← Фикх малики

Фикх малики · id 784

مواهب الجليل من أدلة خليل

أحمد بن أحمد المختار الشنقيطي

Полный текст (1 647 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . (١) قوله ﵀: تقطع المنى وتحسم بالنار، دليل قطعها من كتاب الله تعالى قوله جل وعز في سورة المائدة: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١). وروت عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "الْقَطْعُ في رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا". قال البغوي: هذا حديث متفق على صحته. أخرجه محمد عن عبد الله بن مسلمة، عن إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب، وأخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى وغيره عن سفيان بن عيينة. وانعقد إجماع المسلمين على وجوب قطع السارق في الجملة. وقطع السارق كان موجودًا في الجاهلية، قال القرطبي في تفسيره: أول من حكم بقطع السارق في الجاهلية الوليد بن المغيرة، فأمر الله بقطعه في الإِسلام، فكان أول سارق قطعه رسول الله ﷺ في الإسلام من الرجال الخيار بن عديّ بن نوفل بن عبد مناف، ومن النساء مُرة بنت سفيان بن عبد الأسد من بني مخزوم، وقطع أبو بكر ﵁ اليد اليمنى للذي سرق العقد، وقطع عمر ﵁ يد ابن سمرة أخي عبد الرحمن بن سمرة. ا. هـ. ولا خلاف بين أهل العلم في أن السارق أول ما يقطع منه يده اليمنى من مفصل الكف، وهو الكوع، وفي قراءة ابن مسعود: فاقطعوا أيمانهما، فهي وإن لم تجز القراءة بها لعدم تواترها، فإنها لا تقل عن تفسير الآية. وقد روي عن أبي بكر وعمر ﵄ قالا: إذا سرق السارق فاقطعوا يمينه من الكوع. ولا مخالف لهما من الصحابة، قاله في المغني. وإذا قطع السارق حسم بالنار؛ وهو أن يغلى الزيت، فإذا قطع غمس عضوه في الزيت لتنسد أفواه العروق لئلا يصاب بنزيف للدم فيموت. وقد روي أن النبي ﷺ أتى بسارق سرق شملة فقال: "اقْطَعُوهُ وَاحْسِمُوهُ". قال ابن المنذر: وهو حديث فيه مقال. وممن استحب الحسم بالنار: الشافعي، وأبو ثور وغيرهما من أهل العلم، وهو مذهب أحمد، ولأن النبي ﷺ قال ذلك وأمر به القاطع، يكون الزيت من بيت المال. (٢) وقوله: إلا لشلل أو نقص أكثر الأصابع فرجله اليسرى، وَمُحيَ ليده اليسرى، نقل المواق هنا =

стр. 1542

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = عن المدونة قال: إن سرق ولا يمين له، أو له يمين شلاء، قطعت رجله اليسرى، قاله مالك، ثم عرضتها عليه فمحاها وقال تقطع يده اليسرى، وقوله في الرجل اليسرى أحب إليَّ وبه أقول. ا. هـ. منه. وقال ابن قدامة: من سرق ولا يمنى له قطعت رجله اليسرى كما يقطع في السرقة الثانية، وإن كانت يمناه شلاء ففيها وجهان: قيل تقطع رجله اليسرى لأن الشلاء لا نفع فيها، وقيل إن كان يرقأ دمها إذا تطعت وحسمت تقطع؛ لأنها يمين أمكن قطعها، وإلا تركت لأنه يخاف تلفه، فتقطع رجله اليسرى. ا. هـ. منه بتصرف. قلت: ولم أقف على نص من سنة في ذلك، إنما هو الاجتهاد. والله الموفق. (٣) وقوله: ثم يده ثم رجله ثم عزر وحبس، قال القرطبي: لا خلاف أن اليمين هي التي تقطع أولًا، ثم اختلفوا إن سرق ثانية، فقال مالك وأهل المدينة، والشافعي، وأبو ثور، وغيرهم: تقطع رجله اليسرى، ثم في الثالثة يده اليسرى، عم في الرابعة رجله اليمنى، ثم إن سرق خامسة يعزر ويحبس، وقال أبو مصعب من علمائنا: يقتل بعد الرابعة واحتج بما خرجه النسائي عن الحارث بن حاطب أن رسول الله ﷺ أُتي بلص فقال: "اقْتُلُوهُ". فقالوا. يا رسول الله، إنما سرق. قال: "اقْطَعُوا يَدَهُ". قال: ثم سرق فقطعت رجله، ثم سرق على عهد أبي بكر ﵁ حتى قطعت قوائمه كلها ثم سرق أيضًا الخامسة، فقال أبو بكر ﵁ كان رسول الله ﷺ لا أعلم بهذا حين قال: "اقْتُلُوهُ". ثم دفعه إلى فتية من قريش ليقتلوه، منهم عبد الله بن الزبير، وكان يحب الإِمارة، فقال: أمروني عليكم، فأمّروه عليهم، فكان إذا ضرب ضربوه حتى قتلوه. وبحديث جابر أن النبي ﷺ أمر بسارق في الخامسة فقال "اقْتُلُوهُ" قال جابر: فانطلقنا به فقتلناه ثم اجتررناه فرميناه في بئر ورمينا عليه الححارة، رواه أبو داود وخرجه النسائي وقال هذا حديث منكر، وأحد رواته ليس بالقوي، ولا أعلم في هذا الباب حديثًا صحيحًا. وقال ابن المنذر: ثبت عن أبي بكر وعمر ﵄ أنهما قطعا اليد بعد اليد والرجل بعد الرجل. وقيل تقطع في الثانية رجله اليسرى، ثم لا يقطع في غيرها، ثم إذا عاد عزر وحبس، وروي عن عليّ بن أبي طالب، وبه قال الزهري وحماد بن أبي سليمان وأحمد بن حنبل. قال الزهري: لم يبلغنا في السنة إلا قطع اليد والرجل. =

стр. 1543

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = تنبيهٌ: تقطع يد السارق وتعلق في عنقه، لما روى عبد الله بن محيريز، قال: سألت فضالة عن تعليق يد السارق في عناقه، أمن السنة هو؟ فقال: جيءَ رسول الله ﷺ بسارق فقطعت يده، ثم أمر بها فعلقت في عنقه. أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن غريب، وأبو داود والنسائي. (٤) وقوله: بسرقة طفل من حرز مثله أو ربع دينار أو ثلاثة دراهم خالصة أو ما يساويها بالبلد شرعًا، أما الطفل الصغير الحر، ففي القطع بسرقته خلاف، فمذهب مالك، والحسن والشعبي، وإسحاق، أنه يقطع السارق بسرقة الحر الصغير، لأنه غير مميز فأشبه العبد، وهو رواية عن الإِمام أحمد. قال في المدونة: من سرق صبيًا حرًا أو عبدًا من حرزه قطع، وأن سرق عبدًا كبيرًا فصيحًا لم يقطع، وإن كان أعجميًا قطع. وروى ابن وهب أن حرز الصبي أن يكون في دار أهله. ا. هـ. المواق. وذهب الشافعي، والثوري، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وابن المنذر إلى أنه لا قطع على السارق بسرقته الحر الصغير، لأن القطع يشترط فيه أن يكون المسروق مالًا. قال القرطبي: ولا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار أو فيما قيمته ربع دينار، هذا قول عمر بن الخطاب، وعتمان بن عفان، وعليٍّ ﵃، وبه قال عمر بن عبد العزيز، والليث، والشافعي، وأبو ثور. وقال مالك: تقطع اليد في ربع دينار أو في ثلاثة دراهم، فإن سرق درهمين وهما ربع دينار لانحطاط الصرف لم تقطع يده فيهما. قال: ولا تقطع اليد في العروض إلا فيما يساوي ثلاثة دراهم، قل الصرف أو كثر. فترى مالكًا قد جعل الذهب والفضة كل واحد منهما أصلًا بنفسه، وجعل العروض تقوم بالدراهم في المشهور. وقال أحمد وإسحاق بنحو قول مالك. قلت: ومدار الخلاف هنا على اختلاف حديثي عائشة وابن عمر ﵄، فإن ابن عمر روى أن رجلًا سرق جَحَفَة فأتي به النبي ﷺ فأمر بها فقومت بثلاثة دراهم فقطعه. متفق عليه، فقد جعله مالك أصلًا. وقد روت عائشة: "القَطْعُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا". وقد جعله الشافعي ومن وافقه أصلًا لتقويم العروض، وهنا يتبين لك من غير تعصب رجحان مذهب مالك من حيث إن حديث ابن عمر الذي اعتمده أصلًا حديث صحيح ثابت متفق عليه، قال ابن عبد البر: هذا أصح حديث يروى في هذا الباب، لا يختلف أهل العلم في ذلك. واعتمد الشافعي حديث عائشة أصلًا رد إليه تقويم العروض =

стр. 1544

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = بالذهب لا بالثلاثة دراهم على غلاء الذهب ورخصه، وترك حديث ابن عمر - والله أعلم - من أجل اختلاف الصحابة رضوان الله عليهم في المجن الذي قطع فيه رسول الله ﷺ ، فمنهم من يقول: ثلاثة دراهم، ومنهم من يقول: عشرة دراهم ومنهم من يقول: خمسة دراهم. قال الشوكاني: حديث ابن عمر حجة مستقلة، ولو سلمنا صلاحية روايات تقدير قيمة المجن بعشرة دراهم لمعارضة الروايات الصحيحة لم يكن ذلك مفيدًا؛ لعدم ثبوت القطع بما دون ذلك؛ لثبوت القطع في ربع دينار، وهو دون العشرة دراهم، فيتعين طرح الروايات المتعارضة في ثمن المجن، ويتعين الأخذ بما أسلفنا عن جماعة من الصحابة أنهم قطعوا في ربع دينار وفي ثلاثة دراهم. (٥) وقوله: لا شبهة له فيه، قال ابن شأس: من شروط المسروق أن يكون الملك تامًا قويًا، يعني بحيث لا تكون للسارق فيه شبهة، فإذا كان له فيه شبهة فلا قطع لقوله ﷺ : "إِدْرَووا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ". (٦) وقوله: مخرج من حرز، قال ابن شأس: من شروط المسروق أن يكون محرزًا؛ معناه أن يكون في مكان هو حرز لمثله في العادة والعرف، وذلك يختلف باختلاف عادات الناس في احتراز أموالهم، وهو في الحقيقة كل ما لا يعد صاحب المال في العادة مضيعًا لماله بوضعه. والتحقيق أنه يشترط خروجه به من الحرز، وهو قول أكثر أهل العلم. وهذا مذهب عطاء، والشعبي، وأبي الأسود الدؤلي، وعمر بن عبد العزيز، والزهري، وعمرو بن دينار، والثوري، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي، قال ابن قدامة: ولا نعلم عن أحد من أهل العلم خلافهم، إلا قولًا حكي عن عائشة ﵂، والحسن، والنخعي، فيمن جمع المتاع ولم يخرج به من الحزر، عليه القطع، وعن الحسن أيضًا مثل قول الجماعة، ومن هنا تعلم أن قول المصنف: وإن لم يخرج هو، غير مسلم، بل قول مرجوح، والله الموفق. (٧) وقوله: وشرطه التكليف، دليله قوله ﷺ : "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثلاثٍ … " الحديث. قال ابن عرفة: نصوص المذهب واضحة بأن شرط قطع السارق تكليفه حين سرقته. وإذًا، فإنه يقطع الحر، والعبد، والذمي، والمعاهد؛ لأن حد القطع حق لله تعالى. قال ابن قدامة: أما الحر والحرة فلا خلاف فيهما، لأن الله تعالى قال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا =

стр. 1545

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = أَيْدِيَهُمَا﴾ (١). ولأنهما سواء في سائر الحدود، وقد قطع رسول الله ﷺ يد سارق صفوان، وقطع يد المخزومية التي سرقت القطيفة. وأما العبد والأمة، فإن جمهور الفقهاء وأهل الفتوى على أنهما يجب قطعهما بالسرقة، إلَّا ما حكي عن ابن عباس أنه قال: لا قطع عليهما، لأنه حد لا يمكن تنصيفه فلم يجب في حقهما كالرجم. وحجة الجمهور عموم الآية، وما رواه الأثرم أن رقيقًا لحاطب بن أبي بلتعة سرقوا ناقة لرجل من مزينة فانتحروها فأمر كثير بن الصَّلْت أن تقطع أيديهم، ثم قال عمر: والله إني لأراك تجيعهم، ولكن لأغرمنّك غرمًا يشق عليك، ثم قال للمزني: كم ثمن ناقتك؟ قال: أربعمائة درهم، فقال عمر: اعطه ثمانمائة درهم. وروى القاسم بن محمد عن أبيه أن عبدًا أقر بالسرقة عند عليّ فقطعه، رواه الإِمام أحمد في مسنده. قال ابن قدامة: وهذه قصص تنشر ولم تنكر، فتكون إجماعًا. (٨) وقوله: إلا الرقيق لسيده، قال ابن رشد، إنما لم يقطع العبد في مال سيده لئلا تجتمع على لسيد عقوبتان: ذهاب ماله، وقطع يد غلامه. ا. هـ. المواق. قال ابن قدامة: وأما العبد إذا سرق من مال سيده فلا قطع عليه في قولهم جميعًا، إلَّا ما روي عن داود أنه يقطع؛ متمسكًا بعموم الآية. وحجة الجمهور ما روى السائب بن يزيد، قال: شهدت عمر بن الخطاب، وقد جاءه عبد الله بن عمر بن الحضرمي بغلام له، فقال: إن غلامي هذا سرق فاقطع يده، فقال عمر: ما سرق؟ قال سرق مرآة امرأتي ثمنها ستون درهمًا، فقال: أرسله، لا قطع عليه، خادمكم خذ مالكم، ولكنه لو سرق من غيره قطع، وهذه قضايا تشتهر ولم يخالفها أحد فتكون إجماعًا يخصص عموم الآية. (٩) وقوله: وثبتت بإقرار إن طاع، وإلا فلا، ولو عين السرقة وأخرج القتيل، قال اللخمي: قال مالك فيمن أقر بعد التهديد: لا حكم لإِقراره ولا يؤخذ به، قال في المدونة: وإن أخرج السرقة أو عين القتيل في حال التهديد لم أقطعه ولم أقتله حتى يقر بعد ذلك آمنًا. وقال مالك والشافعية والحنفية إنه يكفي لقطع السارق إقراره مرة واحدة، وقالوا في حديث أبي أمية المخزومي الذي استدل به الإمام أحمد من وافقه على اشتراط تعدد الإقرار ليقطع به صاحبه، قالوا: إنما يدل على أنه يندب له تلقين المسقط =

стр. 1546

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = للحد عنه، والمبالغة في الاستثبات، قالوا: ومما يدل على أن هذا هو المراد أنه ﷺ قال: "لَا إِخَالُكَ سَرَقْتَ". ثلاث مرات في رواية، ولا قائل بأنه يشترط الإِقرار ثلاث مرات، ولو كان مجرد الفعل يدل على الشرطية لكان وقوع التكرار منه ﷺ ثلاث مرات يقتضي اشتراطها. وقد قطع ﷺ الذي سرق رداء صفوان والذي سرق المجن ولم ينقل أحد في ذلك تكرار الإِقرار. ا. هـ. انظر للشوكاني نيل الأوطار. قلت: وتقدم بحث هذه المسألة في باب الإِقرار عند قول المصنف: يؤاخذ المكلف بلا حجر بإقراره، واستجلبت هناك قوله ﷺ : "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ". دليلًا على أن الإِقرار المنتزع من المتهم لا يلزم، فأغنى ذلك عن إعادته هنا. والله تعالى الموفق. (١٠) وقوله: وقبل رجوعه ولو بلا شبهة، قال المواق: قال أبو عمر: اتفق مالك والشافعي وأبو حنيفة على قبول رجوع المقر بالزنى والسرقة وشرب الخمر إذا لم يدع المسروق ما أقر به السارق. وقال الباجي: إن رجع لغير شبهة، فروى ابن وهب ومطرف أنه يقال، وقاله ابن القاسم وابن عبد الحكيم. ا. هـ. منه. قلت: وقد تقدم بحث ذلك في الكلام على جريمة الزنى، أعاذنا الله والمسلمين منها، عند قول المصنف: وثبت بإقراره مرة إلا أن يرجع مطلقًا، فأغنى ذلك عن بحثه هنا. والحمد لله المنعم المتفضل. (١١) وقوله: ووجب رد المال إن لم يقطع، نقل المواق عن ابن عرفة. موجب السرقة قطع السارق، وضمانه السرقة لازم له إن لم يقطع اتفاقًا، وقال مالك: فلو سرق ما لا يجب فيه القطع؛ إما لقلته أو لأنه من غير حرز، أو لغير ذلك، فإنه يتبع به في عدمه ويحاصر به غرماءه، قال: وإذا كان يجب فيه القطع لم يتبع به إلا في يسره المتصل من يوم سرق إلى يوم يقطع، وإلا لم يتبع وإن كان مليًا بعد عدم تقدم، قال مالك: وهو الأمر المجمع عليه عندنا. وقال في المدونة: إنما يضمن السارق إذا سرق وهو موسر فتمادى يسره إلى أن قطع. قال ابن عرفة: وإن قطع والسرقة قائمة بعينها أخذها ربها. ا. هـ. منه. وقال ابن قدامة: لا يختلف أهل العلم في وجوب رد العين المسروقة على مالكها إذا كانت باقية، أما إذا كانت تالفة فعلى السارق رد قيمتها، أو مثلها إن كانت مثلية، قطع أو لم يقطع، موسرًا كان أو =

стр. 1547

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .. = معسرًا، وهذا قول الحسن، والنخعي، وحماد، والبتي، والليث، والشافعي وإسحاق، وأبي ثور. وقال الثوري وأبو حنيفة: لا يجتمع الغرم والقطع، فإن غرمها قبل القطع سقط القطع، وإن قطع قبل الغرم سقط الغرم. وقال عطاء وابن سيرين، والشعبي، ومكحول: لا غرم على السارق إذا قطع، ووافقهم مالك في المعسر، ووافق أصحاب المذهب الأول في الموسر. واحتج من لا يرى غرمًا على السارق إذا قطع بحديث روي عن عبد الرحمن بن عوف عن رسول الله ﷺ : "إِذَا أُقِيمَ الْحَدُّ عَلَى السَّارِقِ فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ". وهو حديث معلول تدور عليته على سعد بن إبراهيم راويه عن منصور وهو مجهول. قاله ابن المنذر، وقال ابن عبد البر: الحديث ليس بالقوي. ا. هـ. منه. خلاصة: ذكر القرطبي: لا يجب القطع إلا بجمع أوصاف تعتبر في السارق، وفي الشيء المسروق، وفي الموضع المسروق منه، وفي صفته. أمَّا ما يعتبر في السارق فهو خمسة أوصاف: وهي: البلوغ، والعقل، وأن يكون غير مالك للمسروق منه، وأن لا تكون له عليه ولاية، فلا يقطع العبد إن سرق من مال سيده، ولم يقطع أحدٌ بأخذ مال عبده، وسقط قطع العبد بإجماع الصحابة وبقول الخليفة عمر: غلامكم سرق متاعكم. وأمّا ما يعتبر في الشيء المسروق، فأربعة: أن يكون مما يتمول ويمتلك ويحل بيعه، إلا الحر الصغير عند مالك وابن القاسم، وقيل لا قطع على من سرق حرًا صغيرًا. وهو قول الشافعي وأبي حنيفة لأنه ليس بمال، وقال أصحابنا: لم يقطع السارق في المال لعينه، وإنما قطع لتعلق النفوس به، وخلقها بالحر الصغير أكثر من تعلقها بالمال. وأن يكون المسروق نصابًا، وقد تقدم الكلام في النصاب. وأن لا يكون للسارق فيه ملك ولا شبهة؛ وأن يكون مما تصح سرقته؛ كالعبد الصغير والأعجمي الكبير. وأمَّا ما يعتبر في الموضع المسروق منه، فوصف واحد وهو الحزر لمثل ذلك الشيء المسروق، وجملة القول فيه أن كل شيء له مكان معروف فمكانه حرزه، وكل شيء له حافظ فحافظه حرزه، فالدور والمنازل والحوانيت حرز لما فيها، غاب عنها أهلها أو حضروا، وكذلك بيت المال حرز لجماعة المسلمين، والسارق لا يستحق فيه شيئًا، وإن كان قبل السرقة يجوز أن يعطيه الإِمام، وإنما يتعين حق كل مسلم بالعطية. ا. هـ. منه. والتحقيق أنه ليس في ذلك إلا الاجتهاد. والله تعالى الموفق.

стр. 1548

كتاب الحرابة بَابٌ: الْمُحَارِبُ قَاطِعُ الطَّرِيق لِمَنْعِ سُلُوكٍ، أوْ آخِذُ مَالِ مُسْلِمٍ أوْ غَيْرهِ عَلى وَجْهٍ يَتَعَذَّرُ مَعَة الغَوْثُ، وإنْ انْفَرَدَ بِمَدِينَةٍ كمُسْقي السَّيْكُرَانِ لِذلِكَ ومُخِادِعِ الصَّبِيِّ أوْ غيْرِهِ ليَأخذَ مَا مَعَهُ، والدَّاخِل في لَيْلٍ أوْ نَهَارٍ في زُقَاقٍ أو دارٍ، قَاتَلَ لِيَأْخُذَ المَالَ، فَيُقَاتَلُ بَعْدَ المناشَدَةِ إنْ أمْكَنَ ثُمَّ يُصْلَبُ فَيُقْتَلُ (١)، أوْ يُنْفَى الحُرُّ كالزِّنَا (٢) وَالْقَتْلِ أو تُقْطَعُ يَمِينُه ورِجْلُهُ اليُسْرَى وِلاءً (٣) وبالْقَتْلِ يَجِبُ قَتْلُهُ ولَوْ بكافِرٍ أو بإعَانةٍ، ولَوْ جَاءَ تائبًا، ولَيْسَ لِلْولِيِّ العَفْو (٤). ونُدِبَ لذِي التَّدْبِير الْقَتْلُ، والبَطْشِ الْقَطْعُ، ولغَيْرِهِمَا ولِمَنْ وَقَعَتْ مِنْهُمْ فَلْتَةٌ النَّفْيُ والضَّربُ، والتَّعْيِينُ لِلإِمَامِ لا لِمَنْ قُطِعَتْ يَدُهُ ونَحْوُهَا وغَرِمَ كلٌّ عَنِ الجَمِيعِ مُطلَقًا. اتُّبِعَ كَالسَّارِقِ ودُفِعَ مَا بِأيْدِيهِمْ لِمَنْ طَلَبَهُ بَعْدَ الاسْتينَاءِ وَالْيَمِينِ أَوْ بِشَهَادَهِ رَجُلَيْنِ مِنَ الرُّفْقَة لَا لأنْفُسِهِمَا، وَلَوْ شَهِدَ اثْنَانِ أنَّهُ المشْتَهَرُ بِهَا ثَبَتَتْ وإنْ لَمْ يُعَاينَاهَا، وسَقطَ حَدُّها بإتْيانِ الإِمَام طَائعًا أوْ تَرْك مَا هو عَلَيْهِ (٥). الكلام على المحارب اختلف العُلماء فيمن يطلق عليه اسم المحارب وتجري عليه أحكام الحرابة، فقال مالك بن أنس: المحارب عندنا من حمل على الناس في مصر أو في برية وكابرهم عن أنفسهم وأموالهم دون نائر ولا ذحل ولا عداوة. وقال ابن المنذر: اختلف عن مالك في هذه المسألة، فأثبت المحاربة في المصر مرة ونفى ذلك مرة، وقالت طائفة: حكم ذلك في المصر أو في المنازل والطرق وديار أهل البادية والقرى سواء وحدودهم واحدة، وهذا قول الشافعي وأبي ثور. قال ابن المنذر: كذلك هو لأن كلًا يقع عليه اسم المحاربة، والكتاب على العموم، وليس لأحد أن يُخْرِج من جملة الآية قومًا بغير حجة. ولذلك ترى المصنف اعتمد في تعريف المحارب. (١) قوله: المحارب قاطع الطريق لمنع سلوك أو آخذ مال مسلم أو غيره على وجه يتعذر معه =

стр. 1549

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .. = الغوث … إلى قوله: ثم يصلب فيقتل … ألخ. قال الخرقي من أصحاب مذهب الإِمام أحمد: المحاربون الذين يعرضون للقوم بالسلاح في الصحراء فيغصبونهم المال مجاهرة، قال ابن قدامة: هذا قول أبي حنيفة، والثوري، وإسحاق. قال القرطبي: والمغتال محارب، وهو الذي يحتال على قتل إنسان لأخذ ماله. وإن لم يشهر عليه السلاح، لكن دخل عليه بيته، أو صحبه في سفر فأطعمه سمًا فقتله، فإنه يقتل حدًّا لا قودًا. قال الحطاب: أي على وجه الاستحباب، قال ابن رشد: واستحب مالك أن يدعو إلى التقوى والكف، فإن أبوا قوتلوا، وإن عاجلوا قوتلوا. ا. هـ. منه. وعقوبة المحاربين نزل فيها قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (١). قال مالك: الإِمام مخير في الحكم على المحاربين، يحكم عليهم بأي الأحكام التي أوجبها الله تعالى من القتل والصلب أو القطع أو النفي بظاهر الآية، وهذا قول أبي ثور، وسعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، ومجاهد، والضحاك، والنخعي. قال القرطبي: قال ابن عباس: ما كان في القرآن "أَوْ" فصاحبه بالخيار، قال: وهذا القول أنسب لظاهر الآية، فإن الذين قالوا إن "أَوْ" للترتيب - وإن اختلفوا - فإنك تجد أنهم يجمعون عليه حدين: فمنهم من يقول يقتل ويصلب، ومنهم من يقول تقطع يده ورجله وينفى، وليس كذلك الآية، ولا معنى "أَوْ" في اللغة، قاله النحاس. (٢) وقوله: أو ينفى الحر كالزنا، نسب المواق هنا لابن الحاجب: أما النفي فللحر لا للعبد، كما ذكر في الزنى، إلى أن تظهر توبته، قال القرطبي عند قوله تعالى: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ قال السدّي هو أن يطلب أَبدًا بالخيل والرجل حتى يؤخذ فيقام عليه حد الله، أو يخرج من دار الإِسلام هربًا ممن يطلبه. عن ابن عباس وأنس بن مالك ومالك بن أنس، والحسن، والسدّي، والضحاك، وقتادة، وسعيد بن جبير، والربيع بن أنس. والزهري، حكاه الروماني في كتابه. وحكي عن الشافعي أنهم يخرجون من بلد إلى بلد ويطلبون لتقام عليهم الحدود، وقاله الليث بن سعد والزهري أيضًا. =

стр. 1550

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وروي عن مالك أيضًا: ينفى من البلد الذي أحدث فيه هذا إلى غيره ويحبس فيه كالزاني. وقال مالك أيضًا والكوفيون: نفيهم سجنهم؛ فينفوا من سعة الدنيا إلى ضيقها، فصار كأنه إذا سجن فقد نفي من الأرض إلا من موضع استقراره، واحتجوا بقول بعض أهل السجون في ذلك: خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها … فلسنا من الأموات فيها ولا الأحيا إذا جاءنا السجان يومًا لحاجة … عجبنا وقلنا: جاء هذا من الدنيا وحكى مكحول أن عمر بن الخطاب ﵁ أول من حبس في السجون وقال: أحبسه حتى أعلم منه التوبة، ولا أنفيه من بلد إلى بلد فيؤذيهم. والظاهر أن الأرض في الآية هي أرض النازلة، وقد تجنب الناس قديمًا الأرض التي أصابوا فيها الذنوب، ومنه حديث الذي ناء بصدره نحو الأرض المقدسة. قال: وينبغي للإِمام، إن كان هذا المحارب مخوف الجانب يظن أنه يعود إلى حرابة أو إفساد، أن يسجنه في البلد الذي يغرب إليه، وإن كان غير مخوف الجانب فظن أنه لا يعود إلى جناية سرح، قال ابن عطية: وهذا صريح مذهب مالك: أن يغرب ويسجن حيث يغرب، وهذا على الأغلب في أنه مخوف، ورجحه الطبري وهو الواضح لأن نفيه من أرض النازلة هو نص الآية. وسجنه بعدُ، بحسب الخوف منه، فإن تَاب وفهمت حاله سرح. قال: وأصل النفي لغة الإِهلاك، ومنه الإِثبات والنفي، ومنه اشتقت النفاية لرديء المتاع، والنَّفِيُّ لما تطاير من الماء عن الدلو. قال الراجز: كأن متْنيْه من النَّفِيِّ … مواقعُ الطيْر على الصُّفِّيِّ ا. هـ. منه. (٣) وقوله: أو تقطع يمينه ورجله اليسرى ولاءً قال ابن قدامة: تقطع يده اليمنى للمعنى الذي تقطع به يمنى السارق، ثم تقطع رجله اليسرى لتحقق المخالفة، فهذا معنى قوله تعالى: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾. فإنه أرفق به في إمكان مشيه، قال: ولا ينظر اندمال اليد في قطع الرجل، بل يقطعان معًا، يبدأ بيمينه فتقطع وتحسم، ثم برجله؛ لأن الله تعالى بدأ بذكر الأيدي، قال: ولا خلاف بين أهل العلم في أنه لا يقطع منه غير يد ورجل، إذا كانت يداه ورجلاه صحيحتين. ا. هـ. منه بتصرف. مسألة: قال الخرقي: ولا يقطع منهم إلا من أخذ ما يقطع السارق في مثله. قال ابن قدامة: وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي وابن المنذر.

стр. 1551

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقال مالك وأبو ثور: للإِمام أن يحكم عليه بحكم المحارب لأنه محارب لله ورسوله، ساع في الأرض بالفساد فيدخل في عموم الآية. ا. هـ. منه. قال القرطبي: وهو الصحيح، يعني قول مالك، فإن الله تعالى وقَّت على لسان نبيه ﵊ القطع بالسرقة بربع دينار، ولم يوقّت في الحرابة شيئًا، بل ذكر جزاء المحارب، فاقتضى ذلك توفية الجزاء لهم على الحرابة عن حبة. قال: وكيف يصح قياس المحارب على السارق وهو يطلب خطف المال، فإن شعر به فرَّ؟ وحتى أن السارق إذا دخل بالسلاح يطلب المال، فإن منع منه وصيح عليه وحارب عليه فهو محارب يحكم عليه بحكم المحارب. قال ابن العربي: كنت أيام حكمي بين الناس إذا جاءَني أحد بسارق، وقد دخل الدار بسكين يحبسه على قلب صاحب الدار وهو نائم، وأصحابه يأخذون مال الرجل، حكمت فيهم بحكم المحاربين. فافهموا هذا من أصل الدين وارتفعوا إلى يفاع العلم عن حضيض الجاهلين. ا. هـ. منه. (٤) وقوله: وبالقتل يجب قتله ولو بكافر، أو بإعانة، ولو جاء تائبًا وليس للولي العفو، نقل المواق عن ابن عرفة: حد المحارب بأحد الأربعة ما لم يقتل، فإن قتل تعين قتله، ولم يختلف فيه قول مالك، وفي المدونة قتل عثمان مسلمًا قتل ذميًا حرابة. وقال في المدونة: إن كانوا جماعة قتلوا رجلًا ولّي أحدهم قتله والباقون عون له، قتلوا كلهم، وإن تابوا قبل أن يؤخذوا، دفعوا إلى أولياء الدم فقتلوا من شاءوا وعفوْا عمن شاؤوا أو أخذوا الدية ممن شاؤوا. وقال ابن قدامة: إذا قتل وأخذ المال فإنه يقتل ويصلب في ظاهر المذهب، وقتله متحتم لا يدخله عفو، أجمع على هذا كل أهل العلم، قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من نحفظ عنه، وروى ذلك عن عمر، وبه قال سليمان بن موسى، والزهري، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي، قالوا: لأنه حد من حدود الله تعالى، فلم يسقط بالعفو كسائر الحدود. قال: وهل يعتبر التكافؤ بين القاتل والمقتول في الحرابة؟ فيه روايتان. قال القرطبي: ولا خلاف في أن الحرابة يقتل فيها من قتل وإن لم يكن المقتول مكافئًا للقاتل، وللشافعي فيها قولان: أحدهما أنها تعتبر المكافاة لأنه قتل فاعتبر فيه المكافأة كالقصاص، قال: وهذا ضعيف لأن القتل هنا ليس على مجرد القتل وإنما هو على الفساد العام؛ من التخويف وسلب المال، =

стр. 1552

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .. = والله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا﴾ (١) فأمر الله بإقامة الحدود على المحارب إذا جمع شيئين؛ محاربة وسعيًا في الأرض فسادًا، ولم يخص شريفًا من وضيع، ولا رفيعًا من دنِيء. ا. هـ. منه. تنبيهٌ: اختلف العُلماء في وقت صلب المحارب حسبما يقتضيه قوله تعالى: ﴿أَوْ يُصَلَّبُوا﴾. فقد قال مالك، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، والأوزاعي، والليث قالوا: يصلب حيًا ثم يقتل مصلوبًا. يطعن بالحربة، لأن الصلب عقوبة، وإنما يعاقب الحي لا الميت، ولأنه جزاء على المحاربة فيشرع في الحياة كسائر العقوبات. وخالف الشافعي، فقال: يصلب بعد القتل، قال ابن قدامة: لأن الله تعالى قدم القتل على الصلب لفظًا، والترتيب بينهما ثابت بغير خلاف، قال: ولأن القتل إذا أطلق في لسان الشرع كان بالسيف. قال: وصلبه حيًا تعذيب له، وقد نهى ﷺ عن تعذيب الحيوان. (٥) وقوله: وسقط حدها بإتيان الإِمام طائعًا، أو بترك ما هو عليه، قال القرطبي: فإن تابوا وجاؤوا تائبين، لم يكن للإِمام عليهم سبيل، وسقط عنهم ما كان حدًا لله تعالى، وأخذوا بحقوق الآدميين، فيقتص منهم من النفس والجراح، وكان عليهم ما أتلفوه من مال ودم لأوليائه في ذلك، ويجوز لهم العفو والهبة كسائر الجناة من غير المحاربين، هذا مذهب مالك، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي. قال: وإنما أخذ ما بأيديهم من الأموال وضمنوا قيمة ما استهلكوا، لأن ذلك غصب فلا يجوز ملكه لهم، ويصرف إلى أربابه أو يوقفه الإِمام عنده حتى يعلم صاحبه. وقال قوم من الصحابة والتابعين: لا يطالب به من المال إلا بما وجد عنده، أما ما استهلكه فلا يطالب به. وذكر الطبري ذلك عن مالك من رواية الوليد بن مسلم عنه، وهو الظاهر من فعل عليّ بن أبي طالب ﵁ بحارثة بن بدر الغُدَنيّ فإنه كان محاربًا ثم تاب قبل القدرة عليه، فكتب له بسقوط الأموال والدم عنه كتابًا منشورًا. وقال ابن خويزمنداد: واختلفت الرِّواية عن مالك في المحارب إذا أقيم عليه الحد ولم يوجد له مال، هل يتبع دينًا بما أخذ أو يسقط عنه كما يسقط عن السارق؟ قال: والمسلم والذميّ في ذلك سواء. ا. هـ. وقال ابن قدامة: لا نعلم خلافًا بين أهل العلم في أنهم إن تابوا من قبل أن يقدر عليهم سقطت عنهم =

стр. 1553

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = حدود الله تعالى، وأَخذوا بحقوق الآدميين إلا أن يعفى لهم عنها، وبهذا قال مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي، وأبو ثور. والأصل في هذا قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١). فإن تابوا بعد القدرة عليهم لم يسقط عنهم شيء من الحدود، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾. فأوجب عليهم الحد. قال: وإن فعل المحارب ما يوجب حدًا لا يختص بالمحاربة كالشرب والسّرقة والقذف، فذكر القاضي أنها تسقط بالتوبة إلا القذف لأنه حق الآدمي، قال: وإن تاب من عليه حد من غير المحاربين وأصلح، قيل: يسقط عنه الحد لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ (٢) من المائدة ولقوله ﷺ : "التَّائِبُ مِنَ الذنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَه". أخرجه ابن ماجة. قال: ومن لا ذنب له لا حدّ عليه. وقال قوم: لا يسقط عنه الحد. وهو قول مالك وأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي، واحتجوا ججج انظرها في المغني.

стр. 1554

جريمة الشرب بَابٌ: بِشِرْب المُسْلِمِ المُكَلَّفِ مَا يُسْكِر جِنْسُهُ (١) طَوْعًا بِلَا عُذْرٍ وَضَرُورَةٍ وظَنِّه غيْرًا، وإنْ قَلَّ، أوْ جَهِلَ وُجُوبَ الْحَدِّ أوْ الحُرْمَةَ لِقُرْب عَهْدٍ، وَلوْ حَنفيًّا يَشْرَبُ النبِيذَ، وصُحِّحَ نَفْيُهُ، ثَمَانُونَ بَعْدَ صَحْوِه (٢) وتَشَطَّرَ بالرِّقَّ (٣) وَإن قَلَّ إنْ أقَرَّ أوْ شَهِدَا بشُرْبٍ (٤) أوْ شَمٍّ (٥)، وإنْ خُولِفَا. وجَازَ لإِكْرَاهٍ وإسَاغَةٍ، لَا دَواءٍ وَلَوْ طِلاءً (٦) والحُدُودُ بِسَوْطٍ وضَرْبٍ مُعْتَدِلَيْن قاعِدًا بِلَا رَبْطٍ وَشَدِّ يَدٍ، بظَهْرِهِ وكتِفيْه (٧)، وجُرِّدَ الرَّجُلُ والمرْأَةُ مِمَّا يَقي الضَّرْبَ، ونُدِبَ جَعْلُهَا في قَفَّةٍ. وعَزَّر الإِمَامُ لمعْصِيَةِ اللَّهِ أو لحَقِّ آدَمِيٍّ (٨)، حَبْسًا وَلوْمًا وبالإِقامَةِ (٩) ونَزْع العِمَامَةِ وضَرْبٍ بِسَوْطٍ أوْ غَيْرهِ وإنْ زَادَ عَلى الحَدِّ أوْ أتَى عَلى النَّفْسِ، وضَمِن مَا سَرى، كطبِيب جَهِلَ أوْ قَصَّرْ (١٠) أوْ بِلَا إذْنٍ مُعْتَبَرٍ وَلَوْ إذْنَ عَبْدٍ بِفَصْدٍ أو حجَامَةٍ أوْ خِتَانٍ، وكَتأجِيج نَارٍ في يَوْمٍ عَاصفٍ، وكسُقُوطِ جِدَارٍ مَالَ وَأُنْذِرَ صَاحِبُهُ وأمْكنَ تَدَارُكُهُ، أو عَضَّهُ فَسَلَّ يَدَهُ فَقَلَعَ أسْنَانَهُ، أوْ نَظَرَ لَهُ مِنْ كُوَّةٍ فقصَدَ عَيْنَهُ (١٢) وإلَّا فَلَا، كسُقُوطِ مِيَزابٍ، أوْ بَغْتِ رِيحٍ لِنَارٍ كحَرْقِهَا قَائِمًا لِطَفْيِهَا. وجَازَ دَفْعُ صَائلٍ (١٣) بَعْدَ الإِنْذارِ لِلْفَاهِمِ وإنْ عَنْ مَالٍ، وقَصْدُ قَتْلِهِ إنْ عَلِمَ أنهُ لا يَنْدَفِعُ إلَّا بِهِ، لَا جُرْحٌ إنْ قَدَرَ عَلى الْهَربِ مِنْهُ بِلَا مَشَقَّةٍ. ومَا أتْلفَتْهُ الْبَهَائِمُ لَيْلَا فعلى رَبِّهَا (١٤) وإنْ زَادَ عَلى قِيمَتِهَا، بِقِيمَته عَلى الرجَاءِ والْخَوْفِ، لَا نَهَارًا، إن لَمْ يكن مَعَهَا راعٍ وسُرِّحَتْ بُعْدَ المَزَارِع وإلَّا فَعَلى الراعي. الكلام على جريمة الشرب قال ابن قدامة: الخمر حرام بالكتاب، والسنة، والإِجماع. أما الكتاب فقد قال الله تعالى في سورة المائدة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ =

стр. 1555

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = فَاجْتَنِبُوهُ﴾ (١). وأما السنة فقد قال رسول الله ﷺ : "كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ خَمْرٌ حَرَامٌ". قال ابن قدامة: رواه أبو داود والإِمام أحمد. قال: وأجمعت الأمة على تحريم الخمر. ا. هـ. قال القرطبي: والخمر مأخوذةٌ من خَمَرَ إذا ستر، ومنه اشتق خمار المرأة، وكل شيء غطَّى شيئًا فاقد خَمره. ومنه"خَمِّرُوا آنِيَتَكُمْ". فالخمر تَخْمُر الْعَقْلَ أي تُغَطِّيهِ وتسْتره قال: ومن ذلك يقال للشجر الملتف الخَمَرُ - بفتح الميم - لأنه يغطي ما تحته ويستره. يقال منه: أخْمَرتْ الأرضُ. إِذا كَثُرَ خَمَرُهَا، قال الشاعر: ألَا يا زيادُ والضَّحاكَ سيرا … فَقد جَاوَزْتُما خَمَرَ الطريق أي فقد جاوزتما الوهدة التي يستتر فيها الذئب وغيره. قال: ومن ذلك قولهم: دخلت في غُمَّار الناس وخُمَّارهم، أي في مكان خاف. قال: فلما كانت الخمر تستر العقل وتغطيه سميت بذلك. وقيل سميت خمرًا لأنها تركت حتى أدركت، كما يقال خُمِر الرأي إذا ترك حتى تبين فيه الوجه، كما يقال اختمر العجين أي بلغ إدراكه. وقيل اشتق لها ذلك الإِسم من المخامرة وهي المخالطة لأنها تخالط العقل، قال: ومن ذلك قولهم: دخلت في خُمَّار الناس، أي اختلطت بهم، فالمعاني الثلاثة متقاربة. فالخمر تركت وخمرت حتى أدركت ثم خالطت العقل ثم خمرته، والأصل الستر. والخمر ماء العنب الذي غَلَى أو طبخ، وما خامر العقل من غيره فهو في حكمه. وجمهور الأمة على أن ما أسكر كثيره من غير خمر العنب، محرم قليله وكثيره. وأن الحد في ذلك واجب. وقال أبو حنيفة، والثوري، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة وجماعة من فقهاء الكوفة: ما أسكر كثيره من غير خمر العنب فهو حلال، وإذا سكر منه أحد دون أن يتعمد الوصول إلى حد السكر فلا حد عليه، قال: وهذا ضعيف يرده النظر والخبر. ا. هـ. منه. (١) قوله: بشرب المسلم المكلف ما يسكر جنسه إلخ. قال ابن رشد: الشِّرب الموجب للحد هو شرب مسلم مكلف ما يسكر كثيره مختارًا. وقوله: وإن قلّ، لقوله ﷺ : "مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ". ا. هـ. المواق. =

стр. 1556

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = قال ابن قدامة: إن كل مسكر حرام قليله وكثيره، وهو خمر، حكمه حكم عصير العنب في تحريمه، ووجوب الحد على شاربه. وروي تحريم ذلك عن عمر، وعليّ، وابن مسعود، وابن عمر، وأبي هريرة، وسعد بن أبي وقاص، وأبيِّ بن كعب، وأنس، وعائشة ﵃ أجمعين، وبه قال عطاء، وطاوس، ومجاهد، والقاسم، وقتادة، وعمر بن عبد العزيز، ومالك، والشافعي، وأبو ثور، وأبو عبيد، وإسحاق. وقال أبو حنيفة ومن وافقه: عصير العنب إذا طبخ فذهب ثلثاه، ونقيع التمر والزّبيب إذا طبخ وإن لم يذهب ثلثاه، ونبيذ الحنطة والذرة والشعير ونحو ذلك، نقيعًا كان أو مطبوخًا، كل ذلك حلال إلا ما بلغ السكر. قال: وأما عصير العنب إذا اشتد وقذف زبده، أو طبخ فذهب أقل من ثلثيه، ونقيع التمر والزبيب إذا اشتد بغير طبخ فهذا حرام قليله وكثيره، واحتج بما روي عن ابن عباس عن النبي ﷺ : "حُرِّمَتِ الْخَمْرُ لِعَيْنِهَا، وَالْمُسْكِرُ مِنْ كُلّ شَرَابٍ". ا. هـ. منه. قلت: ذكر القرطبي عند قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ (١) الآية من المائدة؛ ذكر أن سبب نزولها ما رواه ابن عباس والبراء بن عازب وأنس بن مالك أنه لما نزل تحريم الخمر قال قوم من الصحابة: كيف بمن مات منا وهو يشربها، ويأكل الميسر؟ فنزلت الآية. قال: وروى البخاري عن أنس بن مالك قال: كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة فنزل تحريم الخمر، فأمر النبي ﷺ مناديًا، فقال أبو طلحة: اخرج فانظر ما هذا الصوت؟! قال: فخرجت فقلت: هذا منادٍ ينادي. ألا إنَّ الخمر قد حُرّمت. قال: إذهب فأهرقها - وكان الخمر من الفضيخ - قال فجرت في سكك المدينة، فقال القوم: قتل قوم وهي في بطونهم، فأنزل الله : ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. الآية. ومعلوم أن الفضيخ يتخذ من البسر المفضوخ وحده من غير أن تمسه النار. قال القرطبي: هذا الحديث في نزول الآية دليل واضح على أن نبيذ التمر إذا خمر أسكر، وهي نص، ولا يجوز الاعتراض عليه، لأن الصحابة رضوان الله عليهم، هم أهل اللغة، وقد عقلوا أن شرابهم ذلك خمر، إذ لم يكن لهم شراب ذلك الوقت بالمدينة غيره، وقال الحكمي: =

стр. 1557

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = لنا خمر وليست خمر كرم … ولكن من نتاج الباسقات كرام في السماء ذهبن طولًا … وفات ثمارها أيدي الجناة قال: ومن الدليل الواضح على ذلك ما رواه النسائي: أخبرنا القاسم بن زكريا، أخبرنا عبيد الله عن شيبان، عن الأعمش، عن محارب بن دثار، عن جابر عن النبي ﷺ قال: "الزَّبيبُ وَالتَّمْرُ هُوَ الْخَمْر". قال: وثبت بالنقل الصحيح أن عمر بن الخطاب ﵁ وحسبك به عالمًا باللسان والشرع - خطب على منبر النبي ﷺ فقال: أيها إنه، ألا إنه نزل تحريم الخمر يوم نزل، وهي من خمسة: من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير، والخمر ما خامر العقل. قال: وهذا أبين ما يكون في معنى الخمر يخطب به عمر بالمدينة على منبر النبي ﷺ بمحضر جماعة من الصحابة وهم أهل اللسان ولم يفهموا من الخمر إلا ما ذكرناه، فإذا ثبت هذا بطل مذهب أبي حنيفة والكوفيين القائلين بأن الخمر لا تكون إلا من العنب، وما كان من غيره لا يسمى خمرًا ولا يتناوله اسم الخمر وإنما يسمى نبيذًا. ا. هـ. منه. فإذا عرفت معنى الخمر لغة وشرعًا، فاعلم أن تحريم الخمر وقع بالتدريج لأن العرب كانوا مولعين بشربها، وأول ما نزل فيها قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ (١) الآية. أي في تجاراتهم. فلما نزلت هذه الآية تركها بعض الناس، وقالوا: لا حاجة لنا فيما فيه إثم كبير. ولم يتركها بعض الناس، وقالوا نأخذ منفعتها ونترك إثمها. فنزل فيها قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ (٢)، فتركها الناس وقالوا: لا حاجة لنا فيما يشغلنا عن الصلاة، وشربها بعض الناس في غير أوقات الصلاة حتى نزل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ (٣) الآية. فصارت حرامًا عليهم حتى صار يقول بعضهم: ما حرم الله شيئًا أشد من الخمر. وفي صحيح مسلم عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: نزلت فيَّ آيات من القرآن، وفيه =

стр. 1558

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = قال: وأتيت على نفر من الأنصار، فقالوا: تعال نُطعمْك ونسقك خمرًا، وذلك قبل أن تحرم الخمر، قال: فأتيتهم في حشٍّ - والحشُّ البستان - فإذا رأس جزور مشوي عندهم وزقٌّ من خمر، قال: فأكلت وشربت معهم، قال: فذكرت الأنصار والمهاجرين عندهم، فقلت: المهاجرون خير من الأنصار، قال: فأخذ رجل لحي جمل فضربني به فجرح أنفي - وفي رواية: فَفَزَره - وكان أنف سعد مفْزورًا - فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته، فأنزل الله فيَّ - يعني نفسه - شأن الخمر: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ الآية. (٢) وقوله: ثمانون بعد صحوه، قال المواق: هذا هو المخبر عنه بقوله: بشرب المسلم ألخ. قال ابن عرفة: حده ثمانون فيها ويتشطر بالرق، وقال في المدونة، لا يحد السكران حتى يصحو، وزاد في سماع أبي زيد، ولو خاف أنا يأتيه بشفاعة تبطل حده، قال ابن سلمون: فخفف بعض التخفيف في الشراب، وروي أن رجلًا سكر فانطلق به إلى رسول الله ﷺ فلما حاذى دار العباس انفلت فدخلها، فذكر ذلك للنبي ﷺ فضحك وقال: "أَفَعَلَهَا"؟ ولم يأمر فيه بشيء. ا. هـ. منه. قلت: وهو في أبي داود: حدثنا الحسن بن علي ومحمد بن المثنى قالا: حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج عن محمد بن علي بن ركانة، عن عكرمة، عن ابن عباس أن رسول الله لم يؤقت في الخمر حدًا. وقال ابن عباس: شرب رجل فسكر فلقي يميل في الفج، فانطلق به إلى النبي ﷺ ، فلما حاذى دار العباس انفلت فدخل على العباس فالتزمه، فذكر ذلك للنبي ﷺ فضحك وقال: "أَفَعَلَهَا"؟ ولم يأمر فيه بشيء. قال أبو داود: هذا مما تنفرد به أهل المدينة؛ حديث الحسن بن علي هذا. قال ابن قدامة: وفي قدر الحد روايتان: إحداهما أنه ثمانون، وبهذا قال مالك، والثوري، وأبو حنيفة ومن تبعهم لإِجماع الصحابة، فإنه روي أن عمر استشار الناس في حد الخمر، فقال عبد الرحمن بن عوف: اجعله كأخف الحدود؛ ثمانين. فضربه عمر ثمانين، وكتب به إلى خالد وأبي عبيدة بالشام. وروي أن عليًّا قال في المشورة: إنه إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فحدوده حد المفتري. روى ذلك الجوزجاني والدارقطني وغيرهما. والرواية الثانية أن الحد أربعون، وهو اختيار أبي بكر ومذهب الشافعي، لأن عليًّا جلد الوليد بن عقبة أربعين، ثم قال جلد النبي ﷺ أربعين وأبو بكر أربعين، وعمر ثماني، وكل سنة. وهذا أحب =

стр. 1559

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = إليَّ. رواه مسلم. ا. هـ. منه. قلت: الذي استشار عمر فيه الناس هو قدامة بن مظعون الجمحي ﵁ قال القرطبي: ذكر الحميديّ عن أبي بكر البرقاني عن ابن عباس، قال: لما قدم الجارود من البحرين قال: يا أمير المؤمنين، إن قدامة بن مظعون قد شرب مسكرًا، وإني إذا رأيت حقًا من حقوق الله حق عليّ أن أرفعه إليك؛ فقال عمر: من يشهد على ما تقول؟ فقال: أبو هريرة؛ فدعا عمر أبا هريرة فقال: علامَ تشهد يا أبا هرير؟ فقال: لم أره حين شرب، ورأيته سكران يقيء، فقال عمر: لقد تنطَّعت في الشهادة؛ كتب عمر إلى قدامة وهو بالبحرين يأمره بالقدوم عليه، فلما قدم قدامة والجارود بالمدينة، كلم الجارود عمر، فقال: أقم على هذا كتاب الله، فقال عمر للجارود: أشهيد أنت أم خصم؟ فقال الجارود أنا شهيد، قال: قد كنت أديت الشهادة؛ ثم قال لعمر: أنشدك الله! فقال عمر: أما والله لتملكنَّ لسانك أو لأسوأنّك فقال الجارود: أما والله ما ذلك بحق، أيشرب ابن عمك وتسوؤني؟ فأوعده عمر، فقال أبو هريرة وهو جالس: يا أمير المؤمنين، إن كنت في شك من شهادتنا فسل بنت الوليد امرأة ابن مظعون، فأرسل عمر إلى هند يسألها بالله، فأقامت هند على زوجها الشهادة، فقال عمر: يا قدامة، إني جالدك، فقال قدامة: والله لو كنت شربت، كما يقولون، ما كان لك أن تجلدني يا عمر. قال: ولِمَ يا قدامة؟. قال: لأن الله يقول: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ (١) الآية: فقال عمر: أخطأت التأويل يا قدامة، إذا اتقيت الله اجتنبت ما حرم الله. ثم أقبل عمر على القوم فقال: ما ترون في جلد قدامة؟ فقال القوم: لا نرى أن تجلده ما دام وجعًا، فسكت عمر عن جلده، ثم أصبح يومًا فقال لأصحابه: ما ترون في جلد قدامة؟ فقال القوم: لا نرى أن تجلده ما دام وجعًا، فقال عمر: إني والله لأن يلقى الله تحت السوط أحب إليَّ من أن يلقى الله وهو في عنقي، والله لأجلدنه، ائتوني بسوط فجاءه مولاه أسلم بسوط رفيق صغير، فاخذه عمر فمسحه بيده ثم قال لأسلم: أخذتك دقرارة أهلك، ائتوني بسوط غير هذا. قال فجاءه أسلم بسوط تام، فأمر عمر بقدامة فجلد. فغاضب قدامةُ عمرَ وهجره؛ فحجّا وقدامة مغاضب لعمر حتى قفلوا من حجهم ونزل عمر بالسُّقيا ونام بها، فلما استيقظ قال: عجلوا علي بقدامة، انطلقوا فائتوني به، والله لأرى في النوم أنه جاءني =

стр. 1560

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = آت فقال: سالمْ قدامة إنه أخوك، فلما جاؤوا قدامة أبي أن يأتيه، فأمر عمر بقدامة أن يجر إليه جرًا حتى كلمه عمر واستغفر له، فكان أول صلحهما. ا. هـ. منه. وجاء في أبي داود: حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا هشام، وحدثنا مسدد، حدثنا يحيى، عن هشام المعنى عن قتادة عن أنس بن مالك، أن النبي ﷺ جلد في الخمر بالجريد والنعال، وجلد أبو بكر ﵁ أربعين، فلما ولي عمر دعا الناس فقال لهم: إن الناس قد دنوا من الريف، وقال مسدد: من القرى والريف، فما ترون في جلد الخمر؟ فقال له عبد الرحمن بن عوف: نرى أن تجعله كأخف الحدود، فجلد فيه ثمانين. وحدثنا مسدد بن مسرهد وموسى بن إسماعيل، المعنى، قالا: حدثنا عبد العزيز بن المختار، حدثنا عبد الله الداناجُ، حدثني حُضين بن المنذر الرّقاشي - هو أبو سليمان - قال: شهدت عثمان بن عفان وأتي بالوليد بن عقبة، فشهد عليه حمران ورجل آخر، فشهد أحدهما أنه رآه شربها - يعني الخمر - وشهد الآخر أنه رآه يتقيؤها، فقال عثمان إنه لم يتقيأها حتى شربها، فقال لعلي ﵁ أقم عليه الحد، فقال عليّ للحسن: أقم عليه الحد، فقال الحسن: ولِّ حارَّها من تولَّى قارَّها، فقال علي لعبد الله بن جعفر: أقم عليه الحد، قال: فأخذ السوط فجلد وعليّ يعد، فلما بلغ أربعين قال حسبك، جلد النبي ﷺ أربعين، أحسبه قال: وجلد أبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكل سنة، وهذه أحب إليَّ. قال الخطابي: وقوله وكل سنة: يريد أن الأربعين سنَّةٌ قد عمل بها النبيُّ ﷺ في زمانه، والثمانون سنة رآها عمر ﵁، ومن وافقه من الصحابة فصارت سنة، فتد قال ﷺ : "اقتَدُوا بِاللَّذَيْنِ من بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ". ا. هـ. منه. مسألة: يجب هذا الحد على من شرب قليلًا من المسكر أو كثيرًا منه، وهو قول الإمام مالك والإِمام أحمد والإِمام الشافعي وهو مروي عن الحسن، وعمر بن عبد العزير وقتادة والأوزاعي، ودليله قوله ﷺ "مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ". رواه أبو داود وغيره. وقد ثبت أن كل مسكر خمر، فتناول الحديث القليل والكثير. فقد جاء عنه ﷺ : "كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْر". وفي بعض الروايات: "كُل مُسْكِرٍ حَرَامَ". والحد إنما يلزم من شربها مختارًا لربها، فإن أكره على شربها فلا حد عليه ولا إثم، فإن النبيّ =

стр. 1561

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = - ﷺ قال: "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ". وقالوا: إن المضطر إليها لدفع غصة بها، بأن لم يجد مائعًا سواها، فإن الله تعالى قال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ (١). وقال جل شأنه: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (٢). الآية. (٣) وقوله: وتشطر بالرِّقِّ، لقوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (٣). والعبد والأمة في ذلك سواء، وقد تقدم بحث ذلك في الكلام على حد جريمة الزنى. أعاذنا الله والمسلمين منها. (٤) وقوله: إن أقر أو شهد اثنان بشرب، قال ابن قدامة: لا يجب الحد حتى يثبت شربه بأحد شيئين: الإِقرار، أو البينة، ويكفي في الإِقرار مرة واحدة، في قول عامة أهل العلم، لأنه حد لا يتضمن إتلافًا، وإذا رجع عن إقراره قبل رجوعه لأنه حد لله تعالى، يقبل رجوعه عنه كسائر الحدود. ا. هـ. منه. (٥) وقوله: أو شمٍّ، نقل المواق، قال ابن عرفة: ويثبت بثبوت رائحة. قال أبو عمر: الحد بالرائحة، وهو قول مالك وجمهور أهل الحجاز، خلافًا للشافعي وغيره. وقال ابن القاسم: إذا رأى الحاكم تخليطًا في قول أو مشي شبه السكران أمر باستنكاهه؛ لأنه قد بلغ إلى الحاكم فلا يسعه إلا تحقيقه، وإذا لم يظهر عليه شيء لم يستنكهه، ولم يتجسس عله. ا. هـ. من المنتقى. ا. هـ. من المواق. واستدل مالك على رأيه هذا بأن ابن مسعود جلد رجلًا وجد منه رائحة الخمر، وبما روي عن عمر أنه قال: إني وجدت من عبد الله ريح شراب. فأقر أنه شرب الطِّلا، فقال عمر: إني سائل عنه، فإن كان يسكر جلدته. قالوا: ولأن الرائحة تدل على شربه فجرى مجرى الإِقرار. ا. هـ. (٦) وقوله: لا دواء ولو طلاءً، قال مالك: التداوي من القرحة بالبول أخف من التداوي فيها بالخمر. قال ابن رشد: لما جاء فيها أنها رجس، ولم يأت في البول إلا أنه نجس. قاله المواق. وقال ابن قدامة: وروى الإِمام أحمد بإسناده عن مخارق أن النبي ﷺ دخل على أم سلمة وقد نبذت نبيذًا في جرة فخرج والنبيذ يهدر، قال "مَا هذَا"؟ فقالت فلانة اشتكت بطنها، فنقعت لها، فدفعه =

стр. 1562

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = برجله فكسره وقال: "إِنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكمْ شِفَاءً". ا. هـ. منه. وهذا الحديث أخرجه ابن حبان والبيهقي من رواية أم سلمة. ا. هـ. (٧) وقوله: والحدود بضرب وسوط معتدلين قاعدًا بلا ربط وشدّ يد، بظهره وكتفيه، نقل المواق عن المدونة: صفة الضرب في الزنى، والشرب، والفرية، والتعزير واحدة إضرب بين ضربين؛ ليس بالمبرح ولا بالخفيف، قال ولا يتولى ضرب الحد قوي ولا ضعيف ولكن وسط من الرجال، ويضرب على الظهر والكفين دون سائر الأعضاء، والمحدود قاعد لا يربط وتخلى له يداه. ا. هـ. منه. وقال الخرقي: ويضرب الرجل في سائر الحدود قائمًا، بسوط لا خلق ولا جديد ولا يمد ولا يربط، ويتقى وجهه. وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة. وقال مالك: يضرب جالسًا لأن الله تعالى لم يأمره بالقيام، ورواه حنبل عن الإِمام أحمد. واحتج الشافعي ومن وافقه يقول عليّ: لكل موضع في الجسد حظ، يعني في الحد، إلا الوجه والفرج. وقال للجلاد: اضرب وأوجع، واتق الرأس والوجه. وقد وقع الاتفاق على أنه لا يمد ولا يربط، قال ابن قدامة: لا نعلم خلافًا في ذلك. قال ابن مسعود: ليس في ديننا مد ولا قيد ولا تجريد. قال: ولأن النبي ﷺ وأصحابه جلدوا ولم ينقل عن أحد منهم مد ولا قيد ولا تجريد ولا تنزع عنه ثيابه، بل يكون عليه الثوب والثوبان. قال: وعن أحمد - لو تركت عليه ثياب الشتاء ما بالى بالضرب، وقال مالك: يجرد لأن الأمر بجلده يقتضي مباشرة جسمه. وأما الضرب بالسوط فهو مسألة وفاق بين أهل العلم في سائر الحدود غير حد الخمر، فقد قال بعضهم: يقام عليه الحد بالأيدي والنعال وأطراف الثياب، وذكر بعض أهل مذهب أحمد أن للإِمام فعل ذلك إذا رآه، واحتجوا بأن النبي ﷺ أُتي برجل قد شرب فقال: "اضْرِبُوهُ" قال: فمنا الضارب بيده، والضارب بنعله، والضارب بثوبه، رواه أبو داود. والدليل لمن اشترط السوط حتى في الخمر أن الخلفاء الراشدين جلدوا بالسياط. وكذلك غيرهم فكان إجماعًا، وأجابوا عن الحديث: فمنا الضارب بيده … الحديث. بأن ذلك كان في بدء الأمر، ثم جلد النبي ﷺ واستقر الأمر على ذلك. وبالله تعالى التوفيق. تنبيهٌ: ذكر العلامة أبو عبد الله القرطبي في الجامع لأحكام القرآن في الكلام على آية المائدة التي =

стр. 1563

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .. = نزلت بتحريم الخمر، بعد ما ذكر الأحاديث التي وردت في أسباب نزول الآيات التي نزلت في الخمر، قال: هذه الأحاديث تدل على أن شرب الخمر كان إذ ذاك مباحًا معمولًا به، معروفًا عندهم بحيث لا ينكر ولا يغير، وأن النبي ﷺ أقر عليه، وهذا ما لا خلاف فيه، يدل عليه قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ (١). وهل كان يباح لهم شرب القدر الذي يسكر؛ وحديث حمزة فيه حين بقر خواصر ناقتي عليّ ﵄، وجبّ أسنمتهما، فأخبر عليّ بذلك النبي ﷺ ، فجاء إلى حمزة فصدر عنه للنبي ﷺ من القول الجافي المخالف لما يجب من احترام النبي ﷺ وتوقيره وتعزيره، ما يدل على أن حمزة ﵁ كان قد ذهب عقله بما يسكر، ولذلك قال الراوي: فعرف رسول الله ﷺ أنه ثمل؛ ثم إن النبي ﷺ لم ينكر على حمزة ولم يعنفه، لا في حال سكره ولا بعد ذلك، بل رجع لمَّا قال حمزة: وهل أنتم إلا عبيد لأبي، رجع على عقبيه القهقرى وخرج عنه. قال أبو عبد الله: وهذا خلاف ما قاله الأصوليون وحكوه، فإنهم قالوا: إن السكر حرام في كل شريعة، لأن الشرائع مصالح العباد لا مفاسدهم، وأصل المصالح العقل، كما أن أصل المفاسد ذهاب العقل، فيجب المنع من كل ما يذهبه أو يشوشه. قلت: كون الخمر كانت تستعمل في صدر الإِسلام لا يقتضي أنها كانت مباحة في شرائع من قبلنا؛ لأن أهل الفن قرروا أنها كانت مباحة في صدر الإِسلام بالبرآءة الأصلية لأن الأصل في الأشياء الإِباحة قبل نزول الشرع بتحريمها، ولذلك قال شيخ مشائخنا الشيخ عبد الله بن الحاج إبراهيم العلوي في مراقي السعود: أباحها في أول الإِسلام … براءةٌ ليست من الأحكام يعني الخمر. وكون المسلمين في صدر الإِسلام كانوا يستعملون الخمر على البراءة الأصلية، ليس فيه أي دليل يستدل به على إباحتها في شرائع الأنبياء قبل نبينا عليه وعلى جميع الأنبياء أفضل الصلاة وأزكى السلام، وحتى على القول بأنها أبيحت شرعًا في شرع نبينا ﵊ في صدر الإِسلام كما ذهب إليه بعض المحققين أخذًا من قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾ (٢).

стр. 1564

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = قالوا: لأن الآية جاءت في مساق الامتنان، والله لا يمتن بمحرم، وحتى على هذا القول فليس هناك ما يستدل به على إباحتها في شرع من قبلنا؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (١) الآية. هذا ما ظهر لي، والله تعالى أعلم. (٨) وقوله: وعزر الإِمام لمعصية الله أو لحقّ آدمي، قال المواق: من المدونة، أما النّكال والتعزير فجوزوا فيه العفو والشفاعة وإن بلغ الإِمام. وذكر شهاب الدين أن الحدود مقدرة بخلاف التعزير، والحد واجب إقامته بخلاف التعزير، والحد تعبد، فحد من سرق ربع دينار ومن سرق مائة ألف واحد، بخلاف التعزير فبحسب الجناية، والحد في مقابلة المعاصي، بخلاف التعزير فإنه يكون للمكلف والبهيمة والمجنون، والتعزير يسقط بالتوبة بخلاف الحد إلا الحرابة. وقال مالك: يجوز أن يزاد التعزير على الحد إذا رأى الإِمام، لما روي أن معن بن زائدة عمل خاتمًا على نقش خاتم بيت المال، ثم جاء به صاحب بيت المال فأخذ منه مالًا، فبلغ عمر ﵁ فضربه مائة وحبسه، فكُلّم فيه فضربه مائة أخرى، فكلم فيه من بعد فضربه مائة ونفاه. وروى الإمام أحمد أن عليًا أتي بالنجاشي قد شرب خمرًا في رمضان، فجلده ثمانين، الحد، وعشرين سوطًا لفطره في رمضان. وروي عن أحمد ﵀ أنه لا يزاد التعزير على عشر جلدات. وبهذا قال إسحاق لما روى أبو بردة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لَا يُجْلَدُ أَحَدٌ فَوْقَ عَشْرَة أَسْوَاطٍ إلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ تَعَالَى". متفق عليه. ومذهب أبي حنيفة والشافعي أنه لا يبلغ به أدنى حد مشروع، وعلى هذا فلا يبلغ التعزير أربعين سوطًا لأنها حد العبد في الخمر والقذف عند أبي حنيفة، ولا يبلغ عشرين في العبد وأربعين في الحر عند الشافعي. انظر المغني. (٩) وقوله: حبسًا ولومًا وبالإِقامة ألخ. نقل المواق عن ابن شأس: كانوا يعاقبون الرجل على قدره وقدر جنايته؛ منهم من يضرب، ومنهم من يحبس، ومنهم من يقام واقفًا على قدميه في المحافل، ومنهم من تنزع عمامته، ومنهم من يحل إزاره. وقال ابن عرفة: ومما جرى به العمل من أنواع التعزير ضرب القفا مجردًا عن ساتر بالأكف. ولا يخص جنس التعزير بسوط أو يد أو غيره. وقال ابن عرفة: =

стр. 1565

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = المشهور صحة الزيادة عن الحد باجتهاد الإِمام. لعظم جريمة الجاني، فقد ضرب عمر مائة من نقش على خاتمه. قال ابن شاس: وأمر مالك بضرب شخص أربعمائة سوط وجد مع صبي مجردًا فانتفخ ومات ولم يستعظم ذلك مالك. ا. هـ. المواق. ومذهب مالك، وأحمد، وأبي حنيفة أن التعزير واجب إذا رآه الإِمام، وقال الشافعي: ليس بواجب، لأن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ فقال: إني رأيت امرأة فأصبت منها ما دون أن أطأها، فقال: "أَصَلَّيْتَ مَعَنَا"؟ قال: نعم! فتلا عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (١). وقال رجل للنبي ﷺ في حكم حكم به للزبير ﵁: أن كان ابن عمتك؟ فغضب النبي ﷺ ولم يعزره. وإذا مات شخص تحت التعزير فلا ضمان عند الجمهور، وخالف الشافعي فقال: يضمنه لقول عليّ ﵁: ليس أحد أقيم عليه الحد فيموت فأجد في نفسي شيئًا لأن الحق قتله، إلا حد الخمر، فإن رسول الله ﷺ لم يسنه لنا. وأشار إلى عمر بضمان التي أجهضت جنينها حين أرسل إليها. (١٠) وقوله: وضمن ما سرى كطبيب جهل أو قصر، قال الحطاب نسبه للجواهري: التعزير جائز بشرط سلامة العاقبة، فإن سرى ضمنت عاقلة المعزر، بخلاف الحد. ا. هـ. وقال ابن رشد: من مات من سقي طبيب أو ختن حجام أو تقليعه ضرسًا، لم يضمنه إن لم يخطئ، إلا أن ينهاهم الحاكم عن القدوم على ذي غرر إلا بإذنه، فمن خالفه ضمن في ماله، هذا ظاهر السماع، وما كان يخطئ في فعله؛ كسقيه ما لا يوافق المرض، أو تزل يد الخاتن أو يقلع غير الضرس المأمور بها، فإن كان من أهل المعرفة، ولم يغر من نفسه، فذلك خطأ تحمل عاقلته الثلث فصاعدًا، وإن غر من نفسه عوقب بالسجن والضرب، قال: وفي كون أرش الجناية إلى الخطإ أو في ماله قولان. ا. هـ. المواق. وقال الشافعي وأحمد: إن ختن في زمن معتدل من الحر والبرد لم يلزمه ضمان إن تلف؛ لأنه فعل فعلًا مأمورًا به من قبل الشرع، قالا: وإن كان رجلًا أو امرأة لم يختتنا، فأمر السلطان بهما فختنا بهما فختنا، فإن زعم الأطباء أنه تلف بالختان أو الغالب تلفه به فعليه الضمان، وإلَّا فلا ضمان. والختان ليس بواجب عند مالك وأبي حنيفة لقوله ﷺ : "الْخِتَان سُنَّةٌ فِي الرِّجَالِ مَكْرمَةٌ في =

стр. 1566

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = النِّسَاءِ". وقال أحمد: هو واجب لأنه قطع عضو من البدن، يتألم بقطعه فلم يقطع إلا واجبًا، قال: ولأنه تكشف العورة من أجله، ولو لم يكن واجبًا لما جاز ارتكاب المحرم من أجله. وقد أجاب عن الخبر بأنه ضعيف. (١١) وقوله: أو عضه فسل يده، نقل المواق عن ابن الحاجب: لو عضه فسل يده ضمن أسنانه، ابن عرفة: قال غير واحد أن هذا هو المشهور. قال المازري عن بعض شيوخه، عن بعض المحققين، إنما ضمنه من ضمنه لإمكانه النزع برفق. وحملوا الحديث في مسلم: "لَا دِيَة لَهُ" على هذا. ا. هـ. المواق. قلت: الدليل إلى جانب من يقول: لا ضمان على من انتزع يده من فم العاضّ؛ لما روى يعلى ابن أمية قال: كان لي أجير فقاتل إنسانًا فعض أحدهما يد الآخر، قال فانتزع المعضوض يده من في العاض، فانتزع إحدى ثنيتيه، فأتى النبي ﷺ فأهدر ثنيته، فحسبت أنه قال: قال النبي ﷺ : "أَفَيَدَعُ يَدَهُ فِي فِيكَ تَقْضَمُهَا قَضْمَ الْفَحْلِ"؟ متفق عليه. ولا دليل في قوله ﷺ : "في السِّنَّ خَمْسَ مِنَ الإِبِلِ". على ضمان سن العاض، إنما هو بيان لدية من نزعت سنه ظلمًا، وهذه لم تقلع ظلمًا. والله أعلم. (١٢) وقوله: أو نظر له من كوة فقصد عينه، نقل المواق: لو رمى إنسانًا ينظر إليه في بيته فأصاب عينه، فأكثر أصحابنا على إثبات الضمان وأقلهم على نفيه، للحديث الصحيح. قلت: من ذهب إلى نفي الضمان هنا أولى بالحق؛ لأخذه بحديث رسول الله ﷺ ، فقد روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لَوْ أَنَّ امْرَءًا اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذْنٍ فَحَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ فَفَقَأْتَ عَيْنَه لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ حَرَجٌ". وعن سهل بن سعد أن رجلًا اطلع من حجر من باب النبي ﷺ ورسول الله ﷺ يحك رأسه بمدرى في يده، فقال رسول الله ﷺ : "لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكَ تَنْظرُنِي لَلَطَمْت أَوْ لَلَطَمْتُ بهَا فِي عَيْنِكَ" متفق عليهما. ولا ينقضي عجبي ممن يضمن من نفى النبي ﷺ عنه الحرج. والله الموفق. (١٣) وقوله: وجاز دفع صائل ألخ. نقل المواق عن ابن يونس في الجمل إذا صال على الرجل فخافه على نفسه فقتله، لا شيء عليه. ا. هـ. هذا مذهب مالك، وأحمد، والشافعي، وإسحاق، وخالف =

стр. 1567

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = أبو حنيفة، قال: عليه ضمانه لأنه أتلف مال الغير لإِحياء نفسه. أما إن صال عليه رجل ودخل منزله بغير إذنه، فله إنذاره بالخروج من منزله، سواء كان معه سلاح أو لا؛ لأنه متعد بدخول ملك غيره بدون إذنه، فإن امتثل وخرج لم يكن له ضربه، فإن لم يخرج بالأمر، فله ضربه بأسهل ما يعلم أنه يدفعه، لأن المقصود دفعه، فإن لم يمكن دفعه إلَّا بالقتل، أو خاف أن يبدره بالقتل إن لم يقتله، فله قتله، فإن قتله أو أصاب منه عضوًا كان هدرًا، لأنه أتلفه لدفع شره، وإن قتل صاحب الدار كان شهيدًا لقوله ﷺ : "مَنْ أرِيدَ مَالُهُ بغَيْرِ حَقٍّ فَقَاتَلَ فَقتِلَ فَهُوَ شَهِيدٌ". قال ابن قدامة: رواه الخلال بسنده. وكل من عرض للإنسان يريد نفسه أو ماله فحكمه ما ذكرنا فيمن دخل منزله، فقد ثبت عن أحمد في اللصوص يريدون نفسك ومالك: قاتلهم تمنع نفسك ومالك، وقال عطاء في المحرم يلقى اللصوص، قال: يقاتلهم أشد قتال، وقال ابن سيرين ما أرى أحدًا ترك قتال الحرورية واللصوص تأثمًا إلَّا أن يجبن، وقيل للحسن: إني أخرج في هذا الوجه، أخوف شيء عندي يلقاني المصلي يعرض لي في مالي، فإن كففت يدي ذهبوا بمالي، وإن قاتلت المصلي ففيه ما علمت. قال: يا بني من عرض لك في مالك فاقتله فإلى النار، وإن قتلك فشهيد. وروي نحو ذلك عن أنس، والشعبي، والنخعي. وسئل الإمام أحمد عن امرأة راودها رجل على نفسها فقتلته لتحصن نفسها، فقال: إذا علمت أنه لا يريد إلَّا نفسها فقتلته لتدفع عن نفسهما فلا شيء عليها، وذكر حديثًا يرويه الزهري عن القاسم بن محمد، عن عبيد بن عمير، أن رجلًا أضاف ناسًا من هذيل، فأراد امرأة على نفسها، فرمته بحجر فقتلته، فقال عمر: والله لا يودى أبدًا. والأمر في هذا ظاهر؛ فإنه إن جاز الدفع عن المال الذي يجوز بذله، فإنه يجوز دفع المرأة عن نفسها وصيانتها عن الفاحشة من باب أولى. (١٤) وقوله: وما أتلفته البهائم ليلًا فعلى ربها ألخ. الأصل في ذلك حديث الموطإ أن ناقة للبراء بن عازب دخلت حائط رجل فأفسدت فيه فقضى رسول الله ﷺ أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار، وأن ما أفسدت المواشي بالليل ضامن على أهلها. قال ابن عبد البر: إن كان هذا مرسلًا فهو مشهور، حدث به الأئمة الثقات وتلقاه فقهاء الحجاز بالقبول. ا. هـ. والله الموفق.

стр. 1568

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . كتاب العتق قال الحطاب: يقال العتق بكسر العين وفتحها، والعَتاقَةُ والعَتَاقُ بفتحها فقط. ويقال: عتق يعتق كضرب يضرب، ولا يقال عُتِقَ بضم العين، والله أعلم. قال: وقال في الذخيرة: والعتق في اللغة الخلوص، ومنه عتاق الخيل، وعتاق الطير أي خالصوها، وقيل للبيت الحرام عتيقًا لخلوصه من أيدي الجبابرة. وهو في الشرع خلوص الرقبة من الرق. وحكمه الندب، وهو من أفضل الأعمال وأعظم القربات، ويدل على عظيم قدره ما في الصحيح من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لَنْ يُجْزِئَ وَلَدٌ وَالِدَهُ إِلَّا أَنْ يَجدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَريَهُ فَيَعْتِقَهُ". قال في التوضيح: وكأن الوالد لما كان سببًا لوجود الولد، وذلك من أعظم النعم، فالذي يشبه ذلك إخراج الولد لوالده من عُدْم الرق إلى وجود الحرية؛ لأن الرقيق كالمعدوم، وربما كان العدء خيرًا منه. ا. هـ. وفي الصحيحين، قال رسول الله ﷺ "مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ إِرَبًا مِنْه مِنْ النَّارِ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَعْتِقُ الْيَدَ بِالْيَدِ وَالرِّجْلَ بِالرَّجُلِ وَالْفَرْجَ بِالْفَرَجِ". وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة: "مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً، أَعْتَقَ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنَ النَّارِ، حَتَّى يُعْتِقَ فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ". وروى الترمذي وصححه أنه ﵊ قال: "أيُّمَا امْرِئَ مُسْلِمٍ، أَعْتَقَ امْرَأً مُسْلِمًا، كَانَ فَكَاكَهُ مِنَ النَّار يُجْزِئَ كُلُّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ، وَأَيُّمَا امْرِئٍ مُسْلِمٍ، أَعْتَقَ امْرَأَتَيْنِ مُسْلِمَتَيْنِ كَانَتَا فَكَاكَهُ مِنَ النَّارِ يُجْزِئُ كُلُّ عُضْوٍ مِنْهُمَا عُضْوًا مِنْهُ، وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ، أَعْتَقَتْ امْرَأَةً مُسْلِمَةً، كَانَتْ فَكَاكَهَا مِنَ النَّارِ يُجْزِئُ كُلُّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنْهَا". قيل: ولعل هذا لأن دية المرأة على النصف من دية الرجل. انتهى. وقد يجب العتق أحيانًا لأسباب هي: إلزام الرجل نفسه ذلك وتبتله عتق مملوكه ابتداء، وبنذره ذلك لأمر كان أو يكون، وبالحنث في يمين بذلك، أو بحمل مملوكته منه، أو بعتقه بعضه فيبتل عليه باقيه، وبالتمثيل به، وبشرائه من يعتق عليه، وبقتل النفس خطأً، وبوطء المظاهر، وبكتابة العبد، وبمقاطعته على مال، وبكفارة اليمين بالله تعالى، وبكفارة الفطر في رمضان عمدًا، إلا أن الفرض في كفارة اليمين موضوع لأنه مخير بينه وبين غيره.

стр. 1569

كتاب العتق بَابٌ: إنَّمَا يَصِحُّ إعْتَاقُ مُكَلَّفٍ (١) بِلَا حَجْرٍ وإحَاطَةِ دَيْنٍ، ولِغَريمِهِ رَدُّهُ أوْ بَعْضِهِ إلَّا أنْ يَعْلَمَ أوْ يَطُولَ، أوْ يُفِيدَ مَالًا ولَوْ قبْلَ نُفُوذِ البَيْعِ، رَقيقًا لمْ يتَعَلَّقْ بهِ حَقٌّ لَازِمٌ بِهِ وبِفَكِّ الرَّقَبَةِ والتَّحْرِيرِ وَإنْ في هذَا الْيَوْمِ، بِلَا قرِينَةِ قَدْحٍ أوْ خُلْفٍ أوْ دَفْعٍ أوْ مَكْسٍ، بِلَا مِلْكَ أوْ سَبِيلَ لي عَلَيْكَ، إلَّا لِجَوابِ، وبِكوَهَبْتُ لَكَ نَفْسَكَ وبكاسْقِني أو اذْهَبْ أو اعْزُبْ بِالنِّيَّةِ. وعَتَق عَلَى البَائعِ إِنْ عَلَّقَ هُوَ وَالمُشْتَري على الْبَيْع والشِّراءِ وبِالاشْتِراءِ الْفَاسِدِ في إنْ اشْتَريْتُكَ كأنْ اشْتَرى نَفسَهُ فَاسدًا. والشِّقْصُ والمدَبَّرُ وَأُمُّ الْوَلَدِ وَوَلَدُ عَبْدِي مِنْ أمَتِهِ وإنْ بعْدَ يَمِينهِ، والإِنْشَاءُ فيمَنْ يَمْلِكُهُ، أوْ لي أوْ رَقِيقي أوْ عَبِيدي أوْ مَمَاليكي، لا عَبيدُ عَبِيدِهِ كأمْلِكُهُ أبَدًا. وَوَجَبَ بِالنّذْرِ ولم يُقْضَ إلَّا بَبَتٍّ معَيَّنٍ. وهو في تنبيهٌ: كلما كثرت أسباب الشيء كان إلى الوقوع أقرب: ألا ترى أن الله قد وعد بالمغفرة على أسباب كثيرة تكاد تخرج عن الحصر؟ قال ﷺ : "صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالآتِيَةَ". وقال: صَوْمُ يَوْم عَاشُورَاءَ يُكَفِّر الْمَاضِيَةَ". وقال "رَمَضَانُ إلَى رَمَضَانَ يُكَفِّرُ مَا بَيْنَهُمَا". وقال: "الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ يُكَفِّرْنَ مَا بَيْنَهُنَّ". وقال: "وَإِنْ تَوَضَّأَ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ بيْنِ أَشْفَارِ عَيْنَيْهِ". وقال الحطاب لشيخه شهاب الدين: إذا كان عرفة يكفر الماضية والآتية، فأي شيء يكفر عاشوراء، وكل ما ذكرناه؟ فقال: ذلك دليل على أنه تعالى مريد للمغفرة لعباده، فإن العبد إن أخطأه سبب لا يخطئُهُ غيره، وما كثرت أسبابه كان إلى الوقوع أقرب. ا. هـ. قال: وحكمة مشروعيته، التنبيه على شرف الآدمي وتكرمته، فإن الرِّقَّ إذلال له، والترغيب في العتق من مكارم الأخلاق، وتعاطي أسباب النجاة من النار. ا. هـ. منه. والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ (١). وأما السنة فما تقدم ذكره من الأحاديث وغيره، وأجمعت الأمة على صحة العتق وحصول القربة به. (١) قوله: إنما يصح إعتاق مكلف ألخ. يريد به، والله أعلم، أن العتق يصح من كل من يصح =

стр. 1570

خُصُوصِهِ وعُمُومِهِ ومَنْعٍ من وَطْءٍ وبَيْعٍ في صيغَة حِنْثٍ وعِتْقِ عُضْوٍ، وتَمْلِيكهِ الْعَبْدَ، وجَوابِهِ، كالطَّلاقِ، إلَّا لأجَلٍ أو إحْدَاكمُا فَلَهُ الاخْتِيارُ. وإنْ حَمَلْتِ فأنْتِ حُرَّةٌ فَلَهُ وَطْؤُهَا في كُلِّ طُهْر مَرَة، وإنْ جَعَلَ عِتقَهُ لاثْنَيْنِ لم يَسْتَقِلَّ أحَدُهُمَا إن لَهَا يَكَونَا رَسُولَيْنِ. وإنْ قالَ إن دَخلْتُما فَدَخَلَتْ إحْدَاهُمَا، فَلا شَيْء عَليه فيهما. وعَتَقَ بِنَفْسِ الْمِلكِ الأبَوَانِ (١) وإن عَلَوا والْوَلَدُ وإنْ سَفلَ كَبنتٍ وأخٍ وأخْتٍ مُطْلَقًا وإن بِهِبَةٍ أو صَدَقَةٍ أو وَصِيَّةٍ إن عَلِمَ المُعْطِي ولوْ لَمْ يَقْبَله، ووَلَاؤُهُ لَه ولا يكُمِّلُ في جُزْء لَمْ يَقْبَلْهُ كبيرٌ أو قَبِلَهُ وِليُّ صَغِيرٍ أو لم يَقْبَلْهُ، لا بإرْثٍ = تصرفه في المال؛ وهو البالغ العاقل الرشيد، ولا يصح من غير جائز التصرف كالصبي والمجنون. قال ابن المنذر: هذا قول عامة أهل العلم، وممن حفظنا عنه ذلك: الحسن، والشعبي، والزهري. ومالك والشافعي، وأصحاب الرأي. قال: وذلك لقول النبي ﷺ : "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ؛ عَن الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَفِيق، وعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ". أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة. ويحصل العتق بالقول، والملك، والاستيلاء. أما القول: فإنه ينقسم إلى صريح وكناية، فالصريح هو لفظ الحرية والعتق وما تصرف من ذلك: لأن هذين اللفظين وردا في كتاب اللّه تعالى، وفي سنة رسول الله ﷺ ، وهما المستعملان عرفًا في العتق، فمتى أتى المرء بشيء من هذه الألفاظ حصل العتق ولو لم ينو العتق. وأما الكناية: فهي كنحو قوله: لا سبيل لي عليك، ولا سلطان لي عليك وأنت سائبة، واذهبي حيث شئت، فهذا ونحوه يدور الحكبم فيه حول النية، فإد نوى العتاق به لزم وإلا فلا، لقوله ﷺ "إِنَّمَا الْأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وإنَّمَا لِكُلِّ امْرئٍ مَا نَوَى". الحديث. (١) وقوله: وعتق بنفس الملك الأبوان ألخ. ففي أبي داود: حدثنا مسلم بن إبراهيم وموسى بن إسماعيل، قالا: حدثنا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي ﷺ ، وقال موسى في موضع آخر: عن سمرة بن جندب فيما يحسب حماد قال، قال رسول الله ﷺ . "مَنَ مَلَكَ ذَا =

стр. 1571

أو شِراءٍ وعليْهِ دَيْنٌ فَيبَاعُ. وبالحُكْم إِنْ عمد لِشَيْنٍ بِرَقيقِهِ (١) أوْ رقيق رقيقه أو لِوَلدٍ صَغيرٍ غيرُ سَفيهٍ، وعَبْدِ وذمِّيٍّ بمثله وزوجةٍ ومَريضٍ في زائد الثُّلُث. = رَحِمٍ مَحْرَمٍ فَهُوَ حُرٌّ". قال أبو داود: روى محمد بن بكر البرساني، عن حماد بن سلمة، عن قتادة، وعاصم عن الحسن، عن سمرة عن النبيِّ ﷺ مثل ذلك الحديث. قال أبو داود: ولم يحك ذلك الحديث إلا حماد بن سلمة وقد شك فيه. قال الخطابي في معالم السنن: الذي أراد أبو داود من هذا أن الحديث ليس بمرفوع، أو ليس بمتصل، إنما هو عن الحسن النبي ﷺ . قال: وقد اختلف العلماء في هذا، فذهب أكثر أهل العلم إلى أنه إذا ملك ذا رحم محرم عتق عليه، روى ذلك عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود ﵄ ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة، هو قول الحسن وجابر بن زيد، وعطاء، والشعبي، والزبير، والحكم، وحماد، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه وسفيان، وأحمد، وإسحاق. وقال مالك بن أنس: يعتق عليه الولد والوالد والإِخوة، ولا يعتق عليه غيرهم. وقال الشافعي: لا يعتق عليه إلا آباؤه وأمهاته وأولاده، ولا يعتق عليه إخوته؛ ولا أحد من ذوى قرابته ولحمته. وأما ذوو المحارم من الرضاعة فإنهم لا يعتقون في قول أكثر أهل العلم، وكان شريك بن عبد الله القاضي يعتقهم. وقال ابن التركماني في الجوهر النقي في الكلام على رواية البيهقي لهذا الحديث، قال: رواه محمد بن بكر عن حماد من غير هذا الشك، وكذا أخرجه من طريقه النسائي وابن ماجة. وأخرجه النسائي أيضًا من حديث حجاج وأبي داود وبهز وعبد الله يعني ابن المبارك عن حماد، وليس فيه الشك المذكور، وكذا أخرجه أحمد في مسنده من حديث أبي كامل ويزيد بن هارون عن حماد، وكذا أخرجه الترمذي عن عبد الله بن معاوية الجمحي عن حماد، وكذا رواه مسلم بن إبراهيم كما تقدم وكذا رواه موسى بن إسماعيل مرة، ومن شك ليس بحجة على من لم يشك، فكيف والذين لم يشكوا جماعة؟ (١) وقوله: وبالحكم إن عمد لشين برقيقه ألخ. أخرج مالك في الموطإ بلاغًا أن عمر بن الخطاب أتته وليدة قد ضربها سيدها بنار أو أصابها بها فأعتقها.

стр. 1572

ومَدِينٍ كَقَلْعِ ظفُرٍ وقَطْعِ بَعْضِ أذُنٍ أو جَسَدٍ أو سِنّ أوْ سَحْلِها أو خَرم أنْفٍ، أوْ حَلْقِ شَعرِ أمَةٍ رَفيعَةٍ أوْ لحْيَةِ تَاجِرٍ، أو وَسْمِ وجْهٍ بِنَارٍ لا غَيْرِهِ. وفي غَيْرها فيه قَوْلَانِ. والْقَوْلُ لِلسَّيِّدِ في نَفْي العَمدِ لَا في عِتْقٍ بِمَالٍ. وبالْحكْم جَمِيعُهُ إنْ أَعْتَقَ جُزْءًا والْبَاقي لَهُ، كأنْ بَقي لِغَيْره (١)، إن دَفَعَ الْقِيمَةَ يَوْمَهُ وإنْ كَانَ المُعْتِقُ مُسْلِمًا أو الْعَبْدُ وإنْ أيْسَر بها أوْ بِبَعْضِهَا فمُقابِلُهَا وفَضَلتْ عَنْ مَتْروكِ المُفْلِسِ وإنْ حَصَلَ عِتْقُهُ باخْتِيارِهِ لَا بإرْثٍ وَإنْ ابْتَدَأَ العِتْقَ لا إن كانَ حُرَّ الْبَعْضِ وقُوِّمَ عَلى الأولِ وَإِلَّا فَعَلى حِصَصِهِمَا إنْ أيْسَرَا وإلَّا فَعَلى المُوسرِ. وعُجِّلَ في ثُلُثِ مَريضٍ أُمِنَ، ولم يَقوَّمْ عَلى مَيِّتٍ لم يُوصِ، وَقُوِّمَ كَامِلًا بِمَالِه بَعْدَ امْتِنَاعِ شَرِيكهِ مِنَ الْعتْقِ ونُقِضَ لَهُ بَيعٌ مِنْهُ وتَأجيل الثَّانِي أو تَدْبِيرهُ. (١) وقوله: وبالحكم جميعًا إن أعتق جزءًا والباقي له كأن بقي لغيره: هذا الكلام على العض بالسراية، قال في المدونة: من أعتق جزْءً من عبده عتق جميعه، قال في التلقين: ولا يجوز تبعيض العتق ابتداء. ا. هـ. المواق. قلت: لعله يعني بعدم الجواز لمن يملك سائر العبد وعتق بعضه، فهذا الذي يظهر أنه لا يجوز وكذا من أعتق شقصًا له في عبد وهو ملي، فإنه يقوم عليه باقي العبد وإن لم يرض هو ولا مالك باقيه لقوله ﷺ المتفق عليه: "مَنْ أَعْتَق شِقْصًا لَهُ فِي عَبْدٍ قُوِّمَ عَلَيْهِ". ولا يجوز له الامتناع عن دفع ما قوم به عليه أما أن يقال أن الإِقدام على عتق شقص من عبد ابتداء، فما أرى أنه يريد ذلك. والله أعلم. روى أبو داود: حدثنا أبو الوليد الطيالسي، حدثنا همام (ح) وحدثنا محمد بن كثير المعنى أخبرنا همام، عن قتادة، عن أبي المليح، قال أبو الوليد: عن أبيه أن رجلًا أعتق شقصًا له من غلام فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: "لَيْسَ لِلهِ شَرِيكٌ". زاد ابن كثير في حديثه، فأجاز النبي ﷺ عتقه. قال الخطابي: هذا الحديث فيه دليل على أن المملوك يعتق كله إذا أعتق الشقص منه، ولا يتوقف على عتق الشريك الآخر وأداء القيمة، ألا ترى إلى قوله: فأجاز رسول الله ﷺ عتقه وقالْ "لَيْسَ لِلهِ شَرِيكٌ". قال: هذا إذا كان المعتق موسرًا، وإذا كان معسرًا فإن الحكم بخلاف ذلك على مما ورد في =

стр. 1573

وَلَا ينتقِلُ بَعْدَ اخْتِيارِهِ أحَدهُمَا، وإذا حُكِمَ بِبَيْعِهِ لِعُسْرِه مَضَى، كَقَبْلَهُ ثمَّ أيْسَرَ إنْ كَانَ بَيِّنَ الْعُسْرِ وحَضَرَ الْعَبْدُ. وأحكامُهُ قَبْلَهُ كالْقِنِّ، ولَا يَلْزَمُ اسْتِسْعَاءُ الْعَبْدِ (١) ولَا قَبُولُ مَالِ الْغيْرِ ولَا تَخْلِيدُ الْقيمَةِ في ذِمَّةِ المُعْسِرِ برضَا الشّرِيكِ. ومَنْ أعْتَقَ حِصَّتَهُ لِأجَلٍ قُوِّمَ عَلَيْهِ لِيُعْتَقَ جَمِيعُهُ عِنْدَهُ إلَّا أن يَبُتَّ الثَّانِي فَنَصيبُ الأوَّل عَلى حَالِهِ. وَإنْ دَبَّرَ حِصَّتَهُ تَقَاوَيَاهُ لِيُرَقَّ كُلُّهُ أوْ يُدَبَّرَ وإنْ ادَّعَى المُعْتِقُ عَيْبَهُ فَلَهُ اسْتِحْلَافُهُ، وإن أذِنَ السَّيِّدُ أوْ اسْتَجَازَ عِتْقَ عَبْدِهِ جُزْءًا قُوِّمَ في مَالِ السَّيِّدِ وإنْ احتِيجَ لِبَيْع المعْتِقِ بِيعَ، وإنْ أعْتَقَ أوَّلَ وَلَدٍ لَمْ يَعْتِقْ الثَّانِي ولَوْ مَاتَ، وإنْ أعْتَق جَنينًا أوْ دَبَّره فَحُرٌّ وَإنْ لأكْثَر الْحَمْلِ إلَّا لِزَوْجٍ مُرْسَلٍ عَلَيْها فلأقَلِّهِ، وبيعَتْ إن سَبَقَ العِتْقَ دَيْنٌ، وَرُقَّ ولَا يُسْتَثْنَى بِبَيْعٍ أو عِتْقٍ ولم يَجُزِ اشْتِراءُ وَليٍّ مَنْ يَعْتِقُ على وَلَدٍ صغِيرٍ بِمَالِهِ، ولَا عَبْدٍ لم يُؤْذَنْ = السنة، وسيجيء ذكره فيما بعد إن شاء الله. واختلف العُلماء في ذلك، فذهب ابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وسفيان الثوري والشافعي - في أظهر قوليه - إلى أن العتق إذا وقع من أحد الشريكين في شقصه، وكان موسرًا، سرى في جميع العبد وعتق العبد، ثم غرم المعتق لشريكه قيمة نصفه، ويكون الولاء كله للمعتق. وقال مالك بن أنس: نصيب الشريك لا يعتق حتى يقوم العبد على المعتق، ويؤمر بأداء حصته من القيمة إليه، فإذا أدَّاها عتق العبد كله. وهو أحد قولي الشافعي في القديم. ا. هـ. (١) وقوله: ولا يلزم استسعاء العبد ألخ. لما رواه أبو داود: حدثنا القعنبي، عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ أَعْتَقَ شَرْكًا لَهُ فِي مَمْلُوكٍ أُقِيمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ الْعَدْلِ فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ، وَأعْتِقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ، وَإلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ". قال الخطابي: هذا الحديث يدل على أنه لا عاقبة وراء ذلك، وفيه سقوط السعاية، وهو أثبت شيء روي من الحديث في هذا الباب. ا. هـ. فقد رواه البخاري في العتق، ومسلم في العتق، والترمذي في الأحكام، والنسائي في البيوع، وابن ماجة في العتق.

стр. 1574

لَهُ، مَنْ يَعْتِقُ عَلى سَيِّدِهِ، وإنْ دَفَعَ عَبْدٌ مَالًا لِمَنْ يَشْتَرِيهِ بِهِ، فإنْ قَالَ اشْتَرِني لِنَفْسِكَ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إنْ اسْتثنَى مَالَهُ وَإلَّا غَرِمَهُ وبِيعَ فِيهِ، وَلَا رُجُوعَ لَهُ على العبد، والْوَلَاءُ له، كلِتُعْتِقَني، وإنْ قَالَ لِنَفْسِي فَحُرٌّ وَوَلَاؤُهُ لِبَائعِهِ إنْ اسْتَثْنَى مَالَهُ وإِلَّا رُقَّ. وإنْ أَعْتَقَ عَبيدًا في مَرَضِهِ (١) أوْ أوْصَى بِعتْقِهِمْ وَلَوْ سَمَّاهُمْ، ولَمْ يَحْمِلْهُمْ الثُّلُثُ، أو أوْصَى بِعِتْقِ ثُلُثِهِم أوْ بعَدَدٍ سَمَّاهُ مِنْ أكْثَرَ، أُقْرعَ كالْقِسْمَةِ إلَّا أن يُرَتِّبَ فَيتَّبَعُ أو يقُولَ ثلثَ كُلٍّ أو أنْصَافَهُمْ أوْ أثْلَاثَهُمْ، وتَبِعَ سَيِّدَهُ بِدَيْنٍ إنْ لَمْ يَسْتَثْنِ مَالَهُ. وَرُقَّ إنْ شهدَ شَاهِدٌ برقِّهِ أو تَقَدُّمِ دَيْنٍ وحَلَفَ واسْتُؤني بِالْمَالِ إنْ شَهِدَ شَاهِدٌ بالولاء أو اثنان أَنَّهُمَا لَمْ يَزَالَا يَسْمَعَانِ أنَّه مَوْلاهُ وَوَارِثُهُ وحَلَف. وإن شَهِدَ أحَدُ الْوَرثَةِ أوْ أقَرَّ أنَّ أباهُ أعْتَقَ عَبْدًا لم يَجُزْ ولَمْ يُقَوَّمْ عَلَيْهِ. وإن شَهِدَ على شَريكِهِ بِعِتْقِ نَصِيبهِ فنصِيبُ الشَّاهِدِ حُرٌّ إن أيْسَرَ شَرِيكُهُ والأكثَرُ على نَفْيهِ كعُسِره. (١) وقوله: وإن أعتق عبيدًا في مرضه ألخ. روى أبو داود: حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين أن رجلًا أعتق ستة أعبد عند موته، ولم يكن له مال غيرهم، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فقال له قولًا شديدًا، ثم دعاهم فجزأهم ثلاثة أجزاء، فأقرع بينهم، فأعتق اثنين وأرق أربعة. ا. هـ. وهذا الحديث أخرجه مسلم في الإيمان والنذور، باب من أعتق شركًا له في عبد، والترمذي في الأحكام باب: فيمن عتق مماليكه، والنسائي في الجنائز، وابن ماجة في الأحكام باب: القضاء بالقرعة. قال الخطابي: هذا الحديث، قال الشافعي، أصل في جواز الوصية في المرض بالثلث للأجانب، لأن عتقه إياهم في معنى الوصية لهم وهم أجانب، قال: وكانت العرب لا تستعبد من بينها وبينه نسب. قال: وقد اختلف العُلماء في هذه المسألة، فقال بظاهر الحديث مالك والشافعي، وأحمد بن حنبل =

стр. 1575

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وإسحاق بن راهويه، وروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز. وقال أبو حنيفة وأصحابه: يعتق من كل واحد منهم الثلث ويستسعى في ثلثيه للورثة ويعتق، ويروى ذلك عن الشعبي والنخعي. وعلى هذا القياس إذا أعتق في المرض الذي مات فيه عبدًا، ولم يكن له مال غيره، فإنه يعتق منه الثلث، ويكون ثلثاه رقيقًا للورثة في قول مالك والشافعي؛ وعند أبي حنيفة وأصحابه يعتق ثلثه، ويستسعى في ثلثيه للورثة ويعتق. قال الخطابي: وقد أخبر عمران بن حصين في هذا الحديث أنه أعتق اثنين منهم وأرَقَّ أربعة، فصرح بوقوع القسمة في الأعيان دون الأجزاء، ولو أراد الأجزاء، لقال: فأعتق الثلث وأرق الثلثين، وما أشبه ذلك من الكلام. والله أعلم. قال: وفي قوله: فأعتق اثنين، بيان صحة وقوع العتق لهما والرق لمن عداهما. وفي قول من يرى استسعاء كل واحد منهم في ثلثي قيمته، ترك الأمرين معًا، لأنه لا يعتق أحدًا منهم ولا يرقه، وفي ذلك مخالفة الحديث على وجهه، وقد جاء بيان ما قلناه صريحًا من رواية الحسن عن عمران بن حصين: حدثنا إبراهيم بن فارس، حدثنا أحمد بن علي بن سهل، حدثنا عبد الأعلى بن حماد النرسي، حدثنا حماد بن سلمة عن عطاء الخراساني، عن سعيد بن المسيب، وأيوب عن محمد بن سيرين عن عمران بن حصين، وقتادة، وحميد، وسماك بن حرب، عن الحسن عن عمران بن حصين: أن رجلًا أعتق ستة مملوكين له عند موته وليس له مال غيرهم، فأقرع رسول الله ﷺ بينهم، فأعتق اثنين ورد أربعة في الرِّقِّ. فقوله: ورد أربعة في الرق، يبطل كل تأويل بخلاف ظاهر الحديث. وقال ابن قدامة: وقد أنكر أصحاب أبي حنيفة القرعة وقالوا: هي قمار، وحكم الجاهلية، قال: والقرعة ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع. فأما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ (١). الصافات، وقوله تعالى في آل عمران: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ (٢). وأما السنة: فقد ثبت أنه ﷺ أقرع بين نسائه - وأنه أقرع في ستة مملوكين - وقال لرجلين: "اسْتَهِمَا" وقال: "لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاء وَالصَّفِّ الْأوَّلِ لاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ". إلى غير ذلك من الأحاديث الثابتة في القرعة. =

стр. 1576

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .. = تنبيهٌ: ومال العبد المعتق يتبعه عند أصحابنا إلَّا إذا اشترطه السيد، هذا قول مالك وأهل المدينة، والحسن، وعطاء، والشعبي، والنخعي، قالوا: لما روى نافع عن ابن عمر قال: قال رسول ﷺ : "مَنْ عْتَقَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُ الْعَبْدِ لَهُ، إلَّا أنْ يَشْتَرطَه السَّيِّدُ". رواه أبو داود، وهو في البخاري في الشرب والمساقاة، وأخرجه مسلم في البيوع باب: من باع نخلًا عليها ثمر. وأخرجه الترمذي في البيوع، وابن ماجة في العتق. وقال ابن قدامة: من أعتق عبدًا وله مال فمال العبد لسيده. روي هذا عن ابن مسعود، وأبي أيوب، وأنس بن مالك. وبه قال قتادة، والحكم، والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي، وروي ذلك عن حماد، والبتي، وداود بن أبي هند. واحتجوا بما روى الأثرم عن ابن مسعود أنه قال لغلامه عمير: إني أريد أن أعتقك عتقًا هنيئًا، فأخبرني بمالك، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أَيُّمَا رَجُلٍ أَعْتَقَ عَبْدَهُ أَوْ غلَامَهُ فَلَمْ يُخْبِرْهُ بِمَالِهِ فَمَالُهُ لِسَيِّدِهِ". قالوا: ولأن العبد وماله كانا جميعًا للسيد، فأزال ملكه عن أحدهما وبقي ملكه في الثاني كما لو باعه، وبدليل قوله ﷺ : "مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ". أخرجه البخاري، ومسلم وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة. وقال الخطابي في معالم السنن: وإذا ثبت هذا الحديث ومقتضاه، وجب أن يحمل قوله ﷺ : "مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُ الْعَبْدِ لَهُ". على الاستحباب أن يسمح به للعبد إذ كان العتق منه إنعامًا عليه، ومعروفًا اصطنعه إليه، فندب إلى مسامحته فيما بيده من المال؛ ليكون ذلك إتمامًا للصنيعة التي أسداها إليه، وقد جرئ من عادة السادة أن يحسنوا إلى مماليكهم إذا أرادوا إعتاقهم، فكان أقرب ذلك أن يتغاضى عما في يده من المال. والله أعلم. ا. هـ. منه بتصرف. قلت: الإِنصاف والاعتدال يلوحان على ما قاله الخطابي في هذه المسألة. وبالله تعالى التوفيق. تنبيهٌ آخر في بيان في الرقاب أفضل، فقد أخرج في الموطإ مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ سئل عن الرقاب أيها أفضل؟ فقال رسول الله ﷺ : "أَغْلَاهَا ثَمَنًا وأنفَسَهَا عِنْدَ أَهْلِهَا". والله الموفق.

стр. 1577

كتاب التدبير بَابٌ: التَّدْبيرُ تَعْلِيقُ مُكَلَّفٍ رَشِيدٍ، وَإنْ زوجَةً في زائد الثُّلُث الْعِتْقَ بِمَوْتهِ لَا عَلى وَصِيّةٍ كإنْ مِتُّ مِنْ مَرَضي أوْ سَفَري هذَا، أو حُرٌّ بَعْدَ مَوْتي مَا لَمْ يُرِدْهُ، وَلَمْ يُعلِّقْه أوْ أنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي بِيوْمٍ. بِدبَّرتُكَ (١)، أوْ أنت مُدَبَّرٌ، أوْ حُرٌّ عَنْ دُبُرٍ مِنِّي. ونَفَذَ تَدْبيرُ نَصْرَانِيٍّ لِمُسْلِمٍ وَأوجر لَهُ. وتَنَاوَلَ الحَمْلَ مَعَهَا (٢) كوَلَدِ المدَبَّرِ مِنْ أمَتِه بَعْدَهُ، وصَارَتْ بِهِ أمَّ وَلَدٍ إنْ عَتَقَ، وقُدِّمَ الأبُ عَلَيْهِ في الضّيقِ، وللسَّيِّدِ نَزْعُ مَالِهِ إنْ لَمْ يَمْرَضْ، ورَهْنُهُ وَكتَابَتُهُ، لَا إخراجه بغير حُرِّيَّة، وفُسِخَ بَيْعُهُ إن لم يَعْتِقْ (٣) والْوَلَاءُ لَهُ كالْمُكاتَبِ، وإنْ جَنَى فإنْ فَدَاهُ وَإلَّا أسْلَمَ خِدْمَتَهُ تَقَاضِيًا، وحَاصّهُ مَجْنيٌّ عَلَيْهِ ثَانِيًا، ورَجَعَ إنْ وَفَّى، وإنْ عَتَق بِمَوْتِ سَيِّدِه اتُّبِعَ بالْبَاقِي أوْ بَعْضُهُ بِحِصَّتِهِ، وخُيِّرَ الوَارِثُ في إسْلَامِ مَا رُقَّ أوْ فكِّهِ، وَقوِّمَ بِمَالِهِ. وإذَا لَمْ يَحْمِلْ الثُّلثُّ إلَّا بَعْضَهُ عَتَقَ وبَقي مَالُهُ بِيَدِهِ (٤)، وإنْ كانَ لسَيدِهِ دَيْنٌ مُؤجَّلٌ على حَاضِرٍ مَلِيءٍ بِيعَ بالنَّقْدِ، وإنْ الكلام على أحكام المدبَّر التدبير معناه، تعليق المرء عبده بموته، فالوفاة دُبُر الحياة. يقال: دابر الرجل يدابر مدابرة، إذا مات، فسمي العتق بعد الموت لذلك تدبيرًا، لأنه عتق في دبر الحاة. والأصل في جوازه السنة والإجماع. أما السنة: فقد روى جابر أن رجلًا أعتق مملوكًا له عن دبر منه. فاحتاج، فقال رسول الله ﷺ : "مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي". فباعه من نعيم بن عبد الله بثمانمائة درهم، فدفعها إليه، وقال: "أَنْتَ أَحْوَجُ مِنْهُ". متفق عليه. وأما الإِجماع: فقد حكى ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على أن من دبر عبده أو أمته، ولم يرجع عن ذلك حتى مات، والحال أن الثلث يتحمله، بعد قضاء دينه إن كان، وهو جائز التصرف، أن الحرية تجب بذلك. (١) وقوله: بدبرتكَ ألخ. جملة القول في ذلك أن التدبير له عبارات صريحة ينعقد بها بمجرد اللفظ، لا تحتاج إلى نية. كان يقول له: أنت حر بعد موتي، أو: عتيق بعد موتي، أو أنت محرر بعد =

стр. 1578

قَرُبَتْ غيبتُه اسْتُؤنيَ قَبْضُهُ، وإلَّا بِيعَ، فإنْ حَضَرَ الْغَائبُ أوْ أيْسَرَ المُعْدمُ بَعْدَ بَيْعِهِ عَتَقَ مِنْهُ حَيْثُ كَانَ. وَأنْتَ حُرٌّ قَبْلَ مَوْتي بِسَنَةٍ إنْ كانَ السَّيِّدُ مَلِيئًا لم يُوقَفْ، فإنْ مَاتَ نُظِرَ فإنْ صَحَّ اتُّبِعَ بالخِدْمَةِ وعَتَقَ مِن رَأسِ المال وإلَّا فمِنَ الثلُثِ ولَمْ يَتَّبِعْ، وإنْ كانَ غيرَ مَلِيءٍ، وُقِفَ خَرَاجُ سَنَةٍ ثُمَّ يُعْطَى السَّيِّدُ مِمَّا وُقِفَ مَا خَدَمَ نَظِيرُهُ. وبَطَلَ التّدْبِيرُ بِقَتْلِ سَيِّدِهِ عَمْدًا، وباسْتِغْراقِ الدَّيْن لَهُ، ولِلتَّركَةِ، وبَعْضُهُ بِمُجاوزَةِ الثُّلُثِ، ولَهُ حُكْمُ الرِّقِّ. وإن مَاتَ سَيدُه حَتَّى يُعْتَقَ فيمَا وُجِدَ حِينَئذٍ. وأنت حُرٌّ بَعْدَ مَوْتي ومَوْتِ فُلَانٍ، عَتَقَ مِنَ الثُّلُثِ أيْضًا ولا رُجُوعَ له، وإن قَال: بَعْدَ مَوْتِ فُلَانٍ بِشَهْرٍ، فَمُعْتَقٌ لأجَلٍ مِنْ رَأسِ المال. = موتي، أو أنت معتق بعد موتي، أو أنت مدبَّرٌ، أو قد دبّرتك، صار مدبَّرًا بهذه الألفاظ. قال ابن قدامة: لا نعلم خلافًا في ذلك. وأما الكنايات فإنها تحتاج إلى نية إرادة التدبير بها. (٢) وقوله: وتناول الحمل معها، جملة القول في ذلك أن المدبَّرة إن وقع التدبير وهي حامل تناول التدبير حملها ذلك من غير خلاف بين أهل العلم. وإن حملت بعد التدبير تناول حكم التدبير ذلك الحمل عند أكثر أهل العلم. منهم ابن مسعود وابن عمر، وسعيد بن المسيب، والحسن، والقاسم، ومجاهد، الشعبي، والنخعي، وعمر بن عبد العزيز، والزهري، ومالك، والثوري، والحسن بن صالح، وأحمد في رواية عنه، والشافعي في قول عنه. والرواية الأخرى عن أحمد والشافعي هي أن ولد المدبَّرة عبد إذا لم يشرط المولى، قال: وهذه ظاهره أنه لا يتبعها ولا يعتق بموت سيدها. وهذا قول جابر بن ريد وعطاء. والتحقيق إن شاء الله أن ولد المدبَّرة يتناوله حكمها لما روى عبد الرزاق في مصنفه: أخبرنا معمر عن سعيد بن عبد الرحمن الحجي عن يزيد بن عبد الله بن قسيط عن ابن عمر قال: ولد المدبَّر بمنزلته. قال ابن قدامة: وهو قول عمر، وابن عمر، وجابر، ولم يعرف لهم مخالف من الصحابة، فكان إجماعًا. قال ابن قدامة: فأما ولد المدبَّرة فحكمه حكم أمه، لا نعلم فيه خلافًا. =

стр. 1579

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = (٣) وقوله: وفسخ بيعه إن لم يعتق، يريد به، والله أعلم، أنه إذا بيع المدبر فسخ بيعه إن لم يعتق، فإن أعتقه المشتري مضى بيعه وإعتاقه، ذلك أن مالك بن أنس، وأصحاب الرأي، والنخعي، والشعبي، والثوري، والأوزاعي كرهوا بيع المدبَّر، قالوا: وقد كره ابن عمر بيعه. وروي ذلك عن سعيد بن المسيب، وابن سيرين، والزهري؛ لما رواه ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "لَا يُبَاعُ الْمُدَبَّرُ وَلَا يُشْتَرَى". غير أن هذا حديث في سنن الدارقطني موقوف على ابن عمر، قال الدارقطني: لم يسنده غير عبيدة بن حسان وهو ضعيف، وإنما هو من قول ابن عمر موقوف عليه. فلا يعارض به ما رواه البخاري في صحيحه في عدة مواضع، ورواه مسلم كذلك ورواه أبو داود في العتق، والترمذي في البيوع، والنسائي، وابن ماجة، وهذا لفظه عند أبي داود. قال باب في بيع المدبَّر: حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا هشيم، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، وإسماعيل بن أبي خالد عن سلمة بن كهيل، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله أن رجلًا أعتق غلامًا له عن دُبُر منه، ولم يكن له مال غيره، فأمر به النبي ﷺ فبيع بسبعمائة أو بتسعمائة. وفي بعض روايات أبي داود، حدثنا جعفر بن مسافر، حدثنا بشر بن بكر، أخبرنا الأوزاعي، حدثني عطاء بن أبي رباح، حدثني جابر بن عبد الله، بهذا وزاد: وقال: يعني النبي ﷺ : "أَنْتَ أَحَقٌّ بِثَمَنِهِ وَالله أَغْنَى عَنْهُ". وفي لفظ آخر: حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا إسماعيل عن إبراهيم، حدثنا أيوب عن أبي الزبير، عن جابر، أن رجلًا من الأنصار يقال له أبو مذكور أعتق غلامًا له يقال له يعقوب، عن دُبُر، ولم يكن له مال غيره، فدعا به رسول الله ﷺ ، فقال: مَنْ يَشْتَرِيهِ"؟ فاشتراه نعيم بن عبد الله النحام بثمانمائة درهم، فدفعها إليه ثم قال: "إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فقيرًا فَلْيَبْدأْ بِنَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا فَضْلٌ فَعلَى عِيَالِهِ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا فَضل فَعَلَى ذِي قَرَابَتِهِ، أو قال: عَلَى ذِي رَحِمِهِ، فَإِنْ كَانَ فَضْل فَههُنَا وَههُنَا". وهذا الحديث في صحيح مسلم باب: جواز بيع المدبَّر وفي النسائي في الزكاة. ولذلك قال أحمد بن حنبل والشافعي: يباع المدبَّر إذا كان سيده فقيرًا لا يملك شيئًا، وبهذا قال إسحاق بن راهويه، وروي عن أبي أيوب وأبي خيثمة وقالا: إن باعه من غير حاجة أجزناه. ونقل جماعة عن أحمد جواز بيع المدبَّر مطلقًا في الدين وغيره، مع الحاجة وعدمها، قال ابن قدامة: وهذا هو الصحيح، وروي مثله عن عائشة وعمر بن عبد العزيز، وطاوس، ومجاهد، وهو قول الشافعي. ا. هـ. =

стр. 1580

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .. = قلت: الدليل إلى جانب من يجيز بيع المدبَّر إذا لم يكن لصاحبه مال للحديث المتفق عليه الذي مر آنفًا، والله تعالى الموفق. (٤) وقوله: وإذا لم يحمل الثلث إلا بعضه عتق وبقي ماله بيده،: جملة القول فيه أن المدبّر يعتق بعد موت سيده من ثلث المال عند أكثر أهل العلم؛ يروى ذلك عن عليّ وابن عمر، وبه قال شريح، وابن سيرين، والحسن، وسعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، ومكحول، والزهري، وقتادة، وحماد، ومالك وأهل المدينة، والشافعي، والثوري، وأهل العراق، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور وأصحاب الرأي. وقال ابن مسعود ومسروق، ومجاهد، والنخعي، وسعيد بن جبير: إن المدبر يعتق من رأس المال. وأما إذا لم يحمل المثلث بعضه فإنه يجري عليه ما ورد في المبعَّض. والله أعلم. هذا، وسوف أورد هنا ما ورد في الموطإ بخصوص المدبَّر لتكمل الفائدة. قال: الأمر عندنا فيمن دبر جارية له، فولدت أولادًا بعد تدبيره إيَّاها، ثم ماتت الجارية قبل الذي دبَّرها، أن ولدها بمنزلتها؛ قد ثبت لهم من الشرط ما ثبت، مثل الذي ثبت لها، ولا يضرهم هلاك أمهم، فإذا مات الذي كان دبَّرها فقد عتقوا إن وسعهم الثلث. وقال مالك: كل ذات رحم فولدها بمنزلتها؛ إن كانت حرة فولدت بعد عتقها فولدها أحرار، وإن كانت مدبَّرة، أو مكاتبه، أو معتقه إلى سنين، أو مخدمة، أو بعضها حرًا، أو مرهونة، أو أم ولد، فولد كل واحدة منهن على مثل حال أمه، يعتقون بعتقتها ويرقُّون برقها. وقال مالك في مدبرة دبرت وهي حامل، ولم يعلم سيدها بحملها؛ إنَّ ولدها بمنزلتها، وإنما ذلك بمنزلة رجل أعتق جارية له وهي حامل ولم يعلم بحملها. قال مالك: فالسنة فيها أن ولدها يتبعها ويعتق بعتقها. قال مالك: وكذلك لو أن رجلًا ابتاع جارية وهي حامل، فالوليدة وما في بطنها لمن ابتاعها، اشرط ذلك المبتاع أو لم يشترطه. قال مالك: ولا يحل للبائع أن يشترط ما في بطنها؛ لأن ذلك غرر يضع من ثمنها. ولا يدري أيصل ذلك إليه أم لا؟ وإنما بمنزله ما لو باع جنينًا في بطن أمه؛ وذلك لا يحل له لأنه غرر. =
следующие страницы →