. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= ولا خلاف بينهم في أنها مؤجلة في ثلاث سنين، فإن عمر وعليًا ﵄ جعلا دية الخطإ على العاقلة في ثلاث سنين، ولا نعرف لهما في الصحابة مخالفًا، فاتبعهم على ذلك أهل العلم، قال: ولأنه مال يجب على سبيل المواساة فلم يجب حالًا كالزكاة، وكل دية تحملها العاقلة تجب مؤجلة لما ذكرنا، وما لا تحمله العاقلة يجب حالًا لأنه بدل متلف. قال: ولا يلزم القاتل شيء من الدية، وبهذا قال مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة: هو كواحد من العاقلة لأنها وجبت عليهم إعانة له فلا يزيدون عليه فيها.
(٤) وقوله: والكتابي والمعاهد نصف ديته، روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: خطب رسول الله ﷺ الناس عام الفتح ثم قال: "أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ، وَمَا كَانَ مِنْ حِلْفٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّ الْإسْلَامَ لَا يَزِيدُهُ إِلَّا شِدَّةً، الْمُؤْمِنُونَ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، يُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ أَقْصاهُمْ، يَرُدُّ سَرَايَاهُمْ عَلَى قَعِيدَتِهِمْ، لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، دِيَةُ الْكَافِرِ نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ، لَا جَلَبَ وَلَا جَنَبَ، وَلَا تُؤْخَذُ صَدَقَاتُهُمْ إِلَّا فِي دُورِهِمْ".
(٥) وقوله: والمجوسيُّ والمرتد ثلث خمس، قال البغوي: روي عن عمر أنه قال: دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف، ودية المجوسي ثمانمائة. ا. هـ. وهذا سليمان بن يبسار، وبه قال مالك أن دية المجوسي ثمانمائة درهم، وإليه ذهب الشافعي، قال البغوي: ودية عبدة الأوثان إذا دخلوا إلينا بأمان مثل دية المجوسي.
(٦) وقوله: وفي الجنين وإن علقة عُشْرُ أمه ولو أمة نقدًا أو غرةٌ عبدٌ أو وليدة تساويه، وذلك لقول رسول الله ﷺ : "فِي الْجَنِينِ غُرَّةٌ عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ".
قال أبو عمرو بن العلاء في هذا الحديث: لولا أن رسول الله ﷺ أراد بالغرة معنى، لقال في الجنين عبد أو أمة، ولكنه عنى البياض، فلا يقبل في الدية إلا غلام أبيض أو جارية بيضاء، ولا يقبل فيها أسود ولا سوداء، واختلف العُلماء في قيمتها، فقال مالك: تقوّم بخمسين دينارًا أو بستمائة درهم، نصف عشر دية الحر المسلم، وعشر دية أمه الحرة، وهذا قول ابن شهاب، وربيعة وسائر أهل المدينة.
وقال أصحاب الرأي: قيمتها خمسمائة درهم. وقال الشافعي: سن الغرة سبع سنين أو ثمان سنين، وليس عليه أن يقبلها معيبة. ومقتضى مذهب مالك أنه مخير بين إعطاء غرة أو عشر دية الأم؛ =
стр. 1472
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= من الذهب خمسون دينارًا إن كانوا من أهل الذهب، ومن الورق إن كانوا أهل ورق ستمائة درهم، أو خمس فرائض من الإِبل. قال مالك وأصحابه: هي في مال الجاني. وبه قال الحسن بن حيي. وقال أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما: هي على العاقلة، قال القرطبي: وهو أصح لحديث المغيرة بن شعبة أن امرأتين كانتا تحت رجلين من الأنصار - في رواية - تغايرتا؛ فضربت إحداهما الأخرى بعمود فقتلتها، فاختصم الرجلان إلى النبي ﷺ فقال أحد الرجلين: نَدِي من لا صاحَ ولا أكل؟ ولا شربَ ولا استهل؟ فمثل ذلك يطل؟ فقال ﷺ : "أَسَجْعٌ كَسَجْع الْأعْرَابِ"؟ فقضى فيه غرة وجعلها على عاقلة المرأة. قال: وهو حديث ثابت صحيح، نص في موضع الخلاف، يوجب الحكم. قال القرطبي: واحتج علماؤنا بقول الذي قضى عليه: كيف أغرمُ؟ قالوا: وهو يدل على أن المحكوم عليه معين وهو الجاني، قالوا: وفي القياس أن كل جان جنايته عليه إلا ما قام بخلافه الدليل الذي لا معارض له، مثل إجْماع لا يجوز خلافه، أو نص سنة من جهة نقل الآحاد العدول لا معارض لها فيجب الحكم بها، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٢).
(٧) وقوله: إلا أن يحيا فالدية إن أقسموا، قال القرطبي: ولا خلاف بين العُلماء أن الجنين إذا خرج حيًا فيه الكفارة مع الدية، واختلفوا في الكفارة إذا خرج ميتًا فقال مالك: فيه الغرة والكفارة، وقال الشافعي وأبو حنيفة: فيه الغرة ولا كفارة. قال: واختلفوا فيمن يرث الغرة، فقال مالك والشافعي وأصحابهما: الغرة موروثة عن الجنين على كتاب الله تعالى لأنها دية، وقال أبو حنيفة وأصحابه: هي للأم وحدها لأنها بسبب جناية جني عليها بقطع عضو من أعضائها وليست بدية.
(٨) وقوله: وإن تعمده بضرب بطن أو ظهر أو رأس ففي القصاص خلاف، هذا الكلام على تعمد ضرب المرأة على بطنها أو على ظهرها حتى تلقي جنينًا حيًا ثم يموت، فقال كافة العُلماء: فيه الدية كاملة في الخطإ، وفي العمد بعد القسامة، وقيل بغير قسامة. واختلفوا فيما به تعلم حياته بعد اتفاقهم على أنه إن استهل صارخًا أو رضع أو تنفس نفسًا محققة، فهو حي فيه الدية كاملة. فقال الشافعي وأبو حنيفة: الحركة تدل على حياته، وقال مالك: لا تدل على ذلك إلا إذا قارنها طول إقامة.
قال: والذكر والأنثى عند كافة العُلماء سواء في الحكم. ا. هـ. وبالله تعالى التوفيق.
стр. 1473
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وقال ابن قدامة: إن في جنين الحرة المسلمة غرة، وهذا قول أكثر أهل العلم، منهم عمر بن الخطاب، وعطاء، والشعبي، والنخعي، والزهري، ومالك، والثوري، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وقد روي عن عمر ﵁ أنه استشار الناس في إمْلَاصِ المرأة، فقال المغيرة بن شعبة: شهدت النبي ﷺ قضى فيه بغرة عبدٍ أو أمة، فقال: لتأتين بمن يشهد معك. فشهد له محمد بن مسلمة. وقال ابن قدامة: إنما تجب الغرة إذا سقط الجنين من الضربة، ويعلم ذلك بأن يسقط عقيب الضرب، أو ببقائها متألمة إلى أن يسقط. وقال: ولو قتل حاملًا ولم يسقط جنينها، لم يضمن الجنين، وبهذا قال مالك، وقتادة، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، وابن المنذر.
وقال: إن الغرة قيمتها نصف عشر الدية، وهي خمس من الإِبل، وروي ذلك عن عمر وزيد ﵄، وبه قال النخعي، والشعبي، وربيعة، وقتادة، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي، قال: ولأن ذلك ما قدره الشرع في الجنايات وهو أرش الموضحة، ودية السن، فرددناه إليه.
وقال: إن الغرة موروثة عن الجنين كأنه سقط حيًا، لأنها دية له، وبدل عنه، فيرثها ورثته، كما لو قتل بعد الولادة، وبهذا قال مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي. وقال: وإذا ضرب بطن امرأة فألقت أجنة، ففي كل واحد فيها غرة، وبهذا قال الزهري، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وابن المنذر، وقال: لا أحفظ عن غيرهم خلافه.
وقال: وعلى كل من ضرب بطن امرأة فألقت جنينًا عتق رقبة مؤمنة، سواء كان الجنين حيًا أو ميتًا. هذا قول أكثر أهل العلم، منهم: الحسن، وعطاء، والزهري، والحكم، ومالك، والشافعي، وإسحاق، قال ابن المنذر: كل من نحفظ عنه من أهل العلم أوجب على ضارب بطن المرأة تلقي جنينًا، الرقبة مع الغرة، وروي ذلك عن عمر ﵁.
وقال أبو حنيفة: لا تجب الكفارة لأن النبي ﷺ لم يوجب الكفارة حين أوجب الغرة. لكنه محجوج بمنطوق قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (١). وهذا الجنين إن كان أبواه مؤمنين أو أحدهما فهو مؤمن محكوم بإيمانه شرعًا. ا. هـ. والله تعالى الموفق.
стр. 1474
وتَعَدَّدَ الْوَاجِبُ بِتَعَدُّدِهِ وَوُرِّثَ على الْفَرائضِ، وفي الْجراحِ حُكُومَةٌ بِنِسْبَة نُقْصَانِ الجِنَايَةِ، إذا بَرئ، مِن قِيمَتِهِ عَبْدًا فَرْضًا مِنَ الدِّيَةِ (١) كجَنينِ الْبَهِيمَةِ، إلَّا الْجَائفَةَ والآمَّةَ فَثُلُثٌ (٢)، والْمُوضحَةَ فَنِصْفُ عُشرٍ (٣)، والمُنَقِّلَةَ والهَاشِمَةَ فَعُشرٌ ونِصْفُهُ وإنْ بِشيْنٍ فيهِنَّ إنْ كُنَّ بِرَأْسٍ أوْ لَحْيٍ أعْلَى (٤)، والْقِيمَةُ لِلْعَبْدِ كَالدِّية (٥)، وإلَّا فلا تَقْدِير (٦). وتَعَدَّدَ الواجِبُ بِجَائفَةٍ نَفَذَتْ كتَعَدُّدِ المُوضِحَةِ (٧) والمُنَقِّلَةِ والآمَّةِ إنْ لَمْ تَتَّصِلْ وَإلَّا فَلَا وإنْ بِفَوْرٍ في ضَرَبَاتٍ. والدِّيَةُ في العَقْلِ أو السَّمْع (٨) أو البَصرِ أو النّطْقِ أو الصَّوْتِ، أو الذَّوقِ، أو قُوَّةِ الجِمَاعِ، أو نَسْلِهِ، أو تَجْذيمِهِ أو تَبْريصِهِ، أو تَسْويدِهِ، أو قيَامِه وجُلوسِهِ، أو الأذنين، أو الشَّوَى، أو العَيْنَيْنِ، أو عين الأعْوَرِ، للسُّنَّةِ. بِخِلَاف كل زَوْجٍ فإن في أحَدِهما نِصْفَهُ، وفي اليدَيْنَ والرجْلَيْنِ ومارِنِ الأنْفِ والحَشَفَةِ وفي بَعْضِهمَا بِحِسَابِها مِنْهُمَا لا مِنْ أصْلِهِ، وفي الأنثييْنِ مُطْلَقًا، وفي ذكر العِنَين قوْلَانِ، وفي شُفْرَيِ المرأة إنْ بدا العَظْمُ، وفي ثَدْيَيْهَا أوْ حَلْمَتَيْهِمَا إنْ بَطَل اللَّبَنُ، واسْتؤني بالصَّغيرَةِ وسِنِّ الصَّغِيرِ الذي لم يُثْغِرْ للإِيَاسِ كالْقَوَدِ وإلَّا انْتُظِر سَنَةً، وسَقَطَا إنْ عَادَتْ وَوُرِثا إنْ مَاتَ، وفي عَوْدِ السِّنِّ أصْغَرَ بِحِسَابِهَا، وجُرِّبَ الْعَقْلُ بِالْخَلَواتِ، والسمع بأن يُصَاحَ مِنْ أمَاكِنَ مُخْتِلَفَة مَعَ سَدِّ الصَّحِيحَةِ ونُسِبَ لِسَمْعِهِ الآخر وإلَّا فَسَمْعٌ وسَطٌ ولَهُ نسْبَتُهُ إنْ حَلَفَ ولم يَخْتَلِفْ قَوْله وإلَّا فهَدَرٌ. والبَصَرُ بإِغْلَاقِ الصَّحِيحَةِ كذلك، والشَّمُّ بِرَائحَةٍ حَادَّةٍ، والنُّطْقُ بالكَلَامِ اجْتِهَادًا، والذَّوقُ بالمَقِرِّ. وصُدِّقَ مُدَّعٍ ذَهَابَ
(١) وقوله: وفي الجِرَاحِ حُكُومَةٌ بنسبة نقصان الجناية، إنْ برئَ من قيمته عبدًا فرضًا من الدية، تقريره، والله تعالى أعلم، وفي الجراح - التي ليس فيها دية مقدرة من الشارع، إذا برئت على شين =
стр. 1475
الجَمِيعِ بِيَمِينٍ. والضَّعِيفُ مِنْ عَيْنٍ ورِجْلٍ ونَحْوِهِمَا خِلْقَةً كَغَيْرهِ، وكَذَا الْمَجْنيُّ عَلَيْهَا إنْ لَمْ يأخُذْ لَهَا عَقْلًا، وَفي لِسَانِ النَّاطِقِ، وإن لَمْ يَمْنَعِ النُّطْقَ ما قَطَعَهُ فَحُكُومَةٌ كلسَانِ الأخْرسِ والْيَدِ الشَّلَّاءِ والسَّاعِدِ وأليْتَي المرْأةِ وسِنٍّ مُضْطَربَةٍ جِدًا وعَسِيبِ ذَكرٍ بَعْدَ الحَشَفَةِ، وحَاجِبٍ أوْ هُدْب، وظُفُرٍ، وفيه القِصَاصُ، وَإفْضَاءٍ، وَلَا يَنْدَرِجُ تَحْتَ مَهْرٍ بِخلَافِ البكارَةِ إلَّا بأصْبُعِهِ. وفي كُلِّ أصْبُعٍ عُشْرٌ وَالأُنْمُلَةُ ثُلُثُهُ إلَّا في الإِبْهَامِ فَنِصْفُهُ، وفي الأصْبُع الزائدَةِ القَوِيَّةِ عُشْرٌ إن انْفَرَدَتْ وَفي كُلِّ سِنٍّ خَمْسٌ، وإنْ سوداءَ، بِقَلْعٍ أوِ اسْودَادٍ أو بِهِمَا أو بِحُمْرَةٍ أوْ بصُفْرَةٍ، وإن كانا عُرْفًا، كالسَّوَادِ أوْ باضْطِرابهَا جِدّا وإن ثبتَتْ لِكَبيرٍ قَبْلَ أخْذِ عَقْلِهَا أخَذَهُ كالجراحَاتِ الأرْبعِ، ورُدَّ في عَوْدِ البَصَر وقُوَّةِ الجِمَاعِ ومَنْفَعَةٍ اللَّبَنِ وفي الأذنِ إِنْ ثبَتَتْ تأويلَانِ.
= ونقص، وإلا فلا شيء فيها - حكومة؛ وهي مال محكوم به، يتوصل إلى معرفة قدره بنسبة نقصان قيمته معيبًا بسبب الجناية لقيمته سليمًا، فيقوم على فرض رقبته سالمًا ومعيبًا وينسب ما نقصته قيمته معيبًا لقيمته سليمًا، ويحكم بمثل تلك النسبة من الدية، ولا ينظر في الحكومة إلا بعد برء المجني عليه، ولا يستعجل بها قبل البرء لاحتمال سيلان، الجرح إلى الموت فتلزم الدية كاملة. قال ابن قدامة: ما فسر به الحكومة هو قول أهل العلم كلهم، لا نعلم بينهم فيه خلافًا، وبه قال الشافعي، والعنبري، وأصحاب الرأي، وغيرهم، قال ابن المنذر: كل من نحفظ عنه من أهل العلم يرى أن معنى قولهم حكومة هو أن يقال - إذا أصيب إنسان لا عقل له معروف: كم قيمة هذا المجروح لو كان عبدًا يجرح هذا الجرح؛ فإذا قيل: مائة دينار، قيل: وكم قيمته وقد أصابه هذا الحرج وانتهى برؤه؟ فإن قيل: خمس وتسعون. فالذي يجب على الجاب نِصْفُ عُشْرِ الدية. وإن قالوا: تسعون، فعشر الدية.
(٢) وقوله: إلَّا الجائفة والآمَّةَ فثُلُثٌ: يريد به، والله أعلم، أن الاستثناء من الجراح؛ أي يستثنى من الجراح الجائفة، وهي الجرح الذي أفضى إلى الجوف، والأمَّة وهي الجرح الذي وصل إلى أم الدماغ، ففي كل منهما ثلث الدية الكاملة للمجروح على عاقلة الجاني، ولا فرق فيهما بين العمد =
стр. 1476
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= والخطإ؛ والآمَّة والمأمومة شيء واحد، قال أبو عمر بن عبد البر: أهل العراق يقولون لها الآمّة، وأهل الحجاز يقولون لها المأمومة. وهي الجراحة الواصلة إلى أم الدماغ. قال: وأرشها ثلث الدية في عامة قول أهل العلم. ودليل ذلك ما جاء في كتاب عمرو بن حزم الذي كتب له رسول الله ﷺ : "وَفِي الْمَأْمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ". وروى ابن شهاب عن النبي ﷺ مثل ذلك وروى نحوه عليّ ﵁.
وأما الجائفة، فقد ذكر ابن عبد البر أن مالكًا وأبا حنيفة، والشافعي والبتي وأصحابهم اتفقوا على أن الجائفة لا تكون إلا في الجوف.
وقال ابن قدامة: الجائفة ما وصل إلى الجوف من بطن أو ظهر أو صدر أو ثغرة نحر، أو ورك، أو يخره. قال: وعامة أهل العلم، منهم أهل المدينة، وأهل الكوفة وأهل الحديث، وأصحاب الرأي، يقولون بأن فيها ثلث الدية.
وقد خالف مكحول فيهما - في الآمّة والجائفة - قال: الثلث في خطئهما، وفي عمدهما الثلثان. غير أن كتاب عمرو بن حزم نص فيهما فقد جاء فيه: "وَفِي الْمَأْمُومَةِ الثُّلُث وَفِي الْجَائِفَهَ الثُّلُثُ". فلا اعتبار لأي قول مع قوله ﷺ .
(٣) وقوله: والموضحة فنصف عُشُر: الموضحة هي الشجة التي أظهرت العظم، فدية خطئها نصف عشر دية المجني عليه، وفي عمدها القصاص كما تقدم. وقد أجمع أهل العلم على أن أرشها مقدر. قالة ابن المنذر، فقد جاء في كتاب عمرو بن حزم الذي كتبه له النبي ﷺ : "وَفِي الْمُوَضِّحَةِ خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ". رواه أبو داود، والنسائي، والترمذي وقال: حديث حسن.
قال: وليس في موضحة غير الرأس والوجه مقدر في قول أكثر أهل العلم. منهم أحمد بن حنبل والإِمام مالك، والثوري، والشافعي، وإسحاق، وابن المنذر. قال ابن عبد البر: لا يكون في البدن موضحة، يعنى ليس فيها مقدر. قال: وعلى ذلك جماعة العُلماء إلَّا الليث بن سعد قال في الموضحة: تكون في الجسد أيضًا. ا. هـ.
(٤) وقوله: والمنقَّلةَ والهاشمةٌ فَعُشُرٌ ونصفه وإن بشين فيهن إن كنَّ برأس أوْ لَحْيٍ أعلى: قال المواق: أما المنقلة فقال في الكافي: في المنقلة عشر الدية ونصف عشرها؛ خمس عشرة فريضة أو مائة وخمسون دينارًا. وقال ابن رشد الخطأ والعمد في المنقلة سواء، إذ لا قصاص فيها لأنها من =
стр. 1477
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= المتالف، وأما الهاشمة فقد تقدم قول ابن شاس لا دية فيها، وقول أبي عمر: فيها عشر الدية، قال ابن رشد: أما الهاشمة فلم يعرفها مالك، وديتها عند من عرفها من العُلماء، وهم الجمهور من العُلماء، عشر من الإِبل. ا. هـ. منه.
وقال الخرقي الحنبلي: والهاشمة عشر من الإِبل، وهي التي توضح العظم وتهشمه، قال ابن قدامة: هي التي تتجاوز الموضحة؛ فتهشم العظم، سميت هاشمة لأنها هشمت العظم، ولم يبلغنا عن النبي ﷺ فيها تقدير، وأكثر من بلغنا قوله عن أهل العلم على أن أرشها مقدر بعشر من الإِبل، روى ذلك قبيصة بن ذؤيب عن زيد بن ثابت، وبه قال قتادة، والشافعي، والعنبري، ونحوه قال الثوري، وأصحاب الرأي، إلا أنهم قدروها بعشر الدية من الدراهم. وحكي عن مالك أنه قال: لا أعرف الهاشمة لكن في الإِيضاح خمس وفي الهشم حكومة. اهـ.
وأما المنقلة، فقد قال ابن قدامة: هي زائدة على الهاشمة، وهي التي تكسر العظام وتزيلها عن موضعها، فيحتاج إلى نقل العظم ليلتئِم، وفيها خمس عشرة من الإبل بإجماع أهل العلم، حكاه ابن المنذر. وفي كتاب عمرو بن حزم الذي كتبه له النبي ﷺ : "وَفِي الْمُنَقِّلَةِ خَمْسُ عَشْرَةَ مِنَ الْإِبِلِ".
(٥) وقوله: والقيمة للعبد كالدية، قال في أوائل كتاب الديات من المدونة: وفي مأمومة العبد وجائفته في كل واحدة ثلث قيمته، وفي منقلته عشر قيمته ونصف عشر قيمته، وفي موضحته نصف عشر قيمته، وفي سوى ذلك من جراحه ما نقصه بعد برئه. ا. هـ. الحطاب.
(٦) وقوله: وإلا فلا تقدير، أي وإن لم تكن الجراحات المذكورة برأس فلا تقدير لديتها وفيها الحكومة. قال أبو عبد الله القرطبي: قال العلماء: الشجاج في الرأس والجراح في البدن. وأجمع أهل العلم على أن فيما دون الموضحة أرش، فيما ذكره ابن المنذر. واختلفوا في ذلك الأرش. وما دون الموضحة شجاج خمس: الدامية، والدامعة، والباضعة، والمتلاحمة، والسمحاق؛ فقال مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي: في الدامية حكومة. وذكر عبد الرزاق عن زيد بن ثابت قال: في الدامية بعير، وفي الباضعة بعيران، وفي المتلاحمة ثلاثة أبعرة من الإبل، وفي السمحاق أربع، وفي الموضحة خمس، وفي الهاشمة عشر، وفي المنقلة خمس عشرة، وفي المأمومة ثلث الدية، وفي الرجل يضرب حتى يذهب عقله الدية كاملة. أو يضرب حتى يَغُنَّ ولا يُفهم الدية كاملة، أو حتى يُبحَّ ولا يفهم، الدية كاملة. =
стр. 1478
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وفي جفن العين ربع الدية، وفي حلمة الثدي ربع الدية. قال ابن المنذر: وروي عن عليّ ﵁ في السمحاق مثل قول زيد. وروي عن عمر وعثمان أنهما قالا: فيها نصف الموضحة. وقال الحسن البصري وعمر بن عبد العزيز والنخعي: فيها حكومة، وكذلك قال مالك والشافعي وأحمد. ولا يختلف العُلماء أن الموضحة فيها خمس من الإِبل على ما في حديث عمرو بن حزم، وفيه: "وَفِي الْمُوَضِّحَةِ خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ". وأجمع أهل العلم أن الموضحة تكون في الرأس والوجه. واختلفوا في تفصيل موضحة الوجه على موضحة الرأس، فروي عن أبي بكر وعمر أنهما سواء، وقال بقولهما جماعة من التابعين، وبه يقول الشافعي وإسحاق. وروي عن سعيد تضعيف موضحة الوجه على موضحة الرأس. وقال أحمد: موضحة الرأس أحرى أن يزاد فيها. وقال مالك: المأمومة، والمنقلة والموضحة لا تكون إلا في الرأس والوجه، ولا تكون المأمومة إلا في الرأس، خاصّة إذا وصل الدّماغ، قال: والموضحة ما تكون في جمجمة الرأس، وما دونها فهو من العنق ليس فيه موضحة، قال مالك: والأنف ليس من الرأس وليس فيه موضحة، وكذلك اللحيُ الأسفل ليس فيه موضحة. وقد اختلفوا في الموضحة في غير الرأس والوجه، فقال ابن القاسم وأشهب: ليس في موضحة الجسد ومنقلته ومأمومته إلا الاجتهاد، وليس فيها أرش معلوم. قال ابن المنذر: هذا قول مالك والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وبه نقول.
وقال أبو عمر: واتفق مالك والشافعىِ وأصحابهما أن من شج رجلًا مأمومتين أو موضحتين، أو ثلاث مأمومات أو موضحات أو أكثر في ضربة واحدة، أن فيهن كلهن دية كاملة. وأما الهاشمة فلا دية فيها عندنا بل حكومة.
قال ابن المنذر: ولم أجد في كتب المدنيين ذكر الهاشمة، بل قد قال مالك فيمن كسر أنف رجل: إن كان خطأ ففيه الاجتهاد. وكان الحسن لا يوقت في الهاشمة شيئًا. وقال القاضي أبو الوليد الباجي: فيها ما في الموضحة، فإن صارت منقلة فخمس عشرة، وإن صارت مأمومة فثلث الدية. قال ابن المنذر: ووجدنا أكثر من لقيناه، وبلغنا عنه من أهل العلم، يجعلون في الهاشمة عشرًا من الإِبل. وروينا هذا القول عن زيد بن ثابت، وبه قال قتادة وعبيد الله بن الحسن، والشافعي. وأما المنقلة فقال ابن المنذر: جاء الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: "فِي الْمُنَقِّلَةِ خَمْسُ عَشْرَةَ مِنَ الْإِبِلِ". وأجمع أهل العلم على القول به.
стр. 1479
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وقال ابن المنذر: وقال كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن المنقلة هي التي تنقل منها العظام. وقال مالك، والشافعي، وأحمد، وأصحاب الرأي، وقتادة، وابن شُبرُمة: إنَّ المنَقِّلةَ لا قَوَدَ فيها، قال ابن المنذر: ولا أعلم أحدًا خالف في ذلك. وقال ابن المنذر: وقد جاء الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: "فِي الْمَأْمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيةِ". وأجمع أهل العلم على القول به. ولا نعلم أحدًا خالف ذلك إلا مكحولًا فإنه قال: إذا كانت عمدًا ففيها ثلثا الدية وهذا قول شاذ.
وأما الجائفة ففيها ثلث الدية، بدليل حديث عمرو بن حزم، ولا خلاف في ذلك إلا ما روي عن مكحول أيضًا وهو شاذ كقوله في المأمومة.
وقال عطاء، ومالك، والشافعي وأصحاب الرأي: لا قصاص في الجائفة، وبه قال ابن المنذر. وبالله تعالى التوفيق.
(٧) وقوله: وتعدد الواجب بجائفة نفذت كتعدد الموضحة ألخ. قد تقدم في المبحث قبل هذا تحقيق ما في ذلك فأغنى عن إعادته، والحمد لله.
(٨) وقوله: والدية في العقل أو السمع ألخ. وجملة القول في هذه المسألة أن من أتلف ما في الإِنسان منه شيء واحد لزمته دية ذلك الإِنسان كاملة، وإن أتلف ما فيه منه شيئان كان في كل واحد منهما نصف الدية؛ معناه أن كل عضو لم يخلق الله تعالى في الإِنسان منه إلا واحدًا؛ كاللسان، والأنف، والذكر، والصلب، ففيه دية كاملة؛ لأن في إتلافه ذهاب منفعة الجنس وإذهابها؛ كإتلاف النفس، وما فيه منه شيئان؛ كاليدين والرجلين، والعينين، والأذنين، والمنخرين، والشفتين، والخصيتين، والثديين، والإِليتين، ففيهما الدية كاملة، لأن في إتلافهما إذهاب منفعة الجنس، وفي إحداهما نصف الدية لأن في إتلافه إذهاب نصف منفعة الجنس، قاله ابن قدامة، وهذا مذهب الشافعي، ولا نعلم فيه مخالفًا، وقد روي عن الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده، أن رسول الله ﷺ كتب له في كتابه: "وَفِي الْأنْفِ إِذَا أَوْعَبَ جَدْعُهُ الدِّيَةُ، وَفِي اللِّسَانِ الدِّيَةُ، وَفِي الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي البَيْضَتَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الذَّكَرِ الدِّيَةُ، وَفَي الصُّلْبِ الدِّيَةُ، وَفِي الْعَيْنَيْن الدِّيَةُ، وَفِي الرِّجْلِ الْوَاحِدَة نِصْفُ الدِّيَةِ". رواه النسائي وغيره، ورواه ابن عبد البر، وقال: كتاب عمرو بن حزم معروف عند الفقهاء، وما فيه متفق عله عند العُلماء إلا قليلًا. ا. هـ.
وقال البغوي: ثلاثة عشر عضوًا في البدن يجب في كل واحد منها كمال دية النفس؛ أحدها: مارن =
стр. 1480
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= الأنف، وهو مالان منه، إذا قطع كله ففيه كمال بدل النفس وهو مائة من الإبل.
والثاني: أجفان العينين، وهي الجلود التي تنطبق على الحدقة يجب فيها كمال الدية، وفي جفني إحدى العينين نصف الدية، وفي واحد منها ربع الدية.
الثالث: الأذنان، فيهما كمال الدية، وفي إحداهما نصفها.
والرابع: الشفتان، وهي المتجافي مما يستر اللثة من أعلى وأسفل مستديرًا بالفم، ففيهما كمال الدية، وفي إحداهما نصفها، يستوي فيه العليا والسفلى. قال: وإن كان الشين في قطع بعضها أكثر، كاليدين يستويان في الدية مع تفاوتهما في المنفعة.
الخامس: اللسان.
والسادس: الأسنان؛ يجب فيها كمال الدية، وفي كل سن خمس من الإِبل.
والسابع: اللحيان، وهما العظمان المتقابلان، عليهما نبات الأسنان السفلى وملتقاهما الذقن، ففيهما كمال الدية، وفي إحداهما نصف الدية. قال ولو قلعهما وعليهما الأسنان فعليه ديتهما، ولكل سن خمس من الإِبل.
الثامن: اليدان. يجب فيهما كمال الدية، وفي إحداهما نصفها، وفي كل إصْبَع يقطعها عشر من الإِبل، وكذلك أصابع الرجل، وإذا قطع أنملة من أنامله، ففيها ثلث دية الأصبع، إلا أنملة الإِبهاء ففيها نصف دية أصبع لأنه ليس لها إلا أنملتان، ولا فرق فيه بين أنامل اليد والرجل.
التاسع: الرجلان، فيهما كمال الدية، وفي إحداهما نصفها.
العاشر: الإِليتان، وهما ما أشرف على الظهر من المأكمتين إلى استواء الفخذين، فإذا قطع من أشرف منها يجب فيها كمال الدية وإن لم يصل إلى العظم، وفي إحداهما نصفها.
الحادي عشر: الحشفة من الرجل، إذا قطعها يجب فيها كمال الدية، وإذا قطع بعضها ففيها بقدرها.
الثاني عشر: الأنثيان، يجب فيهما كمال الدية، وفي إحداهما نصفها، وسواء قطع اليمنى أو اليسرى؛ كاليدين والرجلين لا يفضل إحداهما على الأخرى.
الثالث عشر: إذا كسر صلبه بحيث لا يطيق المشي، ففيه كمال الدية. قال: ولو ضربه فأذهب عقله، يجب فيه كمال الدية، وكذلك لو أذهب بصره، أو سمعه، أو شمه، أو ذوقه، أو كلامه بجميع =
стр. 1481
وتَعَدَّدَتْ الدِّيَةُ بِتَعَدُّدِهَا إلَّا المنْفَعَةَ بِمَحَلِّهَا، وسَاوَتْ المرأةُ الرَّجُلَ لثُلُثِ دِيَتِهِ فترْجِعُ لِديتهَا (١). وضُمَّ مُتَّحِدُ الفِعْلِ أوْ في حُكْمِهِ أو الْمَحَلِّ في الأصَابِعِ لا الأسْنَانِ والموَاضِحِ والمنَاقِلِ، وعَمْدٍ لِخَطَإٍ وإن عَفَتْ. ونُجِّمَتْ دِيَةُ الحُرِّ الخَطَأُ بِلا اعْتِرافٍ عَلَى العَاقِلَة والْجَاني، إنْ بَلَغَ ثُلُثَ المَجْنيِّ عَلَيْه (٢) أو الْجَانِي، ومَا لَمْ يَبْلُغْ فَحَالٌّ عَلَيْهِ، كعَمْدٍ وديَةٍ غُلِّظَتْ وسَاقِطٍ لِعَدَمِهِ (٣) إلَّا ما لا يُقْتَصُّ مِنْهُ مِنَ الجُرِوحِ لإِتْلَافِهِ فَعَلَيْهَا وهيَ الْعَصَبَةُ (٤). وبُدِئ بالدِّيوَانِ إنْ أُعْطُوا ثُمَّ بِهَا الأقْرَبُ فالأقْرَبُ ثُمَّ المَوَالي الأعْلَوْنَ ثُمَّ الأسْفَلُونَ ثُمَّ بَيْتُ الْمَالَ إنْ كانَ الجَاني مُسْلِمًا، وإلَّا فالذِّمِّيُّ ذَوُو دِينِهِ. وضُمَّ كَكُورِ مِصْرَ، والصُّلْحِيُّ أهْلُ صُلْحِهِ. وضُرِبَ عَلى كُلٍّ مَا لَا يَضُرُّ بِهِ (٥) وعُقِل عَنْ صَبِيٍّ ومَجْنُونٍ وَامْرأةٍ، وفَقِير وغارِمٍ، ولا يَعْقِلوُنَ. والمُعْتَبَرُ وقْتُ الضَّرْبِ، لا إنْ قَدِمَ غائبٌ، ولا يَسْقُطُ لِعُسْرِهِ أو مَوْتِهِ، ولا دُخُولَ لِبَدَوِيٍّ مَعَ حَضَرِيٍّ ولا شامِيٍّ مَعَ مِصْرِيٍّ مُطْلَقًا. والْكَامِلَةُ في ثَلَاثِ سِنينَ تَحِلُّ في أوَاخِرِهَا مِنْ يَوْمِ الحُكْمِ. والثَلُثُ والثَّلُثَانِ بِالنِّسْبَةِ، ونُجِّمَ في النِّصْفِ والثَّلَاثَةِ الأرْبَاع - بِالتَّثْلِيتَ ثُمَّ للِزَّائدِ سَنَةٌ وحُكْمُ مَا وَجَبَ عَلى عَوَاقِلَ بِجنَايَةٍ وَاحِدَةٍ كَحُكْمِ الْوَاحِدَةِ، كتَعَدُّدِ الجنايات عَلَيْهَا. وهَلْ حَدُّها سَبْعُمَائةٍ أو الزَّائِدُ عَلى ألْفٍ؛ قَوْلَانٍ. وعَلى الْقَاتِلِ الْحُرِّ المُسْلِمِ وإنْ صَبِيًّا أوْ مَجْنُونًا أو شريكًا،
= حروفه، يجب فيها كمال الدية، وفي بصر إحدى العينين، أو سمع إحدى الأذنين، نصف الدية.
وقال مالك: إذا فقئت عين الأعور الصحيحة يجب فيها كمال الدية.
(١) وقوله: وساوت المرأة الرجل لثلث ديته فترجع لديتها، قال في المدونة: المرأة تعاقل الرجل في الجراح إلى ثلث ديته، فإذا بلغت ذلك رجعت إلى عقل نفسها، قال: وتفسير ذلك أن لها في ثلاث أصابع ونصف أنملة إحدى وثلاثين بعيرًا وثلثي بعير، والرجل في هذا وهي سواء، فإذا أصيب منها ثلاث =
стр. 1482
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= أصابع وأنملة رجعت إلى عقلها، فكان لها في ذلك ستة عشر بعيرًا وثلثا بعير، ففي الموطإ عن ربيعة قلت لابن المسيب: كم في ثلاث من أصابع المرأة؟. قال: ثلاثون. قلت: وكم في أربع؟ قال: عشرون. قلت حين عظم جرحها واشتدت مصيبتها نقص عقلها؟ قال: أعراقي أنت؟ قلت: بل عالم متثبت، أو جاهل متعلم، قال هي السنة. ا. هـ. بنقل المواق.
قال القرطبي: واختلفوا في عقل جراحات النساء؛ ففي الموطإ عن مالك عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب أنه كان يقول: تعاقل المرأة الرجل إلى ثلث دية الرجل، أصبعها كأصبعه، وسنها كسنه، وموضحتها كموضحته، ومنقلتها كمنقلته، قال ابن بكير: قال مالك: فإذا بلغت ثلث دية الرجل كانت على النصف من دية الرجل.
قال ابن المنذر: روينا هذا القول عن عمر، وزيد بن ثابت، وبه قال سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز، وعروة بن الزبير، وابن هرمز، والزهري، وقتادة، ومالك وأحمد بن حنبل، وعبد الملك بن الماجشون.
وذهب قوم إلى أن دية المرأة على النصف من دية الرجل في كل شيء. قالوا: لما أجمعوا على الكثير - وهو الدية - كان القليل مثله، وهو مروي عن عليِّ بن أبي طالب، وبه قال الشافعي، والثوري، وأبو ثور، والنعمان وصاحباه، قال ابن المنذر: وبه نقول.
(٢) وقوله؛ ونجَّمت دية الحر الخطأُ، بلا اعتراف، على العاقلة والجاني إن بلغ ثلث المجني عليه، يريد به أن العاقلة تتحمل دية الحر الخطأ بشرط أن لا تكون عن اعتراف ولا عن صلح، وأن تكون بلغت الثلث. وأنها تتحمل ذلك منجمًا على ثلاث سنين، لا خلاف بين أهل العلم في ذلك، ومذهب المؤلف دخول الجاني مع العاقلة في دفع الدية.
قال الحطاب: وهو المشهور. قال ابن قدامة: ولا يلزم القاتل شيء من الدية. وبهذا قال مالك، والشافعي، وأبو حنيفة.
تنبيهٌ: العاقلة لا تحمل جناية العبد، ولا العمد، ولا تتحمل الصلح، أي من ادعي عليه القتل فأنكره، وصالح على مال، فإن ذلك المال في ماله، لا تتحمله العاقلة، ولا تتحمل الاعتراف؛ وهو أن يقر الإِنسان بقتل عمد أو خطإ أو شبه عمد، فتجب عليه الدية في ماله، ولا تتحمل العاقلة منها شيئًا.
стр. 1483
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= ولا تتحمل ما دون الثلث. ودليله ما رويَ عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "لَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ عَمْدًا وَعَبْدًا وَلَا صُلْحًا وَلَا اعْتِرَافًا".
قال ابن قدامة: رويَ عن ابن عباس موقوفًا، ولم نعرف له في الصحابة مخالفًا فكان إجماعًا.
قلت: عدم تحمل العاقلة العبد قال به ابن عباس والشعبي والثوري، ومكحول، والنخعي، والبتي، ومالك، والليث، وأحمد، وإسحاق، وابن أبي ليلى. وأما عدم تحملها العمد، لا خلاف أنها لا تحمل دية ما يجب فيه القصاص، وأكثر أهل العلم على أنها لا تحصل عمدًا مطلقًا، وقال مالك: إنها تحمل الجنايات التي لا قصاص فيها؛ كالجائفة والمأمومة.
وأما كونها لا تحمل صلحًا، فقد قال بذلك ابن عباس والزهري، والعبي، والثوري، والليث، وأحمد، والشافعي، وقد تقدم حديث ابن عباس في ذلك.
وأما كونها لا تحمل اعترافًا، قال ابن قدامة: لا نعلم فيه خلافًا، وبه قال ابن عباس والشعبي، والحسن، وعمر بن عبد العزيز، والزهري، وسليمان بن موسى، والثوري، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وبه ورد حديث ابن عباس المتقدم.
وأما كونها لا تحمل ما دون الثلث، فقد قال به سعيد بن المسب، وعطاء، ومالك وإسحاق، وعبد العزيز، وعمر بن أبي سلمة، وبه قال الزهري.
وخالف أبو حنيفة في هذا الفرع والثوري، قالا: تحمل السن والموضحة وما فوقهما؛ لأن النبي ﷺ جعل الغرة التي في الجنين على العاقلة، وقيمتها نصف عشر الدية.
والصحيح من مذهب الشافعي أنها تحمل الكثير والقليل؛ لأن من حمل الكثير حمل القليل. ا. هـ.
(٣) وقوله: ودية غلظت وساقط لعدمه، قال الحطاب: الدية المغلظة تكون في شبه العمد؛ وهو ضرب الزوج والمؤدب والأب في ولده، والأم والأجداد، وفعل الطبيب والخاتن، وهو كل من جاز فعله شرعًا. وقيل: اللطمة والوكزة والرمية بالحجر والضرب بعصاة متعمدًا فهذا شبه العمد، لا يقتصر منه، وتكون فيه دية مغلظة. انتهى.
قال ابن قدامة: واختلفت الروايات في مقدار الدية المغلظة، فروى جماعة عن أحمد أنها أرباع، كما ذكر الخرقي، وهو قول الزهري، وربيعة، ومالك، وسليمان بن يسار، وأبي حنيفة، وروي ذلك عن ابن مسعود ﵁. =
стр. 1484
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وروى جماعة عن أحمد أنها ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة في بطونها أولادها.
وبهذا قال عطاء، ومحمد بن الحسن، والشافعي، وروي ذلك عن عمر، وزيد، وأبي موسى، والمغيرة، لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ قَتَلَ مُتَعَمِّدًا دُفِعَ إِلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ، فَإِنْ شَاؤُوا قَتَلُوهُ، وَإنْ شَاؤُوا أَخَذُوا الدِّيَةَ، وَهِيَ ثَلَاثُونَ حُقَّةً، وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعُونَ خَلْفَةً، وَمَا صَالَحُوا عَلَيْهِ فَهُوَ لَهُمْ". وذلك لتشديد القتل. رواه الترمذي، وقال: هو حديث حسن غريب. وعن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: "أَلَا إِنَّ فِي قَتِيلِ عَمْدِ الْخَطَإِ قَتِيلِ السَّوْطِ وَالْعَصَا مِائَةً مِنَ الإبِلِ؛ مِنْهَا أَرْبَعوُنَ خِلْفَة فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا". رواه الإِمام أحمد، وأبو داود وغيرهم.
وعن عمرو بن شعيب أن رجلًا يقال له قتادة، حذف ابنه بالسيف فقتله، فأخذ منه عمر الدية ثلاثين حقة، وثلاثين جذعة، وأربعين خلفة، رواه مالك في الموطإ واحتج من اعتبرها أرباعًا بما روى الزهري عن السائب بن يزيد قال: كانت الدية على عهد رسول الله ﷺ أرباعًا: خمسًا وعشرين جذعة، وخمسًا وعشرين حقة، وخمسًا وعشرين بنت لبون، وخمسًا وعشرين بنت مخاض، قال: ولأنه قول ابن مسعود، ولأنه حق يتعلق بجنس الحيوان، فلا يعتبر فيه الحمل كالزكاة والأضحية.
والمذهب أنها لا تتحملها العاقلة، كما لا تتحمل دية عضو ساقط القصاص فيه لعدم وجود مثله في الجاني كقطعه يمنى رجل ولا يمنى له، فديتها في ماله حالة وإن كان معدمًا انتظر يسره بذلك.
وقال ابن شُبرُمة، والزهري، والحارث العكلي، وابن سيرين، وقتادة، وأبو ثور: الدية المغلظة دية شبه العمد على القاتل في ماله. واختاره أبو بكر عبد العزيز لأنها موجب فعل قصده، فلم تحمله العاقلة كالعمد المحض.
وقال بتحمل العاقلة لدية شبه العمد، الإِمام أحمد، والشعبي، والنخعي، والحكم، والشافعي، والثوري، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وابن المنذر. واحتجوا بما روى أبو هريرة قال: اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فقضى رسول الله ﷺ بدية المرأة على عاقلتها. متفق عليه. قال ابن قدامة: ولا أعلم في أنها تجب مؤجلة خلافًا عن أهل العلم، وروي ذلك عن عمر، وعليّ، وابن عباس ﵃. وبه قال الشعبي، والنخعي، وقتادة، وأبو هاشم، وعبد الله بن عمر، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر. ا. هـ. منه.
стр. 1485
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وقال ابن قدامة: إن الدية تغلظ بثلاثة أشياء: إذا قتل في الحرم، وفي الأشهر الحرم، وإذا قتل محرمًا، وقد نص أحمد على من قتل محرمًا في الحرم، وفي الشهر الحرام، واختلف قوله في التغليظ بقتل ذي رحم محرم، قال: وممن روي عنه التغليظ: عثمان وابن عباس وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير، وعطاء، وطاوس، والشعبي، ومجاهد، وسليمان بن يسار، وجابر بن زيد، وقتادة والأوزاعي، ومالك، والشافعي، وإسحاق. واختلف القائلون بالتغليظ في صفته، قال مالك والشافعي: هو إيجاب دية العمد في الخطإ، وقال مالك: تغلظ على الأب والأم والجد دون غيرهم، واحتج مالك والشافعي على صفة التغليظ بما روي عن عمر أنه أخذ من قتادة المدلجي، دية ابنه حين حذفه بالسيف فقتله، ثلاثين حقه، وثلاثين جذعة، وأربعين خلفة، ولم يزد عليه في العدد شيئًا، وهذه قصة اشتهرت فلم تنكر، فكانت إجماعًا.
(٤) وقوله: وهي العصبة: قال المواق: العاقلة هم العصبة، قربوا أو بعدوا، ولا يحمل النساء ولا الصبيان شيئًا من العقل. وليس لأموال العاقلة حد إذا بلغته عقلوا ولا لما يؤخذ منهم حد، ولا يكلف أغنياؤهم الأداء عن فقرائهما. ومن لم تكن له عصبة فعقله في بيت المال. والموالي بمنزلة العصبة من القرابة. ويدخل في القرابة الإِبن والأب. قال سحنون: وإن كانت العاقلة ألفًا فهم قليل فيضم إليهم أقرب القبائل إليهم.
ومذهب مالك وأبي حنيفة أن العاقلة كل العصبة؛ يدخل في ذلك آباء القاتل وأبناؤه وإخوته وعمومته وأبناؤهم، وهو رواية عن الإِمام أحمد، واحتجوا بما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قضى رسول الله ﷺ أن عقل المرأة بين عصبتها، من كانوا لا يرثون منها شئًا، إلا ما فضل عن ورثتها، وإن قتلت فعقلها بين ورثتها. رواه أبو داود، قال: يحققه أن العقل موضوع على التناصر، وهم أهله، ولأن العصبة في تحمل العقل كهم في الميراث في تقديم الأقرب فالأقرب، وأبناؤه وآباؤه أحق العصبات بميراثه، فكانوا أولى بتحمل عقله.
وقال الشافعي: ليس آباؤه وأبناؤه من العصبة وهي الرِّواية الأخرى عن الإمام أحمد، لما روى أبو هريرة: اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها فاختصموا إلى رسول الله ﷺ ، فقضى بدية المرأة على عاقلتها وورثها ولدها ومن معهم. متفق عليه. وفي رواية: ثم ماتت القاتلة، =
стр. 1486
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= فجعل النبي ﷺ ميراثها لبنيها، والعقل على العصبة. رواه أبو داود والنسائي. وفي رواية عن جابر بن عبد الله قال: فجعل رسول الله ﷺ دية المقتولة على عاقلتها، وبرأ زوجها وولدها، قال: فقالت عاقلة المقتولة: ميراثها لنا، فقال رسول الله ﷺ : "مِيرَاثُهَا لِزَوْجِهَا وَوَلَدِهَا". رواه أبو داود.
قال ابن قدامة: وسائر العصبات من العاقلة بعدوا أو قربوا في النسب، والمولى وعصبته ومولى المولى وعصبته، وبهذا قال عمر بن عبد العزيز، والنخعي، وحماد، ومالك، والشافعي، ولا أعلم عن غيرهم خلافهم، وذلك لأنهم عصبة يرثون المال لو لم يكن وارث أقرب منهم فيدخلون في العقل كالقريب.
ومذهب مالك أن الرجل يكون في العشيرة ليس من أصلها، يعقل معها. أي فعقله مع القوم الذي هو معهم، خلافًا للشافعي وأحمد، قياسًا للموالاة هنا على ولاية النكاح. ا. هـ. والمذهب عند أصحابنا أن الدية تقسم على من حضر دون من غاب.
قال مالك: يختص به الحاضر، لأن التحمل بالنصرة وإنما هي بين الحاضرين.
وقال أحمد: يشترك في العقل الحاضر والغائب. وبه قال أبو حنيفة، وأما الشافعي فإن له في ذلك روايتين كالمذهبين.
(٥) وقوله: وضرب على كل ما لا يضرّ به: قال في المدونة: ويحمل الغني بقدره والفقير بقدره، وذلك على قدر طاقة الناس في يسرهم وعسرهم. ا. هـ. من المواق.
وقال ابن قدامة: ولا خلاف بين أهل العلم أن العاقلة لا تكلف من المال ما يجحف بها ويشق عليها، لأنه لازم لها من غير جنايتها، على سبيل المواساة للقاتل والتخفيف عنه، فلا يخفف عن الجاني بما يثقل على غيره ويجحف به كالزكاة. قال: ولأنه لو كان الإِجحاف فروعًا لكان الجاني أحق به، لأنه بموجب جنايته.
واختلف أهل العلم فيما يحمله كل فرد من العاقلة، فقد قال مالك وأحمد: يحملون على قدر ما يطيقون، ويرجع في ذلك إلى الاجتهاد، لأن التقدير لا يثبت إلا بتوقيف ولا يثبت بالرأي والتحكم، ولا نص في هذه المسألة، فوجب فيها الرجوع إلى اجتهاد الحاكم كمقادير النفقات.
وقال الشافعي، وهو الرِّواية الأخرى عن أحمد. يفرض على الموسر نصف مثقال لأنه أقل مال يقدر =
стр. 1487
إذا قَتَلَ مِثْلَهُ مَعْصُومًا خَطَأً، عِتْقُ رَقَبَةٍ، ولِعَجْزِهَا شَهْرانِ كالظِّهارِ، لا صَائِلًا وقاتِلَ نَفِسِهِ كَدِيَتِهِ. ونُدِبَتْ في جَنِينٍ ورَقِيقٍ وعَمْدٍ، وعَبْدٍ، وعَلَيْهِ مُطْلَقًا جَلْدُ مائةٍ وحَبْسُ سَنَةٍ، وإنْ بقَتلِ مَجُوسِيٍّ، أوْ عَبْدِهِ أوْ نُكولِ المُدَّعِي عَلى ذي اللَّوْثِ وَحَلَفِهِ. والقَسَامَةُ سَبَبُهَا قَتْلُ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ في مَحَلِّ اللَّوْثِ (١)، كألنْ يَقُولَ بَالِغٌ حُرٌّ مُسْلِمٌ: قَتَلَنِي فُلَانٌ ولَو خَطَأً وَإنْ مَسْخُوطًا عَلَى وَرِعٍ أو وَلدٌ عَلى وَالِدِهِ أنَّهُ ذَبَحَهُ أوْ زَوْجَةٌ على زَوجِهَا إنْ كانَ جُرْحٌ أوْ أطْلَقَ وبَيَّنُوا لَا
= في الزكاة، ويجب على المتوسط ربع دينار لأن ما دون ذلك تافه؛ لكون اليد لا تقطع فيه.
وقال أبو حنيفة: أكثر ما يجعل على الواحد أربعة دراهم، وليس لأقله حد، قال: لأن ذلك مال يجب على سبيل المواساة للقرابة، فلم يتقدر أقله كالنفقة.
ويعتبر الغنى والتوسط عند رأس كل حول؛ لأنه حال الوجوب، فاعتبر الحال عنده كالزكاة.
تنبيهٌ: قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن المرأة والصبي الذي لم يبلغ لا يعقلان مع العاقلة، وأجمعوا على أن الفقير لا يلزمه شيء، وهذا قول مالك، والشافعى، وأصحاب الرأي.
وعن الإِمام مالك وأبي حنيفة وأحمد روايات أن للفقير مدخلًا في التحمل، قالوا: لأنه من أهل النصرة؛ فكان من العاقلة كالغني. والصحيح الأول. انظر مغني ابن قدامة في هذا المحل.
فائدة: ذكرها الخطاب: أسماء طبقات قبائل العرب ستة: الشعب، ثم القبيلة، ثم العمارة، ثم الفخذ، ثمَّ البطن، ثم الفضيلة. وزاد بعضهم: ثم العشيرة.
وقوله: وعقل عن صبي ومجنون وامرأة وفقير وغارم ولا يعقلون، تقدم الكلام عليه والحمد لله.
فائدة: ذكرها الحطاب: أسماء طبقات قبائل العرب ستة: الشعب، ثم القبيلة، ثم العمارة، ثم الفخذ، ثمَّ البطن، ثم الفصيلة. وزاد بعضهم: ثم العشيرة.
وقوله: وعقل عن صبي ومجنون وامرأة وفقير وغارم ولا يعقلون، تقدم الكلام عليه والحمد لله.
(١) قوله: والقسامة سببها قتل الحر في محل اللوث: هذا ابتداء منه ﵀ في الكلام على القسامة. قال ابن قدامة: القسامة: مصدر ط أقسم قسَمًا وقسامة، ومعناه، حلف حلفًا. والمراد =
стр. 1488
خَالَفُوا، ولَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُمْ، ولَا إنْ قَالَ بَعْضٌ عَمْدًا وَبَعْضٌ لا نعْلم، أوْ نَكَلُوا بِخِلَاف ذي الْخَطَإ فَلَهُ الْحَلِفُ وَأخْذُ نَصيبِهِ. وَإنْ اخْتَلَفَا فيهِمَا واسْتَوَوْا حَلَفَ كُلٌّ ولِلْجَمِيعِ دِيةُ خَطَإٍ، وبَطَلَ حَقُّ ذِي الْعَمْدِ بِنُكُولِ غَيْرِهِمْ كَشَاهِدَيْنِ لِجُرْحٍ أَوْ ضَرْبٍ مُطْلَقًا أَوْ بِإِقْرَارِ الْمَقْتُولِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً ثُمَّ يتأخَّرُ المَوْتُ، يُقْسِمُ لَمِنْ ضَرْبِهِ مَاتَ، أوْ بِشَاهِدٍ بِذلِكَ مُطلْقًا إنْ ثَبَتَ المَوْتُ أوْ بإقْرارِ المَقْتُولِ عَمْدًا، كإقْرارِهِ مَعَ شاهِدٍ مُطْلَقًا أوْ إقْرارِ القَاتِلِ في الْخَطَإ فَقَطْ بِشَاهِدٍ، وإنْ اخْتَلفَ شاهِدَاهُ بَطَلَ، وكَالْعَدْلِ فَقَطْ في مُعَاينَةِ الْقَتْلَ أوْ رَآهُ يَتَشَحَّطُ في دَمِهِ والمُتَّهَمُ قُرْبَهُ وَعَلَيْهِ آثَارُهُ، وَوَجَبَتْ وإنْ تَعَدَّدَ اللَّوْثُ، ولَيْسَ منْهُ وُجُودهُ في قَرْيَةِ قَوْمٍ أوْ دَارِهِمْ وَلَوْ شَهِدَ اثْنَانِ أنَّه قَتَلَ وَدَخَلَ في جَمَاعَةِ،
= بالقسامة ههنا: الإيمان المتكررة في دعوى القتل. ا. هـ. منه.
قال القرطبي في تفسيره: اختلف العُلماء في الحكم بالقسامة، فروي عن سالم وأبي قلابة وعمر بن عبد العزيز، والحكم بن عُيينة، التوقف في الحكم بها. وإليه مال البخاري؛ لأنه أتى بحديث القسامة في غير موضعه. وقال الجمهور: الحكم بالقسامة ثابت عن النبي ﷺ ، ثم اختلفوا في كيفية الحكم بها، فقالت طائفة: يبدأ فيها المدعون بالأيمان، فإن حلفوا استحقوا، وإن نكلوا حلف المدَّعى عليهم خمسين يمينًا وبُرّئُوا. هذا قول أهل المدينة، والليث، والشافعي، وأحمد، وأَبي ثور، وهو مقتضى حديث حويِّصة ومُحَيِّصة، خرجه الأئمة، مالك وغيره.
وذهبت طائفة إلى أنه يبدأ بالأيمان المدَّعى عليهم؛ فيحلفون ويبرؤون. روي هذا عن عمر بن الخطاب، والشعبي، والنخعي، وبه قال الثوري والكوفيون. واحتجوا بحديث شعبة بن عبيد عن بُشير بن يسار، وفيه: فبدأ بالأيمان المَدَّعى عليهم وهم اليهود. وبما رواه أبو داود عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن رجال من الأنصار أن النبي ﷺ قال لليهود وبدأ بهم: "أَيَحْلِفُ مِنْكُمْ خَمْسُونَ رَجُلًا"؟. فأبوا، فقال للأنصار "اسْتَحِقُّوا". فقالوا: أنحلف على الغيب يا رسول الله؟. فجعلها رسول الله ﷺ دية على اليهود لأنه وجد بين أظهرهم. واحتجوا أيضًا ﷺ : "وَلكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى =
стр. 1489
اسْتُحْلِفُ كُلٌّ خَمْسِينَ والدِّيَةُ عَلَيْهِمْ أوْ عَلى مَنْ نَكَلَ بِلَا قَسَامَةٍ. وإنْ انْفَصَلَتْ بُغَاةٌ عَنْ قَتْلَى وَلَمْ يُعْلَمْ الْقَاتلُ، فَهَلْ لَا قَسَامَةَ ولا قَوَدَ مُطْلَقًا؟ أوْ إنْ تَجَرَّدَ عَنْ تَدْمِيَةٍ وشَاهِدٍ؟ أوْ عَنِ الشَّاهِدِ فَقَطْ؟ تَأويلَاتٌ؛ وإنْ تَأوَّلُوا فَهَدَرٌ، كزاحِفَةٍ عَلى دَافِعَةٍ. وهِيَ خَمْسُونَ يَمِينًا مُتَوالِيةً بِتًّا وإنْ أعْمَى أوْ غائبًا، يَحْلِفُهَا في الْخَطَإ مَنْ يَرِثُ المَقْتُولَ وإنْ واحِدًا أوْ امْرأةً وجُبِرَتْ الْيَمينُ عَلى أكثر كَسْرهَا وإلَّا فَعَلى الجَمِيع، وَلَا يأخُذُ أحَدٌ إلَّا بَعْدَهَا ثُمَّ حَلَفَ مَنْ حَضَرَ حِصَّتَهُ، وَإنْ نَكَلُوا أوْ بَعْضٌ حَلَفَتْ الْعَاقِلةُ، فَمَنْ نَكَلَ فَحِصَّتُهُ عَلى الأظْهَرِ. ولَا يَحْلِفُ في دَعْوَى الْعَمْدِ أقَلُّ مِنْ رَجُلَيْنِ عَصَبَةً، وإلَّا فَمَوالي، ولْلِوَليِّ الاسْتِعَانَةُ بِعَاصِبِهِ، ولْلِوَليِّ فَقَطْ حَلِفُ الأكْثَرِ إنْ تَزِدْ عَلى نِصْفِهَا، وَوُزِّعَتْ واجْتُزيَ بِاثنيْن طَاعَا مِنْ أكْثَرَ ونُكُولُ المُعَيَّنِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ بِخِلَافِ غيْرهِ ولَوْ بَعُدُوا،
= الْمُدَّعَى عَلَيْهِ". فعينوا. قالوا: وهذا هو الأصل المقطوع به في الدعاوى، الذي نبه الشرع على حكمته بقوله ﵊: "لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ وَلكِنَّ اليَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ". وأجيبوا من قبل أهل المقالة الأولى فقالوا: حديث سعيد بن عبيد في تبدئة اليهود، وهْم عند أهل الحديث، فقد أخرجه النسائي وقال: لم يتابع سعيد في هذه الرِّواية فيما أعلم، وقد أسند حديث بُشير عن سهل أن النبي ﷺ بدأ بالمدعين؛ يحيى بن سعيد وابن عيينة، وحماد بن زيد، وعبد الوهاب الثقفي وعيسى بن حماد، وبشر بن المفضل، فهؤلاء سبعة. وإن كان أرسله مالك فقد وصله جماعة الحفاظ، وهو أصح من حديث سعيد بن عبيد. قال أبو محمد الأصيلي: فلا يجوز أن يعترض بخبر واحد على خبر جماعة، مع أن سعيد بن عبيد قال في حديثه: فوداه رسول الله ﷺ مائة من إبل الصدقة. والصدقة لا تعطى في الديات، ولا يصالح بها عن غير أهلها.
وحديث أبي داود مرسل فلا تعارض به الأحاديث الصحاح المتصلة.
وأجابوا عن التمسك بالأصل، بأن هذا الحكم أصل بنفسه لحرمة الدماء. قال ابن المنذر: ثبت أن النبي ﷺ جعل البينة على المدَّعي واليمين على المدَّعى عليه، والحكم بظاهر ذلك واجب، إلَّا أن =
стр. 1490
فَتُرَدُّ على المدَّعَى عَلَيْهِمْ فَيَحْلِفُ كُلٌّ خَمْسينَ، ومَنْ نَكلَ حُبِسَ حَتى يَحْلِفَ ولَا اسْتِعَانَةَ، وإنْ أكْذَبَ بَعْضٌ نَفْسَهُ، بَطَلَ، بِخِلَافِ عَفْوِهِ فَلِلْبَاقِي نصيبُهُ مِنَ الدِّيةِ، ولَا يُنَتَظرُ صَغِيرٌ بِخلافِ المُغْمَى عَلَيْهِ والمُبَرْسَم إلَّا أن لَا يوجَدَ غيْرُهُ فَيَحْلِفُ الكبيرُ حِصَّتَهُ. والصَّغيرُ مَعَهُ. وَوَجَبَ بها الدِّيةُ. في الْخَطإ والْقَوَدُ في الْعَمْدِ مِنْ وَاحِدٍ تَعَيَّنَ لَهَا، ومَنْ أقَامَ شَاهِدًا عَلى جُرْحٍ أو قَتْلِ كافِرٍ أوْ عَبْدٍ أوْ جَنِينٍ، حَلَفَ واحِدَةً وأخَذَ الدِّيةَ، وإنْ نَكَلَ بَرِئ الْجَارِحُ إنْ حَلَفَ وإلَّا حُبِسَ، فَلوْ قَالَتْ: دَمِي وجَنيني عِنْدَ فُلانٍ. فَفِيهَا القَسَامَةُ وَلا شَيْءَ في الجَنينِ وَلو اسْتَهَلَّ.
= يخص الله في كتابه أو على لسان نبيه ﷺ حكمًا في شيء من الأشياء، فيُستثنى من جملة هذا الخبر.
فممَّا دل عليه الكتاب إلزام القاذف حدَّ المقذوف إذا لم يكن معه أربعة شهداء يشهدون له على صدق ما رمى به المقذوف. وخص من رمى زوجته بأن أسقط عنه الحد إذا شهد أربع شهادات. وممَّا خصَّته السنة حكم النبي ﷺ بالقسامة. وقد روى ابن جريج عن عطاء عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "الْبَيِّنَةُ عَلَى مَنِ ادَّعَى وَالْيَمينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ إلَّا في الْقَسَامَةِ". خرَّجه الدَّارقُطْنِي. قال القرطبي: وقد احتج مالك في موطئه لهذه المسألة بما فيه كفاية. قلت: وسوف أختم المبحث بإذن الله بما جاء في الموطإ. ثم إن القسامة إنما يوجبها اللوث ولابد منه، واللوث هو أمارة تجعل مدعي القتل يغلب على الظن صدقه، كشهادة العدل الواحد على رؤية القتل، وكأن يرى الميت يتشحط في دمه، والمتهم نحوه أو قربه وعليه آثار القتل، وقال مالك إن من اللوث قول المقتول: دمي عند فلان. أو قتلني فلان. واستدل على ذلك بقصة قتيل بني إسرائيل، وأبى ذلك الشافعي والبخاري وجماعة من العُلماء.
وقال أبو بكر بن العربي: اختلف في اللوث اختلَافًا كثيرًا؛ مشهور المذهب أنه الشاهد العدل، وقال محمد: هو أحب إليَّ، قال: وأخذ به ابن القاسم وابن عبد الحكم؛ وروي عن عبد الملك بن مروان أن المجروح أو المضروب إذا قال: دمي عند فلان. ومات، كانت القسامة. وبه قال مالك والليث بن سعد. فإن قيل: لا يقول مالك بالقسامة إلا باللوث فلم أورد حديث القسامة ولا لوث فيه؟
стр. 1491
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= فقد أجاب النسائي عن ذلك بأن مالكًا أنزل العداوة التي كانت بين الأنصار واليهود بمنزلة اللوث.
واختلف العُلماء أيضًا في وجوب القود بالقسامة، فقال طائفة بوجوب القود بها، منهم مالك بن أنس، والليث بن سعد، وأحمد بن حنبل وأبي ثور، واحتجوا بقول النبي ﷺ لحُويِّصة ومحيِّصة وعبد الرحمن: "أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ"؟ وروى أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قتل رجلًا بالقسامة من بني نضر بن مالك. قال الدارقطني: نسخة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده صحيحة، وكذلك كان أبو عمر بن عبد البر يصحح حديث عمرو بن شعيب ويحتج به. وقال البخاري: رأيت عليَّ بن المديني وأحمد بن حنبل، والحميدي، وإسحاق بن راهويه يحتجون به، قاله الدَّارقُطْنِي في السنن.
وقالت طائفة: لا قود بالقسامة وإنما توجب الدية، روي هذا عن عمر، وابن عباس ﵄. وهو قول النخعي، والحسن، وإليه ذهب الثوري والكوفيون، والشافعي، وإسحاق، واحتجوا بما رواه مالك عن ابن أبي ليلى بن عبد الله عن سهل بن أبي حيثمة عن النبي ﷺ أنه قال للأنصار: "إِمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ وَإِمَّا أَنْ يُؤْذَنُوا بِحَرْبٍ". لَالوا: وهذا يدل على الدية لا على القود، وأولوا لفظ الحديث الوارد بقوله ﷺ : "وَتَسْتَحِقُّون دَمَ صَاحِبِكُمْ". قالوا معناه: دية دم صاحبكم لأن اليهود ليسوا بأصحاب لهم.
ولا يحلف في القسامة أقل من خمسين يمينًا لقوله ﷺ لمحيّصة وحويّصة: "تَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ". فإن كان المستحقون خمسين رجلًا أقسم كل واحد منهم يمينًا واحدة، فإن كانوا أقل من ذلك، أو نكل منهم من لا يجوز عفوه، ردت الأيمان عليهم بحسب عددهم. ولا يحلف في العمد أقل من اثنين من الرجال، ولا يحلف فيه الواحد من الرجال ولا النساء، يحلف الأولياء ومن يستعين بهم الأولياء من العصبة خمسين يمينًا. هذا مذهب مالك، والليث، والثوري، والأوزاعي، وأحمد، وداود.
والرواية الأخرى عن مالك رواها مطرف عنه أنه لا يحلف مع المدعى عليهم أحد، ويحلفون هم أنفسهم، كما لو كانوا واحدًا فأكثر خمسين يمينًا يبرئون بها أنفسهم. وبهذا يقول الشافعي، قال: ولا يقسم إلا وارث، كان القتل عمدًا أو خطأ. ولا يحلف على مال، ويستحقه إلا من له الملك لنفسه، =
стр. 1492
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= أو من جعل الله له الملك من الورثة. قال: والورثة يقسمون على قدر موارثيهم، وبه قال أبو ثور، واختاره ابن المنذر.
قال القرطبي: وهو الصحيح، لأن من لم يدَّع عليه لم يكن له سبب تتوجه عليه فيه يمين. ثم إن مقصود هذه الإيمان البراءة من الدعوى ولم يدَّع عليه شيء بريء أصلًا.
وقال مالك: في الخطإ يقسم فيها الواحد من الرجال والنساء، فمهما كانت خمسين يمينًا من واحد أو أكثر استحق الحالف ميراثه، ومن نكل لا يستحق شيئًا، وإن حضر الغائب حلف ما كان يجب عليه من الإيمان لو حضر بحسب ميراثه. هذا هو المشهور عن إمامنا مالك. وقد روي عنه أنه لا يرى في الخطإ قسامة.
قلت: وفاءً بما وعدت به من نقل ما استدل به مالك في الموطإ زيادة في الإِيضاح، قال مالك في الموطإ، بعدما سرد روايات حديث حويّصة ومحيّصة، قال: الأمر المجتمع عليه عندنا، والذي سمعت ممن أرضى في القسامة، والذي اجتمعت عليه الأمة في القديم والحديث، أن يبدأ بالأيمان المدَّعون في القسامة فيحلفون، وأن القسامة لا تجب إلا بأحد أمرين: أن يقول المقتول: دمي عند فلان، أو يأتي أولياء الدم بلوث من بينة، وإن لم تكن قاطعة على الذي يدَّعى عليه الدم، فهذا يوجب القسامة لمدَّعي الدم على من ادَّعوه عليه. ولا تجب القسامة عندنا إلا بأحد هذين الوجهين.
قال مالك: وتلك السنة التي لا اختلاف فيها عندنا، والذي لم يزل عليه عمل الناس أن المبتدئين بالقسامة أهل الدم والذين يدعونه في العمد والخطإ. قال مالك: وقد بدأ رسول الله ﷺ الحارثيين في قتل صاحبهم الذي قتل بخيبر، قال مالك، فإن حلف المدعون استحقوا دم صاحبهم وقتلوا من حلفوا عليه، ولا يقتل في القسامة إلا واحد، لا يقتل فيها اثنان؛ يحلف من ولاة الدم خمسون رجلًا خمسين يمينًا، فإن قل عددهم أو نكل بعضهم ردت الإيمان عليهم، إلا أن ينكل أحد من ولاةِ المقتول، ولاة الدم الذين يجوز لهم العفو عنه، فإن نكل أحدٌ من أولئك فلا سبيل إلى الدم إذا نكل أحد منهم، قال يحيى: قال مالك: وإنما ترد الإيمان على من بقي منهم إذا نكل أحد ممن لا يجوز لهم العفو عن الدم، فإن نكل أحد من ولاة الدم الذين يجوز لهم العفو عن الدم إن كان واحدًا، فإن الإيمان لا ترد على من بقي من ولاة الدم إذا نكل أحد منهم عن الإيمان، ولكن الإيمان عند ذلك ترد على المدَّعى عليهم، =
стр. 1493
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= فيحلف منهم خمسون رجلًا خمسين يمينًا، فإن لم يبلغوا خمسين رجلًا ردت الإيمان على من حلف منهم، فإن لم يوجد أحد يحلف إلا الذي ادعي عليه حلف هو خمسين يمينًا وبرئ. قال يحيى: قال مالك: وإنما فرق بين القسامة في الدم والأيمان في الحقوق؛ لأن الرجل إذا داين الرجل استثبت عليه في حقه، والرجل إذا أراد قتل الرجل لم يقتله في جماعة من الناس، وإنما يلتمس الخلوة، قال: لو لم تكن القسامة إلا فيما تثبت فيه البينة، ولو عمل فيها كما يعمل في الحقوق هلكت الدماء، واجترأ الناس عليها إذا عرفوا القضاء فيها، ولكن إنما جعلت القسامة إلى ولاة المقتول يبدَّؤون بها فيها ليكف الناس عن القتل، وليحذر القاتل أن يؤخذ في مثل ذلك بقول المقتول.
قال يحيى: وقال مالك في القوم يكون لهم العدد يتهمون بالدم فتردُّ الإيمان عليهم وهم نَفَرٌ لهم عدد، إنه يحلف كل إنسان منهم على نفسه خمسين يمينًا، ولا تقطع الإيمان عليهم بقدر عددهم، ولا يبرَّؤُون دون أن يحلف كل إنسان منهم عن نفسه خمسين يمينًا، قال مالك: وهذا أحسن ما سمعت في ذلك.
قال: والقسامة تصير إلى عصبة المقتول، وهم ولاةُ الدم الذين يقسمون عليه والذين يقتل بقسامتهم.
قال يحيى: قال مالك: الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا أنه لا يحلف في القسامة في العمد أحد من النساء، وإن لم يكن للمقتول ولاة إلا النساء، فليس للنساء في قتل العمد قسامة ولا عفو. قال يحيى: قال مالك في الرجل يقتل عمدًا أنه إذا قام عصبة المقتول أو مواليه فقالوا: نحن نحلف ونستحق دم صاحبنا. فذلك لهم. قال مالك: فإن أراد النساء أن يعفون عنه فليس ذلك لهن، العصبة والموالي أولى بذلك منهن؛ لأنهم هم الذين استحقوا الدم وحلفوا عليه. قال مالك: وإن عفت العصبة أو الموالي بعد أن استحقوا الدم، وأبى النساء وقلن: لا ندع دم صاحبنا. فهن أحق وأولى بذلك، لأن من أخذ القود أحق ممن تركه من النساء والعصبة إذا ثبت الدم ووجب القتل. قال مالك: لا يقسم في قتل العمد من المدَّعين إلا اثنان فصاعدًا فترد الإيمان عليهما حتى يحلفا خمسين يمينًا ثم قد استحقا الدم، وذلك الأمر عندنا. قال مالك: وإذا ضرب النفر الرجل حتى يموت تحت أيديهم قتلوا به جميعًا، فإن هو مات بعد ضربهم كانت القسامة، وإن كانت القسامة لم تكن إلا على رجل واحد ولم يقتل غيره، =
стр. 1494
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= ولم نعلم قسامة كانت قط إلا على رجل واحد.
وقال مالك: والقسامة في قتل الخطإ، يقسم الذين يدَّعون الدم ويستحقون بقسامتهم، يحلفون خمسين يمينًا تكون على قسم مواريثهم من الدية، فإن كان في الإيمان كسور إذا قسمت بينهم، نظر إلى الذي يكون عليه أكثر تلك الإيمان إذا قسمت، فتجبر عليه تلك اليمين. قال مالك: فإن لم يكن للمقتول ورثة إلَّا النساء فإنهنَّ يحلفن ويأخذن الدية، فإن لم يكن له وارث إلا رجل واحد حلف خمسين يمينًا وأخذ الدية، وإنما يكون ذلك في قتل الخطإ، ولا يكون في قتل العمد. انتهى من الموطإ. والله ولي التوفيق.
стр. 1495
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كتاب الجنايات الموجبة للعقوبة
قال المواق: والجنايات الموجبة للعقوبة سبع: البَغْيُ: والرِّدَّةُ، والزِّنا، والْقَذْفُ، والسَّرِقَةُ، والحِرَابَةُ، والشِّرْبُ.
أحكام الباغية
وقال الحطاب: لما فرغ ﵀ من الكلام على القتل والجرح اللذين يكون عنهما إذهاب النفس، الذي هو من أعظم الذنوب في حق الآدميين، أتبع ذلك بالكلام على الجنايات التي توجب سفك الدماء أو ما دونه من العقوبات. والجناية هي ما يحدثه الرجل على نفسه أو على غيره مما يضر حالًا أو مآلًا. قال: وبدأ المُصَنِّف بالبغي لأنه أعظمها مفسدة؛ إذ فيه إذهاب الأنفس والأموال غالبًا.
فقال: باب، أي هذا باب أذكر فيه أحكام البغي، ومعناه في اللغة التعدي. قال ابن العربي في أحكام القرآن: إن مادة (ب غ ي) للطلب إلا أنه في العرف مقصور على طلب خاص؛ وهو ابتغاء ما لا ينبغي ابتغاؤه. وهو في الاصطلاح عرفه ابن عرفة بأنه الامتناع من طاعة من ثبتت إمامته، في غير معصية، بمغالبة ولو تأوُّلًا.
ولقد حملني ما نشره بعض من يرى نفسه الداعية الإِسلامي الناجح في كتاب أسماه "مستقبل الإِسلام خارج أرضه كيف نفكر فيه؟ "على أن آتي قبل أن أتكلم على الباغية، بأدلة وجوب طاعة أولياء الأمور من الكتاب والسنة وفتاوى علماء الأمة.
لقد حملني الفضول على تناول هذا الكتاب من أحد الأصدقاء، وبوازع من حب الاستطلاع استهوتني حكاية بدأ بها لإِسلام بعض الفرنسيين، فإذا به يتهجم على بعض شراح الحديث والمفسرين، بما أستطيع القول بأنه تحريض على الفوضى وتشجيع على الخروج على أولياء الأمور، يقول مؤلف هذا الكتاب في ص ٦٢ - بعد ما تهجم على شارح قوله ﷺ : "مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهوَ شَهِيدُ". قالوا: ولا يجب الدفاع عن المال! بل يجوز له أن يتظلم! إلا أن علماء الحديث كالمجمعين على استثناء السلطان (!) للآثار الواردة بالصبر على جوره فلا يجوز دفاعه عن أخذ المال .. ثم قال: أرأيت إلى أين يتجه الشارع وإلى أين يتجه الشارح؟ لست أشك في أن هذه الروح دفعت إليها الرهبة الجبانة، وأن إرسالها =
стр. 1496
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= على هذا النحو خدم الملوك الجورة والسلاطين المستبدين، وأتاح لهم فرض ما يشاؤون من الضرائب، ومصادرة ما يشاؤون من أملاك، دون تهيب مقاومة أو توجس عصيان. ورياضة الجماهير على قبول الضيم بفتوى شرعية (!) أفقد الشعوب ملكة الشجاعة، ووطأ ظهرها للاستعمار الخارجي، وكان ذلك يقع في البلاد الإِسلامية في الوقت الذي كانت الأمم الأخرى تصرخ بالدفاع عن الدم والعرض والمال، وتشرع الدساتير التي تقرر ذلك". انتهى بعض ما نقلته من كتابه، والذي فهمت منه أنه تحريض على الفوضى ونبذ طاعة أولياء الأمور، وحيث إن هذا المغرور يغتر كثير من بسطاء طلبة العلم بكتاباته، فقد رأيت إلفات الأنظار إلى بطلان مقصده، بجلب ما أمكن من الدليل على وجوب طاعة الوالي، وقد تزكت العجر والبجر من كلامه، إذ المقصود ليس الرد عليه وإلا فقد أفتى بإباحة لحوم الكلاب، وبأنه لا يقع إيجاب ولا تحريم إلا بنص قاطع … إلى غير ذلك من سقطاته.
أقول، وبالله تعالى توفيقي: قال الله تعالى في سورة النساء: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (١). قال أبو هريرة: هم الأمراء، قال ابن الجوزي: وقد صوّب الإِمام أبو جعفر الطبري في جامع البيان قول من قال: هم الأمراء والولاة، لصحة الأخبار عن رسول الله ﷺ بالأمر بطاعة الأئمة والولاة فيما كان لله طاعة وللمسلمين مصلحة.
وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أطَاعَني فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ، وَمَنْ أَطَاعَ الْإِمَامَ فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللهَ، وَمَنْ عَصَى الْإِمَامَ فَقَدْ عَصَانِي". قال البغوي: حديث متفق على صحته.
وفِي رواية أخرى عن أبي هريرة أيضًا قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ، وَمَنْ يَعْصنِي، فَقَدْ عَصَى اللَهَ، وَمَنْ يُطِعِ الْأمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ يَعْصَ الْأمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي". قال البغوي: هذا حديث متفق على صحته. أخرجاه من طرق عن أبي هريرة. وأخرجه مسلم عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق.
وعن أنس أن النبي ﷺ قال لأبي ذر: "إِسْمَعْ وَأَطِعْ وَلَوْ لِعَبْدٍ حَبَشِيٍّ كَأَنَّ رَأسَهُ زَبِيبَةٌ". قال البغوي: هذا حديث متفق عليه، أخرجه محمد عن مسدد، عن يحيى عن شعبة وأخرجه مسلم من =
стр. 1497
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= طريق أبي ذر قال: أوصاني خليلي أن أسمع وأطيع وإن كان عبدًا مجدَّع الأطراف.
وعن عبادة بن الصامت قال: بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في اليُسْرِ، والعُسْرِ، والمَنْشَطِ، والمَكْرَهِ، وأن لا نُنَازِعَ الأمر أهْلَهُ، وأن نقوم أو نقول بالحق حيثُما كُنَّا، لا نخافُ في الله لومة لائم.
قال البغوي: هذا حديث متفق على صحته. أخرجه محمد بن إسماعيل عن مالك، وأخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عبد الله بن إدريس، عن يحيى بن سعيد، وعبيد الله بن عمر. وعن جنادة بن أبي أمية قال: دخلنا على عبادة بن الصامت وهو مريض قال: دعانا النبي ﷺ فبايعنا، فقال فيما أخذ علينا أنْ بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا، ومكرهنا، وعُسْرنَا، ويُسْرِنَا، وأثرةٍ علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن ترَوْا كفْرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان.
قال البغوي: هذا حديث متفق عليه، أخرجه مسلم عن أحمد بن عبد الرحمن بن وهب بن مسلم، عن عمه عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث.
قلت: وأخرجه البخاري في الفتن، باب: قول النبي ﷺ "سَتَرَوْنَ بَعْدِي أُمُورًا تُنْكِرُوَنَها".
وعن ابن عباس يرويه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ، فَلْيَصْبِرْ، فَإِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ يُفَارِقُ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا، فَيمُوتَ إِلَّا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً" قال البغوي: هذا حديث متفق على صحته.
وعن أمِّ سلمة، قالت: قال رسول الله ﷺ : "يَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ تَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ". قالوا: أفلا نقتلهم؟ قال: "لَا، مَا صَلَّوْا. لا، مَا صَلَّوْا". قال البغوي: هذا حديث صحيح أخرجه مسلم عن حسن بن الربيع البجلي، عن ابن المبارك، عن هشام، عن الحسن، ويروى: "فَمَنْ أَنْكَرَ بِلِسَانِهِ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ كَرِهَ بِقَلْبِهِ فَقَدْ سَلِمَ" وروي عن عوف بن مالك الأشجعي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَن وُلِّيَ عَلَيْهِ وَالٍ، فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ اللَهِ، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأتِي مِنْ مَعْصِيَةِ اللَهِ، وَلَا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ". قال شعيب: رواه الإمام أَحمد في المسند، ورواه مسلم.
وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ فَارَق الْجَمَاعَةَ وَخَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ، =
стр. 1498
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= فَمَاتَ فَمِيتَةٌ جَاهِلِيَّةٌ، وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي بِسَيْفِهِ يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا، لَا يُحَاشِي مُؤْمِنًا لإِيمَانِهِ، وَلَا يَفِي لِذِي عَهْدٍ بِعَهْدِهِ، فَلَيْسَ مِنْ أُمَّتِي، وَمَنْ قُتِلَ تَحْتَ رَايَةٍ عُمِّيَّةٍ يَغْضَبُ لِلْعَصَبَةِ، أَوْ يُقَاتِلُ لِلْعَصَبَةِ، أوْ يَدْعُو إِلَى الْعَصَبَةِ، فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ". قال البغوي: هذا حديث صحيح، أخرجه مسلم عن شيبان بن فروخ، عن جرير بن حازم، عن غيلان بن جرير، وأخرجه عن عبيد الله القواريري، عن حمَّاد بن زيد، عن أيوب.
وروى الأعمش: حدثنا زيد بن وهب، قال: سمعت عبد الله قال: قال لنا رسول الله ﷺ : "سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا". قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: "أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ، وَسَلُوا اللهَ حَقَّكُمْ". قال البغوي: هذا حديث متفق عليه. أخرجه مسلم عن عثمان بن أبي شيبة، عن جرير، عن الأعمش. وأخرجه البخاري في الفتن. قاله شعيب.
وصح عن علقمة بن وائل الحضرمي، عن أبيه، قال: سأل سلمة بن يزيد الجعفي رسول الله ﷺ فقال: يا نبي الله، أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألونا حقهم، ويمنعونا حقنا؟ قال: "إسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا، وَعَلَيْكمْ مَا حُمِّلْتُمْ". هذا الحديث أخرجه مسلم في صحيحه في الإِمارة، باب في طاعة الإِمارة، وإن منعوا الحقوق قاله شعيب.
وقال حذيفة: ما مشى قوم إلى سلطان الله في الأرض ليذلُّوه إلَّا أذلهم الله قبل أن يموتوا. ويروى مرفوعًا بإسناد غريب عن أبي بكرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ أَهَانَ سُلْطَانَ اللهِ فِي الْأرْضِ أَهَانَهُ اللهُ". قال شعيب: أخرجه الترمذي في الفتن، وفي سنده مقال.
وعن عرفجة، عن النبي ﷺ قال: "مَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي وَهُمْ مُجْتَمِعُونَ يُرِيدُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمْ، فَاقْتُلُوهُ كَائِنًا مَنْ كَانَ".
قال البغوي: هذا حديث صحيح أخرجه مسلم عن محمد بن بشار، عن غُندر، عن شعبة، عن زياد بن علاقة.
أسمعت! يا من تحرض على العصيان على أولياء الأمور بقولك: "وأتاح لهم فرض ما يشاؤون من ضرائب، ومصادرة ما يشاؤون من أملاك دون تهيب مقاومة أو توجس عصيان. ورياضة الجماهير على قبول الضيم بفتوى شرعية (!) أفقدت الشعوب ملكة الشجاعة". ولعلك إن وقفت على هذا تعلم أن أهل الحديث على حق إذا كانوا كالمجمعين على استثناء السلطان للآثار الواردة بالصبر على جوره.
стр. 1499
كتاب الباغية
بَابٌ: الْبَاغِيَةُ فِرْقَةٌ خَالَفَتْ الإمَامَ لمَنْعِ حَقٍّ أوْ لِخَلْعِهِ (١)، فَلِلإِمَامِ الْعَدْلِ قِتَالُهُمْ، وإنْ تَأوَّلُوا، كَالكُفَّارِ (٢)، ولَا يُسْتَرَقُوا، ولا يُحْرَقُ شَجَرُهُمْ، وَلَا تُرْفَعُ رُووسُهُمْ بأرْمَاحٍ (٣)، ولَا يَدَعُوهُمْ بِمَالٍ، واسْتُعِينَ بِمَالهِمْ عَليْهِمْ إِنِ احْتيجَ لَهُ، ثُمَّ رُدَّ (٤) كغَيْرهِ. وَإنْ أُمِنُوا لَمْ يُتَّبَعْ مُنْهَزِمُهُمْ، وَلَمْ يُذَفَّفْ عَلى جَرِيحِهِمْ (٥)؛ وكُرهَ لِلرَّجُلِ قَتْلُ أبِيهِ، وَوَرِثَهُ (٦)، ولَمْ يَضْمَنْ مُتأوِّلٌ أتْلَفَ نَفْسًا أوْ مَالًا (٧). ومَضَى حُكْمُ قاضِيهِ وحَدٌّ أقَامَهُ (٨)، ورُدَّ ذمِّيٌّ مَعَهُ لِذمَّتِهِ، وضَمِنَ المُعَانِدُ النَّفْسَ والْمَال، والذِّمِّيُ مَعَهُ نَاقِضٌ، والمرأةُ المقاتلَةُ كالرجّل.
(١) قوله: الباغية فرقة خالفت الإِمام لمنع حق أو لخلعه. قال ابن قدامة: الأصل في هذا الباب قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (١). الحجرات.
قال ابن قدامة: هذه الآية فيها خمس فوائد:
أولًا: إنهم لم يخرجهم البغي عن الإِيمان، فإن الله سماهم مؤمنين.
الثانية: أنه أوجب قتالهم.
الثالثة: أنه أسقط قتالهم إذا فاؤوا إلى أمر الله.
الرابعة: أنه أسقط عنهم التبعة فيما أتلفوه في قتالهم.
الخامسة: أن الآية أفادت جواز قتال كل من منع حقًا عليه. ا. هـ.
ومن أصول هذا الباب إجماع الصحابة رضوان الله عليهم على قتال البغاة، فإن أبا بكر ﵁ قاتل مانعي الزكاة، وقاتل عليّ ﵁ أهل الجمل وأهل صفين وأهل النهروان. قال القرطبي في تفسير آية الحجرات المتقدمة: في هذه الآية دليل على وجوب قتال الفئة الباغية، المعلوم بغيها على الإمام أو على أحد من المسلمين. وفيها دليل أيضًا على فساد مذهب من منع من قتال المسلمين مستدلًا =
стр. 1500
. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= بقوله ﵇: "قِتَالُ الْمُومِنِ كُفْرٌ". قال القاضي أبو بكر بن العربي: هذه الآية أصل في قتال المسلمين، والعمدة في حرب المتأولين، وعليها عول الصحابة رضوان الله عليهم، وإليها لجأ الأعيان من أهل الملة، وإياها عنى رسول الله ﷺ بقوله: "وَيْحُ عَمَّارٍ تَقْتلُة الْفِئَة الْبَاغِيَةُ". وقوله ﵊ في شأن الخوارج: "يَخْرُجُونَ عَلَى خَيْرِ فِرْقَةٍ أَوْ عَلَى حِينِ فِرْقَةٍ". قال: والرواية الأولى أصح لقوله ﵊: "تَقْتُلُهُمْ أُولَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ". وكان الذي قتلهم علي بن أبي طالب ومن كان معه. فتقرر عند علماء المسلمين، وثبت بدليل الدين أن عليًا ﵁ كان إمامًا، وأن كل من خرج عليه باغٍ واجب قتاله حتى يفيء إلى أمر الله. لأن عثمان ﵁ قتل والصحابة برآء من دمه، فقد منع من قتال من ثار عليه وقال: لا أكون أول من خلف رسول الله ﷺ في أمته بالقتل، فصبر على البلاء، واستسلم للمحنة، وفدى بنفسه الأمة. فلما بويع عليّ طلب أهل الشام في شرط البيعة التمكن في قتلة عثمان وأخذ القود منهم، فقال لهم عليّ ﵃: ادخلوا في البيعة واطلبوا الحق تصلوا إليه. فقالوا: لا تستحق بيعة وقتلة عثمان معك، تراهم صباح مساء. فكان عليّ في ذلك أسدٌ رأيًا وأصوب قيلًا؛ لأن عليًا لو تعاطى القود منهم لتعصبت لهم قبائل وصارت حربًا ثالثة، فانتظر بهم أن يستوثق الأمر وتنعقد البيعة، ويقع الطلب من الأولياء في مجلس الحكم فيجري القضاء بالحق.
فقوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ (١). أمر بالقتال، وهو فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين، ولذلك تخلف قوم من الصحابة ﵃ عن هذه الحرب كسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمرو، ومحمد بن مسلمة. وغيرهم.
وصوّب ذلك عليّ بن أبي طالب لهم، واعتذر إليه كل واحد منهم بعذر قبله منه.
قال ابن قدامة: وجملة الأمر أن من اتفق المسلمون على إمامته وبيعته ثبتت إمامته، ووجبت معونته؛ لما ذكرنا من الحديث والإِجماع، وفي معناه من ثبتت إمامته بعهد النبي ﷺ أو بعهد إمام قبله إليه، فإن أبا بكر ثبتت إمامته بإجماع الصحابة على بيعته، وعمر ثبتت إمامته يعهد أبي بكر إليه، وأجمع الصحابة على قبوله.
ولو خرج رجل على الإِمام فقهره وغلب الناس بسيفه حتى أقروا له وأذعنوا بطاعته وتابعوه، صار إمامًا=
стр. 1501
. . . . . . . . . . . . . . . . .
= يحرم قتاله والخروج عليه، فإن عبد الملك بن مروان خرج على ابن الزبير فقتله واستولى على البلاد وأهلها حتى بايعوه طوعًا وكرهًا فصار إمامًا يحرم الخروج عليه، وذلك لما في الخروج على الإِمام من شق عصا المسلمين، وإراقة دمائهم، وذهاب أموالهم، فإن الخارج على مثل هذا يدخل في قوله ﵊: "مَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي وَهُمْ جَمِيعٌ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ بِالسَّيْفِ كَائِنًا مَنْ كَانَ". فمن خرج على من ثبتت إمامته بأحد هذه الوجوه، باغيًا، وجب قتاله.
(٢) وقوله: فللعدل قتالهم وإن تأوَّلوا، كالكفار، يريد به، والله أعلم، فللإِمام العدل قتال أهل البغي وإن تأولوا في خروجهم عليه، والحجة في ذلك قتال الخليفة أبي بكر ﵁ مانعي الزكاة، وكان بعضهم متأولًا انقضاء وجوبها بموته ﷺ ، أخذًا من قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (١) وكان بعضهم متأولًا بأن إمامته ﵁ لم تثبت لزعمه أنه ﷺ أوصى لعلي ﵁ بالخلافة. كذا قال في جواهر الإكليل. قال: يقاتلون كقتال الكفار المحاربين للمسلمين في كونه بالسيف وبالنبل وبالمنجنيق وبالتغريق والتحريق إذا لم يكن معهم ذرية، وذلك بعد دعوتهم للدخول تحت طاعة الإمام وموافقة جماعة المسلمين.
والمعول في ذلك على قوله تعالى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا، فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ (٢) قالوا: لا يجوز قتالهم حتى يبعث إليهم من يسألهم ويكشف لهم الصَّواب، إلا أن يخاف شرهم، فلا يمكن ذلك في حقهم، فأمَّا إن أمكن تعريفهم عرفهم ذلك، وأزال ما يذكرونه من المظالم وقطع حججهم، فإن لجُّوا قاتلهم حينئذ، لأن الله تعالى في الآية بدأ بالأمر بالإصلاح قبل القتال.
وروي أن عليًا ﵁ راسل أهل البصرة قبل وقعة الجمل، وأمر أصحابه أن لا يبدؤوهم بالقتال. وروى عبد الله بن شداد بن الهادي أن عليا ﵁ لما اعتزله الحرورية، بعث إلهم عبد الله بن عباس فباحثهم على كتاب الله ثلاثة أيام فرجع منهم أربعة آلاف.
فإن أبوا الرجوع وعظهم وخوفهم القتال، وإنما كان ذلك، لأن المقصود كفهم ودفع شرهم، لا قتلهم، فإذا أمكن بمجرد القول كان أولى من القتال، لما فيه من الضرر بالفريقين. =
стр. 1502
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= (٣) وقوله: ولا يسترقّوا ولا يحرق شجرهم ولا ترفع رؤوسهم بأرماح ألخ. قال المواق: ويفترق قتالهم من قتال الكفار بأحد عشر وجهًا:
إنه يقصد بالقتال ردعهم، لا قتلهم - وأنه يكف عن مدبرهم - وأنه لا يجهز على جريحهم - وأنه لا يقتل أسراهم - وأنه لا تغنم أموالهم - وأنه لا تنصب عليهم الرعادات - وأنه لا تحرق بيوتهم ولا تقطع أشجارهم - وأنه لا يدعهم على مال.
قال: ويفترق أيضًا قتالهم من قتال المحاربين، بأن البغاة لا يطالبون بما استهلكوه من دم ومال، وما أخذوه من خراج وزكاة، وسقطت عمن كانت عليه.
(٤) وقوله: واستعين بمالهم عليهم إن احتيج له ثم رد، قال المواق: قال عبد الملك: ما أصاب الإِمام من عسكر أهل البغي من كراع أو سلاح فإن كانت لهم فئة قائمة، فلا بأس أن يستعين به الإمام ومن معه على قتالهم، إن احتاجوا إليه، فإن زالت الحرب رد لأهله كغيره، أي وغير السلاح والكراع توقف حتى ترد إليهم، قال: وإن لم تكن لهم فئة قائمة رد ذلك من سلاح وغيره، كما فعله عليّ ﵁.
(٥) وقوله: وإن أمنوا لم يتبع منهزمهم ولم يذفف على جريحهم، ذلك لما روي عن عليّ ﵁ أنه قال يوم الجمل: لا يذفف على جريح ولا يهتك ستر، ولا يفتح باب، ومن أغلق بابه فهو آمن، ولا يتبع مدبر. وقد روي نحو ذلك عن عمار.
قال ابن قدامة: وقد ذكر القاضي في شرحه عن عبد الله بن مسعود أن النبي ﷺ قال: "يَا ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ، مَا حُكْمُ مَنْ بَغَى مِنْ أُمَّتِي؟ " قال: الله ورسوله أعلم، فقال: "لَا يُتْبَعُ مُدْبِرُهُمْ، وَلَا يُجْهَزُ عَلَى جَرِيحِهِمْ، وَلَا يُقْتَلُ أَسِيرُهُمْ، وَلَا يُقْسَمُ فَيْئُهُمْ". ا. هـ. وكتب المعلق على مغني ابن قدامة - أعني المشرف على الطبعة التي بيدي ما نصه: أخرج الحاكم والبيهقي عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال لابن مسعود: "يَا ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ، مَا حُكْمُ مَنْ بَغَى مِنْ أُمَّتِي"؟ قال: الله ورسوله أعلم، فقال رسول الله ﷺ : "لَا يُتْبَعُ مُدْبِرهُمْ، وَلَا يُجْهَزُ عَلَى جَرِيحِهِمْ، وَلَا يُقْتَلُ أَسِيرُهُمْ".
(٦) وقوله: وكره للرجل قتل أبيه وورثه، قال سحنون: ولا بأس أَن يقتل الرجل في قتالهم أخاه وذا قرابته، أما الأب وحده فلا أحب قتله تعمدًا، وكذلك الأب الكافر. وقال ابن قدامة: كرهت طائفة من =
стр. 1503
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= أهل العلم القصد إلى ذلك وهو أصح إن شاء اللهُ؛ لقوله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (١).
قال: وقال الشافعي: إن النبي ﷺ كفَّ أبا حذيفة بن عتبة عن قتل أبيه ا. هـ. فإن قتله، قال المصنف: يرثه، وذلك لأنه قتل بحق ولم يكن عدوانًا، فلم يمنع الميراث كالقصاص. ومذهب الشافعي أنه إن قتل قريبه لا يرثه لنص الحديث: "لَيْسَ لِقَاتِل شَيْءٌ". أخرجه الموطأ وابن ماجة وأحمد عن عمر.
قلت: وهو نكرة في سباق النفي؛ فهي عامة في كل قاتل بإذن الله كما تفيده الصناعة الأصولية. وبالله تعالى التوفيق.
(٧) وقوله: ولم يضمن متأول أتلف نفسًا ومالًا، قال في المدونة: والخوارج إذا خرجوا فأصابوا الدماء والأموال، ثم تابوا ورجعوا، وضعت الدماء عنهم، ويؤخذ منهم ما وجد بأيديهم من مال بعينه، وما استهلكوه لم يتبعوا به ولو كانوا أملياء لأنهم متأولون، بخلاف المحاربين. ا. هـ. المواق. والأصل في ذلك أن عليًّا ﵁ لما ظهر على أهل البصرة لم يطالبهم ليء مما جبوْه، وذكر ابن قدامة أن ابن عمر كان إذا أتاه ساعي نجدة الحروري دفع إليه زكاته، قال: وكذلك سلمة بن الأكوع. ا. هـ.
(٨) وقوله: ومضى حكم قاضيه وحدٌّ أقامه، قال المواق: إن ولى البغاة قاضيًا وأخذوا زكاة وأقاموا حدًا، فقال الأخوان ينفذ ذلك كله، وقال ابن القاسم: لا يجوز، وقال ابن عرفة: قال ابن عبد السلام: ظاهر المذهب إمضاء ذلك، ونص المدونة: ما أخذوه من الزكاة تجزئ عن أربابها. ا. هـ. منه.
وبهذا قال الإمام أحمد والشافعي، وقال أبو حنيفة لا يجوز قضاؤه لأن أهل البغي يفسقون ببغيهم والفسق ينافي القضاء.
وقال البغوي: إذا استولى أهل البغي على بلد فأخذوا صدقات أهلها، لا يثنى عليهم، وينفذ قضاء قاضيهم، وتقبل شهادة عدولهم. قال: وإنما تثبت هذه الأحكام في حقهم باجتماع ثلاثة شروط: أحدها: أن تكون لهم قوة ومنعة. الثاني: أن يكون لهم تأويل محتمل. الثالث: أن ينصبوا إمامًا بينهم. فلو فقد شرط من هذه الشروط، فهم كقطاع الطريق في المؤاخذة بضمان ما أتلفوا ورد قضائهم، وجرح شاهدهم.
تنبيهٌ: أهل البغي المتأولون مؤمنون بدليل الآية: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ =
стр. 1504
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= أَخَوَيْكُمْ﴾ (١) وسئل عليّ ﵁ عن أهل النهروان، أمشركون هم؟ فقال: من الشرك فرُّوا، قيل: أمنافقون هم؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلًا، قيل: فما هم؟ قال إخواننا بغوا علينا، فقاتلناهم.
فائدة: نسب الحطاب للقرطبي في شرح مسلم أن البيعة مأخوذة من البيع، وذلك أن المبايع للامام يجب أن يقيه بنفسه وماله، فكأنه بذل نفسه وماله لله تعالى، وقد وعد الله تعالى على ذلك بالجنة، فكأنه حصلت معاوضة. ثم هي - أي البيعة - واجبة على كل مسلمٍ لقوله ﷺ : "مَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَة، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً" غير أنه من كان من أهل الحل والعقد والشهرة فبيعته بالقول والمباشرة باليد إن كان حاضرًا، أو بالقول والإِشهاد عليه إن كان غائبًا. قال: ويكفي من لا يؤبه به ولا يعرف، أن يعتقد دخوله تحت طاعة الإِمام وأن يسمع ويطيع له في السر والجهر، وأن لا يعتقد خلاف ذلك، فإن أضمر خلافًا لذلك فمات، مات ميتة جاهلية.
قلت: لا أعلم بيعة في الإِسلام تلزم وتعتبر شرعًا إلا هذه: بيعة الإِمام على السمع والطاعة، في اليسر والعسر، والمنشط، والمكره، وأن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقوم بالحق حيثما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم.
ترى! فما هي هذه البيعة التي يأخذها شيخ الصوفية على مريديه؛ أيعتبر نفسه إمامًا خارجًا عن طاعة الإِمام الذي له البيعة ببلده؛ أم أنه يعتبرها بيعة إسلام؟! أي أنه يعتبر كل من لم يأخذ بورده خارجًا عن الإِسلام حتى يسلم ويبايعه على ذلك. لأنه لا توجد بيعة شرعية سوى بيعة الإِمام، غير هذه التي يلزم بموجبها الولاء، ينسب بموجبه المبايع إلى من بايعه على الإِسلام كأن يقال مثلًا: الجعفي مولاهم.
تتمة: لا يجوز أن ينسب إلى أحد من الصحابة خطأ مقطوع به، لأنهم كلهم اجتهد فيما فعله وأرادوا الله ، وهم كلهم لنا أئمة، وقد تعبدنا الله على لسان نبيه ﷺ بالكف عما شجر بينهم، وأن لا نذكرهم إلا بأحسن الذكر، لحرمة الصحبة، ولنهي النبي ﷺ عن سبهم، ولأن الله غفر لهم، وأخبر بالرضا عنهم. ولقد سئل بعض السلف عن الدماء التي أريقت فيما بينهم فقال: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ =
стр. 1505
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١) وسئل آخر من السلف نفس السؤال فقال: تلك حروب طهر الله منها سيفي فلا أدنس بها لساني، وقد سئل الحسن البصري عن قتالهم فقال: قتال شهده أصحاب محمد ﷺ وغبنا، وعلموا، وجهلنا، واجتمعوا، فاتبعنا، واختلفوا، فوقفنا. ا. هـ. فالذي ينبغي أن نعلم أن القوم كانوا أعلم منا بما دخلوا فيه وأتقى لله، فلنتبع ما اجتمعوا عليه، ولنتوقف عما اختلفوا فيه، ولا نبتدع رأيًا من عندنا. ا. هـ. والله الموفق.
стр. 1506
كتاب الردة
بَابٌ: الردَّةُ كُفْرُ المُسْلِمِ بصَرِيحٍ أوْ لَفْظٍ يَقْتَضِيهِ (١)، أوْ فِعْلٍ يَتَضَمَّنُهُ، كَإلْقَاءِ مُصْحَفٍ بِقَذَرٍ وشدِّ زُنَّارٍ (٢)، وسِحْرٍ (٣)، وقَوْلٍ بِقِدَمِ الْعَالَمِ أَوْ بَقَائِهِ أوْ شَكٍّ في ذلِك، أو بتَنَاسُخِ الأرْواحِ أوْ في كُلِّ جِنْسٍ نَذِيرٌ، أَوِ ادَّعَى شرْكا مَعَ نُبُوَّتِهِ ﷺ ، أو بِمُحَاربَةِ نَبِيٍّ أوْ جَوَّزَ اكْتِسَابَ النُّبُوَّةِ أو ادَّعى أنَّه يَصْعَدُ للسَّمَاءِ، أو يُعَانِقُ الحُورَ أو اسْتَحَلَّ كالشِّرْبِ (٤)، لا بِأماتَهُ اللّه كَافِرًا عَلى الأصَحِّ، وفُصِّلَتْ الشَّهَادَةُ فِيهِ. واستُتِيبَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَا جُوع وعَطَشٍ وَمُعَاقَبَةٍ وإنْ لَمْ يَتبْ، فإنْ تَاب وإِلَّا قُتِلَ (٥)، واستُبْرِئتْ بِحْيضَةٍ (٦)، ومَالُ الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ، وإلَّا فَفَيْءٌ، وبَقِيَ وَلَدُهُ مُسْلمًا كأنْ تُرِكَ وأُخِذَ مِنْهُ مَا جنَى عَمْدًا على عَبْدٍ أوْ ذِمِّيٍّ لا حُرٍّ مُسْلِمٍ، كأن هَرَبَ لِدَار الْحرْبِ (٧) إلَّا حَدًا لفِرْيَةِ والْخَطأُ على بَيْتِ الْمَالِ، كأخْذِهِ جِنَايةً عَلَيْهِ، وإِنْ تَابَ فَمَالُهُ لَهُ، وقُدِّرِ كالْمُسْلِم فِيهمَا، وقُتِلَ المُسْتَسِرُّ بِلَا اسْتِتابَةٍ، إلَّا أنْ يَجيءَ تَائبًا وماله لِوَارِثهِ (٨) وقُبِلَ عُذْرُ مَنْ أَسْلَمَ وقال: أسْلَمْتُ عَنْ ضِيقٍ إن ظهَرَ كأن تَوَضَّأ وَصَلَّى وأعَادَ مَأمُومُه وأُدِّبَ مَنْ تَشَهَّدَ وَلم يُوقَفْ عَلى الدَّعَائِمِ، كسَاحِرٍ ذِمِّيٍّ إنْ لَمْ يُدْخِلْ ضَرَرًا على مُسْلِم وأسْقَطَتْ صَلاةً وصِيامًا وزكاةً وحجًّا تَقَدَّمَ ونَذْرًا وكفَّارَةً ويَمِينًا باللهِ أو بعِتْقٍ أو ظِهَارٍ، وإحْصَانًا وَوَصيَّةً لَا طَلَاقًا، وَرِدَّةُ مُحَلَّلٍ بِخِلَافِ رِدَّةِ المرأة (٩)، وأُقِرَّ كَافِرٌ انْتَقَلَ لِكُفْر آخَرَ (١٠)، وحُكِمَ بإسْلَامِ مَنْ لمْ يُميِّزْ لِصِغَرٍ أَوْ جُنُونٍ بإسْلَامِ أبيهِ فَقَط كأنْ مَيَّزَ، إلَّا المُراهِقَ والمتْرُوكَ لَهَا فلَا يُجْبَرُ بِقَتْلٍ إن امْتَنَعَ وَوُقِفَ إرثَهُ، ولإِسْلَامِ سَابِيهِ إن لَمْ يكن مَعَهُ أبوهُ، والمتَنَصِّرُ من كأسِير على الطّوْعِ إن لم يثبُتْ إكْرَاهُهُ. وإنْ سَبَّ نَبِيًّا أو مَلكًا أوْ عَرَّضَ أو لَعَنَهُ أو عَابَهُ أو قَذفَهُ أوْ اسْتَخَفَّ بِحَقِّهِ أوْ غَيَّرَ صِفَتَهُ أوْ ألْحَقَ بِهِ نَقْصًا وإنْ في =
стр. 1507
بَدَنِهِ أوْ خَصْلَتِهِ أو غَضَّ مِن مَرْتَبَتِهِ أو وفُورِ عِلْمِهِ أوْ زهْدِهِ أوْ أضَافَ لَهُ مَا لَا يَجوزُ عَلَيْهِ أو نسب إلَيْهِ ما لا يَليقُ بِمَنْصِبِهِ عَلى طريق الذَّمِّ أوْ قيلَ لَهُ بِحَقِّ رسُولِ اللهِ فَلَعَنَ وقَال أرَدْتُ العَقْرَبَ، قُتِلَ وَلَمْ يُسْتَتَبْ حَدًّا (١١) إلَّا أنْ يُسْلِمَ الْكَافِرُ (١٢)، وإنْ ظَهَرَ أنَّهُ لَمْ يُردْ ذَمَّهُ لِجَهْلٍ أوْ سُكْرٍ أو تَهَوُّرٍ، وفيمنَ قَال لَا صَلَّى اللّهُ عَلَى مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ جَوابًا لِصَلِّ، أَوْ قال: الأنبياءُ يتَّهَمُونَ جَوَابًا لِتَتَّهِمُنِي، أو جَميعُ الْبَشَرَ يَلْحَقُهُمُ النَّقْصُ حَتَّى النَّبِيَّ ﷺ ، قولَانِ. وَاسْتُتِيبَ في هُزِمَ أو أعْلَنَ بِتَكْذِيبهِ أوْ تَنَبَّأَ إلَّا أنْ يُسِرَّ عَلى الأظْهَرِ، وأُدِّبَ اجْتِهَادًا في أدِّ واشْكُ لِلنَّبِيِّ، أوْ لَوْ سَبَّنِي مَلَكٌ لَسَبَبْتُهُ، أو يا ابْنَ ألْفِ كَلْبٍ أوْ خِنْزير أو عُيِّرَ بالفَقْرِ، فَقَال: تُعَيِّرُنِي بهِ والنبيُّ قَدْ رَعَى الغَنَمَ. أو قَالَ لِغَضبَانَ كأنَّه وجْهُ مُنكَرٍ أو مَالِكٍ أو اسْتَشْهَدَ ببَعْضِ جَائزٍ عَلَيْهِ في الدنيا حُجَّةً لَهُ أوْ لِغَيْرِهِ أوْ شَبَّهَ لِنَقْصٍ لَحِقَهُ لَا عَلى التَّأَسِّي، كأن كُذِّبْتُ فَقَدْ كُذِّبُوا أو لَعَنَ الْعَرَبَ أوْ بني هاشِمٍ وقَال أرَدْتُ الظَّالمينَ، وشُدِّدَ عَلَيهِ في كُلِّ صَاحِبِ فُنْدُقٍ قَرْنَانَ ولو كانَ نَبِيًّا، وفي قَبيح لأحَدِ ذُرِّيته ﷺ مَعَ الْعِلْمِ بِهِ كأنْ انْتَسَبَ لَهُ أو احْتَمَلَ قَوْله أو شَهِدَ عَلَيْهِ عَدْلٌ أو لَفيفٌ فَعَاق عَنِ الْقَتْل أوْ سَبَّ مَنْ لم يُجْمَعْ على نبُوَّتِهِ أو صَحَابِيًّا وسَبُّ اللَّهِ كَذلكَ وفي اسْتتابةِ المُسْلِم خِلَافٌ (١٣) كمن قالَ: لَقيتُ في مَرضي مَا لَوْ قَتلْتُ أبا بكر وَعُمَرَ لم اسْتَوْجِبْهُ.
الكلام على الردة
قال ابن شأس، فيما نقل عنه المواق: الردة هي الجناية الثانية - نسأل الله تعالى العصمة منها ومن سائر الكبائر، وأن يتوفانا مسلمين - قال: والنظر في حقيقتها وحكمها. ا. هـ.
قال ابن قدامة: المرتد هو الراجع عن دين الإسلام إلى الكفر، قال الله تعالى في سورة البقرة: =
стр. 1508
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون﴾ (١).
وقال النبي ﷺ : "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ". رواه البخاري، وأبو داود. وأجمع أهل العلم على وجوب قتل المرتد عن الإِسلام، وروي ذلك عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، ومعاذ، وأبي موسى، وابن عباس، وخالد، وغيرهم، فلم ينكر ذلك فكان إجماعًا. انتهى.
(١) قوله: الردة كفر المسلم بصريح أو لفظ يقتضيه، قال ابن شأس ظهور الردة إما بالتصريح بالكفر إما أن يقول قولًا يقتضيه، ومثل له ابن عرفة بإنكار غير حديث العهد بالكفر، أمرًا يعلم وجوبه بالضرورة.
(٢) وقوله: أو فعل يتضمنه كإلقاء مصحف بقذر وشد زنَّار، وكسجوده لصنم، وكتردده على كنائسهم بزيهم في أيام أعيادهم، وكأن يرمي المصحف بشيء مستقذر ولو طاهرًا كبصاق مثلًا، ومثل إلقائه به تلطيخه له؛ أو تركه به مع القدرة على رفعه منه، لأن القاعدة أن الدوام كالابتداء. قال في جواهر الإِكليل: وكالمصحف جزؤه، والحديث النبوي الشريف، والحديث القدسي، وأسماء الله الحسنى، وأسماء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
قلت: لا يختلف اثنان على أن الريق المعروف باللغة المستعملة بالمشرق "بالتفلان"، لا يختلف اثنان على أنه قذر مستقذر، فإن كان المرء لا يستقذر ريقه هو لنفسه، فإنه بدون شك يستقذر ريق غيره، لذلك، فإنه لا ينقضي عجبي مما هو كالمتفق عليه في سائر المشرق، وخصوصًا بالجزيرة العربية، من قلب أوراق المصحف الشريف بالريق، وكنت ظننت، وذلك بحسن الظن، أنه ما وقع هذا الاتفاق الفعلي على قلب أوراق المصحف بالريق، إلا أن السادة الحنابلة يفتون بذلك في كتبهم، غير أني، حتى الآن، لم أقف على قول واحد بذلك عنهم. ولعله فيما لم أقف عليه من كتبهم، والذي أستطيع أن أقول: إن ذلك عمل قبيح، ينزه المصحف الشريف عنه، والمرء في ذلك مدعو أن ينظر في نفسه؛ هل يرضى أن يقوم أنظف الناس ريقًا بجعل ريقه على حُر وجهه؟ فإذا كان يربأ بوجهه المخلوق عن ذلك، فكيف يرضى به لكتاب الله؟.
стр. 1509
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= (٣) وقوله: وسحر، نسب المواق لمحمد، قال: قول مالك وأصحابه: إن الساحر كافر بالله، قال مالك: هو كالزنديق، إذا عمل السحر بنفسه، قتل ولم يستتب، ومن لم يباشر عمل السحر وجعل من يعمله له، ففي الموازية يؤدب أدبًا شديدًا، قال المواق: يريد ويثبت ذلك عن الإِمام؛ لأنه معنى يجب به القتل، فلا يحكم به إلا بعد ثبوته وتحقيقه، كسائر ما يجب به القتل.
وقال ابن قدامة: السحر هو عُقَدٌ ورُقىً وكلام يتكلم به، أو يكتبه، أو يعمل شيئًا يؤثر في بدن المسحور، أو قلبه، أو عقله، من غير مباشرة له، وله حقيقة، فمنه ما يقتل، ومنه ما يمرض، ومنه ما يأخذ الرجل عن امرأته فيمنعه من وطئها، ومنه ما يفرق بين المرء وزوجه، ومنه ما يبغض أحدهما إلى الآخر، ومنه ما يحبب بينهما، والدليل على أن للسحر حقيقة أن الله تعالى أمرنا بالاستعاذة منه بقوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ (١). يعني السواحر اللاتي يعقدن في سحرهن، وينفثن عليه. وقال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ (٢)، ذكر أبو عبد الله القرطبي في الجامع لأحكام القرآن، أن سبب نزول هذه الآية، أن اليهود عارضت محمدًا ﷺ بالتوراة فاتفقت التوراة والقرآن، فنبذوا التوراة وأخذوا بكتاب آصف وبسحر هاروت ومارِوت. وقال ابن إسحاق: لما ذكر رسول الله ﷺ سليمان في المرسلين، قال بعض أحبارهم: يزعم محمد أن ابن داود كان نبيًا، والله ما كان إلا ساحرًا. فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾. فقوله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ تبرئة من الله تعالى سليمان، ولم يتقدم في الآية أن أحدًا نسبه إلى الكفر، ولكن اليهود نسبته إلى السحر، فلما كان السحر كفرًا صار من نسبه إلى السحر بمنزلة من نسبه إلى الكفر. ثم قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾. فأثبت كفرهم بتعليم السحر، فقوله: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْر﴾ في موضع نصب على الحال، ويمكن أيضًا أن تكون في موضع رفع على الخبرية، على أنه خبر ثان.
قال: فهذه الآية دلت على أن للسحر حقيقة، وكذلك قوله تعالى في قصة سحرة فرعون: ﴿وَجَاءُوا =
стр. 1510
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ..
= بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ (١). ودلت على ذلك أيضًا سورة الفلق، مع اتفاق المفسرين على أن سبب نزولها ما كان من سحر لبيد بن الأعصم، وهو مما خرجه البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة ﵂ قالت: سحر رسول الله ﷺ يهودي من يهود بني زريق يقال له لبيد بن الأعصم الحديث. وفيه أن النبي ﷺ قال لما حُلَّ السحر: "إنَّ اللهَ شَفَاني". والشفاء إنما يكون برفع العلة وزوال المرض، فدل على أن له حقيقة، فهو حق مقطوع به بإخبار الله تعالى ورسوله على وجوده ووقوعه.
وعلى هذا أهل الحل والعقد الذين ينعقد بهم الإِجماع، ولا عبرة، مع اتفاقهم، بحثالة المعتزلة ومخالفتهم أهل الحق.
وروى سفيان عن أبي الأعور، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: عُلِّم السحر في قرية من قرى مصر يقال لها "الفَرمَا" فمن كذب به فهو كافر، مكذب لله ورسوله، منكر لما علم مشاهدة.
قال العُلماء: لا ينكر أن يظهر على الساحر خرق العادات مما ليس في مقدور البشر؛ من مرض، وتفريق، وزوال عقل، وتعويج عضو، إلى غير ذلك مما قام الدليل على كونه ليس من مقدور البشر، ومع ذلك فلا يكون السحر موجبًا لذلك، ولا علة لوقوعه، ولا سببًا مولدًا، ولا يكون السحر مستقلًا به، وإنما يخلق الله هذه الأشياء ويحدثها عند وجود السحر، كما يخلق الشبع عند الأكل، والريّ عند شرب الماء.
لطيفة: روى سفيان عن عمار الذهبي أن ساحرًا كان عند الوليد بن عقبة يمشي على الحبل، ويدخل في أست الحمار ويخرج من فيه، فاشتمل له جندب على السيف، فقتله جندب، قال: هذا هو جندب بن كعب الأزدي وقيل البجلي، وهو الذي قال في حقه النبي ﷺ : "يَكُونُ فِي أُمَّتِي رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ جُنْدُبٌ يَضْرِبُ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ": فكانوا يرونه جندبًا هذا قاتل الساحر. قال عليّ بن المديني: روى عنه حارثه بن مُضَرِّب. ا. هـ.
قال القرطبي: ذهب مالك إلى أن المسلم إذا سحر بنفسه بكلام يكون كفرًا يقتل ولا يستتاب، ولا تقبل توبته، لأنه أمر يستسر به كالزنديق والزاني، قال: ولأن الله سمى السحر كفرًا بقوله: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾؛ قال: وهذا قول أحمد بن حنبل وأبي ثور، وإسحاق، =