخماس الواجبة للجيش، وأما الخمس فواجب عليه أن يضعه في مواضع الخمس. ا. هـ.
ومن الأدلة على صحة تملكها بعد انقضاء السنة قوله ﷺ في حديث زيد بن خالد: "فَإِنْ لَمْ تُعْرَفْ فَاسْتَنْفِقْهَا". وبعض ألفاظ الحديث " وَإِلَّا فَهِيَ كَسَبِيل مَالِك". وفي لفظ: "فَانْتَفعْ بِهَا". وفي لفظ "فَاسْتَمْتعْ بِهَا" وفي لفظ: "فَشَأْنَكَ بِهَا". وفي لفظ: "ثُمَّ كُلْهَا".
وقوله: ولو بمكة، من أدلته فتوى ابن عمر: روى الجوزجاني بإسناده عن الحر بن الصبَّاح: كنت عند ابن عمر بمكة إذْ جاء رجل فقال: إني وجدت هذا البرد وقد نشدته وعرفته، فلم يعرفه أحد، وهذا يوم التروية ويوم يتفرق الناس، فقال: إن شئت قومته قيمة عدل ولبسته، وكنت له ضامنًا متى جاءك صاحبه دفعت إليه ثمنه، وإن لم يجئ له طالب فهو لك إن شئت. ا. هـ. =
стр. 1375
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وقال ابن قدامة: وظاهر كلام أحمد والخرقي أن لقطة الحل والحراس سواء، وروي ذلك عن ابن عمر، وابن عباس، وعائشة، وابن المسيب، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة. قال: وروي عن أحمد رواية أخرى أنه لا يجوز التقاط لقطة الحرم للتملك. وهو قول عن الشافعي، وله مذهب كالأول، والحجة للقول الأخير ما روي عنه ﷺ أنه قال في مكة: "لَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لَمُنْشِدٍ". متفق عليه، قال أبو عبيد: معناه، لا تحل لقطة مكة، إلا لمن يعرفها، فهو محتمل جدًّا لهذا المعنى، علمًا بأن من يقول: لا فرق بين لقطة الحل والحرم. تمسك بعموم الأحاديث، مع أن قوله ﷺ : "إِلَّا لِمُنْشِدٍ" يحتمل أن يريد: إلا لمن يعرفها عامًا، وتخصيصها بذلك لتأكدها. ا. هـ. منه بتصرف.
تنبيهٌ: ذكر الحطاب هنا، قال النووي في شرح مسلم: وفي جميع أحاديث الباب دليل على أن التقاط اللقطة وتملكها لا يفتقر إلى حكم حاكم ولا إلى إذن سلطان، وهذا مجمع عليه، وفيها أنه لا فرق بين الغني والفقير، وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور. والله أعلم.
قال: وفي التمهيد: أجمعوا على أن للفقير أن يأكلها بعد الحول وعليه الضمان، وأخلفوا في الغني، فقال مالك أحب أن يتصدق بها بعد الحول ويضمنها، وقال الشافعي: يأكل اللقطة الغني والفقير بعد حول، وهذا تحصيل مذهب مالك. ا. هـ. منه بتصرف قليل.
قلت: قال الخطابي في معالم السنن: وفي قوله: "فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإلَّا فَاسْتَمْتعْ بِهَا".
دليل على أنه له أن يتملكها بعد السنة، ويأكلها بعد السنة إن شاء، غنيًا كان الملتقط لها أو فقيرًا، قال: وكان أبيّ بن كعب من مياسير الصحابة، ولو كان لا يجوز للغني أن يتملكها بعد تعريف السنة لأشبه أن لا يبيح له الاستمتاع بها إلا بالقدر الدي لا يخرجه عن حد الفقير إلى حد الغني، فلما أباح له الاستمتاع بها كلها، دل على أن حكم الغني والفقير لا يختلف في ذلك، وإلى هذا ذهب الشافعي وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وقد روي عن عمر بن الخطاب وعائشة إباحة التملك والاستمتاع بعد السنة.
وقالت طائفة: إذا عرفها سنة فلم يأت صاحبها، تصدق بها. روي ذلك عن عليّ، وابن عباس، وهو قول الثوري، وأصحاب الرأي، وإليه ذهب مالك. ا. هـ. منه.
стр. 1376
ضَامِنًا فِيهِمَا، كَنِيَّةِ أخْذِهَا قَبْلَهَا وَرَدَّهَا بَعْدَ أخْذِها لِلْحِفْظِ، إلَّا بِقُرْبٍ فتأويلَانِ (١) وَذُو الرِّقِّ كَذلِكَ، وقَبْل السَّنَةِ في رقبَتِهِ، ولَهُ أكْلُ ما يَفْسُدُ وَلَوْ بقرْيَةٍ، وشَاةٍ بِفَيْفَاء (٢) كَبَقَرٍ بِمَحَلِّ خَوْفٍ وإلَّا تُرِكتْ (٣) كإبِلٍ، وإن أُخِذَتْ عُرِّفَتْ ثُمَّ تُرِكَتْ بِمَحَلِّهَا (٤)، وكِرَاءُ بَقَرٍ ونَحْوِهَا في عَلَفِهَا كِرَاءً مَضْمُونًا، ورُكوبُ دَابَّةٍ لِمَوْضِعِهِ وإلَّا ضَمِنَ، وغَلَّاتُهَا دُونَ نَسْلِهَا، وخُيِّرَ رَبُّهَا بَيْنَ فكِّهَا بالنَّفَقَةِ أوْ إسْلَامِهَا. وَإنْ بَاعَهَا بَعْدَهَا فَمَا لرَبِّهَا إلَّا الثَّمنُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ وَجَدَهَا بِيَدِ المِسْكِين أوْ مُبْتَاعٍ مِنْهُ فَلَهُ أخْذُهَا، ولْلِمُلْتَقِطِ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ إنْ أخَذَ مِنْهُ قَيمَتَهَا إلَّا أن يَتَصَدَّقَ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ، وإنْ نَقَصَتْ بَعْدَ نيَّةِ تملُّكِهَا فَلِرَبِّهَا أَخْذُهَا أوْ قيمَتهَا. وَوَجَبَ لَقْطُ طِفْلٍ نُبِذَ كِفَايَةً (٥)، وحَضَانَتُهُ ونَفَقَتُهُ، إن لم يُعْطَ مِنَ الْفَيءِ (٦) إلَّا أنْ يَمْلِكَ كَهِبَةٍ أوْ يوجَدَ مَعَهُ أوْ مَدْفُونٌ تَحْتَهُ إنْ كانَتْ مَعَهُ رقْعَةٌ، وَرُجُوعُهُ عَلى أبِيهِ إنْ طَرَحَهُ عَمْدًا، والْقَوْلُ لَهُ أنَّه لَمْ يُنْفِقْ حِسْبَةً وَهُوَ حُرٌّ وولاؤه للمسلمين (٧).
(١) وقوله وردها بعد أخذها للحفظ، إلا بقرب فتأويلان: قال في المدونة: من التقط لقطة بعد أن حازها وبان بها وردها لموضعها أو لغيره، ضمنها، وأما إن ردها في موضعها مكانه في ساعته؛ كمر مر في أثر رجل فوجد شيئًا فأخذه وصاح به: أهذا لك؟ فيقول: لا، فيتركه فلا شيء عليه، وقاله مالك في واجد الكساء في أثر رفقة فأخذه وصاح: ألكم هذا؟ فقالوا: لا، فرده، قال: قد أحسن في رده ولا يضمن. ا. هـ. مواق.
قال ابن قدامة: إذا أخذ اللقطة ثم ردها إلى موضعها، ضمنها. روي ذلك عن طاوس، وبه قال الشافعي.
وقال مالك: لا ضمان عليه لما روى الأثرم عن القعنبي، عن مالك عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار، عن ثابت بن الضحاك، عن عمر أنه قال لرجل وجد بعيرًا: أرسله حيث وجدته. =
стр. 1377
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= ولما روي عن جرير بن عبد الله أنه رأى في بقره بقرة قد لحقت بها، فأمر بها فطردت حتى توارت. ا. هـ. منه.
(٢) وقوله: وشاة بفيفاء: قال الخطابي في معالم السنن: وقوله ﷺ : "هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ". فيه دليل على أنه إنما جعل هذا حكمها إذا وجدت بأرض فلاة يخاف عليها الذئب فيها، أما إذا وجدت في قرية أو بين ظهراني عمارة فسبيلها سبيل اللقطة في التعريف، إذا كان من المعلوم أن الذئاب لا تأوي إلى الأمصار والقرى.
وقال مالك وأبو عبيد وابن المنذر في الشاة توجد بالصحراء: اذبحها وكلها، وفي المصر ضُمَّها حتى يجدها صاحبها، لأن النبي ﷺ قال: "هِيَ لَكَ أَوْ لأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ" والذئب لا يكون في المصر.
وقال الحنابلة: لملتقطها أكلها سواء وجدها في الصحراء أو في المصر، لأن النبي ﷺ قال: "هِيَ لَكَ أَوْ لأَخِيكَ" فأضافها إِليه بلام التمليك، وقال: "خُذْهَا". ولم يفرق ولم يستفصل، ولو افترق الحال لسأل واستفصل.
قلت: هذا القول وجيه جدًّا من حيث الصناعة الأصولية، والله الموفق. ا. هـ.
ولهذا قال مالك، وأبو حنيفة، والشافعي وغيرهم: فله أكلها في الحال. وقال ابن عبد البر: أجمعوا على أن ضالة الغنم في الموضع المخوف عليها له أكلها، والأصل في ذلك قوله ﷺ : "هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ". فجعلها له في الحال، وسوَّى بينه وبين الذئب، والذئب لا يستَأني بأكلها، ومتى ما أراد أَكلها حفظ صفتها، فإذا جاء صاحبها غرمها في قول عامة أهل العلم إلَّا مالكًا، فإنه قال: كلها ولا غرم عليك لصاحبها، ولا تعريف لها، لقول النبي ﷺ : "هِيَ لَكَ" ولم يوجب فيها تعريفًا ولا غرمًا، وسوَّى بينه وبين الذئب، والذئب لا يعرف ولا يغرم، قال ابن عبد البر: لم يوافق مالكًا أحدٌ من العُلماء على قوله هذا. قال: وقول النبي ﷺ في حديث عبد الله بن عمرو: "رُدَّ عَلَى أَخِيكَ ضَالَّتَهُ" دليل على أن الشاة ملك لصاحبها. ا. هـ. المغني.
(٣) وقوله: كبقر بمحل خوف وإلا تركت، قال المواق، قال ابن القاسم: وضالة البقر إن كانت بموضع يخاف عليها من السباع والذئاب، فهي كالغنم، وإن كانت لا يخاف عليها من السباع والذئاب فهي كالإبل. ا. هـ. منه. والله أعلم. =
стр. 1378
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= (٤) وقوله: كإبل فإن أخذت عرفت ثم تركت بمحلها، قال الحطاب: ظاهره أن هذا في جميع الأزمان، قال في المقدمات: وهو ظاهر قول مالك في المدونة، وفي سماع أشهب من العتبة، وقيل: هو خاص بزمن العدل وصلاح الناس، وأما في الزمن الذي فسد فيه الناس، فالحكم أن تؤخذ فتعرف، فإن لم تعرف بيعت ووقف ثمنها لصاحبها، فإن أيس منه تصدق به، على ما فعله عثمان لما داخل في زمنه الفساد، وقد روي ذلك عن مالك. أ. هـ. قال ابن عبد السلام: وصحيح مذهب مالك عدم التقاطها مطلقًا. ا. هـ. منه.
قلت: وفي حديث زيد بن خالد الجهني ﵁، قال يا رسول الله، فضالّة الإِبل؟ فغضب رسول الله ﷺ حتَّى احمرت وجنتاه أو أحمر وجهه وقال: "مَا لَكَ وَلَهَا؟ مَعَهَا حِذَاؤُهَا وَسِقَاؤُهَا حَتَّى يَأْتِيَهَا رَبُّهَا". قال الخطابي: وأما ضالة الإِبل فإنه لم يجعل لواجدها أن يتعرض لها لأنها قد ترد الماء وترعى الشجر وتعيش بلا راع، وتمتنع على أكثر السباع، فيجب أن يخلى سبيلها حتى يأتي ربها.
قال: وقوله في الإِبل: "مَعَهَا حِذَاؤُهَا وسِقَاؤُهَا" فإنه يريد بالحذاء أخفافها، يقول أَنها تقوى على السير وقطع البلاد. وأراد بالسقاء أنها تقوى على ورود الماء فتحمل ربها في أكراشها. ا. هـ.
وقال ابن قدامة في المغني: وجملة ذلك أن كل حيوان يقوى على الامتناع من صغار السباع، وورود الماء، لا يجوز التقاطه ولا التعرض له، سواء كان لكبر جثته كالإِبل، والخيل، والبقر، أو لطيرانه كالطيور كلها، أو لسرعته كالظباء، أو لنابه كالكلاب والفهود. وقال عمر بن الخطاب ﵁: مَن أخذ ضَالةً فهو ضال، أي مخطئ، وبهذا قال الشافعي، والأوزاعي، وأبو عبيد.
(٥) وقوله: ووجب لقط طفل نبذ كفاية: هذا الكلام على اللقيط والطفل الممبود، وهو بمعنى الملقوط، لأنه فعيل بمعنى مفعول، كقولهم: قتيل، وجريح، وطريح.
قال ابن شأس، كل صبي ضائع لا كافل له، فالتقاطه من فروض الكفاية، فمن وجده وخاف عليه الهلاك إن تركه، لزمه أخذه ولم يحل له تركه. ا. هـ. الحطاب. ودليل وجوب التقاطه قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (١) الآية. ولأن في التقاطه إحياء نفس: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (٢). الآية. =
стр. 1379
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= (٦) وقوله: وحضانته ونفقته إن لم يعط، من الفيء: قال في المدونة: اللقيط حر، ونفقته من بيت المال، وكذلك أجر رضاعه، ورضاع من لا مال له من اليتامى. ا. هـ. المواق.
وفي الموطإ عن مالك عن ابن شهاب، وفي البغوي بإسناده إلى مالك عن ابن شهاب، واللفظ له، عن سُنَيْنٍ أبي جميلة - رجل من بني سُلَيْمٍ - أنه وجد منبوذًا في زمان عمر بن الخطاب، قال: فجئت به [إلى أمير المؤمنين] عمر بن الخطاب، فقال: ما حملك على أخذ هذه النسمة؟. قال: وجدتها ضائعة فأخذتها، فقال عريفه: يا أمير المؤمنين إنه رجل صالح. فقال: كذلك؟ فقال: نعم. قال: اذهب فهو حر، ولك ولاؤه، وعلينا نفقته. أخرجه الموطأ في الأقضية، باب: القضاء في المنبوذ.
وسنبين هذا بصيغة التصغير، تخفف ياؤه وتشدد، هو ابن فرقد ويكنى أبا جميلة، صحابي صغير، أخرج له البخاري حديثًا واحدًا. كذا وجدت على هامش مغني ابن قدامة بتحقيق الدكتور طه محمد الزيني.
قال مالك: الأمر المجمع عليه عندنا في المنبوذ أنه حر وولاؤه للمسلمين يرثونه ويعقلونه. وقال البغوي: في هدا الحديث بيان أن اللقيط إذا وجد، لا يجوز تضييعه، وأنه محكوم بحريته وإسلامه، ويكون ميراثه للمسلمين إذا مات، ونفقته من بيت المال: ا. هـ. منه.
(٧) وقوله: وولاؤه للمسلمين، تقدم في حديث سُنين أبي جميلة ﵁ أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ قال له: وولاؤه لك، وهذا يشكل مع قول رسول الله ﷺ : "الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ". وهو لم يعتقه، وقد بوب البيهقي باب: من قال اللقيط حر لا ولاء عليه. لقول النبي ﷺ : "إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ". ثم ساق سندًا إلى عليّ ﵁ أنه قضى في اللقيط أنه حر، وقرأ هذه الآية: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ (١). ا. هـ. منه.
وذكر المواق من المدونة: اللقيط حر. قال عمر ﵁: وولاؤه للمسلمين، وعقله على بيت المال. ا. هـ.
стр. 1380
وحُكِمَ بإسْلَامِهِ في قُرَى المُسْلِمِينَ (١). كأن لَمْ يَكُنْ فِيهَا إلَّا بَيْتَانِ إنِ الْتَقَطَهُ مُسْلِمٌ وإِنْ في قُرَى الشِّرْكِ فَمُشْرِكٌ، ولَمْ يَلْحَقْ بِمُلْتَقِطِهِ ولا غَيْرهِ إلَّا ببيِّنَةٍ أوْ بِوَجْهٍ وَلَا يَرُدُّهُ بَعْدَ أَخْذِهِ إلَّا أنْ يَأخُذَهُ لِيَرْفَعَهُ للْحَاكِمِ فَلَمْ يَقْبَلْهُ والمَوْضِعُ مَطْرُوقٌ. وقُدِّمَ الأسْبَقُ ثُمَّ الأوْلَى، وإلَّا فَالقُرْعَةُ، ويَنْبَغِي الإِشْهَادُ، ولَيْسَ لِمُكَاتَبٍ ونَحْوِهِ الْتِقَاطٌ بِغَيْرِ إذْنِ السَّيِّدِ. ونُزِعَ مَحْكُومٌ بإسْلَامِهِ مِنْ غَيْرهِ (٢)، ونُدِبَ أخْذُ آبِقٍ لِمَنْ يَعْرِفُ وَإِلَّا فَلَا يَأخُذْهُ، فإنْ أخَذَهُ رَفَعَهُ لِلإِمَامِ وَوقِّفَ سَنَةً ثُمَّ بِيعَ ولَا يُهْمَلُ وأخَذَ نَفَقَتَهُ ومَضَى بَيْعُهُ، وإن قَالَ رَبُّهُ كُنْتُ أعْتَقْتُهُ، وَلَهُ عِتْقُهُ وهِبَتُهُ لِغَيْرِ ثَوَابٍ وتُقَامُ عَلَيْهِ الحُدُودُ، وضَمِنَهُ إنْ أرْسَلَهُ إلَّا لِخَوْفٍ مِنْهُ كَمَنْ اسْتأجَرَهُ فِيمَا يَعْطَبُ فِيهِ لا إنْ أبَقَ مِنْهُ وإنْ مُرْتَهِنًا وحَلَفَ واسْتَحَقَّهُ سَيِّدُهُ بِشَاهِدٍ ويَمِينٍ وأخَذَهُ إن لم يَكُنْ إلَّا دَعْوَاهُ إنْ صَدَّقَهُ ولْيرْفَعْ لِلإمَامِ إنْ لَمْ يَعْرِفْ مُسْتَحقَّهُ إنْ لمْ يُخَفْ ظُلْمُهُ وَإنْ أتَى رَجُلٌ بِكِتَابِ قَاضٍ أنَّهُ قَدْ شَهِدَ عِنْدِي أنَّ صَاحِبَ كِتَابِي هذا فُلَانٌ هَرَبَ مِنْهُ عَبْدٌ وَوَصَفَهُ فَلْيُدْفَعْ إلَيْهِ بذلِك.
(١) وقوله: وحكم بإسلامه في قرى المسلمين، قال في المدونة: إن التقطه نصراني في قرى أهل الإِسلام ومواضعهم فهو مسلم، وإن كان في قرى الشرك وأهل الذمة ومواضعهم فهو مشرك، وإن وجد في قرية ليس فيها إلا اثنان أو ثلاثة من المسلمين فهو للنصارى إلا أن يلتقطه هناك مسلم فيجعل على دينه ا هـ. منه بنقل المواق.
قلت: الأصل في ذلك أن الولد يتبع أبويه في الكفر؛ فإذا أسلم أحدهما تبعه الولد في الإِسلام، روى القعنبي عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرية قال: قال رسول الله ﷺ : "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرانِهِ كَما تَنَاتَج الإِبِلُ مِنْ بَهيمَةٍ جَمَّاءَ هَلْ تُحِسُّ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ". قالوا: يا رسول الله، أفرأيت من يموت وهو صغير؟. قال: "اللَّهُ أَعْلَمُ بمَا كَانوا عَاملينَ". متفق عليه. =
стр. 1381
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وأما كون الولد يصبح مسلمًا بإسلام أبويه أو أحدهما فالأمثلة على ذلك موجودة من أولاد الصحابة رضوان الله عليهم، فقد ساق البيهقي سندًا عن عائشة ﵂ قالت: والله ما عقلت أبوي فقط إلا يدينان الدين، وما مر علينا يوم قط إلا يأتينا فيه رسول الله ﷺ بكرة وعشيًا. وقال البيهقي رواه البخاري في الصحيح عن يحيى بن بكير. وهذا عبد الله بن عمر أسلم بإسلام أبيه وهو صبي. روى إسلام أبيه وهو صبي، قال: لما أسلم عمر اجتمع عليه الناس قالوا: صبأ عمر، صبأَ عمرُ، وأنا على ظهر بيت، فجاء العاص بن وائل وعليه قباء ديباج مكففة بحرير فقال: صبأ عمر؟ فمه، أنا له جار. فعجبت من عزه يومئذ. رواه البخاري في الصحيح عن علي بن عبد الله عن سفيان. فعبد الله بن عمر أسلم أبوه وهو صبي فصار مسلمًا بإسلامه. وعبد الله بن عباس ﵄ أسلم بإسلام أمه على الرغم من أن أباه كان على دين قومه إلى أن أسر يوم بدر. قال البخاري: كان ابن عباس مع أمه من المستضعفين، ولم يكن مع أبيه على دين قومه. قال البيهقي حدثنا أبو محمد عبد الله بن يوسف، أنبأ أبو سعيد بن الأعرابي، ثنا سعيد بن نصر، ثنا سفيان عن عبيد الله بن أبي زيد قال: سمعت ابن عباس يقول: أنا وأمي من المستضعفين؛ كانت أمي من النساء وأنا من الولدان. رواه البخاري في الصحيح عن عبد الله بن محمد عن سفيان. ا. هـ.
يريد ابن عباس بذلك، المستضعفين المذكورين في قوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ (١).
ولا شك أن العباس كان إلى وقعة بدر على دين قومه، ولا التفات إلى ما يذكره بعض المؤرخين من أنه كان يكتم إيمانه، وذلك لما رواه البخاري في الصحيح من حديث أنس أن رجالًا من الأنصار استأذنوا رسول الله ﷺ فقالوا: ائذن لنا يا رسول الله لنترك لابن أختنا العباس فداءه، فقال: "لَا وَاللَّهِ لَا تَذَرُونَ دِرْهَمًا" قال، وعبد الله بن عباس إذ ذاك كان صبيًا صغيرًا إلا أن أمه كانت أسلمت فصار مسلمًا بإسلامها. ا. هـ. بنقل البيهقي.
وأما الحكم بأن ابن الكافر كافر مثله، فقد روى البخاري في الصحيح أن غلامًا من اليهود كان يخدم النبي ﷺ ، فمرض فأتاه النبي ﷺ يعوده فقعد رسول الله ﷺ عند رأسه فنظر الغلام إلى أبيه فقال، أَطع =
стр. 1382
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= أبا القاسم. فأسلم، فخرج رسول الله ﷺ وهو يقول: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ بِي مِنَ النَّارِ". ا. هـ. والله الموفق.
(٢) وقوله: ونزع محكوم بإسلامه من غيره: قال مطرف وأصبغ: إن التقطه نصراني وهو في قرى الإِسلام، نزع منه لئلا، ينصره أو يسترقه، ومعلوم أن دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (١). الآية.
стр. 1383
كتاب القضاء
بَابٌ: أهْلُ الْقَضَاءِ (١) عَدْلٌ، ذَكَرٌ (٢)، فَطِنٌ، مُجْتَهِدٌ إِنْ وُجِدَ، وإلَّا فأَمْثَلُ مُقَلِّدٍ، وَزِيدَ لِلْإِمَامِ الأعْظَمِ قُرَشيٌّ، فَحَكَمَ بقَوْلِ مُقَلَّدِهِ (٣)، ونَفَذَ حُكْمُ أعْمَى وأبْكَمَ وَأصَمّ، وَوَجَبَ عَزْلُه (٤)، وَلَزِمَ المُتَعَيِّنَ أو الخَائِفَ فِتْنَةً إنْ لمْ يَتَولَّ، أوْ ضَيَاعَ الحَقِّ الْقَبُولُ (٥) والطَّلَبُ، وأُجْبِرَ وَإنْ بضَرْبٍ (٦)، وَإلَّا فَلَهُ الْهَرَبُ وَإِنْ عُيِّنَ (٧). وحَرُمَ لجاهل وطالب دنيا (٨).
كتاب القضاءِ
قال الحطاب: القضاء بالمد، قال في القاموس: ويقصر، يطلق في اللغة على الحكم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (١)، أي: حكم. ويطلق على الأمر والإِيجاب، قال النووي، قال الواحدي، قال عامة المفسرين وأهل اللغة: قضى ههنا بمعنى أمر، وقال غيره: بمعنى أوجب. وقيل: وصى، وبها قرأ عليٌّ وابن مسعود.
قال: ويطلق على الإِلزام، كما في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾ (٢). أي ألزمناه به وحتمناه، وهذه المعاني متقاربة.
قال: ويطلق القضاء على الفراغ من الشيء: كقولهم: قضيت حاجتي. وضربه فقضى عليه، أي قتله؛ كأنه فرغ منه، وسمّ قاضٍ أي قاتل، وقضى نحبه: أي مات وفرغ من الدنيا. وأصل النحب النذر، واستعير للموت لأنه كنذر لازم في رقبة كل حيوان. قال في الصحاح: وقد يكون القضاء بمعنى الأداء والإنهاء تقول: قضيت ديني. قال: ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ (٣). وقوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾ (٤). أي أَنهيناه إليه وأبلغناه ذلك. وقد يكون القضاء بمعنى الصنع والتقدير، ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ (٥). ومنه أيضًا القضاء والقدر، قال: وقال: الأزهري: القضاء في اللغة على وجوه، مرجعها إلى انقضاء الشيء وتمامه. وأما القضاء شرعًا، فهو الإِخبار عن حكم شرعي على سبيل الإِلزام. ا. هـ. منه بتصرف. =
стр. 1384
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= والأصل في مشروعية القضاء؛ الكتاب والسنة والإِجماع. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ (٣). وقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٤).
وأما السنة، فقد روى عمرو بن العاص عن النبي ﷺ أنه قال: "إِذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وإذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ". متفق عليه. هذا، وقد أجمع المسلمون على مشروعية نصب القضاء بين الناس. انتهى من ابن قدامة.
(١) قوله: أهل القضاء. الخ. قال الحطاب: واعلم أن صفات القاضي المطلوبة فيه على ثلاثة أقسام.
الأول: شرط في صحة التولية، وعدمه يوجب الفسخ، وقد أشار إليه المُصَنِّف بقوله: أهل القضاء عدل، إلى قوله: وإلا فأمثل مقلد.
والثاني: ما يقتضي عدمه الفسخ وإن لم يكن شرطًا في صحة التولية، وأشار إليه المُصَنِّف بقوله: ونفذ حكم أعمى إلى قوله: ووجب عزله.
والثالث: مستحب وليس بشرط؛ وأشار إليه المصنف بقوله: كورع إلى آخره. والله تعالى أعلم.
قال: وشمل قوله: عدل، الحر، المسلم، العاقل، البالغ بلا فسق، قال القرطبي في شرح مسلم: وقد نص أصحاب مالك على أن القاضي لابد أن يكون حرًا، وأمير الجيش والحرب في معناه، فإنها مناصب دينية يتعلق بها تنفيذ أحكام شرعية، فلا يصلح لها العبد لأنه ناقص بالرق، محجور عليه، لا يستقل بنفسه، ومسلوب أهلية الشهادة والتنفيذ، ولا يصلح للقضاء ولا للإِمارة قال: وأظن جمهور علماء المسلمين على ذلك. ا. هـ. منه بتصرف.
(٢) وقوله: ذكر، وحكي عن ابن جرير أنه قال: يجوز أن تكون المرأة مفتية؛ فيجوز أن تكون =
стр. 1385
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= قاضية. وقال أبو حنيفة يجوز أن تكون قاضية في غير الحدود، وذكر الحطاب نحو ذلك عن ابن زرقون، نقل عنه ابن عرفة أنه قال: أظنه فيما تجوز فيه شهادتها، مصوبًا بذلك ما نقله ابن أبي مريم عن ابن القاسم من جواز ولاية المرأة. ا. هـ.
قلت: لعل كل ما نسب إلى هؤلاء الأعلام لم تصح نسبته إليهم لرسوخ أقدام القوم، وأن لهم اليد الطولي في العلم، وإلَّا فكيف يصح أن يقول مثل هؤلاء بجواز تولية المرأة في الإِسلام؟! والرسول ﷺ يقول: "لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمَرَهُمُ امْرَأَةً". أخرجه البخاري، والترمذي، والنسائي، وأحمد.
وأيضًا فقد ثبت في الحديث المتفق عليه وصف رسول الله ﷺ للمرأة بأنها ناقصة العقل والدين، فكيف يجوز أن يتولى ناقص عقل ودين أمرًا من أمور المسلمين؟ ومعلوم أن مجلس القاضي يحضره محافل الخصوم من الرجال، والمرأة ليست أهلًا لحضور محافل الرجال، ومعلوم كذلك أن الخصوم يأتون بأنواع الحيل والروغان، مما ينبغي له كمال الفطنة وتمام العقل، والمرأة ناقصة ذلك كله، لا تضبط شيئًا، ولذلك لم يجعل الله لها سبيلًا إلى الشهادة إلا بالتعدد، ونبه على سبب ذلك أنه عدم الضبط بقوله تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾. وأيضًا فقد ذكر الله عنها في محكم تنزيله أنها عاجزة عن المجادلة والإِدلاء بالحجة، قال في سورة الزخرف: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ (١) قال قتادة: ما تكلمت امرأة ولها حجة إلا جعلتها على نفسها. ذكره القرطبي.
لذلك، فإن المرأة لا تصلح للإِمامة ولا لأي تولية كائنة ما تكون إلا في أمر يختص بالنساء، الأمر الذي جعلنا لم يبلغنا قط عن رسول الله ﷺ ، ولا عن أحد من خلفائه، ولا عن تابعيهم بإحسان أنهم ولّوْا امرأة قضاء ولا ولاية بلد، ولو جاز ذلك لم يخل منه جميع الزمان، ولو كان في ذلك خير لسبقونا إليه. ا. هـ.
قال ابن قدامة: وجملة القول أن القاضي يشترط فيه ثلاثة شروط:
أحدها: الكمال، وهو نوعان: كمال الأحكام، وكمال الخلقة. أما كمال الأحكام، فإنه يعتبر في أربعة أشياء: أن يكون بالغًا، حرًا، ذكرًا، عاقلًا. =
стр. 1386
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وأما كمال الخلقة، فإنه تعتبر فيه أن يكون متكلمًا، سميعًا، بصيرًا؛ لأن الأخرس لا يمكنه النطق بالحكم، ولا يفهم جميع الناس إشارته، وإن الأصم لا يسمع قول الخصمين، وإن الأعمى لا يعرف المدعي من المدعى عليه، ولا يعرف المقر من المنكر، ولا يعرف الشاهد من المشهود له.
الثاني: العدالة، فلا يجوز تولية فاسق، ولا من فيه نقص يمنع الشهادة. قال: والدليل على منع تولية الفاسق قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (١). ولا يجوز أن يكون الحاكم ممن لا يقبل قوله، ويجب التبين عند حكمه، قال: ولأن الفاسق لا يجوز أن يكون شاهدًا، فلئلا يكون قاضيًا أولى.
الثالث: أن يكون من أهل الاجتهاد، وبهذا، أيضًا قال مالك والشافعي وبعض الحنفية، قال: والدليل قوله تعالى: (٢) ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ وقوله تعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ (٣). وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٤).
قال: فإذا ثبت هذا، فاعلم أن من شروط الاجتهاد معرفة ستة أشياء هي: الكتاب، والسنة، والإِجماع، والاختلاف، والقياس، ولسان العرب.
فأما الكتاب، فالحاجة إلى معرفة عشرة أشياء منه: العام، والخاص، والمطلق، والمقيد، والمحكم، والمتشابه، والمجمل، والمفسر، والناسخ والمنسوخ في الآيات المتعلقة بالأحكام وذلك نحو خمسمائة. قال: ولا يلزمه معرفة القرآن كله.
وأما السنة فيحتاج إلى معرفة ما يتعلق بالأحكام منها؛ فيحتاج إلى معرفة منها ما يعرف من الكتاب، ويزيد معرفة التواتر، وخبر الواحد، والمرسل، والمتصل، والمسند، والمنقطع، والصحيح، والضعيف.
ويحتاج كذلك إلى معرفة مسائل الإِجماع والمسائل المختلف فيها، والقياس وشروطه وأنواعه، وكيفية استنباط الأحكام.
قال: فينبغي أن يكون القاضي قويًا من غير عنف، ليِّنًا من غير ضعف، لا يطمع القوي في باطلة، =
стр. 1387
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= ولا ييأس الضعيف من عدله، وأن يكون حليمًا متأنيًا، ذا فطنة وتيقظ، لا يؤتى من غفلة، ولا يخدع لغرة، صحيح السمع والبصر، عالمًا بلغات أهل ولايته، عفيفًا، ورعًا، نَزِهًا، بعيدًا عن الطمع، صدوق اللهجة، ذا رأي ومشورة، لكلامه لين إذا قرب، وهيبة إذا أوعد، ووفاء إذا وعد، ولا يكون جبارًا عسوفًا فيقطع ذا الحجة عن حجته. ا. هـ. منه بتصرف واختصار.
تنبيهٌ: قال الحطاب: بقي على المؤلف شرط آخر وهو أن يكون القاضي واحدًا. قال في المقدمات: وأما الخصال المشترطة في صحة الولاية فهي: أن يكون حرًا، مسلمًا، عاقلًا، بالغًا، ذكرًا، واحدًا، فهذه الست الخصال لا يصلح أن يولى القضاء على مذهبنا إلا من اجتمعت فيه، فإن ولي من لم تجتمع فيه لم تنعقد له الولاية، وإن انخرم منها شيء بعد عقد الولاية سقطت، ثم عد العدالة وقال: إنها من هذا القسم، وإنما أخر ذكر العدالة لأن في عدها شرطًا خلافًا. ا. هـ. منه.
تنبيهٌ: ونسب أيضًا للمقدمات ما نصه: يجب أن لا يولى القضاء من أراده وطلبه، وإن اجتمعت فيه شروط القضاء مخافة أن يوكل إليه فلا يقوم به، وهذا فيمن لم يتعين عليه القضاء فيجب عليه حينئذ أن يسأله.
ويدل لمنع تولية من سأل القضاء قوله ﷺ : "لَا تَسْأَلِ الإمَارَةَ" فهو نهي ظاهره التحريم. قال القرطبي: ويدل على التحريم قوله ﷺ : "إِنَّا لَا نُوَلِّي عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ". وفي لفظ: "إِنَّا وَاللَّهِ لَا نُوَلِّي عَلَن هذَا الْعَمَلِ أَحَدًا سَأَلَهُ، وَلَا أَحَدًا حَرَصَ عَلَيْهِ". وهو حديث متفق على صحته.
قلت: ولست أدري أين موقف أولياء الأمور اليوم من تولية المتكالبين على الخطط الشرعية فيها؟ أين موقف هؤلاء من هذا الحديث الذي هو في قمة الصحيح؟ ولست أدري أيضًا أين موقف أولياء الأمور في بعض الأقطار - التي تزعم أنها على مذهب مالك، من تأليف المحاكم الشرعية من متعددين؟! وهو يشترط في المذهب عندهم أن يكون واحدًا، ولا يجوز تعدده. ا. هـ.
تنبيهٌ: إن الأصل في آداب القضاء كتاب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري؛ لأنه من للمعلوم أن رسول الله ﷺ انتقل إلى الرفيق الأعلى وهو يتولى القضاء بين الناس بنفسه، ولم يتول القضاء أحد مع وجود رسول الله ﷺ فيما علمت، وكذلك كان أبو بكر الصديق ﵁؛ فكان يتولى القضاء بنفسه إلى أن لحق بصاحبه ﷺ فكان أول من اتخذ القضاة عمر بن الخطاب ﵁، =
стр. 1388
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= ونص كتابه إلى أبي موسى، كما أخرجه ابن قيم الجوزية في أعلام الموقعين، قال: قال أبو عبيد: حدثنا كثير بن هشام، عن جعفر بن برقان، عن معمر البصري، عن أبي العوام قال: كتب عمر إلى أبي موسى: أما بعدُ، فإن القضاء فريضةٌ محكمةٌ وسنةٌ متبعةٌ، فافْهَمْ إذا أُدْليَ إليك، فإنه لا يَنْفَعُ تكلُّمٌ بحقٍّ لا نفاذ له، آسِ الناسَ في مجلسك وفي وجهك وفي قضائك، حتَّى لا يطمعَ شريفٌ في حَيْفِكَ ولا ييأسَ ضَعِيفٌ مِنْ عَدْلِك، البَيِّنَةٌ على المدَّعِي واليمينُ عَلى مَنْ أنْكَرَ، والصلحُ جائزٌ بيْنَ المِسلمين، إلًا صُلْحًا أحَلَّ حرامًا أو حرَّم حلالًا، ومن ادَّعى حقًّا غائبًا أوْ بَيِّنةً فاضْرِبْ لَهُ أمَدًا ينتهي إلَيْه، فإن بيَّنَه أعْطيْتَهُ بحَقِّهِ، وإنْ أعجَزهُ ذلك اسْتَحْلَلْت عليه القَضية، فإنَّ ذلك هو أبْلَغُ في العُذْرِ وأجْلَى للعماءِ، ولا يَمْنَعَنَّكَ قَضَاءٌ قَضَيْتَ فيه اليوم فَراجَعْتَ فِيهِ رَأيكَ فَهُدِيتَ فيه لِرُشْدِكَ، أن تُراجِعَ فيهِ الحقَّ، فإنَّ الحقَّ قَدِيمٌ لا يُبْطِلُهُ شَيْءٌ، ومراجَعَةُ الحقِّ خَيْرٌ من التَّمادي في الباطِلِ، والمسلمونَ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ؛ إِلا مُجَرَّبًا عَلَيْهِ شَهَادَةُ زُور، أَو مَجْلُودًا في حَدٍّ، أو ظنِّينًا في وَلاءٍ أوْ قَرابَةٍ، فإنَّ اللهُ تعالى تَوَلَّى منَ الْعِبَادِ السَّرائر وستر عليهم الحدود إلا بالبيِّنَاتِ والأيمان، ثمَّ الفهْمَ الفَهْمَ فيما أُدليَ إليك مما ورد عليك ممَّا ليس في قرآنٍ ولا سُنَّةٍ، ثمَّ قايِسِ الأمور عند ذلك واعرف الأمثال، ثم اعمد فيما ترى إلى أَحبِّها إلى الله وأشبهها بالحقِّ، وإياك والغضب والقلؤ والضَّجَرَ والتَّأذيَ بالناس، والتَّنكر عند الخُصومَةِ، أو الخصُوم - شكَّ أبو عُبَيْد - فإن القضاءَ في مواطن الحقِّ ممَّا يوجِبُ اللهُ به الأجْرَ، ويُحْسِن بِه الذِكر، فمن خَلَصَتْ نيته فَي الحقِّ ولَوْ على نفسه كفاه الله ما بينه وبينَ الناس، ومن تَزَيَّنَ بما ليس في نفسه شَانَهُ اللهُ، فإنَّ الله تعالى لا يَقْبَلُ مِن العبادِ إلا ما كان خالصًا، فما ظنك بِثواب عند الله في عاجل رزقه وخزائن رحمته، والسلام عليك ورحمة الله. ا. هـ.
قال ابن القيم: هذا كتاب جليل تلقاه العُلماء بالقبول، وبنوا عليه أصول الحكم والشهادة، والحاكم والمفتي أحوج شَيء إليه وإلى تأمله والتفقه فيه.
تنبيهٌ: ورد في التخويف من القضاء، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ جُعِلَ قَاضِيًا فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْر سِكِّينٍ". رواه البغوي، وأخرجه أحمد، والترمذي، وأبو داود، وابن ماجة، وسنده قوي، حسنه الترمذي وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
وقال علي ﵁: القضاة ثلاثة: قاضيان في النار وقاض في الجنة؛ فأما اللذان في النار =
стр. 1389
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= فرجلٌ جار متعمدًا، فهو في النار، ورجل اجتهد فأخطأ، فهو في النار، وأمَّا الذي في الجنَّة، فرجل اجتهد فأصاب الحق، فهو في الجنة، قال قتادة: فقلت لأبي العالية: ما ذنب هذا الذي اجتهد فأخطأ؟. قال: ذنبه ألا يكون قاضيًا إذْ لم يعلم. قال البغوي: قوله: اجتهد فأخطأ فهو في النار، أراد به من كان اجتهاده عن غير علم، فأما من كان من أهل الاجتهاد فالخطأ فيه عنه موضوع، والدليل ما روي مرفوعًا عن بريدة عن أبيه عن النبي ﷺ قال: "الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ: وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ، وَاثْنَانِ فِي النَّارِ، فَأَمَّا الذِي فِي الْجَنَّةِ، فَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بهِ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فجَارَ فِي الْحُكْم فِي النَّار، وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسَ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ".
ومن الأحاديث التي تخوف من تولي القضاء ما روته عائشة عن النبي ﷺ أنه قال: "لَيَأْتِيَنَّ عَلَى الْقَاضِي الْعَدْلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَاعَةٌ يَتَمَنَّى أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي تَمْرَةٍ قَطّ". أخرجه أحمد.
وعن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: "مَا مِنْ حَكَمٍ يَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ إِلَّا حُبِسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَلَكٌ آخذٌ بِقَفَاهُ حَتَّى يَقِفَ إلَى جَهَنَّمَ ثُمَّ يَرْفَعُ رَأسَهُ إِلَى اللْهِ ، فَإِنْ قَالَ: أَلْقِهِ، ألقاهُ في مَهْوىً، فَهَوَى أَرْبَعِينَ خَرِيفًا". أخرجه أحمد. لذلك فإن طريق السلف الامتناع منه والتوقي، فقد أراد عثمان أن يولي ابن عمر القضاء فأبى عنه. وحلف المنصور لأبي حنيفة ليلين القضاء، فحلف أبو حنيفة أنه لا يلي القضاء، فقال الوزير: الخليفة قد حلف. فقال النعمان ﵀: وأنا حلفت، والخليفة أقدر على الكفارة مني.
ونقل الحطاب: روي أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عامله بالبصرة عدي بن أرطاة أن اجمع بين إياس بن معاوية والقاسم بن ربيعة، فول القضاء أنفذهما. فجمع عدي بينهما وقال لهما ما عهد به عمر إليه، فقال إياس: سل عنا فقيهي البصرة؛ الحسن وابن سيرين - وكان القاسم يأتي الحسن وابن سيرين، وإياس لا يأتيهما - فعلم القاسم أنه إن سألهما أشارا إليه، فقال له القاسم: لا تسألهما عني ولا عنه، فوالله الذي لا إله إلا هـ وإن إياسًا أفقه مني وأعلم بالقضاء، فإن كنت كاذبًا فما عليك أن توليني وأنا كاذب، وإن كنت صادقًا فينبغي لك أن تقبل قولي، فقال إياس: إنك جئت برجل وأوقفته على شفا جهنم فنجى نفسه منها بيمين كاذبة فيستغفر الله منها، وينجو مما يخاف، فقال له عدي: أما إنك إذ فهمتها فأنت لها، فاستقضاه. ا. هـ. منه. =
стр. 1390
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= أما تولية القضاة وبعثهم إلى الأمصار غير بلده. فإن النبي ﷺ بعث عليًّا ﵁ قاضيًا إلى اليمن، وبعث معاذ بن جبل إلى اليمن أيضًا، وقال له: "بِمَ تَحْكُمُ"؟ قال: بكتاب الله تعالى. قال: "فَإِنْ لَمْ تَجِدْ"؛ قال: فبسنة رسول الله ﷺ . قال: "فَإِنْ لَمْ تَجِدْ"؟ قال: أَجْتَهِدُ رَأْيي. قال: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَهِ لِمَا يرُضي رَسُولَ اللَّهِ" ﷺ ، وأخرجه أبو داود والترمذي عن معاذ.
وبعث عمر شريحًا على قضاء الكوفة، وكعب بن سوار على قضاء البصرة، وكتب إلى أبي عبيدة ومعاذ يأمرهما بتولي القضاء في الشام، لأن أهل كل بلد يحتاجون إلى القاضي ولا يستطيعون الذهاب إلى بلد الإِمام، ومن استطاع منهم ذلك شق عليه، فوجب إغناؤهم عن ذلك.
أما في بلد الإِمام فإنه لا ينبغي أن يتولى القضاء غيره، وإذا أمكن من أمراء الأمصار، فلا ينبغي أن يتولى القضاء غيرهم، لما كتب به عمر لأبي موسى الأشعري أن لا يقضي إلَّا أمير، فإنه أهيب للظالم، ولشاهد الزور.
وقال عمر لابن مسعود: أما بلغني أنك تقضي ولست بأمير؟ قال: بلى، قال: فولِّ حارَّها من تولى قارَّها. ذكره البغوي في شرحِ السنة، وهو في مصنف عبد الرزاق، تحت رقم ١٥٢٩٣. ا. هـ.
وإذا جلس القاضي في مجلسه، فإنه ينبغي أن يكون أول ما ينظر فيه أمر المحبوسين، لأن الحبس عذاب، وربما كان في المحبوسين من لا يستحق البقاء فيه، فمن واجبه أن يبعث ثقة إلى السجن يكتب له اسم كل محبوس وفيم حبس، ويأمر مناديًا في البلد: إن القاضي فلان بن فلان سوف ينظر في أمر المحبوسين يوم كذا وكذا، فمن له محبوس من أجل دعواه عليه فليحضر، فإذا حضر الناس في اليوم المذكور مد يده إلى الرقاع التي فيها أسماء المساجين، فمن وقعت رقعته في يده، قال: من خصم فلان بن فلان المحبوس؟ فإذا قال خصمه: أنا، بعث معه ثقة إلى الحبس فيخرج خصمه ويحضر معه مجلس القضاء، يفعل ذلك بأفراد يعلم أنه يتسع زمنه للنظر في معاملاتهم، فإذا حذر المحبوس، سأله: بمَ حُبستَ. ويقضي في مسائل المحبوسين على حسب ما يراه شرعًا في ذلك.
ثم ينظر في أمر الأوصياء على اليتامى والمجانين ونحو ذلك، فإذا قدم إليه الوصي، فإن كان القاضي قبله نفذ وصيته، لم يعزله، هذا لأن القاضي ما نفذ وصيته إلا وقد عرف أهليته في الظاهر، وإن =
стр. 1391
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= كان الأول ما نفذ وصيته، نظر فيه، فإن وجده أمينًا قويًا أقره، وإن كان أمينًا ضعيفًا، ضم إليه من يعينه، وإن وجده فاسقًا عزله وأقام غيره.
ثم ينظر في أمر أمناء القاضي الذين يرد إليهم النظر في أمر الوصايا التي لم يعين لها وصي، فإن وجدهم على ما يرام أقرهم على تولية من قبله لهم، ومن تغير حاله منهم إلى فسق عزله.
ثم ينظر في أمر الضوالِّ واللُّقط التي تولى القاضي حفظها، فإن كانت مما يخاف تلفه كالحيوان، باعها وحفظ ثمنها لأربابها، وكتب عليها من الأمور ما تتم به معرفتها لمن جاء ينشدها.
(٣) وقول المصنف ﵀: فحكم بقول مقلده، قال البغوي: على الحاكم أن يحكم بما في كتاب الله ، فإن لم تكن الحادثة التي يحتاج إلى الحكم فيها في كتاب الله، يحكم بالسنة عن رسول الله ﷺ ، فإن لم يجدها شي السنة، فحينئذ يجتهد، والدليل على ذلك ما روي عن معاذ ﵁ أن النبي ﷺ قال له لما أراد أن يبعثه إلى اليمن: "كَيْفَ تَقْضِي إذَا عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ"؟ قال: أقضي بكتاب اللهُ. قال: "فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي كِتَابِ اللَّهِ"؟ قال: فبسنة رسول الله ﷺ . قال: "فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِىِ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ" ﷺ . قال: أجتهد رأَيي، قال: فضرب رسول الله ﷺ على صدره وقال: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللَّهِ". وقد تقدم هذا الحديث قريبًا بلفظ يقارب هذا، قال البغوي: قوله: أَجتهد رأيي، أراد به رد القضية إلى معنى الكتاب والسنة عن طريق القياس. قال: وقوله في الحديث: "وإذَا اجْتَهَدَ فأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ" لم يرد به أنه يؤجر على الخطإ، بل يؤجر على اجتهاده في طلب الحق، لأن اجتهاده عبادة، والإثم في الخطإ عنه موضوع إذا لم يأل جهده، وهذا فيمن كان مجتهدًا، أما من لم يكن مجتهدًا فهو متكلف لا يعذر في الخطإ في الحكم، بل يخاف عليه أعظم الوزر، روي عن بريدة عن النبي ﷺ قال: "الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ؛ وَاحِدُ في الْجَنَّةِ وَاثْنَانِ فِي النَّارِ، فَأَمَّا الَّذِي في الْجَنَّةِ فَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَجَارَ فِي الْحُكْمِ، فَهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَن جَهْل، فَهُوَ فِي النَّارِ". وهذا الحديث صحيح، وقد تقدم. قَال: وجوز أصحاب الرأي للعامي أن يتقلد القضاء، ثم يقضي بما يفتي به أهل العلم. ا. هـ. منه.
وفي الحطاب: قال ابن فرحون: يلزم القاضي المقلد إذا وجد المشهور أن لا يخرج عنه. وذكر عن المازري أنه بلغ درجة الإجتهاد وما أفتى قط بغير المشهور، وعاش ثلاثًا وثمانين سنة، وكفى به قدوة في هذا. ا. هـ. منه. =
стр. 1392
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= (٤) وقوله: ونفذ حكم أعمى وأبكم وأصم ووجب عزله، قال المواق: قال ابن رشد: الخصال التي ليست مشترطة في صحة ولاية القضاء إلا أن عدمها يوجب فسخ الولاية؛ وهي أن يكرن سميعًا بصيرًا متكلمًا، فإن ولي من لم تجتمع فيه وجب عزله متى عثر عليه، ويكون ما مضى من أحكامه جائزًا. ا. هـ. منه.
تنبيهٌ: قال الحطاب: ترك المؤلف الكلام على الكتابة. قال الباجي وابن رشد: إنه لا نص؛ هل يشترط في القاضي أن يكتب؟ ألخ. كلامه.
قلت: وهذا من أغرب ما وقفت عليه، فكيف يفعل عن هؤلاء الجهابذة أنه لا نص في جواز قضاء من لا يكتب؟ وهذا سيد الأولين والآخرين قدوة كل من قضى كان لا يكتب ولا يقرأ .. وكان أقضى الناس، وأعدل الناس، وأعلم الناس ﷺ وعلى آله وأصحابه وسلم.
والله تعالى يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ (١).
(٥) وقوله: ولزم المتعين أو الخائف فتنة أو ضياع الحق، إن لم يتول، القبول، قال ابن عرفة: قبول ولاية القضاء من فروض الكفاية، إن كان بالبلد عدد يصلحون لذلك، فإن لم يكن يصلح لذلك إلا واحد، تعين عليه، وأجبر على قبوله. وقال الباجي: يجب على من هو أهله السعي في طلبه إن علم أنه إن لم يله ضاعت الحقوق، أو وليه من لا يحل له أن يولى. ا. هـ. من المواق.
(٦) وقوله: وأجبر وإن بضرب، قال أبو عمر. إنما يجبر على القضاء من لم يوجد غيره، يجبر بالسجن والضرب. قال: عرف عياض بابن مسكين بعد إجماع الناس عليه على اختلاف مذهبهم، قال ابن الأغلب: أتدري لم بعثته إليك؟ لأشاورك في رجل قد أجمع الخير، أردت أن أوليه القضاء فامتنع. قال ابن مسكين: تجبره على ذلك قال: تمنع. قال: يحبس، قال. قم، أنت هو. قال: إنني رجل طويل الصمت قليل الكلام غير نشيط في أموري ولا أعرف أهل البلد، فقال الأمير: عندي مولىً نشيط تدرب في الأحكام أنا أضمه إليك يكون لك كاتبًا، يصدر عنك في القول في جميع الأمور؛ فما رضيت من قوله أمضيت، وما سخطت رددت. فضم إليه ابن البناء، قال المخبر: فكثيرًا ما كنت آتي مجلسه وهو صامت لا ينطق وابن البناء يقضي، فقال الأمير لابن البناء بلغني أنك تفصل بين الخصوم وهو =
стр. 1393
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= ساكت، ما أرى إلا أنه لم يقبل القضاء. فقال ابن البناء: قد قبل إلا أني أكفيه، فقال: امض، لا تعلم أحدًا بما بيني وبينك، وافصل بين خصمين بغير مذهبه، قال ابن البناء: ففعلت، فأمرهما ابن مسكين فدارا بين يديه وفصل بمذهبه فأخبرت الأمير فحمد الله وشكره. ا. هـ. من المواق بتصرف قليل.
(٧) وقوله: وإلا فله الهرب وإن عين، قال ابن رشد: الهروب عن القضاء واجب وطلب السلامة منه لازم، لا سيما في هذا الوقت. وقال ابن شأس: للإِمام إجباره، وله هو أن بهرب بنفسه منه إلا أن يعلم أنه متعين عليه فيجب عليه القبول. ا. هـ. المواق.
وفي الحطاب: وروي أن عمر ﵁ دعا رجلًا ليوليه، فأبى، فجعل يديره على الرضا فأبى، ثم قال له: أنشدك اللهُ يا أمير المؤمنين أي ذلك تعلم خيرًا لي؟ قال ألَّا تلبي. قال فاعفني. قال: قد فعلت ا. هـ. قال: وطلب القضاء والحرص عليه حسرة وندامة يوم القيامة.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "سَتحْرِصُونَ عَلَى الإمَارَةِ وَتَكُونُ حَسْرَةً وَنَدَامَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَنِعْمَتِ الْمُرْضِعَةُ وَبِئْسَتِ الْفَاطِمَةُ". فمن طلب القضاء وأراده وحرص عليه وُكِّل إليه وخيف عليه فيه الهلاك، ومن لم يسأله وامتحن به وهو كاره له خائف على نفسه فيه أعانه الله عليه. روي عن النبي ﷺ أنه قال: "مَنْ طَلَبَ الْقَضَاءَ وَاسْتَعَانَ عَلَيْهِ وُكِّل إِلَيْهِ، وَمَنْ لَمْ يَطْلُبْهُ وَلَا اسْتَعَانَ عَلَيْهِ أَنْزَلَ اللَّهُ مَلَكًا يُسَدِّدُهُ". وقال ﷺ : "لَا تَسْأَلِ الْإِمَارَةَ فَإنَّكَ إِنْ تُؤتَهَا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ تُعَنْ، وَإنْ تُؤْتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ تُوكَلْ إلَيْهَا". وقال الجزيري في وثائقه: القضاء محنة وبلية، ومن دخل فيه فقد عرَّض نفسه للهلاك؛ لأن التخلص منه عسر، فالهروب منه واجب، لا سيما في هذا الوقت، وطلبه نوك وإن كان حسبة. قاله الشعبي. والنوك - بالضم - الحمق. قاله في الصحاح، قال قيس بن الخطيم: وداء النَّوْكِ ليس له دواء. والنَّواكةُ الحماقة. ا. هـ. منه.
(٨) وقوله: وحرم لجاهل وطالب دنيا: تقدم حديث بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ" الحديث. وفيه: "وَرَجُلٌ قَضَى بَيْنَ النَّاسِ بالْجَهْلِ فَهُوَ في النَّارِ" قال: وقلنا. أن القاضي إذا اجتهد فليس عليه شيء، قال البيهقي: اجتهاده بغير علم لا يهديه إلى الحق اتفاقًا، فلم يكن مأذونًا له فيه. ا. هـ.
وذكر الحطاب أنه يكره طلب القضاء من قبل العدل المشهور الذي ينفع الناس بعلمه، ويخاف إن تولى القضاء أن لا يقدر على ذلك. ونسبه للتوضيح، قال: وقال ابن عرفة عن المازري: وفي كونه في =
стр. 1394
وَنُدِبَ لِيُشَهِّرَ عِلْمَهُ (١) كوَرِعٍ، غَنِيٍّ، حَلِيمٍ، نَزِهٍ، نَسِيبٍ، مُسْتَشِيرٍ، بِلَا دَيْنٍ وَحَدٍّ (٢)، وزائدٍ في الدَّهَاءِ (٣)، وبِطَانَةِ سُوءٍ، ومَنْعُ الرَّاكِبِينَ مَعَهُ والمُصَاحِبينَ لَهُ، وتَخْفِيفُ الأعْوَانِ، واتِّخَاذُ مَنْ يُخْبرُهُ بِمَا يُقالُ في سِيرَتِهِ وحُكْمِهِ وشُهُودِهِ، وَتَأديبُ مَنْ أسَاءَ عَلَيْهِ إلَّا في مِثْلِ اتَّقِ اللهَ في أمْرِي فَليَرْفُقْ بِهِ، ولم يَسْتَخْلِفْ إلَّا لِوُسْعِ عَمَلِهِ في جِهَةٍ بَعُدَتْ، مَنْ عَلِمَ ما اسْتَخْلَفَ فِيهِ، وانْعَزلَ بِمَوتِه، لَا هُوَ بِمَوْتِ الأمِيرِ وَلوْ الخَلِيفَةَ، ولا تُقبلُ شَهَادَتُهُ بَعْدَهُ أنه قَضَى بكذا وجَازَ تَعَدّدُ مُسْتَقلٍّ أو خاصٍّ بِنَاحِيَةٍ أوْ نَوْعٍ، والْقَوْلُ للطَّالِبِ ثمَّ مَنْ سَبَقَ رَسُولهُ وإلَّا أُقْرعَ كالادِّعَاءِ. وجَازَ تَحْكِيمُ (٤) غيْر خَصْمٍ، وجَاهِلٍ، وكَافِر، وغيْرِ مُمَيِّزٍ في مَالٍ وجَرْحٍ لَا حَدٍّ، وَلِعَانٍ، وَقَتْلٍ،
= حق المشهور علمه الغني مكروهًا أو مباحًا، نظر، قال: وأصول الشرع تدل على الإِبعاد منه. انتهى.
قال ابن فرحون: ومن المكروه أن يكون سعيه في طلب القضاء لتحصيل الجاه والاستعلاء على الناش، فهذا يكْرهُ له السعي ولو قيل: إنه يحرم، لكان وجهه ظاهرًا لقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١). انتهى.
قال: وأما إباحة السعي في حصول القضاء، فقال في التوضيح: قال المازري: ويبعد عندي تصور الإِباحة إلا عند تقابل أدلة الأحكام وقرائن الأحوال، ولا يقدر على ترجيح بعضها على بعض للفهم، وقد تقدم أن ابن فرحون جعل منه من سعى فيه لسد خلته، والله تعالى أعلم. ا. هـ. منه.
(١) قوله: وندب ليشهر علمه، قال الحطاب: نقله ابن عرفة عن المازري عن بعض العُلماء وزاد معه: أو أن يكون فقيرًا وله عيال ويسعى في تحصيله لسدِّ خلته، ونصه: قال بعض العُلماء، يستحب طلبه لمجتهد خفى علمه وأراد إظهاره بولايته القضاء، أو لعاجز عن قوته وقوت عياله إلا برزق القضاء، قال المازري: ولا يقتصر الاستحباب على هذين بل يستحب للأولى من غيره لأنه أعلم منه. ا. هـ.
وفي المغني لابن قدامة: وقال أبو عبد الله بن حامد: إن كان رجلًا خاملًا لا يرجع إليه في الأحكام =
стр. 1395
وَوَلَاءٍ، ونَسَبٍ، وطَلاقٍ، وعِتْقٍ، ومَضَى إِنْ حَكَمَ صَوابًا وأُدبَ، وصبِيٍّ وعَبْدٍ، وامرأةٍ، وفَاسِقٍ، ثالِثها إلا الصّبيَّ ورَابِعُهَا إلَّا وفَاسِقٍ، وضَرْبُ خَصْمٍ لدَّ، وَعزلُه لِمَصْلَحَةٍ ولَمْ يَنْبَغِ إنْ شُهِرَ عَدْلًا، بِمُجَرَّدِ شَكِيةٍ، وليُبرَّأْ من غير
= ولا يعرف، فالأولى له توليه ليرجع إليه في الأحكام، ويقوم به الحق، وينتفع به المسلمون، وإن كان مشهورًا في الناس بالعلم، يرجع إليه في التعليم والفتوى، فالأولى الاشتغال بذلك لما فيه من النفع مع الأمن من الغرر. قال: ونحو هذا قال أصحاب الشافعي، وقالوا أيضًا: إذا كان ذا حاجة، وله في القضاء رزق، فالأولى له الاشتغال به، فيكون أولى من سائر المكاسب؛ لأنه قربة وطاعة. ا. هـ.
(٢) وقوله: كورع غني حليم نزه نسيب مستشير بلا ديْن وحدٍّ: قال ابن رشد: للقضاء خصال مستحبة، ويستحب لعدمها عزله؛ وهي أن يكون من أهل البلد، ورعا، غنيًا ليس بمحتاج ولا مديان، معروف النسب، جزلًا نافذًا، فطنًا غير مخدوع لغفلته، ولا محدود في زنا ولا قذف، ولا مقطوع في سرقة، وأن يكون ذا نزاهة عن الطمع مستخفًا باللائمة؛ أي يدير الحق على من دار عليه، ولا يبالي بمن لامه على ذلك، مستشيرًا لأهل العلم. ا. هـ. من المواق.
قال البغوي: ويستحب له مشاورة أهل العلم في الحوادث، والبحث في الدلائل، ثم يحكم بما لاح له بالدليل، قال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (١).
وروي عن أبي هريرة قال: ما رأيت أحدًا أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله ﷺ ، أخرجه عبد الرزاق في المُصَنِّف في آخر حديث صلح الحديبية. وقال الحسن: إن كان رسول الله عن مشورتهم لغنيًا، ولكن أراد أن يستن بذلك الحكام من بعده. أخرجه البيهقي في سننه، ورجاله ثقات، وذكره ابن حجر في فتح الباري عن ابن أبي حاتم وقال: بسند حسن.
وقال محمد بن إسماعيل في صحيحه: والمشاورة قبل العزم والتبيين؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (٢).
قال: وكان الأئمة يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة لياخذوا بأسهلها، فإذا وضح الكتاب أو السنة لم يتعدوه إلى غيره اقتداء بالنبي ﷺ . وقال الزهري: وكان مجلس عمر مغتصًا من القراء =
стр. 1396
سُخْطٍ. وخَفِيفُ تَعْزِيرٍ بِمَسْجدٍ، لَا حَدٌّ (١)، وجَلَسَ بهِ (٢) بغَيْرِ عِيدٍ وقُدُوِم حَاجٍّ وخُروجِهِ وَمَطَرٍ ونَحْوِهِ، واتِّخَاذُ حَاجبٍ وبوَّابٍ (٣)، وَبَدَأَ بِمَحْبُوسٍ (٤)، ثُمَّ وَصِيٍّ، ومالِ طِفْلٍ ومُقَامٍ، ثُمَّ ضَالٍّ، ونَادَى بِمَنْعِ مُعَامَلَةِ يَتِيمٍ وسَفيهٍ وَرَفْعِ أَمْرِهِمَا إليْهِ، ثُمَّ في الخُصُوم، ورَتَّبَ كَاتبًا عَدْلًا شَرْطًا، كَمُزَكٍّ واخْتَارَهُمَا (٥). والمُترْجِمُ مُخْبِر كالمُخَلَّفِ (٦). وأحْضَرَ الْعَلَمَاءَ أَوْ شَاوَرهُمْ (٧)، وشُهُودًا (٨) وَلَمْ يُفْتِ في خُصُومَةٍ (٩) وَلَمْ يَشْتَرِ بِمَجْلِسِ قَضَائِهِ كسَلَفٍ وقراضٍ وإبْضَاعٍ وحُضُورِ وَلِيمَةٍ إلَّا النَّكَاحَ، وقَبُولُ هَدِيَّةٍ ولَوْ كافَأَ عَلَيْهَا إلَّا مِنْ قَرِيبٍ (١٠) وَهِدِيَّةِ مَنْ اعْتَادَهَا قَبْلَ الْوِلَايَةِ، وكراهَةِ حُكْمِهِ في مَشْيهِ أوْ مُتَّكِئًا، وإلْزَام يَهُودِيٍّ حُكْمًا بِسَبْتِهِ، وتَحْدِيثِهِ بِمَجْلِسِهِ لِضَجَرٍ ودَوَام الرِّضَا في التَّحكِيمِ للْحُكْمِ قَوْلَانِ. وَلَا يَحْكُمُ مَعَ مَا يُدْهِشُ عَنِ الفِكْر (١١) ومَضَى،
= شبابًا كانوا أو كهولًا، فربما استشارهم، فيقول: لا يمنعن أحدكم أن يشير برأيه، فإن العلم ليس على قِدَم السنِّ ولا على حداثته، ولكن الله يضعه حيث شاء. وفي البخاري في قصة الحر بن قيس وعمه عيينة بن حصن: وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته كهولًا كانوا أو شبابًا.
وفي البيهقي في السنن، عن يوسف بن الماجشون قال: قال لنا ابن شهاب الزهري أنا وابن أخي وابن عم لي، ونحن غلمان أحداث نسأله عن الحديث: لا تحقروا أنفسكم لحداثة سنكم، فإن عمر بن الخطاب ﵁ إذا نزل به الأمر المعضل دعا الفتيان واستشارهم؛ يبتغي حدة أذهانهم. ا. هـ. شرح السنة وتعليقه.
(٣) وقوله: وزائد في الدهاء، ذكر الطرطوشي: ليس بحسن الزيادة في العقل المفضية إلى الدهاء والمكر، فإن هذا مذموم، وقد عزل عمر ﵁ زيادًا وقال: كرهت أن أحمل الناس على فضل عقلك، وكان من الدهاة. ا. هـ. مواق.
(٤) وقوله: وجاز تحكيم، قال المواق: من المدونة، لو أن رجلين حكما بينهما رجلًا فحكم بينهما أمضاه القاضي إلا أن يكون جورًا بينًا. قال ابن عرفة: ظاهره، ولو كان مخالفًا لما عند القاضي. قال =
стр. 1397
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= اللخمي: إنما يجوز التحكيم لعدل مجتهد أو عامي يحكم باسترشاد العُلماء، وتحكيم غيرهما خطر.
وقال المازري: وتحكيم الخصمين غيرهما جائز، كما يجوز أن يستفتيا فقيهًا يعملان بفتواه في قضيتهما، قال ابن عرفة: وانظر هل لأحدهما الرجوع عن التحكيم؟ قال مالك: لا رجوع لأحدهما عن ذلك. ا. هـ. منه بتصرف.
(١) وقوله: وخفيف تعزير بمسجد لا حد، قال في المدونة: لا بأس بيسير الأسواط أدبًا في المسجد، وأما الحدود وشبهها فلا. ا. هـ. مواق.
(٢) وقوله: وَجَلَسَ به، قال مالك: القضاء بالمسجد من الحق، وهو من الأمر القديم، لأنه يرضى فيه بالدون من المجلس، وتصل إليه المرأة والضعيف. وروى ابن حبيب: يجلس في رحاب المسجد، وهذا أحسن لقوله ﷺ "جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ رَفع أَصْوَاتِكُمْ وَخُصُومَاتِكُمْ". ا. هـ. مواق.
وقال ابن قدامة: ولا يكره القضاء في المسجد، فعل ذلك شريح، والحسن، والشعبي، ومحارب بن دثار، ويحيى بن يعمر، وابن أبي ليلى، وابن خلدة قاضي عمر بن عبد العزيز وروي عن عمر وعثمان وعلي رضوان الله عنهم، أنهم كانوا يقضون في المسجد.
وقال مالك: القضاء في المسجد من أمر الناس القديم. وبه قال مالك، وإسحاق، وابن المنذر. وقال الشافعي: ذكره ذلك، لما روي أن عمر كتب إلى القاسم بن عبد الرحمن أن لا تقض في المسجد، لأنه تأتيك الحائض والجنب والذمي.
قال: ولنا إجماع الصحابة بما قد رويناه عنهم، ولأن القضاء قربة وطاعة وإنصاف بين الناس، فلم يكره في المسجد، ولا نعلم صحة ما رووه عن عمر، وقد روي عنه خلافه، وأما الحائض إن عرضت لها حاجة إلى القاضي وكلت أو أتته في منزله، والجنب يغتسل ويدخل، والذميُّ يجوز دخوله بإذن مسلم.
وكان النبي ﷺ يجلس في مسجده مع حاجة الناس إليه للحكومة والفتيا وغير ذلك من حوائجهم، وكان أصحابه يطالب بعضهم بعضًا بالحقوق في المسجد، وربما رفعوا أصواتهم، فقد روي عن كعب بن مالك أنه قال: تقاضيت ابن أبي حدرد دينًا في المسجد حتى ارتفعت أصواتنا، فخرج النبي ﷺ فأشار إليَّ أن ضع من دينك الشطر، فقلت: نعم يا رسول الله، قال: "قَمْ فَاقْضهِ" أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة. =
стр. 1398
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= (٣) وقوله: واتخاذ حاجب وبواب، قال أصبغ: حق على الإمام أن يوسع على القاضي في رزقه، ويجعل له قومًا يقومون بأمره، ويدفعون الناس عنه، إذ لابد له من أعوان يكونون حوله؛ يزجرون من ينبغي زجره من المتخاصمين، فقد كان الحسن ينكر على القضاة اتخاذ الأعوان، فلما ولي القضاء قال: لابد للسلطان من رزعة. وقال ابن عرفة: ويسوغ له اتخاذ من يقوم بين يديه لصرف أمره ونهيه، وكف أذى الناس عنه، وأذى بعضهم عن بعض، قال: ولا يتخذ لذلك إلا ثقة مأمونًا. ا. هـ. من المواق.
(٤) وقوله: وبدأ بمحبوس. ألخ. قد تقدم الكلام على ذلك في مبحث تولية القضاة وبعثهم إلى الأمصار، فأغنى عن إعادته هنا، والحمد لله وحده.
(٥) وقوله: ورتب كاتبًا عدلًا شرطًا كمزك واختارهما، قال الحطاب: اعلم أن ترتيبه للكاتب وللمزكي والمترجم على جهة الأولوية، هذا ظاهر عباراتهم، فإنَّ أبا الحسن الصغير والقرافي جعلاه من آداب القضاء، وقوله: عدلًا، قال ابن فرحون: ذكر بعضهم في صفاته أربعة: العدل، والعقل، والرأي، والعفة. ونسب لابن شأس أنه قال: لا تشترط العدالة في الكاتب، قال: ولعله يريد أن القاضي يقف على ما كتب. ا. هـ. قال ابن عبد السلام وظاهر نصوصهم أنه لا يستعين مع القدرة إلَّا بالعدول، فإن لم يجدهم جاز الاستعانة بغيرهم. قال: ولا كلام في اشتراط العدالة في المزكي، قال في الرسالة: ولا يقبل في التزكية إلا من يقول: عدل رضا. ا. هـ. منه بتصرف.
وقال المواق ابن بطال: الشأن عندنا أن يتخذ القاضي رجلًا رضا؛ مجمعًا على أنه رجل عدل يسأل عن الشهود، وقال سحنون: ليس كل من تجوز شهادته تجوز تزكيته، ولا يجوز في التزكية إلا المبرز النافذ الفطن الذي لا يخدع. ا. هـ.
(٦) وقوله: والمترجم مخبر كالمحلف: قال المواق: إن احتكم للقاضي خصوم يتكلمون غير العربية ولا يفهم كلامهم، ينبغي أن يترجم عنهم رجل ثقة مأمون مسلم، واثنان أحب إليّ ويجزئ الواحد، ولا تقبل ترجمة كافر ولا عبد ولا مسخوط، ولا بأس بترجمة المرأة إن كانت من أهل العفاف والحق مما تقبل فيه شهادة النساء، وامرأتان. والرجل أحب إليَّ لأن هذا موضع شهادات.
قال: ومثله الذي يحلِّفُ المرأة يجوز فيه رسول واحد، ولا خلاف فيه، والخيار في ذلك عدلان، =
стр. 1399
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= ويجزئ فيه العدل الواحد، قال: قوله لا تقبل ترجمة عبد ولا مسخوط ولا كافر، معناه مع وجود المسلمين، ولو اضطر إلى ترجمة كافر أو مسخوط لقبل فعله، وحكم به كما يحكم بقول الطبيب النصراني وغير العدل فيما اضطر فيه لقوله من جهة معرفته بالطب. قال: وسمع القرينان، أترى المسألة عن الشهود سرًا؟ قال: نعم، ولا سبيل إلا للعدول. قال ابن رشد: مسألة تعديل السر تفترق من العلانية في أنه لا إعذار في السر، وفي أنه يجزئ فيه الشاهد الواحد، بخلاف العلانية في الوجهين. ا. هـ. منه بتصرف.
(٧) وقوله: وأحضر العلماء وشاورهم، لقد تقدم في ذلك بما فيه كفاية عند قول المصنف: مستشيرًا، ولا بأس بزيادة في ذلك للفائدة، قال المواق: قال مالك، كان عثمان ﵁، إذا جلس للقضاء، أحضر أربعة من الصحابة ثم استشارهم، فإذا رأوا ما رآه أمضاه وقال: هؤلاء قضوا لَسْتُ أنا قضيت. وقال محمد: لا يدع القاضي مشورة أهل العلم عندما يتوجه إلى الحكم، ولا يجلس للقضاء إلا بحضرة العدل، وليحفظوا له إقرار الخصوم خوف رجوع بعضهم عما يقر به. قال: وعرف عياض بابن أبي طالب وذكر دينة وعلمه، قال: وكان يكتب على أحكامه: حكمت بقول ابن القاسم. حكمت بقول أشهب، ويقول: في البلد علماء وفقهاء اذهبوا إليهم، فما أنكروا عليكم فارجعوا إليَّ به، وكان يكتب القضية ويقول لصاحبها: اذهب بها وطف بها على كل من له علم بالقرآن ثم ارجع إليَّ بما يقولون، قال: وكان إذا أشكل عليه أمر توقف وقال: لأن يسألني الله: لم وقفت؟ أيسرُ عليَّ من أن يسألني: لمَ جسرت. ا. هـ.
قلت: ومن لطائف مزية إحضار القاضي العلماء مجلسه، ما يذكر أن أحد الخليفتين - إما عثمان وإما هو عمر بن الخطاب - اشتكى إليه رجل قال: يا أمير المؤمنين، تزوجت هذه وها هي جاءت بهذا الولد لستة أشهر من دخولي بها. فأرسل الخليفة إلى أصحاب رسول الله ﷺ وقال: أرسلنا إليكم لتشهدوا رجم هذه. قالوا: وما بالها؟ قال زعم هذا أنه تزوجها فأتت بولد لستة أشهر من يوم دخوله بها وسألناها فأقرت، وكان علي ﵁ ممن حضر، فقال: أمَّا القرآن فقد برأها، فقال الخليفة: يبرئها القرآن ويرجمها فلان؟!. كيف برأها القرآن؟!.
قال: ألست تقرأ في كتاب الله ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ سورة لقمان: ١٤ قال: بلى! قال: =
стр. 1400
. . . . . . . . . . . . . . . . . .
= ألست تقرأ في موضع آخر من القرآن: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾؟ سورة الأحقاف: ١٥ قال: بلى! قال فإذا طرحنا أربعة وعشرين شهرًا مدة العامين، كم يبقى من الثلاثين قال: ستة أشهر، قال هي أقلُّ أمد الحمل. وهذه المرأة ولدت على أقل أمد الحمل؛ فعندها قال الخليفة: يا هذه، اذهبي بأمان الله فقد برأك القرآن، ورغم أنف فلان، يعني نفسه. ا. هـ.
ومن ذلك ما قيل أن عمر بن الخطاب ﵁ بعث إلى امرأة في شيء بلغه عنها فأسقطت، فاستشار في أمرها، فقال له قائل: أنت مؤدب. فقال له عليٌّ: إن كان مجتهدًا فقد أخطأ، وإن كان لم يجتهد فقد غشك، عليك الدية، قال: عزمت عليك أن لا تجلس حتى تضربها على قومك. أخرجه البيهقي.
(٨) وقوله: وشهودًا، ينبغي للقاضي أن لا يحكم إلا بحضرة الشهود ليحكم بشهادتهم لا بعلمه. وقال أبو عمر إذا جحد المقر إقراره الذي أقر به في مجلس الحكم، ولم تحضره بينة تشهد عليه بالإقرار، قال جمهور الشافعية وغيرهم يقولون: يجب القضاء عليه بموجب إقراره الذي أقر به، واستحب مالك أن يحضره شاهدان، ولا يعذر فيهما وظاهر هذا أن له أن يحكم ولو لم تشهد بينة علي إقراره، وفى المدونة: إذا أقر الخصم عنده وليس عنده بينة تشهد، ثم عاد فجحده، لا يقضى إلا ببينة سواه، وإلا شهد عليه بذلك عند من فوقه. ا. هـ. قال الحطاب: قولهم رفع إلى من فوقه، قال أبو الحسن: إذا رأى القاضي حدًا، رفع إلى من فوقه. وهل يرفع إلى من دونه؟ قولان، قال عياض: مذهب الكتاب أن أحدًا لا يرفع إلى من هو دونه إلَّا السلطان الأعظم للضرورة إلى ذلك. ا. هـ.
(٩) وقوله: ولم يفت في خصومة، نقل المواق عن ابن شأس: لا يجيب القاضي في مسألة مما يتعلق بالخصومات، واختار ابن عبد الحكم أنه لا بأس أن يجيب بالفتيا في كل ما سئل عنه لما عنده فيه علم واحتج بأن الخلفاء الراشدين الأربعة كانوا يفتون الناس في نوازلهم. ا. هـ. منه.
تنبيهٌ: قال في الواضحة: لا ينبغي أن يدخل على القاضي أحد الخصمين دون الآخر، وسواء كان القاضي وحده أو كان في جماعة. ا. هـ. المواق.
(١٠) وقوله: وقبول هدية ولو كافأ عليها إلا من قريب، قال ابن حبيب: لم يختلف العلماء في كراهة قبول الإمام الأكبر وقضاته وجباته الهدايا، قال وهو مذهب مالك وأهل السنة، وقوله: إلا من =
стр. 1401
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= قريب يريد الخاص من الولد والوالد والخالة والعمة وبنت الأخت، قاله ابن فرحون ونحوه في التوضيح.
قلت: كراهة قبوله هدية من أحد، أي لئِلا تكون ذريعة إلى الرشوة لأن الرشوة ملعون صاحبها، ونهى الله عنها في كتابه العزيز، ونهى عنها نبيه في سنته المطهرة؛ أما الكتاب فقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ (١). أي ولا تعطوها إلى الحكام على سبيل الرشوة ليغيروا الحكم لكم. وقال تعالى: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾ (٢) أي يرتشون في الأحكام. قاله البغوي. وأما السنة فعن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: "لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الراشِي وَالْمُرْتَشِي" أخرجه البغوي، والإِمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. والرشوة المحرمة إجماعًا، حقيقتها أنها ما يعطى لإبطال حق، أو لإحقاق باطل، أي المال الذي يعطيه الراشي لينال باطلًا، أو ليمنع حقًا يلزمه.
وهي بالنسبة للآخذ، المال الذي يأخذه الآخذه على أداء حق يلزمه، فلا يؤديه إلا برشوة يأخذها، أو المال الذي يأخذه على باطل يجب عليه تركه، ولا يتركه إلا بها.
أما إذا أعطى المعطي شيئًا ليتوصل به إلى حق له، أو ليدفع به عن نفسه ظلمًا، فإن ذلك لا يدخل في الرشوة المحرمة، والدليل ما روي عن ابن مسعود ﵁، أنه أُخِذَ فأعطى دينارين، فخُلِّي سبيله.
وروي عن الحسن، والشعبي، وجابر بن زيد، وعطاء، أنهم قالوا: لا بأس أن يصانع الرجل عن نفسه وماله، إذا خاف الظلم.
قال البغوي: وكذلك الآخذ إذا أخذ ليسعى في إعانة صاحب الحق، فلا بأس. ا. هـ.
(١١) وقوله: ولا يحكم مع ما يدهش عن الفكر، قال ابن عرفة: لا يجلس القاضي للقضاء وهو على صفة يخاف بها أن لا يأتي بالقضية صوابًا، وإن نزل به ذلك في قضائه ترك، كالغضب، والضجر، والهم، والجوع، والعطش، والحقن، قال: وإن أخذ من الطعام فوق ما يكفيه لم يجلس، وأصل ذلك قوله ﷺ : "لَا يَحْكمُ أَحَدٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ". قال ابن عرفة: اتفق العلماء على إناطة الحكم بأعم من الغضب؛ وهو الأمر الشاغل، وإلغاء خصوص الغضب، وسموا هذا الإِلغاء والاعتبار بتنقيح =
стр. 1402
وعَزَّرَ شاهِدَ زورٍ في الْمَلإِ بِنِدَاءٍ ولَا يَحْلِقُ رَأسَهُ أوْ لحْيَتَهُ ولَا يُسَخِّمُهُ، ثُمَّ في قَبُوله تَردُّدٌ. وَإنْ أدَّبَ التَّائبَ فَأهْلٌ، وَمَنْ أسَاءَ عَلى خَصْمِهِ، أو مُفْتٍ، أو شاهِدٍ لا بِشَهِدْتَ بِبَاطِلٍ كَلِخَصْمِهِ كذَبْتَ. وَلْيُسَوِّ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ (١) وَإنْ مُسْلِمًا وكَافِرًا (٢)، وقُدِّمَ المُسَافِرُ وَمَا يُخْشَى فَوَاتُهُ، ثُمَّ السَّابِقُ، قَالَ: وإنْ بَحقيْنِ بِلَا طُولٍ، ثُمَّ أُقْرِعَ. وَيَنْبَغِي أنْ يُفْرِدَ وقْتًا أوْ يَوْمًا لِلنَسَاءِ (٣) كالمُفْتِي والمُدَرِّسِ.
وأمرَ مُدَّعٍ تَجَرَّدَ قَوْلُهُ عنَ مُصَدِّقٍ بِالْكَلَامِ وإلّا فَالْجَالبُ وإلَّا أُقْرِعَ فَيَدَّعِي بِمَعْلُومٍ مُحَقَّقٍ. قال: وكَذَا شَىْءٌ وإلَّا لَمْ تُسْمَعْ كَأظُنُّ، وكَفَاهُ بِعْتُ وتَزَوَّجْتُ، وحُمِل عَلى الصَّحيحِ، وإلَّا فَلْيَسْألْهُ الْحَاكِمُ عَنِ السَّبَبِ، ثُمَّ مُدَّعىً عَلَيْهِ تَرَجَّحَ قَوْلُهُ بِمَعْهُودٍ أوْ أصْلٍ (٤) بِجَوابهِ، إنْ خَالَطَهُ بِدَيْنٍ أوْ تَكرُّرِ بَيْع وَإنْ بِشَهَادَةِ امْرَأةٍ، لا بِبَيِّنَةٍ جُرِّحَتْ، إلَّا الصَّانِعَ والمُتَّهَمَ والضَّيْفَ، وفي مُعَيَّنٍ وَالْوَديعَةَ عَلى أهْلِهَا، والمُسافِرَ عَلى رُفْقَتِهِ، ودَعْوَى مَرِيضٍ أوْ بَائعٍ عَلى حَاضِرِ المُزَايَدَة، فإنْ أقَرَّ فَلَهُ الإِشْهَادُ عَلَيهِ، ولْلِحَاكمِ تنبيهُهُ عَلَيْهِ، وإنْ أنكرَ قَالَ: ألك بَيِّنَةٌ (٥)؟ فإنْ نَفَاهَا واسْتَحْلَفَهُ فَلَا بَيِّنَةَ إلَّا لِعُذْرٍ كَنِسْيَانٍ أوْ وَجَدَ ثَانِيًا أوْ مَعَ يَمِينٍ لَمْ يَرَه الأولُ، ولَهُ يَمِينُهُ أنَهُ لَمْ يُحَلِّفْهُ أوَّلًا. قَال: وكَذا أنَّهُ عَالمٌ بِفِسْقِ شُهُودِهِ.
= المناط. ا. هـ. المواق.
والحديث الذي استدل به متفق عليه، وأيضًا فإن في كتاب عمر بن الخطاب ﵁ لأبي موسى الأشعري: إيَّاك والضجر، والقلق، والتأذي بالناس عند الخصومة. ا. هـ.
(١) وقوله: وليس بين الخصمين، قال الخرقي من فقهاء الحنابلة: ويعدل بين الخصمين في الدخول عليه، والمجلس، والخطاب، قال ابن قدامة في الكلام على ما ذكره الخرقي: وجملة القول =
стр. 1403
وأعْذرَ إلَيْهِ بأبَقيَتْ لَكَ حُجَّةٌ؟ ونُدِبَ تَوْجِيهُ مُتَعَدِّدٍ فِيهِ إلَّا الشَّاهِدَ بِمَا في المجْلِسِ ومُوَجَّهَهُ ومُزَكِّيَ السِّرِّ والمُبَرَّزِ بِغَيْرِ عَدَاوَةٍ وَمَنْ يُخْشَى مِنْهُ، وأنْظَرَهُ لَهَا باجْتِهَادِهِ، ثُمَّ حَكَمَ. كَنَفْيِهَا، ولْيُجبْ عَنِ المُجَرِّحِ، ويُعَجِّزُهُ إلَّا في دَمٍ، وحُبُسٍ، وعِتْقٍ، ونسَبٍ، وطَلَاقٍ، وكتَبَه، وَإِنْ لَمْ يُجِبْ حُبِسَ وَأُدِّبَ ثُمَّ حَكَمَ بِلَا يَمِينٍ، ولمُدَّعىً عَليْهِ السُّؤَالُ عَنِ السَّبَبِ وقُبِلَ نِسْيَانُهُ بِلَا يَمِينٍ، وإنْ أنْكَرَ مَطْلُوبٌ المُعَامَلَةَ فَالْبَيِّنَةُ، ثُمَّ لا تُقْبَلُ بَيَنَةٌ بالْقَضَاء بِخِلَافِ لا حَقَّ لَك عَليَّ.
= أن على القاضي العدل بين الخصمين في كل شيء؛ من المجلس، والخطاب، واللحظ، واللفظ، والدخول عليه، والإِنصات إليهما، والاستماع منهما، قال: وهذا قول شريح، وأبي حنيفة والشافعي، ولا أعلم فيه مخالفًا. وقد روى عمرو بن شبة في كتابه قضاة البصرة بإسناده عن أم سلمة أن النبي ﷺ قال: "مَنْ بُلِي بِالْقَضاءِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَلْيَعْدِلْ بَيْنَهُمْ فِي لَفْظِهِ وَإِشَارَتِهِ ومَقْعَدِهِ وَلَا يَرْفَعْ صَوْتَهُ عَلَى أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ مَا لَا يَرْفَعُهُ عَلَى الآخَرِ". وفي رواية: "فَلْيُسَوِّ بَيْنَهُمْ في النَّظَرِ، وَالْمَجْلِسِ وَالإشَارَةِ".
وكتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري: آسِ الناس في مجلسك، وفي وجهك، وفي قضائك، حتى لا يطمع شريف في حيفك ولا ييأس ضعيف من عدلك. ا. هـ. منه. وقال ابن قدامة: قال سعيد، ثنا هشيم، ثنا سيار، ثنا الشعبي قال: كان بين عمر بن الخطاب ﵁ وأبيّ بن كعب ﵁ بدار في شيء، فجعلا بينهما زيد بن ثابت فأتياه في بيته، فقال عمر: أتيناك لتحكم بيننا، وفي بيته يؤتي الحكم، فوسع له زيد عن صدر فراشه فقال: ههنا يا أمير المؤمنين. فقال له عمر: جُرْتَ في أول القضاء، ولكن أجْلِسُ مع خصمي، فجلسا بين يديه، فادَّعى أبيٌّ وأنكر عمر، فقال زيد لأبيّ: اعفُ أمير المؤمنين من الحلف، وما كنت لأسألها لأحد غيره، فحلف عمر، ثم أقسم لا يدرك زيد باب القضاء حتى يكون عمر ورجل من عُرْضِ المسلمين عنده سواء. وهذا الأثر أخرجه أبو يعلي، والدارقطني، والطبراني في الكبير عن أم سلمة، وقال الشوكاني: في إسناده عباد بن كثير وهو ضعيف. =
стр. 1404
. . . . . . . . . . . . . . .
= وقال ابن قدامة: والسنة أن يجلس الخصمان بين يدي القاضي؛ لما روي أن النبي ﷺ قضى أن يجلس الخصمان بين يدي الحاكم، رواه أبو داود.
(٢) وقوله: وإن مسلمًا وكافرًا، قال المواق: المازري: لو كان الخصمان مسلمًا وذميًا، ففي تسويتهما في المجلس كالمسلمين، أو جعل المسلم أرفع قولان. قال ابن عرفة: لم يذكر الشيخ غير الأول معزوًا لأصبغ. ا. هـ. منه.
قلت: ذكر ابن قدامة: يجوز رفع الخصم المسلم على خصمه الذميِّ، لما روى إبراهيم التيمي قال: وجد على كرم الله وجهه درعه مع يهودي، فقال: درعي سقطت وقت كذا، فقال اليهودي: درعي وفي يدي، بيني وبينك قاضي المسلمين، فارتفعا إلى شريح، فلما رآه شريح قام من مجلسه وأجلسه في موضعه، وجلس مع اليهودي بين يديه، فقال عليٌّ: إن خصمي لو كان مسلمًا لجلست معه بين يديك ولكن سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لَا تُسَاوُوهُمْ فِي الْمَجَالِس". ذكره أبو نعيم في الحلية.
تنبيهٌ: ولا ينبغي أن يضيف القاضي أحد الخصمين دون صاحبه، إما أن يضيفهما معًا أو يدعهما معًا، فقد روي عن عليّ ﵁ أنه نزل به رجل فقال: إنك خصم؟ قال: نعم، قال: تحوَّل عنا، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لَا تُضَيِّفُوا أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ إِلَّا وَمَعَهُ خَصْمُهُ".
(٣) وقوله: وينبغي أن يفرد وقتًا أو يومًا للنساء: قال القرطبي في شرح قوله ﵊ للنساء: "اجْتَمِعْنَ وَقْتَ كَذَا". على أن الإِمام ينبغي له أن يعلم النساء ما يحتجن إليه من أمر دينهن، وأن يخصهن بيوم مخصوص لذلك، كان في المسجد أو في مكان بمعناه لتؤمن الخلوة بهن، فإن تمكن بذلك بنفسه فعل، وإلا استنهض الإِمام شيخًا يوثق بعلمه ودينه لذلك حتى يقوم بهذه الوظيفة. ا. هـ. بنقل الحطاب.
(٤) وقوله: وأمر مدع تجرد قوله عن مصدق بالكلام إلى قوله: ثم مدعىً عليه ترجح قوله بمعهود أو أصل، لما كان فصل القضاء جملته في تمييز حال المدعي والمدعى عليه، شرع ﵀ في تمييز ذلك، وجملة القول فيه أن المدعي هو أبعد المتداعيين سببًا، فهو من كان قوله على خلاف أصل أو عرف ظاهر، وأن المدعى عليه هو أقربهما سببًا، فهو من وافقت دعواه الأصل أو العرف، فالأصل كدعوى بقاء الملك والعرف كدعوى الأشبه، وظهور العرف هو إفادة ظن صدق صاحبه. =
стр. 1405
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= قال ابن شاس: المدعي من تجردت دعواه عن أمر يصدقه، أو كان أضعف المتداعيين أمرًا في الدلالة على الصدق، واقترن بها ما يوهنها عادة، وذلك كالمخالف لأصل وشبه ذلك، قال: ومن ترجح جانبه بشيء من ذلك فهو المدعى عليه، ا. هـ. بنقل المواق.
قال علي الزقاق في المنهج المنتخب:
المدَّعَى عليه من يوافقه … عُرْفٌ أو أصْلٌ، بعْضهم يُحَقِّقُهْ
بأنه أقربُ خصمين سبَبْ … والضدُّ مدَّعٍ كَنَاظِرٍ طُلِبْ
وقوله: فيدعي بمعلوم محقق ألخ. يريد به، والله أعلم، أن الدعوى الصحيحة التي يجب ردها بإقرار أو إنكار، هي طلب ما في ذمة معين، إما بالشخص؛ كدعوى دين على زيد مثلًا، أو بالصفة؛ كدعوى الدية علي العاقلة، أو هي طلب الشيء المعين، كثوب مثلًا يدعي أنه اشتراه، أو أنه غصب منه أو كدعوى ما يترتب عليه ادعاء أحدهما؛ كدعوى المرأة على زوجها الطلاق أو الردة، فيترتب على ذلك حوزها لنفسها وهي معين، أو كدعوى الوارث أن موروثه مات مسلمًا أو مات كافرًا؛ فيترتب على ذلك ما يترتب من الميراث وهو معين، أو هي ما يثول إلى الدعوى على معين بالشخص؛ كدعوى المرأة المسيس على زوجها؛ لأن ذلك يئول إلى دعوى الصداق - أو هي ما يئول إلى دعوى معين بالصفة؛ كدعوى قتل الخطإ؛ لأنه يئول إلى الدعوى على كل مكلف عاقل من عاقلة المدعى عليه.
ويشترط في الدعوى أن تكون معتبرة شرعًا، فمثل دعوى عشر سمسمة على أحد لا يسمعه القاضي.
ويشترط في الدعوى أيضًا أن تكون معلومة محققة، فلو قال: لي عليه شيء لم تسمع دعواه لأنها مجهولة، ولو قال: أظن أن لي عليه ألفًا. لم تسمع أيضًا ويشترط فيها أيضًا أن لا تكذبها العادة، فمن ادعى على الحاضر الأجنبي ملك دار في يده؛ طال الزمن وهو يراه يهدم ويبني، ويؤجر من غير منازع، ومن غير وازع يزعه عن طلبه؛ من رغبة أو رهبة .. فإن هذا دعواه تكذبها العادة، فلا تسمع.
وقد عرف الشيخ علي الزقاق في المنهج المنتخب الدعوى الصحيحة فقال:
طلب ما بذمة المعين … أو المعين كثوب بين
أو ما ترتب عليه ما ذكر … كامرأة أو وارث إن اعتبر =