← Фикх малики

Фикх малики · id 784

مواهب الجليل من أدلة خليل

أحمد بن أحمد المختار الشنقيطي

Полный текст (1 647 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .. = تنبيهٌ: ومال العبد المعتق يتبعه عند أصحابنا إلَّا إذا اشترطه السيد، هذا قول مالك وأهل المدينة، والحسن، وعطاء، والشعبي، والنخعي، قالوا: لما روى نافع عن ابن عمر قال: قال رسول ﷺ : "مَنْ عْتَقَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُ الْعَبْدِ لَهُ، إلَّا أنْ يَشْتَرطَه السَّيِّدُ". رواه أبو داود، وهو في البخاري في الشرب والمساقاة، وأخرجه مسلم في البيوع باب: من باع نخلًا عليها ثمر. وأخرجه الترمذي في البيوع، وابن ماجة في العتق. وقال ابن قدامة: من أعتق عبدًا وله مال فمال العبد لسيده. روي هذا عن ابن مسعود، وأبي أيوب، وأنس بن مالك. وبه قال قتادة، والحكم، والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي، وروي ذلك عن حماد، والبتي، وداود بن أبي هند. واحتجوا بما روى الأثرم عن ابن مسعود أنه قال لغلامه عمير: إني أريد أن أعتقك عتقًا هنيئًا، فأخبرني بمالك، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أَيُّمَا رَجُلٍ أَعْتَقَ عَبْدَهُ أَوْ غلَامَهُ فَلَمْ يُخْبِرْهُ بِمَالِهِ فَمَالُهُ لِسَيِّدِهِ". قالوا: ولأن العبد وماله كانا جميعًا للسيد، فأزال ملكه عن أحدهما وبقي ملكه في الثاني كما لو باعه، وبدليل قوله ﷺ : "مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ". أخرجه البخاري، ومسلم وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة. وقال الخطابي في معالم السنن: وإذا ثبت هذا الحديث ومقتضاه، وجب أن يحمل قوله ﷺ : "مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُ الْعَبْدِ لَهُ". على الاستحباب أن يسمح به للعبد إذ كان العتق منه إنعامًا عليه، ومعروفًا اصطنعه إليه، فندب إلى مسامحته فيما بيده من المال؛ ليكون ذلك إتمامًا للصنيعة التي أسداها إليه، وقد جرئ من عادة السادة أن يحسنوا إلى مماليكهم إذا أرادوا إعتاقهم، فكان أقرب ذلك أن يتغاضى عما في يده من المال. والله أعلم. ا. هـ. منه بتصرف. قلت: الإِنصاف والاعتدال يلوحان على ما قاله الخطابي في هذه المسألة. وبالله تعالى التوفيق. تنبيهٌ آخر في بيان في الرقاب أفضل، فقد أخرج في الموطإ مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ سئل عن الرقاب أيها أفضل؟ فقال رسول الله ﷺ : "أَغْلَاهَا ثَمَنًا وأنفَسَهَا عِنْدَ أَهْلِهَا". والله الموفق.

стр. 1577

كتاب التدبير بَابٌ: التَّدْبيرُ تَعْلِيقُ مُكَلَّفٍ رَشِيدٍ، وَإنْ زوجَةً في زائد الثُّلُث الْعِتْقَ بِمَوْتهِ لَا عَلى وَصِيّةٍ كإنْ مِتُّ مِنْ مَرَضي أوْ سَفَري هذَا، أو حُرٌّ بَعْدَ مَوْتي مَا لَمْ يُرِدْهُ، وَلَمْ يُعلِّقْه أوْ أنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي بِيوْمٍ. بِدبَّرتُكَ (١)، أوْ أنت مُدَبَّرٌ، أوْ حُرٌّ عَنْ دُبُرٍ مِنِّي. ونَفَذَ تَدْبيرُ نَصْرَانِيٍّ لِمُسْلِمٍ وَأوجر لَهُ. وتَنَاوَلَ الحَمْلَ مَعَهَا (٢) كوَلَدِ المدَبَّرِ مِنْ أمَتِه بَعْدَهُ، وصَارَتْ بِهِ أمَّ وَلَدٍ إنْ عَتَقَ، وقُدِّمَ الأبُ عَلَيْهِ في الضّيقِ، وللسَّيِّدِ نَزْعُ مَالِهِ إنْ لَمْ يَمْرَضْ، ورَهْنُهُ وَكتَابَتُهُ، لَا إخراجه بغير حُرِّيَّة، وفُسِخَ بَيْعُهُ إن لم يَعْتِقْ (٣) والْوَلَاءُ لَهُ كالْمُكاتَبِ، وإنْ جَنَى فإنْ فَدَاهُ وَإلَّا أسْلَمَ خِدْمَتَهُ تَقَاضِيًا، وحَاصّهُ مَجْنيٌّ عَلَيْهِ ثَانِيًا، ورَجَعَ إنْ وَفَّى، وإنْ عَتَق بِمَوْتِ سَيِّدِه اتُّبِعَ بالْبَاقِي أوْ بَعْضُهُ بِحِصَّتِهِ، وخُيِّرَ الوَارِثُ في إسْلَامِ مَا رُقَّ أوْ فكِّهِ، وَقوِّمَ بِمَالِهِ. وإذَا لَمْ يَحْمِلْ الثُّلثُّ إلَّا بَعْضَهُ عَتَقَ وبَقي مَالُهُ بِيَدِهِ (٤)، وإنْ كانَ لسَيدِهِ دَيْنٌ مُؤجَّلٌ على حَاضِرٍ مَلِيءٍ بِيعَ بالنَّقْدِ، وإنْ الكلام على أحكام المدبَّر التدبير معناه، تعليق المرء عبده بموته، فالوفاة دُبُر الحياة. يقال: دابر الرجل يدابر مدابرة، إذا مات، فسمي العتق بعد الموت لذلك تدبيرًا، لأنه عتق في دبر الحاة. والأصل في جوازه السنة والإجماع. أما السنة: فقد روى جابر أن رجلًا أعتق مملوكًا له عن دبر منه. فاحتاج، فقال رسول الله ﷺ : "مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي". فباعه من نعيم بن عبد الله بثمانمائة درهم، فدفعها إليه، وقال: "أَنْتَ أَحْوَجُ مِنْهُ". متفق عليه. وأما الإِجماع: فقد حكى ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على أن من دبر عبده أو أمته، ولم يرجع عن ذلك حتى مات، والحال أن الثلث يتحمله، بعد قضاء دينه إن كان، وهو جائز التصرف، أن الحرية تجب بذلك. (١) وقوله: بدبرتكَ ألخ. جملة القول في ذلك أن التدبير له عبارات صريحة ينعقد بها بمجرد اللفظ، لا تحتاج إلى نية. كان يقول له: أنت حر بعد موتي، أو: عتيق بعد موتي، أو أنت محرر بعد =

стр. 1578

قَرُبَتْ غيبتُه اسْتُؤنيَ قَبْضُهُ، وإلَّا بِيعَ، فإنْ حَضَرَ الْغَائبُ أوْ أيْسَرَ المُعْدمُ بَعْدَ بَيْعِهِ عَتَقَ مِنْهُ حَيْثُ كَانَ. وَأنْتَ حُرٌّ قَبْلَ مَوْتي بِسَنَةٍ إنْ كانَ السَّيِّدُ مَلِيئًا لم يُوقَفْ، فإنْ مَاتَ نُظِرَ فإنْ صَحَّ اتُّبِعَ بالخِدْمَةِ وعَتَقَ مِن رَأسِ المال وإلَّا فمِنَ الثلُثِ ولَمْ يَتَّبِعْ، وإنْ كانَ غيرَ مَلِيءٍ، وُقِفَ خَرَاجُ سَنَةٍ ثُمَّ يُعْطَى السَّيِّدُ مِمَّا وُقِفَ مَا خَدَمَ نَظِيرُهُ. وبَطَلَ التّدْبِيرُ بِقَتْلِ سَيِّدِهِ عَمْدًا، وباسْتِغْراقِ الدَّيْن لَهُ، ولِلتَّركَةِ، وبَعْضُهُ بِمُجاوزَةِ الثُّلُثِ، ولَهُ حُكْمُ الرِّقِّ. وإن مَاتَ سَيدُه حَتَّى يُعْتَقَ فيمَا وُجِدَ حِينَئذٍ. وأنت حُرٌّ بَعْدَ مَوْتي ومَوْتِ فُلَانٍ، عَتَقَ مِنَ الثُّلُثِ أيْضًا ولا رُجُوعَ له، وإن قَال: بَعْدَ مَوْتِ فُلَانٍ بِشَهْرٍ، فَمُعْتَقٌ لأجَلٍ مِنْ رَأسِ المال. = موتي، أو أنت معتق بعد موتي، أو أنت مدبَّرٌ، أو قد دبّرتك، صار مدبَّرًا بهذه الألفاظ. قال ابن قدامة: لا نعلم خلافًا في ذلك. وأما الكنايات فإنها تحتاج إلى نية إرادة التدبير بها. (٢) وقوله: وتناول الحمل معها، جملة القول في ذلك أن المدبَّرة إن وقع التدبير وهي حامل تناول التدبير حملها ذلك من غير خلاف بين أهل العلم. وإن حملت بعد التدبير تناول حكم التدبير ذلك الحمل عند أكثر أهل العلم. منهم ابن مسعود وابن عمر، وسعيد بن المسيب، والحسن، والقاسم، ومجاهد، الشعبي، والنخعي، وعمر بن عبد العزيز، والزهري، ومالك، والثوري، والحسن بن صالح، وأحمد في رواية عنه، والشافعي في قول عنه. والرواية الأخرى عن أحمد والشافعي هي أن ولد المدبَّرة عبد إذا لم يشرط المولى، قال: وهذه ظاهره أنه لا يتبعها ولا يعتق بموت سيدها. وهذا قول جابر بن ريد وعطاء. والتحقيق إن شاء الله أن ولد المدبَّرة يتناوله حكمها لما روى عبد الرزاق في مصنفه: أخبرنا معمر عن سعيد بن عبد الرحمن الحجي عن يزيد بن عبد الله بن قسيط عن ابن عمر قال: ولد المدبَّر بمنزلته. قال ابن قدامة: وهو قول عمر، وابن عمر، وجابر، ولم يعرف لهم مخالف من الصحابة، فكان إجماعًا. قال ابن قدامة: فأما ولد المدبَّرة فحكمه حكم أمه، لا نعلم فيه خلافًا. =

стр. 1579

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = (٣) وقوله: وفسخ بيعه إن لم يعتق، يريد به، والله أعلم، أنه إذا بيع المدبر فسخ بيعه إن لم يعتق، فإن أعتقه المشتري مضى بيعه وإعتاقه، ذلك أن مالك بن أنس، وأصحاب الرأي، والنخعي، والشعبي، والثوري، والأوزاعي كرهوا بيع المدبَّر، قالوا: وقد كره ابن عمر بيعه. وروي ذلك عن سعيد بن المسيب، وابن سيرين، والزهري؛ لما رواه ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "لَا يُبَاعُ الْمُدَبَّرُ وَلَا يُشْتَرَى". غير أن هذا حديث في سنن الدارقطني موقوف على ابن عمر، قال الدارقطني: لم يسنده غير عبيدة بن حسان وهو ضعيف، وإنما هو من قول ابن عمر موقوف عليه. فلا يعارض به ما رواه البخاري في صحيحه في عدة مواضع، ورواه مسلم كذلك ورواه أبو داود في العتق، والترمذي في البيوع، والنسائي، وابن ماجة، وهذا لفظه عند أبي داود. قال باب في بيع المدبَّر: حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا هشيم، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، وإسماعيل بن أبي خالد عن سلمة بن كهيل، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله أن رجلًا أعتق غلامًا له عن دُبُر منه، ولم يكن له مال غيره، فأمر به النبي ﷺ فبيع بسبعمائة أو بتسعمائة. وفي بعض روايات أبي داود، حدثنا جعفر بن مسافر، حدثنا بشر بن بكر، أخبرنا الأوزاعي، حدثني عطاء بن أبي رباح، حدثني جابر بن عبد الله، بهذا وزاد: وقال: يعني النبي ﷺ : "أَنْتَ أَحَقٌّ بِثَمَنِهِ وَالله أَغْنَى عَنْهُ". وفي لفظ آخر: حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا إسماعيل عن إبراهيم، حدثنا أيوب عن أبي الزبير، عن جابر، أن رجلًا من الأنصار يقال له أبو مذكور أعتق غلامًا له يقال له يعقوب، عن دُبُر، ولم يكن له مال غيره، فدعا به رسول الله ﷺ ، فقال: مَنْ يَشْتَرِيهِ"؟ فاشتراه نعيم بن عبد الله النحام بثمانمائة درهم، فدفعها إليه ثم قال: "إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فقيرًا فَلْيَبْدأْ بِنَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا فَضْلٌ فَعلَى عِيَالِهِ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا فَضل فَعَلَى ذِي قَرَابَتِهِ، أو قال: عَلَى ذِي رَحِمِهِ، فَإِنْ كَانَ فَضْل فَههُنَا وَههُنَا". وهذا الحديث في صحيح مسلم باب: جواز بيع المدبَّر وفي النسائي في الزكاة. ولذلك قال أحمد بن حنبل والشافعي: يباع المدبَّر إذا كان سيده فقيرًا لا يملك شيئًا، وبهذا قال إسحاق بن راهويه، وروي عن أبي أيوب وأبي خيثمة وقالا: إن باعه من غير حاجة أجزناه. ونقل جماعة عن أحمد جواز بيع المدبَّر مطلقًا في الدين وغيره، مع الحاجة وعدمها، قال ابن قدامة: وهذا هو الصحيح، وروي مثله عن عائشة وعمر بن عبد العزيز، وطاوس، ومجاهد، وهو قول الشافعي. ا. هـ. =

стр. 1580

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .. = قلت: الدليل إلى جانب من يجيز بيع المدبَّر إذا لم يكن لصاحبه مال للحديث المتفق عليه الذي مر آنفًا، والله تعالى الموفق. (٤) وقوله: وإذا لم يحمل الثلث إلا بعضه عتق وبقي ماله بيده،: جملة القول فيه أن المدبّر يعتق بعد موت سيده من ثلث المال عند أكثر أهل العلم؛ يروى ذلك عن عليّ وابن عمر، وبه قال شريح، وابن سيرين، والحسن، وسعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، ومكحول، والزهري، وقتادة، وحماد، ومالك وأهل المدينة، والشافعي، والثوري، وأهل العراق، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور وأصحاب الرأي. وقال ابن مسعود ومسروق، ومجاهد، والنخعي، وسعيد بن جبير: إن المدبر يعتق من رأس المال. وأما إذا لم يحمل المثلث بعضه فإنه يجري عليه ما ورد في المبعَّض. والله أعلم. هذا، وسوف أورد هنا ما ورد في الموطإ بخصوص المدبَّر لتكمل الفائدة. قال: الأمر عندنا فيمن دبر جارية له، فولدت أولادًا بعد تدبيره إيَّاها، ثم ماتت الجارية قبل الذي دبَّرها، أن ولدها بمنزلتها؛ قد ثبت لهم من الشرط ما ثبت، مثل الذي ثبت لها، ولا يضرهم هلاك أمهم، فإذا مات الذي كان دبَّرها فقد عتقوا إن وسعهم الثلث. وقال مالك: كل ذات رحم فولدها بمنزلتها؛ إن كانت حرة فولدت بعد عتقها فولدها أحرار، وإن كانت مدبَّرة، أو مكاتبه، أو معتقه إلى سنين، أو مخدمة، أو بعضها حرًا، أو مرهونة، أو أم ولد، فولد كل واحدة منهن على مثل حال أمه، يعتقون بعتقتها ويرقُّون برقها. وقال مالك في مدبرة دبرت وهي حامل، ولم يعلم سيدها بحملها؛ إنَّ ولدها بمنزلتها، وإنما ذلك بمنزلة رجل أعتق جارية له وهي حامل ولم يعلم بحملها. قال مالك: فالسنة فيها أن ولدها يتبعها ويعتق بعتقها. قال مالك: وكذلك لو أن رجلًا ابتاع جارية وهي حامل، فالوليدة وما في بطنها لمن ابتاعها، اشرط ذلك المبتاع أو لم يشترطه. قال مالك: ولا يحل للبائع أن يشترط ما في بطنها؛ لأن ذلك غرر يضع من ثمنها. ولا يدري أيصل ذلك إليه أم لا؟ وإنما بمنزله ما لو باع جنينًا في بطن أمه؛ وذلك لا يحل له لأنه غرر. =

стр. 1581

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = قال مالك في مدبَّر أو مكاتب ابتاع أحدهما جارية فوطئها فحمل منه فولدت، قال: ولد كل واحد منهما من جاريته بمنزلته؛ يعتقون بعتقه، ويرقون برقه. وقال مالك: إذا عتق هو فإنما أم ولده مال من ماله يسلم إليه إذا أعتق. وقال مالك في مدبّر قال لسيِّده: عجِّل لي العتق وأعطيك خمسين منجمة عليّ. فقال سيِّده: نعم، أنت حر وعليك خمسون دينارًا، تؤدي إليَّ كل عام منها عشرة دنانير، فرضي بذلك العبد، ثم هلك السيد بعد ذلك بيوم أو يومين أو ثلاثة، قال مالك: يثبت له العتق، وصارت الخمسون دينارًا دينًا عليه، وجازت شهادته، وثبتت حرمته وميراثه وحدوده، ولا يضع عنه موت سيِّده شيئًا من ذلك الدين. وقال مالك في رجل دبر عبدًا له فمات السيد وله مال حاضر وقال غائب، فلم يكن له في ماله الحاضر ما يخرج فيه المدبر؟ قال: يوقف المدبَّر بماله، ويجمع خراجه حتى يتبين المال الغائب، فإن كان فيما ترك سيده مما يحمله الثلث عتق بماله وبما جمع من خراجه، فإن لم يكن فيما ترك سيّده ما يحمله عتق منه قدر الثلث وترك ماله في يده. وقال مالك: الأمر المجمع عليه عندنا أن كل عتاقة أعتقها رجل في وصية أوصى بها في صحة أو مرض أنه يردها متى شاء، ويغيرها متى شاء ما لم يكن تدبيرًا، فإذا دبَّر، فلا سبيل له إلى ردِّ ما دبَّر. وقال مالك: وكل ولد ولدته أمة أوصي بعتقها ولم تدبَّر، فإن ولدها لا يعتقون معها إذا عتقت، وذلك أن سيدها يغير وصيته إن شاء ويردها إن شاء، ولم تثبت لها عتاقة، وإنما هي بمنزلة رجل قال لجاريته: إن بقيت عندي فلانة حتى أموت فهي حرة، قال مالك: فإن أدركت ذلك كان لها ذلك، وإن شاء قبل ذلك باعها وولدها؛ لأنه لم يدخل ولدها في شيء مما جعل لها. قال: والوصية في العتاقة مخالفة للتدبير، فرق بين ذلك ما مضى من السنة، قال: ولو كانت الوصية بمنزلة التدبير، كان كل موص لا يقدر على تغيير وصيته وما ذكر فيها من العتاقة، وكان قد حبس عليه من ماله مالًا يستطيع أن ينتفع به. قال مالك في رجل دبّر رقيقًا جميعًا في صحته، وليس له مال غيرهم: إن كان دبّر بعضهم قبل بعض، بدئ بالأول فالأول حتى يبلغ الثلث، وإن كان دبرهم جميعًا في مرضه، فقال: فلان حر، وفلان حر، وفلان حر، في كلام واحد، إن حدث بي في مرضي هذا حدث الموت، أو دبّرهم جميعًا في كلمة واحدة، تحاصّوا في الثلث ولم يبدّأ أحد منهم قبل صاحبه، وإنما هي وصية، وإنما لهم الثلث يقسم بينهم بالحصص ثم يعتق منهم الثلث بالغًا ما بلغ. قال: ولا يبدّأ أحد منهم إذا كان ذلك كله في مرضه. وقال مالك في =

стр. 1582

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .. = رجل دبَّر غلامًا له فهلك السيّد ولا مال له إلا العبد المدبّر وللعبد مال، قال: يعتق ثلث المدبر ويوقف ماله بيديه. وقال مالك في مدبّر كاتبه سيده فمات السيّد ولم يترك مالَّا غيره، قال مالك: يعتق منه ثلثه ويوضع عنه ثلث كتابته ويكون عليه ثلُثاها. وقال مالك في رجل أعتق نصف عبد له وهو مريض، فبتَّ عتق نصفه أو بت عتقه كله، وقد كان دبَّر عبدًا له آخر قبل ذلك، قال يُبَدَّأ بِالمدبَّر قبل الذي أعتقه وهو مريض، وذلك أنه ليسر للرجل أن يرد ما دبَّر، ولا أن يتعقبه بأمر يردُّه به. فإذا أعتق المدبَّر فليكن ما بقي في الثلث في اعْتَق شطره حتَّى يستتم عتقه كله في ثلث مال الميِّت، فإن لم يبلغ ذلك فضلُ الثلث عتق منه ما بلغ فضل الثلث بعد عتق المدبَّر الأول. وحدثني مالك عن نافع أن عبد الله دبَّر جاريتين له فكان يطؤهما وهما مدبَّرتان. وحدثني مالك عن يحيى بن سعيد أن سيد بن المسيب كان يقول: إذا دبّر الرجل جاريته فإن له أن يطأها، وليس له أن يبيعها ولا يهبها، وولدها بمنزلتها. قال مالك: والأمر المجمع عليه عندنا في المدبَّر أن صاحبه لا يبيعه ولا يحوله من موضعه الذي وضعه فيه، وأنه إن رهق سيِّدَه دين فإنَّ غرماءه لا يقدرون على بيعه ما عاش سيّده، فإن مات سيّده ولا دين عليه فهو في ثلثه؛ لأنه استثنى عليه عمله ما عاش، فليس له أن يخدمه حياته ثم يعتقه على ورثته إذا مات من رأس ماله، وإن مات سّيد المدبَّر ولا مال له غيره عتق ثُلُثُهُ وكان ثلثاء للورثة، فإن مات سيّد المدبَّر وعليه دين محيط بالمدبَّر بيع في دينه؛ لأنه إنما يَعْتِقُ في الثلث. قال: فإن كان الديْن لا يحيط إلا بنصف العبد، بيع نصفه في الدين، ثم عتق ثُلُثُ ما بقي بعد الدين. قال مالك: لا يجوز بيع المدبَّر ولا يجوز لأحد أن يشتريه إلا أن يشتري المدبَّر نفسه من سيِّدِه فيكون ذلك جائزًا له أو يعطي أحدٌ سبِّد المدبَّر مالًا ويعتقه سيّده الذي دبَّره فذلك جائز أيضًا. قال مالك: وولاؤه لسيِّده الذي دبّره. وقال مالك: لا يجوز ببيع خدمة المدبَّر لأنه غرر، إذ لا يدري كم يعيش سيِّده، فذلك غرر لا يصلح. وقال مالك في البعد يكون بين الرجلين فيدبر أحدهما حصته، إنهما يتقاومانه فإن اشتراه الذي دبره كان مدبَّرًا كله، وإن لم يشتره انتقض تدبيره إلا أن يشاء الذي بقي له في الرِّقُّ أن يعطيه شريكه الذي دبره بقيمته، فإن أعطاه إياه بقيمته لزمه ذلك وكان مدبَّرًا كله. وقال مالك في رجل نصراني دبر عبدًا له نصرانيًا فأسلم العبد، قال مالك: يحال بينه وبين العبد، =

стр. 1583

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = ويخارج على سيده النصراني، ولا يباع عليه حتى يتبين أمره، فإن هلك النصراني وعليه دين قضي دينه من ثمن المدبَّر إلا أن يكون في ماله ما يحمل الدين فيعتق المدبَّر. قلت: نكتفي بهذا القدر من النقل من الموطإ في موضوع المدبر، ومعلوم أن هذه النقول خروج عن موضوع كتابنا هذا، لأن المفروض نقل ما وجد ليس الأدلة، غير أنه لما لم تكن الأدلة متوفرة، فإنه لا بأس بالوقوف على رأي الإِمام فيما لا نص فيه، لأنه نص في الموضوع بالنسبة للمقلدين. والله تعالى أسأل التوفيق في القول والعمل، وصلاح الدنيا والآخرة، هو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 1584

المكاتبة بَابٌ: نُدِبَ مكَاتَبَةُ أَهْلِ التَّبَرُّعِ (١) وَحَطُّ جُزْءٍ آخِرًا (٢)، ولَمْ يُجْبَرْ الْعَبْدُ عَلَيْهَا والمَأخُوذُ مِنْهَا الجَبْرُ؛ بِكَاتَبْتُكَ ونَحْوِهِ بِكَذا، وظاهِرهَا اشْتِراطُ التَّنْجِيم (٣)، وصُحِّحَ خِلَافُهُ. وجَازَ بغَرَرٍ كآبِقٍ وجَنينٍ وعبْدِ فلانٍ، لا لُؤْلُؤٍ لمْ يُوصَفْ أَو كَخَمْرٍ، ورُجِعَ لِكِتَابَةِ مِثْلِهِ وفسْخُ مَا عَليْهِ من مُؤخَّرٍ أوْ كذهَبٍ عَنْ وَرِقٍ وعَكسِهِ، وَمكاتَبةُ وَلِيٍّ مَا لمَحْجُوره بالْمَصْلَحَةِ، وَمُكاتَبَةُ أمَةٍ وصَغِيرٍ وَإِنْ بِلَا مَالٍ وَكسْبٍ، وبَيْعُ كِتابَةٍ (٤) أوْ جُزْءٍ لا نَجْمٍ فَإنْ وَفَّى فالْوَلَاءُ لِلأوَّلِ وإِلَّا رُقَّ للمُشْتَري، وَإقْرارُ مَريضٍ بقبْضِهَا إنْ وُرِثَ غَيْرَ كَلَالَةٍ ومكاتَبتُه بِلا مُحَابَاةٍ وَإلَّا فَفي ثُلُثِهِ، ومكاتَبَةُ جَمَاعَةٍ لِمَالِك فتُوَّزَعُ على قُوَّتِهِمْ على الأدَاءِ يَوْمَ العَقْدِ، وهُمْ وَإنْ زَمِنَ أحَدُهُمْ حُمَلَاءُ مُطْلَقًا فيؤخَذُ مِن المليء الجَميعُ ويَرْجِعُ إن لَمْ يَعْتِقْ عَلى الدَّافعِ ولم يَكُنْ زَوْجًا، ولا يَسْقُط عَنْهُم شَيءٌ بِمَوتِ واحِدٍ، وللسَّيِّدِ عِتْقُ قويٍّ مِنهُمْ إنْ رَضِي الجَمِيعُ وقَوُوا، فإن رُدَّ ثُمَّ عَجَزُوا صحَّ عِتْقُهُ. والخيارُ فيها ومكاتبةُ شَريكيْنِ بِمَالٍ وَاحِدٍ، لا أحَدِهِمَا، أوْ بِمَالين أو بمتّحِدٍ بِعَقْدَيْنِ فيُفْسَخُ. ورضا أحَدِهمَا بتقدِيم الآخر، ورجع لِعَجْزٍ بِحِصَّتِهِ. أحكام المكاتب الكتابة شرعًا هي إعتاق السيّد عبده على مال في ذمته يؤديه مؤجلًا. قال الحطاب: وهذا الإسم مشتق من الأجل المضروب لأداء نجومها، فإن الكتابة معناها الأجل، قال الله تعالى: ﴿وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ (١) أي أجل مقدر. وقيل: سميت بذلك اشتقاقًا لها من الكتب؛ لأن السيّد يكتب بينه وبين عبده كتابًا بما اتفقا عليه. والكتابة معناها اللغوي هو الضم، والمكاتب يضم بعض النجوم إلى بعض، ومن هذا المعنى سمي الخراز كاتبًا لأنه يضم أحد الجانبين إلى الآخر بخرزه. قال الحريري في ألغازه: وكاتِبِين وما خطت أناملُهم … حرفًا وما قرؤوا ما خطّ في الكتب =

стр. 1585

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وقال ذو الرمة يصف قربة يسيل الماء بين خرزها، مشبهًا بذلك جريان دمعه: ما بال عينيك منها الماء ينسكبُ … أنه من كُلىً مفريةٍ سرب وفْراءَ غرفيةٍ أثْأى خوارزَها … مُشَلْشَلٌ ضيَّعتْهُ بينها الكُتُبُ وسميت هذه الأقساط نجومًا لأنها تؤدى في أوقات محدودة، وما كانت العرب تعرف الحساب، فكانت تعرف أوقاتها بطلوع النجوم، قال الشاعر: إذا سهيلٌ أول الليل طلع … فابْن اللَّبونِ الحقُّ والحق جَذَعْ يقولون: لأن سهيلًا كان يطلع عند نتاج الإِبل، فإذا حالت السنة تحولت أسنان الإِبل. والأصل في الكتابة الكتاب والسنة والإِجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ (١). الآية من سورة النور. وأما السنة، فقد روى سعيد عن سفيان عن الزهري عن نبهان مولى أم سلمة عن أم سلمة أن النبي ﷺ قال: "إِذَا كَانَ لإِحْدَاكُنَّ مُكَاتَبٌ فَمَلَكَ مَا يُؤَدِّي فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ". أخرجه أبو داود، والترمذي، وأحمد، والحاكم، والبيهقي عن أم سلمة. وورد في السنة في أحاديث كثيرة. وأما الإِجماع: فإنه منعقد على مشروعية الكتابة. (١) قوله: ندب مكاتبة أهل التبرع، قال الحطاب: يشير به إلى أن حكم الكتابة الندب، قال في التوضيح: وهو المذهب، قال ابن عرفة: وهو المعروف. ومقابله قول بالإِباحة في المذهب، وهو الذي رواه ابن القصار وقاله مطرف وحكاه ابن الجلاب عن مالك، قال في الموطإ: سمعت بعض أهل العلم إذا سئل عن ذلك يتلو: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ (٢). ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (٣) فجعلها على الإِباحة انتهى. وقال أهل الظاهر بوجوبها للأمر بها في قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ (٤). الآية. ا. هـ. منه. قلت: القول بوجوبها حكي عن عكرمة، وعطاء، ومسروق، وعمرو بن دينار، والضحاك بن =

стр. 1586

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = مزاحم، وأهل الظاهر. وروي عن عمر بن الخطاب وابن عباس، واختاره الطبري. احتجوا بأن سيرين أبا محمد بن سيرين كان سأل أنس بن مالك الكتابة وهو مولاه، فأبى، فرفع عمر عليه الدرة وتلا: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ (١). الآية؛ فكاتبه، قالوا: وما كان عمر ليرفع الدرة على أنس فيما أبيح له أن لا يفعله. وقال عامة علماء الأمصار بعدم وجوبها، قالوا، لأن الإِجماع منعقد على أنه لو سأله أن يبيعه من غيره لم يلزمه ذلك، ولم يجبر عليه ولو ضوعف له الثمن، وانعقد كذلك على أنه لو قال له: اعتقني أو ديِّرني أو زوِّجني لم يلزمه ذلك؛ قالوا: فكذلك المكاتبة، لأنها معاوضة فلا تصح إلا عن تراض. واحتج الجمهور جوابًا عن تمسك من أوجبها بأن الأمر للوجوب، بأنه مسلم فيما عري عن قرينة صارفة له عن الوجوب، وهو هنا علق بشرط علم الخير فيه، وهو أمر باطن، فإذا قال لسيّده: كاتبني. فقال: لا أعلم فيك خيرًا، عوِّل على ذلك. قال ابن قدامة: يستحب له إجابته إذا علم فيه خيرًا، ولم يجب ذلك في ظاهر المذهب، وهو قول عامة أهل العلم، منهم، الحسن، والشعبي، ومالك، والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي. ا. هـ. منه. (٢) وقوله: وحط جزء آخرًا: هذا الحكم أخذه مالك ﵀ من قوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (٢). فقد رأى مالك هذا الأمر على الندب، ولم ير لقدر الوضيعة حدًا، ورأى أيضًا هو وغيره، أن يكون الوضع من آخر نجم؛ وعلل ذلك بأنه إذا وضع من أول نجم ربما عجز العبد، فرجع هو وماله إلى سيّده، وتعود إليه وضيعته وهي شبه الصدقة. وبهذا قال عليّ ﵁ وابن عمر ﵄. قال القرطبي: هذه الآية أمر للسَّادة بإعانتهم في مال الكتابة، إمَّا بأن يعطوهم شيئًا مما في أيديهم - أعني أيدي السادة - وإما أن يحطوا عنهم من مال الكتابة. وقد وضع ابن عمر خمسة آلاف من خمسة وثلاثين ألفًا، واستحسن عليٌّ ﵁ أن يكون ذلك ربع الكتابة، قال: واستحسن ابن مسعود والحسن بن أبي الحسن ثلثها، وقال قتادة: عشرها، وقال ابن جبير: يسقط عنه شيئًا ولم يحدّه، وهو =

стр. 1587

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = قول الشافعي، واستحسنه الثوري. وقال الحسن والنخعي وبريدة: إنما الخطاب بقوله: ﴿وَآتُوهُمْ﴾ للناس أجمعين في أن يتصدقوا على المكاتبين، وأن يُعينُوهُمْ في فكاك رقابهم. وقال زيد بن أسلم: إنما الخطاب للولاة بأن يعطوا المكاتبين من مال الصدقة حظهم الذي تضَمَّنه قوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ قال القرطبي: وعلى هذين القولين، فليس على سيِّد المكاتب أن يضع شيئًا عن مكاتبه، قال: ولو أراد حط شيء من نجوم الكتابة لقال: وضعوا عنهم كذا. ا. هـ. منه. تنبيهٌ: قال مالك في قوله تعالى: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾. قال: سمعت بعض أهل العلم يقولون هو القوة على الاكتساب والأداء، وهذا قول الشافعي، ويروى عن الليث نحوه، ولأجل هذا كان ابن عمر يكره أن يكاتب عبده إذا لم تبر له حرفة، ويقول: أتريدونني أن آكل أوساخ الناس؟! وروي نحوه عن سلمان الفارسي. وروي عن حكيم بن حزام قال: كتب عمر بن الخطاب إلى عمير بن سعد: أما بعد، فانْهَ مَنْ قِبَلَكَ من الناس أن يكاتبوا أرقاءهم على مسألة الناس. وكره ذلك الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق. قال القرطبي: ورخص فيه مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وروي عن عليّ ﵁ أن ابن النَّيَّاح مؤذنه قال له: أكاتب وليس لي مال؟ قال نعم! ثم حضَّ الناس على الصدقة عليه، قال: فأعطوني ما فضل عن كتابتي، فأتيت عليًّا، فقال: اجعلها في الرقاب. وكره ذلك مالك، وقال: إن الأمة التي لا حرفة لها يكره مكاتبتها لما تؤدي إليه من فسادها. قال القرطبي: والحجة في السنة لا فيما خالفها، فقد روى الأئمة عن عائشة ﵂ قالت: دخلت على بريرة فقالت: إن أهلي كاتبوني على تسع أواق في تسع سنين، كل سنة أوقية، فأعينيني .. الحديث. وهذا دليل أن السيد له أن يكاتب عبده وهو لا شيء عنده، قال: ألا ترى أن بريرة جاءت عائشة تخبرها بأنها كاتبت أهلها وسألتها أن تعينها، وذلك كان في أول كتابتها قبل أن تؤدي منها شيئًا، كذلك ذكره ابن شهاب عن عروة أن عائشة أخبرته أن بريرة جاءت تستعينها في كتابتها ولم تكن قضت من كتابتها شيئًا. أخرجه البخاري وأبو داود، وفي هذا جواز كتابة الأمة وهي غير ذات صنعة ولا حرفة ولا مال، ولم يسأل النبي ﷺ هل لها كسب أو عمل واصب أو مال؟. =

стр. 1588

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = ولو كان هذا واجبًا لسأل عنه ليقع حكمه عليه، لأنه ﷺ بعث مبينًا. قال القرطبي: وفي هذا الحديث دليل على أن الخير في قوله تعالى: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ هو القوة على الاكتساب مع الأمانة. والله تعالى أعلم. (٣) وقوله: وظاهرها اشتراط التنجيم ألخ .. قال الحطاب: ظاهر كلام المؤلف وابن الحاجب وغيرهما أن الكتابة الحالة لا تصح إلا على ظاهر المدونة. وقال ابن عرفة: قول الشيخ، يعني في الرسالة وغيره، لا يدل على منعها حالة، بل على عدم صدق لفظ الكتابة عليها فقط. ا. هـ. منه. قال القرطبي: الكتابة تكون بقليل المال وكثيره، وتكون على أنجم، لحديث بريرة. وهذا لا خلاف فيه بين العُلماء والحمد لله. فلو كاتبه على ألف درهم ولم يذكر أجلًا نجمت عليه بقدر سعايته وإن كره السيد. وقال ابن العربي: اختلف السلف في الكتابة إذا كانت حالة على قولين، والصحيح في النظر أن الكتابة مؤجلة، كما ورد الأثر بها في حديث بريرة حين كاتبت أهلها على تسع أواق في كل عام أوقية، وكما فعل الصحابة، ولذلك سميت كتابة لأنها تكتب ويشهد عليها، فقد استوثق الاسم والأثر، وعضده المعنى، فإن المال إن جعله حالًا وكان عند العبد شيء فهو مال مقاطعة وعقد مقاطعة لا عقد كتابة. قال: ولم يرد عن مالك نص في الكتابة الحالة، والأصحاب يقولون إنها جائزة. ويسمونها قطاعةً. وقال الشافعي: لا تجوز على أقل من ثلاثة أنجم، ولو كان قوله هذا صحيحًا لأمكن القول لغيره بأنها لا تجوز على أقل من خمسة نجوم؛ لأنها أقل النجوم التي كانت على عهد رسول الله ﷺ في بريرة، وعلم بها النبي ﷺ وقضى فيها. فكان القول به أولى بالصواب، فقد روى البخاري عن عائشة أن بريرة دخلت عليها تستعينها في كتابتها وعليها خمسة أواق نجمت عليها في خمس سنين. الحديث. (٤) وقوله: وبَيْعُ كِتَابَةٍ: قال القرطبي: حديث بريرة على اختلاف طرقه وألفاظه يتضمن أن بريرة وقع فيها بيع بعد كتابة تقدمت. واختلف الناس في بيع المكاتب بسبب ذلك. وقد ترجم البخاري: "باب بيع المكاتب إذا رضي". وإلى جواز بيعه للعتق إذا رضي المكاتب بالبيع ولو لم يكن عاجزًا، ذهب ابن المندر، والداودي، وهو الذي ارتضاه أبو عمر بن عبد البر. وبه قال ابن شهاب، وأبو الزناد: وربيعة، غير أنهم قالوا: لأن رضاه بالبيع عجز منه.

стр. 1589

كأنْ قَاطَعَهُ بإذْنِهِ مِنْ عِشْرينَ عَلى عَشَرَةٍ فإنْ عَجَزَ خُيِّرَ المُقَاطِعُ بَيْنَ رَدِّ مَا فَضَلَ بِهِ شَرِيكَهُ وبمنَ إسْلَامِ حِصَّتِهِ رِقًّا ولا رُجُوعَ لَهُ عَلى الآذِنِ، وَإنْ قَبَضَ الأكْثَرَ، فإن مَاتَ أخَذَ الآذِنُ مَالَهُ بِلَا نَقْصٍ إن تَركَهُ وإلَّا فَلَا شَيْءَ لَهُ، وعِتْقُ أحَدِهمَا وَضْعٌ لِمَالِهِ إلَّا إنْ قصَدَ الْعِتْقَ كإنْ فَعَلْتَ فنِصْفُكَ حُرٌّ فكاتَبَهُ ثُمَّ فَعَلَ وُضِعَ النِّصفُ وَرَقَّ كُلُّهُ إن عجَز (١). ولْلمُكَاتَب بِلَا إذْنٍ بَيْعٌ، واشْتِراءٌ، ومُشَارَكَةٌ، ومُقَارضَةٌ ومُكَاتَبَةٌ واسْتِخْلَافُ عَاقِدٍ لأمَتِهِ، وإسْلَامُهَا أوْ فدَاؤهَا إنْ جَنَتْ بالنَّظَر، وسَفَرٌ لَا يَحِلُّ فِيه نَجْمٌ، وإقْرَارٌ في رَقَبَتِهِ، وإسْقاطُ شُفْعَتِهِ، لا عِتْقٌ وَإنْ قَرِيبًا، وهِبَةٌ، وصَدَقَةٌ، وتَزْويِجٌ، وإقْرارٌ بِجِنايَةِ خَطَإٍ، وسَفَرٌ بعُدَ إلَّا بإذْنٍ. وَلَهُ تَعْجيزُ نَفْسِهِ إنْ اتَّفَقَا وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ مَالٌ فَيُرَقُّ ولَوْ ظَهَر لَهُ مَالٌ، كأنْ عَجَزَ عَنْ شَيْءٍ أوْ غَابَ عِنْدَ المَحلِّ ولَا مَالَ له. وفَسَخَ الحاكِم، وتَلَوَّمَ لمَنْ يرْجُوهُ كالْقِطَاعةِ ولَوْ شرَطَ خِلَافَهُ. وقَبَضَ إنْ غَابَ سَيّدُهُ وإنْ قَبْلَ مَحلِّهَا. وفُسِخَتْ إنْ مَاتَ وإنْ عَنْ مَالٍ إلا لِوَلَدٍ أوْ غَيْرهِ دَخَلَ مَعَهُ بشَرْطٍ أوْ غَيْره فَتَؤدَّى حَالَّةً وَوَرِثَهُ مَن مَعَهُ في الكِتابَةِ فَقَطْ مِمَّنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ (٢). = وقال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما: لا يجوز بيع المكانب ما دام مكاتبًا حتى يعجز، ولا يجوز بيع كتابة بحال، وهو قول الشافعي بمصر، وكان بالعراق يقول بيعه جائز، وأما بيع كتابته فغير جائز، وقال مالك: بيع الكتابة جائز، فإن أدَّاها عتق، وإِلَّا كان رقيقًا لمشتري الكتابة، ومنع ذلك أبو حنيفة قال: لأنه بيع غرر، واختلف قول الشافعي في ذلك بالمنع والإجازة. وقال أحمد والأوزاعي وإسحاق: لا يباع المكاتب إلَّا للعتق، ويكره أن يباع قبل عجزه. وقال أبو عمر: في حديث بريرة إجازة بيع المكاتب إذا رضي بالبيع، ولم يكن عاجزًا عن أداء نجم قد حل عليه، بخلاف قول من زعم أن بيع المكاتب غير جائز إلَّا بالعجز، لأن بريرة لم تذكر أنها عجزت عن أداء نجم، لا أخبرت أن النجم قد حل عليها، ولا قال لها النبي ﷺ أعاجزة أنت؟ أم هل حل عليك نجم؟. قال: لو لم يجز بيع المكاتب والمكاتبة إلَّا بالعجز عن أداء ما قد حل لكان النبي ﷺ قد سألها أعاجزة هي أم =

стр. 1590

وَإن لَمْ يتْرُكْ وَفاءً وَقَوِيَ وَلَدُهُ عَلَى السَّعْي سَعَوْا وتُرِكَ مَتْرُوكُهُ لْلِوَلَدِ إنْ أُمِن كأُمِّ وَلَدِهِ، وَإنْ وُجدَ الْعوَضُ مَعِيبًا أوْ اسْتُحقَّ مَوْصُوفًا، كمُعَيَّنٍ، وَإنْ بِشُبْهَةٍ، إنْ لَمْ يَكن لَّه مَالٌ. ومَضَتْ كتَابَةُ كَافِرٍ لَمُسْلِمٍ وَبيعَتْ، كأنْ أسْلَم، وَبيعَ مَعَهُ مَنْ في عَقْدِهِ، وكَفَّرَ بِالصَّوْم. واشْتِراطُ وَطْءِ المكاتبةِ، واسْتِثْنَاءُ حَمْلهَا أوْ مَا يُولَدُ لَهَا، أَو مَا يُولَدُ لمكاتَبٍ مِنْ أمَتِهِ بَعْدَ الكتابَةِ، أوْ قَلِيلِ خِدْمَة، إنْ وفَّى، لَغْوٌ. وَإنْ عَجَزَ عَنْ شَيْءٍ أوْ عَنْ أرْشِ جِنايَةٍ وَإنْ عَلى سَيِّدِه، رُقَّ كَالْقِنِّ. وأُدِّبَ إنْ وَطئ بِلَا مَهْرٍ، وعَلَيْهِ نَقْصُ المُكرهَةِ. وإنْ حَمَلتْ خُيِّرَتْ في الْبَقَاءِ وأمُومَةِ الْوَلَدِ، إلَّا لَضُعَفَاءَ مَعَهَا، أوْ أقْوِياءَ لَمْ يَرْضَوْا، وحُطَّ حِصَّتُهَا إنْ اخْتَارَتْ الأمُومَةَ. وإنْ قُتِلَ فَالْقِيمَةُ للسَّيِّد، وهل قِنًّا أو مُكاتَبًا؟ تأويلان. = لا؟ وما كان ليأذن في شرائها إلا بعد علمه ﷺ أنها عاجزة ولو عن أداء نجم واحد قد حل عليها. وفي حديث الزهري أنها لم تكن قضت من كتابتها شيئًا. قال: ولا أعلم في هذا الباب حديثًا أصح من حديث بريرة هذا، ولم يرو عن النبي ﷺ شيء يعارضه، ولا في شيء من الأخبار دليل على عجزها. انتهى منه. (١) وقوله: ورقّ كله إن عجز، دليله ما أخرجه أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: "الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ دِرْهَمٌ". وروي عنه أيضًا أنه ﷺ قال: "أيُّمَا عَبْدٍ كَاتَبَ عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ فَأدَّاهَا إِلَّا عَشْرَةَ دَنَانِيرَ فَهُوَ عَبْدٌ". وعلى هذا مذهب مالك، والشافعي، وأبي حنيفة وأصحابهم، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وداود، والطبري، وروي عن ابن عمر من وجوه، وعن زيد بن ثابت، وعائشة، وأم سلمة، وروي أيضًا عن عمر بن الخطاب، وبه قال ابن المسيب، والقاسم، وسالم، وعطاء. وقال مالك: وكل من أدركنا ببلدنا يقول ذلك. وروي قول آخر عن عليّ ﵁ أن المكاتب إن أدّى الشطر فهو غريم وبه قال النخعي، وروي عن عمر بن الخطاب ﵁، وقال القرطبي: إن الإِسناد عنه بأنه عبد ما بقي عليه درهم =

стр. 1591

وَإنْ اشْتَرى مَن يَعْتِقُ عَلى سَيِّده صَحَّ وعَتَقَ إنْ عَجَزَ. والْقَوْلُ للسَّيِّد في الكتَابَةِ والأدَاءِ، لَا الْقَدْرِ والْجنْسِ والأجَل. وإنْ أعَانَهُ جَماعَةٌ، فإن لم يقْصِدُوا الصَّدقَةَ، رَجَعُوا بالْفَضْلَةِ، وعَلى السَّيِّدِ بِمَا قَبَضَهُ، إِنْ عَجَزَ، وإلَّا فَلَا. وإنْ أوْصَى بِمُكاتَبَتِهِ فَكِتَابَةُ المِثْل إن حَمَلَهُ الثُّلُثُ؛ وإنْ أوْصَى له بِنَجْم، فإنْ حَمَل الثُّلُثُ قيمَتَه جَازَتْ، وَإلَّا، فَعَلى الوَارِثِ الإِجَازَةَ، أو عِتْقُ مَحْمِل الثُّلُتَ. وإنْ أوْصى لرجل بِمُكاتبته أوْ بِمَا عَلَيْهِ، أو بِعتْقِهِ، جَازَتْ، إنْ حَمَلَ الثلُثُ قيمَةَ كتَابتِهِ أوْ قيمةَ الرَّقَبَة على أنَّه مُكاتَبٌ. وأنْتَ حُرٌّ عَلى أنَّ عَلَيْكَ ألْفًا، أو وعَلَيْكَ ألْفٌ، لَزِمَ الْعِتْقُ والْمَالُ، وَخُيِّرَ الْعَبْدُ في الالْتِزام والرَّدِّ في أنْتَ حُرٌّ عَلى أنْ تَدْفَعَ أوْ تُؤدِّيَ، أوْ إنْ أعْطَيْتَ، أوْ نَحْوَهُ. = خير من الإِسناد عنه أن المكاتب إذا أدّى الشطر فلا رقَّ عليه، قاله أبو عمر. وفيه أقوال أخر انظرها في تفسير القرطبي. وحكي عن بعض السلف أنه بنفس عقد الكتابة يصير حرًا، وهو غريم بالكتابة؛ قال القرطبي: وهذا القول يرده حديث بريرة لصحته عن النبي ﷺ ، وهو دليل واضح على أن المكاتب عبد، ولولا ذلك ما بيعت بريرة، لأن السنة المجمع عليها أن لا يباع الحر. قال: وكذلك كتابة سلمان وجويرية ﵄ فإن النبي ﷺ حكم على جميعهم بالرِّقِّ حتى أدَّوا الكتابة، وهو حجة للجمهور في أن المكاتب عبد ما بقي عليه شيء. قال: وقد ناظر عليَّ بن أبي طالب زيدُ بن ثابت في المكاتب، فقال لعليّ: أكنت راجمه لو زنى؟ أو مجيزًا شهادته لو شهد؟ فقال عليّ: لا، فقال زيد: فهو عبد ما بقي عليه شيء. انتهى منه، والله تعالى الموفق. (٢) وقوله: وورثه من معه في الكتابة فقط ممن يعتق عليه ألخ. اختلف العُلماء في ميراث المكاتب على ثلاثة أقوال: فمذهب مالك أن المكاتب إذا هلك وترك مالًا أكثر مما بقي عليه من كتابته، وله ولد ولدوا في كتابته، أو كاتب عليهم، ورثوا ما بقي من المال بعد قضاء كتابته، لأن حكمهم كحكمه، وعليهم السعي فيما بقي من كتابته لو لم يخلف مالًا، ولا يعتقون إلَّا بعتقه، ولو أذى عنهم ما رجع بذلك =

стр. 1592

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = عليهم، لأنهم يعتقون عليه، فهم أولى بميراثه لأنهم مساوون له في جميع حاله. وقال قوم: يؤدى عنه من ماله جميع كتابته، وجعل أنه قد مات حرًا، ويرثه جميع أولاده. وسواء في ذلك من كان حرًا قبل موته من ولده ومن كاتب عليهم أو ولدوا في كتابته؛ لأنهم قد استووا في الحرية كلهم حين تأدت عنهم كتابتهم. قال القرطبي: روي هذا القول عن على وابن مسعود، ومن التابعين. عن عطاء والحسن، وطاوس وإبراهيم وبه قال فقهاء الكوفة؛ سفيان الثوري وأبو حنيفة وأصحابه. والحسن بن صالح بن حي، وإليه ذهب إسحاق. وقال قوم: إذا مات المكاتب قبل أن يؤدي جميع كتابته فقد مات عبدًا، وكل ما يخلفه من المال فهو لسيده، ولا يرثه أحد من أولاده، لا الأحرار، ولا الذين معه في كتابته، لأنه لما مات قبل أن يؤدي جميع كتابته فماله لسيده، فلا يصح عتقه بعد موته؛ لأنه محال أن يعتق بعد موته، وعلى ولده الذين كاتب عليهم أو ولدوا في كتابته أن يسعوا في باقي الكتابة، ويسقط عنهم منها قدر حصته، فإن أدَوْا عَتَقَوا لأنهم كانوا فيها تبعًا لأبيهم، وإن لم يؤدوا ذلك رقوا. هذا قول الشافعي، وبه يقول أحمد بن حنبل وهو قول عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت، وعمر بن عبد العزيز والزهري وقتادة. ا. هـ. من القرطبي. تنبيهٌ: يعتق المكاتب إذا أدَّى الكتابة ولا يحتاج إلى ابتداء عتق من السَّيِّد، وكذلك ولده من أمته الذين ولدوا في كتابته، يعتقون بعتقه ويرقون برقه، لأن ولد الإِنسان من أمته بمثابته اعتبارًا بالحر وكذلك ولد المكاتبة. قاله القرطبي. مسألة: وليس للمكاتب أن يتزوج بغير إذن سيده لقوله ﷺ . "أَيُّمَا عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ فَهُو عَاهِرٌ". أخرجه ابن ماجة من حديث ابن عمر. هذا قول مالك، وأحمد، والشافعي، والحسن والليث، وابن أبي ليلى، وأبي حنيفة وأبي يوسف. وليس للمكاتب إعتاق رقيقه إلا بإذن سيده، هذا مذهب مالك، والشافعي، وأحمد وأبي حنيفة، والحسن، والأوزاعي. والمكاتب محجور عليه في ماله، فليس له استهلاكه، ولا هبته، لأن حق سيده لم ينقطع عنه ولأن هبة ماله قد تفوت المقصود من الكتابة الذي هو تحصيل العتق بالأداء، ولأنه قد يعجز فيعود هو وماله إلى سيده. هذا مذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وأصحاب الرأي ولا نعلم فيه خلافًا لأحد من أهل العلم. =

стр. 1593

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وللمكاتب أن يبيع ويشتري بإجماع أهل العلم، قالوا: لأن عقد الكتابة لتحصيل العتق، ولا يحصل العتق إلا بأداء عوضه، ولا يمكن أداء العوض إلا بالإِكتساب، والبيع والشراء من أقوى جهات الاكتساب، فقد جاء في بعض الآثار أن تسعة أعشار الرزق في التجارة. أخرجه سعيد بن منصور في سننه عن نعيم بن عبد الرحمن الأزدي ويحيى بن جابر الطائي مرسلًا. ا. هـ. المغني مع التعليق. وليس للرجل وطء مكاتبته في قول أكثر أهل العلم، منهم: سعيد بن المسيب، والحسن، الزهري، ومالك، والشافعي، والأوزاعي، والليث، والثوري، وأصحاب الرأي، والإِمام أحمد. فإن شرط وطأها، كان الشرط لغوًا عند أصحابنا، لا يؤثر في صحة عقد الكتابة؛ لأنه لا يخل بركن من أركان العقد. وقال الشافعي: إن، شرط ذلك فسد عقد الكتابة. وقال الإِمام أحمد: إن شرط وطأها فله وطؤها. وبه قال سعيد بن المسيب والحجة لهما في قوله ﷺ : "الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ". عند أبي داود وغيره.

стр. 1594

أم الولد بَابٌ: إنْ أقَر السَّيِّدُ بِوَطْءٍ وَلَا يَمِينَ إنْ أنْكَرَ، كأنِ اسْتَبْرأَ بحَيْضَةٍ ونَفَاهُ وَوَلَدَتْ لِسِتَّةِ أشْهُرٍ، وإلَّا لَحِق بِهِ ولَوْ أَتَتْ لأكْثَرِهِ إنْ ثَبَتَ إِلقَاءُ عَلقَةٍ فَفَوْقُ وَلَوْ بامرأتَيْنِ كادِّعَائهَا سِقْطًا رَأيْنَ أثَرَهُ، عَتَقَتْ مِنْ رَأس الْمَالِ (١)، وَوَلَدُها من غيره. ولا يَرُدُّهُ دَيْن سَبَقَ كاشْتِراءِ زوجَتِهِ حَامِلًا؛ لَا بِوَلَدٍ سَبَقَ أو وَلدٍ من وَطْء شُبْهَةٍ، إلَّا أمَة مُكاتَبِهِ أو وَلدِهِ، ولا يَدْفَعُهُ عَزْلٌ (٢) أوْ وَطْءٌ في دُبُرٍ أوْ فخِذَيْنِ، إنْ أنْزَل. وجَازَ إجَارَتُهَا بِرضَاهَا، وعِتْقٌ عَلى مَالٍ، ولَهُ قَلِيلُ خِدْمَةٍ وكثيرُهَا في وَلَدِهَا مِنْ غيْرِهِ، وأرْشُ جِنَايَة عَلَيْهمَا، وإنْ مَاتَ فَلِوارِثِهِ، والاسْتِمْتَاعُ بِهَا، وانْتزَاعُ مَالِهَا ما لَم يَمْرَضْ. وَكُرهَ لَهُ تَزْويجُهَا وإنْ بِرضَاهَا. ومُصِيبَتُهَا إنْ بِيِعَتْ مِنْ بائِعِهَا (٣) ورُدَّ عِتْقُهَا. وفُدِيَتْ إنْ جنَتْ بأقَلِّ الْقِيمَةِ يَوْمَ الحُكم والأرْشِ. وإنْ قَالَ في مَرَضهِ ولدَتْ مِني ولا وَلَدَ لَهَا صُدِّقَ إنْ وَرِثَهُ وَلَدٌ. أحكام أم الولد الأم في اللغة أصل الشيء. والجمع أمات، وأصل الأم أمهة، ولذلك جاء جمعها على أمهات، وقيل: الأمهات للناس، والأمات للنعم. وأم الولد في اللغة تطلق على كل من ولد لها ولد، ولكن استعمال الشرع خصصها بالأمة التي ولدت من سيِّدها. قال الحطاب: وجرت عادة الفقهاء بترجمة هذا الباب بالجمع، ولعل سبب ذلك تنوع الولد الذي تحصل به الحرية، فقد يكون تام الخلقة وقد لا يكون كذلك من مضغة وغيرها. ولا خلاف بين المسلمين في إباحة التسري ووطء الإِماء، لقوله تعالى في سورة المؤمنون: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ (١) وقد استولد رسول الله ﷺ جاريته مارية القبطية ﵂، وهي أم ولده إبراهيم بن محمد ﷺ . وقد قال فيها: "أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا". أخرجه ابن ماجة، وقد استولد أبونا إبراهيم ﵊ جاريته هاجر فولدت له إسماعيل بن إبراهيم، أصل عمود نسب العرب. وقال الحطاب في رسم العشور من سماع =

стр. 1595

وإنْ أقَرَّ مَريضٌ بِإيلادٍ أو بعِتْقٍ في صِحَّتِهِ لَمْ تُعْتَقْ منْ ثُلُثٍ ولَا مِن رَأس مَالٍ. وإنْ وطِئ شَرِيكٌ فَحَمَلَتْ غَرمَ نَصِيبَ الآخَرِ، فإنْ أعْسَرَ خُيِّر في اتِّباعِهِ بالقيمَةِ يَوْمَ الوَطْء أوْ بَيْعهَا لِذلكَ، وتَبعَهُ بِمَا بَقيَ وبنِصْفِ قيمة الولد. وإنْ وَطِئَاهَا بِطُهْرٍ فَالْقَافَةُ وَلَوْ كَانَ ذِمِّيًّا أوْ عَبْدًا فإنْ أشْرَكتْهُمَا فَمُسْلِمٌ. وَوَالى إذا بَلَع أحَدَهُمَا كأن لمْ تُوجَدْ. وَوَرِثَاهُ إن مَاتَ أوَلًا. وحَرُمَتْ عَلى مُرْتَدٍّ أمُّ وَلَده حتى يُسْلِمَ، وَوُقِفَتْ، كمُدَبَّرهِ إنْ فَرَّ لِدَارِ الحَرْب. ولا تَجوُزُ كتَابَتُهَا، وعَتَقَتْ إنْ أدَّت. = عيسى من كتاب الجامع قال ابن القاسم: بلغنى أن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعلي بن الحُسين بن عليّ بن أبي طالب، كانوا بني أمهات أولاد. وقال ابن قدامة: وروي أن الناس كانوا لا يرغبون في أمهات الأولاد حتى ولد هؤلاء الثلاثة من أمهات أولاد، فرغب الناس فيهن. لطيفة تناسب الموضوع. روي عن سالم بن عبد الله، قال: كان لابن رواحة جارية وكان يريد الخلوة بها، وكانت امرأته ترصده، فخلا البيت فوقع عليها، فنذرت به امرأته وقالت: أفعلتها؟ قال: ما فعلت، قالت: فاقرأ إذًا، فقال: شهدْتُ بأن وعد الله حق … وأنَّ النار مثوى الكافرينا وأن العرش فوق الماءِ طافٍ … وفوق العرض ربُّ العالمينا وتحمله ملائكةٌ شدادٌ … ملائكة الإِلهِ مُسوَّمينا فقالت: أما إذا قرأت فاذهب إذًا. فأتى النبي ﷺ فأخبره، قال: فلقد رأيته يضحك حتى بدت نواجذه، ويقول: "هِيه، كَيْفَ قُلْتَ"؟ فأكرره عليه فيضحك. "بأبي وأمي هو، صلوات الله وسلامه عليه". تنبيهٌ: نسب الحطاب لعياض: تشبه أمهات الأولاد الحرائر في كونهن لا يبعن في دين ولا غيره، ولا يرهنَّ، ولا يؤاجرن، ولا يسلمن في جنايتهن ولا يستسعين. وتشبه أمهات الأولاد الإِماء في أنهن للسيد انتزاع مالهن ما لم يمرض، وله إجبارهن على النكاح على القول به، وله استخدامهن في الخفيف =

стр. 1596

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = الذي لا يلزم الحرة، وكونهن للسيد الاستمتاع بهن ما بدا له. ا. هـ. (١) قوله: إن أقر السيِّد بوطء - إلى قوله: عتقت من رأس المال، نقل المواق عن ابن الحاجب: تصير الأمة أم ولد بثبوت إقرار السيد بالوطء، وثبوت الإِتيان بولد حي أو ميت، علقة فما فوقها، مما يقول النساء إنه حمل، ولو ادعت سقطا كذلك ورأى النساء أثره، اتبع. قال اللخمي: فإن ادّعت وطأه وأنكر، صدق ولا يمين عليه وإن كانت رائعة. وقال مالك: إذا أتت المملوكة بولد لم يلحق بالسيّد إلا أن يقر بالوطء، وإذا أتت الزوجة بولد لحق به وإن لم يقر بالوطء، قال: وفي كلا الموضعين فالوطء مباح له. قال مالك: ولا ينتفي ولد حرة إلا بلعان بخلاف ولد الأمة، قال: وفي كليهما الفراش موجود. قال ابن رشد: إذا ولدت الأمة من سيدها الحر، فقد حرم عليه بيعها وهبتها ورهنها، والمعارضة على رقبتها أو على خدمتها، وإسلامها في الجناية وعتقها في الواجب، وليس له منها إلا الاستمتاع بالوطء فما دون، طول حياته. وهي حرة من رأس ماله بعد وفاته. قال: وولدها من غيره بعد الاستيلاد يعتق بموت السيد وللسيد أن يستخدم ولدها ويستأجره، لكن لا يطأ الأمة منهم لأنها كالربيبة. انتهى من المواق باختصار وتصرف. (٢) وقوله: ولا يدفعه عزل ألخ. دليله ما رواه أبو سعيد أنه قال: يا رسول الله، إنا نصيب النساء ونحب الأثمان، أفنعزل عنهن؟ فقال: "إِنَّ اللهَ إِذَا قَضَى خَلْق نَسَمَةٍ خَلَقَهَا". أخرجه البخاري عن أبي سعيد الخدري. وعن جابر قال: جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله ﷺ فقال: إن لي جارية وأنا أطوف عليها وأنا أكره أن تحمل؟ فقال: "اعْزِلْ عَنْهَا إِنْ شِئْتَ، فَإِنَّهُ قَدْ يَأْتِيهَا مَا قُدِّرَ لَهَا". قال: فلبث الرجل ثم أتاه فقال: إن الجارية قد حملت، فقال: "قَدْ أَخْبَرْتُكَ أَنَّهُ سَيَأْتِيَها مَا قُدَّرَ لَهَا". رواه أبو داود. وعن ابن عمر أن عمر قال: ما بال أقوام يطؤون ولائدهم ثم يعزلونهن، لا تأتيني وليدة يعترف سيّدها أنه أتاها إلا ألحقت به ولدها، فاعزلوا بعد ذلك أو اتركوا. كذا في مغني ابن قدامة، وقال المعلق: رواه الشافعي. وفي الحطاب: قال في مسألة العزل، وقد نزل هذا على عهد رسول الله ﷺ ، فقال الرجل: كنت أعزل، فقال له رسول الله ﷺ "إِنَّ الْوِكَاءَ ينْفَلِتُ". وألحق به الولد، قال عياض: والوكاء بالكسر =

стр. 1597

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = ممدودًا استعارة وتشبيه بخروج الماء في الفرج قبل العزل، والوكاء الخيط الذي يشد به فم القربة. ا. هـ. منه. (٣) وقوله: وله قليل خدمة فيها - إلى قوله - ومصيبتها إن بيعت من بايعها: قال الخرقي في مختصره: وأحكام أمهات الأولاد أحكام الإِماء في جميع أمورهن إلا أنهن لا يبعن. قال ابن قدامة: وجملة ذلك أن الأمة إذا حملت من سيدها وولدت منه ثبت لها حكم الإِستيلاد، وحكمها حكم الإِماء في حل وطئها لسيدها، واستخدامها، وملك كسبها، وتزويجها، وإجارتها، وعتقها، وتكليفها، وحدها، وعورتها، وهذا قول أكثر أهل العلم. وحكي عن مالك أنه لا يملك إجارتها وتزويجها؛ لأنه لا يملك بيعها فلا يملك تزويجها وإجارتها كالحرة. قال ابن قدامة: إنها تخالف الأمة القن في أنها تعتق بموت سيدها من رأس المال، ولا يجوز بيعها ولا التصرف فيها بما ينقل الملك من الهبة والوقف، ولا ما يراد للبيع وهو الرهن، ولا تورث لأنها تعتق بموت السيّد ويزول الملك عنها. روي هذا عن عمر، وعثمان، وعائشة وعن عامة الفقهاء. قال: وروي عن عليٍّ، وابن عباس، وابن الزبير إباحة بيعهن، وإليه ذهب داود. قال سعيد: حدثنا سفيان عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس في أم الولد قال: بعها كما تبيع شاتك وبعيرك. قال: وحدثنا أبو عوانة عن مغيرة عن الشعبي عن عبيدة قال: خطب عليٌّ الناس فقال: شاورني عمر في أمهات الأولاد، فرأيت أنا وعمر أن أعتقهن، فقضى به عمر حياته، وعثمان حياته، فلما وليت رأيت أن أرقهن، قال عبيدة: فرأي علي وعمر في الجماعة أحب إلينا من رأي عليّ وحده. قال الخطابي في معالم السنن: ذهب عامة أهل العلم إلى أن بيع أم الولد فاسد، وإنما روي الخلاف عن عليّ فقط. وعن ابن عباس أنها تعتق من نصيب ولدها. وقد روى حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد بن سيرين أنه قال لأبي معشر: إني أتهمكم فيما تروون عن عليّ ﵁ لأني قال لي عبيدة: بعث إليَّ عليّ وإلى شريح يقول: إني أبغض الاختلاف، فاقضوا كما كنتم تقضون - يعني في أم الولد - حتى يكون للناس جماعة، أو أموت كما مات صاحباي. قال: فقتل على قبل أن يكون للناس جماعة. قال الخطابي: واختلاف الصحابة إذا ختم بالاتفاق وانقرض العصر عليه صار إجماعًا، وقد ثبت =

стр. 1598

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ". وقد خلف ﷺ أم ولده مارية، فلو كانت مالًا لبيعت وصار ثمنها صدقة. وأيضًا قد نهى النبي ﷺ عن التفريق بين الأولاد والأمهات، وفي بيعهن تفريق بينهن وبين أولادهن. قال: وإذا وحّدنا حكم الأولاد وحكم أمهاتهم في الحرية والرق، وإذا كان ولدها من سيّدها حرًا، دل على حرية الأم. قلت: قد سمع جواز بيع أم الولد عند أصحابنا في ست مسائل ذكرها الشيخ عليَّ بن قاسم الزقاق المغربي في المنهج المنتخب بقوله: وبيعُ أمِّ وَلَدٍ مَمْنُوعُ … إلَّا بستٍّ بيعُها مَسْمُوعُ رهنٌ، وتفليسٌ، قراضٌ شِرْكَهْ … جنايةٌ كوْطءِ مَنْ بِالتركةْ تنجيزُ عتق في الَّتي قد مُنِعَا … مِنْ وطْئِهَا مُولدُهَا قدْ سُمعا يعني أن من وطئ أمة قد وضعها رهنًا في دين، يلزمه تعجيلُ الدين المرهونة فيه، أو وضع قيمة الأمة رهنًا مكانها، فإن وجد معسرًا بيعت الجارية بعد الوطء. - وأمة المفلس إذا وقفت للبيع، فوطئها وحملت فإنها تباع عليه. - وعامل القراض إذا وطئ أمة من مال القراض فحملت منه، وكان معسرًا بقيمتها، فإنها تباع عليه. - وإذا وطئ أحد الشريكين أمة شركة بينه وبين أحد، فحملت منه، وهو معسر بقيمة نصيب شريكه، فإنها تباع عليه. - والأمة التي جنت على أحد، إذا وطئها سيِّدُها بعد العلم بجنايتها، وهو معدم، فإنها تسلم في جنايتها. - وإذا وطئ الابن أمة من تركة أبيه، وعلى الأب دين أكثر من مال التركة، وكان الابن معدمًا، عالمًا بالدين حال وطئه، فإنها تباع عليه. ا. هـ. وقال ابن قدامة: روي عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ "أَيُّمَا أَمَةٍ وَلدَتْ مِنْ سَيِّدِهَا فَهِيَ حُرَّةٌ عَنْ دُبُرٍ مِنْهُ". أخرجه ابن ماجة، والحاكم، والدارقطني، وأحمد، نسبه المعلق على نسخة المغني التي بيدي إليهم. وعن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه نهى عن بيع أمهات الأولاد، ولا يبعن ولا يرهن ولا يرثن، ويستمتع =

стр. 1599

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بها سيدها ما بدا له، فإن مات فهي حرة. قال المعلق: رواه الدارقطني ج ٤/ ص ١٣٤. قال ابن قدامة: وهذا فيما أظن عن عمر، ولا يصح عن النبي ﷺ ، قال: وهو إجماع الصحابة ﵃ بدليل قول عليّ ﵁: كان رأي ورأي عمر أن لا تباع أمهات الأولاد، وقوله: فقضى به عمر حياته وعثمان حياته، ولقول عبيدة: رأي عليّ وعمر في الجماعة أحب إلينا من رأيه وحده. ا. هـ. منه. وأخرج عبد الرزاق عن عمر بن ذر، قال: حدثني محمد بن عبيد الله الثقفي أن أبانا اشترى جارية بأربعة آلاف قد أسقطت لرجل سقطًا، فسمع عمر بن الخطاب بذلك فأرسل إليه - وكان صديقًا له - فلامه لومًا شديدًا وقال: والله إن كنت لأنزهك عن مثل هذا. قال: وأقبل على الرجل ضربًا بالدرة وقال: الآن حين اختلطت لحومكم ولحومهن ودماؤكم ودماؤهن تبيعونهن؛ تأكلون أثمانهن؟ قاتل الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فباعوها. ارددها. قل فرددتها، وأدركت من مالي ثلاثة آلاف درهم. ا. هـ. والله الموفق. وأخرج في بلوغ المرام عن عمرو بن الحارث أخي جويرية أم المؤمنين ﵄ قال: ما ترك رسول الله ﷺ عند موته درهمًا ولا دينارًا ولا عبدًا ولا أمة ولا شيئًا إلا بغلته البيضاء وسلاحه وأرضًا جعلها صدقة، رواه البخاري. قال الصنعاني: والحديث دل على حرية أم الولد بعد وفاة سيِّدها حيث قال: ولا أمة فإنه ﷺ ، توفي وخلف مارية القبطية أم إبراهيم، وتوفيت في أيام عمر، فدل على أنها عتقت بوفاته ﷺ . ا. هـ. وقد تقدم لك قول الخطابي: فلو كانت مالًا لبيعت وصار ثمنها صدقة لقوله ﷺ "لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ". وأخرج في بلوغ المرام عن ابن عمر ﵄ قال: نهى عمر عن بيع أمهات الأولاد، فقال: لا تباع ولا توهب ولا تُورث، يستمتع بها ما بدا له، فإذا مات فهي حرة، رواه مالك في الموطإ، والبيهقي، قال: ورفعه بعض الرواة فوهم، وقال الدارقطني: الصحيح وقفه على عمر. قال الصنعاني: وقد أخرج الحاكم وابن عساكر وابن المنذر عن بريدة قال: كنت جالسًا عند عمر إذ سمع صائحًا فقال: يا يرفأ، انظر ما هذا الصوت، فنظر ثم جاء فقال: جارية من قريش تباع أمها، فقال عمر: ادع لي المهاجرين والأنصار، فلم يمكث ساعة حتى امتلأت الدار والحجرة، فحمد الله وأثنى =

стр. 1600

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = عليه، ثم قال: أما بعد، فهل كان فيما جاء به محمد ﷺ القطيعة؟ قالوا: لا، قال: فإنها قد أصبحت فيكم فاشية، ثم قرأ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ (١). الآية. ثم قال: وأي قطيعة أقطع من أن تباع أم امرئ منكم، وقد أوسع الله لكم؟! قالوا: فاصنع ما بدا لك. فكتب إلى الآفاق أن لا تباع أم حر، فإنها قطيعة، وأنه لا يحل. ا. هـ. فتحصل لك من هذه النقول، بإذن الله تعالى، أن أم الولد لا يجوز بيعها. وبالله تعالى التوفيق. تنبيهٌ: إذا عتقت أم الولد بعد وفاة سيّدها كان ما بيدها من المال لورثة سيّدها، وإنما كان ذلك لأن أم الولد أمة، ومال العبد بسيده، فإذا مات عتقت وانتقل المال إِلى ورثته كسائر ماله، إلا إذا أوصى لها بما في يدها من المال، فإنه يكون لها إذا احتمله الثلث، لأن الوصية لأم الولد صحيحة ولا يعلم في ذلك خلاف، فقد روى الإِمام أحمد، وسعيد بن منصور عن هشيم: حدثنا حميد، عن الحسن، أن عمر بن الخطاب أوصى لأمهات أولاده بأربعة آلاف أربعة آلاف. ا. هـ. انظر مغني ابن قدامة.

стр. 1601

كتاب الولاء فَصْلٌ: الْوَلَاءُ لِمُعْتِقٍ (١) وإنْ بِبَيْعٍ مِنْ نَفْسِهِ أوْ عِتْقِ غَيْرِهِ عَنْهُ بلا إذْنٍ (٢) أوْ لَمْ يَعْلَمْ سَيّدُهُ بِعِتْقِهِ حَتَىَ عَتَقَ، إلّا كَافرًا عَتَقَ مُسْلِمًا (٣) ورَقِيقًا إنْ كان يُنْتَزَعُ مَالُهُ، وَعَنِ المُسْلِمِينَ الوَلَاءُ لَهُمْ، كَسَائبَةٍ، وكرهَ (٤)، وإنْ أَسْلَمَ العَبْدُ عَادَ الْوَلَاءُ بإسْلَامِ السيّدِ. وجَرَّ ولَدَ المُعْتَقِ كأوْلَادِ المُعْتَقَةِ (٥) إنْ لمْ يَكن لَهُمْ نَسَبٌ مِنْ حُرٍّ إلَّا لِرقٍّ أوْ عِتْقٍ لآخر. ومُعْتَقُهُمَا وإنْ أُعْتِقَ الأبُ أو اسْتَلْحَقَ رَجَعَ الْوَلَاءُ لِمُعْتِقهِ من مُعْتِقِ الجدِّ والأمِّ. والْقَوْلُ لمُعْتِقِ الأبِ لَا لمُعْتِقِهَا، إلَّا أنْ تَضَعَ لِدُون سِتَّةِ أشْهُرٍ منْ عِتقِهَا. وإنْ شَهِدَ وَاحِدٌ بالوَلَاءِ أو اثنَانِ بأنَّهُمَا لَمْ يَزالا يَسْمَعَانِ أنه مَوْلَاهُ أوْ ابنُ عمِّه لَمْ يثْبُتْ لكنَّه يَحْلفُ ويأخُذُ المَالَ بَعْدَ الاستيناء. وقُدِّمَ عَاصِبُ النَّسَبِ (٦) ثُمَّ المُعْتِقُ ثُمَّ عَصَبتُهُ كالصَّلاة ثمَّ مُعْتِقُ مُعْتِقِهِ. ولا تَرثُهُ أُنْثى إن لَمْ تُبَاشِرهُ بِعِتْقٍ أوْ جَرَّةُ وَلَاءٌ بِولَادَةٍ أو عِتْقٍ. وَلَو اشْتَرى ابْنٌ وَبِنْتٌ أبَاهُمَا ثُمَّ اشْتَرى الأبُ عَبْدًا فَماتَ الْعَبْدُ بَعْدَ الأب وَرثَهُ الابْنُ، وإنْ مَاتَ الإِبنُ أولًا فللبنت النِّصْفُ لِعتقِهَا نصْفَ المُعْتِقِ والرُّبُعُ لأنّها مُعْتِقَةٌ نِصْفَ أبِيهِ، وإن مَاتَ الإِبنُ ثُمَّ الأبُ فَلَلْبنْت النِّصْفُ بالرحم والرُّبُعُ بالوَلاء والثمنُ بِجرِّه. أحكام الولاء قال الحطاب: الولاء - بفتح الواو ممدودًا - من الولاية - بالفتح - بمعنى القرب، وأصله من الولي، وأما من الولاية والتقديم فبكسر الواو. وقيل بالوجهين فيهما. (١) قوله: الولاء لمعتق ألخ. دليله قوله ﷺ : "إنَّما الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ". قال أبو عمر في التمهيد: قوله ﷺ : "الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ". يدخل في قولى: "مَنْ أَعْتَقَ". كل مالك نافذ أمره، مستقر ملكه من الرجال والنساء البالغين، إلا أن النساء ليس لهن من الولاء إلا ما أعتقن، أو ولاء عتق من أعتق، لأن الولاء للعصبات، وليس لذوي الفروض مدخل في ميراث الولاء إلا أن يكونوا عصبة. =

стр. 1602

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . (٢) وقوله: أو عتق غيره عنه بلا إذن: قال أبو عمر: فأما عتق الرجل عن غيره، فإن مالكًا وأصحابه، إلا أشهب، قالوا: الولاء للمعتق عنه، وسواء أمر بذلك أو لم يأمر، إذا كان مسلمًا، وإن كان نصرانيًا فالولاء لجماعة المسلمين، وكذلك قال الليث بن سعد في ذلك كله. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: من أعتق عن غيره فالولاء للمعتق عنه، كقول مالك. وقال الشافعي: إذا عتقت عبدك عن رجل حي أو ميت بغير أمره فولاؤهُ لك، وإن أعتقه عنه بأمره، بعوضٍ أو بغير عوض، فولاؤه له دونك. قال الشافعي: ولا يكون ولاء لغير معتق أبدًا، وكذلك قال الإِمام أحمد وداود. قال: وأما حجة مالك ومن ذهب مذهبه: فمنها ما حدثناه أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن، وأحمد بن محمد بن أحمد، قالا: حدثنا قاسم بن أصبغ قال: حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا نعيم بن حماد، قال: حدثنا ابن المبارك قال: حدثنا يونس بن يزيد، عن عقيل بن خالد، عن ابن شهاب أن رسول الله ﷺ قال في حديث ذكره فيه طول: "إِنَّ نَبِيَّ اللهِ أَيُّوبَ ﵇ قَالَ فِي بَلَائِهِ: إنَّ الله لَيَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ أَمُرُّ عَلَى الرَّجُلَيْنِ يَتَنَازَعَانِ وَيَذْكُرَانِ اللهَ، فَأرْجِعُ إِلَى بَيْتي فَأُكَفِّرُ عَنْهُمَا كَرَاهَةَ أنْ يَذْكُرا اللهَ إِلَّا في حَقٍّ". قال: ولو لم يجز عند أيوب لم يكفر عنه. قال: وإذا جاز العتق للإِنسان عن غيره في شريعة أيوب ﵇، لم ينسخ ذلك في شريعتنا إِلا بأمر بين، فالواجب الاقتداء به لقول الله : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (١)،. وقال ابن القاسم: من أعتق عن رجل بغير أمره في كفارة إنه يجزئه. قال أبو عمر: حجتهم في ذلك ما تقدم، والقياس على أداء الدين عن غيره بغير إذنه. (٣) وقوله: إلا كافرًا عتق مسلمًا ألخ. قال أبو عمر: وأما النصراني يعتق عبده المسلم قبل أن يباع عليه، فإن مالكًا وأصحابه يقولون: ليس له من ولائه شيء، وولاؤه لجماعة المسلمين، ولا يرجع إليه الولاء أبدًا وإن أسلم ولا إلى ورثته وإن كانوا مسلمين، وحجتهم في ذلك أنّ إسلام عبد النصراني يرفع ملكه عنه ويوجب إخراجه عن يده، فلما كان ملكه يرتفع بإسلامه لم يثبت الولاء له بعد عتقه وكان لجماعة المسلمين، ولم ينتقل عنهم لأنه لحمة كلحمة النسب. والدليل على ارتفاع ملك النصراني عن عبده المسلم. قوله تعالى. ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ

стр. 1603

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ..... = الْأَعْلَوْنَ﴾. وقوله ﷺ . "الْإِسْلَامُ يعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ". وقال الشافعي: إن قوله ﷺ : "إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ". بيّن في أن الولاء لا يكون إلا لمعتق، وهو يوجب أن الولاء يكون لكل معتق، كافرًا كان أو مسلمًا؛ لأنه ﷺ جعله كالنسب، وكما منع اختلاف الأديان من التوارث مع صحة النسب، كذلك يمنع اختلاف الأديان من التوارث مع صحة الولاء وثبوته، فإذا اتفقا على الإسلام توارثا. قال: فولاء المسلم على الكافر ثابت وولاء الكافر على المسلم ثابت إذا أعتقه لقوله ﷺ : "الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ". قال: ولا يزيل إسلام عبد النصراني ملكه عنه، وإنما يمنع استقراره واستدامته، ألا ترى أنه إذا بيع عليه ملك ثمنه؟ فلو ارتفع ملكه عنه لم يبع عليه، ولا ملك المبدل منه. ا. هـ. (٤) وقوله: كسائة وكره، قال أبو عمر: وأما المعتق سائبة، فإن ابن وهب روى عن مالك قال: لا يعتق أحد سائبة لأن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الولاء وعن هبته، وهذا عند كل من ذهب مذهب مالك، إنما هو على كراهية السائبة لا غير، لأن كل من أعتق عندهم سائبة نفذ عتقه وكان في ولاؤه لجماعة المسلمين، وهكذا روى ابن القاسم، وابن عبد الحكم، وأشهب وغيرهم عن مالك، وكذلك ذكر ابن وهب عن مالك في موطئه، وهو المشهور من مذهبه عند أصحابه. قال مالك في موطئه: وأحسن ما سمعت في السائبة أنه لا يوالي أحدًا، وأن ولاءه لجماعة المسلمين، وعقله عليهم. وهذا يدلك على أن عتق السائبة جائز عده. وقال ابن القاسم، وابن وهب، عن مالك: أنا أكره عتق السائبة وأنهى عنه، فإن وقع نفذ، وكان ميراثه لجماعة المسلمين، وعقله عليهم. وقال ابن نافع: لا سائبة اليوم في الإِسلام، ومن أعتق سائبة فإن ولاءه له. وقال أصبغ: لا بأس بعتق السائبة ابتداء. قال أبو عمر: وهذا هو المشهور من مذهب مالك؛ لأن عتق السائبة كان مستفيضًا بالمدينة لا ينكره عالم، ولأن عبد الله بن عمر وغيره من السلف أعتقوا السائبة. وروى سليمان التيمي عن بكر المزني أن ابن عمر أتي بمال مولى أعتقه سائبة فمات فقال: إنا كنا أعتقناه سائبة، فأمر أن تشترى به رقاب فتعتق. وروى سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي قال: قال عمر بن الخطاب: السائبة والصدقة ليومهما، أي لا يتصرف في شيء منهما. =

стр. 1604

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وروى وكيع عن بسطام بن مسلم عن عطاء بن أبي رباح أن طارق بن المرقع أعتق عبدًا له فمات، وترك مالًا، فعرض على طارق فأبى، وقال إنما جعلته لله ولست آخذ ميراثه، فكتب فيه إلى عمر، فكتب عمر أن اعرضوا على طارق الميراث، فإن قبله، وإلا فاشتروا به رقيقًا فاعتقوهم. فبلغ خمس عشرة أو ست عشرة رقبة. قال أبو عمر: وأما أهل المدينة فأكثرهم على أن السائبة ميراثه لجماعة المسلمين، وممن روي هذا عنه منهم: ابن شهاب، وربيعة، وأبو الزناد، وهو قول عمر بن عبد العزيز، وأبي العالية، وعطاء، وعمرو بن دينار. قال: ولا يختلف في أن سالمًا مولى أبي حذيفة أعتقته مولاته ليلى أو لبنى بنت يعار، وكانت تحت أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة، فأعتقته سائبة ولم يقل أحد أن رسول الله ﷺ نهى عن ذلك، ولما مات سالم ترك ابنته، فأعطاها عمر بن الخطاب نصف ماله، وجعل النصف في بيت المال. قال: ولا خلاف أن سالمًا مولى أبي حذيفة أعتق سائبة، ولا خلاف أنه قتل يوم اليمامة، وإنما نسب القضاء فيه إلى عمر لأنه كان بأمر أبي بكر، وكان عمر يومها القاضي لأبي بكر. وقال أبو العالية، والزهري، ومكحول، ومالك بن أنس: لا ولاء على السائبة ويرثه المسلمون. وولاؤه لجماعة المسلمين، والحجة في ذلك قوله ﷺ : "الْوَلَاءُ لِمَنْ أعْتَقَ". ومعلوم أن من يتولاه السائبة لم يعتقه، فكيف يكون له ولاؤه؟ وقال أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما: من أعتق سائبة فولاؤه له وهو يرثه دون الناس، وقال بهذا عطاء، والحسن، وابن سيرين، وضمرة بن حبيب، وراشد بن سعد، وبه يقول محمد بن عبد الله بن عبد الحكم. وحجتهم في ذلك قول رسول الله ﷺ : "إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ". فنفى بذلك أن يكون الولاء لغير معتق، ونهى ﵇ عن بيع الولاء وهبته. واحتجوا أيضًا بقول الله : ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ (١)،. واحتجوا أيضًا بما رواه أبو قيس عن هذيل بن شرحبيل، قال: قال رجل لعبد الله بن مسعود: إني أعتقت غلامًا لي سائبة، فمات وترك مالًا، فقال عبد الله: إن أهل الإِسلام لا يسيبون إنما كانت تسيب الجاهلية، أنت وارثه وولي نعمته. ا. هـ. منه. تنبيهٌ: الذي يسلم على يد رجل، قال مالك وأصحابه، وعبد الله بن شبرمة، والثوري،

стр. 1605

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والأوزاعي، والشافعي، وأصحابه، قالوا: لا ولاء عليه للذي أسلم على يديه، ولا يرثه بحال وإنما ولاء ذلك المسلم وإرثه لجماعة المسلمين إذا لم يدع وارِثًا، وبهذا قال أحمد وداود، وحجتهم في ذلك قوله ﷺ : "إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ". قالوا: وهذا غير معتق فكيف يكون له ولاء؟ وخالف في ذلك ربيعة بن أبي عبد الرحمن، والليث بن سعد، وأبو حنيفة وأصحابه قالوا: من أسلم على يدي رجل ووالاه وعاقده ثم مات ولا وارث له غيره، فميراثه له. واحتجوا بما رواه عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز عن عبد الله بن موهب الهمداني أو الخولاني عن تميم الداري قال: سألت رسول الله ﷺ عن المشرك يسلم على يدي الرجل المسلم فقال: "هُوَ أَحَقُّ النَّاسِ وَأَوْلَى النَّاسِ بِمَحْيَاهُ وَمَمَاتِهِ". قال عبد العزيز: فحدث به ابن موهب عمر بن عبد العزيز، فشهدته قضى بذلك في رجل أسلم على يدي رجل مسلم، فمات وترك مالًا وابنة، فقسم ماله بينه وبين ابنته، فأعطى الإبنة النصف وأعطى الذي أسلم على يديه النصف. (٣) وقوله: وجر ولد المعتق كأولاد المعتقة ألخ. دليله حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه أن أباه يعقوب تزوج أم عبد الرحمن، فولدته، وكان يعقوب مكاتبًا لأوس بن الحدثان، وكانت أم عبد الرحمن مولاة لرجل من الحُرَقَة، فاختصما إلى عثمان في ولايته، فقضى عثمان أن ما ولدت أم عبد الرحمن ويعقوب مكاتب فهو للحرقي، وما ولدت بعد عتقه فهو لأوس. أخرجه البغوي في السنة وأخرجه الدارمي، ورجاله ثقات. قال البغوي: ومعنى هذا أن الأم إذا كانت معتقة إنسان، والأب رقيق أو مكاتب، فولاء الولد لموالي الأم، فإن عتق الأب انجر إلى مواليه، سواء كان ولادة المولود قبل العتق للأب أو بعده. وأخرج مالك في موطئه عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أن الزبير بن العوام اشترى عبدًا فأعتقه، ولذلك العبد بنون من امرأة حرة، فلما أعتقه الزبير قال: هم مواليَّ، وقال موالي أمهم: بل هم موالينا، فاختصموا إلى عثمان بن عفان، فقضى عثمان للزبير بولائهم. وقال مالك في الموطإ: الأمر المجمع عليه عندنا في ولد العبد من امرأة حرة، وأبو العبد حر، أن الجد أبا العبد يجر ولاء ولد ابنه الأحرار من امرأة حرة، يرثهم ما دام أبوهم عبدًا، فإن عتق أبوهم رجع الولاء إلى مواليه. ا. هـ. منه. وقال البغوي: ولو عتق الجد، والأب مملوك، يجر موالي الجد ولاء الولد عند أكثر أهل العلم، =

стр. 1606

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وبه قال مالك، والأوزاعي، وابن أبي ليلى، والشافعي وأحمد. وخالف أبو حنيفة فقال: لا يجر الجد ولاءهم. ا. هـ. منه. (٦) وقوله: وقدم عاصب النسب ألخ. أخرج مالك في الموطإ عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أبيه أنه أخبره أن العاصي بن هشام هلك وترك بنين له ثلاثة؛ اثنان لأم ورجل لعلة، فهلك أحد اللذين لأم وترك مالًا وموالي، فورث أخوه لأبيه وأمه ماله وولاء مواليه، ثم هلك الذي ورث المال وولاء الموالي وترك ابنه وأخاه لأبيه، فقال ابنه: قد أحرزت ما كان أبي أحرز من المال وولاء الموالي، وقال أخوه: ليس كذلك إنما أحرزت المال، وأما ولاء الموالي فلا، أرأيت لو هلك أخي اليوم، ألست أرثه أنا؟ فاختصما إلى عثمان فقضى لأخيه بولاء الموالي. قال البغوي: وقال الشعبي: عن عمر، وعلى، وعبد الله بن مسعود، وزيد أنهم قالوا: الولاء للكِبْر، يعنون من كان أقرب إلى المعتق بأب أو بأم. ا. هـ. قال أبو عمر بن عبد البر: ولا يستحق الولاء من العصبات إلا الأقرب فالأقرب، ولا يدخل بعيد على قريب وإن قربت قراباتهم، فأقرب العصبات الأبناء ثم بنوهم وإن سفلوا، ثم الأب لأنه ألْصق الناس به بعد ولده وولد ولده، ثم الإخوة لأنهم بنو الأب، ثم بنو الإخوة وإن سفلوا، ثم الجد أبو الأب، ثم العم لأنه ابن الجد، ثم بنو العم، فعلى التنزيل ميراث الولاء. حدثني سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال: حدثنا محمد بن وضاح، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو سلمة عن حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: تزوج زياد بن حذيفة بن سعيد بن سهم أم وائل بنت معمر الجمحية، فولدت ثلاثة أولاد فتوفيت أمهم، فورث بنوها رباعها وولاء مواليها، فخرج بهم عمرو بن العاص معه إلى الشام، فماتوا في طاعون عمواس، فورثهم عمرو وكان عصبتهم، فلما رجع عمرو جاءه بنو معمر يخاصمونه في ولاء أختهم إلى عمر بن الخطاب، فقال عمر: أقضي بينكم بما سمعته من رسول الله ﷺ يقول: "مَا أَحْرَزَ الْوَلَدُ أَوِ الْوَالِدُ فَهُوَ لِعَصَبَتِهِ مَنْ كَانَ". فقضى لنا وكتب بذلك كتابًا فيه شهادة عبد الرحمن بن عوف وزيد بن ثابت وآخر، حتى إذا استخلف عبد الملك بن مروان توفي مولى لها وترك ألف دينار، وبلغني أن ذلك القضاء قد غير، فخاصموه إلى هشام بن إسماعيل فرفعهم إلى عمد الملك بن مروان فأتيناه بكتاب عمر، فقال إن كنت لأرى أن هذا من القضاء.

стр. 1607

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الذي لا يشك فيه، وما كنت أرى أمرًا بالمدينة بلغ هذا أن يشكوا في القضاء به. فقضى لنا به، فلم ننازع فيه بعد. ا. هـ. منه بلفظه. هذا الحديث أخرجه أبو داود في سننه في كتاب الفرائض - في باب الولاء، مع تغيير بسيط في الألفاظ لا يؤثر على المعنى. انظر مختصر وشرح وتهذيب سنن أبي داود، وقال المنذري: أخرجه النسائي وابن ماجه. وقوله: ولا ترثه أنثى إن لم تباشره ألخ .. حكى الحطاب عن سحنون الإجماع أنه لا ولاء لامرأة إلا من باشرت عتقه أو أعتقت من أعتقه، أو يكون ولدًا لمن أعتقت، وإن سفل من ولد الذكور خاصة. قال: ونص كلامه في المدونة: ولا يرث النساء من الولاء إلا ما أعتقن أو أعتق من أعتقن، أو ولد من أعتقن من ولد الذكور، ذكرًا كان ولد هذا الذكر أو أنثى. ا. هـ. وقال البغوي في شرح السنة: والمرأة لا ترث بالولاء إلا معتقها، أو ممن ينتمي إلى معتقها بولاء أو نسب حتى ترث من معتقها أو معتق معتقها وأولاد بني معتقها، كالرجل. وروي أن ابنة حمزة أعتقت عبدًا لها، فماث وترك ابنته ومولاته بنت حمزة، فقسم رسول الله ﷺ ميراثه بين ابنته ومولاته بنت حمزة نصفين. أخرجه ابن ماجه. تنبيهٌ: أخرج الشيخان عن عبد الله بن دينار أنه سع ابن عمر يقول: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الولاء وعن هبته. قال الإمام البغوي: اتفق أهل العلم على هذا، أن الولاء لا يباع ولا يوهب ولا يورث وإنما هو سبب يورث به كالنسب يورث به ولا يورث. قال: وكانت الجاهلية تبيع ولاء مواليها، فنهاهم نبي الله ﷺ عن ذلك. وزعم بعضهم أن السائبة يضعُ ولاءه حيث شاء، ولا يصح هذا، لأن الولاء كالنسب إذا استقر لم يزل، إلا ما استثناه الإجماع من جر الولاء. ا. هـ. وبالله تعالى التوفيق.

стр. 1608

كتاب الوصية بَابٌ: صَحَّ إيصَاءُ حُرٍّ مُمَيِّزٍ مَالِكٍ، وإنْ سَفِيهًا أوْ صَغيرًا (١)، وهل إِن لم يَتَنَاقَضْ قَوْلهُ؟ أوْ أوْصَى بقُرْبة؟ تَأويلان. وكَافِرًا إلا بِكَخَمْرٍ لِمُسْلِم، لمَنْ يصحُّ تَمَلُّكُهُ (٢)، كمَنْ سَيَكوُنُ إنْ اسْتَهَلَّ، وَوُزِّعَ لِعَدَده، بِلَفْظٍ أوْ إشَارَةٍ مُفْهِمَةٍ (٣). وقَبُولُ المُعَيَّن شَرْطٌ بَعْدَ الموْتِ (٤) فَالْمِلْكُ لهُ بِالمَوْتِ، وقومَ بِغَلَّة حَصَلَتْ بَعْدَه، ولَمْ يَحْتَجْ رِقٌّ لإِذْنٍ في قَبُولِهِ، كإيصَائِه بِعِتْقِهِ، وخُيِّرَتْ جَاريَةُ الْوَطْءِ، ولَهَا الانْتِقَالُ، وصحَّ لِعَبْدِ وَارثِهِ إن اتَّحَدَ أوْ بتافِهٍ أُريدَ بِهِ الْعَبْدُ، أحكام الوصية قال الحطاب: الوصية تمليك مضاف لما بعد الموت بطريق التبرع. ا. هـ. قال هذا تعريفها في الشامل، وأما اللباب فقد قال في تعريفها: تصرف المالك في جزء من حقوقه موقوف على موته، على وجه يكون له الرجوع فيه. ا. هـ. وقال ابن عرفة: الوصية في عرف الفقهاء عقد يوجب حقًا في ثلث عاقده يلزم بموته أو يوجب نيابة عنه بعده. ا. هـ. والأصل فيها كتاب الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (١). قال القرطبي: وليس في القرآن ذكر الوصية إلا في هذه الآية، وفي النساء؛ ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾ وفي المائدة: ﴿حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾ (٢). وقد جاءت السنة بالوصية أيضًا؛ ففي البخاري حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "مَا حَقُّ امْرِيءٍ مُسْلِم لَهُ شَيْءٌ يُوصَى فِيهِ يَبيتُ لَيْلَتَيْنِ إلا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ". وحكم الوصية الاستحباب لمن ترك مالًا كثيرًا إلا لمن عليه حقوق أو عنده ودائع لا بينة عليها، فإن الوصية تجب في حق هذا. والله تعالى أعلم. (١) قوله: صح إيصاء حر مميز مالك وإن سفيهًا أو صغيرًا ألخ. قال في المدونة: تجوز وصية ابن

стр. 1609

ولِمَسْجِدٍ، وصُرفَ في مَصَالِحِهِ، ولمَيِّتٍ عَلِمَ بِمَوتِهِ، فَفي ديْنِهِ أوْ وَارِثِهِ، ولِذِمِّيٍّ وقَاتِلٍ عَلِمَ المُوصِي بالسّبَبِ وإلَّا فَتأويلان. عشر سنين وأقل مما يقاربها، إذا أصاب وجه الوصية. وأخرج عبد الرزاق في مصنفه عن الثوري عن يحيى بن سعيد عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، أن عمرو بن سليم الغساني أوصى وهو ابن عشر، أو اثنتي عشرة، ببئر له قومت بثلاثين ألفًا، فأجاز عمر بن الخطاب وصيته. وله رواية أخرى قال: حدثنا ابن عيينة عن يحيى بن سعيد عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم بن عمرو بن سُليم الغساني قال: بلغ عمر أن غلامًا من غَسَّان يموت فقال. مروه فليوص، فأوصى ببئر حشم، فبيعت بثلاثين ألفًا، وهو ابن عشر سنين أو اثنتي عشرة، وقد قارب. وروى عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر عن الزهري قال: وصية الغلام جائزة إذا عقل. وروى الدارمي من طريق عبد الأعلى عن معمر عن الزهري أنه كان يقول: وصيته ليست بجائزة إلا بشيء ليس ذي بال، يعني الغلام قبل أن يحتلم. وروى الدارمي عن أبي الزناد عن عمر بن عبد العزيز أنه أجاز وصية ابن ثلاث عشرة سنة. وأخرج عبد الرزاق عن ابن جريج قال: أخبرني سليمان بن موسى أن عبد الملك قضى في غلام من أهل دمشق وصى فقال: إذا بلغ ثنتي عشرة سنة جازت وصيته، قال: فلم يزل يعمل بذلك ويقضي به، حتى كان عمر بن عبد العزيز فخشينا أن يرده، قضى به عمر بن عبد العزيز أيضًا، فلم يزل عليه بعد، قال: ولا علم أحدًا قضى به قبل عبد الملك. وفي الموطإ عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن أبيه أن عمرو بن سليم الزرقي أخبره أنه قيل لعمر بن الخطاب: إن ههنا غلامًا يفاعًا لم يحتلم من غسان ووارثه بالشام، وهو ذو مال وليس له ههنا إلا ابنة عم له، قال عمر بن الخطاب: فليوص لها، قال فأوصى لها بمال يقال له بئر جشم، بيع ملك المال بثلاثين ألف درهم. وابنة عمه التي أوصى لها هي أم عمرو بن سليم الزُّرقي. ا. هـ. وقال يحيى: سمعت مالكًا يقول: الأمر المجمع عليه عندنا أن الضعيف في عقله، والسفيه، والمصاب الذي يفيق أحيانًا، تجوز وصاياهم، إذا كان معهم من عقولهم ما يعرفون به ما يوصون به. أما من ليس له من عقله ما يعرف به ما يوصي به وكان مغلوبًا على عقله فلا وصية له ا. هـ. منه. =

стр. 1610

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = (٢) وقوله: لمن يصح تملكه ألخ. قال ابن شاس: الركن الثاني الموصى له. فلو أوصى لحمل امرأة فانفصل حيًا صحت الوصية. وقال مالك: تجوز الوصية للصديق الملاطف، ولا يصح له الإقرار بالدين. قال عبد الوهاب: والكل إخراج مال عن الورثة. ا. هـ. هذا، وقد اختلف العلماء في الوصية لمن تكون؟ وفي حكمها: أما حكمها فقد قال قوم بوجوبها؛ لحديث البخاري: "مَا حَقُّ امْريءٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ". استدلوا بظاهر هذا الحديث مع ظاهر آية البقرة على وجوب الوصية، وبه قال الزهري وأبو مجلز وعطاء وطلحة بن مصرف في آخرين، وحكاه البيهقي عن الشافعي في القديم، وبه قال إسحاق وداود، واختاره أبو عوانة وابن جرير. قال ابن حجر: ونسب ابن عبد البر القول بعدم الوجوب إلى إجماع سوى من شذَّ، قال: فلو كانت الوصية واجبة لما قسم مال لم يوص بين ورثته بالإجماع، ولوجب أن يخرج منه سهم ينوب عن الوصية، قالوا: فأما الآية، فإنها منسوخة، على ما قاله ابن عباس: كان المال للولد وكانت الوصية للوالدين، فنسخ الله ما أحب؛ فجعل لكل واحد من الأبوين السدس. الحديث. وأجابوا عن الحديث الذي احتجوا به للوجوب، بأنه المراد به الجزم والاحتياط، لأنه قد يفجؤه الموت وهو على غير وصية، ولا ينبغي لمؤمن أن يغفل عن ذكر الموت والاستعداد له، قالوا: ولو كانت الوصية واجبة لما علقها بالإرادة. ونقل ابن المنذر عن أبي ثور أن المراد بوجوب الوصية في الآية والحديث يختص بمن عليه حق شرعي يخشى أن يضيع على صاحبه إن لم يوص به، كوديعة أو دين لله أو لآدميٍّ، قال. ويدل لذلك تقييده بقوله: "لَهُ شَيْءٌ يُرِيدُ أنْ يُوصِيَ فِيهِ". قال. لأن فيه، إشارة إلى قدرته على تنجيزه ولو كان مؤجلًا، فإنه إذا أَرادَ ذلك ساغ له، وإن أراد أن يوصي به ساغ له، قال: وحاصل هذا القول يرجع إلى قول الجمهور من أن الوصية غير واجبة لعينها، وأن الواجب بعينه الخروج من الحقوق الواجبة للغير، سواء كان ذلك بتنجيز أو بوصية. قال ابن حجر في فتح الباري: فعرف من مجموع ما ذكرنا أن الوصية قد تكون واجبة وقد تكون مندوبة، لمن رجا منها كثرة الأجر، وقد تكون مكروهة في عكسه، وقد تكون مباحة لمن استوى الأمران فيه، وقد تكون محرمة إذا ما كان فيها إضرار، كما ثبت عن ابن عباس: "الإِضْرَارُ فِي الْوصِيَّةِ مِنَ

стр. 1611

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الْكَبَائِرِ". رواه سعيد بن منصور موقوفًا بإسناد صحيح، ورواه النسائي ورجاله ثقات. ا. هـ. منه بتصرف. وأما لمن تكون الوصية؟ فقد روى عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: من أوصى لقوم وسماهم، وترك ذوي قرابته محتاجين، انتزعت منهم وردت على ذوي قرابته، فإن لم يكن في أهله فقراء، فلأهل الفقراء من كانوا. وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري، قال: إذا أوصى لمساكين، بدئ بالمساكين من ذي قرابته، فإن أوصى لقوم وسماهم أعطينا من سمَّى له. وروى عبد الرزاق عن معمر وقتادة وابن المسيب مثل قول الزهري. وروي أيضًا عن أيوب عن ابن سيرين عن عبيد الله بن يعمر - قاض كان لأهل البصرة - قال: من أوصى فسمَّى أعطينا من سَمَّى، وإن قال: يضعها حيث أمر الله أعطينا قرابته. وقال القرطبي: قال قوم: الوصية للأقربين أولى من الأجانب؛ لنص الله تعالى عليهم، وقال الضحاك: إن أوصى لغير قرابته فقد ختم عمله بمعصية. وروي عن ابن عمر أنه أوصى لأمهات أولاده لكل واحدة بأربعة آلاف. رروي أن عائشة أم المؤمنين أوصت لمولاة لها بأثاث البيت. وروي عن سالم بن عبد الله بمثل ذلك. وقال مالك، والشافعي، وأبو حنيفة وأصحابهم، والأوزاعي، وأحمد بن حنبل: من أوصى لغير قرابته وترك قرابته محتاجين بئس ما صنع، وفعله مع ذلك جائز ماضٍ لكل من أوصى له؛ من غني وفقير، وبعيد، مسلم وكافر، وهو معنى ما روي عن ابن عمر، وعائشة. وهو قول ابن عمر وابن عباس. ا. هـ. منه. هذا، ولا يخفى ما في الوصية من فضل لمن أقضى الأمر فعلها منه، سواء للجواز أو الاستحباب أو الوجوب، وذلك لما ورد من الحث عليها، من ذلك حديث عبيد الله بن عمر بن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "مَا حَقُّ امْرِيءٍ مُسْلِمٍ أَنْ يَبِيتَ لَيْلَتَيْنِ وَلَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتوبَةٌ عِنْدَهُ". وما أخرجه ابن ماجه بسنده عن أنس بن مالك، قال قال رسول الله ﷺ : "الْمَحْرُومُ مَنْ حُرمَ وصِيَّتَهُ". =

стр. 1612

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = ومن ذلك ما أخرجه ابن ماجه أيضًا عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ مَاتَ عَلَى وَصِيَّةٍ مَاتَ عَلَى سَبِيل وَسُنَّةٍ، وَمَاتَ عَلَى تُقىً وَشَهَادَةٍ، وَمَاتَ مَغْفورًا لَهُ". ملحوظة: أخرج عبد الرزاق بسند عن أنس بن مالك، قال: كانوا يكتبون في صدر وصاياهم: بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما أوصى به فلان، إنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله ﷺ ، ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُور﴾ (١). وأوصى من ترك من من أهله أنْ يتَّقُوا اللهَ، ويُصلحوا ذاتَ بَيْنِهِمْ، وأن يُطيعوا اللهَ ورسولَه إنْ كانوا مؤمنين. وأوصاهم بِمَا أوصى به إبراهيم بنيه ويعقوب: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٢). وأخرج عبد الرزاق عن الثوري قال: سمعت أبي يذكر وصية ربيع بن خيثم: هذا ما أقر به ربيع بن خيثم على نفسه وأشهد الله عليه، وكفى بالله شهيدًا، وجازيًا لعباده الصالحين ومثيبًا، بأني رضيت بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ نبيًا، فأوصي نفسي ومَن أطاعني بأن أعبده في العابدين، وأن أحمده في الحامدين، وأن أنصح لجماعة المسلمين. ا. هـ. منه. (٣) وقوله: بلفظ أو إشارة مفهمة، قال ابن عرفة: الصيغة، ما دل على معنى الوصية، فيدخل اللفظ والكتب والإشارة، وقال مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "مَا حَقُّ امْرِيءٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ، يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَ رَأْسِهِ". وقال ابن شأس: كل لفظ فهم منه قصد الوصية بالوضع أو بالقرينة حصل إلى اكتفائه. ا. هـ. من الحطاب. وقد ترجم البخاري في باب الوصية. قال: باب إذا أومأ المريض برأسه إشارة بينة جازت. ا. هـ. وقال القرطبي: قال العلماء المبادرة بكتب الوصية ليست مأخوذة من هذه الآية، يعني آية الوصية من البقرة، وإنّما هي من حديث ابن عمر، وفائدتها، المبالغة في زيادة الاستيثاق، وكونها مكتوبة مشهودًا بها، وهي الوصية المتفق على العمل بها. ا. هـ. منه. (٤) وقوله؛ وقبول المعين شرط بعد الموت قال في المدونة: وإذا مات الموصى له بعد موت الموصي فالوصية لورثه الموصى له، علم بها أم لا، ولهم أن يقيموها كشفعة أو خيار في بيع ورثوه. ا. هـ.

стр. 1613

وبَطَلَتْ بِردَّتِهِ، وإيصَاءٍ بِمَعْصِيَةٍ، ولِوَارِثٍ (١)، كَغَيْره بِزَائدٍ عَنِ الثُّلُثِ (٢) يَوْمَ التَّنْفِيذِ، وإن أُجيزَ فَعَطِيَّةٌ، ولَوْ قَالَ إن لمْ يُجِيزوُا فَلِلْمَسَاكِينِ، بِخلاف العَكْسِ، وبِرُجُوع فِيهَا (٣) كان بِمَرَضٍ، بِقَوْلٍ أو بَيْع وعِتْقٍ وكِتَابَةٍ وإيلَادٍ، وحَصْد زَرْع ونَسْجِ غَزْلٍ، وصَوْغ فِضَّةٍ، وحَشْوِ قُطْنٍ، وذَبْح شَاةٍ، وتَفْصِيل شُقّةٍ، وإيصَاءٌ بمرضٍ أو سَفَرٍ انْتَفَيَا. قال إن مِتُّ فِيهِمَا وإن بكتاب ولم يخرجه أو أخرجه ثم اسْتَرَدَّهُ بعدهما. ولوْ أطْلقَهَا، لا إن لمْ يسْتَرِدَّه، أو قال: مَتى حدث الموت، أو بَنَى الْعَرْصَةَ وَاشْتَركَا، كإيصَائه بِشَيْءٍ لِزَيْدٍ ثُمَّ لِعَمْرٍو، ولَا بِرَهْنٍ وتَزْويج رَقِيقٍ وتَعْلِيمِهِ وَوَطْء، ولا إنْ أوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ فباعَهُ، كثِيَابِهِ، واسْتَخْلَفَ غَيْرَهَا، أو بثَوْبِ فبَاعَهُ ثمَّ اشْتَراهُ بِخلَافِ مِثْلِهِ، ولَا إنْ جَصَّصَ الدّارَ أوْ صَبَغَ الثوْبَ أوْ لَتَّ السَّويقَ فَلِلْمُوصَى لَهُ بِزيادَتهِ وفي نُقْضِ العَرْصَةِ قَوْلَانِ. وإنْ أوْصَى بوَصيةٍ بَعْدَ أُخْرى فَالْوَصِيتَانِ كنَوْعَيْنِ، قال الحطاب: ونحو هذا في كتاب الوصايا الثاني، قال عياض: هذا بين لأن مذهبه في الكتاب أنها لا تحتاج إلى قبول الموصى له قبل موته ولا علمه، لأن قبولها حق يورث عنه. ا. هـ. وعبارة المصنف ظاهرها أنه إذا مات الموصى له قبل قبول الوصية لم يكن لورثته قبولها، وهو خلاف مذهب المدونة كما علمت، فإذا تبين أنه لم يكن في الموضوع إلا الاجتهاد، فاعلم أن جمهور العلماء على أن الوصية لا تملك إلا بالقبول، إذا كانت لمعين يمكن القبول منه؛ لأنها تمليك مال لمن هو من أهل الملك متعين، فاعتبر قوله كالهبة والبيع. أما إذا كانت لغير معين، لزمت بمجرد الموت، والله الموفق. (١) وقوله: وبطلت بردته وإيصاء بمعصية ولوارث، أما بطلان وصيته إن ارتد فهي من عمله، والله تعالى يقول: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾. الآية. قال الحطاب: وفي المسائل الملقوطة، وبطلت الوصية بموت الموصى له قبل موت الموصي، وبالرجوع فيها بالقول والفعل، وبالردة من أحدهما، أو بقتل الموصى له الموصي. ا. هـ. منه. ونقل المواق عن بهرام: وبطلت بردة الموصي إن مات على ذلك، وإلا فإن تاب وكانت مكتوبة صحت. قال في المدونة: إذا قتل المرتد على ردته بطلت =

стр. 1614

ودَرَاهِمَ وسَبَائِك وذهَب وفِضَّةٍ، وإلَّا فَأكثَرُهُمَا وإنْ تَقَدَّمَ. وإنْ أوْصَى لِعَبْدِهِ بِثُلُثُه عَتَقَ إنْ حَمَلهُ الثُّلُثُ وأخَذَ باقِيَهُ وإلَّا قُوِّمَ في مَالِهِ. ودخل الفَقِيرُ في المِسْكِينِ كَعَكْسِهِ، وفي الأقَارِبِ والأرْحَامِ والأهْلِ أقارِبُهُ لأمِّهِ إن لَمْ يكُنْ أقَارِب لأبٍ، والوارث كغيره بِخِلَافِ أقارِبِه هُوَ، وأُوثرَ المُحْتاجُ الأبْعَدُ إلَّا لِبَيَانٍ، فيُقَدَّمُ الأخُ وابْنُهُ على الجَدِّ ولا يُخَصُّ، والزَّوْجَةُ في جِيرانِهِ. لَا عَبْدٌ مع سَيِّدهِ، وفي وَلدٍ صَغِيرٍ وبكر قَوْلَانِ. والحَمْلُ في الْجَارِيةِ إنْ لَمْ يَسْتثْنِهِ، والأسْفَلُونَ في الْمَوالِي والحَمْلُ في الْوَلَدِ، والمُسْلِمُ يَوْمَ الوَصِيَّة في عَبيدِه المُسْلِمين؛ لا المَوالي في تَمِيمٍ أو بَنيهِمْ ولَا الْكافِرُ في ابْنِ السَّبِيلِ ولَمْ يلْزَمْ تَعْمِيمٌ كَغُزَاةٍ، واجْتَهَدَ كزيْدٍ مَعَهُمْ وَلا شيْءَ لِوَارِثه قَبْلَ القَسْم. وضُرِبَ لمجْهُولٍ فَأكْثَر بالثّلُثِ. = وصاياه قبل الردة وبعدها. ا. هـ. وقال ابن عرفة: الموصى به كل ما يملكه من حيث الوصية به، فتخرج الوصية بالخمر وبالمال فيما لا يحل صرفه فيه. ا. هـ. ويمكن الاستدلال لهذا الفرع بقوله ﷺ : "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدِّ". متفق عليه. وأما بطلان الوصية للوارث، فدليل بطلانها ما رواه عبد الرازق عن معمر عن مطر الوراق عن شهر بن حوشب عن عمرو بن خارجة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ"؛ قال القرطبي: وأخرجه الترمذي من رواية أبي أمامة بلفظ: "إِنَّ اللهَ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ". وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال الخرقي: ولا وصية لوارث إلا أن يجيز الورثة ذلك. وقال ابن قدامة: إذا وصى الإِنسان لوارثه بوصية، فلم يجزها الورثة، لم تصح، بغير خلاف بين العلماء. قال ابن المنذر وابن عبد البر: أجمع أهل العلم على هذا، وجاءت الأخبار عن رسول الله ﷺ ، فذكر حديث أبي أمامة آنف الذكر، وقال: رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي. ا. هـ. منه.

стр. 1615

وَهَل يُقْسَمُ عَلَى الحِصَصِ؟ قَوْلَان. والمُوصَى بِشِرائِهِ لِلْعِتْقِ يُزادُ لِثُلُثِ قيمَتِهِ ثُمَ اسْتُؤْنيَ ثُمً وُرِثَ، وَبِبَيْعٍ مِمَن أحَبَّ بَعْدَ النّقْصِ والإِبايَةِ، واشْتَراءٍ لفُلَانٍ وأبَى بُخْلًا بَطَلَتْ، ولِزيادَةٍ فَلِلْمُوصَى لَهُ، وبِبَيْعِهِ لِلْعِتْقِ نُقِّصَ ثُلُثُه وَإلَّا خُيِّرَ الْوَارِثُ في بَيْعِهِ أوْ عِتْقِ ثُلُثِهِ أوْ الْقَضَاءِ بِهِ لِفُلَانٍ في لهُ، وبِعِتْقِ عَبْدٍ لَا خْرُجُ مِنْ ثُلُثِ الْحَاضِر وُقِفَ إنْ كَانَ لِأشْهُرٍ يَسِيرةٍ وإلَّا عُجِّلَ عِتْقُ ثُلُثِ لْحَاضِرِ ثُمَّ تُمِّمَ مِنْهُ ولَزِمَ إجَازَةُ الْوَارِثِ بِمَرَضٍ لَمْ يَصِحَّ بَعْدَهُ إلا لِتَبَيُّنِ عُذْرٍ لكوْنِهِ في نَفَقَتِهِ أوْ دَيْنِهِ أوْ سُلْطَانِهِ إلَّا أَنْ يَحْلِفَ مَنْ يَجْهَلُ مِثْلُهُ أنَّهُ جَهلَ أنَّ له الرَّدَّ لا بصِحَةٍ ولوْ بكَسَفَرٍ. (٢) وقوله: كغيره بزائد الثلث: مراده أن الوصية لغير الوارث تلزم في الثلث، وأنها باطلة فيما زاد يلى الثلث، إلا إذا أجازها الوارث، وإن رد الوارث ما زاد على الثلث بطل في قول جميع أهل العلم، الأصل في ذلك قول النبي ﷺ لسعد بن أبي وقاص حين قال: أوصي بمالى كله؟ قال: "لَا" قال: بالثلثين؟ قال:، "لَا" قال: بالنصف؟ قال: "لَا" قال: فبالثلث؟ قال: "الثُّلُثُ، وَالثلُثُ كَثِيرٌ". قال أبو عمر في التمهيد: هذا حديث اتفق أهل العلم على صحة إسناده، وجعله جمهور الفقهاء أصلًا في مقدار الوصية، وأنه لا يتجاوز بها الثلث، إلا أن في بعض ألفاظه اختلافًا عند نقلته، فمن ملك أن ابن عيينة قال فيه: عن ابن شهاب عن عامر بن سعد عن أبيه: مرضت عام الفتح؛ وانفرد بذلك عن ابن شهاب فيما علمت. وقد روينا هذا الحديث من طريق معمر ويونس بن يزيد، وعبد العزيز بن أبي سلمة، ويحيى بن سعيد الأنصاري وابن أبي عتيق وإبراهيم بن سعد، فكلهم قال فيه عن ابن شهاب عام حجة الوداع، كما قال مالك. قال: ولم يختلف أحد عن ابن شهاب، لا ابن عيينة ولا غيره، أنه قال فيه: (أفأتصدق) بمالي كله، أو بثلثي مالي؟ ولم يقل: أفأوصي؟ قال: فإن صحت هذه اللفظة التي هي قوله: أفأتصدق، كان في ذلك حجة قاطعة لما ذهب إليه مالك، والليث، والأوزاعي، والثوري، والشافعي، وأبي حنيفة وأصحابه، وأحمد، وعامة أهل الحديث والرأي. وحجتهم حديث عمران بن حصين في الذي أعتق ستة أعبد له في مرضه لا مال له غيرهم، ثم توفي، فأعتق رسول الله ﷺ منهم اثنين وأرقّ أربعة. =
следующие страницы →