← Фикх малики

Фикх малики · id 784

مواهب الجليل من أدلة خليل

أحمد بن أحمد المختار الشنقيطي

Полный текст (1 647 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

كتاب الردة بَابٌ: الردَّةُ كُفْرُ المُسْلِمِ بصَرِيحٍ أوْ لَفْظٍ يَقْتَضِيهِ (١)، أوْ فِعْلٍ يَتَضَمَّنُهُ، كَإلْقَاءِ مُصْحَفٍ بِقَذَرٍ وشدِّ زُنَّارٍ (٢)، وسِحْرٍ (٣)، وقَوْلٍ بِقِدَمِ الْعَالَمِ أَوْ بَقَائِهِ أوْ شَكٍّ في ذلِك، أو بتَنَاسُخِ الأرْواحِ أوْ في كُلِّ جِنْسٍ نَذِيرٌ، أَوِ ادَّعَى شرْكا مَعَ نُبُوَّتِهِ ﷺ ، أو بِمُحَاربَةِ نَبِيٍّ أوْ جَوَّزَ اكْتِسَابَ النُّبُوَّةِ أو ادَّعى أنَّه يَصْعَدُ للسَّمَاءِ، أو يُعَانِقُ الحُورَ أو اسْتَحَلَّ كالشِّرْبِ (٤)، لا بِأماتَهُ اللّه كَافِرًا عَلى الأصَحِّ، وفُصِّلَتْ الشَّهَادَةُ فِيهِ. واستُتِيبَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَا جُوع وعَطَشٍ وَمُعَاقَبَةٍ وإنْ لَمْ يَتبْ، فإنْ تَاب وإِلَّا قُتِلَ (٥)، واستُبْرِئتْ بِحْيضَةٍ (٦)، ومَالُ الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ، وإلَّا فَفَيْءٌ، وبَقِيَ وَلَدُهُ مُسْلمًا كأنْ تُرِكَ وأُخِذَ مِنْهُ مَا جنَى عَمْدًا على عَبْدٍ أوْ ذِمِّيٍّ لا حُرٍّ مُسْلِمٍ، كأن هَرَبَ لِدَار الْحرْبِ (٧) إلَّا حَدًا لفِرْيَةِ والْخَطأُ على بَيْتِ الْمَالِ، كأخْذِهِ جِنَايةً عَلَيْهِ، وإِنْ تَابَ فَمَالُهُ لَهُ، وقُدِّرِ كالْمُسْلِم فِيهمَا، وقُتِلَ المُسْتَسِرُّ بِلَا اسْتِتابَةٍ، إلَّا أنْ يَجيءَ تَائبًا وماله لِوَارِثهِ (٨) وقُبِلَ عُذْرُ مَنْ أَسْلَمَ وقال: أسْلَمْتُ عَنْ ضِيقٍ إن ظهَرَ كأن تَوَضَّأ وَصَلَّى وأعَادَ مَأمُومُه وأُدِّبَ مَنْ تَشَهَّدَ وَلم يُوقَفْ عَلى الدَّعَائِمِ، كسَاحِرٍ ذِمِّيٍّ إنْ لَمْ يُدْخِلْ ضَرَرًا على مُسْلِم وأسْقَطَتْ صَلاةً وصِيامًا وزكاةً وحجًّا تَقَدَّمَ ونَذْرًا وكفَّارَةً ويَمِينًا باللهِ أو بعِتْقٍ أو ظِهَارٍ، وإحْصَانًا وَوَصيَّةً لَا طَلَاقًا، وَرِدَّةُ مُحَلَّلٍ بِخِلَافِ رِدَّةِ المرأة (٩)، وأُقِرَّ كَافِرٌ انْتَقَلَ لِكُفْر آخَرَ (١٠)، وحُكِمَ بإسْلَامِ مَنْ لمْ يُميِّزْ لِصِغَرٍ أَوْ جُنُونٍ بإسْلَامِ أبيهِ فَقَط كأنْ مَيَّزَ، إلَّا المُراهِقَ والمتْرُوكَ لَهَا فلَا يُجْبَرُ بِقَتْلٍ إن امْتَنَعَ وَوُقِفَ إرثَهُ، ولإِسْلَامِ سَابِيهِ إن لَمْ يكن مَعَهُ أبوهُ، والمتَنَصِّرُ من كأسِير على الطّوْعِ إن لم يثبُتْ إكْرَاهُهُ. وإنْ سَبَّ نَبِيًّا أو مَلكًا أوْ عَرَّضَ أو لَعَنَهُ أو عَابَهُ أو قَذفَهُ أوْ اسْتَخَفَّ بِحَقِّهِ أوْ غَيَّرَ صِفَتَهُ أوْ ألْحَقَ بِهِ نَقْصًا وإنْ في =

стр. 1507

بَدَنِهِ أوْ خَصْلَتِهِ أو غَضَّ مِن مَرْتَبَتِهِ أو وفُورِ عِلْمِهِ أوْ زهْدِهِ أوْ أضَافَ لَهُ مَا لَا يَجوزُ عَلَيْهِ أو نسب إلَيْهِ ما لا يَليقُ بِمَنْصِبِهِ عَلى طريق الذَّمِّ أوْ قيلَ لَهُ بِحَقِّ رسُولِ اللهِ فَلَعَنَ وقَال أرَدْتُ العَقْرَبَ، قُتِلَ وَلَمْ يُسْتَتَبْ حَدًّا (١١) إلَّا أنْ يُسْلِمَ الْكَافِرُ (١٢)، وإنْ ظَهَرَ أنَّهُ لَمْ يُردْ ذَمَّهُ لِجَهْلٍ أوْ سُكْرٍ أو تَهَوُّرٍ، وفيمنَ قَال لَا صَلَّى اللّهُ عَلَى مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ جَوابًا لِصَلِّ، أَوْ قال: الأنبياءُ يتَّهَمُونَ جَوَابًا لِتَتَّهِمُنِي، أو جَميعُ الْبَشَرَ يَلْحَقُهُمُ النَّقْصُ حَتَّى النَّبِيَّ ﷺ ، قولَانِ. وَاسْتُتِيبَ في هُزِمَ أو أعْلَنَ بِتَكْذِيبهِ أوْ تَنَبَّأَ إلَّا أنْ يُسِرَّ عَلى الأظْهَرِ، وأُدِّبَ اجْتِهَادًا في أدِّ واشْكُ لِلنَّبِيِّ، أوْ لَوْ سَبَّنِي مَلَكٌ لَسَبَبْتُهُ، أو يا ابْنَ ألْفِ كَلْبٍ أوْ خِنْزير أو عُيِّرَ بالفَقْرِ، فَقَال: تُعَيِّرُنِي بهِ والنبيُّ قَدْ رَعَى الغَنَمَ. أو قَالَ لِغَضبَانَ كأنَّه وجْهُ مُنكَرٍ أو مَالِكٍ أو اسْتَشْهَدَ ببَعْضِ جَائزٍ عَلَيْهِ في الدنيا حُجَّةً لَهُ أوْ لِغَيْرِهِ أوْ شَبَّهَ لِنَقْصٍ لَحِقَهُ لَا عَلى التَّأَسِّي، كأن كُذِّبْتُ فَقَدْ كُذِّبُوا أو لَعَنَ الْعَرَبَ أوْ بني هاشِمٍ وقَال أرَدْتُ الظَّالمينَ، وشُدِّدَ عَلَيهِ في كُلِّ صَاحِبِ فُنْدُقٍ قَرْنَانَ ولو كانَ نَبِيًّا، وفي قَبيح لأحَدِ ذُرِّيته ﷺ مَعَ الْعِلْمِ بِهِ كأنْ انْتَسَبَ لَهُ أو احْتَمَلَ قَوْله أو شَهِدَ عَلَيْهِ عَدْلٌ أو لَفيفٌ فَعَاق عَنِ الْقَتْل أوْ سَبَّ مَنْ لم يُجْمَعْ على نبُوَّتِهِ أو صَحَابِيًّا وسَبُّ اللَّهِ كَذلكَ وفي اسْتتابةِ المُسْلِم خِلَافٌ (١٣) كمن قالَ: لَقيتُ في مَرضي مَا لَوْ قَتلْتُ أبا بكر وَعُمَرَ لم اسْتَوْجِبْهُ. الكلام على الردة قال ابن شأس، فيما نقل عنه المواق: الردة هي الجناية الثانية - نسأل الله تعالى العصمة منها ومن سائر الكبائر، وأن يتوفانا مسلمين - قال: والنظر في حقيقتها وحكمها. ا. هـ. قال ابن قدامة: المرتد هو الراجع عن دين الإسلام إلى الكفر، قال الله تعالى في سورة البقرة: =

стр. 1508

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون﴾ (١). وقال النبي ﷺ : "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ". رواه البخاري، وأبو داود. وأجمع أهل العلم على وجوب قتل المرتد عن الإِسلام، وروي ذلك عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، ومعاذ، وأبي موسى، وابن عباس، وخالد، وغيرهم، فلم ينكر ذلك فكان إجماعًا. انتهى. (١) قوله: الردة كفر المسلم بصريح أو لفظ يقتضيه، قال ابن شأس ظهور الردة إما بالتصريح بالكفر إما أن يقول قولًا يقتضيه، ومثل له ابن عرفة بإنكار غير حديث العهد بالكفر، أمرًا يعلم وجوبه بالضرورة. (٢) وقوله: أو فعل يتضمنه كإلقاء مصحف بقذر وشد زنَّار، وكسجوده لصنم، وكتردده على كنائسهم بزيهم في أيام أعيادهم، وكأن يرمي المصحف بشيء مستقذر ولو طاهرًا كبصاق مثلًا، ومثل إلقائه به تلطيخه له؛ أو تركه به مع القدرة على رفعه منه، لأن القاعدة أن الدوام كالابتداء. قال في جواهر الإِكليل: وكالمصحف جزؤه، والحديث النبوي الشريف، والحديث القدسي، وأسماء الله الحسنى، وأسماء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. قلت: لا يختلف اثنان على أن الريق المعروف باللغة المستعملة بالمشرق "بالتفلان"، لا يختلف اثنان على أنه قذر مستقذر، فإن كان المرء لا يستقذر ريقه هو لنفسه، فإنه بدون شك يستقذر ريق غيره، لذلك، فإنه لا ينقضي عجبي مما هو كالمتفق عليه في سائر المشرق، وخصوصًا بالجزيرة العربية، من قلب أوراق المصحف الشريف بالريق، وكنت ظننت، وذلك بحسن الظن، أنه ما وقع هذا الاتفاق الفعلي على قلب أوراق المصحف بالريق، إلا أن السادة الحنابلة يفتون بذلك في كتبهم، غير أني، حتى الآن، لم أقف على قول واحد بذلك عنهم. ولعله فيما لم أقف عليه من كتبهم، والذي أستطيع أن أقول: إن ذلك عمل قبيح، ينزه المصحف الشريف عنه، والمرء في ذلك مدعو أن ينظر في نفسه؛ هل يرضى أن يقوم أنظف الناس ريقًا بجعل ريقه على حُر وجهه؟ فإذا كان يربأ بوجهه المخلوق عن ذلك، فكيف يرضى به لكتاب الله؟.

стр. 1509

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = (٣) وقوله: وسحر، نسب المواق لمحمد، قال: قول مالك وأصحابه: إن الساحر كافر بالله، قال مالك: هو كالزنديق، إذا عمل السحر بنفسه، قتل ولم يستتب، ومن لم يباشر عمل السحر وجعل من يعمله له، ففي الموازية يؤدب أدبًا شديدًا، قال المواق: يريد ويثبت ذلك عن الإِمام؛ لأنه معنى يجب به القتل، فلا يحكم به إلا بعد ثبوته وتحقيقه، كسائر ما يجب به القتل. وقال ابن قدامة: السحر هو عُقَدٌ ورُقىً وكلام يتكلم به، أو يكتبه، أو يعمل شيئًا يؤثر في بدن المسحور، أو قلبه، أو عقله، من غير مباشرة له، وله حقيقة، فمنه ما يقتل، ومنه ما يمرض، ومنه ما يأخذ الرجل عن امرأته فيمنعه من وطئها، ومنه ما يفرق بين المرء وزوجه، ومنه ما يبغض أحدهما إلى الآخر، ومنه ما يحبب بينهما، والدليل على أن للسحر حقيقة أن الله تعالى أمرنا بالاستعاذة منه بقوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ (١). يعني السواحر اللاتي يعقدن في سحرهن، وينفثن عليه. وقال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ (٢)، ذكر أبو عبد الله القرطبي في الجامع لأحكام القرآن، أن سبب نزول هذه الآية، أن اليهود عارضت محمدًا ﷺ بالتوراة فاتفقت التوراة والقرآن، فنبذوا التوراة وأخذوا بكتاب آصف وبسحر هاروت ومارِوت. وقال ابن إسحاق: لما ذكر رسول الله ﷺ سليمان في المرسلين، قال بعض أحبارهم: يزعم محمد أن ابن داود كان نبيًا، والله ما كان إلا ساحرًا. فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾. فقوله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ تبرئة من الله تعالى سليمان، ولم يتقدم في الآية أن أحدًا نسبه إلى الكفر، ولكن اليهود نسبته إلى السحر، فلما كان السحر كفرًا صار من نسبه إلى السحر بمنزلة من نسبه إلى الكفر. ثم قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾. فأثبت كفرهم بتعليم السحر، فقوله: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْر﴾ في موضع نصب على الحال، ويمكن أيضًا أن تكون في موضع رفع على الخبرية، على أنه خبر ثان. قال: فهذه الآية دلت على أن للسحر حقيقة، وكذلك قوله تعالى في قصة سحرة فرعون: ﴿وَجَاءُوا =

стр. 1510

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .. = بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ (١). ودلت على ذلك أيضًا سورة الفلق، مع اتفاق المفسرين على أن سبب نزولها ما كان من سحر لبيد بن الأعصم، وهو مما خرجه البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة ﵂ قالت: سحر رسول الله ﷺ يهودي من يهود بني زريق يقال له لبيد بن الأعصم الحديث. وفيه أن النبي ﷺ قال لما حُلَّ السحر: "إنَّ اللهَ شَفَاني". والشفاء إنما يكون برفع العلة وزوال المرض، فدل على أن له حقيقة، فهو حق مقطوع به بإخبار الله تعالى ورسوله على وجوده ووقوعه. وعلى هذا أهل الحل والعقد الذين ينعقد بهم الإِجماع، ولا عبرة، مع اتفاقهم، بحثالة المعتزلة ومخالفتهم أهل الحق. وروى سفيان عن أبي الأعور، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: عُلِّم السحر في قرية من قرى مصر يقال لها "الفَرمَا" فمن كذب به فهو كافر، مكذب لله ورسوله، منكر لما علم مشاهدة. قال العُلماء: لا ينكر أن يظهر على الساحر خرق العادات مما ليس في مقدور البشر؛ من مرض، وتفريق، وزوال عقل، وتعويج عضو، إلى غير ذلك مما قام الدليل على كونه ليس من مقدور البشر، ومع ذلك فلا يكون السحر موجبًا لذلك، ولا علة لوقوعه، ولا سببًا مولدًا، ولا يكون السحر مستقلًا به، وإنما يخلق الله هذه الأشياء ويحدثها عند وجود السحر، كما يخلق الشبع عند الأكل، والريّ عند شرب الماء. لطيفة: روى سفيان عن عمار الذهبي أن ساحرًا كان عند الوليد بن عقبة يمشي على الحبل، ويدخل في أست الحمار ويخرج من فيه، فاشتمل له جندب على السيف، فقتله جندب، قال: هذا هو جندب بن كعب الأزدي وقيل البجلي، وهو الذي قال في حقه النبي ﷺ : "يَكُونُ فِي أُمَّتِي رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ جُنْدُبٌ يَضْرِبُ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ": فكانوا يرونه جندبًا هذا قاتل الساحر. قال عليّ بن المديني: روى عنه حارثه بن مُضَرِّب. ا. هـ. قال القرطبي: ذهب مالك إلى أن المسلم إذا سحر بنفسه بكلام يكون كفرًا يقتل ولا يستتاب، ولا تقبل توبته، لأنه أمر يستسر به كالزنديق والزاني، قال: ولأن الله سمى السحر كفرًا بقوله: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾؛ قال: وهذا قول أحمد بن حنبل وأبي ثور، وإسحاق، =

стр. 1511

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .. = والشافعي، وأبي حنيفة. وروي قبل الساحر عن عمر، وعثمان وابن عمر، وحفصة، وأبي موسى، وقيس بن سعد، وعن سبعة من التابعين. قال: وروي عن النبي ﷺ : "حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبَةٌ بِالسَّيْفِ". خرجه الترمذي، وليس بالقوي، وخرجه الحاكم أيضًا. وروى سعيد، وأبو داود في كتابيها عن بجالة، قال: كنت كاتبًا لجزء بن معاوية، عم الأحنف بن قيس، إذ جاءنا كتاب عمر قبل موته بسنة: اقتلوا كل ساحر. فقتلنا ثلاث سواحر في يوم، وهذا اشتهر فلم ينكر، فكان إجماعًا. وقتلت حفصة جارية لها سحرتها. قال ابن قدامة: ولم ير الشافعي قتل الساحر بمجرد السَاحِر، وهو قول ابن المنذر، ورواية عن أحمد، واستدلوا أن عائشة ﵂ باعت مدبرة لها قد سحرتها، قالوا: ولو وجب قتلها لما حل بيعها. واحتجوا أيضًا بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لَا يَحِلُّ دَمُ امِرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: كُفْرٌ بَعْدَ إِيمَانٍ، أَوْ زِنًا بَعْدَ إِحْصَانٍ، أَوْ قَتْلُ نَفْسٍ بِغَيْرِ حَقٍّ". قالوا: فلم يصدر منه أحد الثلاثة، فوجب أن لا يحل دمه. قال ابن قدامة: فأما الكاهن الذي له رئيٌّ من الجن يأتيه بالخبر، وأما العراف الذي يحدس ويتخرص، فعن الإمام أحمد رواية: أرى أن يستتاب من هذا فعله، قيل له: أيقتل؟ قال: لا، يحبس لعله يرجع، وقال: الساحر والكاهن حكمهما القتل أو الحبس حتى يتوبا لأنهما يلبسان أمرهما، وعن عمر: اقتلوا كل ساحر وكاهن. قال: وليس هو من أمر الإسلام. قال: فهذا يدل أن كل واحد من الكاهن والساحر فيه روايتان: أنه يقتل إذا لم يتب. والثانية: أن الكاهن لا يقتل لأن حكمه أخف من حكم الساحر. (٤) وقوله: أو استحل كالشِّرب، نسب المواق إلى عياض حكاية إجماع المسلمين على تكفير من استحل القتل أو الشرب أو شيئًا مما حرم الله، مما علم تحريمه من الدين بالضرورة، قال: كأصحاب الإباحة من القرامطة وبعض غلاة المتصوفة. ا. هـ. (٥) وقوله: واستتيب ثلاثة أيام بلا جوع وعطش ومعاقبة ما لم يتب، فإن تاب وإلا قتل، دليل ذلك =

стр. 1512

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = قوله ﷺ : "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فاقْتُلُوهُ". قال مالك: وذلك فيمن خرج من الإِسلام إلى غيره، لا من خرج من ملة سواه إلى غيرها. وجاء عن عمر ﵁ وعن غيره استتابة المرتد ثلاثًا، لقوله ﵎: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ﴾ (١) الآية. وسئل مالك عن قول عمر: ألا حبستموه ثلاثًا وأطعمتموه في كل يوم رغيفًا؟ فقال: لا بأس به، وليس بالمجمع عليه. قال مالك: وإذا تاب المرتد قبلت توبته، ولا حد عليه فيما صنع في ارتداده. وعن ابن شأس: عرض التوبة على المرتد واجب، والنص أنه يمهل ثلاثة أيام، قال مالك: وما علمت في استتابته تعطيشًا ولا تجويعًا، ولا عقوبة عليه إذا تاب. ا. هـ. من المواق. وقال الحطاب: وقال القاضي عبد الوهاب في شرح الرسالة: وعرض التوبة واجب على الظاهر على المذهب، إلا أنه إن قتله قاتل قبل استتابته، فبئس ما فعل، ولا يكون فيه قود ولا دية. ا. هـ. وقال ابن قدامة: ولا يقتل المرتد حتى يستتاب ثلاثًا، هذا قول أكثر أهل العلم، منهم عمر، وعلي، وعطاء، والنخعي، ومالك، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وهو أحد قولي الشافعي. وعن الإِمام أحمد رواية أخرى أنه لا تجب استتابته، لكن تستحب، وهذا القول الثاني للشافعي، وهو قول عبيد بن عيير، وطاوس، ويروى ذلك عن الحسن، قالوا: لقول النبي ﷺ : "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فاقْتُلُوهُ". ولم يذكر استتابة. واحتج من قال بوجوب الاستتابة بما روى مالك في الموطإ عن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد القارئ عن أبيه أنه قدم على عمر رجل من قبل أبي موسى، فقال له عمر: هل كان من مُغَرِّبة خبر؟ قال نعم، رجل كفر بعد إسلامه، فقال: ما فعلتم به؟ قال: قربناه فضربنا عنقه. فقال عمر: فهلا حبستموه ثلاثًا فأطعمتموه كل يوم رغيفًا، واستتبتموه، لعله يتوب أو يراجع أمر الله؟ اللهم إني لم أحضر ولم آمر، ولم أرض إذ بلغني. قالوا: ولو لم تجب الاستتابة لما برئ عمر من فعلهم. قال ابن قدامة: وإذا ثبت وجوب الاستتابة فمدتها ثلاثة أيام. روي ذلك عن عمر ﵁، وبه قال مالك، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وهو أحد قولي الشافعي، وقوله الآخر: إن تاب في الحال

стр. 1513

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وإلا قتل مكانه، وهذا أصح قوليه، وهو قول ابن المنذر. ا. هـ. منه. (٦) وقوله: واستبرئت بحيضة: يريد به، والله أعلم، وإذا ارتدت امرأة ذات زوج أو سيد واستتيبت فلم تتب استبرئت بحيضة قبل قتلها خشية حملها. (٧) وقوله: وأخذ منه ما جنى عمدًا على عبد أو ذمي لا حر مسلم؛ كأن هرب لدار الحرب، نسب المواق هنا لابن شأس قوله: لو قتل حرًا عمدًا وهرب لبلاد الحرب، لم يكن لولاة المقتول في ماله شيء، ولا ينفق على ولده ولا على عياله منه، بل يوقف، فإن مات فهو فيء، وإن كان القتيل عبدًا أو ذميًا أخذ ذلك من ماله. قال ابن قدامة: المرتد إذا قتل أو مات على ردته، فإنه يبدأ بقضاء دينه وأرش جنايته، ونفقة زوجته وقريبه. لأن هذه الحقوق لا يجوز تعطيلها، وما بقي من ماله فهو فيء، وعلى كل حال فلا نص، وليس لأيٍّ من المذهبين إلا محض الاجتهاد. والله أعلم. (٨) وقوله: وقُتل المستسرّ بلا استتابة إلا أن يجيءَ تائبًا وماله لوارثه، جاء في تفسير القرطبي: قال مالك: ويقتل الزنادقة ولا يستتابون، وقد مضى هذا القول في البقرة، ج ٣ / ص ٤٧. يعني بذلك قوله في ج ١ / ص ١٩٩ قال مالك: النفاق في عهد رسول الله ﷺ هو الزندقة فينا اليوم، فيقتل الزنديق إذا شهد عليه بها دون استتابة، وهو أحد قولي الشافعي، شال مالك: وإنما كفَّ رسول الله ﷺ عن قتل المنافقين ليبين لأمته أن الحاكم لا يحكم بعلمه إذْ لم يُشْهَد على المنافقين فإن عبد الله بن أبيٍّ لَم يشهد عليه إلا زيد بن أرقم، والجلاس بن سويد لم يشهد عليه إلا ربيبه عمير بن سعد، قال: ولو شهد على أحد منهم رجلان بكفره لقتل. وخالف الشافعي في قوله الثاني قال: السنة فيمن شهد عليه بالزندقة فجحد وأعلن بالإِيمان وتبرأ من كل دين سوى الإِسلام؛ أن ذلك يمنع من إراقة دمه. وبه قال أصحاب الرأي، وأحمد، والطبري، وغيرهم. قال الشافعي وأصحابه: إنما منع رسول الله من قتل المنافقين ما كانوا يظهرونه من الإسلام مع العلم بنفاقهم. قلت: ولنا أن نقول بموجب ذلك، فنقول: سلمنا أنه إنما تركهم لما يظهرونه من الإِسلام، ولكن مع عدم الإِشهاد على نفاق أحدهم بعينه وإلَّا قتل، فقد تركهم وهو يعلمهم بأسمائهم ليبين أن الحاكم لا يحكم بعلمه. =

стр. 1514

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وأيضًا فإن الله تعالى كان حفظ أصحاب نبيه ﷺ بكونه ثبتهم أن يفسدهم المنافقون أو يفسدوا دينهم، فلم يكن ضرر في بقائهم بين أظهرهم، وليس ذلك كذلك اليوم؛ لأنا لا نأمن من الزنادقة أن يفسدوا عامتنا وجهالنا. والله تعالى أعلم وهو الموفق. (٩) وقوله: وأسقطت صلاة وصيامًا وزكاة وحجًا تقدم ونذرًا، إلى قوله: بخلاف ردة المرأة، قال المواق: إن راجع المرتد الإِسلام قال في المدونة: وضع عنه ما كان لله قد تركه قبل ارتداده من صلاة أو صوم أو زكاة أو حد وما كان عليه من نذر أو يمين بعتق أو بالله أو بالظهار. ا. هـ. ولعل المعول في ذلك على قول رسول الله ﷺ لعمرو بن العاص ﵁ حين جاء ليسلم قال له: "أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الإسْلَامَ يَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهُ وَالرِّدَّةُ تَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهَا". أو كما قال ﷺ . وقوله ﵎: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ (١) وقد اختلف مالك والشافعي في تأويل هذه الآية، فقد قال الشافعي: من ارتد ثم عاد إلى الإِسلام لم يحبط عمله ولا حجه الذي فرغ منه، بل إن مات على الردة فحينئذ حبط عمله. وقال مالك: يحبط عمله بنفس الردة، ويظهر الخلاف في المسلم إذا حج ثم ارتد ثم أسلم، فقال مالك: يلزمه الحج، لأن الأول قد حبط بالردة، وقال الشافعي: لا حج عليه لأن عمله باق. قال القرطبي: واستظهر علماؤنا بقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ (٢)، قالوا: هو خطاب للنبي ﷺ ، والمراد أمته، لأنه ﵊، تستحيل منه الردة شرعًا. وقال ابن العربي: إنما ذكر الموافاة شرطًا ها هنا لأنه علق عليها الخلود في النار جزاء، قال: فمن وافى على الكفر خلَّده الله في النار بهذه الآية، ومن أشرك حبط عمله بالآية الأخرى، فهما آيتان مفيدتان لمعنيين متغايرين. وما خوطب به علمِه الصلاة والسلام فهو لأمته حتى يثبت اختصاصه به. ا. هـ. منه. (١٠) وقوله: وأقر كافرًا انتقل لكفر آخر، قال القرطبي في تفسيره: واختلفوا فيمن خرج من كفر إلى كفر، فقال مالك وجمهور الفقهاء: لا يتعرض له، لأنه انتقل إلى ما لو كان عليه في الابتداء، لأقر عليه. وحكى ابن عبد الحكم عن الشافعي أنه يقتل لقوله ﷺ : "مَنْ بَدَّلَ دِينَه فَاقْتُلوهُ" ولم يخصَّ مسلمًا من كافر. وقال مالك: إنما معنى الحديث: من خرج من الإِسلام إلى الكفر، وأما من خرج من كفر =

стр. 1515

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = إلى كفر فلم يعن بهذا الحديث، وهو قول جماعة الفقهاء. قلت: ما ذهب إليه مالك يستأنس له بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (١) الآية. أي وغيره لا يسمى دينًا ولا يعتبر. والله تعالى أعلم. قال القرطبي: واختلفوا أيضًا في المرتدة، فقال مالك، والأوزاعي، والشافعي، والليث بن سعد (وغيرهم): تقتل كما يقتل المرتد سواء، وحجتهم ظاهر الحديث: "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ". قلت: ومعلوم أن"مَنْ" يصلح التعبير به عن الذكر والأنثى. قال ابن مالك في الخلاصة: ومَنْ، وما، وألْ تساوي ما ذكر قال ابن عقيل في شرحه: أشار بقوله: (تساوي ما ذكر) إلى أن من، وما، والألف واللام تكون بلفظ واحد للمذكر والمؤنث المفرد والمثنى والمجموع ألخ. وقال الشيخ عبد الله بن الحاج إبراهيم العلوي في مراقي السعود في مبحث صيغ العموم: ومَا شُمولُ مَنْ للإِنْثَي جَنَفُ … وفي شَبِيه الْمُسْلِمينَ اخْتَلَفُوا قال القرطبي: وقال الثوري، وأبو حنيفة وأصحابه: لا تقتل المرتدة. وهو قول ابن شُبْرُمة وإليه ذهب ابن عُليَّة، وهو قول عطاء والحسن. واحتجوا بأن ابن عباس روي عن النبي ﷺ أنه قال: "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ". ثم إن ابن عباس لم يقتل المرتدة، ومن روي حديثًا كان أعلم بتأويله. وروي عن علي مثله. قالوا: ونهى ﷺ عن قتل النساء والصبيان. واحتج الأولون بقوله ﵇: "لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: كُفْرٌ بَعْدَ إِيمَانٍ … " الحديث. قالوا: فعم كل من كفر بعد إيمانه، وهو أصح. ا. هـ. هذا، وقد تقدم الكلام على قتل المرتدة عند قول المصنف: واستبرئت بحيضة. (١١) وقوله: وإن سَبَّ نبيًا أو ملكًا، إلى قوله، قتل ولم يستتب حدًّا، نسب المواق هنا لعياض قوله: من أضاف إلى النبي ﷺ الكذب فيما بلغه أو أخبر به أو سبه أو استخف به أو بأحد من الأنبياء أو أزرى عليهم أو آذاهم فهو كافر بإجماع. وكذلك يكفر من اعترف بنبوة نبينا محمد ﷺ ولكن قال مات قبل أن يلتحي، أو ليس الذي كان بمكة والحجاز، أو ليس الذي كان من قريش؛ لأن وصفه بغير صفته =

стр. 1516

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = المعلومة نفي له وتكذيب به ثم قال: وحكم من سب سائر أنبياء الله وملائكته أو استخف بهم، أو أكذبهم، أو أنكرهم، حكم نبينا ﷺ ، على مساق ما قدمناه. وقال القابسي في الذي قال لآخر: كأنه وجه مالك الغضبان، قال: إن عرف أنه قصد ذم الملك، قتل، قال عياض: وهذا فيمن تحققت نبوته أو تحقق أنه من الملائكة، أما من لم يثبت أنه نبي بالإجماع، أو ملَك كذلك، فليس الحكم فيهم ما ذكرنا، ولكن يؤدب من تنقّصهم. وقال عياض: من سب النبي ﷺ أو عابه، أو ألحق به نقصًا في نفسه أو دينه، أو نسبه، أو خصلة من خصاله، أو عرض به، أو شبهه بشيء على طريق السب له والازدراء عليه أو التصغير لشأنه، أو الغض منه، أو العيب له، حكمه القتل حدًا لا كفرًا، ولهذا لا تنفعه استقالته وفيئته ولا تقبل توبته. ا. هـ. باختصار. (١٢) وقوله: إلا أن يسلم الكافر، نقل المواق عن عياض: إذا صرح الذميُّ بسب النبي ﷺ ، أو عرض بذلك، أو استخف بقدره، أو وصفه بغير الوجه الذي كفر به، فلا خلاف عندنا في قتله إن لم يسلم؛ لأن الإسلام يجبّ ما قبله. وعن ابن يونس: من سب رسول الله ﷺ أو عابه، إن كان مسلمًا قتل، قال ابن القاسم: وإن كان نصرانيًا قتل صاغرًا إلا أن يسلم، وليس يقال له: أسلم، ولكن يقتل إلا أن يسلم طائعًا، وكذلك قال مالك. ا. هـ. منه. (١٣) وقوله: وسبُّ الله كذلك. وفي استتابة المسلم خلاف، نقل المواق عن ابن سحنون: من شتم الحق من اليهود والنصارى بغير الوجه الذي كفر به، قتل ولم يستب، قال ابن أبي زيد: إلا أن يسلم. وفي التفريع: من سب الله أو سب النبي ﷺ ، من مسلم أو كافر، قتل ولم يستتب، وقال المخزومي وابن أبي حازم: لا يقتل المسلم بالسب إلا أن يستتاب، وكذلك اليهود والنصارى، وقد تقدم نقل ابن يونس عن ابن القاسم أن من عاب رسول الله ﷺ قتل ولم يستتب وميراثه لجميع المسلمين وهو بمنزلة الزنديق لا تعرف توبته بلسانه ويراجع ذلك في سريرته، وإن كان نصرانيًا فإنه يقتل صاغرًا. وسئل أصبغ عن رجل أيقن برجل أنه زنديق فاغتاله فقتله؟ فقال: هو محسن فيما بينه وبين الله، لكن يعزره السلطان للعجلة قبل أن يثبت ذلك للسلطان، ولكنه محسن إذ لعل الولاة تضيع مثل هذا. ا. هـ. منه.

стр. 1517

جريمة الزنا بَابٌ: الزِّنَا وَطْءُ مُكَلَّفٍ مُسْلِمٍ فَرْجَ آدَمِيٍّ لَا مِلْكَ لَهُ فيه باتِّفَاقٍ عَمْدًا (١)، وإنْ لِوَاطًا (٢)، أوْ إتْيَانَ أجْنَبِيَّةٍ بِدُبُرٍ؛ أوْ إتْيَان ميّتة غيْرِ زَوْجٍ أوْ صغيرِةٍ يُمْكِنُ وَطْؤُهَا أوْ مُسْتَأجَرَةٍ لِوَطْءٍ أوْ غَيْرِهِ، أوْ مَمْلُوكَةٍ تَعْتِقُ أوْ يَعْلَمُ حُرِّيَّتَهَا، أوْ مُحَرَّمَةٍ بِصِهْرٍ مُؤبّدٍ أوْ خامسَةٍ أوْ مَرْهُونَةٍ أوْ ذَاتِ مَغْنَمٍ أوْ حَرْبِيَّةٍ أوْ مَبْتُوتَةٍ وَإنْ بعدَّةٍ، وَهَلْ وإنْ أبَتَّ في مَرَّةٍ؟ تأويلَانِ. أوْ مُطَلّقَةٍ قَبْلَ البِنَاءِ أوْ مُعْتَقَةٍ بِلَا عَقْدٍ كَأنْ يَطَأهَا مَمْلُوكُهَا أوْ مَجْنُونٌ بِخِلَاف الصَّبيِّ إلَّا أنْ يَجْهَل الْعَيْنَ أوْ الحُكْمَ إنْ جَهِلَ مِثْلُهُ إلَّا الْوَاضِحَ، لَا مُسَاحقَةٌ، وأُدِّبَ اجْتِهَادًا (٣) كبَهِيمَةٍ وَهيَ كَغيْرِهَا في الذَّبْحِ والأكْلِ (٤)، ومَن حَرُمَ لِعَارِضٍ كحَائضٍ أوْ مُشْتَرَكَةٍ أو مَمْلُوكَةٍ لا تَعْتِقُ أو مُعْتَدَّةٍ أوْ بِنْتٍ عَلى أمٍّ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا أوْ أُخْتٍ عَلى أخْتِهَا، وهَلْ إلّا أخْتَ النَّسَبِ لتحْريمِهَا بالكتَابِ؟ تأويلانِ. الكلام على جريمة الزنا أعاذنا اللّه والمسلمين منه (١) قوله: الزنا وطء مكلف مسلم فرج آدميّ لا مِلك له فيه باتفاق عمدًا، قال الحطاب: قال القاضي عياض: الزنا يمد ويقصر، فمن مده ذهب إلى أنه فعل من اثنين كالمفاعلة، ومن قصره جعله اسم الشيء بنفسه، وأصل اشتقاق الكلمة من الضيق والشيء الضيق، قال النووي: وإذا مد كتب بالألف، وإذا قصر كتب بإلياء، قال والقصر لغة الحجاز وبها جاء القرآن، والمد لغة تميم، قال: وهل سمي بذلك لضيق المحل أو لضيق الحكم فيه؟. ا. هـ. منه. باختصار. قال القرطبي: هو اسم لوطء الرجل امرأة في فرجها من غير نكاح ولا شبهة نكاح، بمطاوعتها. وإن شئت قلت: هو إدخال فرج في فرج مشتهى طبعًا، محرم شرعًا، فإذا كان ذلك وجب الحد. قال: والزنى كان معروفًا قبل الشرع، وأول عقوبة نزلت في الزنى هي قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ =

стр. 1518

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .. = يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (١). وكان هذا في ابتداء الإسلام. قاله عبادة بن الصامت، والحسن، ومجاهد، حتى نسخ بالأذى؛ يعني بقوله تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ (٢) ثم نسخ ذلك بآية النور، يعني قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣) وبحديث عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله ﷺ : "خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا؛ الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَرَمْيٌ بِالْحِجَارَةِ، وَالْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ". وقالت فرقة: بل كان الإيذاء هو الأول ثم نسخ بالإمساك، ولكن التلاوة أخرت وقدمت، قال: وهذا الإمساك والحبس في البيوت كان في صدر الإسلام قبل أن يكثر الجناة، فلما كثروا وخشي فوتهم اتخذ لهم سجن، قاله ابن العربي. (٢) وقوله: وإن لواطًا، نقل المواق عن ابن أبي زيد: وإن عمل عمل قوم لوط بذكر بالغ أطاعه فيه رجما، أحصنا أو لم يحصنا، قال ابن شأس: المشهور: ولو كانا عبدين كافرين. ا. هـ. وأخرج أبو داود: حدثنا عبد الله بن محمد بن علي النفيلي، حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ". وأخرجه الترمذي في الحدود، باب: في حد اللوطي، وابن ماجة في الحدود، باب: من عمل عمل قوم لوط، ونسبه المنذري للنسائي ولفظه: "لَعَنَ اللهُ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ". كررها ثلاثًا. قال أبو داود: وحدثنا إسحاق بن إبراهيم بن راهويه، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا بن جريج، أخبرني ابن خيثم، قال: سمعت سعيد بن جبير ومجاهدًا يحدثان عن ابن عباس، في البكر يؤخذ على اللوطية، قال: يرجم. قال الخطابي في معالم السنن: في هذا الصنع هذه العقوبة العظيمة، وكأن معنى الفقهاء فيه أن الله أمطر الحجارة على قوم لوط فقتلهم بها، ورتبوا القتل المأمور به على معاني ما جاء =

стр. 1519

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .. = فيه من أحكام الشريعة، فقالوا: يقتل بالحجارة رجما إن كان محصنة، ويجلد مائة إن كان بكرًا ولا يقتل، وإلى هذا ذهب سعيد بن المسيب، وعطاء بن أبي رباح، والنخعي، والحسن، وقتادة، وهو أظهر قولي الشافعي. وقال الأوزاعي: حكمه كحكم الزاني. وقال مالك بن أنس وإسحاق بن راهويه: يرجم، أحصن أو لم يحصن، وروي ذلك عن الشعبي. ا. هـ. منه. وقال ابن قدامة: أجمع أهل العلم على تحريم اللواط، وقد ذمه الله تعالى في كتابه وعاب من فعله، وذمه رسول الله ﷺ قال تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ (١). الأعراف. قال: واختلفت الرِّواية عن أحمد في حده، فروي عنه أن حده الرجم بكرًا كان أو ثيبًا، وهذا قول عليّ، وابن عباس وجابر بن زيد، وعبد الله بن معمر، والزهري، وأبي حبيب، وربيعة، ومالك، وإسحاق، وأحد قولي الشافعي، وقتادة، والأوزاعي، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وأبي ثور، وهو المشهور من قولي الشافعي لأن النبي ﷺ قال: "إِذَا أَتَى الرَّجُلُ الرَّجُلَ فَهُمَا زَانِيَانِ". وقال ﷺ : "مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ". رواه أبو داود، وفي لفظ: "فَارْجُمُوا الأَعْلَى وَالْأَسْفَلَ". قال: ولأنه إجماع الصحابة ﵃، فإنهم أجمعوا على قتله، وإنما اختلفوا في صفته، قالوا: ولأن الله تعالى عذب قوم لوط بالرجم، فينبغي أن يعاقب من فعل فعلهم بمثل عقوبتهم، قال: وقول من أسقط الحد عنه، يعني أبا حنيفة والحكم، يخالف النص والإجماع، قال: وروى صفوان بن سليم عن خالد بن الوليد أنه وجد في بعض ضواحي العرب رجلًا ينكح كما تنكح المرأة، فكتب بذلك إلى أبي بكر، فاستشار أبو بكر ﵁ الصحابة فيه، فكان عليّ أشدهم قولًا فيه، فقال: ما فعل هذا إلا أمة من الأمم واحدة، وقد علمتم ما فعل الله بها، أرى أن يحرق بالنار. فكتب أبو بكر إلى خالد بذلك فحرقه. انتهى منه بتصرف. (٣) وقوله: لا مساحقة وأدبت اجتهادًا، نسب للباجي هنا قوله: المتساحقتان من النساء، سمع ابن القاسم ليس في عقوبتهما حد، وذلك إلى اجتهاد الإمام، والدليل على صحة قول ابن القاسم هذا =

стр. 1520

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = إنها بمعنى المباشرة، ولا حد إلا بمغيب. وفي نوازل البرزلي أن حدهما خمسون جلدة وتغتسل وإن لم تنزل. ا. هـ. من المواق. قلت: ورد في المساحقة قوله ﷺ : "إِذَا أَتَتِ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ فَهُمَا زَانِيَتَانِ". قال ابن قدامة: ولا حد عليهما لأنه لا يتضمن إيلاجًا فأشبه المباشرة دون الفرج، وعليهما التعزير لأنه زنى لا حد فيه، فأشبه مباشرة الرجل المرأة من غير جماع، ولو باشر الرجل المرأة فاستمتع بها فيما دون الفرج فلا حد عليه. روي أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني لقيت امرأة فأصبت منها كل شيء إلا الجماع، فأنزل الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (١) الآية، فقال الرجل: ألي خاصة يا رسول الله؟ قال "بَلْ لِمَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ أُمَّتِي" رواه النسائي. ا. هـ. (٤) وقوله: كبهيمة وهي كغيرها في الذبح والأكل، قال في المدونة: لا يحد من أتى البهيمة، ويعاقب، وقال الطرطوشي: لا يختلف مذهب مالك أن البهيمة لا تقتل، وإن كانت مما تؤكل، أكلت. ا. هـ. من المواق. وقال ابن قدامة: روي عن أحمد أنه يعزر ولا حد عليه، وروي ذلك عن ابن عباس وعطاء، والشعبي، والنخعي، والحكم، ومالك، والثوري، وأصحاب الرأي، وإسحاق، وهو قول الشافعي. وعن أحمد رواية أخرى تقول: حكمه حكم اللائط. وقال الحسن: حده حد الزنى، وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن: يقتل هو والبهيمة لقول رسول الله ﷺ : "مَنْ أَتَى بَهِيمَةً فَاقْتُلُوهُ وَاقْتُلُوهَا مَعَهُ" رواه أبو داود. واحتج من قال: لا حد على من أتى بهيمة، بأنه لم يصح فيه نص، ولا يمكن قياسه على فرج الآدمي فبقي على الأصل، والحديث الذي احتج به من أنه يحد، رواه عمرو بن أبي عمرو، ولم يثبته الإِمام أحمد، وقال الطحاوي: هو ضعيف، ومذهب ابن عباس خلافه، وهو الذي روى عنه، وقال أبو داود: هذا يضعف الحديث عنه، قالوا: ولأن الحد يدرأ بالشبهات، فلا يجوز إثباته بحديث فيه هذه الشبهة من الضعف. قلت: حديث عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ =

стр. 1521

وَكَأَمَةٍ ومُحَلَّلَةٍ وقُوِّمَتْ وَإِنْ أَبَيَا أَوْ مُكْرَهَةٍ أَوْ مَبيعَةٍ بِغَلَاءٍ والأظْهَرُ والأصحُّ كأن ادَّعَى شراءَ أمَةٍ ونَكَلَ الْبَائعُ وحَلَفَ الْواطِئُ، والمخْتَارُ أنَّ المُكْرَهَ كَذلِكَ، والأكْثَر عَلى خِلَافِه (١). ويَثْبُتُ بِإقْرَارٍ مَرَّةً إلَّا أن يَرْجِعَ مُطْلَقًا (٢) أوْ يَهْرَبَ وَإنْ في الحَدِّ (٣)، وبالْبيِّنَةِ (٤)، فَلَا يَسْقُطُ بِشَهَادَةِ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ بِبَكَارَتِهَا، وَبحَمْلٍ في غَيْر مُتَزوِّجَةٍ وذَاتِ سَيِّدٍ مُقِرٍّ بِهِ (٥)، وَلَمْ يُقْبَلْ دَعْوَاهَا الْغَصْبَ بلا قَرينةٍ. يُرْجَمُ المُكَلَّفُ الحُرُّ المُسْلِمُ إنْ أصَابَ بَعْدَهُنَّ بِنِكاحٍ لَازِمٍ صَحَّ، بِحِجَارَةٍ (٦) مُعْتَدِلَةٍ. ولَمْ يَعْرفْ بُدَاءَةَ البَيِّنَةِ ثُمَّ الإِمَام (٧). كَلائط مُطْلَقًا وإنْ عَبْدَيْن أوْ كافِرْينِ (٨). وجُلدَ الْبِكْرُ الْحُرُّ مِائةً (٩)، وتَشَطَّرَ بالرِّقّ وإنْ قَلَّ (١٠)، وتَحَصَّنَ كُلٌّ دُونَ صَاحِبِهِ بِالْعِتْقِ وَالْوَطْء بَعْدَهُ. وغُرِّبَ الحُرُّ الذَّكَرُ فَقَطْ عَامًا وأجْرُهُ عَلَيْهِ، وإنْ لَمْ يكنْ لَهُ مَالٌ فمِن بَيْتِ الْمَالِ (١١)، كفدك وخَيْبَر من المدِينَة، فَيُسْجَنُ سَنَةً، وَإنْ عَادَ أُخْرِجَ ثَانيَةً. وتُؤخَّرُ المتَزَوِّجَةُ لحَيْضَةٍ، وبالجَلْدِ اعْتِدَالُ الْهَوَاءِ. وأقَامَه الْحَاكِمُ والسَّيِّد (١٢) إن لمْ يَتَزوَّج بغَير مِلكِهِ بغير عِلْمِهِ. = أَتَى بَهِيمَةً فَاقْتلُوهُ وَاقْتلُوهَا مَعَهُ". قال: قلت له: ما شأن البهيمة؟ قال: ما أراه قال ذلك إلا أنه كره أن يؤكل لحمها وقد عمل بها ذلك العمل. قال أبو داود ليس هذا بالقوي، ثم قال: حدثنا أحمد بن يونس أن شريكًا وأبا الأحوص وأبا بكر بن عياش حدثوهم عن عاصم، يعني ابن أبي النجود، عن أبي رزين، عن ابن عباس، قال: ليس على الذي أتى البهيمة حد. قال أبو داود: حديث عاصم يضعف حديث عمرو بن أبي عمرو. قال الخطابي في معالم السنن: يريد أنَّ ابن عباس لو كان عنده في هذا الباب حديث عن النبي ﷺ لم يخالفه، قال: وقد عارض هذا الحديث نهي النبي ﷺ عن قتل الحيوان إلَّا لمأكلة، وقد اختلف العُلماء فيمن أتى هذا الفعل: فقال إسحاق بن راهويه: يقتل إذا تعمد ذلك وهو يعلم ما جاء فيه عن رسول الله ﷺ ، فإن درأ عنه إمام القتل فلا ينبغي أن يدرأ عنه جلد مائة تشبيهًا بالزنى. =

стр. 1522

وإنْ أنْكرتْ الوطْءَ بَعْدَ عِشْرِينَ سَنَةً وخَالَفَهَا الزَّوْجُ فالحَدُّ، وعَنْهُ في الرجُلِ يَسْقُطُ ما لم يُقرَّ به أوْ يُولَدْ لَهُ، وأُوِّلَا على الخِلَافِ، أوْ لِخِلَافِ الزَّوْج في الأولى فَقَطْ، أو لأنه يَسْكُتُ أو لأنَّ الثَّانيَةَ لم تَبْلُغْ عِشْرِينَ، تأويلاتٌ. وإنْ قالَتْ: زَنيْتُ مَعَهُ فادَّعَى الوَطْءَ والزَّوْجِيَّةَ، أو وُجِدا بِبَيْتٍ وأقَرَّا بهِ وادَّعَيَا النِّكاحَ، أو ادَّعَاهُ فَصَدَّقَتْهُ هي وَوَلِيُّهَا وقَالَا لم نُشْهِدْ، حُدَّا. = وقال أكثر العُلماء: يعزر، وكذلك قال عطاء، والنخعي، وبه قال مالك، وسفيان الثوري، وأحمد بن حنبل، وكذلك أبو حنيفة وأصحابه، وهو أحد قولي الشافعي، وقوله له الآخر أن حكمه حكم الزاني. ا. هـ. منه. (١) وقوله ﵀: والمختار أن المكره كذلك والأكثر على خلافه، قال ابن العربي: المكره على الزنى لا حد عليه، وكذلك المكرهة على التمكين لا تحد، وقال ابن القصار إن انتشر قضيبه حُدَّ، وقال اللخمي هذا غير صحيح. ا. هـ. من المواق. قلت: هذا الخلاف مبني على شطري القاعدة الفقهية الخلافية التي هي قولهم: هل الانتشار دليل على الاختيار أو لا؟ وقد عقدها في المنهج المنتخب بقوله: وَهَلْ لبعضٍ ما لكلٍّ من خِيار … وهل في الانتشار معنى الاختيار للأول النفلُ وتكفيرٌ وما … لثانٍ الصوم وحدٌّ عُلما ذكر في البيت الأول أصلين، وذكر في البيت الثاني فروعًا مبنية عليهما، ومحل الشاهد هنا الشطر الثالي من البيت الأول، والشطر الثاني من البيت الثاني. قال: وهل في الانتشار معنى يدل على أن صاحبه مختار؟ وقال في الشطر الثاني من البيت الثاني: يبنى على ذلك من أكره على الجماع وهو صائم في رمضان، هل عليه كفارة؟ ومن أكره على الزنى هل عليه حد أو لا؟ قولان، ثالثهما إن انتشر حد، وإن لم ينتشر فلا، بخلاف المكرهة. (٢) وقوله: ويثبت بإقرار مرة إلا أن يرجع مطلقًا، قال المواق: قال ابن عرفة: نصوص المدونة وغيرها واضحة بحد المقر بالزنى طوعًا ولو مرة، وفي الموازية: إن رجم عن إقراره لوجه وسبب لم يختلف أصحاب مالك في قبول رجوعه. وقال الباجي: وإن رجر لغير شبهة فروى ابن وهب ومطرف إنه يقال، =

стр. 1523

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وقاله ابن القاسم وابن وهب وابن عبد الحكم. وروي عن مالك. لا يقبل منه. قلت: كون المقر يحد بإقرار واحد، هو قول الحسن، وحماد، ومالك، واالشافعي، وأبي ثور، وابن المنذر، واحتجوا بقول رسول الله ﷺ : "أغْدُ يَا أُنَيْس إِنْ امْرَأَةِ هذَا فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا". قالوا: وقد رجم الجهنية وإنما اعترفت مرة. قال البغوي: وفي الحديث دليل على أن من أقر بالزنى على نفسه مرة واحدة يقام عليه الحد، ولا يشترط فيه التكرار، كما لو أقر بالسرقة ولو مرة واحدة يقطع، ومن أقر بالقتل ولو مرة واحدة يقتص منه. قال: وذهب قوم إلى أنه لا يحد ما لم يقر أربع مرات وإليه ذهب الحكم بن عتيبة، وابن أبي ليلى، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي، قالوا: لابد أن يقر أربع إقرارات في أربعة مجالس، فإن أقر أربع إقرارات في مجلس واحد، فهو كإقرار واحد. واحتجوا بحديث ماعز بن مالك الأسلمي، وهو متفق عليه، من حديث أبي هريرة قال: جاء ماعز بن مالك الأسلُمي إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إني قد زنيت، فأعرض عنه، ثم جاء من شقه الأيمن فقال: يافسول الله، إني قد زنيت، فأعرض عنه، ثم جاءه من شقه الأيسر فقال: يا رسول الله، إني قد زنيت، فأعرض عنه، ثم جاءه فقال: إنِّي قد زَنيت، قال ذلك أربع مرات، فقال رسول الله ﷺ : "انْطَلِقُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ". فانطلقوا به فلما مسته الحجارة أدبر يشتد، فلقيه رجل في يده لَحي جمل فضربه به فصرعه، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ قال: "فَهَلَّا تَرَكْتُمُوهُ". قلت: وفي بعض روايات هذا الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال لماعز: "أَشَرِبْتَ خَمْرًا"؟ فقال: لا! فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريحًا. وفي رواية أخرى لهذا الحديث: "لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ أَوْ غَمَزْتَ أَوْ نَظَرْتَ"؟ قال: لا. وفي رواية أخرى فقال له ﷺ : "هَلْ ضَاجَعْتَها"؟ قال: نعم. قال: "فَهَلْ بَاشَرْتَهَا"؟ قال: نعم. قال: "هَلْ جَامَعْتَهَا"؟ قال: نعم. وفي حديث أبي هريرة: قال ﷺ : "أَنِكْتَهَا"؟ قال: نعم. قال: "حَتَّى دَخَلَ ذلِكَ مِنْكَ فِي ذلِكَ مِنْهَا"؟ قال: نعم. قال: "كَمَا يَغِيبُ الْمِرْوَدُ فِي الْمُكْحُلَةِ وَالرِّشَاءُ فِي الْبِئْرِ"؟ قال: نعم. قال: "تَدْرِيَ مَا الزِّنَى"؟ قال: نعم. أتيت منها حرامًا ما يأتي الرجل من امرأته حلالًا، قال: "مَا تُرِيدُ بِهذَا الْقَوْلِ"؟ قال: تطَهِّرُنِي. فأمر به فرجم. قال البغوي: في هذا الحديث دليل على أن من أقر على نفسه بما يوجب عقوبة لله ، يجوز للإمام أن يلقنه ما يسقط به عنه الحد، فيقول للزاني: لعلك لمست أو فاخذت، ويقول =

стр. 1524

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = للسارق: لعلك أخذت من غير حرز، أو اختلست .. ونحو ذلك كما روي أن النبي ﷺ أُتِيَ بسارق فقال: "لَا إِخَالُكَ سَرَقْتَ"؟ أَخرجه أبو داود، وأتي عمر ﵁ بسارق فقال: أَسَرَقْتَ؟ قل: لا. فقال: لا، فتركه ولم يقطعه، أخرجه عبد الرزاق، وروي مثل ذلك عن أبي الدرداء، وأبي هريرة وبه قال الشافعي، وأحمد، وأبي ثور. قال: وأما ما كان من حقوق العباد مالًا كان أو عقوبة، فلا يجوز فيه التلقين. ا. هـ. بتصرف قليل. وقال البغوي أيضًا: وفي قوله ﷺ بعدما هرب ماعز: "فَهَلَّا تَرَكْتُمُوهُ" دليل على أن من أقر على نفسه بالزنى، ثم رجع فقال: ما زنيت، أو كذبت، أو رجعت، سقط الحد عنه، وإذا رجع أثناء إقامة الحد عليه، سقط عنه ما بقي، وهو قول عطاء بن أبي رباح، والزهري، وحماد بن أبي سليمان، وإليه ذهب مالك، وسفيان الثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي، وأحمد وإسحاق قال: وكذلك السارق والشارب إذا رجع عن إقراره تسقط عنه العقوبة. وذهب جماعة إلى أن الحد لا يسقط بالرجوع. عن الإِقرار، منهم جابر والحسن البصري، وسعيد بن جبير، وابن أبي ليلى، وأبو ثور، قالوا: ولو سقط عنه الحد لصار مقتولًا ولوجبت ديته على عواقل القاتلين. ا. هـ. منه. تنبيهٌ: يؤخد من قضية ماعز بن مالك أنه ينبغي بل يستحب لمن وقع في مثل قضيته أن يتوب إلى الله تعالى ويستر نفسه، ولا يذكر ذلك لأحد كما أشار به أبو بكر وعمر على ماعز، وأن من اطلع على ذلك يستر عليه بما ذكرنا ولا يفضحه، ولا يرفعه إلى الإِمام كما قال ﷺ في هذه القضية لهزال: "لَوْ سَتَرْتَهُ بِثَوْبِك لَكَانَ خيْرًا لَكَ" أي مما أشرت به إليه من قولك له: ائت رسول فأخبره بما صنعت، ذلك أن أبا داود أخرج من طريق نعيم بن هزال قال: كان ماعز بن مالك يتيمًا في حجر أبي فأصاب جارية من الحي، فقال له أبي: أئت رسول الله ﷺ فأَخبره بما صنعت لعله يستغفر لك. ورجاء أن يكون له مخرج. قال ابن حجر في فتح الباري. وفي الحديث، يعني حديث قصة ماعز، أنه يستحب لمن وقع في معصية وندم أن يبادر إلى التوبة منها ولا يخبر بها أحدًا ويستتر بستر الله، وإذ اتفق أنه أخبر أحدًا، فيستحب أن يأمره بالتوبة وستر ذلك عن الناس كما جرى لماعز مع أبي بكر وعمر، وقد أخرج قصته معهما في الموطإ عن يحيى بن سعيد عن سعد بن المسيب مرسلة، ووصله أبو داود وغيره من رواية يزيد بن نعيم بن هزال عن أبيه. وفي القصة أن النبي ﷺ قال لهزال: "لَوْ سَتَرْتَه بِثَوْبِكَ لَكَانَ خَيْرًا لَكَ". وفي =

стр. 1525

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = الموطإ عن يحيى بن سعيد، ذكرت هذا الحديث في مجلس فيه يزيد بن نعيم فقال هزال: جدي جدي وهذا الحديث حق. قال الباجي: المعنى: لكان خيرًا لك مما أمرته به من إظهار أمره، وكان ستره بأن يأمره بالتوبة والكتمان كما أمره أبو بكر وعمر، وذكر الثوب مبالغة، أي لو لم تجد سبيلًا إلى ستره إلا بردائك ممن علم أمره كان أفضل مما أمرته به من الإِظهار. ا. هـ. منه. قلت: وقد تقدم الاستدلال بحديث الموطإ: "مَنْ أَتَى شَيْئًا مِنْ هذِهِ الْقَاذُورَاتِ فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللهِ تَعَالَى، فَإِنَّ مَنْ أَبْدَى لَنَا صَحْفَتَهُ أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ". عند قول المصنف: أو رفع قبل الطلب، كما تقدم مزيد لهذا البحث عند قول المصنف: وفي حق الله تعالى تجب المبادرة بالإِمكان إن استديم تحريمه ألخ. فأغنى ذلك عن الإِطناب فيه هنا. والحمد لله المنعم المتفضل. (٣) وقوله: إلا أن يرجع مطلقًا أو يهرب وإن في الحد، تقدم الكلام عليه في مبحث ثبوت الحد بالإِقرار، والكلام على حديث ماعز بن مالك وقول رسول الله ﷺ حين أخبروه بهروبه: "فَهَلَّا تَرَكْتمُوهُ". فأغنى ذلك عن إعادته هنا. والحمد لله. (٤) وقوله: وبالبينة، فقد تقدم الكلام على شروط بينة الزنى واللواط عند قول المصنف: وللزنى واللواط أربعة بوقت ورؤيا اتحدا ألخ. فأغنى ذلك عن إعادته هنا والحمد لله. (٥) وقوله وبحمل في غير متزوجة وذات سيد مقرّ به، أخرج أبو داود في سننه أن امرأة من غامد أتت النبي ﷺ فقالت: إني قد فجرت، فقال: "ارْجِعِي". فرجعت، فلما كان الغد أتته فقالت: لعلك أن تردني كما رددت ماعز بن مالك، فوالله إِني لحُبلى، الحديث .. وفي صحيح البخاري من حديث عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس الطويل، قال عمر: والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة أو كان الحبَلُ أو الاعتراف .. الحديث. (٦) وقوله: يرجم المكلف الحر المسلم إن أصاب بعدهن بنكاح لازم صح، بحجارة، تقريره أن الرجم إنما يكون بشرط كون الزاني مكلفًا أي عاقلًا، بالغًا، حرًا، مسلمًا، وطئ بعد حصول هذه الصفات له، بنكاح لازم صحيح، أي إصابة صحيحة، فلا رجم إذًا على مجنون، وعلى غير بالغ، ولا على عبد، ولا على حر كافر، ولا على من لم يتزوج أصلًا، أو تزوج ووطئ في نكاح غير لازم، أو فاسد يفسخ قبل البناء وبعده، أو تزوج بنكاح لازم لكنه وطن وطئًا ممنوعًا؛ كالوطء في الحيض أو النفاس أو الإحرام أو الإعتكاف. ا. هـ. الحطَّاب. =

стр. 1526

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = قال ابن قدامة: وللإحصان شروط سبعة: أحدها: الوطء في القُبُل ولا خلاف في اشتراطه لأن النبي ﷺ قال: "الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبُ الْجَلْدُ وَالرَّجْمُ". والثيوبة تحصل بالوطء، فوجب اعتباره. ولا خلاف في أن عقد النكاح الخالي من الوطء لا يحصل به إحصان، سواء حصلت فيه خلوة أو وطء فيما دون الفرج، فلابد أن يكون وطئًا حصل به تغييب الحشفة في القُبُل، لأن ذلك حد الوطء الذي تتعلق به أحكام الوطء. الثاني: أن يكون في نكاح لأن النكاح يسمى إحصانًا بدليل قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾، يعني المتزوجات، ولا خلاف بين أهل العلم في أن وطء الزنى ووطء الشبهة لا يصير به الواطن محصنًا؛ ولا نعلم خلافًا بين أهل العلم في أن التسري لا يحصل به الإِحصان لواحد منهما؛ لكونه ليس بنكاح ولا تثبت فيه أحكام النكاح. الثالث: أن يكون النكاح صحيحًا، وهذا قول أكثر أهل العلم، منهم: عطاء، وقتادة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وأصحاب الرأي. وقال أبو ثور: يحصل الإِحصان بالوطء في النكاح الفاسد، وحكي ذلك عن الليث، والأوزاعي، قالوا: لأن الصحيح والفاسد سواء في أكثر الأحكام مثل وجوب المهر والعدة، وتحريم الربيبة، وأم المرأة، ولحاق الولد، فكذلك الإِحصان. الرابع: الحرية، وهي شرط في قول كل أهل العلم، إلَّا أبا ثور فإنه يقول: العبد والأمة محصنان يرجمان إذا زنيا، إلا أن يكون إجماع يخالف، وقال الأوزاعي: في العبد تحته حرة، هو محصن يرجم إذا زنى، وإن كان تحته أمة لم يرجم، قال ابن قدامة: وهذه الأقوال تخالف النص والإِجماع، فإن الله تعالى يقول: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (١) النساء، والرجم لا يتنصف، وإيجابه كله يخالف النص ولخالف الإِجماع المنعقد قبله. والخامس، والسادس: البلوغ، والعقل، فلو وطيء وهو صبي أو مجنون ثم بلغ أو عقل، لم يكن محصنًا، وكذلك العبد إذا وطيء في رقه، هذا قول أكثر أهل العلم، وخالف بعض أصحاب الشافعي فقالوا: يصير محصنًا لأن هذا وطء يحصل به الإِحلال للمطلّق ثلاثًا، فحصل به الإِحصان كالموجود حال الكمال. =

стр. 1527

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = واستدل الجمهور بحديث: "وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبُ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ". فاعتبر الثيوية خاصة، ولو كانت تحصل قبل ذلك لكان يجب عليه الرجم قبل بلوغه وعقله، وهو خلاف الإجماع. والسابع: أن يوجد الكمال فيهما جميعًا حال الوطء، فيطأ الرجل العاقل الحر امرأة عاقلة حرة، وهذا قول: أحمد، وأبي حنيفة، ونحوه قول عطاء، والحسن، وابن سيرين، والنخعي، وقتادة، والثوري، وإسحاق، قالوه في الرقيق. وقال مالك: إذا كان أحدهما كاملًا صار محصنًا، إلا الصبي إذا وطئ الكبيرة فإنه لم يحصنها، وبهذا قال الأوزاعي، وهو رواية عن الشافعي، وبه قال ابن المنذر، لأنه حر بالغ عاقل وفى في نكاح صحيح، فصار محصنًا كما لو كان الآخر مثله. واشترط مالك الإِسلام في الإِحصان، إلا أن الذمية إذا تزوجها المسلم حصنته لأنه لا يعتبر الكمال في الزوجين. كما اشترط الإِسلام في الإِحصان كل من عطاء، والنخعي، والشعبي، ومجاهد، والثوري، قالوا: لا يكون الكافر محصنًا، ولا تحصن الذمية المسلم، لأن ابن عمر روى أن النبي ﷺ قال: "مَنْ أَشْرَكَ بِاللَهِ فَلَيْسَ بِمُحْصنٍ" أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده عن ابن عمر مرفوعًا وموقوفًا، قال الأستاذ محمود عبد الوهاب فائد في تعليقه على المغني: الصَّواب وقفه. وقال ابن قدامة: ولا يشرط الإِسلام في الإِحصان، وبهذا قال الزهري والشافعي، وعلى هذا يكون الذميان محصنين، واستدل بما روى مالك عن نافع عن ابن عمر أنه قال: جاء اليهود إلى رسول الله ﷺ ، فذكروا له أن رجلًا منهم وامرأة زنيا، وذكر الحديث، فأمر بهما رسول الله ﷺ فرجما، متفق عليه. قال: فإن قالوا: إنما رجم النبي ﷺ اليهوديين بحكم التوراة بدليل أنه راجعها، فلما تبين له أن ذلك حكم الله عليهم أقامه فيهم، وفيها أنزل اللهُ تعالى في سورة المائدة: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ (١). قلنا: إنما حكم عليهم بما أنزل الله إليه، بدليل قوله تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (٢) من المائدة أيضًا، قال: ولا يسوغ للنبي ﷺ الحكم بغير شريعته، ولو ساغ ذلك لساغ =

стр. 1528

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = لغيره، وإنما راجع التوراة لتعريفهم أن حكم التوراة موافق لما يحكم به عليهم. قلت: والدليل إلى جانب من يقول: إن الكتابي يرجم إذا زنى لحديث ابن عمر هذا المتفق عليه. ولحديث جابر عند مسلم وأحمد: رجم النبي ﷺ رجلًا من أسلم ورجلًا من اليهود وامرأة. ولحديث البراء بن عازب عند مسلم وأحمد وأبي داود، قال: مر على النبي ﷺ يهودي محمم مجلود فدعاهم فقال: "أَهكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزِّنَى فِي كِتَابِكُمْ"؟ قالوا: نعم! فدعا رجلًا من علمائهم فؤال: "أَنْشُدُكَ بِاللهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، أَهكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزِّنَى فِي كِتَابِكُمْ"؟ قال: لا! ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك بحد الرحم، ولكن كثر في أشرافنا، وكنا إذا أخذنا الشريف تركناه وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقلنا تعالوا نجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم، فقال النبي ﷺ : "اللَّهُمَّ إِنِّي أَوَّلَ مَنْ أَحْيَا أَمْرَكَ إِذْا أَمَاتوهُ". فأمر به فرجم، فأنزل الله : ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ (١). يقولون: ائتوا محمدًا فإن أمركم بالجلد والتحميم فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا، فأنزل الله تعالى قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. قال: هي في الكفار كلها. أخرجه المجد في المنتقى وقال: رواه أحمد ومسلم وأبو داود. قال الشوكاني: وأحاديث الباب تدل على أن الذمي يحد كما يحد المسلم. ا. هـ. وبالله تعالى التوفيق. (٧) وقوله: ولم يعرف بداءة البينة ثم الإِمام، نقل المواق: قال مالك منذ أقامت الأئمة الحدود. فلم نعلم أحدًا منهم تولى ذلك بنفسه، ولا ألزم ذلك البينة خلافًا لأبي حنيفة القائل: إن ثبت الزنى ببينة بدأ الشهود ثم الإِمام ثم سائر الناس. ا. هـ. منه بلفظه. وقال البغوي في الكلام على حديث: "اغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هذَا فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا". قال وفي الحديث دليل على أن حضور الإِمام ليس بشرط لإِقامة الرجم. وقال أيضًا: وفيه دليل على جواز الوكالة في إقامة الحد. ا. هـ. منه. تنبيهٌ: لابد من حضور جماعة من المسلمين إقامة هذا الحد لقوله تعالى في سورة النور: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) واختلف في عدد الحضور، وقال الحطاب: قال ابن بكير في أحكام =

стр. 1529

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .. = التي رواها عن مالك، قال مالك: الطائفة ههنا أربعة يحضرون جلد الزاني البكر؛ ليعلم أنه محدود في الزنى، ولا يجزئ في ذلك أقل من أربعة شهداء. فإن قذفه قاذف بالزنى شهدوا فلم يحد قاذفه. ا. هـ. منه. بتصرف قليل. (٨) وقوله: كلائط مطلقًا وإن عبدين أو كافرين، تقدم الكلام على حكم اللائط عند قول المصنف: وإن لواطًا، فأغنى عن إعادته، والحمد لله. (٩) وقوله: وجلد الحر البكر مائة، دليله قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (١). وهذا حد الزاني البكر الحر، وكذلك الزانية الحرة البالغة البكر. وثبت بالسنة تغريب عام. وسوف نتكلم عليه فيما بعد بإذن الله. (١٠) وقوله: وتشطّر بالرقّ وإن قلّ، قال في المدونة: حد العبد في الزنى خمسون وكذلك الأمة، وكل من فيه عقد حرية لم يتم كالمدبَّر والمكاتب والمعتق بعضه والمعتق إلى أجل. ا. هـ. من المواق. قلت: دليل تشطر الجلد في الأمة قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (٢). وأما العبد الذكر فألحقه العُلماء بها إلحاقًا بنفي الفارق، لأن الذكورة والأنوثة وصفان طرديان بالنسبة للأحكام العامة، والله تعالى الموفق. (١١) وقوله: وغرَّب الحر الذكر فقط عامًا، وأجره عليه، وإن لم يكن له مال فمن بيت المال، قال لمواق: من المدونة، لا نفي على النساء ولا على العبيد ولا تغريب، ولا ينفى الرجل الحر إلا بالزنى وفي حرابة، فيسجنان جميعًا في الموضع الذي ينفيان إليه، يسجن الزاني سنة، والمحارب حتى يعرف توبته، وكراؤه في سيره عليه في ماله أي في مال الزاني والمحارب، فإن لم يكن له مال فمن بيت المال. ا. هـ. منه. قال ابن قدامة: ولا خلاف في وجوب الجلد على الزاني إذا لم يكن محصنًا، وقد جاء ذلك في كتاب الله تعالى بقوله سبحانه: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٣)، وقد جاء في الأحاديث عن النبي ﷺ موافقة لما جاء به كتاب الله، ويجب مع الجلد تغريبه عامًا في قول الجمهور، =

стр. 1530

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وروي ذلك عن الخلفاء الراشدين. وبه قال أبَيٌّ، وأبو داود، وابن مسعود، وابن عمر ﵃، وإليه ذهب عطاءٌ، وطاوس، والثوري، وابن أبي ليلى، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور. وقال مالك والأوزاعي: يغرب الرجل دون المرأة؛ لأن المرأة تحتاج إلى حفظ وصيانة، ولأنها لا تخلو في التغريب إما أن تكون بمحرم أو بغيره؛ فإن غربت بغير محرم كان ذلك غير جائز، بدليل قوله ﷺ : "لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ والْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ". ولأن تغريبها بغير محرم تضييع لها وإغراء لها على الفجور؛ وإن غربت بمحرم أفضى ذلك إلى تغريب من ليس بزان، ونفي من لا ذنب له، وإن كلفت أجرة المحرم كان ذلك زيادة على عقوبتها بما لم يرد الشرع به، قالوا: والخبر الخاص في التغريب إنما هو في حق الرجل، وكذلك فعل الصحابة ﵃، والعام يجوز تخصيصه، لأنه يلزم من عمومه مخالفة مفهومه، فإنه دل بمفهومه على أنه ليس على الزاني أكثر من العقوبة المذكورة فيه، وإيجاب التغريب على المرأة يلزم منه الزيادة على ذلك، وفوات حكمته، لأن الحد وجب زجرًا عن الزنا، وفي تغريبها بغير محرم إغراء به وتمكين منه، مع أنه قد يخصص في حق الثيب بإسقاط الجلد في قول الأكثرين، فتخصيصه هنا أولى. قال ابن قدامة: وقول مالك فيما يقع لي أصح الأقوال وأعدلها، وعموم الخبر مخصوص بخبر النهي عن سفر المرأة بغير محرم، والقياس على سائر الحدود لا يصح، لأنه يسوي الرجل والمرأة في الضرر الحاصل بها بخلاف هذا الحد، قال: ويمكن قلب هذا القياس فيقال: هو حدٌّ فلا تزاد فيه المرأة على الرجل كسائر الحدود. وخالف أبو حنيفة ومحمد بن الحسن، قالا: لا يجب التغريب لأن الله أمر بالجلد دون التغريب، فإيجاب التغريب زيادة على النص. واحتجا بأخبار أخرى عن علي وعمر لا ينهض الاحتجاج بها في الموضوع، والحجة عليهم أولًا: بأنه ورد في الحديث المتفق عليه "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَهِ ، عَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ". وجلد ابنه مائة وغربه عامًا، وقال: "اغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَة هذَا فَإِنِ اعْتَرف فَارْجُمْهَا". والحجة عليهما أيضًا بأن التغريب فعله الخلفاء الراشدون، ولا يعرف لهم مخالف من الصحابة فكان إجماعًا. وأما ما ذكروه من الزيادة على النص، وأنهما يعتبرانها نسخًا فقد تقدم بحث ذلك عند قول المصنف في الشهادات: وإلا فعدل وامرأتان أو أحدهما بيمين، وبينت هناك أن الزيادة على النصر لا تعتبر نسخًا عند الجمهور، فأغنى ذلك عن إعادته هنا. والحمد لله. =

стр. 1531

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = تنبيهٌ: الذي هو المذهب عند أصحابنا أن الزاني المحصن لا يجمع عليه بين الجلد والرجم إلا إذا ظن به أنه بكر فجلد، ثم ثبت بعد جلده أنه محصن، ففي هذه الحالة يرجم بعد ما جلد، أما إذا ثبت بادئ ذي بدء أنه ثيب، أقيم عليه الرجم دون الجلد، فقد روي عن عمر وعثمان أنهما رجما ولم يجلدا. وروي عن ابن مسعود أنه قال: إذا اجتمع حدان لله تعالى فيهما القتل أحاط القتل بذلك، وبهذا قال النخعي، والزهري، والأوزاعي، ومالك، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي وهو رواية عن أحمد، اختارها الأثرم والجوزجاني، واستدلوا بأن جابرا روى أن النبي ﷺ رجم ماعزًا ولم يجلده ورجم الغامدية ولم يجلدها، وقال: "اغْدُ يَا أنَيْسُ إلَى امْرَأَة هذَا فَإِنِ اعْتَرَفتْ فَارْجُمْهَا". متفق عليه. ولم يأمره بجلدها، قالوا: فكان هذا آخر الأمرين من رسول الله ﷺ فوجب تقديمه. وبالله التوفيق. تنبيهٌ: ولا يقام الحد على حامل حتى تضع، سواء كان الحمل من زنا أو غيره. ولا خلاف في ذلك، قال ابن قدامة: أجمع أهل العلم على أن الحامل لا ترجم حتى تضع، وقد روى بريدة أن امرأة من بني غامد قالت: يا رسول الله، طهِّرْني. قال: "وَمَا ذَاكَ"؟ قالت: إنها حبلى من الزنى، قال: "أَنْتِ"؟ قالت: نعم، فقال لها: "ارْجِعي حَتَّى تَضَعِي مَا فِي بَطْنِكِ" قال: فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت. قال: فجاء النبي ﷺ فقال: قد وضعت الغامدية، فقال: "إذًا لَا نَرْجُمُهَا وَنَدَعُ وَلَدَهَا صَغيرًا لَيْسَ لَهُ مَنْ تُرْضِعُهُ". فقام رجل من الأنصار، فقال إليَّ إرضاعه يا نبي الله، قال: فرجمها. رواه مسلم وأبو داود. (١٢) وقوله: وأقامه الحاكم والسيد، قال المواق: أما مستوفي الحد فهو الإمام في حق الأحرار، ولا بأس للسيد أن يقيم حد الزنى على مملوكه وحد القذف والخمر، وليس له أن يقيم حد السرقة عليه. ونسب الحطاب للمدونة أن ذلك ذريعة أن لا يمثل بعبده ويدعي عليه السرقة. ا. هـ. ودليل إقامة السيد الحد على مملوكه هو قوله ﷺ : "أَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكمْ". رواه الدَّارقُطْنِي كما في المغني، وقال ابن قدامة: هذا قول أكثر العُلماء: روي عن عليّ وابن مسعود، وابن عمر، وأبي حميد، وأبي أسيد الساعديين، وفاطمة بنت محمد ﷺ ، وعلقمة، والأسود والزهري، وهبيرة بن مريم، وأبي ميسرة، ومالك، والثوري، والشافعي، وأبي ثور، وابن المنذر. وقال ابن أبي ليلى: أدركت بقايا الأنصار يجلدون ولائدهم في مجالسهم الحدود إذا زنوا. ا. هـ. منه. وبالله تعالى التوفيق.

стр. 1532

جريمة القذف بَابٌ: قَذْفُ المُكَلَّفِ حُرًّا بالِغًا مُسْلِمًا بِنَفْي نَسَبٍ عَنْ أَبٍ أوْ جَدٍّ لَا أمٍّ، وَلَا إنْ نُبِذَ أوْ زِنى إنْ كُلِّفَ وَعَفَّ عَنْ وَطْءٍ يُوجِبُ الْحَدَّ (١) بآلةٍ وَبَلَغَ كَأنْ بَلَغَتْ الْوَطْءَ أَوْ مَحْمُولًا وإنْ مُلَاعَنةً وابْنَهَا، أوْ عَرَّضَ (٢) غَيْرُ أبٍ إنْ أفْهَمَ، يُوجِبُ ثَمَانينَ جَلْدَةً (٣) وإنْ كرر لِواحِدٍ أوْ جَمَاعَةٍ إلا بَعْدَهُ، ونِصْفهُ على الْعَبْدِ (٤)، كَلَسْتُ بزانٍ، أوْ زَنتْ عَيْنُكَ أو مُكْرَهَةً أوْ عَفِيفُ الفَرْجِ، أو لِعَربيٍّ ما أنْتَ بِحُرٍّ أو يا رُومِيُّ كأن نَسَبَه لِعَمِّهِ بِخِلَافِ جَدِّهِ، وكان قَالَ: أنا نَغِلٌ. أوْ وَلَدُ زنىً أوْ كيَاقَحْبَةُ. أوْ قرْنَانُ. أوْ يا ابْنَ مُنَزَلَةِ الرُّكْبَانِ. أوْ ذَاتِ الرَّايَةِ، أوْ فَعَلْتُ بِهَا في عُكْنِهَا، لَا إنْ نَسَبَ جنسًا لِغَيْرِهِ وَلَوْ أبْيَضَ لأسْوَدَ إنْ لمْ يَكُنْ مِنَ الْعَرَبِ، أوْ قَالَ مَوْلىً لِغَيْرِهِ أنَا خَيْرٌ أوْ مَالكَ أَصْلٌ ولَا فَصْلٌ، أو قَالَ لِجَمَاعَةٍ أحَدُكُمْ زَانٍ. وَحُدَّ في مَأبُونٍ إنْ كانَ لَا يَتَأنَّثُ، وَفي يا ابْنَ النَّصْرانيِّ أوْ الأزْرَق إنْ لَمْ يَكنْ في آبائه كذلِكَ، وَفي مُخَنَّثٍ إن لَمْ يَحْلِفْ وأُدِّبَ في يا ابنَ الفاسِقَةِ أو الفاجِرَةِ، أو يَا حِمارُ يَا ابْنَ الحِمَارِ، أو أنا عَفِيفٌ أو أنَّك عَفِيفَةٌ، أو يا فَاسِق، أو يا فاجِرُ، وإنْ قَالَتْ بِكَ جَوَابًا لزنيتِ، حُدَّتْ لِلزِّنَا والْقَذْفِ، ولهُ حَدُّ أبِيهِ وفُسِّقَ (٥)، والْقِيامُ به وإنْ عَلِمَه مِنْ نَفْسِهِ، كَوَارثِهِ وإنْ بَعْدَ مَوْتِهِ مِنْ وَلَدٍ وَوَلدِهِ وأبٍ وَأبيهِ، ولِكلٍّ الْقِيامُ وإنْ حَصَل مَنْ هُوَ أقْرَبُ، والْعَفْوُ قبْل الإِمَامِ أوْ بَعْدَهُ إنْ أَرَادَ سَتْرًا، وإنْ حَصَلَ في الْحَدِّ ابْتُدِئ لَهُمَا إلَّا أنْ يَبْقَى يَسيرٌ فيُكمَّل الأوَّلُ. حد القذف القذف هو الرمي بالزنى، أي السب به، وهو محرم بإجماع الأمة، والأصل في تحريمه الكتاب والسنة. أما الكتاب فقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ =

стр. 1533

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .. = ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١)، وقال تعالى أيضًا في هذه السورة ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٢) وأما السنة فقوله ﷺ : "اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ". قالوا: وما هن يا رسول الله؟. قال: "الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلَاتِ". متفق عليه. وأجمع العُلماء على وجوب الحد على من قذف المحصن إذا كان مكلفًا. (١) قوله: قذف المكلف حرًا مسلمًا بنفي نسب عن أب أو جد - إلى قوله: يوجب الحد، قال ابن عرفة: القذف الأعم هو نسبة آدمي غيره لزنى أو قطع نسب مسلم، والأخص بإيجاب الحد: نسبة آدمي مكلف غيره حرًا عفيفًا مسلمًا بالغًا أو صغيرة تطيق الوطء لزنى أو قطع نسب مسلم. وقد تقدم استجلاب آية النور التي نصت على جلد القاذف للمحصنات. قال القرطبي في تفسيره للآية: ذكر اللهُ تعالى في الآية النساء من حيث هن أهم، ورميهن بالفاحشة أشنع وأنكى للنفس، وقذف الرجال داخل في الآية بالمعنى، وإجماع الأمة على ذلك، قال: وحكى الزهراوي أن المعنى: والأنفس المحصنات، فهي في لفظها تعم الرجال والنساء، ويدل لذلك قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾. قال: وللقذف شروط تسعة: شرطان في القاذف، وهما: العقل والبلوغ؛ لأنهما أصلا التكليف؛ إذ التكليف ساقط بدونهما. وشرطان في الشيء المقذوف به؛ وهو أن يقذف بوطء يلزمه فيه الحد، وهو الزنى واللواط، أو بنفيه عن أبيه دون سائر المعاصي. وخمسة في المقذوف وهي: الحرية، والعقل، والبلوغ، والإِسلام، والعفة عن الفاحشة التي رمي بها، كان عفيفًا من غيرها أو لا. قال: وإنما شرطنا في المقذوف العقل والبلوغ كما شرطناهما في القاذف، وإن لم يكونا من معاني الإحصان؛ لأجل أن الحد إنما جعل للزجر عن الإِذاية بالمضرة الداخلة على المقذوف، ولا مضرة على من عدم العقل والبلوغ، إذ لا يوصف اللواط فيهما ولا منهما بأنه زنى. =

стр. 1534

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = (٢) وقوله: أو عرَّض، اتفق العُلماء على أنه إن صرح بالزنى كان قذفًا ورميًا موجبًا للحد، فإن عرَّض ولم يصرح، فقال مالك: هو قذف، واختلفت الرِّواية في ذلك عن أحمد، وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا يكون قذفًا حتى يقول: أردت به القذف. قال القرطبي: والدليل لمالك هو أن موضوع الحد في القذف إنما هو لإزالة المعرة التي أوقعها القاذف بالمقذوف، فإذا حصلت المعرة بالتعريض وجب أن يكون قذفًا كالتصريح، والمعول على الفهم. وقد قال تعالى مخبرًا عن شعيب أن قومه عرضوا به فقالوا. ﴿إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ (١) أي السفيه الضال، فعرضوا له بكلام ظاهره المدح في أحد التأويلات حسبما تقدم في سورة هود، وقال تعالى في أبي جهل: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ (٢). وقال تعالى حكاية لما عرض به بنو إسرائيل عن مريم: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ (٣). فمدحوا أباها ونفوا عن أمها البغاء أي الزنى، وعرضوا لمريم بذلك، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ (٤) وكفرهم معروف، والبهتان العظيم هو التعريض لها، أي قولهم لها: ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾. أي وأنت بخلافهما، وقد أتيت بهذا الولد. وقد عرض الله تعالى بالمشركين في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (٥). فهذا اللفظ قد فهم منه أن المراد به أن الكفار على غير هدى، وأن رسوله على الهدى، قال: وقد حبس عمر ﵁ الحطيئة لما قال للزبرقان بن بدر ﵁: دعِ المكارمَ لاترحلْ لبغيتها … واقعدْ فإنك أنت الطاعم الكاسِي لأنه شبهه في تعريضه به بالنساء في أنهن يطعمن ويسقين ويكسون. ولما سمع عمر أيضًا قول الشاعر يعرض بقوم: قبيلته لا يغدرون بذمة … ولا يظلمون الناس حبة خردل قال ﵁: ليت الخطاب كان كذلك، وإنما أراد الشاعر التعريض بضعف القبيلة. فقالوا: يا أمير المؤمنين، سل حسان، أكان هذا هجوًا. فقال حسان: إنما سلح عليهم. ومثل هذا كثير. ا. هـ. منه. بتصرف وبعض زيادة.

стр. 1535

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . (٣) وقوله: يوجب ثمانين جلدة ألخ. الجلد الضرب والجلدة واحدته، والمجادلة المضاربة في الجلود أو بالجلود، ثم استعير الجلد لغير ذلك من سيف أو غيره، ومنه قول قيس بن الخطيم: أجادلهم يوم الحديقة حاسرًا … كأن يدي بالسيف مخراق لاعب والثمانون جلدة حد القاذف الحر، لقوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (١). وللإجماع المنعقد على ذلك، كان القاذف رجلًا أو امرأة، ويشترط أن يكون بالغًا عاقلًا غير مكره، وبشرط مطالبة المقذوف بحقه، وعدم إحفار القاذف لبينة تشهد له، وذلك لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ﴾. (٢) فيشترط في جلد القاذف عدم البينة، وعدم إقرار المقذوف، وان كان القاذف زوجًا اعتبر شرط آخر وهو امتناع الزوج من اللعان، قال ابن قدامة: ولا نعلم خلافًا في هذا كله. (٤) وقوله: ونصفه على العبد: قال ابن قدامة: أجمع أهل العلم على وجوب الحد على العبد إذا قذف الحر المحصن لأنه داخل في عموم الآية، وحده أربعون في قول أكثر أهل العلم، روي عن عبد الله بن عامر بن ربيعة أنه قال: أدركت أبا بكر وعمر، وعثمان ومن بعدهم من الخلفاء، فلم أرهم يضربون المملوك إذا قذف الأربعين، وروى خِلاسٌ أن عليًا قال في عبد قذف حرًا نصف الجلد. قال: وجلد أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عبدًا قذف حرًا ثمانين، وبه قال قبيصة وعمر بن عبد العزيز، ولعلهم ذهبوا إلى عموم الآية، والصحيح الأول للإِجماع المنقول عن الصحابة رضوان الله عليهم. تنبيهٌ: ولما كان مدار حد القذف على رفع المعرة، قال مالك من رمى صبية يمكن وطؤها قبل البلوغ بالزنى كان قاذفًا؛ وقال أبو حنيفة والشافعي وأبو ثور: ليس بقذف إذ لا حد عليها، وعلى من فعل ذلك التعزير. ونقل القرطبي عن ابن العربي قوله: هذه مسألة محتملة مشكلة، لكن مالكًا غلب حماية عرض المقذوف، وغيره راعى حماية ظهر القاذف، وحماية عرض المقذوف أولى؛ لأن القاذف كشف ستره بطرف لسانه فلزمه الحد. وقال ابن المنذر: وقال أحمد في الجارية بنت تسع يجلد قاذفها، وكذلك الصبي إذا بلغ عشرًا =

стр. 1536

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = يضرب قاذفه. وقال إسحاق: إذا قذف غلامًا يطأ مثله فعليه الحد، والجارية إذا جاوزت تسعًا مثل ذلك. ا. هـ. منه. قلت: وإلى ما ذهب إليه مالك هنا قال المصنف: كان بلغت الوطء. تنبيهٌ: وأجمع العُلماء على أن الحر لا يجلد للعبد إذا قذفه، لتباين مرتبتهما، ولدليل قوله ﷺ : "مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ فِي الدُّنْيَا أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ". أخرجه البخاري ومسلم، وفي بعض طرقه عند الدَّارقُطْنِي: "مَنْ قَذَفَ عَبْدَهُ بِزِنىً ثُمَّ لَمْ يَثْبُتْ، أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ ثَمَانُونَ". مسألة: قد تقدمت شهادة الزنى واللواط في الشهادات وإنها لابد فيها أن يشهد أربعة على معاينة؛ يرون ذلك كالمرود في المكحلة، وأن تكون في موطن واحد - على قول مالك - فإن اضطرب واحد منهم جلد الثلاثة جلد الفرية، كما فعله عمر ﵁ في أمر من شهدوا على المغيرة بن شعبة ﵁، ذلك أنه شهد عليه بالزنى أبو بكرة نفيع بن الحارث وأخوه نافع، وقيل عبد الله بن الحارث، وزياد أخوهما للأم، وشبل بن معبد البجلي، فلما جاؤوا لأداء الشهادة، توقف زياد فلم يؤدها، فجلد عمر الثلاثة الآخرين. مسألة: تضمنت الآية التي نزلت في القذف ثلاثة أحكام في القاذف: جلده، ورد شهادته أبدًا، وفسقه، ثم قال الله تعالى بعد ذلك: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١). قال القرطبي: فالاستثناء غير عامل في جلده إجماعًا، إلا ما روي عن الشعبي أنه قال: الاستثناء من الأحكام الثلاثة؛ إذا تاب وظهرت توبته لم يحد وقبلت شهادته وزال عنه التفسيق لأنه صار ممن يُرضى من الشهداء، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ (٢). قال القرطبي: والاستثناء عامل في فسقه إجماعًا، واختلف الناس في عمله في رد الشهادة، فقال شريح القاضي، وإبراهيم النخعي، والحسن البصري، وسفيان الثوريّ، وأبو حنيفة: لا يعمل الاستثناء في ردّ شهادته، وإنما يزول فسقه عند الله تعالى، وأما شهادة القاذف فلا تقبل ألبتة، ولو تاب وأكذب نفسه، ولا بحال من الأحوال. =

стр. 1537

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وقال الجمهور: الاستثناء عامل في ردّ الشهادة، فإذا تاب القاذف قبلت شهادته، وإنما كان ردُّها لعلة الفسق، فإذا زال بالتوبة قبلت شهادته مطلقًا قبل الحد وبعده. وهو قول عامة الفقهاء؛ ثم اخلفوا في صورة توبته، فذهب عمر بن الخطاب ﵁ والشعبي وغيره أن توبته لا تكون إلا بأن يكذب نفسه في ذلك القذف الذي حُدَّ فيه، وهكذا فعل عمر، فإنه قال للذين شهدوا على المغيرة: من أكذب نفسه أجزت شهادته فيما استقبل، ومن لم يفعل لم أجز شهادته. فأكذب الشبل بن معبد ونافع بن الحارث بن كلدة أنفسهما وتابا، وأبى أبو بكرة أن يفعل، فكان لا يقبل شهادته. وحكى هذا القول النحاس عن أهل المدينة. وقالت فرقة، منها مالك بن أنس وغيره: توبته أن يصْلُح ويحسُن حاله، وإن لم يرجع عن قوله بتكذيب، وحسبه الندم على قذفه والاستغفار منه وترك العود إلى مثله، وهو قول ابن جرير. واختلف أصحابنا متى تسقط شهادة القاذف، فقال ابن الماجشون: تسقط بنفس قذفه، وقال ابن القاسم، وأشهب، وسحنون: لا تسقط حتى يجلد، فإن منع من جلده مانع - عفو أو غيره - لم ترد شهادته، وقال اللخمي: شهادته في مدة الأجل موقوفة، ورجح القول بأن التوبة إنما تكون بالتكذيب في القذف، وإلا فأي رجوع لعدل إن قذف وحدَّ وبقي على عدالته. مسألة أخرى: واختلف العُلماء أيضًا على القول بجواز شهادته بعد توبته في أي شيء تجوز؟ قال مالك ﵀: تجوز في كل شيء مطلقًا وكذلك من حُدَّ في شيء من الأشياء؛ رواه نافع وابن عبد الحكم عن مالك، وهو قول ابن كنانة. وذكر الوقار عن مالك أنه لا تقبل شهادته فيما حدَّ فيه. وقال به مطرف، وابن الماجشون، وسحنون، وأصبغ، قالوا: من حدَّ في شيء من الأشياء فلا تجوز شهادته في مثل ما حد فيه، وزاد مطرف وابن الماجشون. لا تجوز شهادة من حدَّ في قذف أو زنى في شيء من وجوه الزنى، ولا في قذف ولا لعان، وإن كان عدلًا وروياه عن مالك، واتفقوا على ولد الزنى أن شهادته لا تجوز في الزنى. ا. هـ. أخذًا من تفسير القرطبي. قلت: وقد تقدم مزيد بحث لهذا عند قول المصنف: أو من حد فيما حد فيه. فأغنى عن الإِطناب فيه هنا، والحمد لله. (٥) وقوله: وله حد أبيه وفسِّق، نقل الحطاب هنا عن مطرف وابن الماجشون، وابن عبد الحكم، وسحنون، قالوا: لا يقضى للولد بتحليف والده، ولا يمكن من ذلك، ولا من أن يحد له في حد يقع =

стр. 1538

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = له عليه، لأنه من العقوق، وهذا مذهب مالك في المدونة في اليمين في كتاب الديات، وفي الحد في كتاب القذف وهو أظهر الأقوال. قال: وقد مشى هنا على القول الضعيف. قلت: العجب كل العجب من تقرير مثل هذا ومن صدوره من مثل هذا الطود الشامخ، وصدق الله العظيم: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (١). الآية. وإلا فكيف يتأتى منه تقرير جواز مطالبة الولد بأن يحد له والده والقرآن العظيم يقول: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ (٢) الآية. وقال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ (٣) الآية ومعلوم أن قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ نهي عن أدنى مرتبة من مراتب الأذى، فكان ما فوق ذلك من الأذى منهي عنه من باب أحرى، من باب الإِلحاق بنفي الفارق، قال في مراقي السعود: إعطاء ما للفظة المسكوتا .. من باب أوْلى نفيًا أوْ سكوتا فمعلوم أنه لا يقول عاقل: إنما نهاني القرآن عن قول أف، ولكن لم ينهني أن أوذيه بأن أطالب بأن يجلد من أجلي ثمانين جلدة. أعوذ بالله من تقرير مثل ذلك، وقد يكبو الجواد، والله يغفر لنا وله ولجميع المسلمين.

стр. 1539

جريمة السرقة بَابٌ: تُقْطَعُ الْيُمْنَى وَتحْسَمُ بِالنَّارِ (١) إلَّا لِشَلَلٍ أوْ نَقْصِ أَكْثَرِ الأصَابِعِ فَرجْلُهُ الْيُسْرَى وَمُحِيَ لِيدِهِ (٢) الْيُسُرَى، ثُمَّ يَدُهُ ثُمَ رِجْلُهُ ثُمَّ عُزِّرَ وَحُبسَ (٣). وَإِنْ تَعَمَّدَ إِمَامٌ أوْ غيْرُهُ يُسْرَاهُ أوَّلًا فَالْقَوَدُ، والحَدُّ بَاقٍ، وَخَطَأً أجْزَأ، فَرِجْلُهُ اليُمْنَى بِسَرِقَةِ طِفْلٍ مِنْ حِرْز مِثْلِهِ، أوْ رُبُعِ دِينَارٍ أوْ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ خَالِصَةٍ أوْ مَا يُسَاوِيهَا بالْبَلَدِ شَرْعًا (٤) وإنْ كمَاءٍ أو جَارِحٍ لِتَعْلِيمِهِ، أوْ جِلْدِهِ بَعْدَ ذَبْحِهِ، أَوْ جِلْدِ مَيْتةٍ إنْ زَادَ دَبْغُهُ نِصَابًا أو ظُنَّا فُلوسًا، أو الثّوْبُ فَارغًا، أو شَرِكَةِ صَبِيٍّ لَا أبٍ ولَا طَيْرٍ لإِجَابتِهِ، ولا إنْ تَكَمَّلَ بِمِرَارٍ في لَيْلَةٍ أوْ اشْتَرَكَا في حَمْلٍ إنْ اسْتَقَلَّ كَلٌّ وَلَمْ ينُبْهُ نصَابٌ، مِلْكَ غَيْرٍ، ولَوْ كَذَّبَه رَبُّهُ، أو أُخِذَ لَيْلًا وادَّعَى الإِرْسَال، وصُدِّقَ إنْ أشْبَهَ، لَا مِلْكِهِ مِن مُرْتَهِنٍ ومُسْتأجِرٍ قَبْلَ خُروجِهِ، محْتَرمٍ، لَا خَمْرٍ، وطَنْبُورٍ إلَّا أن يُسَاويَ بَعْدَ كسْرِهِ نِصَابًا، ولَا كَلْبٍ مُطْلَقًا، وأضْحِيَةٍ بَعْدَ ذَبْحِهَا بِخِلَافِ لَحْمِهَا مِنْ فَقِيرٍ تَامِّ المِلْكِ، لا شُبْهَةَ لهُ فيهِ (٥) وإنْ مِن بَيْتِ الْمَالِ، والْغَنِيمَة، أوْ مَالِ شرِكةٍ إن حُجِبَ عَنْهُ وسَرَقَ فوْقَ حَقِّهِ نِصَابًا، لَا الْجَدُّ ولوْ لأُمٍّ، ولَا مِنْ جَاحِدٍ أو مُمَاطِلٍ لِحَقِّهِ، مُخْرَجٍ مِن حرْزٍ (٦) بأن لَا يُعَدَّ الوَاضِعُ فِيهِ مُضَيِّعًا وإن لَمْ يُخْرِجْ هُوَ، أوْ ابْتَلعَ دُرًّا أوْ ادَّهَنَ لِمَا يَحْصُلُ مِنْه نِصَابٌ أوْ أشَارَ إلى شَاةٍ بِالْعلَفِ فَخَرَجَتْ أو اللَّحْدَ أو الْخِبَاءَ وما فيه أوْ حَانُوتٌ أو فِنائِهِما أوْ مَحْمِلٍ أو ظَهْرِ دَابَّةٍ وإنْ غِيبَ عَنْهُنَّ، أو جرينٍ أوْ ساحَةِ دَارٍ لأجْنَبِيِّ إنْ حُجِرُ عَلَيْهِ كَالفِينةِ. وخَانٍ للأثْقَالِ، أو زَوْجٍ فيما حُجِرَ عَنْهُ أوْ مَوْقِفِ دَابّةٍ لِبَيْعٍ أوْ غَيرِهِ، أو قَبرٍ أو بَحْر لمن رُمِيَ لِكفَنٍ أوْ سَفِينَةٍ بمرسَاةٍ، أو كُلِّ شَيْء بِحَضرَةِ صَاحِبهِ، أوْ مِن مَطمَر قَرُبَ، وقطارٍ ونَحْوِهِ، أو أزَالَ بَابَ المسْجِدِ أو سَقْفَهُ أوْ أَخْرَجَ قَنَادِيلَهُ أوْ حُصْرَهُ أَوْ بُسُطَهُ إنْ تُرِكتْ بِهِ، أو حَمَّامٍ إنْ دَخَلَ لِلسَّرِقَةِ أو نَقَبَ أو تَسَوَّرَ، أو بحَارسٍ

стр. 1540

لمْ يأذَنْ لَهُ في تَقْلِيبٍ، وصُدِّقَ مُدَّعي الْخَطَإِ، أو حَمَلَ عَبْدًا لَمْ يُمَيِّزْ، أو خَدَعَهُ أو أخْرَجَهُ في ذي الإِذْنِ العام لِمَحَلِّهِ، لَا إذْنٍ خَاصٍّ كضَيْفٍ مِمَّا حُجِرَ عَلَيْهِ ولو خَرَجَ بِهِ مِنْ جَمِيعهِ، ولا إنَ نَقلَهُ ولَمْ يُخْرِجْهُ، وَلَا فيما عَلى صَبِيٍّ أوْ مَعَهُ، ولَا عَلى دَاخِلٍ تَناوَل مِنْهُ الخَارِجُ، ولا إن اخْتَلَسَ، أوْ كَابَرَ أوْ هَرَبَ بَعْدَ أخْذه في الحِرْزِ وَلَوْ لِيأتِي بِمَنْ يَشْهَدُ عَليْهِ، أوْ أخَذَ دَابَّةً بِبَابِ مَسْجِدٍ أوْ سُوقٍ، أوْ ثَوْبًا بَعْضُه بِالطَّرِيق، أو ثَمَرًا مُعَلًقًا إلا بِغَلَقٍ فَقوْلَانِ إلَّا بَعْدَ حَصْدِهِ فَثَالِثُهَا إنْ كُدِّسَ، ولا إن نَقَبَ فَقَطْ وإنْ الْتَقَيَا وَسَطَ النَّقْب، أوْ رَبَطَهُ فَجَذَبَهُ الْخَارِجُ، قُطِعَا. وشَرْطُهُ التَّكْلِيفُ (٧)، فَيُقْطَعُ الحر والْعَبْدُ والمُعَاهَدُ وإن لِمِثْلِهِمْ، إلَّا الرقِيقَ لِسَيِّدِهِ (٨). وثبتَتْ بإقْرَار إنْ طَاعَ، وإلَّا فَلَا، ولَوْ أخْرجَ السَّرِقَة أوْ عَيَّنَ القَتيلَ (٩)، وقُبِلَ رُجُوعُه ولَوْ بلا شُبْهَةٍ (١٠)، وإنْ رَدَّ اليَمينَ فَحَلَفَ الطالِبُ أو شَهِدَ رَجُلٌ وامْرأتَانِ أو واحِدٌ وحَلَفَ أو أقَرَّ السَّيِّدُ، فَالْغُرمُ بلا قَطْعٍ، وإنْ أقَرَّ الْعَبْدُ فَالْعَكْسُ، وَوَجَبَ رَدُّ الْمَالِ إنْ لَمْ يُقْطَعْ (١١) مُطْلَقًا أوْ قُطِر إنْ أيْسَرَ إلَيْهِ مِنَ الأخذ، وسَقَطَ الحَدُّ إنْ سَقَطَ الْعُضْوُ بِسَمَاويٍّ، لَا بِتَوْبَةٍ وعَدَالَةٍ وإنْ طَالَ زَمَانُهُمَا، وتَدَاخَلَتْ إن اتَّحَدَ الموجِبُ كَقَذْفٍ أوْ شُرْبٍ أوْ تَكَرَّرَتْ. أحكام السرقة عصمنا اللّه والمسلمين منها السرقة هي أخذ المال على وجه الخفية والاستتار، ومن ذلك المعنى استراق السمع، ومسارقة النظر إذا كان يستخفي بذلك. قال ابن عرفة: أخذ مكلف حرًا لا يعقل لصغره، أو مالًا محترمًا لغيره نصابًا أخرجه من حرز بقصد وأخذ خفية لا شبهة له فيه.

стр. 1541

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . (١) قوله ﵀: تقطع المنى وتحسم بالنار، دليل قطعها من كتاب الله تعالى قوله جل وعز في سورة المائدة: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١). وروت عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "الْقَطْعُ في رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا". قال البغوي: هذا حديث متفق على صحته. أخرجه محمد عن عبد الله بن مسلمة، عن إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب، وأخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى وغيره عن سفيان بن عيينة. وانعقد إجماع المسلمين على وجوب قطع السارق في الجملة. وقطع السارق كان موجودًا في الجاهلية، قال القرطبي في تفسيره: أول من حكم بقطع السارق في الجاهلية الوليد بن المغيرة، فأمر الله بقطعه في الإِسلام، فكان أول سارق قطعه رسول الله ﷺ في الإسلام من الرجال الخيار بن عديّ بن نوفل بن عبد مناف، ومن النساء مُرة بنت سفيان بن عبد الأسد من بني مخزوم، وقطع أبو بكر ﵁ اليد اليمنى للذي سرق العقد، وقطع عمر ﵁ يد ابن سمرة أخي عبد الرحمن بن سمرة. ا. هـ. ولا خلاف بين أهل العلم في أن السارق أول ما يقطع منه يده اليمنى من مفصل الكف، وهو الكوع، وفي قراءة ابن مسعود: فاقطعوا أيمانهما، فهي وإن لم تجز القراءة بها لعدم تواترها، فإنها لا تقل عن تفسير الآية. وقد روي عن أبي بكر وعمر ﵄ قالا: إذا سرق السارق فاقطعوا يمينه من الكوع. ولا مخالف لهما من الصحابة، قاله في المغني. وإذا قطع السارق حسم بالنار؛ وهو أن يغلى الزيت، فإذا قطع غمس عضوه في الزيت لتنسد أفواه العروق لئلا يصاب بنزيف للدم فيموت. وقد روي أن النبي ﷺ أتى بسارق سرق شملة فقال: "اقْطَعُوهُ وَاحْسِمُوهُ". قال ابن المنذر: وهو حديث فيه مقال. وممن استحب الحسم بالنار: الشافعي، وأبو ثور وغيرهما من أهل العلم، وهو مذهب أحمد، ولأن النبي ﷺ قال ذلك وأمر به القاطع، يكون الزيت من بيت المال. (٢) وقوله: إلا لشلل أو نقص أكثر الأصابع فرجله اليسرى، وَمُحيَ ليده اليسرى، نقل المواق هنا =

стр. 1542

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = عن المدونة قال: إن سرق ولا يمين له، أو له يمين شلاء، قطعت رجله اليسرى، قاله مالك، ثم عرضتها عليه فمحاها وقال تقطع يده اليسرى، وقوله في الرجل اليسرى أحب إليَّ وبه أقول. ا. هـ. منه. وقال ابن قدامة: من سرق ولا يمنى له قطعت رجله اليسرى كما يقطع في السرقة الثانية، وإن كانت يمناه شلاء ففيها وجهان: قيل تقطع رجله اليسرى لأن الشلاء لا نفع فيها، وقيل إن كان يرقأ دمها إذا تطعت وحسمت تقطع؛ لأنها يمين أمكن قطعها، وإلا تركت لأنه يخاف تلفه، فتقطع رجله اليسرى. ا. هـ. منه بتصرف. قلت: ولم أقف على نص من سنة في ذلك، إنما هو الاجتهاد. والله الموفق. (٣) وقوله: ثم يده ثم رجله ثم عزر وحبس، قال القرطبي: لا خلاف أن اليمين هي التي تقطع أولًا، ثم اختلفوا إن سرق ثانية، فقال مالك وأهل المدينة، والشافعي، وأبو ثور، وغيرهم: تقطع رجله اليسرى، ثم في الثالثة يده اليسرى، عم في الرابعة رجله اليمنى، ثم إن سرق خامسة يعزر ويحبس، وقال أبو مصعب من علمائنا: يقتل بعد الرابعة واحتج بما خرجه النسائي عن الحارث بن حاطب أن رسول الله ﷺ أُتي بلص فقال: "اقْتُلُوهُ". فقالوا. يا رسول الله، إنما سرق. قال: "اقْطَعُوا يَدَهُ". قال: ثم سرق فقطعت رجله، ثم سرق على عهد أبي بكر ﵁ حتى قطعت قوائمه كلها ثم سرق أيضًا الخامسة، فقال أبو بكر ﵁ كان رسول الله ﷺ لا أعلم بهذا حين قال: "اقْتُلُوهُ". ثم دفعه إلى فتية من قريش ليقتلوه، منهم عبد الله بن الزبير، وكان يحب الإِمارة، فقال: أمروني عليكم، فأمّروه عليهم، فكان إذا ضرب ضربوه حتى قتلوه. وبحديث جابر أن النبي ﷺ أمر بسارق في الخامسة فقال "اقْتُلُوهُ" قال جابر: فانطلقنا به فقتلناه ثم اجتررناه فرميناه في بئر ورمينا عليه الححارة، رواه أبو داود وخرجه النسائي وقال هذا حديث منكر، وأحد رواته ليس بالقوي، ولا أعلم في هذا الباب حديثًا صحيحًا. وقال ابن المنذر: ثبت عن أبي بكر وعمر ﵄ أنهما قطعا اليد بعد اليد والرجل بعد الرجل. وقيل تقطع في الثانية رجله اليسرى، ثم لا يقطع في غيرها، ثم إذا عاد عزر وحبس، وروي عن عليّ بن أبي طالب، وبه قال الزهري وحماد بن أبي سليمان وأحمد بن حنبل. قال الزهري: لم يبلغنا في السنة إلا قطع اليد والرجل. =

стр. 1543

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = تنبيهٌ: تقطع يد السارق وتعلق في عنقه، لما روى عبد الله بن محيريز، قال: سألت فضالة عن تعليق يد السارق في عناقه، أمن السنة هو؟ فقال: جيءَ رسول الله ﷺ بسارق فقطعت يده، ثم أمر بها فعلقت في عنقه. أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن غريب، وأبو داود والنسائي. (٤) وقوله: بسرقة طفل من حرز مثله أو ربع دينار أو ثلاثة دراهم خالصة أو ما يساويها بالبلد شرعًا، أما الطفل الصغير الحر، ففي القطع بسرقته خلاف، فمذهب مالك، والحسن والشعبي، وإسحاق، أنه يقطع السارق بسرقة الحر الصغير، لأنه غير مميز فأشبه العبد، وهو رواية عن الإِمام أحمد. قال في المدونة: من سرق صبيًا حرًا أو عبدًا من حرزه قطع، وأن سرق عبدًا كبيرًا فصيحًا لم يقطع، وإن كان أعجميًا قطع. وروى ابن وهب أن حرز الصبي أن يكون في دار أهله. ا. هـ. المواق. وذهب الشافعي، والثوري، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وابن المنذر إلى أنه لا قطع على السارق بسرقته الحر الصغير، لأن القطع يشترط فيه أن يكون المسروق مالًا. قال القرطبي: ولا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار أو فيما قيمته ربع دينار، هذا قول عمر بن الخطاب، وعتمان بن عفان، وعليٍّ ﵃، وبه قال عمر بن عبد العزيز، والليث، والشافعي، وأبو ثور. وقال مالك: تقطع اليد في ربع دينار أو في ثلاثة دراهم، فإن سرق درهمين وهما ربع دينار لانحطاط الصرف لم تقطع يده فيهما. قال: ولا تقطع اليد في العروض إلا فيما يساوي ثلاثة دراهم، قل الصرف أو كثر. فترى مالكًا قد جعل الذهب والفضة كل واحد منهما أصلًا بنفسه، وجعل العروض تقوم بالدراهم في المشهور. وقال أحمد وإسحاق بنحو قول مالك. قلت: ومدار الخلاف هنا على اختلاف حديثي عائشة وابن عمر ﵄، فإن ابن عمر روى أن رجلًا سرق جَحَفَة فأتي به النبي ﷺ فأمر بها فقومت بثلاثة دراهم فقطعه. متفق عليه، فقد جعله مالك أصلًا. وقد روت عائشة: "القَطْعُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا". وقد جعله الشافعي ومن وافقه أصلًا لتقويم العروض، وهنا يتبين لك من غير تعصب رجحان مذهب مالك من حيث إن حديث ابن عمر الذي اعتمده أصلًا حديث صحيح ثابت متفق عليه، قال ابن عبد البر: هذا أصح حديث يروى في هذا الباب، لا يختلف أهل العلم في ذلك. واعتمد الشافعي حديث عائشة أصلًا رد إليه تقويم العروض =

стр. 1544

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = بالذهب لا بالثلاثة دراهم على غلاء الذهب ورخصه، وترك حديث ابن عمر - والله أعلم - من أجل اختلاف الصحابة رضوان الله عليهم في المجن الذي قطع فيه رسول الله ﷺ ، فمنهم من يقول: ثلاثة دراهم، ومنهم من يقول: عشرة دراهم ومنهم من يقول: خمسة دراهم. قال الشوكاني: حديث ابن عمر حجة مستقلة، ولو سلمنا صلاحية روايات تقدير قيمة المجن بعشرة دراهم لمعارضة الروايات الصحيحة لم يكن ذلك مفيدًا؛ لعدم ثبوت القطع بما دون ذلك؛ لثبوت القطع في ربع دينار، وهو دون العشرة دراهم، فيتعين طرح الروايات المتعارضة في ثمن المجن، ويتعين الأخذ بما أسلفنا عن جماعة من الصحابة أنهم قطعوا في ربع دينار وفي ثلاثة دراهم. (٥) وقوله: لا شبهة له فيه، قال ابن شأس: من شروط المسروق أن يكون الملك تامًا قويًا، يعني بحيث لا تكون للسارق فيه شبهة، فإذا كان له فيه شبهة فلا قطع لقوله ﷺ : "إِدْرَووا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ". (٦) وقوله: مخرج من حرز، قال ابن شأس: من شروط المسروق أن يكون محرزًا؛ معناه أن يكون في مكان هو حرز لمثله في العادة والعرف، وذلك يختلف باختلاف عادات الناس في احتراز أموالهم، وهو في الحقيقة كل ما لا يعد صاحب المال في العادة مضيعًا لماله بوضعه. والتحقيق أنه يشترط خروجه به من الحرز، وهو قول أكثر أهل العلم. وهذا مذهب عطاء، والشعبي، وأبي الأسود الدؤلي، وعمر بن عبد العزيز، والزهري، وعمرو بن دينار، والثوري، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي، قال ابن قدامة: ولا نعلم عن أحد من أهل العلم خلافهم، إلا قولًا حكي عن عائشة ﵂، والحسن، والنخعي، فيمن جمع المتاع ولم يخرج به من الحزر، عليه القطع، وعن الحسن أيضًا مثل قول الجماعة، ومن هنا تعلم أن قول المصنف: وإن لم يخرج هو، غير مسلم، بل قول مرجوح، والله الموفق. (٧) وقوله: وشرطه التكليف، دليله قوله ﷺ : "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثلاثٍ … " الحديث. قال ابن عرفة: نصوص المذهب واضحة بأن شرط قطع السارق تكليفه حين سرقته. وإذًا، فإنه يقطع الحر، والعبد، والذمي، والمعاهد؛ لأن حد القطع حق لله تعالى. قال ابن قدامة: أما الحر والحرة فلا خلاف فيهما، لأن الله تعالى قال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا =

стр. 1545

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = أَيْدِيَهُمَا﴾ (١). ولأنهما سواء في سائر الحدود، وقد قطع رسول الله ﷺ يد سارق صفوان، وقطع يد المخزومية التي سرقت القطيفة. وأما العبد والأمة، فإن جمهور الفقهاء وأهل الفتوى على أنهما يجب قطعهما بالسرقة، إلَّا ما حكي عن ابن عباس أنه قال: لا قطع عليهما، لأنه حد لا يمكن تنصيفه فلم يجب في حقهما كالرجم. وحجة الجمهور عموم الآية، وما رواه الأثرم أن رقيقًا لحاطب بن أبي بلتعة سرقوا ناقة لرجل من مزينة فانتحروها فأمر كثير بن الصَّلْت أن تقطع أيديهم، ثم قال عمر: والله إني لأراك تجيعهم، ولكن لأغرمنّك غرمًا يشق عليك، ثم قال للمزني: كم ثمن ناقتك؟ قال: أربعمائة درهم، فقال عمر: اعطه ثمانمائة درهم. وروى القاسم بن محمد عن أبيه أن عبدًا أقر بالسرقة عند عليّ فقطعه، رواه الإِمام أحمد في مسنده. قال ابن قدامة: وهذه قصص تنشر ولم تنكر، فتكون إجماعًا. (٨) وقوله: إلا الرقيق لسيده، قال ابن رشد، إنما لم يقطع العبد في مال سيده لئلا تجتمع على لسيد عقوبتان: ذهاب ماله، وقطع يد غلامه. ا. هـ. المواق. قال ابن قدامة: وأما العبد إذا سرق من مال سيده فلا قطع عليه في قولهم جميعًا، إلَّا ما روي عن داود أنه يقطع؛ متمسكًا بعموم الآية. وحجة الجمهور ما روى السائب بن يزيد، قال: شهدت عمر بن الخطاب، وقد جاءه عبد الله بن عمر بن الحضرمي بغلام له، فقال: إن غلامي هذا سرق فاقطع يده، فقال عمر: ما سرق؟ قال سرق مرآة امرأتي ثمنها ستون درهمًا، فقال: أرسله، لا قطع عليه، خادمكم خذ مالكم، ولكنه لو سرق من غيره قطع، وهذه قضايا تشتهر ولم يخالفها أحد فتكون إجماعًا يخصص عموم الآية. (٩) وقوله: وثبتت بإقرار إن طاع، وإلا فلا، ولو عين السرقة وأخرج القتيل، قال اللخمي: قال مالك فيمن أقر بعد التهديد: لا حكم لإِقراره ولا يؤخذ به، قال في المدونة: وإن أخرج السرقة أو عين القتيل في حال التهديد لم أقطعه ولم أقتله حتى يقر بعد ذلك آمنًا. وقال مالك والشافعية والحنفية إنه يكفي لقطع السارق إقراره مرة واحدة، وقالوا في حديث أبي أمية المخزومي الذي استدل به الإمام أحمد من وافقه على اشتراط تعدد الإقرار ليقطع به صاحبه، قالوا: إنما يدل على أنه يندب له تلقين المسقط =
следующие страницы →