← Фикх малики

Фикх малики · id 784

مواهب الجليل من أدلة خليل

أحمد بن أحمد المختار الشنقيطي

Полный текст (1 647 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = قريب يريد الخاص من الولد والوالد والخالة والعمة وبنت الأخت، قاله ابن فرحون ونحوه في التوضيح. قلت: كراهة قبوله هدية من أحد، أي لئِلا تكون ذريعة إلى الرشوة لأن الرشوة ملعون صاحبها، ونهى الله عنها في كتابه العزيز، ونهى عنها نبيه في سنته المطهرة؛ أما الكتاب فقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ (١). أي ولا تعطوها إلى الحكام على سبيل الرشوة ليغيروا الحكم لكم. وقال تعالى: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾ (٢) أي يرتشون في الأحكام. قاله البغوي. وأما السنة فعن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: "لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الراشِي وَالْمُرْتَشِي" أخرجه البغوي، والإِمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. والرشوة المحرمة إجماعًا، حقيقتها أنها ما يعطى لإبطال حق، أو لإحقاق باطل، أي المال الذي يعطيه الراشي لينال باطلًا، أو ليمنع حقًا يلزمه. وهي بالنسبة للآخذ، المال الذي يأخذه الآخذه على أداء حق يلزمه، فلا يؤديه إلا برشوة يأخذها، أو المال الذي يأخذه على باطل يجب عليه تركه، ولا يتركه إلا بها. أما إذا أعطى المعطي شيئًا ليتوصل به إلى حق له، أو ليدفع به عن نفسه ظلمًا، فإن ذلك لا يدخل في الرشوة المحرمة، والدليل ما روي عن ابن مسعود ﵁، أنه أُخِذَ فأعطى دينارين، فخُلِّي سبيله. وروي عن الحسن، والشعبي، وجابر بن زيد، وعطاء، أنهم قالوا: لا بأس أن يصانع الرجل عن نفسه وماله، إذا خاف الظلم. قال البغوي: وكذلك الآخذ إذا أخذ ليسعى في إعانة صاحب الحق، فلا بأس. ا. هـ. (١١) وقوله: ولا يحكم مع ما يدهش عن الفكر، قال ابن عرفة: لا يجلس القاضي للقضاء وهو على صفة يخاف بها أن لا يأتي بالقضية صوابًا، وإن نزل به ذلك في قضائه ترك، كالغضب، والضجر، والهم، والجوع، والعطش، والحقن، قال: وإن أخذ من الطعام فوق ما يكفيه لم يجلس، وأصل ذلك قوله ﷺ : "لَا يَحْكمُ أَحَدٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ". قال ابن عرفة: اتفق العلماء على إناطة الحكم بأعم من الغضب؛ وهو الأمر الشاغل، وإلغاء خصوص الغضب، وسموا هذا الإِلغاء والاعتبار بتنقيح =

стр. 1402

وعَزَّرَ شاهِدَ زورٍ في الْمَلإِ بِنِدَاءٍ ولَا يَحْلِقُ رَأسَهُ أوْ لحْيَتَهُ ولَا يُسَخِّمُهُ، ثُمَّ في قَبُوله تَردُّدٌ. وَإنْ أدَّبَ التَّائبَ فَأهْلٌ، وَمَنْ أسَاءَ عَلى خَصْمِهِ، أو مُفْتٍ، أو شاهِدٍ لا بِشَهِدْتَ بِبَاطِلٍ كَلِخَصْمِهِ كذَبْتَ. وَلْيُسَوِّ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ (١) وَإنْ مُسْلِمًا وكَافِرًا (٢)، وقُدِّمَ المُسَافِرُ وَمَا يُخْشَى فَوَاتُهُ، ثُمَّ السَّابِقُ، قَالَ: وإنْ بَحقيْنِ بِلَا طُولٍ، ثُمَّ أُقْرِعَ. وَيَنْبَغِي أنْ يُفْرِدَ وقْتًا أوْ يَوْمًا لِلنَسَاءِ (٣) كالمُفْتِي والمُدَرِّسِ. وأمرَ مُدَّعٍ تَجَرَّدَ قَوْلُهُ عنَ مُصَدِّقٍ بِالْكَلَامِ وإلّا فَالْجَالبُ وإلَّا أُقْرِعَ فَيَدَّعِي بِمَعْلُومٍ مُحَقَّقٍ. قال: وكَذَا شَىْءٌ وإلَّا لَمْ تُسْمَعْ كَأظُنُّ، وكَفَاهُ بِعْتُ وتَزَوَّجْتُ، وحُمِل عَلى الصَّحيحِ، وإلَّا فَلْيَسْألْهُ الْحَاكِمُ عَنِ السَّبَبِ، ثُمَّ مُدَّعىً عَلَيْهِ تَرَجَّحَ قَوْلُهُ بِمَعْهُودٍ أوْ أصْلٍ (٤) بِجَوابهِ، إنْ خَالَطَهُ بِدَيْنٍ أوْ تَكرُّرِ بَيْع وَإنْ بِشَهَادَةِ امْرَأةٍ، لا بِبَيِّنَةٍ جُرِّحَتْ، إلَّا الصَّانِعَ والمُتَّهَمَ والضَّيْفَ، وفي مُعَيَّنٍ وَالْوَديعَةَ عَلى أهْلِهَا، والمُسافِرَ عَلى رُفْقَتِهِ، ودَعْوَى مَرِيضٍ أوْ بَائعٍ عَلى حَاضِرِ المُزَايَدَة، فإنْ أقَرَّ فَلَهُ الإِشْهَادُ عَلَيهِ، ولْلِحَاكمِ تنبيهُهُ عَلَيْهِ، وإنْ أنكرَ قَالَ: ألك بَيِّنَةٌ (٥)؟ فإنْ نَفَاهَا واسْتَحْلَفَهُ فَلَا بَيِّنَةَ إلَّا لِعُذْرٍ كَنِسْيَانٍ أوْ وَجَدَ ثَانِيًا أوْ مَعَ يَمِينٍ لَمْ يَرَه الأولُ، ولَهُ يَمِينُهُ أنَهُ لَمْ يُحَلِّفْهُ أوَّلًا. قَال: وكَذا أنَّهُ عَالمٌ بِفِسْقِ شُهُودِهِ. = المناط. ا. هـ. المواق. والحديث الذي استدل به متفق عليه، وأيضًا فإن في كتاب عمر بن الخطاب ﵁ لأبي موسى الأشعري: إيَّاك والضجر، والقلق، والتأذي بالناس عند الخصومة. ا. هـ. (١) وقوله: وليس بين الخصمين، قال الخرقي من فقهاء الحنابلة: ويعدل بين الخصمين في الدخول عليه، والمجلس، والخطاب، قال ابن قدامة في الكلام على ما ذكره الخرقي: وجملة القول =

стр. 1403

وأعْذرَ إلَيْهِ بأبَقيَتْ لَكَ حُجَّةٌ؟ ونُدِبَ تَوْجِيهُ مُتَعَدِّدٍ فِيهِ إلَّا الشَّاهِدَ بِمَا في المجْلِسِ ومُوَجَّهَهُ ومُزَكِّيَ السِّرِّ والمُبَرَّزِ بِغَيْرِ عَدَاوَةٍ وَمَنْ يُخْشَى مِنْهُ، وأنْظَرَهُ لَهَا باجْتِهَادِهِ، ثُمَّ حَكَمَ. كَنَفْيِهَا، ولْيُجبْ عَنِ المُجَرِّحِ، ويُعَجِّزُهُ إلَّا في دَمٍ، وحُبُسٍ، وعِتْقٍ، ونسَبٍ، وطَلَاقٍ، وكتَبَه، وَإِنْ لَمْ يُجِبْ حُبِسَ وَأُدِّبَ ثُمَّ حَكَمَ بِلَا يَمِينٍ، ولمُدَّعىً عَليْهِ السُّؤَالُ عَنِ السَّبَبِ وقُبِلَ نِسْيَانُهُ بِلَا يَمِينٍ، وإنْ أنْكَرَ مَطْلُوبٌ المُعَامَلَةَ فَالْبَيِّنَةُ، ثُمَّ لا تُقْبَلُ بَيَنَةٌ بالْقَضَاء بِخِلَافِ لا حَقَّ لَك عَليَّ. = أن على القاضي العدل بين الخصمين في كل شيء؛ من المجلس، والخطاب، واللحظ، واللفظ، والدخول عليه، والإِنصات إليهما، والاستماع منهما، قال: وهذا قول شريح، وأبي حنيفة والشافعي، ولا أعلم فيه مخالفًا. وقد روى عمرو بن شبة في كتابه قضاة البصرة بإسناده عن أم سلمة أن النبي ﷺ قال: "مَنْ بُلِي بِالْقَضاءِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَلْيَعْدِلْ بَيْنَهُمْ فِي لَفْظِهِ وَإِشَارَتِهِ ومَقْعَدِهِ وَلَا يَرْفَعْ صَوْتَهُ عَلَى أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ مَا لَا يَرْفَعُهُ عَلَى الآخَرِ". وفي رواية: "فَلْيُسَوِّ بَيْنَهُمْ في النَّظَرِ، وَالْمَجْلِسِ وَالإشَارَةِ". وكتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري: آسِ الناس في مجلسك، وفي وجهك، وفي قضائك، حتى لا يطمع شريف في حيفك ولا ييأس ضعيف من عدلك. ا. هـ. منه. وقال ابن قدامة: قال سعيد، ثنا هشيم، ثنا سيار، ثنا الشعبي قال: كان بين عمر بن الخطاب ﵁ وأبيّ بن كعب ﵁ بدار في شيء، فجعلا بينهما زيد بن ثابت فأتياه في بيته، فقال عمر: أتيناك لتحكم بيننا، وفي بيته يؤتي الحكم، فوسع له زيد عن صدر فراشه فقال: ههنا يا أمير المؤمنين. فقال له عمر: جُرْتَ في أول القضاء، ولكن أجْلِسُ مع خصمي، فجلسا بين يديه، فادَّعى أبيٌّ وأنكر عمر، فقال زيد لأبيّ: اعفُ أمير المؤمنين من الحلف، وما كنت لأسألها لأحد غيره، فحلف عمر، ثم أقسم لا يدرك زيد باب القضاء حتى يكون عمر ورجل من عُرْضِ المسلمين عنده سواء. وهذا الأثر أخرجه أبو يعلي، والدارقطني، والطبراني في الكبير عن أم سلمة، وقال الشوكاني: في إسناده عباد بن كثير وهو ضعيف. =

стр. 1404

. . . . . . . . . . . . . . . = وقال ابن قدامة: والسنة أن يجلس الخصمان بين يدي القاضي؛ لما روي أن النبي ﷺ قضى أن يجلس الخصمان بين يدي الحاكم، رواه أبو داود. (٢) وقوله: وإن مسلمًا وكافرًا، قال المواق: المازري: لو كان الخصمان مسلمًا وذميًا، ففي تسويتهما في المجلس كالمسلمين، أو جعل المسلم أرفع قولان. قال ابن عرفة: لم يذكر الشيخ غير الأول معزوًا لأصبغ. ا. هـ. منه. قلت: ذكر ابن قدامة: يجوز رفع الخصم المسلم على خصمه الذميِّ، لما روى إبراهيم التيمي قال: وجد على كرم الله وجهه درعه مع يهودي، فقال: درعي سقطت وقت كذا، فقال اليهودي: درعي وفي يدي، بيني وبينك قاضي المسلمين، فارتفعا إلى شريح، فلما رآه شريح قام من مجلسه وأجلسه في موضعه، وجلس مع اليهودي بين يديه، فقال عليٌّ: إن خصمي لو كان مسلمًا لجلست معه بين يديك ولكن سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لَا تُسَاوُوهُمْ فِي الْمَجَالِس". ذكره أبو نعيم في الحلية. تنبيهٌ: ولا ينبغي أن يضيف القاضي أحد الخصمين دون صاحبه، إما أن يضيفهما معًا أو يدعهما معًا، فقد روي عن عليّ ﵁ أنه نزل به رجل فقال: إنك خصم؟ قال: نعم، قال: تحوَّل عنا، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لَا تُضَيِّفُوا أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ إِلَّا وَمَعَهُ خَصْمُهُ". (٣) وقوله: وينبغي أن يفرد وقتًا أو يومًا للنساء: قال القرطبي في شرح قوله ﵊ للنساء: "اجْتَمِعْنَ وَقْتَ كَذَا". على أن الإِمام ينبغي له أن يعلم النساء ما يحتجن إليه من أمر دينهن، وأن يخصهن بيوم مخصوص لذلك، كان في المسجد أو في مكان بمعناه لتؤمن الخلوة بهن، فإن تمكن بذلك بنفسه فعل، وإلا استنهض الإِمام شيخًا يوثق بعلمه ودينه لذلك حتى يقوم بهذه الوظيفة. ا. هـ. بنقل الحطاب. (٤) وقوله: وأمر مدع تجرد قوله عن مصدق بالكلام إلى قوله: ثم مدعىً عليه ترجح قوله بمعهود أو أصل، لما كان فصل القضاء جملته في تمييز حال المدعي والمدعى عليه، شرع ﵀ في تمييز ذلك، وجملة القول فيه أن المدعي هو أبعد المتداعيين سببًا، فهو من كان قوله على خلاف أصل أو عرف ظاهر، وأن المدعى عليه هو أقربهما سببًا، فهو من وافقت دعواه الأصل أو العرف، فالأصل كدعوى بقاء الملك والعرف كدعوى الأشبه، وظهور العرف هو إفادة ظن صدق صاحبه. =

стр. 1405

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = قال ابن شاس: المدعي من تجردت دعواه عن أمر يصدقه، أو كان أضعف المتداعيين أمرًا في الدلالة على الصدق، واقترن بها ما يوهنها عادة، وذلك كالمخالف لأصل وشبه ذلك، قال: ومن ترجح جانبه بشيء من ذلك فهو المدعى عليه، ا. هـ. بنقل المواق. قال علي الزقاق في المنهج المنتخب: المدَّعَى عليه من يوافقه … عُرْفٌ أو أصْلٌ، بعْضهم يُحَقِّقُهْ بأنه أقربُ خصمين سبَبْ … والضدُّ مدَّعٍ كَنَاظِرٍ طُلِبْ وقوله: فيدعي بمعلوم محقق ألخ. يريد به، والله أعلم، أن الدعوى الصحيحة التي يجب ردها بإقرار أو إنكار، هي طلب ما في ذمة معين، إما بالشخص؛ كدعوى دين على زيد مثلًا، أو بالصفة؛ كدعوى الدية علي العاقلة، أو هي طلب الشيء المعين، كثوب مثلًا يدعي أنه اشتراه، أو أنه غصب منه أو كدعوى ما يترتب عليه ادعاء أحدهما؛ كدعوى المرأة على زوجها الطلاق أو الردة، فيترتب على ذلك حوزها لنفسها وهي معين، أو كدعوى الوارث أن موروثه مات مسلمًا أو مات كافرًا؛ فيترتب على ذلك ما يترتب من الميراث وهو معين، أو هي ما يثول إلى الدعوى على معين بالشخص؛ كدعوى المرأة المسيس على زوجها؛ لأن ذلك يئول إلى دعوى الصداق - أو هي ما يئول إلى دعوى معين بالصفة؛ كدعوى قتل الخطإ؛ لأنه يئول إلى الدعوى على كل مكلف عاقل من عاقلة المدعى عليه. ويشترط في الدعوى أن تكون معتبرة شرعًا، فمثل دعوى عشر سمسمة على أحد لا يسمعه القاضي. ويشترط في الدعوى أيضًا أن تكون معلومة محققة، فلو قال: لي عليه شيء لم تسمع دعواه لأنها مجهولة، ولو قال: أظن أن لي عليه ألفًا. لم تسمع أيضًا ويشترط فيها أيضًا أن لا تكذبها العادة، فمن ادعى على الحاضر الأجنبي ملك دار في يده؛ طال الزمن وهو يراه يهدم ويبني، ويؤجر من غير منازع، ومن غير وازع يزعه عن طلبه؛ من رغبة أو رهبة .. فإن هذا دعواه تكذبها العادة، فلا تسمع. وقد عرف الشيخ علي الزقاق في المنهج المنتخب الدعوى الصحيحة فقال: طلب ما بذمة المعين … أو المعين كثوب بين أو ما ترتب عليه ما ذكر … كامرأة أو وارث إن اعتبر =

стр. 1406

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = شرعًا، وإلَّا لا، كعشر سمسمة … د ٠ عوى صحيحة، وجهْلًا عَدِمَهْ ولم تكذِّبْ عادة، وحَقَّقَا … وغرض صُحح هل تعلقَا (٥) وقوله: وإن أنكر قال: ألك بينة الخ، الذي عليه الدليل أن من ادعى عينًا في يد آخر، أو دينًا في ذمة أحد، فأنكر أن القول قول المدَّعى عليه مع يمينه، وإن على من ادَّعى البينة، وهذا قول عامة أهل العلم. روي عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَموَالَهُمْ، وَلكِنَّ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ". أخرجه مسلم في الأقضية، باب: اليمين على المدعى عليه، وهو عند الشيخين بلفظ أن رسول الله ﷺ قضى باليمين على المدعى عليه. وأخرج مسلم أيضًا عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي". قال وأحسبه قال: "وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ". قال البغوي: وروى أبو معاوية عن الأعمش، عن شقيق، عن الأشعث، قال: كان بيني وبين رجل من اليهود أرض فجحدني فقال لي النبي ﷺ : "أَلَكَ بَيِّنَةٌ"؟ قلت. لا. قال لليهودي "احْلِفْ". فقلت: إذًا يحلف، فأنزل الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ (١) أخرجه البخاري، وأبو داود، وابن ماجه، والإِمام أحمد. وأخرج أبو داود عن الأشعث بن قيس أن رجلًا من كندة ورجلًا من حضرموت اختصما إلى النبي ﷺ في أرض من اليمن، فقال الحضرمي: يا رسول الله، إن أرضي اغتصبها أبو هذا وهي في يده، قال: "هَلْ لَكَ بَيِّنَةٌ"؟ قال: لا. ولكن أحلفه والله ما يعلم أنها أرضي اغتصبها أبوه، فتهيأ الكندي لليمين، وساق الحديث. وفيه عن وائل بن حجر الحضرمي عن أبيه قال: جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة إلى رسول الله ﷺ فقال الحضرمي: يا رسول الله، إن هذا غلبني على أرض كانت لأبي، فقال الكندي: هي أرض في يدي أزرعها، ليس له فيها حق، فقال النبي ﷺ للحضرمي: "أَلَكَ بَيِّنَةٌ "؟ قال: لا، قال: "فَلَكَ يَمِينُه". فقال. يا رسول الله، إنه فاجر، ليس يبالي ما حلف، ليس يتورع من شيء، فقال: =

стр. 1407

وكُلُّ دَعْوَى لَا تثبت إلَّا بعَدْلَيْنِ فلا يمين بمجرَّدِها ولا تُرَدُّ كَنِكَاحٍ (١). وَأمَر بِالصُلْحِ ذَوِي الْفَضْلِ والرَّحِمِ، كأنْ خَشِيَ تَفَاقُمَ الأمْرِ. ولَا يَحْكُمُ لِمَنْ لَا يَشْهَد لَهُ عَلى المخْتارِ. ونُبِذَ حُكْمُ جَائِرٍ، وجَاهِلً لَمْ يُشَأوِرْ، وإلَّا تُعُقِّب ومَضَى غيْرُ الْجَوْرِ، ولا يُتَعَقَّبُ حُكْمُ الْعَدْلِ العَالِمِ. ونَقَضَ وبَيَّنَ السَّبَبَ مُطْلَقًا مَا خَالَفَ قَاطِعًا أوْ جَلِى قِياسٍ كاسْتِسْعَاءِ مُعْتِق، وشُفْعَةِ جَارٍ، وحُكْمٍ على عَدُوٍّ، أَو بشَهَادَةِ كَافِرٍ، أو ميراثِ ذي رَحِمٍ أوْ مَوْلىً أسْفَلَ، أوْ بِعِلْمٍ سَبَقَ مَجْلِسَهُ، أَو جَعْلِ بَتَّةٍ وَاحِدَةً، أَو أنَّه قَصَدَ كذَا فأخْطَأَ بِبَيِّنَةٍ، أوْ ظَهَرَ أنَّه قَضَى بِعَبْدَيْنِ أو كَافِريْنِ أو صَبِيَّيْنِ أو فاسقَيْنِ كأحَدِهِمَا إلَّا بِمَالٍ فَلا يُرَدُّ إنْ حَلَفَ وإلَّا أُخِذَ مِنْهُ إنْ حَلَفَ، وحَلَفَ فِي القِصَاصِ خَمسِينَ مَع عَاصِبهِ وإن نَكَلَ رُدَّتْ، وغَرمَ شُهُودٌ عَلِمُوا وإلَّا فَعَلى عَاقِلَةِ الإِمَامِ، وفي القَطْعِ حَلَفَ المَقْطُوعُ أنَّها باطِلَةٌ. ونَقَضَهُ هُو فَقَطْ إن ظَهَرَ أنَّ غَيْرَهُ أصْوَبُ (٢) مِنْهُ، أوْ خَرَجَ عَنْ رَأيِهِ أوْ رَأيَ مُقَلَّدِهِ. ورفع الخِلَافَ لَا أحَلَّ حرامًا (٣). ونَقْلُ مِلْكٍ وفَسْخُ عَقْدٍ وتَقَرُّر نِكاحٍ بِلَا = لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إِلَّا ذلِكَ". وهذا الحديث كما أخرجه أبو داود، فقد أخرجه مسلم في الأيمان، والترمذي في الأحكام، باب: البينة. على المدعي. ونسبه المنذري للنسائي أيضًا. (١) وقوله: وكل دعوى لا تثبت إلا بعدلين فلا يمين بمجردها ولا ترد كنكاح: قال ابن الحاجب: كل دعوى لا تثبت إلا بشاهدين، فلا يمين بمجردها، ولا ترد؛ كقتل العمد والنكاح والطلاق والعتق والنسب والولاء والرجعة. ا. هـ. مواق. قلت: هذا ما نظمه الشيخ علي الزقاق في المنهج المنتخب بقوله: وكل ما ثُبوتُهُ مُقَيَّدُ … بِشَاهِدَيْ عَدْلٍ فإنْ تَجَرَّدُ فلا يمِينَ مُطْلَقًا، نَعَمْ تَجِبْ … إنْ نُفِيَ الْقَيْدُ وكان مَا طُلِبْ مُسْتَوْفيًا شُروَط ما تَقدّمَا … ومُشْبِهًا كمَنْ بِسُوقٍ علما =

стр. 1408

وَليٍّ حُكْمٌ، لَا، لَا أجيزُهُ، أو أفْتَى ولم يَتَعَدَّ لمُمَاثِلٍ، بَلْ إن تجَدَّدَ فالاجْتهادُ كفَسْخٍ برضْعِ كَبيرٍ وتَأبِيدِ مَنْكُوحَةِ عِدَّةٍ، وهِيَ كَغَيْرهَا في المُسْتَقْبَلِ. ولا يَدْعُو لِصُلْحٍ إنْ ظَهَرَ وَجْهُهُ، ولا يَسْتَنِدُ لِعِلْمِهِ إلَّا في التّعْدِيلِ والجَرْحِ كالشّهْرَةِ بِذلِك أو إقْرار الْخَصْمِ بِالعَدَالَةِ، وإنْ أنْكَرَ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ إقْرَارَهُ بَعْدَهُ لَمْ يُفِدْهُ. وإن شَهِدَا بِحُكْمٍ نَسِيَهُ أوْ أنْكَرَهُ أمْضَاهُ. = ومعنى ما نظم أن كل دعوى لا تثبت إلا بعدلين، لا تتوجه اليمين بردها على من ادعيت عليه بمجرد الدعوى، فإن كانت الدعوى تثبت بالشاهد واليمين، وجب اليمين على المدعى عليه بمجردها لردها إنْ كانت مستوفية للشروط التي تستوجب سماعها، وهي الشروط التي تقدم ذكرها في تعريف الدعوى الصحيحة، وبشرط أن يكون المدعي مشبهًا في دعواه، كمن يدعي سلعة معينة بيد رجل، أو ادعى غريب وديعة محمد جاره، أو ادعى مسافر أنه أودع أحد رفقائه، أو ادعى أحد على أحد أهل السوق المنتصبين اللبيع به أنه اشترى منه شيئًا. (٢) وقوله: ونقضه هو فقط إن ظهر أن غيره أصوب، هذا الفرع يستأنس له بما كتبه عمر ﵁ إلى أبي موسى الأشعري عليه رضوان الله، وهو قوله: ولا يمنعك قضاء قضيت فيه اليوم، فراجعت فيه رأيك فهديت فيه لرشدك، أن تراجع فيه الحق، فإن الحق قديم لا يبطله شيء، ومراجعة الحق خير من التمادى على الباطل. (٣) وقوله: ورفع الخلاف لا أحل حرامًا، قال ابن قدامة: حكم الحاكم لا يزيل الشئ عن صفته في قول جمهور العلماء، منهم مالك، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وداود، ومحمد بن الحسن، واستدلوا بقول النبي ﷺ : "إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، ولَعَلَّ أحَدكُم يَكُونُ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقضِي لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَىْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ، فلَا يَأخُذْ مِنْهُ شَيْئًا، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِن النَّارِ". متفق عليه. وخالف أبو حنيفة قال: إذا حكم الحاكم بعقد أو فسخ أو طلاق، نفذ حكمه ظاهرًا وباطنًا. قال ابن المنذر تفرد أبو حنيفة فقال: لو استأجرت امرأة شاهدين شهدا لها بطلاق زوجها، وهما يعلمان كذبهما، فحكم الحاكم، لحل لها أن تتزوج، وحل لأحد الشاهد نكاحها. واحتج =

стр. 1409

وأنْهَى لِغيْرِهِ بِمُشَافَهَةٍ إن كانَ كُلُّ بِوِلَايَتِهِ، وبِشَاهِدَيْنِ مُطْلَقًا واعْتَمَدَ عَلَيْهِمَا وإنْ خَالَفَا كتَابَهُ، ونُدِبَ خَتْمُهُ، وَلَمْ يُفِدْ وحْدَهُ، وأدَّيا وإنْ عِنْدَ غَيْرِه، وأفَادَ إنْ أشْهَدَهُمْا أنَّ مَا فِيهِ حُكْمُهُ أوْ خَطُّهُ كَالإِقْرَارِ. ومَيَّزَ فيهِ مَا يَتَمَيَّزُ بِه مِن اسْمٍ وحِرْفَهٍ وغْيرِهِمَا، فيُنَفِّذُهُ الثَانِي، وبَنَى، كأنْ نُقِلَ لِخِطَّةٍ أُخْرَى وإنْ حَدًّا، إنْ كَانَ أهْلًا أوْ قاضِيَ مِصْرٍ، وإلَّا فلا، كأنْ شَارَكَهُ غيْرهُ وإنْ مَيِّتًا، وإنْ لمْ يُمَيَّزْ، فَفِي إعْدَائِهِ أوْ لَا حَتَّى يُثْبِتَ أحَدِيَّتَهُ، قولان. والقَرِيبُ كالْحَاضِرِ. والْبَعيدُ كإفريقية يُقْضَى عَلَيْه بِيَمِينِ الْقَضَاءِ. وسَمَّى الشُّهُودَ وإلَّا = بما روي عن عليّ ﵁ أن رجلًا ادعى على امرأة نكاحها، فرفعها إلى عليّ ﵁، فشهد له شاهدان بذلك، فقضى بينهما بالزوجية، فقالت: والله ما تزوجني يا أمير المؤمنين، اعقد بيننا عقدًا حتى أحل له. فقال: شاهداك زوجاك. قال أبو حنيفة: فدل على أن النكاح ثبت بحكمه، قال: ولأن اللعان ينفسخ به النكاح وإن كان أحدهما كاذبًا، فالحكم أولى. ا. هـ. من المغني بتصرف. وفي الموطإ، وفي صحيح مسلم، وفي السنة للبغوي، عن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ قال: "مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ، وَأَوْجَبَ لَهُ النَّارَ". قالوا: يا رسول الله، وإن كان شيئًا يسيرًا؟ قال: "وَإِنْ كَانَ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ". قالها ثلاث مرات. وهذا لفظ البغوي. وقد ورد في ذم اللدد في الخصومة قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ (١). وقوله ﷺ : "أرْبعٌ مَنْ كُن فيه كَانَ مُنَافقًا؛ إِذَا خَاصَمَ فَجَرَ". الحديث المتفق عليه. وحديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: "إنَّ أَبْغَضَ الرِّجَال إِلَى الله الْألَدُّ الْخَصِمُ". متفق عليه أيضًا. تنبيهٌ: يجوز للقاضي أخذ رزق القضاء، لما رواه عروة بن الزبير، أن عائشة ﵂ قالت: لما استُخْلِفَ أبو بكر الصديق ﵁، قال: لقد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مئونة أهلي، وشُغلتُ بأمر المسلمين، فسيأكلُ آلُ أبي بكر من هذا المال، ويحترف للمسلمين فيه. هذا =

стр. 1410

نُقِضَ، والعَشَرَةُ، أو اليَوْمَانِ مَع الخَوْفِ، يُقْضَى عَلَيْهِ مَعَهَا في غَيْرِ اسْتِحْقَاقِ الْعَقَارِ. وحَكَمَ بِمَا يَتَمَيَّزُ غَائبًا بِالصِّفَةِ كدَيْنٍ. وجَلَبَ الْخَصْمَ بِخَاتَمٍ أوْ رَسُولٍ إنْ كانَ عَلى مَسَافَةِ الْعَدْوَى لَا أكْثَر، كَسِتِّينَ مِيلًا إلَّا بِشَاهِدٍ. وَلَا يُزوَّجُ امرأةً لَيْسَتْ في ولايَتِهِ. وَهَلْ يُدَّعَى حَيْثُ المدَّعَى عَلَيْهِ؟ وبه عُمِلَ، أو المدَّعي؟ وأقِيمَ مِنها، وفي تَمْكينِ الدَّعْوى لغائب بِلَا وَكالةٍ، تَردُّدٌ. = الحديث أخرجه البخاري باب كسب الرجل وعمله بيده، في البيوع، وأخرجه البغوي باب: رزق القضاة والولاة. وساق البغوي سندًا أيوب، عن ابن سيرين، عن الأحنف بن قيس، قال: كنا جلوسًا عند باب عمر، فخرجت علينا جارية، فقلنا هذه سُرِّيَّةُ أمير المؤمنين، فقالت: والله ما أنا بُسرِّيَّةٍ، وما أَحِلُّ له، وإنِّي لمن مال اللهِ، ثمَّ دخلت، فخرج علينا عمر فقال: ما ترونه يحل لي من مالِ الله؟ أو قال: من هذا المال؟ قال قلنا. أمير المؤمنين أعلم بذلك منَّا. فقال: إن شئتم أخبرتكم ما أستحل منه؛ ما أحُجُّ وأعتمر عليه من الظهر، وحُلَّتي في الشِّتاء، وحُلَّتي في الضَّيف، وقُوتُ عِيَالي وشِبَعِي، وسهمي في المسلمين، فإنما أنا رجل من المسلمين. ا. هـ. وقال ابن قدامة: ويجوز للقاضي أخذ الرزق، ورخص فيه شريح، وابن سيرين، والشافعي وأكثر أهل العلم. وروي عن عمر بن الخطاب أنه استعمل زيد بن ثابت على القضاء وفرض له رزقًا، ورزق شريحًا في كل شهر مائة درهم، وبعث إلى الكوفة عمارًا وعثمان بن حنيف وابن مسعود، ورزقهم كل يوم شاة، نصفها لعمار، ونصفها لابن مسعود وعثمان. قال: وكتب إلى معاذ بن جبل وأبي عبيدة حين بعثهما إلى الشام أن انظرا رجالًا من صالحي من قبلكم، فاستعملوهم على القضاء وأوسعوا عليهم، وارزقوهم وأكفوهم من مال الله. قال. وقال أصحاب الشافعي: إن تعين القضاء على القاضي لم يجز له أخذ الرزق عليه، إلا مع الحاجة، قال: والصحيح جواز أخذ الرزق عليه مطلقا؛ لما روينا من عمل الصحابة رضوان الله عليهم. ا. هـ. منه باختصار وتصرف. تنبيهٌ: ورد في التنفير من الولاية، ما روي أبي هريرة قال. قال رسول الله ﷺ : "مَا مِنْ أَمِير =

стр. 1411

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = عَشَرَةٍ إِلَّا يُؤْتى بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَغْلُولًا حَتَّى يَفُكَّ عَنْهُ الْعَدْلُ، أوْ يُوبِقَهِ الْجَورُ" أخرجه البغوي، وأحمد، والدارمي، والمنذري. وعن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: "وَيْلٌ لِلأُمَرَاءِ، وَيْلٌ لِلْعُرَفَاءِ، وَيْلٌ لِلْأمَنَاءِ، لَيَتَمَنَّيَن أَقْوَامٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَّ نَوَاصِيَهُمْ مُعَلَّقَةٌ بِالثُّريَّا يَتَجَلْجَلُونَ بَيْنَ السَّمَاءِ والْأرْضِ، وَأَنهُمْ لَمْ يَلُوا عَمَلًا". أخرجه البغوي، وأحمد، وصححه الحاكم وابن حبان. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "إِنَّ الْعَرَافَةَ حَقٌّ، وَلَا بُدَّ لِلناس مِنْ عُرَفَاءَ، وَلكِنَّ الْعُرَفَاءَ فِي النارِ". أخرجه أبو داود، وذكره في شرح السنة. قال البغوي: والعريف هو القيم بأمر القبيلة والمحلة يلي أمورهم، ويتعرف الأمير منه أحوالهم. وهو حق لما فيه من المصلحة للناس. وقوله: "وَالْعُرَفَاءُ فِي النَّارِ". معناه التحذير من التعرض للرئاسة والتأمر على الناس، لما فيه من الفتنة، وأنه إذا لم يقم بحقه، ولم يؤد الأمانة فيه، أثم واستحق العقوبة والنار. ا. هـ. وعن ابن عمر قال، قال رسول ﷺ : "كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ؛ فَالْأمِيرُ عَلَى النَّاسِ رَاعٍ عَلَيْهِمْ وهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ". الحديث المتفق عليه. قال البغوي: معنى الراعي هنا: الحافظ المؤتمن على ما يليه. أمر النبي ﷺ بالنصيحة فيما يلونه، وحذرهم الخيانة فيه، فالرعاية حفظ الشيء وحسن التعهد، فرعاية الإِمام: ولاية أمور الرعية والحيطة من ورائهم، وإقامة الأحكام فيهم. ا. هـ. تنبيهٌ: ورد في الحث على العدل بين الناس قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (١). وقال الله تعالى في المائدة أيضًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٢). والقسط هو العدل. قال تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ (٣). من الأعراف، أي أمر ربي بالعدل، يقال: أقسط إذا عدل، ويقال: قَسَطَ، إذا جارَ، والقاسط الجائر، قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ (٤). =

стр. 1412

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وعن النبي ﷺ : "سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ: إِمَامٌ عَادِلٌ". الحديث المتفق عليه. وهو في الموطإ أيضًا. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص يرفعه إلى النبيِّ ﷺ ، قال: "الْمُقْسِطُونَ عِنْدَ اللهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَلَى يَمِينِ الرحْمنِ، وَكِلْتَا يَديْهِ يَمِينٌ، هُمُ الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأهْلِيهِمْ وَمَا وُلُوا" أَخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وغيره عن سفيان بن عيينة. هذا، وأرجو الله تعالى أن يمن علينا وعلى إخواننا المسلمين بالعدل في القول والفعل في كل حال من أحوالنا، هو حسبنا ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

стр. 1413

كتاب الشهادات بَابٌ: الْعَدْلُ حُرٌّ، مُسْلِمٌ، عَاقِلٌ، بالِغٌ، بلا فِسْقٍ (١) وحَجْرٍ وبِدْعَةٍ وإنْ تَأوَّل كَخَارِجيٍّ وقَدَرِيٍّ. لَمْ يَباشِرْ كَبِيرَةً أوْ كثيرَ كَذِبٍ. أوْ صغيرةَ خِسَّةٍ وسفاهةٍ ولَعِبَ نَردٍ. ذو مُرُوءَةٍ بِتَرْكِ غيْر لَائق مِنْ حَمَامٍ وسَمَاع غِنَاء، ودِبَاغةٍ، وحِياكَةٍ اختيارًا، وإدامةِ شطرْنج وإنْ أعْمَى في قَوْلٍ (٢) أوْ أصَمَّ فِي فِعْلٍ، ليْسَ بِمُغَفَّلٍ إلَّا فِيما لَا يلْبِسُ، ولَا مُتَأكَّدِ الْقُرْبِ (٣) كأبٍ وإنْ عَلَا وزَوْجِهمَا، وولَدٍ وإنْ سَفَلَ كبِنْتٍ وزَوْجِهِمَا، وشَهَادَةُ ابْنٍ مَعَ أبٍ وَاحِدَةٌ كَكُلٍّ عِنْدَ الآخَر أوْ على شَهَادَتِهِ أوْ حُكْمِهِ، بِخِلافِ أخٍ لأخٍ إنْ برَّزَ (٤) وَلَوْ بتعْدِيلٍ، وتُؤُوِّلَتْ أيْضْا بِخِلَافِهِ، كَأجِيرٍ ومَوْلىً ومُلَاطِفٍ ومُفاوضٍ في غيْرِ مُفاوَضَةٍ وزائد أوْ مُنَقِّصٍ وذَاكِرٍ بَعْدَ شَكٍّ وتَزْكِيَةٍ (٥) وإنْ بِحَدٍّ مِنْ مَعْرُوفٍ، إلَّا الْغَريبَ (٦)، بأشْهَدُ أنَّه عَدْلٌ رِضًا (٧)، مِنْ فَطِنٍ عَارِفٍ لَا يُخْدَعُ مُعْتِمدٍ على طُولِ عِشْرَةٍ، لا سَمَاعٍ مِن سُوقِه أو مَحَلَّتِهِ إلَّا لتَعَذُّرٍ (٨). كتاب الشهادات قال ابن قدامة: الأصل في الشهادات الكتاب والسنة والإِجماع، والعبرة، أمّا الكتاب. فقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (٣). ومن أدلة ذلك قوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (٤). وأما الدليل من السنة فحديث وائل بن حجر قال: جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة إلى النبي ﷺ ، فقال الحضرمي: يا رسول الله، إن هذا غلبني على أرض لي. فقال الكندي: هي أرضي، وفي يدي، فليس له فيها حق. فقال النبي ﷺ للحضرمي: "أَلَكَ بَيِّنَةٌ"؟ قال: لا. قال "فَلَكَ =

стр. 1414

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = يمِينُهُ"؛ قال: يا رسول الله، الرجل فاجر، لا يبالي على ما حلف عليه، وليس يتورع من شيء. قال: "لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إِلَّا ذلِكَ"، قال: فانطلق الرجل ليحلف له، فقال رسول الله ﷺ لما أدبر: "لَئِنْ حَلَفَ عَلَى مَالٍ لِيَأكُلَهُ ظلْمًا لَيَلْقَيَنَّ اللهَ تَعَالَى وَهُوَ عَنْهُ مُعْرِضٌ". قال الترمذي: حسن صحيح. وأيضًا فإن حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن النبي ﷺ قال: "الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ". رواه الترمذي، وإن كان في سنده مقال فإن الترمذي قال: والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم. أي على مقتضاه قال ابن قدامة: أجمع أهل العلم على هذا. ومأثور عن شريح قوله: القضاء جمر، فنحه عنك بعودين. يعني الشاهدين. وقال: إنما الخصم داء، والشهود شفاء، فأفرغ الشفاء على الداء. ا. هـ. (١) قوله ﵀: العدل حر، مسلم، عاقل، بالغ، بلا فسق ألخ، قال البغوي: شرائط قبول الشهادة سبعة: الإِسلام، والحرية، والعقل، والبلوغ، والعدالة، والمروءة، وانتفاء التهمة. فلو شهد ذمي على شيء، لا تقبل شهادته عند كثير من أهل العلم. وهو قول مالك، والشافعي. وقال الشافعي: المعروفون بالكذب من المؤمنين لا تجوز شهادتهم، فكيف تجوز شهادة الكفار مع كذبهم على الله . وقال البغوي: والحرية شرط في قبول الشهادة لأنها من باب الولايات، والعبد ناقص في الحال. وذهب قوم إلى قبول شهادة العبيد. يروى ذلك عن أنس، وإليه ذهب شريح، وزرارة بن أوفى. وهو شوت عثمان البتِّي. وقال ابن سيرين: تجوز شهادته إلا لسيده. وقال الحسن وإبراهيم النخعي: تجوز شهادة العبيد في الشيء التافه. ا. هـ. والبلوغ شرط في العدالة لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (١). وروي عن ابن عباس في شهادة الصبيان، قال: لا تجوز؛ لأن الله يقول: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (٢). وقال مالك: تقبل شهادة الصبيان على الجراح التي تقع في محل اجتماعهم، ما لم يتفرقوا، ولا تقبل في غير ذلك. ويروى مثل ذلك عن ابن الزبير. وكان شريح يجيز شهادة الصبيان بعضهم علي =

стр. 1415

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = بعض. والعدالة شرط في قبول الشهادة لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (١). فلا تقبل شهادة الفاسق إذًا، ولقوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (٢). فهو أمر بالتوقف عن نبإ الفاسق، والشهادة نبأ. فالعدل هو الذي تعتدل أحواله في دينه وأفعاله، أما في دينه؛ فلا يرتكب كبيرة، ولا يداوم على صغيرة. قال الشافعي ﵀: ليس من الناس أحد نعلمه إلا أن يكون قليلًا، يمحض الطاعة والمروءة، حتى لا يخلطهما لشيء من المعاصي، ولا يمحض المعصية ويترك المروءة حتى لايخلطهما بشيء من الطاعة والمروءة، فإذا كان الأغلب الأظهر من أمره الطاعة والمروءة، قبلت شهادته، وإذا كان الأغلب الأظهر من أمره المعصية وخلاف المروءة، ردت شهادته. وهذا المعنى نظمه من قال: والعدل من ي ٥ جتنب الكبائرا … ويتقي في الأغلب الصغائرا وما أبيح وهو في الأعيان … يقدح في مروءة الإِنسان قال: والمروءة المطلوبة هي ما يتصل بآداب النفس مما يعلم أن تاركه قليل الحياء، وهي حسن الهيئة، والعشرة، والسيرة، والصناعة. وقال بعضهم: المروءة هي المحافظة على ترك ما يوجب الذم فعلهُ من مباح. (٢) وقوله: وإن أعمى في قول، قال البغوي: شهادة الأعمى مقبولة فيما يثبت بالسماع، أو حيث انتفت الريبة عن شهادته؛ بأن أقر رجل لآخر في أذنه، فتمسك به، فشهد عليه، قال: وممن أجاز شهادته القاسم، والحسن وعطاء، وابن سيرين، والشعبي، والزهري. قال الزهري: أرأيت ابن عباس لو شهد أكنت ترده؟ قلت: أليس في قوله ﷺ : "إِنَ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلوُا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ". أليس فيه دليل على قبول شهادة الأعمى؟. فإن في هذا الحديث أن الصبح يثبت بإعلامه، وأنه يحرم لذلك الأكل والشرب على الصائم. =

стр. 1416

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = (٣) وقوله: ولا متأكد القرب الخ. دليله حديث عروة عن عائشة ترفعه. "لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ، وَلَا خَائِنَةٍ، وَلَا ذِي غَمْرٍ عَلَى أَخِيهِ، وَلا ظِنِّينٍ فِي وَلَاءٍ وَلَا قَرَابَةٍ، وَلَا الْقَانِعِ مَعَ أَهْلِ الْبَيْتِ" (١). فلا تجوز شهادة الوالد لولده، ولا الولد لوالده عند أكثر أهل العلم، وتجوز عليه. وذهب بعض أهل العلم إلى جواز شهادة أحدهما على الآخر، وهو قول شريح، وإليه ذهب داود، وأبو ثور. ا. هـ. البغوي. قال ابن قدامة: وبه قال عمر بن عبد العزيز والمزني، وإسحاق، وابن المنذر لعموم الآيات؛ ولأنه عدل تقبل شهادته في غير هذا الموضع، فتقبل شهادته فيه كالأجنبي. أما دليل قبول شهادة أحدهما على الآخر، فقوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (٢). (٤) وقوله: بخلاف أخ لأخ إن برَّز: قال في كتاب الشهادات من المدونة: وتجوز شهادة الأخ لأخيه، والرجل لمولاه أو لصديقه أو الملاطف إلا أن يكون في عياله أحد من هؤلاء يمونه فلا تجوز شهادته له. ا. هـ. وقال في أول الكتاب. ولا تجوز شهادة من هو في عيال الرجل له وذلك الأخ والأجنبي إذا كانا في عياله، فإن لم يكونا في عياله جازت شهادَتُهُمَا إذا كانا مُبرِّزين في العدالة. ا. هـ. منه بنقل الحطاب. قال الخرقي: وشهادة الأخ لأخيه جائزة. ونقل ابن قدامة عن ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن شهادة الأخ لأخيه جائزة، روي هذا عن ابن الزبير، وبه قال شريح، وعمر بن عبد العزيز، والشعبي، والنخعي، والثوري، ومالك، والشافعي، وأبو عبيد، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. وعن مالك أنه لا تقبل شهادته لأخيه إذا كان منقطعًا إليه في صلته وبره؛ لأنه متهم في حقه، وقال ابن المنذر، قال مالك: لا تجوز شهادة الأخ لأخيه في النسب وتجوز في الحقوق. ا. هـ. منه. وقال البغوي واتفقوا على قبول شهادة الأخ، وسائر الأقارب. ا. هـ. منه. والمبرز - بكسر الراء - هو ظاهر العدالة، سابقًا غيره متقدمًا عليه. وأصله من تبريز الخيل في السبق. ا. هـ. الحطاب. (٥) وقوله: كأجير ومولىً ملاطف إلى قوله: وتزكية، قال ابن بشير: ستة لا يقبل فيها إلا العدل =

стр. 1417

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . = المبرز، وهي: الشاهد للأخ، وللمولى، وللصديق الملاطف، وللشريك في غير التجارة، وإذا زاد الشاهد أو نقص في شهادته، والتعديل. انتهى. وقال ابن رشد: يشترط التبريز في العدالة على مذهب ابن القاسم في شهادة الأخ لأخيه، والأجير لمن استأجره إن لم يكن في عياله، وشهادة المولى لمن أعتقه، وشهادة الصديق الملاطف لصديقه، وشهادة الشريك لشريكه المفاوض في غير مال المفاوضة، ومن سئل في مرضه شهادة لتنقل عنه فقال: لا أعلمها. ثم شهد بها واعتذر بأنه خشي في مرضه عدم تثبته فيها، ومن زاد في شهادته أو نقص. ا. هـ. وقال سحنون: لا يجوز في التزكية العلانية إلا المبرز النافذ الفطن؛ الذي لا يخدع في عقله، ولا يستذل في رأيه ا. هـ. من المواق باختصار. (٦) وقوله: من معروف إلا الغريب، قال في المدونة: إن شهد قوم على حق فعدلهم قوم غير معروفين، وعدل المعدلين آخرون، فإن كان الشهود غرباء، جاز ذلك، وإن كانوا من أهل البلد، لم يجز؛ لأن القاضي لا يقبل عدالة على عدالة. ا. هـ. من المواق. وقد نظم ابن غازي ذلك فقال: تَعْدِيلٌ احْتَاجَ لتَعْديلٍ هَبَا … إلَّا مُعَدِّلَ النِّسَا والغُرَبَا (٧) وقوله: بأشهد أنه عدلٌ رضًا، قال في المدونة: لا يجزئ في التعديل إلا القول بأنهم عدول مرضيون. قال الحطاب: وذكر الدماميني في حاشيته على البخاري في قوله: لا نعلم إلا خيرًا. إن هذا اللفظ لا يفيد التزكية، وإنما يكتب للتبرئة من التهم، فيقولون في عقد التبرئة: لا يعلم شهوده على فلان إلا خيرًا. قال: ولابد في هذه الشهادة من خبرته ومباطنته. ا. هـ. منه. قلت: ولعلهم اقتبسوا شرط التصريح بالرضا هنا من قوله تعالى في سورة البقرة ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (١) والله تعالى أعلم. (٨) وقوله: "من فطن عارف، إلى قوله إلا لتعذّر، قال سحنون، لا يزكِّي إلا من خالطه في الأخذ والإعطاء، وطالت صحبته إياه في السفر والحضر. وقال اللخمي: لا يقبل التعديل بيسير المخالطة، ولا يقبل تعديله من غير سوقه ومحلته، فإن توقف أهل سوقه ومحلته عن تعديله، كان ذلك ريبة، فإن =

стр. 1418

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = لم يكن فيهم عدل قبل التعديل من سائر بلده. قلت: ويستأنس لهذا بما روي عن عمر بن الخطاب أنه أُتيَ بشاهدِين، فقال لهما عمر: لست أعرفكما ولا يضركما إن لم أعرفكما، جيئا بمن يعرفكما، فأتيا برجل، فقال له عمر: تعرفهما؟ فقال: نعم، فقال عمر: صحبتهما في السفر الذي تتبين فيه جواهر الناس؟ قال: لا. قال: عاملتهما بالدراهم والدنانير التي تقطع فيها الأرحام؟ قال: لا. قال: كنت جارهما تعرف صباحهما ومساءهما؟. قال: لا، قال: ابن أخي، لست تعرفهما، جيئا بمن يعرفكما. قال ابن قدامة بعد ما ذكر هذه القصة: وهذا بحث يدل أنه لا يكتفى بدونه، فإنه لا يخفى من شروط الشاهد ويحتاج إلى البحث عنه إلا العدالة، ولابد من البحث عنها لقوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (١). ولا يعلم أنه مرضي حتى يعرف، فينبغي للقاضي أن يكتب أسماء الشهود، وكناهم، ونسبهم، والصفات التي يتميزون بها عن غيرهم، وصنائعهم، ومعائشهم، ومواضع سكناهم، والمساجد التي يصلون بها، وأسماء جيرانهم، وأهل سوقهم، ومحلتهم، ونحلتهم، وكل وصف يميز الشاهد عن غيره. ويكتب اسم المشهود له والمشهود عليه وقدر الحق الذي عليه الخصومة، يكتب القاضي ذلك كله في رقاع يدفع لكل واحد من أصحاب مسائله واحدة منها ليسأل عن عدالة هؤلاء. والعلة في كتابة اسم المشهود له، لئلا تكون قرابة بينه وبين الشاهد تمنع الشهادة، أو شركة كذلك، والعلة في ذكر المشهود عليه، لئلا تكون بينه وبين الشاهد عداوة. وينبغي للقاضي أن يخفي عن كل واحد من أصحاب مسائله ما يعطيه الآخر من الرقاع لئلا يتواطئوا، وينبغي كذلك أن يكون السؤال سرًا لئلا يكون في إعلانه هتك المسئول وينبغي للقاضي أن يكون أصحاب مسائله غير معروفين؛ لئلا يقصدوا بهدية أو رشوة، وأن يكونوا أصحاب عفاف في الطمعة والأنفس، ذوي عقول وافرة ومروءة تامة، أبرياء من الشحناء وبغض الناس، وأن لا يكونوا من أهل الأهواء والعصبية، وأن يكونوا أمناء، ثقات، لأن هذا موضع أمانة. فهذا ما ينبغي أن يكون مزكي السر. قال المواق: سمع القرينان: أترى المسألة عن الشهود سرًا؟ قال: نعم، وهو تعديل السر، ينبغي =

стр. 1419

ووَجَبَتْ إن تَعَيَّنَ، كَجَرحٍ إنْ بَطَلَ حَقٌّ، ونُدِبَ تَزكِيَةُ سِرٍّ مَعَهَا مِنْ مُتَعَدِّدٍ. وإنْ لم يَعْرفْ الإِسْمَ أوْ لم يَذكُرِ السبب، بِخِلَافِ الجرْحِ، وهو مُقَدَّمٌ (١)، وإنْ شَهِدَ ثانيًا فَفِي الاكْتِفَاءِ بِالتَّزْكِيةِ الأولى تَرَدُّدٌ، وبِخِلَافِهَا لِأحَدِ وَلَدَيْهِ على الآخَر أو أبَويْهِ إن لَمْ يَظْهَرْ مَيْلٌ لهُ، ولا عَدُوٌّ ولَا عَلى ابْنِهِ (٢) أوْ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ وليُخْبِرْ بِهَا كقَوْلِهِ بَعْدَهَا تَتَهِمُنِي وَتُشَبِّهُنِي بِالمجَانِينِ. مُخاصِمًا لَا شاكِيًا. وَاعْتَمَدَ في إعْسَارٍ بِصُحْبَةٍ وقَرينةِ صَبْر ضَرٍّ كضَرَر الزَّوْجَيْن ولا إنْ حَرَصَ عَلى إزَالةِ نَقْصٍ فِيمَا رُدَّ فِيهِ لِفِسْقٍ أو صِبًا أوْ رِقّ أَوْ على التَّأَسِّي كشَهَادَةِ ولَدِ الزِّنَا فِيهِ أو مَنْ حُدَّ فِيمَا حُدَّ فِيهِ (٣)، ولَا إنْ حَرَصَ عَلى الْقَبُولِ كمُخاصَمَةِ مَشْهُودٍ عَلِيْهِ مُطْلَقًا أوْ شَهِدَ وحَلَفَ، أو رَفَعَ قَبْلَ الطَّلَبِ في مَحْضِ حَقّ الآدميِّ (٤)، وَفي مَحْضِ حَقِّ اللهِ تَعالى تَجبُ المبُادَرَةُ بالإمْكانِ إنْ اسْتُدِيمَ تحْرِيمُهُ كَعِتْق وطَلَاقٍ وَوَقْفٍ، ورَضَاعٍ، وإلَّا خُيِّر كالزِّنَا (٥) بِخِلَافِ الْحِرْصِ عَلى التَّحَمُّلِ كالمخْتَفِي (٦)، ولا إنْ اسْتُبْعِدَ كبَدَوِيٍّ لِحَضَرِيٍّ (٧)، بخِلافِ إنْ سَمِعَهُ أوْ مَرَّ بِهِ ولا سَائِلٍ في كثير. = للقاضي فعله، ولا يكتفي بتعديل العلانية دونه، لكنه قد يكتفي بتعديل السر دون تعديل العلانية، قال: حكى هذا ابن حبيب عن أصبغ والأخوين، ومعناه في الإِختيار لا على اللزوم، على ما في المدونة وغيرها. ا. هـ. منه بتصرف قليل. وقال ابن رشد: تعديل السر يفترق عن تعديل العلانية، أنه لا إعذار فيه، وأنه يجزي فيه الواحد، بخلاف العلانية في الوجهين. قال: وقد تقدم قول المدونة أن تزكية السر تكون من رجلين. (١) وقوله: بخلاف الجرح وهو المقدم، قال ابن عرفة: إن اجتمع تعديل وتجريح، فقول مالك من رواية ابن نافع عنه: ينظر إلى الأعدل من البينتين فيأخذ بها، وقال ابن نافع: المجرحان أولى لأنهما =

стр. 1420

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = زادا ويسقط التعديل. وقال ابن أبي حازم وسحنون: فلو عدله أربعة، وجرحه اثنان، والأربعة أعدل، أخذ بشهادة المجرحين لأنهما علما ما لم يعلمه الآخرون. ا. هـ. المواق. ولا يُسمع الجرح إلا مفسَّرًا؛ لاختلاف الناس في أسباب الجرح، فوجب أن لا يقبل القاضي مجرد الجرح؛ لئلا يجرحه بما لا يراه القاضي جرحًا. وقد ذكر المواق مثالًا لذلك قال: المازري يقول: أكد الشافعي وجوب الكشف في الجرح؛ لأن شاهدًا جرح شاهدًا فسئل عن جرحته، فقال: رأيته يبول قائمًا. فقيل له: وإذا بال قائمًا؟ قال: يتطاير عليه البول. فقيل له: هل رأيته صلى بعد ذلك؟. قال: لا. فظهر غلطه. ا. هـ. منه. (٢) وقوله: ولا عدو ولو على ابنه، قال ابن عرفة: عداوة الشاهد للمشهود عليه معتبرة في المانعية اتفاقًا، وفي نوازل سحنون: إن كانت العداوة بين الشاهد والمشهود عليه في أمر الدنيا؛ في الأموال والمواريث والتجارة ونحوها، سقطت شهادته عليه، وإن كانت غضبًا لله، لفسقه وجراءته على الله، لا لغير ذلك، لم تسقط شهادته. ا. هـ. من المواق. وقال ابن قدامة: العدو شهادته غير مقبولة على عدوه عند أكثر أهل العلم. روي ذلك عن ربيعة، والثوري، وإسحاق، ومالك، والشافعي، ويريد بذلك العداوة الدنيوية مثل أن يشهد المقذوف على القاذف، والمقتول وليه على القاتل، والمجروح على الجارح، والزوج يشهد على إمرأته بالزنا، فلا تقبل شهادته عليها لأنه يقر علي نفسه بعداوته لها لأنها أفسدت: فراشه. أما العداوة في الدين؛ كأن يشهد مسلم على كافر، أو يشهد سني محق على مبتدع، فلا ترد شهادته، لأن العدالة بالدين، والدين يمنعه من أن يرتكب ما يحظر في دينه. وخالف أبو حنيفة، قال: لا تمنع العداوة الشهادة. والدليل على أن العداوة تمنع الشادة حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خائِنَةٍ، وَلَا زَانٍ ولَا زَانِيَةٍ، وَلَا ذِي غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ". رواه أبو داود، قال. والغمْر هو الحقد. ا. هـ. منه بتصرف. (٣) وقوله: أو منْ حُدّ فيما حُدّ فيه: قال الحطاب: هذا هو المشهور. وصرح بمشهوريته ابن عبد السلام في الاستذكار، نقله في التوضيح، وابن عرفة، فعزوُ تشهيره لابن رشد قصور. وقال ابن عرفة الشيخ عن الأخوين: المحدود في الزنا يتوب، شهادته جائزة في كل شيءٍ إلا في الزنا والقذف واللعان، =

стр. 1421

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وكذلك المنبوذ؛ لاتجوز شهادته في شيء من وجوه الزنا، لا قذفٍ ولاغيره ا. هـ. منه. وفي البيهقي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "لَا تَجوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ، وَلَا مَحْدُودٍ فِي الإسْلَامِ وَلَا مَحْدُودَةٍ وَلَا ذِي غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ". قال البيهقي: ولا يصح في ترك شهادة المحدود شيء عن رسول الله ﷺ لكن كتاب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى جاء فيه قوله: والمسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودًا في حد أو مجربًا في شهادة زور أو ظنينًا في ولاء أو قرابة. قال: وهذا أراد به؛ قبل أن يتوب، فقد روينا عنه أنه قال لأبي بكرة ﵀: تُب تقبلْ شهادتك. والظاهر من الأدلة أن المحدود إذا ثبتت توبته جازت شهادته ولو كان قاذفًا، روي ذلك عن عمر، وأبي الدرداء، وابن عباس، وبه قال عطاء، وطاوس، ومجاهد، والشعبي، والزهري، وعبد الله بن عتبة، وجعفر بن أبي ثابت، وأبو الزناد، ومالك، والشافعي، وأحمد، والبتي، وإسحاق، وأبو عبيد، وابن المنذر، ويحيى بن سعيد، وربيعة، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ (١). أي إلا الذين تابوا فاقبلوا شهادتهم وليسوا بفاسقين، وهذا التفسير هو الذي تؤيده الصناعة الفقهية، فإن المتعاطفات قبل المخصص يعود تخصيصه إلى جميعها، خلافًا لأبي حنيفة الذي يقصر عوده على الجملة الأخيرة فكان لا يرى جواز شهادة القاذف وإن تاب، واستدل أيضًا بحديث عمرو بن شعيب المتقدم، وقال بقوله جماعة، منهم النخعي والثوري وسعيد بن المسيب، وهم محجوجون بأن الحديث الذي استدلوا به لا تنهض به حجة؛ لأن في سنده حجاج بن أرطاة وهو مدلس. وقد رواه بالعنعنة، قال ابن عبد البر: لم يرفعه مَنْ روايته حجة. وقد روي من غير طريق حجاج، ولم يذكر فيه قوله "ولا مَحْدُودٌ فِي الإِسْلَامِ". فدل ذلك على أنها من غلطه. ا هـ. المغني. والحجة عليهم أيضًا بما ثبت أن عمر بن الخطاب كان يقول لأبي بكرة، حين شهد على المغيرة بن شعبة: تب أقبل شهادتك. ولم ينكر ذلك عليه أحد من الصحابة فكان إجماعًا. روى سعيد بن المسيب، شهد على المغيرة ثلاثة رجال: أبو بكرة، ونافع بن الحارث، وشبل بن معبد، وكان معهم زياد فنكل، فجلد عمر الثلاثة وقال لهم: تويوا تقبل شهادتكم. فتاب الرجلان وأبى أبي بكرة، فقبلت =

стр. 1422

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . شهادتهما ولم تقبل شهادته، وقد عاد مثل النصل من العبادة. قاله ابن قدامة. والحجة عليهم أيضًا بأن كل ذنب تلزم منه التوبة، متى تاب صاحبه قبلت توبته؛ قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ (١). وقال تعالى في النساء: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٢) الآية. وإذا قررنا قبول التوبة بموجب كتاب الله، وجدنا أن النبي ﷺ قال: "التَّائِبُ مِنَ الذنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَه". فكيف ترى شهادة من لا ذنب له إذًا؟ أما قول أصحابنا بعدم قبول شهادة المحدود التائب في خصوص ما حد فيه فهو نظرًا لأصلهم المعروف عنهم من سد الذرائع، فخافوا أن يكون حريصًا على التأسي بغيره في المسألة، وهو نفس ما ردوا به شهادة المنبوذ في خصوص الزنا والقذف واللعان، ولكنه هو لمْ يَفعل شيئًا، والمصلحة أن لا يؤخذ أحد بجريرة غيره لقوله تعالى. ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٣) الآية. وقد قال قوم بقبول شهادته في ذلك، منهم: عطاء، والحسن، والشعبي، والزهري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو حنيفة وأصحابه، وابن المنذر. اهـ. (٤) وقوله: ولا إن حرص على القبول، إلى قوله. أو رفع قبل الطلب في محض حق الآدمي، يُريد به، والله أعلم، أن الحرص على قبول الشهادة من قبل الشاهد مبطل لشهادته، ومثل لذلك بمخاصمة المشهود عليه مطلقًا، سواء كانت في حق الله تعالى أو هي مخاصمة في حق الآدمي، أما في حق الله تعالى: كأن يتعلق أربعة برجل ويشهدوا عليه بعد ما رفعوه إلى القاضي، فقد قال ابن القاسم في أربعة نفر شهدوا على رجل بالزنا فتعلقوا به، فأتوا به إلى السلطان، قال: لا أرى أن تجوز شهادتهم، وأراهم قذفة، ورواه أصبغ في كتاب الحدود، وقال محمد بن رشد. إنما لم تجز شهادتهم لأن ما فعلوه من أخذه، وتعلقهم به، ورفعهم إياه إلى السلطان لا يلزمهم، ولا يجب عليهم، بل هو مكروه لهم. لأن الإنسان مأمور بالستر على نفسه وعلى غيره، قال رسورل الله ﷺ : "مَنْ أَصَابَ مِنْ هذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئًا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللهِ، فَإِنَّهُ إِنْ يُبْدِ لَنَا فَضِيحَتَهُ نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ اللهِ". ونص هذا الحديث =

стр. 1423

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = كما في الموطإ: "مَنْ أَتَى شَيْئًا مِنْ هذِهِ الْقَاذورَاتِ فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللهِ تَعَالَى، فَإِنَّ مَنْ أَبْدَى لَنَا صَفْحَتَهُ أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ". والرواية الأولى ذكرها الحطاب ولم يعزها لأحد من كتب الحديث. قال الحطاب: فهؤلاء الذين تعلقوا به ورفعوه وشهدوا عليه، صاروا ظالمين له ومدعين عليه بالزنا، وقذفة له، فوجب عليهم الحد ما لم يأتوا بأربعة شهداء سواهم على معاينة الفعل؛ كالمرود في المكحلة. قال: ولو كانوا من أصحاب الشرطة المكلفين بتغيير المنكر ورفعه، فأخذوه ورفعوه وشهدوا عليه لقبلت شهادتهم؛ لأنهم فعلوا في أخذه ورفعه ما يلزمهم. اهـ. منه. أما مثاله للحرص على القبول برفع الشاهد شهادته قبل الطلب، فقد قال شيخ مشائخنا، الشيخ محمد الأمين بن أحمد زيدان الجكني في النصيحة في الكلام على هذا الفرع: وأما الرفع قبل الطلب، فأقل أحواله أن لا يقدح. ا. هـ. قلت: ذلك أنه روي عن زيد بن خالد الجهني ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشُهَدَاءِ؟ الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا". رواه مالك في الموطإ، ومسلم، والترمذي، وأبو داود. وأحسن ما سمعته من حيث الجمع بين الحديث الصحيح وبين حديث عمران بن حصين عند البخاري وغيره أن النبي ﷺ قال: "خَيْرُ الْقُرُونَ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، تُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يأْتِي قَوْمٌ يَنْذُرُونَ وَلَا يُوفونَ، وَيَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ". أحسن ما سمعت من حيث الجمع بين هذين الحديثين ما ذكره ابن قدامة قال: من كانت عنده شهادة لآدمي، فإن كان عالمًا بها، لم يجز للشاهد أداؤها حتى يسأله ذلك، وعلى هذا حمل حديث عمران بن حصين، وإن كان المشهود له غير عالم بالشهادة التي عنده له، جاز للشاهد أداؤها قبل طلبها، وعلى هذا حمل حديث زيد بن خالد الجهني. والله تعالى الموفق وعليه التكلان، هو حسبنا ونعم الوكيل. (٥) وقوله: وفي محض حق الله تعالى تجب المبادرة بالإِمكان إن استديم تحريمه، إلى قوله: وإلا خيّر كالزنا، نسب الحطاب هنا لابن عبد السلام أنه قال: إن كان هناك غيره ممن يتم الحكم بشهادته، فإنه يستحب له المبادرة تحصيلًا لفرض الكفاية، فإن أبى غيره، أو منعه من ذلك مانع، تعين عليه القيام. وأما ابن رشد فقد قال: إن هذا في حق من يندر منه، يعني أنه لا يضره إذا كتم عليه وستر، قال: =

стр. 1424

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وأما من كثر منه فينبغي أن يشهد عليه، وأن يعلم الإمام بذلك. قال الحطاب: وحاصل ما تقدم أن ما حكاه ابن رشد، يعني سقوط شهادة من ترك الرفع بما يستدام تحريمه، هو ظاهر كلام المؤلف، وهو ظاهر إطلاقات أهل المذهب، ولا شك في ظهور الفرق بين وجوب رفع الشهادة وسقوطها بكون الشاهد هو المدعي فرفع الشهادة عند الحاكم، والإخبار بها من غير مخاصمة فيما يستدام فيه التحريم واجب غير مسقط للشهادة، كما يصرح به المصنف بقوله: وفي محض حق الله تعالى تجب المبادرة بالإمكان إن استديم تحريمه، وأما إن كان الرافع هو المخاصم، فتسقط الشهادة كما أطلقه هنا بقوله: كمخاصمة مشهود عليه مطلقًا. والله أعلم. وقال المواق: قال في التمهيد: في هذا الحديث، يعني حديث الموطأ: "مَنْ أَتَى شَيْئًا مِنْ هذِهِ الْقَاذُورَاتِ". الحديث. فيه دليل على أن الستر واجب على المسلم في خاصة نفسه إذا أتى فاحشة، وواجب ذلك أيضًا في غيره. وقال ابن العربي: إذا رأيته على معصية فعظه فيما بينك وبينه ولا تفضحه، روى النسائي وأبو داود أن النبي ﷺ قال: "مَنْ رَأَى عَوْرَةً فَسَتَرَهَا، كَانَ كَمَنْ أَحْيَا مَوْؤُودَةً مِنْ قَبْرِهَا". وقال ﷺ لهزال: "هَلَّا سَتَرْتَهُ بِرِدَائِكَ". أخرجه أهل الصحيح. ولما أمر ﷺ بقطع السارق، وقال صفوان: لم أرد هذا يا رسول الله. قال: "فَهَلَّا كَانَ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ". قال: وكذلك الجوار أمانة، والجار عليه أمين، يغض بصره، ويصم أذنيه، ويكف عنه أذاه، ويسدل دونه حجابه، فإن رأى عورة سترها، أو سيئة غفرها، أو حسنة نشرها. لطيفة: كان لأبي حنيفة جار إسكافي يعمل نهاره أجمع، فإذا جن الليل رجع إلى منزله وقد جمع لحمًا فطبخه، أو سمكة فشواها، ثم لا يزال يشرب حتى إذا دب الشراب فيه غزل بصوت يقول: أضاعوني وأيَّ فتىً أضاعوا … ليوم كريهة وسَدادِ ثغرِ فلا يزال يشرب ويردد هذا البيت حتى يأخذه النوم، وكان أبو حنيفة يقوم الليل، ففقد ليلة صوت جاره فسأل عنه، فقيل أخذه الشرط وهو محبوس عندهم، فلما كان الصبح ركب بغلته فجاء الأمير، فأذن له أن ينزل؛ فلم يزل الأمير يوسع له في فراشه حتى أجلسه بجنبه، فقال. ما حاجتك؟ قال: إسكافي أخذه الحرس، ليأمر الأمير بتخليته. قال: نعم، وكل من أخذ معه تلك الليلة، فخلى جميعهم، فركب أبو حنيفة والإِسكافي يمشي وراءه، ولما نزل مضى إليه وقال يا فتى، أضعناك؟ قال: لا، بل حفظت ورعيت، جزاك الله خيرًا عن حرمة الجار ورعاية الحق، وتاب الرجل عما كان فيه. =

стр. 1425

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = قال المواق. ونقل ابن عرفة عن ابن حبيب قال. مشى عمر رضي الله بالليل، فرأى نارًا في بيت فأتى إليها فإذا بقوم يشربون، وشيخ، فاقتحم عليهم، وقال: يا أعداء الله، أمكن الله منكم، فقال الشيخ: ما نحن بأعظم منك ذنبًا، تعديت ودخلت بغير إذن. فاحتشم عمر، وقال: ذروا هذه بهذه. اهـ. قال: ولم يذكر ابن عرفة ما يعارض هذا إلا بالنسبة لمن يستظهر ويشتهر، وقد تقدم قول ابن رشد أن الشهادة لا تبطل بترك القيام بها وإن كان مشتهرًا اتفاقًا، قال: وقد يكون يتضرر بالرفع، فيسقط عنه، قال: لما ذكر عياض شرف مالك في رجوع أشياخه لكلامه، ذكر أن ابن هرمز مر بدار بعض أهل الأقدار وهو واقف مع مولى له، فقال له ابن هرمز: إنك على الطريق وليس يحل لك هذا، فقال لعبيده: طؤوا بطنه، فوطئوه حتى حمل إلى منزله، فعاده الناس وفيهم مالك، فجعل يشكو والناس يدعون ومالك ساكت، ثم تكَلم فقال: إنَّ هذا لم يكن لك أن تأتي إلى رجل من أهل القدر على باب داره، معه حشمه ومواليه، فقال له ابن هرمز: أفتراني أخطأت؟ قال: إي والله. اهـ. بنقل المواق. (٦) وقوله: بخلاف الحرص على التحمل كالمختفي، نقل الحطاب عن الموازية: قال مالك في رجلين قعدا لرجل من وراء حجاب يشهدان عليه، قال: إن كان ضعيفًا أو مخدْوعًا أو خائفًا، لم يلزمه، ويحلف ما أقر إلا بما ذكر، وإن كان على غير ذلك لزمه، ولعله يقر خاليًا ويأبى من البينة، فهذا يلزم ما سيم منه، قيل: فرجل لا يقر إلا خاليًا أفأقعد له بموضع لا يعلم للشهادة عليه؟ قال: لو أعلم أنك تستوعب أمرها، ولكني أخاف أن تسمع جوابه لسؤاله، ولعله يقول له في سر: إن جئتك بكذا، ما الذي لي عليك؟ فيقول له: عندي كذا، فإن قدرت على أن تحيط بسرهم، فجائز. اهـ. وقال الخرقي: وتجوز شهادة المستخفي إذا كان عدلًا، قال ابن قدامة: وبهذا قال عمرو بن حريث. وقال: كذلك يفعل بالخائن والفاجر، وروي مثل ذلك عن شريح، وهو قول الشافعي. قال: وعن أحمد رواية أخرى؛ لا تسمع شهادته. وهو اختيار أبي بكر وابن أبي موسى، وروي كذلك عن شريح والشعبي، ولأن الله تعالى يقول في الحجرات: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾. وأخرج أحمد: أبو داود والترمذي أنه ﷺ قال: "مَنْ حَدَّثَ بِحَديثٍ ثُمَّ الْتَفَتَ فَهِيَ أَمَانَةٌ". يعني أنه لا يجوز لسامعه ذكره لأحد لالتفاته وحذره. اهـ. منه. (٧) وقوله: ولا إن استبعد كبدوي لحضري: قال المازري: تعرض التهمة من جهة الشهود في =

стр. 1426

بِخِلَافِ مَن لَمْ يسْأَلْ أوْ يَسْأَلِ الْأعْيَانَ، ولَا إن جَرَّبَها نَفْعًا كَعَلَى مُورِّثِهِ المُحْصَنِ بِالزِّنَا أوْ قَتْلِ الْعَمْدِ إلَّا الْفَقِيرَ (١) أوْ بِعِتْقِ مَنْ يُتَّهَمُ فِي وَلَائِهِ، أوْ بِدَيْنٍ لِمَدِينِهِ، بِخِلَافِ المُنْفِقِ لِلمُنْفَقِ عَلَيْهِ، وشَهَادة كُلٍّ لِلآخر وَإنْ بِالمجْلِسِ، والقَافِلةِ بَعْضَهُمْ لِبَعْضٍ فِي حِرابَةٍ، لَا المجْلُوبِينَ إلَّا كَعِشْرينَ، ولا مَنْ شهِدَ لهُ بِكثيرٍ ولغَيْرِهِ بِوَصِيَّةٍ، وَإلَّا قُبِلَ لَهُمَا، ولا إنْ دفع كشهادَةِ بَعْضِ الْعَاقِلَةِ بِفِسْقِ شهودِ القَتْلِ أو المُدَانِ المُعْسِرِ لِرَبّهِ، ولَا مُفْتٍ على مُسْتَفْتيهِ إنْ كَانَ ممَّا يُنَوَّى فِيهِ وإلا رَفَعَ، ولا إن شهِدَ باسْتِحْقَاقٍ وقَالَ: أنا بِعْتُهُ له، ولا إن حَدَثَ فِسْقٌ بَعْدَ الأدَاءِ، بِخِلَافِ تُهْمَةِ جَرٍّ ودَفْعٍ وعَدَاوَةٍ، ولَا عَالِمٍ عَلى = الشهادة ومخالفة العادة، ومن ذلك حديث: "لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْبَدَوِيِّ عَلَى الْقَرَوِيّ" (١) وقال ابن الحكم: مالك يتأول ذلك في الحقوق إذا شهدوا في الحاضرة، لأنها تهمة أن يشهد أهل البادية دون من معه من أهل الحاضرة، وأجازها في الدماء والجراح وحيث تطلب الخلوات والبعد من العدول. وقال ابن الحاجب: حديث "لَا تُقْبَل شهَادَةُ الْبَدَوِيِّ عَلَى الْقَرَوِيِّ" محمله عند مالك على الشهادة في الحضر لأنه مظنة الريبة، وأما لو قال إنه سمعها أو رآها، أو كانوا في سفر، فلا ريبة في المال وغيره. ا. هـ. المواق. وقال البغوي: وذهب عامة أهل العلم إلى قبول شهادة البدوي إن كان عدلًا، وقال مالك لا تقبل شهادة البدوي على القروي، وروى فيه حديثًا. وتأويله عند الآخرين إن ثبت، أنهم قلما يضبطون الشهادة على وجهها لجهلهم بأحكام الشريعة، فإن كان ضابطًا فطنًا بصيرًا بما يؤديه منها، فلا فرق بينه وبين القروي. اهـ. منه. (١) وقوله: لا إن جربها كعلى مورثه المحصن بالزنا أو قتل العمد، إلا الفقير، ذكر في الموطإ قال عمر: لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين. وعن الزهري: مضت السنة في الإِسلام أن لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين. والظنين هو المتهم. وروى طلحة بن عبد الله بن عوف قال: قضى رسول الله ﷺ أن لا شهادة لخصم ولا ظنين. انتهى من ابن قدامة.

стр. 1427

مِثْلِهِ (١)، ولا إن أخَذَ مِن العُمَّالِ أَو أكل عِنْدَهُمْ بِخِلَافِ الخُلَفَاءِ، ولا إن تعصّبَ، كالرِّشْوَةِ وتَلْقِينِ خَصْمٍ، ولَعِبِ نيرُوزٍ، ومَطْلٍ، وحَلِفٍ بِطَلَاقٍ وعِتْقٍ، وبِمَجيءِ مَجْلِسِ القَاضِي ثَلاثًا، وتِجَارَةٍ لأرْضِ حَرْبٍ، وسُكْنَى مَغْصُوبَةٍ، أوْ مَعَ وَلَدٍ شِرِّيبٍ، وَبِوَطْءِ مَنْ لَا تُوطأ، وبالْتِفَاتِهِ فِي الصَّلَاةِ، وباقْتِراضِهِ حجَارَةً مِن المسْجَدِ، وعَدَم إحْكام الوُضُوءِ والغُسْلِ والزَكَاةِ لمَنْ لَزِمَتْهُ، وبَيْعِ نَرْدٍ وطُنْبُورٍ، واسْتِحْلَافِ أبِيهِ. وقُدحَ فِي المُتَوَسِّطِ بِكُلٍّ وفِي المُبرَّزِ بِعَدَاوَةٍ وَقَرابَةٍ، وَإنْ بِدُونِهِ كغَيْرِهِمَا عَلَى المختَارِ. وَزَوالِ العَدَاوَةِ والفِسْق بِمَا يَغْلِبُ على الظَّنِّ بِلَا حَدٍّ. ومَنْ امْتَنَعَتْ لَهُ لَمْ يُزَكِّ شَاهِدَهُ أوْ يُجَرِّحْ شَاهِدًا عَلَيْهِ، ومَنِ امْتَنَعَتْ عَلَيْهِ فَالْعَكْسُ، إلَّا الصِّبْيَانَ (٢)، لَا نِسَاءً فِي كَعُرْسٍ، في جَرْح أو قَتْلٍ، والشَّاهِدُ حُرٌّ مُمَيِّزٌ ذَكَرٌ تَعَدَّدَ لَيْسَ بِعَدُوٍّ ولَا قرِيبٍ، ولا خِلَافَ بَيْنهُمْ ولَا فُرْقَةَ إلّا أنْ يُشْهَدَ عَلَيْهِمْ قَبْلَهَا، ولَمْ يَحْضُرْ كبيرٌ أو يُشْهَدْ عَلَيْهِ أوْ لَهُ، ولا يَقْدَحُ رُجُوعُهُمْ ولا تَجْريحُهُمْ، وللزنا واللِّواط أربعة (٣) بَوَقْتٍ وَرُؤيةٍ اتّحَدَا وفرقوا فقط أنه أدخلَ فرجه في فرجها. ولكلٍ النظر للعورة. (١) وقوله: ولا عالم على مثله، عن ابن عباس ﵄: خذوا العلم حيث وجدتم ولا تقبلوا شهادة الفقهاء بعضهم على بعض؛ لأنهم يتغايرون كما يتغاير التيوس في الزريبة. وقال ابن وهب: لا تجوز شهادة القارئ على القارئ، يعني العلماء؛ لأنهم أشد الناس تحاسدًا، وقاله سفيان الثوري. قال المواق: وأنظر كثيرًا ما يكون هذا التغاير في خلافهم في تحقيق المناظرات التي لا يمكن أن ينقطع فيها الاجتهاد، أبدًا. اهـ. منه. (٢) قوله: إلا الصبيان: قال المقري: كل من ليس بحر مسلم مكلف عدل مستعمل لمروءة مثله لا تقبل شهادته إلا بعض ذكور صبيان المسلمين الأحرار على بعض في الدماء. وقال ابن عرفة: المذهب صحة شهادة الصبيان الذكور في جراحهم، وشرط القاضي أن يكونوا ممن =

стр. 1428

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = يعقل الشهادة. وقال ابن سحنون: قلت لسحنون، لِمَ أجزت شهادة الصبيان بينهم في الجراح؟ ولمْ تجزْها في الحقوق والأموال؟ قال للضرورة؛ لأن الحقوق يحضرها الكبار، قلت: فيلزمك أن تجيزها في غصب بعضهم بعضًا؛ قال: هذا موضع اتباع الماضين ولا وجه للقياس فيما هو سنة أو كالسنة. اهـ. المواق. قلت: وقد تقدمت الإِشارة إلى قول مالك بقبول شهادة الصبيان، وذكر بعض من وافقه من أهل العلم في ذلك، في الكلام على قول المصنف: العدل حر ذكر. ألخ. (٣) وقوله: وللزنى واللواط أربعة: قال ابن قدامة: أجمع المسلمون على أنه لا يقبل في الزنا أقل من أربعة شهود، وقد نص الله ذلك بقوله تعالى في سورة النور: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (٢). وقد جاءت السنة بأن البينة في الزنا أربعة، فقد أخرج البيهقي بسنده إلى الشافعي قال: أنبأنا مالك عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة أن سعدًا قال: يا رسول الله، أرأيت لو وجدت مع امرأتي رجلًا أُمهله حتى آتي بأربعة شهداء؟ فقال رسول الله ﷺ : "نَعَمْ". قال البيهقي: أخرجه مسلم من حديث مالك. وذكر البيهقي رواية أخرى لهذا الحديث، وزاد أن سعدًا قال - بعد قول رسول الله ﷺ "نعم": كلا، والذي بعثك بالحق، إن كنت لأعجله بالسيف. قال ﷺ : "اسْمَعوا إِلَي مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ؛ إِنَّهُ غَيُورٌ، وَأنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللهُ أَغْيَرُ مِنِّي". قال البيهقي: رواه مسلم في الصحيح عن أبي بكر بن أبي شيبة. وأخرج البيهقي بسند إلى سعيد بن المسيب أن معاوية كتب إلى أبي موسى: سل عليًا ﵁ عن رجل دخل بيته، فإذا مع امرأته رجل، فقتلها أو قتله؟ فسأله أبو موسى، فقال له عليّ ﵁: ما ذكرك هذا؟ إن هذا لشيء ما هو بأرضنا، عزمت عليك، قال: كتب إليَّ معاوية أنْ أسألك عنها، قال: أنا أبو الحسن، إن جاءنا بأربعة شهداء وإلا دفع برمته. اهـ. منه .. ومعلوم أن عمر رضى الله عنه جلد الثلاثة الذين شهدوا على المغيرة بن شعبة ﵁ لما رجع الرابع، والقضية مشهورة.

стр. 1429

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = قال أبو عبد الله القرطبي من أصحابنا عند قوله تعالى: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ (١). قال: أي من المسلمين. فجعل الله الشهادة على الزنا خاصة أربعة تغليظًا على المدَّعي وسترًا على العباد. قال: وتعديل (٢) الشهود بالأربعة في الزنا، حكم ثابت في التوراة والإنجيل والقرآن، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (٣) وقال هنا، يعني في النساء. ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾. قال أبو عبد الله: ولابد أن يكون الشهود ذكورًا لقوله تعالى: ﴿مِنْكُمْ﴾ ولا خلاف فيه بين الأمة، وأن يكونوا عدولًا. وقال ابن قدامة: وأجمعوا على أنه يشترط كونهم مسلمين عدولًا ظاهرًا وباطنًا، وجمهور العلماء على أنه يشترط أن يكونوا ذكورًا أحرارًا، فلا تقبل شهادة النساء ولا العبيد، وبه يقول مالك، والشافعي، وأحمد، وأصحاب الرأي، وشذ أبو ثور فقال: تقبل فيه شهادة العبيد، وحكي عن عطاء وحماد أنهما قالا: لا تجوز شهادة ثلاثة رجال وامرأتين. ا. هـ. منه. وقال عبد الرزاق في المصنف عن الأعمش عن عبد الرحمن قال: لا تجوز شهادة النساء في الحدود. وعن الثوري، عن بيان، عن إبراهيم في ثلاثة شهدوا وامرأتين؟ قال: لا، إلا أربعة أو يجلدون. قال: وأخبرنا ابن جريج عن عطاء: تجوز شهادة النساء مع الرجال في كل شيء، وتجوز على الزنا امرأتان مع ثلاث رجال، رأيًا منه. ا. هـ. منه. وقال ابن عرفة: شرط بينة الزنا، كونها أربعة بنص التنزيل وبحكم عمر ﵁، قال المازري: ولا خلاف فيه، قال المواق: وروى محمد: والشهادة في اللواط كالزنا. وقال في المدونة: وجه الشهادة في الزنا أن يأتي الأربعة الشهداء في وقت واحد يشهدون على وطء واحد في موضع واحد، وبهذا تتم الشهادة، فينبغي للقاضي أن يكشف الشهود بالزنا عن شهادتهم كيف رأوه، فإن رأى في شهادتهم ما يبطلها أبطلها. وقال ابن القاسم في المجموعة: كل الشهود لا يفرقون ولا يسألون إن كانوا عدولًا إلا في الزنا فإنهم يفرقون ويسألون؛ أنه أدخل فرجه في فرجها. وقال مالك: لا تتم شهادتهم حتى يقولوا: كالمرود في المكحلة.

стр. 1430

وندب سؤالهم كالسرقة. مَا هِيَ وكَيْفَ أُخِذَتْ (١)؟ ولِمَا لَيْس بِمَالٍ ولا آيلٍ لَهُ كَعِتْقٍ وَرَجْعَةٍ وَكتابَةٍ، عَدْلَانِ (٢)، وإلَّا فَعَدْلٌ وامْرأتَانِ (٣) أو أحَدُهُمَا بِيَمِينٍ (٤) كأجَلٍ، وخِيَارٍ، وشُفْعَةٍ، وإجَارَةٍ، وجَرْحِ خَطَإٍ، أو مَالٍ، وأَدَاءِ كتابةٍ، وإيصاء بِتَصَرُّفٍ فيهِ، أو بأنَهُ حُكِمَ لَهُ بِهِ، كَشِرَاءِ زوجَتِهِ، وتَقَدُّمِ دَيْنٍ عِتْقًا، وقِصَاصٍ في جَرْحٍ. ولما لا يَظْهَر للرِّجَالِ امْرأتَانِ (٥)، كِولَادَةٍ، وعَيْبِ فَرْجٍ، واسْتهْلَالٍ، وحَيْضٍ، ونِكَاحٍ بَعْدَ مَوْتٍ أوْ سَبْقيَّتِهِ أوْ مَوْتٍ ولا = قلت: ولعل استنباطهم لسؤال الشهود كان من قصة ماعز بن مالك ﵁ لأنه جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال له: "أَنِكْتَهَا؟ "قال: نعم، قال: "حَتَّى غَابَ ذلِكَ مِنْك فِي ذلِكَ مِنْهَا"؟ قال: نعم، قال "كَمَا يَغِيبُ الْمِرْوَدُ فِي الْمُكْحُلَةِ وَالرِّشَاءُ فِي الْبِئْرِ"؟ قال: نعم، الحديث. عند أبي داود، ونسبه المنذري للنسائي أيضًا. وأما اللواط، فقد أخرج أبو داود عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ : "مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ". قال شعيب: وأخرجه الترمذي، وابن ماجه ونسبه المنذري للنسائي، وسوف نتكلم على حكم حده عند أهل العلم في موضعه إن شاء الله، أما تحديد بينته بأربعة فأرى أن ذلك بالقياس لفاحشة اللواط على فاحشة الزنا. والله أعلم. (١) وقوله: وندب سؤالهم، كالسرقة؟ ما هي؟ وكيف أُخِذت؟ قال في المدونة: وينبغي للإمام إذا شهدت بينة عنده على رجل أنه سرق ما يقطع في مثله، أن يسألهم عن السرقة؛ ما هي؟ وكيف أخذت؟ ومن أين أخذها؟ وإلى أين أخرجها؟ كما يكشفهم عن الشهادة على رجل بالزنا؛ فإن كان في ذلك ما يدرأ به الحد درأه. انتهى بنقل الحطاب. وقال: قوله ينبغي معناه، والله أعلم، يجب، لأنه قد يكون في شهادتهم ما يسقط الحد، فيؤدي ذلك إلى أن يقطع عضوًا شريفًا لقوله ﷺ : "ادْرَؤُوا الْحدُودَ بِالشُبُهاتِ". ا. هـ. وذكر الحطاب أيضًا أن في المدونة في أول كتاب الزنا من المدونة: وينبغي، إذا شهدت بينة عنده على رجل بالزنا، أن يكشفهم عن شهادتهم؛ وكيف رأوه؟ وكيف صنع؟ فإن رأى في شهادتهم ما تبطل =

стр. 1431

زوجَةَ، ولا مُدَبَّرَ ونَحْوَهُ، وثبت الإرْثُ والنَّسَبُ لهُ وعَلَيْهِ بلَا يَمِينٍ والمالُ دُونَ القطْعِ في سرقَةٍ، كقَتْلِ عَبْدٍ آخَرَ، وحِيلَتْ أمَةٌ مُطْلَقًا، كَغَيْرِهَا، إن طُلِبَتْ بِعَدْلٍ أوِ اثْنيْنِ يُزكَيانِ، وبِيعَ مَا يَفْسُدُ وَوُقفَ ثَمَنُهُ مَعَهُمَا، بِخِلَافِ الْعَدْلِ فَيَحْلِفُ ويُبَقَّى بِيَدِهِ، وإنْ سأل ذو الْعَدْلِ، أوْ بَيِّنَةٍ سُمِعَتْ، وإنْ لَمْ تَقْطَعْ، وَضْع قِيمَةِ الْعَبْدِ لِيَذْهَبَ بِهِ إلى بَلَدٍ يُشْهَدُ لَهُ عَلى عَيْنِهِ، أجيب، لَا إِنْ انتَفَيَا، وطَلَبَ إيقَافَهُ ليأتِيَ ببيِّنَةٍ، وإنْ بكيَوْمَيْنِ، إلَّا أن يدَّعِيَ بَينَةً حَاضِرَةً أوْ سَمَاعًا يَثْبُتُ بِهِ فيوقَفُ وَيُوَكَّلُ بِهِ فِي كَيَوْمٍ، والغَلَّةُ لَهُ لِلْقَضَاءِ، والنَّفَقَةُ على المقْضِيِّ له بِهِ. = به الشهادة أبطلها. ا. هـ. قال أبو الحسن. انظر قوله: ينبغي، هل معناه يجب؟ أو هو على بابه؟ والأقرب الوجوب كما قال في السرقة، أو يفرق بين البابين، وأن السرقة اختلف في نصابها اختلافًا كثيرًا، وفي الزنا لم يختلف، إلا أن يقال في الزنا أيضًا شديد لأنه قيل: زنا العين النظر، واليدان تزنيان .. إلى غير ذلك، فيجب الكشف عن هذا لئلا يظن الشاهد أن ذلك زنا. ا. هـ فحاصل كلامه في الموضعين أنه يميل للوجوب. قال: وهو الظاهر. اهـ. منه. (٢) وقوله: ولما ليس بمال ولا آيل له؛ كعتق، ورجعة وكتابة، عدلان، نقل المواق عن ابن شاس: الشهادات على ثلاث مراتب؛ أعلاها بينة الزنا عددها أربعة. الثانية ما عدا بينة الزنا مما ليس بمال ولا آيل له؛ كالنكاح، والرجعة، والطلاق، والعتق، والإسلام، والردة، والبلوغ، والولاء، والعدة، والجرح، والتعديل، والعفو عن القصاص، وثبوته في النفس والأطراف فيها على خلاف فيها، وثبوت النسب، والموت، والكتابة، والتدبير، وشبه ذلك، وشرط ذلك كله العدالة والذكورية، وإنما تثبت بشهادة رجلين ولا تثبت برجل وامرأتين، قال: والمرتبة الثالثة، الأموال وحقوقها؛ كالأجل، والخيار، والشفعة، والإجارة، وقتل الخطإ، وكل جرح لا يوجب إلا المال، فيثبت برجل وامرأتين. وقال ابن قدامة عند قول الخرقي: ولا يقبل فيما سوى الأموال مما يطلع عليه الرجال أقل من رجلين، قال: وهذا القسم نوعان: أحدهما العقوبات؛ وهي الحدود، والقصاص، فلا يقبل فيه إلا شهادة رجلين، إلا ما روي عن عطاء وحماد أنهما قالا: يقبل فيه رجل وامرأتان قياسًا على الشهادة في =

стр. 1432

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = الأموال، ولنا أن هذا مما يحتاط لدرئه وإسقاطه، ولهذا يدرأ بالشبهات ولا تدعوا الحاجة إلى إثباته، وفي شهادة النساء شبهة بدليل قوله تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ (١). ولأنهن لا تقبل شهادتهن وإن كثرن ما لم يكن معهن رجل، فوجب ألا تقبل شهادتهن فيه. وبهذا الذي قلنا، قال سعيد بن المسيب، والشعبي، والنخعي، وحماد، والزهري، وربيعة، ومالك، والشافعي، وأبو عبيد، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، واتفق هؤلاء وغيرهم على أنها تثبت بشهادة رجلين ما خلا الزنا، إلا الحسن فإنه قال: الشهادة على القتل كالشهادة على الزنا؛ لأنه يتعلق به إتلاف النفس فأشبه الزنا، وما ذكره من الوصف لا ينهض ولا أثر له، فإن الزنا الموجب للحد لا يثبت إلا بأربعة، ولأن حد الزنا حق لله تعالى يقبل الرجوع عن الإِقرار به. والثاني: هو ما ليس بعقوبة؛ كالنكاح، والرجعة، والطلاق، والعتاق، والإِيلاء، والظهار، والنسب، والتوكيل، والوصية، والولاء، والكتابة، وأشباه هذا، فإن المعول عليه في المذهب أنها لا تثبت إلا بشاهدين ذكرين، ولا تقبل فيه شهادة النساء بحال، قال: ولا يثبت شيء من هذين النوعين بشاهد ويمين؛ لأنه إذا لم يثبت بشهادة رجل وامرأتين، فلئلا يثبت بشهادة رجل واحد ويمين أولى. قال أحمد ومالك في الشاهد واليمين: إنما يكون ذلك في الأموال خاصة، فلا يقع في حد ولا نكاح ولا طلاق، ولا عتاق، ولا سرقة، ولا قتك. ا. هـ. منه باختصار وتصرف. (٣) وقوله: وإلا فعدل وامرأتان: تقدم نقل المواق عن ابن شأس أن الأموال وحقوقها، كالأجل والخيار والإِجارة وقتل الخطإ وكل جرح لا يوجب إلا المال، تثبت برجل وامرأتين. ولا خلاف في أن المال يثبت بشهادة النساء مع الرجال. وقد نص الكتاب العزيز على ذلك بقوله تعالى في سورة البقرة ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ - إلى قوله - ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (٢). وأجمع أهل العلم على القول بذلك. (٤) وقوله: أو أحدهما بيمين: قال ابن الماجشون: ما جاز فيه الشاهد واليمين، جاز فيه شاهد وامرأتان مع اليمين، وفي المدونة: يحلف الطالب مع شهادة امرأتين في الأموال ويقضى به له. ا. هـ. من المواق. =

стр. 1433

. . . . . . . . . . . . . . . . . . = وأكثر أهل العلم يرون ثبوت المال لمدعيه بشاهد ويمين، قال ابن قدامة: يروى ذلك عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ﵃، وهو قول الفقهاء السبعة، وعمر بن عبد العزيز، والحسن، وشريح، وإياس، وعبد الله بن عتبة، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، ويحيى بن يعمر، وربيعة، ومالك، وابن أبي ليلى، وأبي الزناد، والشافعي. وقال: الشعبي، والنخعي، والأوزاعي، وأصحاب الرأي، قالوا: لا يقضى بشاهِد ويمين، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (١). وقالوا: فمن زاد في ذلك فقد زاد في النص، وهم يرون الزيادة في النص نسخًا. ومعلوم أن المقرر في مباحث الألفاظ أن الزيادة على النص ليست نسخًا، لأن النسخ هو رفع لحكم شرعي بخطاب شرعي متأخر عنه، والزيادة في النصر لم ترفع حكمًا شرعيًا واردًا بخطاب شرعي، وإنما رفعت الاقتصار على ذلك، وقررت زيادة في الحكم الذي الاقتصار عليه براءة أصلية، ومعلوم أن البراءة الأصلية ليست من الأحكام حتى يكون رفعها نسخًا. قال الشيخ عبد الله بن الحاج إبراهيم العلوي الشنقيطي في مراقي السعود: وليس نسخًا كل ما أفادا … فيما رسا بالنص الازديادا وقال ابن قدامة: وقولهم: إن الزيادة في النص نسخ، غير صحيح؛ لأن النسخ رفع وإزالة، والزيادة في الشيء تقرير له لا رفع. والحكم بالشاهد واليمين لا يمنع الحكم بالشاهدين ولا يرفعه، ولأن الزيادة لو كانت متصلة بالمزيد عليه لم ترفعه ولم تكن نسخًا، وكذلك إذا انفصلت عنه، ولأن الآية واردة في التحمل دون الأداء ولهذا قال تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ (٢). والنزاع في الأداء، لا في التحمل. ا. هـ. منه. قلت: أخرج أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة والحسن بن علي أن زيد بن الحباب حدثهم: حدثنا سيف المكي، قال عثمان سيف بن سليمان، عن قيس بن سعد، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قضى بيمين وشاهد. وهذا الحديث أخرجه مسلم في الأقضية باب: القضاء =

стр. 1434

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = باليمين والشاهد، وأخرجه ابن ماجه في الأحكام، باب: القضاء بالشاهد واليمين. ونسبه المنذري للنسائي أيضًا. قال الخطابي في معالم السنن: هذا خاص في الأموال دون غيرها؛ لأن الراوي وقفه عليها، والخاص لا يتعدى به محله ولا يقاس عليه غيره، واقتضاء العموم منه غير جائز لأنه حكاية فعل، والفعل لا عموم له، فوجب صرفه إلى أمر خاص، فلما قال الراوي: هو في الأموال كان مقصورًا عليه. قال: الخطابي: وقد رأى الحكم باليمين مع الشاهد الواحد أجلة الصحابة، وأكثر التابعين، وفقهاء الأمصار، وأباه أصحاب الرأي وابن أبي ليلى، وحكي ذلك أيضًا عن النخعي والشعبي. واحتج بعضهم في ذلك بقوله ﵊: "الْبَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْه". وهذا ليس مخالفًا لحديث اليمين مع الشاهد، وإنما هو في اليمين إذا كان مجردًا، وهذه يمين مقرونة ببينة، فكل واحدة منهما غير الأخرى، وإذا تباين محلاهما جاز أن يختلف حكماهما. انتهى. وقال في المغني: مضت السنة أن يقضى بالشاهد الواحد واليمين، فإن أبى أن يحلف استحلف المطلوب، وهذا قول مالك والشافعي ويروى عن أحمد، فإن أبى المطلوب أن يحلف ثبت الحق. اهـ. وقال أبو عبد الله القرطبي في الكلام على آية البقرة - آية الديْن - في المسألة التاسعة والعشرين: وخالف في هذا أبو حنيفة وأصحابه، فلم يروا اليمين مع الشاهد، فلا يجوز به القضاء عندهم، قالوا: لأنه يكون قسيمًا زائدًا على ما قسمه الله؛ وهذه زيادة على النص، وذلك نسخ. وممن قال بهذا الثوري، والأوزاعي، وعطاء، والحكم بن عتبة، وزعم عطاء أن أول من حكم به عبد الملك بن مروان، وقال الحكم: القضاء بالشاهد واليمين بدعة، وأول من حكم به معاوية؛ وهذا كله غلط وظن لا يغني من الحق شيئًا، وليس من نفى وجهل كمن أثبت وعلم، وليس في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾. الآية، ما يرد به قضاء رسول الله ﷺ في اليمين مع الشاهد، ولا أنه لا يتوصل إلى الحقوق، ولا تستحق إلا بما ذكر فيها لا غير، فإن ذلك يبطل بالنكول من المطلوب ويمين الطالب، فالمال يستحقه بذلك إجماعًا. وليس في كتاب الله، وهذا قاطع في الرد عليهم. قال علماؤنا: ثم العجب، مع شهرة الأحاديث وصحتها، بدَّعوا من عمل بها حتى نقضوا حكمه واستقصروا رأيه، مع أنه قد عمل بذلك الخلفاء الراشدون الأربعة، وأبيُّ بن كعب، ومعاوية، وشريح، وعمر بن عبد العزيز وكتب له إلى عماله، وإياس بن معاوية، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو الزناد، وربيعة، ولذلك قال =

стр. 1435

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = مالك: وإنه ليكفي في ذلك ما مضى من عمل السنة، أترى هؤلاء تنقض أحكامهم ويحكم ببدعتهم؟ هذا إغفال شديد ونظر غير سديد. فلم يأت عن أحد من الصحابة أنه أنكر اليمين مع الشاهد، بل جاء عنهم القول به وعليه جمهور أهل العلم بالمدينة، وبه قال مالك وأصحابه، والشافعي وأتباعه، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، وداود بن علي، وجماعة أهل الأثر، وهو الذي لا يجوز عندي خلافه لتواتر الآثار به عن النبي ﷺ وعمل أهل المدينة قرنًا بعد قرن، وقال مالك: يقضى باليمين مع الشاهد في كل البلدان، ولم يحتج لمسألة في الموطإ غيرها، ولم يختلف عنه في القضاء باليمين مع الشاهد ولا عن أحد من أصحابه بالمدينة ولا بمصر وغيرهما، ولا يرف المالكيون في كل بلد غير ذلك إلا عندنا بالأندلس؛ فإن يحيى زعم أنه لم ير الليث يفتي به ولا يعمل به، فخالف يحيى مالكًا في ذلك، مع مخالفته السنة والعمل بدار الهجرة. ثم إن اليمين مع الشاهد زيادة حكم على لسان رسول الله ﷺ كنهيه عن نكاح المرأة على عمتها وخالتها مع قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (١) الآية، وكنهيه عن لحوم االحمر الأههلية وكل ذي ناب من السباع مع قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ (٢) الآية. وكالمسح على الخفين والقرآن إنما ورد بغسل الرجلين أو مسحهما، ومثل هذا كثير. ا. هـ. منه. ومعلوم أن قول المصنف: أو أحدهما بيمين يفيد أنه إن لم يكن الشاهدان رجلين، فيجوز شهادة رجل وامرأتين، أو رجل ويمين، أو امرأتين ويمين، وهذا المذهب، قال مالك: يقبل ذلك في الأموال لأنهما في الأموال أقيمتا مقام الرجل فحلف معهما كما يحلف مع الرجل. وخالف الشافعي والحنابلة، وقالوا: لا تقبل شهادة امرأتين ويمين المدعي. انظر المغني. (٥) وقوله: ولما لا يظهر للرجال امرأتان: قال المواق: أما أن شهادة امرأتين كافية في عيوب النساء والاستهلال والحيض، فبين. وزاد ابن شاس الرضاع، فقال أما ما لا يظهر للرجال كالولادة وعيوب النساء والرضاع فإنه إنما يشترط فيه العدد فحسب، ويقوم النساء مقام الرجال؛ فيثبت بامرأتين، وكذلك الاستهلال والحيض، وفي المدونة: قال مالك: يجوز الاستهلال والولادة بشهادة امرأتين عدلتين، قال =

стр. 1436

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = ابن القاسم: ويجوز في الرضاع وعيوب الفرج ومعرفة حيض وحس حمل ونحوه مما لا يطلع عليه غيرهن. قال مالك: وكل شيء تقبل فيه شهادة النساء وحدهن فلا يقبل فيه أقل من امرأتين ولا تجوز شهادة امرأة واحدة في شيء من الشهادات. انتهى منه بلفظه. وقال ابن قدامة: لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في قبول شهادة النساء المنفردات في الجملة، والذي تقبل فيه شهادتهن منفردات خمسة أشياء: الولادة والإِستهلال والرضاع، والعيوب تحت الثياب، كالرتق، والقرن، والبرص، و انقضاء العدة، والبكارة وعدمها. اهـ. وقال ابن حجر في فتح الباري: واتفقوا على شهادتهن مفردات فيما لا يطلع عليه الرجال؛ كالحيض والولادة والاستهلال وعيوب النساء. اهـ. منه. فإذا علمت أنه لا خلاف بين الأمة في جواز شهادتهن فيما لا يطلع عليه الرجال، فاعلم أنهم اختلفوا: هل يكفي في ذلك امرأة واحدة؟ أو لا يكفي إلا امرأتان؟ أو أكثر من ذلك؟ فالمذهب عند أصحابنا أنه لا يكفي ولا يقبل في ذلك إلا امرأتان، وهو رواية عن الإِمام أحمد، وبه قال الحكم، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة والثوري، قالوا: لأن كل جنس يثبت به الحق كفى فيه اثنان كالرجال، ولأن الرجال أكمل منهن عقلًا، ولا يقبل منهم إلا اثنان. وقال عثمان البتي: يكفي ثلاث؛ لأن كل موضع قبل فيه النساء كان فيه العدد ثلاثة كما لو كان معهن رجل. والرواية المشهورة عن أحمد أن كل موضع تقبل فيه شهادة النساء المنفردات فإنه تقبل فيه شهادة المرأة الواحدة، واحتجوا بما روي عن عليّ ﵁ أنه أجاز شهادة القابلة وحدها في الإِستهلال. رواه الإِمام أحمد وسعيد بن منصور، إلا أنه من حديث جابر الجعفي، قال البيهقي: إنه متروك. وأنكر أبو حنينة قبول شهادتهن منفردات في الرضاع، وأنكر قبول شهادة النساء المنفردات في الاستهلال، وخالفه في ذلك صاحباه، وقال مرة: تقبل شهادة المرأة الواحدة في ولادة الزوجات دون ولادة المطلقة. وقال الشافعي، وعطاء، والشعبي، وأبو ثور، وقتادة: لا يقبل في ذلك إلا أربع نسوة، واحتجوا بما ثبت من قوله ﷺ "شَهَادَةُ امْرَأتَيْنِ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ". وبذلك تعلم أنه لم يتفق اثنان من الأئمة الأربعة على قول في المسألة، ولا ينقضي عجبي من نسبة العلامة ابن حجر في فتح الباري عدم قبول ما دون الأربع للجمهور في الكلام على حديث أبي سعيد =

стр. 1437

وجَازَتْ عَلى خَطِّ مُقِرٍّ بِلَا يَمِينٍ، وخطِّ شاهِدٍ مَاتَ أوْ غَابَ بِبُعْدٍ وإنْ بِغَيْرِ مَالٍ فِيهمَا إنْ عَرفَتْهُ كَالْمُعَيَّن وَأنَّهُ كانَ يَعْرِفُ مُشْهِدَهْ، وتَحَمَّلَهَا عَدْلًا لَا عَلى خَطِّ نَفَسْهِ حَتَّى يَذْكُرَهَا وأدَّى بِلَا نَفْعٍ، ولَا عَلى مَنْ لَا يَعْرِفُ إلَّا عَلى عَيْنِهِ ولْيُسَجِّلْ مَنْ زَعَمَتْ أنَّهَا ابْنَةُ فُلَان، وَلا عَلى مُنْتَقِبَةٍ لِتَتَعَيَّنَ لِلأَدَاءِ، وإنْ قَالُوا: أشْهَدَتْنَا مُنْتَقِبَةً وكَذلِك نَعْرِفُهَا، قُلِّدُوا وعَلَيْهِمْ إخْراجُهَا إنْ قِيلَ لهُمْ عَيِّنوُهَا، وجَازَ الأداءُ إنْ حَصَلَ الْعِلْمُ (١) وإنْ بامْرأة، لَا بِشاهِدَيْنِ إلَّا نَقْلًا، وجَازَتْ بِسَمَاعٍ فَشَا عَنْ ثِقَاتٍ وغَيْرهِمْ بِمِلْكٍ لِحَائزٍ مُتَصَرِّفٍ طَوِيلًا، وقُدِّمَتْ بَيِّنَةُ المِلْكِ إلَّا بِسَمَاعٍ أنَّهُ اشْتراهَا مِنْ كأبىِ القائِم، وَوَقْفٍ، ومَوْتٍ بِبُعْدٍ إنْ طَالَ الزَّمَانُ بلَا رِيبَةٍ، وحَلفَ وشَهِدَ اثْنَانِ كَعَزْلٍ، وجَرْحٍ، وكُفْرٍ، وَسَفَهٍ، ونِكاحٍ، وضِدِّهَا وإنْ بِخُلْعٍ وضَرَرِ زَوْجٍ وهِبَةٍ وَوَصِيةٍ وَوِلَادَةٍ، وحِرَابَةٍ، وإبَاقٍ، وَعُدْم، وأسْرٍ، وعِتْقٍ، وَلَوْثٍ. والتَّحَمُّلُ إنْ افْتُقِرَ إِلَيْهِ فَرْضُ كِفَايَةٍ (٢)، وتَعَيَّنَ الأدَاءُ (٣) مِنْ كبَريدَيْنِ وعلى ثَالِثٍ إن لَمْ يُجْتَزْ بِهِمَا. وإنْ انْتَفَعَ فَجُرْحٌ إلَّا رُكوبَه لعُسْرِ مَشْيِهِ وعَدَمِ دَابَّتِهِ لا كمَسَافَةِ القَصْرِ ولَهُ أنْ يَنْتَفِعَ مِنْهُ بِدَابَّةٍ ونفَقَةٍ. = الخدري ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: "أَلَيْس شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُل" الحديث. فانظره فيه إن شئت. (١) وقوله: وجاز الأداء إن حصل العلم: حاصل هذا الفرع أن الشهادة مستندها العلم، فلا يجوز لأحد أن يقوم بشهادة إلا بما يعلمه، وذلك لقوله تعالى في الزخرف. ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (١). وقوله تعالى في الإسراء: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (٢): ولقوله ﷺ فيما رواه ابن عباس: "إِذَا رَأَيْت مِثْلَ الشَمْسِ فَاشْهَدْ وإلَّا فَدَعْ".

стр. 1438

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وهذا الحديث ذكره ابن قدامة قال: روي عن ابن عباس أنه قال: سئل رسول الله ﷺ عن الشهادة قال: "هَلْ تَرَى الشَّمْسَ" قال: نعم. قال: "عَلَى مِثْلِهَا فَاشْهَدْ أَوْ دع" رواه الخلال في الجامع بإسناده. وقال الأستاذ محمود فائد، محقق الطبعة التي بيدي من مغني ابن قدامة، قال: أخرجه أيضًا العقيلي، والحاكم، وأبو نعيم في الحلية، وابن عدي، والبيهقي من حديث طاوس عن ابن عباس، وصححه الحاكم، وتعقبه الذهبي فقال: بل هو حديث واهٍ لأن في سنده محمد بن سليمان بن مشمول، وقد ضعفه غير واحد. ا. هـ. فإذا علمت ذلك فإن مستند الشهادة العلم، وهو يستند إلى السمع والبصر. فأما ما يقع من الشهادات بالرؤية فهو الأفعال جميعها؛ كالغصب، والإتلاف، والزنا، وشرب الخمر، ونحو ذلك، وكالصفات المرئية كالعيوب في البيع. وأما ما يقع من الشهادات بالسماع فمنه العقود، كالبيع والإجارة وغير ذلك. فإنه يحتاج الشاهد فيه إلى أن يسمع كلام المتعاقدين. وبهذا قال ابن عباس والزهري، وربيعة، والليث، وشريح، وعطاء، وابن أبي ليلى، ومالك، وأحمد. وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا تجوز الشهادة حتى يشاهد القائل المشهود عليه، لأن الأصوات قد تشتبه، فلا يجوز أن يشهد عليها من غير رؤية كالخط. والحاصل أن مستند الشهادة العلم، فإذا حصل العلم جاز الأداء؛ فإن إخوة يوسف قالوا، فيما حكاه القرآن الكريم عنهم: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ (١). وقال تعالى في الزخرف. ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٢). وقال تعالى في سورة بني إسرائيل: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (٣). ومن هذا المعنى قال الشيخ علي الزقاق في المنهج المنتخب: مستند الشهادة العلم نعم … مدركه عقل ونقل وتُضَمْ ذوات حس لهما ومُستدل ومعناه أن ما تستند الشهادة إليه هو العلم، فإن من علم شيئًا بوجه من الوجود الموجبة للعلم، جاز له، أن يشهد به. =

стр. 1439

وخلَفَ بِشَاهِدٍ في طَلَاقٍ، وعِتْقٍ، لا نِكَاحٍ، فإنْ نَكَلَ حُبِسَ، وإنْ طَالَ دُيِّنَ وحَلَف عَبْدٌ وسَفِيهٌ مَعَ شَاهِدٍ، لا صَبيٌّ وأبُوهُ وإنْ أنْفَقَ، وحَلَفَ مَطْلُوبٌ ليُتْركَ بِيَدِهِ وأُسْجِلَ لِيَحْلِفَ إذا بَلَغَ، كَوَارِثِهِ قَبْلَهُ إلا أنْ يَكُونَ نَكَلَ أوَّلًا فَفِي حَلِفِهِ قَوْلَانِ. وإن نَكَلَ اكتُفِيَ بِيَمينِ المَطْلُوبِ الأولى، وإن حَلَفَ المَطْلُوبُ ثُمَّ أتى بآخَرَ فَلَا ضَمَّ، وفي حَلِفِهِ مَعَهُ وتَحْلِيفِ المَطْلُوبِ إنْ لَمْ يَحْلِفْ قَوْلَانِ. وإنْ تَعَذَّر يَمِينُ بَعْضٍ كَشَاهِدٍ بِوَقْفٍ على بَنِيهِ وعقبهم أوْ عَلى الفُقَرَاء، حَلَفَ وإلَّا فَحُبُسٌ، فإنْ مَاتَ ففي تَعْيِين مُسْتَحِقِّهِ من بَقِيَّة الأولين أو = (٢) وقوله: والتحمل إن افتقر إليه فرض كفاية، قال ابن قدامة: تحمل الشهادة وأداؤها فرض على الكفاية، لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ (١). وقال مالك في هذه الآية: إنما هي فيمن دعي للأداءِ بعد التحمل. قال: وأما قبل أن يشهد، فأرجو أن يكون في سعة إن كان ثم من يشهد. قال ابن رشد: الدعاء ليشهد على الشهادة ويستحفظها فرض كفاية كصلاة الجنازة، وقد دعي مالك فلم يجب واعتذر لمن دعاه فقال: أخاف أن يكون في أمرك ما لا أرى أن أشهد عليه فيقتدي بي من حضر. ا هـ. وقال ابن عرفة: التحمل هو علم ما يشهد به بسبب اختياري، وهو فرض كفاية، والأداء هو إعلام الشاهد الحاكم بشهادته بما يحصل له العلم بما شهد به، وهو واجب عينًا على من لم يزد على عدد يثبت به المشهود به، وواجب كفاية على من زاد عدده عليه حاضرًا، كواحد من ثلاثة في الأموال، وما يقبل فيه اثنان، ومن خمسة فصاعدًا في الزنا. (٣) وقوله: وتعين الأداء، دليله قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ (٣). فإن امتنع من تعين عليه الأداء أثم - إن لم يكن عليه ضرر في أدائها - فإن كان يلحقه ضرر في الأداء سقط عنه الوجوب لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ (٤) ولقوله ﷺ : "لَا ضَرَر وَلَا ضِرَارَ". ولأنه لا يلزمه أن يضر نفسه لينفع غيره.

стр. 1440

الْبَطْنِ الثَّانِي، تَرَدُّدٌ. ولَمْ يَشْهدْ على حَاكِم قال: ثَبَتَ عْنِدِي إلَّا بإشْهَادٍ مِنْةُ كاشْهَدْ عَلى شَهَادَتي أوْ رَآهُ يؤدِّيهَا إنْ غَابَ الأصْل وهو رَجُلٌ بِمَكَانٍ لَا يَلْزَمُ الأدَاءُ مِنْهُ، ولَا يَكْفِي في الحُدُودِ الثَّلاثَةُ الأيامِ، أوْ مَاتَ أوْ مَرِضَ ولم يَطْرأ فِسْقٌ أوْ عَدَاوَةٌ، بِخِلَافِ جِنٍّ، ولم يُكَذِّبْهُ أصْلُه قَبْلَ الحُكْمِ وإلا مَضَى بِلَا غُرْمٍ. ونَقَلَ عَنْ كُلٍّ اثْنَانِ لَيْسَ أحَدُهُمَا أصْلًا، وفي الزنا أرْبَعَةٌ عَنْ كُلٍّ، أو عن كل اثنيْنِ اثنَانِ، ولُفّقَ نَقْلٌ بِأصْلٍ، وجاز تَزْكِيَةُ نَاقلٍ أصْلَهُ، ونَقْلُ امْرأتَيْنِ عَنْ رَجُلٍ في بَاب شَهَادَتِهِنَّ. وإن قَالا: وهمْنَا بَلْ هو هذا، سَقَطَتَا. ونُقِضَ إنْ ثبت كذبُهُمْ كحَيَاةِ مَن قُتِلَ، أوْجَبِّهِ قَبْلَ الزِّنَا، لا رجُوعُهُمْ، وغَرِمَا مالًا ودِيَةً ولو تعمَّدا (١)، ولا يُشَارِكُهُمْ شَاهِدَا الإِحْصَانِ في الغُرْمِ، كرُجُوعِ المُزَكّي، وأُدِّبَا في كَقَذْفٍ وحُدَّ شُهُودُ الزِّنَا مُطْلَقًا كرجوع أحَدِ الأرْبَعَةِ قَبْلَ الحُكم وإنْ رَجَعَ بَعْدَهُ حُدَّ الرَّاجِعُ فَقَطْ، وإنْ رَجَعَ اثنَانِ من سِتَةٍ فَلَا غُرْمَ ولَا حَدَّ إلّا إن تبيَنَ أنَّ أحَدَ الأربَعَةِ عَبْدٌ فَيُحدُّ الراجِعَانِ والْعَبْدُ وغَرِمَا فَقَطْ رُبُعَ الدِّيَةِ، ثُمَّ إنْ رَجَعَ ثَالِثٌ، حُدَّ هُو والسَّابِقَانِ وغُرمُوا رُبُعَ الدِّيَةِ، ورابعٌ فنِصْفُهَا، وإن رَجَعَ سَادِسٌ بَعْدَ فَقْءِ عَيْنِهِ، وخَامِسٌ بَعْدَ مُوضِحَتِهِ، ورَابِعٌ بَعْدَ مَوْتِهِ، فعلى الثاني خُمُسُ الموضِحَةِ مَعَ سُدُسِ الْعَيْنِ كالأول، وعلى الثالث رُبُعُ دِيَةِ النَّفْسِ فَقَطْ. (١) قوله ﵀: لا رجوعهم، وغرما مالًا ودية ولو تعمَّدا، يريد به، والله أعلم، أن الحكم لا ينقض إن ثبت رجوع الشهود عن الشهادة، وسواء كان رجوعهم قبل الاستيفاء أو بعده، فإن كان قبله؛ فإن كان الحكم بمال مضى اتفاقًا، وإن كان بقتل ورجعوا قبل الاستيفاء فقيل: لا يستوفى في الدم لحرمته ولزمت الدية، وإن كان بعد الاستيفاء فالحكم تام، وعلى الشاهدين دية المقتول، سواء كان القتل قصاصًا أو رجمًا.
следующие страницы →