سجود السهو
فصل:
سُنَّ لِسَهْوٍ - وَإنْ تَكَرَّرَ - بِنَقْصِ سُنَةٍ مؤَكَّدَةٍ، أوْ مَعَ زِيادَةٍ، سَجْدَتَانِ قَبْلَ سَلَامِهِ (١). وبالْجَامِعِ فِي الجُمُعَةِ، وأَعَادَ تَشَهُّدَه (٢)؛ كَتَرْكِ جَهْرٍ وَسُورةٍ بِفَرْضٍ، وتَشَهُدَيْنِ (٣)، وإلَّا فَبَعْدَهُ. كمُتمٍّ لِشَكٍّ وَمُقْتَصِرٍ عَلَى شَفْعٍ شَكٍّ؛ أهُوَ بِهِ أَو بِوِتْرٍ؟. أَوْ تَرْكِ سِرٍّ بِفْرضٍ (٤) أَو اسْتَنْكَحَهُ الشَّكُّ، ولَهِيَ عَنْهُ (٥)، كَطُولٍ بِمَحَلٍّ لم يُشْرَعْ فيهِ عَلَى الأَظْهَرِ.
(١) قوله: من لسهو وإن تكرر بنقص سنة مؤكدة أو مع زيادة سجدتان قبل سلامه؛ أما دليل سجود الركعتين من أجل السهو، فهو حديث أبي هريرة المتفق عليه؛ أن رسول الله ﷺ قال: "إنَّ أحَدَكُمْ إذَا قَامَ يُصَلِّي جَاءَهُ الشَّيْطَانُ فَلَيَّسَ عَلَيْهِ حَتَّى لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى، فَإذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ ذلِكَ فَليَسْجُدْ سَجْدَتَينِ وَهُوَ جَالِسٌ". قال البغوي: أخرجه البخاري عن عبد الله بن يوسف، وأخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى، كلاهما عن مالك. ا. هـ.
وأما دليل أن الزيادة إن كانت لنقص سنة مؤكدة تكون قبل السلام، فهو حديث عبد الله بن بحينة المتفق عليه أنه قال: إن رسول الله ﷺ قام من اثنتين من الظهر فلم يجلس فيهما، فلما قضى صلاته سجد سجدتين، ثم سلم بعد ذلك. ا. هـ. قال البغوي: هذا حديث متفق على صحته. أخرجه البخاري عن عبد الله بن يوسف وأخرجاه من طرق عن الأعرج. ا. هـ.
وأما الدليل على أن السهو إن تكرر في الصلاة لا يلزم منه إلا سجدتان فهو حديث أبي هريرة المتفق عليه، ولفظه عند البغوي: صلَّى لنا رسول الله؟ ﷺ صلاة العصر، فسلم من ركعتين فقام ذو اليدين فقال: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟. فقال رسول الله: "كُلُّ ذلِكَ لَمْ يَكُنْ" فقال: فقد كان بعض ذلك يا رسول الله. فأقبل رسول الله ﷺ على الناس فقال: "أصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ"؟. فقالوا: نعم. فأتم رسول الله ﷺ ما بقي من صلاته، ثم سجد سجدتين وهو جالس بعد التسليم. =
стр. 212
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= ا. هـ. قال البغوي: أخرجه مسلم عن قتيبة عن مالك، وأخرجاه من طرق عن ابن سيرين عن أبي هريرة.
قال البغوي: وفي الحديث دليل على أنه إذا سها في صلاة واحدة مرَّات أجزأته لجميعها سجدتان؛ وذلك أن النبي ﷺ سلم من ركعتين، وتكلم لم يزد على السجدتين، وهو قول عامة الفقهاء، عدا الأوزاعي. ا. هـ. منه بتصرف.
قلت: وهو جار على القاعدة الفقهية: إذا تعدد السبب واتحد الموجب اكتفي بموجب واحد. وقد عقده ميارة في التكميل فقال:
إن يتعدد سبب والموجَبُ … متحد كفى لهن موجب
(٢) وقوله: وأعاد تشهده: أي لقول عبد الرزاق في المصنف عن الثوري عن خصيف عن أبي عبيدة عن ابن مسعود أنه يتشهد في سجدتي السهو. ا. هـ.
وأخرجه ابن أبي شيبة عن ابن فضيل عن خصيف بهذا الإسناد من قول ابن مسعود. ا. هـ. تعليق الأعظمي على المصنف.
وفي مصنف عبد الرزاق أيضًا عن عبد الله بن كثير عن شعبة بن الحجاج عن الحكم أن عبد الرحمن ابن أبي ليلى وهم في صلاته، فسلم فسجد سجدتي السهو ثم سلم مرة أخرى، قال: سألت الحكم وحمادًا فقالا: يتشهد في سجدتي السهو. ا. هـ.
قال الأعظمي: أخرجه ابن أبي شيببة عن شبابة عن شعبة عن الحكم وحماد أنهما قالا: يتشهد في سجود السهو ثم يسلم. ا. هـ.
وأخرج البغوي بسنده عن عمران بن حصين أن رسول الله ﷺ صلى بهم فسها في صلاته، فسجد سجدتي السهو ثم تشهد ثم سلم. ا. هـ.
وهذا الحديث أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن غريب. ورواه أبو داود باب سجدتي السهو فيهما تشهد وتسليم. ورواه الحاكم وصححه على شرط الصحيحين. وصححه ابن حبان أيضًا. وفي التعليق على شرح السنة للبغوي ما نصه: وروى الطحاوي ١/ ٢٥٢ عن ربيع المؤذن عن يحيى بن =
стр. 213
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= حسان؛ حدثنا وهيب ثنا منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "إذَا صَلَّى أحَدُكُمْ فَلَمْ يَدْرِ أثلَاثًا صَلَّى أَمْ أَرْبَعًا، فَلْيَنْظُرْ أَحْرَى ذلِكَ إلَى الصَّوَابِ فَلْيُتِمَّهُ ثُمَّ لْيُسَلِّمْ ثُمَّ لْيَسْجُدْ سَجْدَتَيِ السَّهوِ وَيَتَشَهَّدْ وَيُسَلِّمْ" إسناده قوي. ا. هـ. منه بلفظه.
(٣) وقوله: كترك جهر وسورة بفرض وتشهدين؛ هي أمثلة لما يلزم من تركه سهوًا، السجود قبل السلام.
(٤) وقوله: وإلا فبعده كمتم لشك الخ. ذكر فيه أن السهو إن كان بزيادة في الصلاة لزم بموجبه سجود السهو بعد السلام، ودليله حديث علقمة عن عبد الله المتفق عليه، ولفظه عند البغوي: عن عبد الله أن رسول الله ﷺ صلى الظهر خمسًا، فقيل له: أزيدت الصلاة؟. فقال: "وَما ذَاكَ"؟. قالوا: صليت خمسًا فسجد سجدتين بعد ما سلم. ا. هـ.
وهذا الحديث أخرجه البخاري في السهو، ومسلم، باب السهو في الصلاة. وأخرجه أبو داود في الصلاة، باب إذا صلى خمسًا، وأخرجه الترمذي في الصلاة؛ باب ما جاء في سجدتي السهو بعد السلام والكلام. وأخرجه النسائي في إقامة الصلاة، باب من صلى الظهر خمسًا وهو ساهٍ. والله الموفق.
وقوله: كمقتصر على شفع شك أهو به أو بوتر؟. هو لما في المدونة: وقال مالك فيمن صلى نافلة ثلاث ركعات ساهيًا، فإنه يضيف إليها ركعة أخرى ويسجد لسهوه إذا فرغ من الرابعة، وإن ذكر قبل أن يركع في الثالثة قعد وسلم وسجد بعد السلام. ومحل الشاهد منه، وان كان قول المختصر فيمن شك في قدر ما صلى، والمثال هنا فيمن تيقن الزيادة، فمحل الشاهد أن حكم السهو في النافلة والفرض سوا، وقد علمت أن الحكم في ذلك البناء على اليقين والإتمام بموجب ذلك، ثم سجود السهو بعد ذلك، وقد نص في المدونة على ذلك. قال: وقال مالك في السهو: في التطوع والمكتوبة سواء في ذلك. ا. هـ. منه.
وقوله: أو ترك سر بفرض؛ دليله ما في مصنف عبد الرزاق عن الثوري قال: إذا قمت فيما يجلس فيه، أو جلست فيما يقام فيه، أو جهرت فيما يخافت فيه، أو خافت فيما يجهر فيه ناسيًا، سجدت سجدتي السهو. ا. هـ. محل الغرض منه. والله الموفق. =
стр. 214
وَإنْ بَعْدَ شَهْرٍ (١)، بإحْرَامٍ وَتَشَهُّدٍ وَسَلَامٍ جَهْرًا (٢)، وَصَحَّ إن قُدِّمَ أَوْ أْخِّرَ لَا إنْ اسْتَنْكَحَهُ السَّهْوُ ويُصْلِحُ (٣).
= (٥) وقوله: أو استنكحه الشك ولهي عنه: أي وإن كان استنكحه الشك بالنقص؛ بأن دام عليه حصوله كل يوم ولو مرة، سجد لهذا السهو بعد السلام، ووجب عليه الإعراض عنه، وأن يبني على التمام، وسجد بعد السلام إرغامًا للشيطان لا يدفع إلا ذلك، ودليله ما في مصنف عبد الرزاق عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: إن صليت المكتوبة فشككت عدت، ثم شككت؟. قال: فلا تَعُدْ. قال: فقلت: إني استيقنت إني صليت خمس ركعات. قال: فلا تَعُدْ وإن صليت عشر ركعات، فاسجد سجدتي السهو. ا. هـ.
وعن عبد الرزاق عن ابن عيينة عن مسعر، قال: قلت لمحارب بن دثار: سمعت عبد الله بن عمر يقول: احص الصلاة ما استطعت ولا تعد. قال: نعم. ا. هـ. قال الأعظمي: وأخرجه ابن أبي شيبة عن وكيع عن سفيان الثوري عن محارب قال: سمعت ابن عمر يقول: احص ما استطعت ولا تعد. ا. هـ. منه.
(١) وقوله: وإن بعد شهر؛ هو لما في المدونة: وقال مالك فيمن وجب عليه سجود السهو بعد السلام فترك أن يسجدهما - نسي ذلك - فليسجدهما ولو بعد شهر متى ما ذكر ذلك. ا. هـ. منه.
قلت: والفرق بينه وبين سجود القبلي؛ لأن هذا من الصلاة فتبطل بتركه حتى قام من مجلسه وحصل الطول، وأما البعدي فإنه ليس من الصلاة؛ وإنما شرع لإرغام الشيطان، لذلك يسجده المرء متى ما تذكره، لأن الحكمة فيه حاصلة في كل وقت. والله الموفق.
(٢) وقوله: بسلام وإحرام وتشهد جهرًا؛ هو لحديث أبي هريرة عند البيهقي في قصة حديث ذي اليدين وفيه: فصلى بنا رسول الله ﷺ ركعتين، ثم سلم ثم كبر فسجد، ثم كبر ففرغ ثم كبر فسجد كسجوده الأول أو أطول، ثم كبر فرفع قال محمد: وأخبرت عن عمران بن حصين أنه قال: وسلم. قال البيهقي: رواه مسلم عن عمر الناقد، وزهير بن حرب عن سفيان. اهـ. منه.
(٣) وقوله: وصح إن قدم أو أخر، لا إن استنكحه السهو؛ أما بالنسبة لصحة تقديم سجود البعدي وتأخير سجود القبلي، فهو لما في المدونة من فتوى مالك؛ قال: وإن كان ذكر أنه لم يسجد لسهوه =
стр. 215
أَوْشَكَّ؛ هَلْ سَها أَو سَلَّمَ (١) أَوْ سَجَدَ وَاحِدَةً فِي شَكِّهِ فِيهِ؟ هَلْ سَجَدَ اثَنَتيْنِ (٢) أَوْ زادَ سُورَةً فِي أُخْرَيَيْهِ، أوْ خَرَجَ مِنْ سُورَةٍ لغَيْرِهَا (٣) أوْ قَاءَ غَلَبَةً أوْ قَلَسَ (٤)؟. وَلا لِفَريضَةٍ (٥) وَلَا غَيْرِ مُؤكَّدَةٍ؛ كَتَشَهُّدٍ وَيَسيرِ جَهْرٍ وإعْلَانٍ بِكَآيَةٍ، وإعَادَةِ سُورَةٍ فَقَطْ لَهُمَا، ولتكبيرَةٍ (٦)، وَفِي إبْدَالِهَا بِسَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ أَوْ عَكْسِهِ تَأوْيلَانِ (٧)، وَلا لإدَارَةِ مُؤتَمٍّ (٨) وإِصْلَاحِ رِدَاءٍ أَوْ سُتْرَةٍ سَقَطَتْ، أَو كمَشْيِ الصَّفَّيْنِ لِسُتْرَةٍ أَوْ فُرْجَةٍ، أَوْ دَفْعِ مَارٍّ، أَو ذهَابِ دابَّتِهِ (٩) وَإنْ بِجَنْبٍ، أَوْ قَهْقَرةٍ وَفَتْحٍ عَلى إِمَامِهِ إِن وَقَفَ، وسَدَّ فِيهِ لتَثَاؤبٍ (١٠) ونَفْثٍ بثَوْبٍ لِحَاجَةٍ كَتَنَحْنُحٍ (١١)، والمخْتَارُ عَدَمُ الإبْطَالِ بِهِ لِغَيْرِهَا، وتَسْبِيحُ رَجُلٍ أو امْرَأَةٍ لِضَرُورَةٍ (١٢) ولَا يُصَفَّقْنَ، وَكَلَامٍ لإِصْلَاحِهَا بَعْدَ سَلَامٍ (١٣).
= بحضرة ما سلم، وسهوه الذي وجب عليه قبل السلام، فليسجدهما وليسلم وتجزئان عنه، بمنزلة رجل قام من أربع ثم ذكر فليرجع جالسًا وليسلم وليسجد. اهـ. منه. هذا في تأخير القبلي. وفيها في موضع آخر، قلت لابن القاسم: فإن وجب على رجل سجود السهو بعد السلام فسجدهما قبل السلام؟. قال: لا أحفظ عن مالك فيه شيئًا وأرجو أن يجزئ عنه. ا. هـ.
وقوله: لا إن استنكحه السهو، فقد تقدم قريبًا عند قول المصنف: أو استنكحه الشك ولهي عنه، فأغنى عن إعادته. والله الموفق.
وقوله: ويصلح؛ أي إن أمكنه إصلاح ذلك؛ كسهوه عن سجدة تذكرها قبل عقد التي تليها مثلًا. ا. هـ.
(١) وقوله: أو شك هل سها أو سلم، ودليل عدم السجود على ست شك هل سلم، فتوى المدونة: قلت أرأيت من شك في سلامه ولم يدر أسلم أو لم يسلم في آخر صلاته، هل عليه سجدتا السهو؟. قال: لا. قلت: ولمَ والسلام من الصلاة؟. قال: لأنه إن كان قد سلم فسلامه لغير شيء، وإن كان لم يسلم فسلامه هذا يجزئه ولا شيء عليه غير ذلك. قلت: وهذا قول مالك؟. قال: لا أحفظ هذا عن مالك. ا. هـ منه. =
стр. 216
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= (٢) وقوله: أو سجد واحدة في شكه فيه. هل سجد اثنتين؟. هو أيضًا لما في المدونة: وقال مالك فيمن سها في سجدتي السهو فلم يدر أواحدة سجد أو اثنتين: إنه يسجد الأخرى لأن واحدة قد أيقن بها، ولا شيء عليه ويتشهد ويسلم، ولا يسجد لسهوه في سجدتي السهو. ا. هـ.
(٣) قوله: أو زاد سورة في أخرييه أو خرج من سورة لغيرها؛ دليل جواز زيادة سورة في الأخريين؛ ما أخرجه البيهقي وقال: أخرجه البخاري في الصحيح عن محمد بن يوسف عن الأوزاعي، وأخرجه مسلم من وجه آخر عن يحيى. وروينا عن أبي عبد الله الصنابحي أنه سمع أبا بكر الصديق ﵁ قرأ في الثالثة من المغرب بأم القرآن وقوله تعالى: (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) (١).
أما ما قال البيهقي أنه أخرجه الشيخان؛ هو حديث عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه أن رسول الله ﷺ كان يقرأ بأم القرآن وسورتين معها، في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر وصلاة العصر، ويسمعنا الآية أحيانًا وكان يطيل الركعة الأولى. ا. هـ.
وهذا الحديث بعينه حجة أيضًا لقول المصنف: ويسير جهرٍ و إعلان بكآية. والله الموفق.
(٤) وقوله: أو قاء غلبة أو قلس؛ قد تقدم لك أنه ليس بناقض للوضوء عندنا، وقد جعله عبد الرزاق مثل الرعاف في جواز البناء به. قال عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: القيء والرعاف صواء يتوضأ منهما، وإن لم يتكلم. والله تعالى أعلم.
(٥) وقوله: ولا لفريضة؛ هو لفتوى مالك أن من سها عن فريضة وأمكن تداركها قبل عقد الركعة التي تليها، وإلا ألغى الركعة التي سها فيها. ونص المدونة: وكان مالك يقول إذا ركع وقد نسي سجدة من الركعة التي قبلها ترك ركوعه هذا الذي هو فيه وخر ساجدًا لسجدته التي نسي من الركعة التي قبلها قبل هذا الركوع ما لم يرفع رأسه. وكان يقول: عقد الركعة رفع الرأس من الركوع. ا. هـ. منه.
(٦) وقوله: ولا غير مؤكدة كتشهد ويسير جهر وإعلان بكآية و إعادة سورة فقط لهما ولتكبيرة؛ هو لفتوى مالك في المدونة، قال فيها: وقال مالك فيمن نسي التشهد، قال: أرى ذلك خفيفأ. قال: =
стр. 217
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وإن سلم وذكر ذلك وهو قريب فرجع فتشهد مكانه وسلم لم أر بذلك بأسًا. قال: ولم يكن يراه نقصًا في الصلاة. قال: وإن تباعد ذلك لم أرَ أنْ يسجد، وأما عدم السجود لتكبيرة، فقد جعله البيهقي عنوانًا في سننه قال: باب من ترك شيئا من تكبيرات الانتقال: لم يسجد سجدتي السهو.
وقال مالك في المدونة: إن نسي تكبيرة واحدة أو نحو ذلك، رأيته خفيفًا ولم أر عليه شيئًا. ا. هـ. منه.
(٧) وقوله: وفي إبدالها بِسَمِعَ الله لِمَن حَمِدَهُ، أو عكسه تأويلان؛ قال في المدونة: سمعته يقول بعد ذلك في الإمام إذا جعل موضع "سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، اللهُ أَكْبَرُ" أو موضع "اللهُ أَكْبَرُ، سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ". قال: أرى أن يرجع فيقول الذي كان عليه، فإن لم يرجع حتى يمضي سجد سجدتي السهو قبل السلام، ثم قال بعد ذلك في المدونة: وقال مالك: من نسي سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. قال: أرى ذلك خفيفًا بمنزلة من نسي تكبيرة أو نحوها. ا. هـ.
فهذا وجه اختلاف التاويلين والله أعلم.
(٨) قوله: ولا لإدارة مؤتم؛ دليله حديث ابن عباس المتفق عليه ولفظه عند البغوي: عن ابن عباس قال: بتُّ عند خالتي فقام النبي ﷺ يصلي من الليل، فقمت أصلي معه. فقمت عن يساره فأخذ برأسي فأقامني عن يمينه. قال البغوي: هذا حديث متفق على صحته. أخرجاه من أوجه عن ابن عباس. قال عطاء عن ابن عباس: فأخذني بيمينه فأدارني من ورائه فأقامني عن يمينه. اهـ. منه.
(٩) وقوله: أو كمشي الصفين لسترة أو فرجة، أو دفع مار أو ذهاب دابته، وإن بجنب أو قهقرة؛ دليل المشي ما أخرجه ابن خزيمة. باب الرخصة في المشي في الصلاة عند العلة تحدث؛ أخبرنا أبو طاهر، حدثنا أبو بكر، حدثنا أحمد بن عبدة، أخبرنا حماد يعني ابن زيد، حدثنا الأزرق بن قيس أنه رأى أبا برزة الأسلمي يصلي وعنان دابته بيده، فلما ركع انفلت العنان من يده وانطلقت الدابة قال: فنكص أبو برزة على عقبيه، ولم يلتفت حتى لحق بالدابة، فأخذها ثم مشى كما هو ثم أتى مكانه الذي صلى فيه، فقضى صلاته فأتمها ثم سلم. قال: إني قد صحبت رسول الله ﷺ في غزو كثير - حتى عد غزوات - فرأيت من رخصه وتيسيره، وأخذت بذلك، ولو أني تركت دابتي حتى تلحق بالصحراء، ثم انطلقت شيخًا كبيرًا أخبط الظلمة كان أشد عليَّ. ا. هـ. منه. وهذا أخرجه البخاري من طريق الأزرق بن قيس. =
стр. 218
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وأخرج ابن خزيمة أيضًا من حديث أنس بن مالك الأنصاري أن المسلمين بينما هم في صلاة الفجر من يوم الاثنين، وأبو بكر يصلي بهم، لم يفجأهم إلا رسول الله ﷺ قد كشف ستر حجرة عائشة، فنظر إليهم وهم صفوف في الصلاة ثم تبسم فضحك، فنكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف، وظَنَّ أن رسول الله ﷺ يريد أن يخرج إلى الصلاة، فأشار إليهم رسول الله ﷺ بيده أن أتمُّوا صلاتكم. ا. هـ. وهذا الحديث أخرجه البخاري من طريق عقيل. ا. هـ.
وأما المشي في الصلاة لسترة، فهو لدليل ما أخرجه الطبراني والحاكم، وصححه ووافقه الذهبي؛ أن رسول الله ﷺ كان يصلي إذ جاءت شاة تسعى بين يديه، فساعاها حتى ألزق بطنه بالحائط، فمرت الشاة من ورائه. وبالله التوفيق.
(١٠) وقوله: وسدّ فيه لتثاؤب؛ فإن جواز سد الفم للتثاؤب وارد بما أخرجه ابن خزيمة في صحيحه: أنا أبو طاهر، نا أبو بكر، ثنا أحمد بن عبدة، ثنا عبد العزيز - يعني الدراوردي - عن سهيل عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: "إذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسُدَّ بِيَدِهِ فَاهُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ". وهذا الحديث أخرجه مسلم في الزهد من طريق الدراوردي. اهـ.
(١١) وقوله: ونفث بثوب لحاجة كتنحنح؛ دليل جواز التنحنح في الصلاة، هو ما أخرجه ابن خزيمة في صحيحه، عن عبد الله بن نجي الحضرمي، عن أبيه قال: قال عليٌّ: كانت لي من رسول الله ﷺ منزلة لم تكن لأحد من الخلائق، إنِّي كنت أجيئه، فأسلم عليه حتى يتنحنح فأنصرف إلى أهلي.
وقوله قبل: وإصلاح ردائه؛ الدليل على جواز إصلاح اللباس في الصلاة هو ما أخرجه ابن خزيمة في صحيحه باب: الرخصة في إصلاح المصلي ثوبه في الصلاة، ثم ساق سندًا إلى وائل بن حجر قال: كان رسول الله ﷺ إذا دخل في الصلاة رفع يديه ثم كبَّر، ثم التحف ثم أدخل يديه في ثوبه، ثم أخذ شماله بيمينه ثم ذكر الحديث. ا. هـ. منه.
وهذا الحديث أخرجه مسلم من طريق محمد بن جحاوة وفيه: ثم التحف بثوبه. كذا ذكره الأعظمي في التعليق على ابن خزيمة. =
стр. 219
وَرَجَعَ إمَامٌ فَقَطْ لِعَدْلَيْنِ إن لمْ يتيقن إِلَّا لِكَّثْرَتِهِمْ جِدًّا (١)، ولَا لِحَمْدِ عَاطِسٍ أوْ مُبَشِّرٍ، وَنُدِبَ تَرْكُهُ (٢) وَلَا لِجَائِزٍ كَإْنصَاتٍ قَلَّ لِمُخْبِرٍ، وَتَرْوِيحُ رِجْلَيْهِ، وَقتْلِ عَقْرَبٍ تُرِيدُهُ (٣)، وإِشَارَةٍ لِسَلَامٍ أوْ حَاجَةٍ (٤).
(١٢) وقوله: وتسبيح رجل أو امرأة لضرورة؛ شرعية التسبيح في الصلاة للضرورة دليلها ما أخرجه في المصنف: عبد الرزاق عن معمر عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن أسلم قال: عطس رجل في الصلاة فقال له أعرابي إلى جنبه: رحمك الله. قال الأعرابي فنظر إليّ القوم فقلت: واثكلاه، ما بالهم ينظرون إليّ!!. فضربوا بأكفهم على أفخادهم، فلما قضى النبي ﷺ صلاته دعاني، فقال الأعرابي: بأبي وأمي، ما رأيت معلمًا قط خيرًا منه والله، فقال: والله ما كهرني ولا شتمني فقال: "إنَّ الصلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ إنَّمَا هُوَ تَسْبِيحٌ وَتَكْبِيرٌ وَتَهْلِيلٌ وَقِرَاءَةُ الْقُرآنِ" أو كما قال رسول الله ﷺ . ا. هـ.
(١٣) وقوله: وكلام لإصلاحها بعد سلام؛ دليله حديث ذي اليدين رواه أبو هريرة ولفظه عند الدارمي: أخبرنا يزيد بن هارون، أنا ابن عون عن محمد عن أبي هريرة قال: صلى رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشيِّ، فصلى ركعتين، ثم سلم وقام إلى خشبة معترضة في المسجد فوضع يده عليها، قال يزيد: أرانا ابن عون؛ ووضع كفيه إحداهما على ظهر الأخرى، وأدخل أصابعه العليا في السفلى، وقام كأنه غضبان، قال: فخرج السرعان من الناس وجعلوا يقولون: قصرت الصلاة، قصرت الصلاة. وفي القوم أبو بكر وعمر فلم يتكلما، وفي القوم رجل طويل اليدين يسمى ذا اليدين فقال: يا رسول الله أنسيت الصلاة أم قصرت؟. فقال: "مَا نَسِيتُ وَمَا قُصِرَتِ الصَّلَاةُ"، فقال: "أَوَ كَذلِكَ؟." قالوا: فعم. قال: فرجع فأَتمَّ ما بقي، ثم سلِّم وكبر فسجد طويلًا ثم رفع رأسه فكبر وسجد مثل ما سجد، ثم رفع رأسه وانصرف. ا. هـ. وبالله تعالى التوفيق.
(١) وقوله: ورجع إمام فقط لعدلين؛ دليل رجوع الإمام لخبر العدول في أمر الصلاة، هو حديث ذي اليدين الذي تقدم بروايات عدة؛ ومحل الشاهد منه قوله ﷺ : "أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ" فقالوا: نعم. فأتم رسول الله ﷺ ما بقي من صلاته. الحديث.
وأما قوله فقط، فهو احتراز من رجوع الفذ في شيء من صلاته لغيره، وذلك يتبع فيه
стр. 220
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= فتوى مالك في المدونة: وقال مالك: ولو أن رجلًا صلى وحده وقوم إلى جنبه ينظرون إليه، فلما سلم قالوا له: إنك لم تصل إلا ثلاث ركعات. قال: لا يلتفت إلى ما قالوا له، ولينظر إلى يقينه فيمضي عليه ولا يسجد لسهوه، فإن كان يستيقن أنه لم يسهُ وأنه صلى أربعًا لم يلتفت إلى ما قالوا له، وليمض على صلاته ولا سهو عليه. ا. هـ. منه.
وقوله: إلا لكثرتهم جدًا؛ دليله واضح وهو أن خبر الجمع الكثير يفيد العلم، والعلم يجب العمل به قطعًا. قال في مراقي السعود:
واقطع بصدق خبر التواترِ … وسوِّ بين مسلم وكافر
وفي ذلك شروط واعتبارات معلومة في محلها. والله الموفق.
(٢) وقوله: ولا لحمد عاطس ومبشر وندب تركه؛ دليل جواز حمد العاطس هو ما روي عن رفاعة بن رافع قال: صليت خلف رسول الله ﷺ فعطست، فقلت: الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، مباركًا عليه، كما يحب ربنا ويرضى. فلما صلَّى رول الله ﷺ ، انصرف، فقال: "مَنِ الْمُتَكَلّمُ في الصْلَاةِ". فقال رفاعة: أنا. قال: "لَقَدِ ابْتَدَرَهَا بِضْعَةٌ وَثَلَاُثونَ مَلَكًا أيُّهُمْ يصْعَدُ بِهَا". ا. هـ. أخرجه البغوي في شرح السنة. وهو في أبي داود، باب ما يفتتح به في الصلاة. وفي الترمذي، باب ما جاءَ في الرجل يعطس في الصلاة، وفي النسائي، باب ما يقول المأموم. والله الموفق.
وقوله: وندب تركه، أي لما في عبد الرزاق عن الثوري عن منصورعن إبراهيم قال: إذا عطست وأنت تصلي فاحمد في نفسك. ا. هـ. منه.
وقوله: وندب تركه، لعله لما عند الترمذي من أنه جائز في التطوع، أما في المكتوبة فيحمد في نفسه، غير أن سياق الحديث ظاهر في أنه في صلاة الجماعة. وقال فتح الباري: إن في رواية بشر بن عمر الزهراني عن رفاعة بن يحيى أن تلك الصلاة كانت صلاة المغرب، وإذا فإن في قوله: وندب تركه نظرًا. والله الموفق.
(٣) وقوله: وقتل عقرب تريده، دليله ما أخرجه البغوي عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "اقْتُلُوا الْأسوَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ؛ الْحَيْةَ وَالْعَقْرَب"!. وهو في أبي داود، باب العمل في الصلاة. وهو في مسند الإمام أحمد، في عدة مواضع، وفي سنن الدارمي، وفي سنن النسائي باب قتل =
стр. 221
لَا عَلَى مُشَمِّتٍ (١)، كأَنينٍ لِوَجَعٍ وبُكَاءِ تَخَشُّعٍ (٢) إلَّا فكَالكَلَام؛ كَسَلَامٍ عَلَى مُفْتَرِضٍ ولَا لِتَبَسُّمٍ (٣) وفَرْقَعَةِ أصَابعَ (٤) والْتِفَاتٍ بِلَاحَاجَةٍ (٥)، وتَعَمُّدِ بَلْعِ مَا بَيْنَ أسْنَانِهِ، وحَكِّ جَسَدِهِ وَذِكْرٍ قَصَدَ التَّفْهِيمَ به. بمحله، إِلا بَطَلَتْ كَفَتْحٍ عَلى مَنْ لَيْسَ مَعَه في صَلَاةٍ على الأَصح (٦). وَبَطَلَتْ بِقَهْقَهَةٍ وَتمادَى الْمَأْمُومُ إن لم
= الحية والعقرب، وفي ابن ماجه، باب ما جاء في قتل الحية والعقرب في الصلاة. وهو في الترمذي، باب ما جاء في قتل الحية والعقرب في الصلاة، وإسناده صحيح. ا. هـ.
(٤) وقوله: وإشارة لسلام أو حاجة؛ دليل جواز الإشارة برد السلام في الصلاة هو ما أخرجه ابن خزيمة في صحيحه عن ابن عمر، قال: دخل رسول الله ﷺ مسجد قباء، ودخل عليه رجال من الأنصار يسلمون عليه، فسألت صهيبًا: كيف كان يصنع النبي ﷺ إذا كان يسلم عليه وهو يصلي؟. قال: كان يشير بيده. ا. هـ.
وأمال الدليل على جواز الإشارة في الصلاة للحاجة، فهو ما أخرجه ابن خزيمة أيضًا عن زر عن عبد الله قال: كان رسول الله ﷺ يصلي فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره، فإذا منعوهما أشار إليهم أن دعوهما، فلما قضى الصلاة وضعهما في حجره وقال: "مَنْ أَحَبَّنِي فَلْيُحْبِبْ هذَيْنِ" قال الأعظمي: رجاله ثقات. ا. هـ.
(١) وقوله: لا على مشمت؛ عطف المغايرة هنا يفيد عدم الإذن في الإشارة في الرد على مشمت إن حمد، لأنه غير مطلوب بالحمد جهرًا لما تقدم. ودليل عدم الإذن في التشميت في الصلاة؛ هو ما أخرجه عبد الرزاق عن ابن جريج قال: أخبرنا معمر بن دينار قال: لا أراني إلا وقد سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن يقول: عطس إنسان فترحم عليه آخر وهو يصلي، فقال الناس: إن ذلك لا يفعل في الصلاة. ا. هـ. منه.
(٢) وقوله: وبكاء تخشع؛ دليل جواز البكاء من الخاشع في الصلاة، هو ما أخرجه ابن خزيمة بسند صحيح عن عليٍّ قال: ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد، ولقد رأيتنا، وما فينا إلا نائم إلا رسول الله ﷺ تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح. =
стр. 222
يَقْدِرْ عَلَى التَّرْكِ (١)، كَتَكْبِيرِه لِلْرُّكُوع بِلَا نِيَّةِ إحْرامٍ، وَذِكْرِ فَائتةٍ (٢)، وبِحَدَثٍ (٣)، وسُجُودِهِ لِفَضيلَةٍ (٤) أَو لِتَكْبِيرَةٍ، وِبمُشْغِلٍ عَنْ فَرْضٍ، وعَنْ سُنَّةٍ
قال: وقال أبو بكر: قصة أبي بكر الصديق ﵁، لما أمره النبي ﷺ بالصلاة بالناس، فقيل له: إنه رجل رقيق كثير البكاء حين يقرأ القرآن. من هذا الباب. ا. هـ.
(٣) وقوله: ولا لتبسم، عدم تأثر الصلاة من التبسم هو ما أخرجه عبد الرزاق في المصنف عن ابن جريج عن عطاء قال: لا يقطع الصلاة التبسم. قال: قلت: أسجد سجدتي السهو؟. قال: إن شئت، وأحب إليّ أن تفعل.
(٤) وقوله: وفرقعة أصابع، هو للتنبيه على أنه لا سجود فيها على الرغم من كراهتها في الصلاة المنصوصة بحديث ابن حبان: عن عليٍّ أن رسول الله ﷺ قال: "لَا تُفَقِّعْ أَصَابِعَكَ وَأَنْتَ فِي الصَّلَاةِ". ا. هـ.
(٥) وقوله: والتفات بلا حاجة؛ هو للتنبيه على أنه لا سجود فيه، وإن كان من المكروهات في الصلاة، وقد تقدم الكلام على الإذن فيه لحاجة عند الكلام على قول المصنف: وإشارة لسلام أو حاجة. والله الموفق.
(٦) وقوله: كفتح على من ليس معه في صلاته على الأصح؛ هو للتشبيه بمن تبطل صلاته؛ فذكر أن من فتح على قارئ غير إمامه، كان بمثابة من تعمد الكلام في الصلاة، وأما إن فتح على إمامه، فلا شيء عليه، لما رواه عبد الرزاق في المصنف عن ابن جريج قال: أخبرني نافع قال: كنت ألقن ابن عمر في الصلاة فلا يقول شيئًا. ا. هـ.
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن فضيل عن أشعث عن نافع، قال: صلى بنا ابن عمر فتردد، قال: ففتحت عليه فأخذ عني. ا. هـ.
(١) وقوله: وبطلت بقهقهة وتمادى المأموم إن لم يقدر على الترك، دليل بطلان الصلاة بالقهقهة، هو ما أخرجه في المدونة عن ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب؛ أن رسول الله ﷺ كان يصلي بالناس وبين أيديهم حفرة، فأقبل رجل في عينيه شيء قبيح البصر، فطفق القوم يرمقونه بأبصارهم، وهو مقبل نحوهم، حتى إذا بلغ الحفرة سقط فيها، فضحك بعض القوم منه حين سقط، فلما انصرف رسول الله ﷺ قال: "مَنْ ضَحِكَ مِنْكُمْ فَلْيُعِدِ الصَّلَاةَ". وقاله الليث. =
стр. 223
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وأما قوله: وتمادى المأموم، فهو لفتوى مالك في المدونة ونص ذلك: وقال مالك فيمن قهقه في الصلاة وهو وحده، قال: يقطع ويستأنف، وإن تبسم فلا شيء عليه، وإن كان خلف إمام فتبسم فلا شيء عليه، وإن قهقه مضى مع الإمام فإذا فرغ الإمام أعاد صلاته. ا. هـ. منه.
(٢) وقوله: كتكبيره للركوع بلا نية إحرام وذكر فائتة؛ التشبيه فيه في التمادي مع الإمام وجوبًا مع بطلان صلاته ووجوب إعادتها. قال في جواهر الإكليل: إن نوى الصلاة المعينة ونسي تكبيرة الإحرام، وكبر ناويًا تكبيرة سنة الركوع، فصلاته صحيحة على مذهب المدونة، بناء على قول يحيى بن سعيد الأنصاري ومحمد بن شهاب الزهري، كلاهما من شيوخ الإمام مالك؛ أن الإمام يحمل عن مأمومه تكبيرة الإحرام، فيتمادى مع إمامه ويتمها معه وجوبًا، ويجب عليه إعادتها احتياطًا بناء على قول ربيعة، من شيوخ مالك، وعلى قول مالك أيضًا؛ أن الإمام لا يحملها عنه. وذكر المصنف هذه الصورة هنا جمعًا للنظائر، وسيعيدها في فصل الجماعة بقوله: وإن لم ينوه ناسيًا له تمادى المأموم فقط؛ وخصت بالمأموم لأنه الذي يتمادى مع إمامه وجوبًا، وأما الإمام والفذ فيقطعان، كما يأتي في الجماعة. ا. هـ. منه. بلفظه: ومن هذه النظائر من تذكر أثناء الصلاة صلاة فائتة يقدم قضاؤها على الحاضرة، فإن المذهب أنه يتمادى مع الإمام وجوبًا على صلاة صحيحة؛ لأن الترتيب بين قضاء اليسير والحاضرة واجب من غير شرط، والله تعالى أعلم.
(٣) وقوله: وبحدث؛ أي وتبطل الصلاة بحدث فيها، ودليله حديث علي بن طلق؛ ونصه عند البغوي: عن عليّ بن طلق، قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا فَسَا أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَنْصَرِفْ، وَلْيَتَوَضَّأْ، وَلْيُعِدْ صَلَاَتهُ". وهذا الحديث في إسناده عيسى بن حطان ومسلم بن سنان وكلاهما لا يعرف.
وقد أخرجه أبو داود في الطهارة وأخرجه في الصلاة، وأخرجه الترمذي في الرضاع. غير أنه روي عن ابن جريج عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : "إذَا أَحْدَثَ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَأْخُذْ بأَنْفِهِ، ثُمُ لْيَنْصَرِفْ". أخرجه البغوي في شرح السنة، وأخرجه أبو داود في الصلاة؛ باب استئذان المحدث الإمام. وأخرجه الحاكم، وقال: صحيح على شرطيهما، ووافقه الذهبي. ا. هـ. =
стр. 224
يُعِيدُ في الوْقتِ، وبِزِيادَةِ أَربع كركعتين في الثُّنائية، وَبتعَمُّدِ كَسجدةٍ أَوْ نَفْحٍ أَوْ أَكل أَوْ شِرْبٍ، أوْ قَيْءٍ أَوْ كَلَامٍ وإنْ بِكُرْهٍ أَوْجَبَ لإْنقَاذِ أَعْمَى إلَّا لإصْلَاحِهَا فبكثيرِه (١)، وبِسَلَامٍ وأَكْلٍ وشِرْبٍ، وفيها إِنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ انْجَبَر وهَلْ اخْتِلَافٌ أولى للسَّلَامِ أو للجمع، تأويلاتٌ (٢). وَبانْصِرَافٍ لِحَدَثٍ ثم تبين نَفْيُهُ،
وروى البغوي في الشرح عن الشعبي، عن جرير بن عبد الله قال: كنت عند عمر بن الخطاب فتنفس رجل، يعني الحدث، ولكنه كَنَّى، فقال عمر: عزمت على صاحب هذه إلا قام فتوضأ ثم صلَّى. قال جرير: فقلت: اعزم علينا جميعًا. فقال: أعزمُ عليٌّ وعليكم لما قمنا فتوضأنا ثم صلينا. ا. هـ.
(٤) وقوله: وبسجود لفضيلة، قال الدسوقي: اعتمد في البطلان بالسجود للفضيلة والتكبير على ما في التوضيح ونصه: قد نص أهل المذهب على أن من سجد قبل السلام، لترك فضيلة، أعاد أبدًا.
وكذلك قالوا في المشهور إذا سجد لتكبيرة واحدة قبل السلام. ا. هـ. وتعقبه البناني بأن السجود قد ذكر الحطاب أن ابن رشد ذكر فيه قولين، وأنه صدر بعدم البطلان إذا سجد له قبل السلام، وقال سيدي عبد الرحمن الفاسي: إنما وقفت على الخلاف في السجو للتكبيرة الواحدة ولا يلزم من القول بنفي السجود لها بطلان الصلاة بالسجود لها مع وجود القول به. وبالجملة فلم نر ما يشهد للمصنف فيما ادعاه من البطلان بالسجود لتكبيرة. ا. هـ. منه. بلفظه.
وأما قوله: وبمشغل عن فرض إلى قوله: لإنقاذ أعمى، فهو يبين فيه مسائل تبطل الصلاة عنده بموجبها، وهو العلامة المتبحر، فالله تعالى اعلم بمستنده في هذا التفاصيل.
(١) وقوله: إلا لإصلاحها فبكثيره؛ قد تقدم لك حديث ذي اليدين عن أبي هريرة، وهو الدليل على أن الكلام لاصلاحها لا يبطلها. والله الموفق.
(٢) وقوله: وبسلام وأكل وشرب، وفيها إن أكل أو شرب ألخ. يدعونا إلى نقل بعض ما أخرجه عبد الرزاق في المصنف، باب الأكل والشرب في الصلاة: عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء قال: لا يؤكل في الصلاة ولا يشرب. قلت: فشربت ناسيًا، قال: إن كنت لم تتكلم فأوف ما بقي على ما مضى، ثم اسجد سجدتي السهو، وإن شربت عامدًا فقد انقطعت صلاتك فأعد الصلاة. =
стр. 225
كَمُسلِّمٍ شَكَّ في الإتْمَامِ ثُمَّ ظَهَرَ الْكَمَالُ عَلى الأظْهَرِ، وَبِسِجُودِ المَسْبُوقِ مَعَ الإِمَامِ بَعْدِيًّا أَو قَبْلِيًّا، إن لَمْ يَلْحَقْ رَكْعَةً (١)، وإِلَّا سَجَدَ وَلَوْ تَرَكَ إمَامُهُ أَوْ لَمْ يُدْرِك مُوجبَه، وَأَخَّرَ البَعْدِيَّ، ولَا سَهْوَ على مُؤتَمٍّ حَالةَ القَدْوةِ (٢) وتبرك قَبْليٍّ عن ثلاثِ سُنَنٍ وطالَ لا أقلَّ (٣). فَلَا سُجُودَ وإنْ ذَكَرَهُ فِي صَلَاةٍ وَبَطَلَتْ فَكَذَاكِرِهَا، وِالَّا
= عبد الرزاق عن الثوري عمن سمع عطاء قال: لا يأكل ولا يشرب وهو يصلي فإن فعل أعاد.
عبد الرزاق عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: آكل في التطوع وأشرب ولو مجة؟. قال: لا، لعمري، ولكن انصرف واشرب.
عبد الرزاق عن الثوري عن عثمان قال: رأيت سعيد بن جبير يثرب وهو يصلِّي تطوعًا.
عبد الرزاق عن الثوري عن ليث عن طاوس قال: لا بأس بذلك.
لكن أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه عن ابن مهدي عن أبان العطار عن الصلت بن راشد قال: سئل طاوس عن الشرب في الصلاة، قال: لا. ا. هـ.
وهنا أترك بينك وبين تأويلات المصنف وآثار المصنف. والله تعالى الموفق.
(١) وقوله: وبسجود مع الإمام بعديًا أو قبليًا إن لم يلحق ركعة؛ أي لإقحامه في صلاته ما ليس منها. وقوله: وأخر البعديَّ؛ يعني المسبوق المدرك ركعة فإن واجبه تأخير البعدي حتى ينهي صلاته.
(٢) وقوله: ولا سهو على مؤتم حالة القدوة، أي ولا يترتب عليه موجب سهو حصل له حالة القدوة بفتح القاف بمعنى الاقتداء، وأما الشخص المقتدى به فهو مثلث القاف - وذلك لأن الإمام يحمل عنه السهو، فإن انقطعت القدوة بأن قام لقضاء ما عليه، فإن المؤتم حينئذ يسجد لما يطرأ عليه من سهو، لأنه صار منفردًا، هذا ولا يحمل الإمام عن المؤتم ركنًا ولو تركه حالة القدوة. والله الموفق وهو أعلم.
(٣) وقوله: وبترك قبلي عن ثلاث سنن وطال هو عطف على ما تبطل به الصلاة، كثلاث تكبيرات من تكبير الانتقال، وكترك السورة لأنها سنة، والقيام لها سنة والجهر بها في محله، أو السر بها في محله، والحال أنه حصل الطول الزمني أو حصل مناف؛ كحدث أو كلام أو ملابسة نجس ونحو ذلك، لا أقل من ثلاث سنن، فلا بطلان بتركه. والله أعلم وهو الموفق.
стр. 226
فَكَبَعْضٍ فَمِنْ فَرْضٍ إنْ أَطَالَ الْقَرَاءَةَ أوْ رَكَعَ بَطَلَتْ، وأَتَمَّ النَّفْلَ وَقَطَعَ غيْرَهُ، ونُدِبَ الإشْفَاعُ إِنْ عَقَدَ رَكْعَةً إِلَّا رَجَعَ بِلَا سَلَامٍ، ومِنْ نَفْلٍ في فَرْضٍ تَمَادَى كَفِي نَفْلٍ إِنْ أَطَالَهَا أَوْ رَكَعَ، وَهَلْ بِتَعَمُّدِ تَرْكِ سُنَّةٍ أَوْ لَا؟. ولَا سُجُودَ خِلَافٌ، وبِتَرْكِ رُكْنٍ وَطَالَ كَشَرْطٍ وَتَدَاركَهُ إِنْ لَمْ يُسَلِّمْ ولَم يَعْقِدْ رُكوعًا، وَهُو رَفْعُ رَأْس إلَّا لترك رُكُوعٍ فَبِالْانحنَاءِ، كَسِرٍّ وتَكْبِيرِ عيدٍ وسَجْدَةِ تِلَاوَةٍ، وذِكْرِ بَعْضٍ، وإِقَامَةِ مَغْرِبٍ عَلَيْهِ وهُوَ بِهَا وَبَنَى إِنْ قَرُب ولم يخْرُجْ مِنَ المسجد بإِحْرَامٍ وَلَمْ تَبْطُلْ بِتَرْكِهِ. وجَلَسَ لَهُ على الأَظْهَرِ، وأَعَادَ بِتَرْكِ السَّلَامِ التَّشَهُّدَ، وَسَجَدَ إِن انْحَرِفَ عَنِ الْقِبْلَةِ، وَرَجَعَ تَارِكُ الجُلُوسِ الأَوَّلِ إِنْ لَمْ يُفَارِقِ الأَرْضَ بيدَيْهِ ورُكْبَتَيْهِ وَلَا سُجُودَ إلَّا فَلَا تَبْطُلُ إِنْ رَجَعَ وَلَو اسْتَقَلَّ وتَبِعَهُ مَأْمُومُهُ وسَجَدَ بَعْدَه، كَنَفْلٍ لَمْ يَعْقِدْ ثالِثَتَهُ إلَّا كمَّلَ أَرْبَعًا وَفِي الخامسَةِ مُطْلَقًا وسَجَدَ قَبْلَهُ فيهِمَا (١) وَتَارِكُ رُكُوعٍ
(١) قوله: فلا سجود، متعلق بقوله قبل لا أقل؛ أي لا تبطل بترك قبلي ترتب عن ترك أقلَّ من ثلاث سنن، وإذا طال فلا سجود.
وجميع هذه الفروع الطريق إليها محض الاجتهاد، وعليه فليست مما نحن بصدده، غير أنّي سوف أنقل حل ألفاظ النص - على غير عادتي - بأوجز ما يمكنني، لأن مسائل السهو من أصعب المختصر فهمًا، لذلك أقول وبالله توفيقي.
وإن ذكره - أي القبلي المترتب عن ثلاث سنن - في صلاة؛ والحال أنه قد بطلت صلاته الأولى بطول الزمن؛ بين خروجه منها وشروعه في التي ذكر السجود فيها، فحكمه كحكم ذاكرها، يعني ذاكر الصلاة التي بطلت، في صلاة أخرى من أنه يجب على كل من الإمام والفذ القطع إن لم يكن ركوع، وأن يشفع الركعة بأخرى إن كان عقد ركوعًا، وأنه يجب على المأموم أن يتمادى مع إمامه، وأن يعيد في الوقت بعد أن يصلي الأولى، وإلا - أي وإن لم تبطل الأولى لعدم الطول بين خروجه منها وشروعه في الثانية - فحكمه كحكم ذاكر بعض صلاة؛ كركوع مثلًا في صلاة أخرى. وأقسامه أربعة؛ لأن الأولى =
стр. 227
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= إما فرض وإما نفل والأخرى كذلك، فتكون الأقسام أربعة - من ضرب اثنين في اثنين - فإن كان ترك البعض من فرض وتذكره في فرض آخر أو نفل، فإن كان أطال القراءة في الصلاة التي شرع فيها، بأن شرع في السورة - على ما نقله ابن عرفة عن ابن رشد - أو فرغ من الفاتحة على القول الآخر - قبل ذكر البعض - أو لم يطل القراءة لكنه ركع بلا قراءة كمسبوق مثلًا، أو كأمي عجز عن القراءة، بطلت الصلاة المتروك ركنها، لعدم إمكان إصلاحها، وأتم وجوبًا النفل الذي شرع فيه، وإن اتسع وقت الأولى لإدراك ركعة منها، عقد ركعة من النفل أولًا، وأتمه كذلك إن كان وقت الأولى ضيقًا لكنه عقد ركعة منها بسجدتيها، وإلَّا قطع وابتدأ الأولى، وقطع غيره وهو الفرض الذي شرع فيه ليحصل الترتيب بين مشتركتي الوقت، أو بين يسير الفوائت والحاضرة، إن كان فذًا، أو إمامًا وتبعه مأمومه في القطع، وإن كان مأمومًا تمادى مع إمامه، وندب للفذ والإِمام الإشفاع إن عقد ركعة بسجدتيها واتسع الوقت، وإلا قطع.
وإن لم يطل القراءة ولم يركع فيما شرع فيها قبل ذكر بعض التي قبلها، رجع وجوبًا لإصلاح صلاته الأولى، التي ترك منها الركن، بلا سلام من التي شرع فيها، فإن سلم منها بطلت الأولى، وإن ذكر بعض نفل وهو في فرض، تمادى في الفرض الذي شرع فيه، سواء أطال القراءة أو لا، وكذلك إن ذكر بعض نفل في نفل، وإن كان أخف من المذكور منه إن كان أطال القراءة أو كان ركع، وإن لم يكن أطال القراءة ولا ركع، رجع لإصلاح النفل الأول بلا سلام، ولا يقضي الثاني لعدم تعمده إبطاله. وهل تبطل الصلاة بتعمد ترك سنة مؤكدة متفق عليها داخلة في الصلاة؟. ومثلها سنتان خفيفتان داخلتان من فذ أو إمام، أولا تبطل كما قال سند؟. وقال ابن رشد: محل الخلاف سنة واحدة، وأما الأكثر فإن تركه عمدًا مبطل اتفاقًا، ولا سجود عليه لعدم السهو، وإنما عليه أن يستغفر الله، خلاف في التشهير الأول لابن كنانة وشهره ابن رشد واللخمي، والثاني لمالك وابن القاسم وشهره ابن عطاء الله، وضعف الأول ابن عبد البر وشنع عليه القرطبي وقال: إنه ضعيف عند الفقهاء وليس له حظ من النظر وإلا لم يكن بين السنة والفرض فرق.
وبطلت الصلاة بترك ركن سهوًا وطال الزمن، وشبه في البطلان لا بقيد الطول فقال: كترك شرط لصحة الصلاة؛ من طهارة حدث مطلقًا، وطهارة خبث، وستر عورة واستقبال إن ذكر وقدر في الثلاثة؛ =
стр. 228
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وإن سها عن ركن ولم يحصل طول تداركه، أي فعله إن لم يسلم من الأخيرة معتقدا كمال صلاته، بأن لم يسلم أصلًا، أو كان سلم ساهيًا عن كونه في صلاة، فحينئذ يأتي بالركن المنسي ويتشهد ويسلم ويسجد بعد السلام فإن سلم معتقدًا الكمال، فات عليه تدارك ذاك الركن لأن السلام ركن حصل بعد ركعة فيها خلل، فأشبه عقد ركعة بعدها، فيبني إن قرب سلامه ولم يخرج من المسجد؛ بأن يجلس وينوي وإكمال صلاته، ويكبر تكبيرة إحرام رافعًا يديه حذو منكبيه، ثم يقوم فيأتي بركعة أخرى، فإن طال أو كان خرج من المسجد بطلت الصلاة. وهذا تصوره فيما لو كان الترك من الركعة الأخيرة.
وإن سها عن ركن من غير الأخيرة، تداركه إن لم يعقد ركوعًا من ركعة أصلية تلي ركعة النقص، فإن عقده فات التدارك، فإن كان الترك من الأولى بطلت ونابت عنها المعقودة، وخرج بأصلية عقد ركعة زائدة كخامسة في رباعية أو رابعة في ثلاثية أو ثالثة في ثناثية، فلا يمنع عقدها تدارك ركن الأخيرة لأنها معدومة شرعًا فهي كالمعدوم حسًا، والركوع المفوت تدارك الركن هو عقد الركوع برفع الرأس منه مع الاعتدال والطمأنينة، فالرفع بغير هما ليس عقدًا، وهذا عند ابن القاسم. وقال أشهب: مجرد الانحناء لحد الركوع عقد، ووافقه ابن القاسم في عشر مسائل أفادها المصنف بقوله: إلا لترك ركوع من ركعة سهوًا، فيفوت تداركه بالانحناء، لركوع الركعة التي تليها، وإن لم يطمئن فيه، وكترك سر بمحله من فرض سهوًا، ولم يتذكره حتى انحنى لركوع تلك الركعة، فلا يرجع له وإن رجع بطلت صلاته؛ لرجوعه من فرض إلى سنة، ومنها تكبير العيد يفوت تداركه بالانحناء، وكترك سجود التلاوة سهوًا فيفوت بالانحناء لركوع الركعة التي فيها القراءة لموضع السجدة، فإن كانت الصلاة نفلًا أعاد الآية في الركعة الثانية وسجد وإلا فلا إعادة. ومنها ذكر بعض أي ركن أو ذكر قبلي عن ثلاث تركه سهوًا من صلاة في صلاة أخرى، أحرم فيها بعد سلام من الأولى، فيفوت بانحنائه للركوع في الثانية.
ومنها إقامة مغرب لصلاة راتب، والحال إنه متلبس فذًا بصلاة المغرب فيفوت عليه قطعها بمجرد انحنائه قبل الإقامة لركوع الثالثة، ويجب عليه لذلك إتمامها فرضًا ثم يخرج بهيئة الراعف، فإن أقيمت عليه قبل الانحناء قطعها وأحرم مقتديًا بالراتب، ولكن المعتمد فوات قطعها بمجرد رفعه من سجدتي الركعة الثانية باعتداله جالسًا.
وإن سها عن ركن من الركعة الأخيرة، وسلم معتقدًا الكمال، فات تدارك الركن وبطلت الركعة=
стр. 229
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وبنى وجوبًا على ما قبلها، إن قرب تذكره عقب سلامه بالعرف ولم يخرج من المسجد، ومفهوم الشرط أنه إن طال بالعرف أوخرج من المسجد بطلت صلاته.
قال ابن المواز: الخروج من المسجد طول باتفاق، ومثل الطول الحدث وسائر المنافيات كالأكل والشرب والكلام، وصلة بنى هي قوله: بإحرام؛ أي بنية تكميل الصلاة. وتكبير للدخول فيها. ولو قرب جدًا، وندب رفع يديه عنده، ولم تبطل الصلاة بتركه أي التكبير، وأما نية الإكمال فلا بد منها ولو قرب جدًا اتفاقًا، قاله عبد الباقي.
وجلس الباني للإِحرام ليأتي به من جلوس إن تذكر بعد قيامه، إذ هي الحالة التي فارق الصلاة عليها، وذلك على الأظهر عند ابن رشد، وقيل يكبر قائمًا ولا يجلس، وقيل يكبر قائمًا ثم يجلس ثم يقوم، وأعاد تارك السلام سهوًا التشهد عقب الاحرام ليقع سلامه عقب تشهد وسجد للسهو بعد سلامه بلا إعادة التشهد إن انحرف عن القبلة انحرافًا كثيرًا بلا طول أصلًا، فإن انحرف يسيرًا اعتدل وسلم ولا شيء عليه، فإن طال كثيرًا بطلت انحرف أم لا، فارق مكانه أم لا.
ورجع تارك الجلوس الأول سهوًا إن لم يفارق الأرض بيديه وركبتيه جميعًا؛ بأن بقي بها يد أو ركبة، ولا سجود لهذه النهضة، فإن فارق الأرض بيديه وركبتيه جميعًا فلا يرجع، وعليه السجود قبل السلام إن كان فذًا أو إمامًا، فإن كان مأمومًا رجع لمتابعة إمامه وجوبًا، وهذا الحكم تقدم دليله عند ذكر السجود قبل السلام للنقص.
ولا تبطل صلاته إن رجع للجلوس بعد مفارقة الأرض بيديه وركبتيه جميعًا، ولو رجع عمدًا بعد أن استقل قائمًا، ولو رجع بعد قراءة بعض الفاتحة، فإن رجع بعد قراءتها كلها بطلت صلاته، فإن رجع اعتد برجوعه وتشهد، فإن قام بلا تشهد عمدًا بطلت صلاته، وأشار بلو إلى الرد على القول ببطلان صلاته برجوعه بعد استقلاله، وتبعه مأمومه في الرجوع وجوبًا، وسجد لزيادة القيام بعد السلام لأن جلوسه وتشهده معتد بهما فليس معه إلا زيادة القيام، وهو كمن قام بعد ركعتين من نفل ساهيًا ولم يعقد ثالثته برفع رأسه من ركوعها، فيرجع للجلوس ويعيد التشهد ويسجد بعد السلام لزبادة القيام وإلَّا، بأن كان عقد ثالثته برفع رأسه وهو متنفل كمل الصلاة أربعًا، إلَّا إذا كان النفل محدودًا كالفجر والعيد والكسوف والاستسقاء، فلا يكمله أربعًا لأن الزيادة إلى المثل مبطلة، وأما إن قام لخامسة ساهيًا وهو =
стр. 230
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= متنفل، رجع وجوبًا في الخامسة مطلقًا عقد ركوعها أو لم يعقده، ويسجد قبل السلام فيهما أي فيما إذا كمل النافلة أربعًا ورجوعه من الخامسة، وذلك لنقص السلام من اثنتين.
وتارك ركوع سهوًا يرجع له حال كونه قائمًا لينحط له من قيام، بناء على أن الحركة للركن مقصودة، فإن رجع له محدودبًا لا تبطل صلاته، وذلك مراعاة للقول بأنه يرجع محدودبًا، بناء أن الحركة للركن غير مقصودة، فإن تذكره قائمًا نحط له من قيام فورًا. وندب له أن يقرأ شيئًا غير الفاتحة، لأن تكرارها في ركعة ممنوع، فلا يفعل لتحصيل مندوب، وتارك رفع من ركوع يرجع محدودبًا حتى يصل لحد الركوع ثم يرفع بنية الرفع، قاله محمد بن المواز بناء على قصد الحركة للركن، وقال ابن حبيب يرجع قائمًا بنية الرفع من الركوع؛ وتارك سجدة سهوًا يجلس لينحط لها منه، وهذا ما عليه الإمام مالك ﵀ في سماع أشهب، وروى الإمام أشهب أيضًا أنه يرجع ساجدًا من غير جلوس؛ بأن ينحط لها من قيام بناء على أن الحركة للركن غير مقصودة.
ولا يجلس تارك سجدتين سهوًا تذكرهما قائمًا، بل ينحط لهما من القيام، وإن تذكرهما جالسًا قام وانحط لهما من قيام، فإن سجدهما من جلوس فلا تبطل، ويسجد قبل السلام لما ذكر في الموضح من أن الانحطاط لهما من قيام غير واجب ونسبه لعبد الحق، ولا يجبر ركوع أولاه المنسي سجدتاه بسجود ثانيته المنسي ركوعها؛ لأنه فعله بنية الركعة الثانية فلا ينصرف للأولى، وإن ركع وسجد سجدة واحدة ونسي ركوع الركعة التالية، وسجد لها سجدة أو سجدتين فلا تجبر سجدة الأولى بسجدة الثانية، فإن تذكرها جالسًا سجدها حالًا، وإن تذكرها قائمًا جلس لها.
وبطل بترك أربع سجدات سهوًا من أربع ركعات، الركعات الثلاث الأُوَّلُ لفوات تدارك سجدة كل ركعة منها بعقد التي تليها، والركعة الرابعة لم يفت تدارك سجدتها فيسجدها وتصير أولى فيبني عليها ثلاث ركعات، ويسجد قبل السلام لنقص السورة من الأولى والزيادة، وهذا إذا لم يسلم معتقدًا الكمال وإلا بطلت الرابعة أيضًا، فيبني على الإِحرام إن قرب ولم يخرج من المسجد، وإلا بطلت الصلاة.
وإن ترك ركنًا من الأولى سهوًا، وعقد الثانية، بطلت الأولى ورجعت الثانية أولى ببطلانها أي صارت أولى بسبب ترك ركن التي قبلها وفوات تداركه، وهذا في حق الإِمام والفذ، وأما المأموم فإنه تبع =
стр. 231
يَرْجِعُ قَائمًا ونُدِبَ أن يَقْرَأَ، وسَجْدَةٍ يَجْلِسُ، لا سَجْدَتَيْنِ، ولَا يُجْبَرُ رُكُوعُ أُولاهُ بِسجُودِ ثَانِيتِهِ، وبَطَلَ بأرْبَعِ سَجدَاتٍ مِنْ أرْبَع رَكَعَاتٍ الأُوَّلُ، ورَجَعَتْ الثانيةُ أولى بِبُطْلَانِهَا لِفَذٍّ وإمَامٍ، وإنْ شَكَّ فِي سَجْدَةٍ لَمْ يَدْرِ مَحَلَّهَا سَجَدَهَا، وفي الأَخيرة يَأْتِي برَكْعَةٍ، وَقِيَامِ ثَالِثَتِهِ بِثَلَاثٍ، وَرَابِعَته بِرَكْعَتيْنِ وَتَشَهُّدٍ، وإِنْ سَجَدَ إِمَامٌ سَجْدَةً لَمْ يُتَّبَعْ وَسُبِّحَ بِهِ، فإِذَا خَيفَ عَقْدُهُ قَامُوا، فإِذَا جَلَسَ قَامُوا، كَقُعُودِهِ
لإمامه، فالواجب إذن البناء على الأولى والسجود بعد السلام. وترجع الثالثة ثانية ببطلان الثانية، وترجع الرابعة ثالثة ببطلان الثالثة.
وإن شك المصلي في ترك سجدة، وأولى إن تيقن تركها، والحال أنه لا يدري محلها الذي تركت منه، سجدها مكانه وجوبًا أي في الركعة التي هو متلبس بها إن لم يتحقق تمامها، وذلك لاحتمال أن يكون ذلك المحل الذي هو فيه محلها، ومتى ما أمكن وضع الركن في محله تعين، فبالإتيان بها في محل تذكرها تيقن سلامة الركعة التي هو متبلس بها، وصار الشك فيما قبلها، فلابد من إزالة الشك عنه، وإلى الكيفية التي يخرج بها من الشك إلى اليقين أشار المصنف فقال: وإن كان شكه في السجدة الأخيرة؛ بأن حصل له الشك في تشهد الركعة الأخيرة، فإنه بعد أن يسجدها يأتي بركعة بالفاتحة فقط، لانقلاب الركعات في حقه، إذ أنه يحتمل أن تكون من إحدى الثلاث، وكل منها يبطل بعقد ما يليها، ولا تشهد قبل إتيانه بالركعة لأن المحقق له ثلاث ركعات وليس محل تشهد، ويسجد قبل السلام للزيادة مع احتمال النقص. وإن كان في قيام ثالثته أو ركوعها قبل تمام رفعه منه أو في تشهد الثانية، فيجلس ويسجدها لاحتمال أنها من الثانية وتداركها ممكن، وبطلت الأولى لاحتمال كونها منها، وفات تداركها بعد عقد الثانية فتحققت له ركعة بسبب السجدة، ويلزمه حينئذ أن يأتي بثلاث من الركعات، أولاها بفاتحة وسورة وبتشهد عقبها لأنها ثانيته، والأخيرتان بفاتحة فقط ويسجد بعد السلام. وإن كان في قيام رابعته جلس وسجدها لتكميل الثالثة، وأتى بركعتين لاحتمال كونها من إحدى أولييه وبطلت بانعقاد التي تليها، فالمحقق له ركعتان فقط، وتشهد استنانًا عقب السجدة وأتى بركعتين فقط وسجد قبل السلام، وإن سجد إمام سجدة واحدة في أولى رباعية، وترك الثانية سهوًا وقام للركعة الثانية، لم يتبع أي لا يتبعه مأمومه في القيام للثانية قبل السجدة فيجلس وصح به لأجل إفهامه =
стр. 232
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= بأن يقول له: سبحان الله. لعله يتذكر سهوه عن السجدة، فإن تذكر ورجع لها فذاك، وإن لم يرجع لها فلا يكلمونه عند سحنون؛ الذي مشى المصنف هنا على مذهبه؛ لأنه رأى أن الكلام لإصلاحها يبطلها، فإن تركوا التسبيح بطلت صلاتهم لأنهم تعمدوا ترك السجدة، فإذا لم يرجع الإمام للسجدة التي تركها من الأولى، وخيف عقده الركعة الثانية التي قام له برفع رأسه من ركوعها معتدلًا مطمئنًا، قام المأمومون لعقدها معه، وبعقدها بطلت الأولى وصارت الثانية أولى للجميع ولا يسجدون السجدة، وإن سجدوها لم تجزهم عند سحنون ولا تبطل صلاتهم، فإذا جلس عقب الثانية في ظنه، قام المأمومون ولا يجلسون معه لأنها صارت أولى، كقعوده - أي الإمام - عقب ثالثة، في الواقع الذي هو حسب ما يعتقده المأمومون، فلا يقعدون معه وإن ظنها هو رابعة، و إذا سلم الإمام عقب تشهده لظنه كمال صلاته بطلت عليه بمجرد سلامه، وأتى المأمومون بركعة يؤمهم أحدهم فيها إن شاؤوا، وإن شاؤوا صلوا أفذاذًا وصحت لهم صلاتهم، وسجدوا قبل السلام لنقص السورة من الركعة ولنقص التشهد الأول. قال في جواهر الإكليل: هذا مذهب سحنون وهو ضعيف. والمعتمد مذهب ابن القاسم؛ وهو أنه إن لم يفهم بالتسبيح فلا يكلمونه لأنهم إن كلموه بطلت صلاتهم، ولكنهم يسجدونها لأنفسهم ويجلسون معه ويسلمون بسلامه وصحت صلاتهم، فهذه مستثناة من قاعدة: الكلام لإصلاح الصلاة لا يبطلها.
وقوله: وإن زوحم مؤتم عن ركوع أو نعس أو نحوه، اتبعه في غير الأولى ما لم يرفع من سجودها، هذا رأي ابن القاسم؛ قال في المدونة: وقال ابن القاسم: الذي أرى وآخذ به في نفسي؛ الذي ينعس خلف الإمام في الركعة الأولى أنه لا يتبع الإمام فيها، وإن كان يدركه قبل أن يرفع رأسه من سجودها، ويسجد مع الإمام ويلغي تلك الركعة، ويقضيها إذا قضى صلاته، وإنما يتبع الأمام عندي بالركعة في الثانية والثالثة والرابعة، إذا طمع أن يدركه قبل أن يرفع رأسه من سجودها، فأما الأولى فلا تشبه عندي الثانية ولا الثالثة، وهذا رأيي ورأي من أرض؛ يعني المغيرة. ا. هـ. منه.
وإن زوحم مؤتم عن سجدة أو سجدتين من الأولى أو غيرها، فلم يسجدها حتى قام الإمام لما تليها، فإن لم يطمع في سجودها؛ بأن لم يتحققه أو يظنه قبل عقد إمامه الركعة التي تليها برفع رأسه من ركوعها، تمادى وجوبًا على ترك السجدة أو السجدتين وتبع إمامه فيما هو فيه، فإن سجدها ولحق =
стр. 233
بِثَالِثَةٍ، فإِذَا سَلَّمَ أَتَوْا بِرَكْعَةٍ وأَمَّهُمْ أَحَدُهُمْ وَسَجَدُوا قَبْلَهُ وإِن زُوحِمَ مؤتَمٌّ عَنْ رُكُوعٍ أَو نَعَسَ أَوْ نَحْوُه اتَّبَعَهُ فِي غير الأُولَى مَا لَمْ يَرْفَعْ مِنْ سُجُودَهَا، أَوْ سَجْدَةٍ فَإن لمْ يَطْمَعْ فِيهَا قَبْلَ عَقْدِ إِمَامِهِ تَمَادَى وَقَضَى رَكْعَةً وإِلَّا سَجَدَهَا، ولَا سُجُودَ عَلَيْهِ إِنْ تَيَقَّنَ، وِإِنْ قَامَ إِمَامٌ لِخَامِسَةٍ فَمُتَيَقِّنُ انْتِفَاءِ مُوجِبِها يَجْلِسُ، وإلَّا اتَّبَعَهُ، فَإنْ خَالَفَ عَمْدًا بَطَلَتْ فِيهَما، لَا سَهْوًا، فَيَأْتِي الْجَالِسُ بِرَكْعَةٍ وَيُعِيدُهَا المتَّبعُ، وإِنْ قَالَ: قمتُ لِمُوجِبٍ صَحَّتْ لِمَنْ لَزِمَهُ اتِّبَاعُهُ وتبعه، ولمقَابِلِه إِنْ سَبَّحَ كَمُتَّبعٍ تَأَوَّلَ وُجُوَبهُ عَلَى المختارِ، لَا لِمَنْ لَزِمَهُ اتِّبَاعُه في نَفْسِ الْأمْرِ ولَمْ يَتَّبعْ، ولم تُجْزِ مَسْبُوقًا عَلِمَ بِخَامِسِيَّتِهَا، وَهَلْ كَذَا إن لَمْ يَعْلَمْ؟ أَوْ تُجْزِئُ إلَّا أنْ يُجْمِعَ مَأْمُومُهُ عَلَى نَفْيِ المُوجِبِ، وَتَارِكُ سَجْدَةٍ مِن كأُولَاهُ لَا تجْزِئُهُ الْخَامِسَةُ إِنْ تَعَمَّدَهَا.
= الإمام، فإن أدركه في الرجوع صحت وإلا بطلت، وفي حالة تماديه مع إمامه وتركه السجدة قضى ركعة بعد سلام إمامه، وإن تحقق أنه إن سجدها لحق الإمام قبل عقد الركوع من التي تليها، سجدها ولحق به، فإن تخلف اعتقاده وعقد الإمام الركعة دونه، بطلت الركعة الأولى لعدم إتيانه بسجودها على الوجه المطلوب، وبطلت الركعة الثانية لعدم إدراكه ركوعها مع الإمام، وإن تمادى على ترك السجدة لعدم طمعه فيها قبل عقد إمامه، ولحق الإمام فيما هو فيه، وقضى ركعة بعد سلامه، فلا سجود عليه لأن الإمام يحمل عنه السهو، هذا إن تيقن المأموم ترك السجدة، فإن شك في تركها سجد بعد الزيادة، لاحتمال زيادة الركعة التي أتى بها بعد سلام إمامه وإن قام إمامه لخامسة في رباعية أو رابعة في ثلاثية أو ثالثة في ثنائية، وسُبِّح له فلم يرجع، جلس وجوبًا من تيقن انتفاء موجبها؛ أي سبب الركعة الزائدة التي قام لها الإمام، ولا يقوم مع الإمام، وتصح صلاته إن سبح للإمام ولم يتبين أن لها موجبًا، وإن لم يفهم بالتسبيح أشار له، وإن لم يفهم بالإشارة كلمه وإلا بطلت.
وإن لم يتيقن المأموم انتفاء موجب الركعة التي قام لها الإمام؛ بأن تيقن الموجب أو ظنه أو شك فيه، بل وإن توهمه، اتبعه في القيام وجوبًا، ثم إن ظهر لها موجب فظاهر، وإن ظهر عدمه سجد الإمام وسجد معه المأموم، فإن خالف المأموم ما وجب عليه من جلوس أو قيام، عمدًا أو جهلًا غير متأول، =
стр. 234
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= بطلت صلاته فيما إن لم يتبين أن مخالفته كانت موافقة لما في نفس الأمر، ولا تبطل صلاة من خالف ما وجب عليه سهوًا فيهما، وعليه الإتيان بركعة إن كان جلس سهوًا، والحال أنه لم يتيقن انتفاء موجب الركعة التي قام لها الإمام، وذلك بعد سلام الإمام، وأما الذي تيقن انتفاء موجبها وجلس كما هو حكمه، فعليه إعادة تلك الركعة إن قال الإمام: قمت لموجب، أي لسبب ترك ركن سهوًا، وكذا يعيدها الذي وجب عليه الجلوس واتبعه سهوًا ولا تجزئه الركعة التي صلاها مع إمامه سهوًا.
وإذا تبين أن الإمام قد قام في الزائدة، لسبب يوجب عليه القيام، صحت صلاة من لزمه اتباعه، وتبعه فعلًا لعدم تيقنه انتفاء موجبها، وصحت كذلك صلاة من لزمه الجلوس لتيقنه انتفاء موجب القيام وجلس فعلًا، وذلك بشرط أن يكون سبح ليفهم الإمام أن قيامه لزائدة، فلم يرجع ولم يقل: قمت لموجب. غير أنه تقدم أن عليه والحالة هذه إعادة تلك الركعة بعد سلام الإمام وقوله: قمت لموجب.
كما تعتبر صحيحة - في رأي اللخمي - صلاة من تيقن انتفاء موجبها، واتبع الإمام فيها تأويلًا لقوله ﷺ : "إنَّمَا جُعِلَ الإْمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ".
ولا تصح صلاة من لزمه اتباع الإمام في نفس الأمر، لترك ركن من إحدى الركعات السابقة وفاته تداركه فانقلبت الركعات، لكن المأموم جزم بانتفاء موجب الزيادة، ولم يتبع الإمام في الركعة التي قام لها ثم تبين له أنه قام لموجب، فبطلت صلاته عملًا بما تبين. فقوله: فمتيقن انتفاءِ موجبها يجلس؛ أي وتصح صلاته بشرطين: أن يسبح وأن لا يتغير يقينه، ولا تكفي الركعة الزائدة التي صلاها الإِمام سهوًا عن ركعة مسبوق عليه قضاؤها بعد صلاة الإمام، والحال أنه علم بخامسيتها وتبع الإمام فيها؛ لا تجزئه عن ركعته التي عليه قضاؤها؛ لأنه صلاها بنية الزيادة لا بنية القضاء.
وهل عدم إجزاء تلك الركعة الخامسة عن ركعة قضائه مشروط بعلمه بأنها خامسة أم هي لا تجزئه مطلقًا علم أو لم يعلم. أجمع مأموموه على عدم موجبها أم لا؟. أو هي تجزئه إن قال الإمام: قمت لموجب. في كل حال، إلا أن يجمع المأمومون على نفي الموجب فلا تجزئ قولان.
وتارك سجدة مثلًا سهوًا من كأولاه، وفاته تداركها بعقد التي تليها، وانقلبت ركعاته، ولم ينتبه لهذا واعتقد كمال صلاته، وأتى بركعة خامسة، فإنه لا تجزئه تلك الركعة الخامسة عن الركعة الباقية عليه من الصلاة، إن تعمد زيادتها، لأنه لم يأت بها بنية الجبر، ولابد من إتيانه بركعة يكمل بها صلاته. =
стр. 235
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= ولم تبطل صلاته مع أنه تعمد ركعة نظرًا لما في نفس الأمر من أنه بقيت عليه ركعة. قال في جواهر الإِكليل: هذا هو المشهور. وقال الهروي: المشهور بطلان صلاته نظرًا لتلاعبه في نيته. حكاهما الحطاب.
وأما أنا فأقول: الله تعالى أعلم بصحة هذه الفروع من عدمها، والله تعالى أعلم بمستند المصنف في ذلك وشروحه، وإنما لخصت حل هذه الألفاظ باختصار في أغلبها من جواهر الإِكليل، وربما أومأت بنظرة على الدردير وحاشيته. والله الموفق وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 236
سجود التلاوة
فصل:
سَجَدَ بِشَرْطِ الصَّلَاةِ (١)، بِلَا إِحْرَامٍ وَسَلَامٍ (٢)، قَارِئٌ وَمُسْتَمِعٌ فَقَطْ؛ إِنْ جَلَسَ لِيَتَعَلَّمَ (٣)، وَلَوْ تَرَكَ الْقَارِئُ، إِنْ صَلَحَ لِيَؤُمَّ (٤) وَلَمْ يَجْلِسْ لِيُسْمِعَ (٥)، فِي
(١) وقوله: سجد بشرط الصلاة؛ دليله ما في الموطإ: سئل مالك عمن قرأ سجدة وامرأة حائض تسمع، هل لها أن تسجد؟. قال مالك: لا يسجد الرجل ولا المرأة إلا وهما طاهران. ا. هـ. منه.
(٢) وقوله: بلا إحرام وسلام؛ هو لما في المدونة: وقال مالك: من قرأ سجدة في الصلاة فإنه يكبر إذا سجدها، ويكبر إذا رفع رأسه منها. وقال: وإذا قرأها وهو في غير صلاة، فكان يضعف التكبير قبل السجود وبعد السجود. ثم قال: أرى أن يكبر. وقد اختلف قوله فيها إذا كان في غير صلاة، قال ابن القاسم: وكل ذلك واسع. وكان لا يرى السلام بعدها. ا. هـ. منه.
(٣) وقوله: قارئ ومستمع فقط، إن جلس ليتعلم، ولو ترك القارئ، فقوله: قارئ؛ دليله فتوى مالك في المدونة: وقال مالك لا أحب لأحد أن يقرأ سجدة إلا سجدها في صلاة أو في غيرها. ا. هـ. منه.
وقوله: ومستمع فقط إن جلس ليتعلم؛ هو أيضا لفتوى مالك في المدونة: وقال مالك فيمن سمع السجدة من رجل فسجدها الذي تلاها، إنه ليس على هذا الذي سمعها أن يسجدها إلا أن يكون جلس إليه. ا. هـ. منه.
وقوله: ولو ترك إمامه؛ هو أيضًا لفتوى مالك في المدونة ونص ما فيها: قلت أرأيت إن جلس إليه قوم فقرأ ذلك الرجل سجدة فلم يسجدها الذي قرأها، هل يجب على هؤلاء أن يسجدوا؟. قال: نعم. ا. هـ. منه.
(٤) وقوله: إن صلح ليؤم؛ هو لما في الموطإ: وسئل مالك عن امرأة قرأت بسجدة ورجل معها يسمع، عليه أن يسجد معها؟. قال مالك: ليس عليه أن يسجد معها، إنما تجب السجدة على القوم؛ يكونون مع الرجل فيأتمون به فيقرأ السجدة فيسجدون معه، وليس على من سمع سجدة من إنسان يقرؤها - ليس له بإمام - أن يسجد تلك السجدة. ا. هـ. منه.
(٥) وقوله: ولم يجلس ليسمع؛ هو أيضًا لما في المدونة: قال: وكان مالك يكره أن يجلس =
стр. 237
إِحْدَى عَشْرَةَ، لَا ثَانِيةِ الْحَجِّ، والنَّجْمِ والانْشِقَاقِ والْقَلَمِ (١)، وَهَلْ سُنَّةٌ أَوْ فَضِيلةٌ
= الرجال إلى الرجل متعمدين ليقرأ لهم القرآن وسجود القرآن فيسجد بهم، قال: لا أحب أن يفعل هذا، ومن قعد إليه فعلم أنه إنما يريد قراءة سجدة قام عنه ولا يجلس معه. ا. هـ. منه.
(١) وقوله: في إحدى عشرة، لا ثانية الحج والنجم والانشقاق والقلم؛ نص المدونة في الموضوع هو: قال سحنون: قال عبد الرحمن بن القاسم: قال مالك بن أنس: في سجود القرآن إحدى عشرة سجدة، ليس في المفصل منها شئ؛ المص، والرعد، والنحل، وبني اسرائيل، ومريم، والحج أولها، والفرقان، والهدهد، والم تنزيل السجدة، وحم تنزيل. ا. هـ. منه.
قلت: ويشهد له حديث ابن عباس قال: لم يسجد رسول الله ﷺ في شئ من المفصل بعد ما تحول إلى المدينة. قال البيهقي: وسمعناه رواه محمد بن رافع عن أزهر بن القاسم، عن الحارث عن مطر. ورواه بكر بن خلف ختن المقري عن أزهر، وقال في متنه: إن النبي ﷺ سجد في النجم وهو بمكة، فلما هاجر إلى المدينة تركها. قال البيهقي: وهذا الحديث يدور على الحارث بن عبيد أبي قدامة الإِيادي البصري وقد ضعفه ابن معين، وحدث عنه عبد الرحمن بن مهدي وقال: كان من شيوخنا وما رأيت إلا خيرًا. ا. هـ.
وعدم السجود في المفصل حكاه الشافعي عن مالك، ورواه عن أُبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت وابن عباس. ورواه غيره أيضًا عن ابن عمر وأبي الدرداء.
قال البيهقي: باب من القراءة في القرآن إحدى عشرة سجدة. ولا يفوتني أن أنبه على أن الحرث بن عبيد ومطر الوراق، اللذين ضعف بهما حديث ابن عباس، أنه ﷺ لم يسجد في شيء من المفصل بالمدينة، هما من رجال مسلم وناهيك بها مزية. والله الموفق.
قال البغوي: وذهب قوم إلى أنه ليس من المفصَّل سجود، يروى ذلك عن أبيِّ بن كعب، وابن عباس، وابن عمر، وهو قول مالك، وروي عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ لم يسجد في شيء من المفصَّل منذ تحول إلى المدينة، وهذا الحديث أخرجه أبو داود.
وفي سنن ابن ماجه ما نصه: حدثنا محمد بن يحيى، ثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، ثنا عثمان بن قائد، ثنا عاصم بن رجاء بن حيوة، عن المهدي بن عبد الرحمن بن عيينة بن خاطر، قال: =
стр. 238
خِلَافٌ (١). وَكَبَّرَ لِخَفْضٍ وَرَفْعٍ وَلَوْ بِغَيْرِ صَلَاةٍ (٢) وَص، وَأَنَابَ، وَفُضِّلَتْ:
= حدثتني عمتي أم الدرداء عن أبي الدرداء، قال: سجدت مع النبيِّ ﷺ إحدى عشرة سجدة، ليس فيها من المفصل شيء: الأعراف، والرعد، والنحل، وبني اسرائيل، ومريم، والحج، وسجدة الفرقان، وسليمان، سورة النمل والسجدة، وفي ص، وسجدة الحواميم. ا. هـ.
وأما الدليل على السجدة في ص فهو ما أخرجه البغوي بسنده عن ابن عباس قال: رأيت رسول الله ﷺ يسجد في ص. قال ابن عباس: وليست من عزائم السجود. وهذا الحديث أخرجه الترمذي في الصلاة؛ باب ما جاء في السجدة في ص. وقال: حديث حسن صحيح - وخرجه البخاري في سجود القرآن؛ باب في سجدة ص. وأخرج البخاري كذلك في تفسير سورة ص، وفي الأنبياء؛ باب واذكر عبدنا داود. وفي تفسير سورة الأنعام؛ باب قوله تعالى: (أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) (١)، عن مجاهد قال: سألت ابن عباس: من أين سجدت؟. فقال: أو ما تقرأ: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ) (٢). (أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ) فكان داود ممن أمر نبيكم ﷺ أن يقتدى به؛ فسجدها رسول الله ﷺ .
(١) وقوله: وهل سنة أو فضيلة خلاف؛ قال الشوكاني: قال النووي في شرح مسلم: قد أجمع العلماء على إثبات سجود التلاوة، وعند الجمهور سنة، وعند أبي حنيفة واجب ليس بفرض. قلت: ويمكن عدم التعارض بين القولين لأن بعض أهل المصطلح يطلق على السنة المؤكدة اسم الواجب. قال في مراقي السعود:
وبعضهم سمَّى الذي قد أكدا … منها بواجب فخذ ما قيدا
وأما فيما يختص بمصطلحنا الخاص فهي سنة؛ لأن الرسول ﷺ واظب على فعلها في حالة الظهور. وقد قال مراقي السعود في تعريف السنة عندنا:
وسنة ما أحمد قد واظبا … عليه والظهور فيه واجبا
وبعده البيت المتقدم، والله الموفق.
(٢) وقوله: وكبَّر لخفض ورفع ولو بغير صلاة، تقدم الكلام عليه عند قوله: بلا سلام وإحرام، فأغنى عن إعادته هنا.
стр. 239
تَعْبُدُون (١). وَكُرِهَ سُجُودُ شُكْرٍ أَوْ زلْزَلَةٍ (٢) وَجَهْرٌ بِهَا بِمَسْجِدٍ، وَقِرَاءَةٌ بِتْلحِينٍ (٣) كَجَمَاعَةٍ، وَجُلُوسٌ لَهَا لَا لِتَعْلِيمٍ (٤)، وَأُقِيمَ القَارِئُ فِي المَسْجِدِ يَوْمَ خَمِيسٍ أَوْ غَيْرهِ (٥). وَفِي كُرْهِ قِرَاءَةِ الْجَمَاعَةِ عَلَى الْوَاحِدِ روايتانِ (٦) واجْتِمَاعٌ لِدُعَاءِ يَوْمِ عَرَفَةَ (٧).
(١) وقوله: وص وأناب، وفصلت تعبدون؛ أما محل السجدة في ص فلا خلاف عند من يقول بالسجود فيها، وأما السجود في فصلت، فلما في المدونة: وسألت مالكًا عن (حم تَنْزِيلٌ) أين يسجد فيها، (إنْ كُنْتُمْ إيَّاهُ تَعْبُدُونَ)؟. أو (يَسْأمُونَ) لأن القراء اختلفوا فيها؟. قال: السجدة في: (إنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ). ا. هـ. منه.
(٢) وقوله: وكره سجود شكر أو زلزلة؛ قال البيهقي في السنن الكبرى ما نصه: باب سجود الشكر، وساق سندًا إلى البراء قال: بعث النبي ﷺ خالد بن الوليد إلى اليمن يدعوهم إلى الإسلام فلم يجيبوه، ثم إن النبي ﷺ بعث علي بن أبي طالب، وأمره أن يقفل خالدًا ومن معه، إلا رجلًا ممن كان مع خالد أحب إن يعقب مع علي ﵁ فليعقب معه. قال البراء: فكنت ممن عقب معه. فلما دنونا من القوم خرجوا الينا، فصلى بنا علي ﵁، وصفنا صفًا واحدًا، ثم تقدم بين أيدينا فقرأ عليهم كتاب رسول الله ﷺ . فأسلمت همدان جميعًا، فكتب علي ﵁ إلى رسول الله ﷺ بإسلامهم فلما قرأ رسول الله ﷺ الكتاب خر ساجدًا، ثم رفع رأسه فقال: "السلَامُ عَلَيّ هَمَدَان، السَّلَامُ عَلَى هَمَدَانَ. قال البيهقي أخرج البخاري صدر هذا الحديث عن أحمد بن عثمان، عن شريح بن مسلمة، عن إبراهيم بن يوسف، فلم يسقه بتمامه. وسجود الشكر في تمام الحديث صحيح على شرطه. ا. هـ. منه بلفظه.
وحديث عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك؛ أن عبد الله بن كعب بن مالك - قائد كعب حين عمي - قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله في غزوة تبوك، فذكر الحديث بطوله إلى أن قال: حتى كملت لنا خمسون ليلة، من حين نهى رسول الله ﷺ عن كلامنا، فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، بينما أنا جالس على الحال التي ذكر الله منا، قد ضاقت عليَّ نفسي وضاقت عليَّ الأرض بما رحبت، سمعت صوت =
стр. 240
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= صارخ أوفى على جبل سلع: يا كعب بن مالك أبشر. قال: فخررت ساجدًا، وعرفت أنه قد جاء الفرج. الحديث المتفق عليه. وأخرج البغوي في السنة عن أبي موسى، مالك بن عبد الله أو عبد الله بن مالك، قال: شهدت عليًا حين أوتي المخرج، فلما رآه سجد سجدة الشكر، وهو حديث حسن رواه أيضًا أحمد في المسند.
وروي عن أبي بكرة أن النبي ﷺ كان إذا جاءه أمر يسر به خر ساجدًا شكرًا لله تعالى. أخرجه البغوي في شرح السنة، وأخرجه أبو داود في الجهاد؛ باب في سجود الشكر، وأخرجه الترمذي في السير؛ باب ما جاء في سجدة الشكر، وأخرجه ابن ماجه في إقامة الصلاة والسجدة عند الشكر، وإسناده حسن. وحسنه الترمذي.
وروي أنه ﷺ رأى نغاشيًا فسجد شكرًا لله. والنغاشي: القصير الضعيف الحركة. وهذا الحديث أخرجه الدارقطني، وفي سنده جابر الجعفي وهو ضعيف.
وروي عن أبي بكر ﵁ أنه سجد شكرًا لله حين بشر بفتح اليمامة، أخرجه البغوي في شرح السنة، والبيهقي.
وعن عبد الرحمن بن عوف قال: خرج النبي ﷺ فتوجه نحو صدفته فدخل، فاستقبل القبلة فخر ساجدًا فأطال السجود، ثم رفع رأسه وقال: "إنَّ جِبْرِيلَ أتَانِي فَبَشَّرَنِي فَقَالَ: إنَّ اللهَ يَقُولُ لَكَ: مَنْ صَلَّى عَلَيْكَ صَلَّيْتُ عَلَيْهِ وَمَنْ سَلَّمَ عَلَيْكَ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَسَجَدْتُ شكْرًا لِلَّهِ". رواه في منتقى الأخبار وقال: رواه أحمد. هذا، والآثار في مثله كثيرة.
قلت: ولعل الإمام لم يبلغه فيه شيء، وكان ديدنه كراهة الابتداع، وأن يتعبد المرء بما لم يثبت فيه شيء عن رسول الله ﷺ ، وقد ثبت عنه ﵀ قوله: كل كلام منه مقبول ومردود إلا كلام رسول الله ﷺ ، والله تعالى الموفق.
وقوله: وجهر بها بمسجد؛ يعني القراءة لما في ذلك من التشويش على المصلين.
(٣) وقوله: وقراءة بتلحين؛ قال الإمام أحمد: هي بدعة. واحتج لذلك بما روي عن رسول الله ﷺ أنه ذكر في أشراط الساعة أن يتخذ القرآن مزامير، يقدمون أحدهم ليس بأقرئهم ولا بأفضلهم إلا =
стр. 241
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= ليغنيهم غناء. قال: ولأن القرآن معجز في لفظه ونظمه، والألحان تغيره. اهـ. من المغني لابن قدامة.
قلت: وهذا محمول على الإفراط في التلحين؛ بحيث يمد في غير مد ويجعل الحركات حروفًا، أما تحسين الصوت بالقرآن وتحبيره فمستحب لما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "مَا أذِنَ اللهُ لِشَيءٍ كَإِذْنِهِ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ". وقد ثبت في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال لأبي موسى: "إنَّنِي مَرَرْتُ بِكَ الْبَارِحَةَ وَأَنْتَ تَقْرَأُ فَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ".
فقال أبو موسى: لو أعلم أنك تستمع لحبّرته لك تحبيرًا، وروي عن عائشة أنها قالت للنبي ﷺ : أستمع قراءة رجل في المسجد لم أسمع قراءة أحسن من قراءته. فقام النبي ﷺ فاستمع قراءته ثم قال: "هذَا سَالِمٌ مَوْلَي أَبِي حُذَيْفَةَ، الْحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ في أُمَّتِي مِثْلَ هذَا". أخرجه ابن قدامة.
والحاصل أنه ثبت أن تحسين الصوت بالقرآن مستحب لا مكروه، ما لم يؤد ذلك إلى تغيير لفظه وزيادة حروفه. وبالله تعالى التوفيق.
(٤) وقوله: كجماعة وجلوس لها لا لتعليم؛ هو لما في المدونة، ولفظه: ولقد سمعته ينكر هذا؛ أن يأتي قوم فيجلسوا إلى رجل يقرأ القرآن لا يجلسون إليه لتعليم. وكان مالك يكره أن يجلس الرجال إلى الرجل متعمدين ليقرأ لهم القرآن وسجود التلاوة. ا. هـ. منه.
(٥) وقوله: وأقيم القارئ في المسجد يوم خميس أو غيره؛ هو أيضًا لفتوى مالك في المدونة؛ قال: وسألنا مالكًا عن هذا الذي يقرأ في المسجد يوم الخميس أو نحوه فأنكره قال: وأرى أن يقام ولا يترك. ا. هـ. منه.
(٦) وقوله: وفي كره قراءة الجماعة على الواحد روايتان؛ تعليل الكراهة فيها ظاهر؛ وهو مخافة أن يخطئ بعضهم فلا ينتبه الشيخ لخطئه، فيظنه إقرارًا له لأنه رواية. والذي يقتضيه الواقع كراهتها لأن الله تعالى يقول: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ (١) الآية. والله تعالى أعلم.
(٧) وقوله: واجتماع لدعاء يوم عرفة؛ أي على وجه الاستنان؛ بأن يجتمعوا للدعاء بالمسجد يوم عرفة، أو يوم عاشوراء أو ليلة النصف من شعبان ونحو ذلك، لأنه بدعة. وبالله تعالى التوفيق.
стр. 242
ومجَاوَزَتُهَا لِمُتَطَهِّرٍ وَقْتَ جَوَازٍ (١)، وإِلَّا فَهَلْ يُجَاوِزُ مَحَلَّهَا أَو الآيَةَ تَأْويلَانِ، واقْتِصَارٌ عَلَيْهَا وَأُوِّلَ بِالكِلْمَةِ والآيَةِ قال: وَهُوَ الأشْبَهُ (٢)، وَتَعَمُّدُهَا بِفَرِيضَةٍ أَوْ خُطْبَةٍ (٣). وَجَهَرَ إِمَامُ السِّريةَ إلَّا اتُّبعَ، ومُجَاوِزُهَا بِيَسِيرٍ يَسْجُدُ، وبِكَثِيرٍ يُعيدُهَا في الْفَرْضِ مَا لَمْ يَنْحَنِ، وبِالنَّفْلِ فِي ثانِيَّتِهِ، فَفِي فِعْلِهَا قَبْلَ
(١) وقوله: ومجاوزتها لمتطهر وقت جواز؛ تبع فيه مذهب المدونة، ففيها: وقال مالك: أكره للرجل أن يقرأ سورة فيخطف السجدة وهو على وضوء. إذا قرأ السورة وهو على وضوء فلا يدع أن يقرأ السجدة، فإن كان على غير طهارة فحكمه مجاوزة محلها لفتوى مالك في المدونة: وكان مالك يحب للرجل إذا كان على غير طهارة فقرأ سورة فيها سجدة أن يختصرها. ا. هـ. منه. وذلك وجه تساؤل المختصر: وإلَّا يكن على طهارة وقلنا: إن الحكم مجاوزتها، فهل يجاوز محل السجدة فقط، أو هو يترك الآية التي فيها السجدة جمعاء؟.
(٢) وقوله: واقتصار عليها؛ هو تشبيه في الكراهة، وذلك لفتوى مالك في المدونة، قال: وكان مالك يكره للرجل أن يقرأ السجدة وحدها، لا يقرأ قبلها شيئًا ولا بعدها شيئًا، فيسجد بها وهو في صلاة أو في غير صلاة. ا. هـ. منه.
(٣) وقوله: وتعمدها بفريضة أو خطبة، التشبيه هنا في الكراهة أيضًا، وهي لفتوى مالك في المدونة؛ وقال مالك: لا أحب للإمام أن يقرأ في الفريضة بسورة فيها سجدة، لأنه يخلط على الناس صلاتهم إذا قرأ سورة فيها سجدة. وسألنا مالكًا عن الإمام يقرأ السورة في صلاة الصبح فيها سجدة؟.
فكره ذلك وقال: أكره للإمام أن يتعمد سورة فيها سجدة. فيقرأها، لأنه يخلط على الناس صلاتهم، فإذا قرأ سورة فيها سجدة سجدها. ا. هـ. منه.
قلت: وقد ثبت في الحديث المتفق عليه عن أبي رافع قال: صليت مع أبي هريرة العتمة فقرأ (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ) (١). فسجد. فقلت: ما هذه؟. قال: سجدت بها خلف أبي القاسم ﷺ . فلا أزال أسجد فيها حتى ألقاه. هذا لفظ البغوي، والحديث دليل على جواز قراءة السجدة في الفريضة. =
стр. 243
الْفَاتِحَةِ قَوْلَانِ، وَإِنْ قَصَدَهَا فَرَكَعَ سَهْوًا اعتدَّ بِه ولَا سَهْوَ، بِخِلَافِ تَكْرِيرهَا أَو سُجودٍ قَبْلَها سهوًا، قال: وأَصْلُ المَذْهَبِ تكْرِيرُهَا إِنْ كَرَّرَ حِزْبًا إِلَّا المُعَلِّمَ والْمُتَعَلِّمِ فَأوَّلَ مَرَّةٍ، ونُدِبَ لِسَاجِدِ الْأعْرَافِ قِرَاءَةُ قَبْلَ رُكُوعِهِ، ولَا يَكْفِي عَنْهَا رُكُوعٌ، وَإِنْ تَرَكَهَا وقَصَدَهُ صَحَّ وَكُرِهَ، وسَهْوًا اعْتُدَّ بِهِ عِنْدَ مالك لَا ابْنِ الْقَاسِمِ، فَيَسْجُدُ إِن اطْمَأَنَّ به.
= وقوله: وخطبة جمعة؛ هو عطف أيضًا على الكراهة، غير أنه روي عن عمر بن الخطاب أنه قرأ السجدة على المنبر يوم الجمعة، فنزل فسجد وسجد الناس معه، ثم قرأها في الجمعة الثانية فتهيأ الناس للسجود، فقال إن الله لم يكتبها علينا إلَّا أن نشاء. فلم يسجد ومنعهم أن يسجدوا. ا. هـ. وهذا الحديث كما أخرجه البغوي في شرح السنة، هو في الموطإ، باب ما جاء في سجود القرآن، وأخرجه البخاري أيضًا في سجود القرآن، باب من رأى أن الله لم يوجب السجود. ا. هـ.
والله أرجو أن يسددنا في القول والعمل إنه سميع مجيب.
وقوله: وأصل المذهب تكريرها إن كرر حزبًا إِلَّا المعلم والمتعلم فأول مرة؛ مشى فيه هنا على شطري القاعدة الفقهية التي يقول الفقهاء فيها: هل الأمر يقتضي التكرار أو لا؟. وقد عقدها في المنهج المنتخب بقوله:
هل يقتضي تكرارًا الأمر وهل … يصير منهي بنهي مضمحل
للأول الولوغ والدخول … حكاية وسجدة تئول
وسرد في البيت الثاني فروعًا مبنية على القاعدة المذكورة في شطر البيت الأول، وهذه الفروع هي: إذا تكرر الولوغ من كلب واحد أو كلاب في الإناء، هل تتكرر الغسلات السبع بتكرر الولوغ، بناء على أن الأمر يقتضي التكرار؟. أو لا تتكرر بناء على أنه لا يقتضي ذلك؟. وإذا تعدد دخول امرئ المسجد، فهل يكرر صلاة تحية المسجد كلما دخل، بناءًا أن الأمر يقتضي التكرار؟. أو لا تتكرر بناء على الشطر الثاني وهو المعروف؟. وإذا تكرر الأذان فهل تتكرر حكايته لسامعه؟. أولا تتكرر بناء على القاعدة؟. ومحل الشاهد منه قوله: وسجدة تئول. أي ومن كرر موضع السجدة فهل تتكرر السجدة =
стр. 244
فصل في النفل
نُدِبَ نَفْلٌ، وتَأَكَّدَ بَعْدَ مَغْرِبٍ؛ كَظُهْرٍ وَقَبْلَهَا كَعَصْرٍ بِلَا حَدٍّ (١)، والضُّحَى (٢). وَسِرٌّ بِهِ نَهَارًا وَجَهْر لَيْلًا. وتَأَكَّدَ بِوِتْرٍ، وتَحِيَّةُ مَسْجِدٍ (٣)، وَجَازَ تَرْكُ مَارٍّ، وَتَأَدَّتْ بِفَرْضٍ، وبَدْءٌ بِهَا بِمَسْجِدِ المدِينةِ قَبْلَ السَّلَامِ عَليهِ ﷺ ، وإِيقَاعُ نَفْلٍ بِهِ بِمُصَلَّاه ﷺ ، والفَرْضُ بالصف الأوَّلِ (٤)، وتحِيَّةُ مَسْجِدِ مَكَّةَ الطَّوَافُ، وَتَرَاوِيحٌ، وانْفِرَادٌ بِهَا إِنْ لم تُعَطَّل المسَاجِدُ، والخَتْمُ فيهَا، وسورةٌ تُجْزِئ، ثَلَاثٌ وعِشْرونَ ثمَّ جُعِلَتْ سِتًّا وثَلَاثِينَ، وخَفَّفَ مَسْبُوقُهَا ثَانِيته ولَحِقَ (٥)، وَقِرَاءَةُ شَفْعٍ بِسَبِّحْ والكَافِرونَ، وَوترٍ بإخْلَاصٍ ومُعَوِّذَتَيْن إِلَّا لمن لهُ حِزْبٌ فَمِنْهُ فِيهِمَا (٦)، وَفِعْلُهُ لِمُنْتَبِهٍ آخِرَ اللَّيْلِ (٧)، ولمْ يُعِدْهُ مُقَدِّمٌ ثُمَّ صَلَّى، وجَازَ وعَقِيبَ
= تكرار موضعها أولا، بناء على شطري القاعدة؟. وهو هنا مشى على القول لأنه يقتضي التكرار في غير المعلم والمتعلم، وعلى أنه لا يقتضي التكرار فيهما. والله أعلم بمستنده. اللهم إذا كان ذلك سماحة الدين ويسره وما فيه من رفع المشقة والحرج.
(١) وقوله ﵀: ندب نفل وتأكد بعد مغرب؛ كظهر وقبلها كعصر بلا حد؛ لقوله ﷺ من حديث أم حبيبة قالت: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ صَلَّى فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ثِنْتَىْ عَشْرَةَ رَكْعَة بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ. أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ". ا. هـ. لفظ البغوي.
وأخرجه مسلم عن محمد بن بشار عن محمد بن جعفر، عن شعبة عن النعمان بن سالم عن عمرو بن أوس عن عنبسة. وأخرجه الترمذي في سننه في الصلاة: باب ما جاء في ركعتي الفجر من الفضل؛ وأخرجه النسائي في قيام الليل، ولكن قال: "وَرَكْعَتَيْنِ قَبْل الْعَصْرِ". ولم يذكر الركعتين بعد العشاء. وأخرجه أبو داود في الصلاة؛ باب تفريع أبواب التطوع. وأخرجه ابن ماجه. =
стр. 245
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وروي عن عائشة أيضًا عن النبي ﷺ قال: "مَنْ ثَابَرَ عَلَى ثِنْتَىْ رَكْعَةً مِنَ السُّنَّةِ بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتًا في الْجَنَّةِ". وذكرت مثل حديث أم حبيبة المتقدم. وهذا الحديث أخرجه الترمذي: باب ما جاء فيمن صلى في يوم وليلة ثنتي عشرة ركعة، وإسناده حسن. ورواه النسائي في قيام الليل: باب ثواب من صلى في اليوم والليلة ثنتي عشرة ركعة. ورواه ابن ماجه: باب ما جاء في ثنتي عشرة ركعة من السنة.
(٢) وقوله: والضحى؛ هو لما أخرجه ابن خزيمة في صحيحه عن أبي ذر قال: أوصاني بثلاث لا أدعهن أبدًا: أوصاني بصلاة الضحى، وبالوتر قبل النوم، وبصوم ثلاثة أيام من كل شهر. ا. هـ. وأخرج مثله عن أبي هريرة.
وعن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ : "لَا يُحَافِظُ عَلَى صَلَاةِ الضُّحَى إلَّا أَوَّابٌ قال: "وَهِيَ صَلَاةُ الْأوَّابِينَ". رواه ابن خزيمة.
وعن أبي ذر عن النبي ﷺ أنه قال: "يُصْبحُ أحَدُكُمْ وَعَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْهُ صَدَقَةٌ، فَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ وَتَحْمِيدَةٍ، وَتَكْبِيرَةٍ، وَتَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بِمَعْروُفٍ وَنَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ، وَتُجْزِئُ مِنْ كُلِّ ذلِكَ رَكْعَتَا الْفَجْرِ". أخرجه ابن خزيمة. وهو في صحيح مسلم.
(٣) وقوله: وتحية مسجد، لحديث أبي قتادة المتفق عليه، قال ﵁: قال رسول الله ﷺ : "إذَا دَخَلَ أحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ".
وقوله: وتأدت بفرض؛ أي لاندراج الأصغر في الأكبر، وقوله: وبدءٌ بها بمسجد المدينة قبل الصلاة على النبي ﷺ ؛ أي لأن تحية المسجد الحق فيها للخالق. والله تعالى أعلم.
(٤) وقوله: والفرض بالصف الأول؛ لما ورد عن سمرة بن جندب أن النبي ﷺ قال "احْضُرُوا الذِّكْرَ، وَادْنُوا مِنَ الْإمَامِ، فَإِنَّ الرَّجُلَ لَا يَزَالُ يَتَبَاعَدُ حَتَّى يُؤخَّرَ فِي الْجَنَّةِ وإِنْ دَخَلَهَا". أخرجه ابن قدامة في المغني وقال: رواه أبو داود. وقد ثبت في الحديث المتفق عليه: "لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفُ الْأوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا". متفق عليه.
وقوله: وتحية مسجد مكة الطواف؛ هو في حق القادم بنسك، أو الداخل في المسجد بنية الطواف، وإلا فهو كغيره من المساجد تحيته الركعتان، وهذا التفصيل هو الذي يناسب قوله تعالى: =
стр. 246
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (١). وقوله تعالى: (يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (٢). والله الموفق.
(٥) وقوله: وتراويح وانفراد بها ألخ. وهي سنة مؤكدة، سنها رسول الله ﷺ . قال أبو هريرة: كان رسول الله ﷺ يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم فيه بعزيمة فيقول: "مَنْ قَامَ رَمْضَانَ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ". رواه مسلم وابن ماجه. وعن عائشة ﵂: صلى النبي ﷺ في المسجد ذات ليلة فصلى بصلانه ناس، ثم صلى من القابلة وكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة، فلم يخرج إِليهم رسول الله ﷺ . فلما أصبح قال: "قَدْ رَأْيتُ الَّذِي صَنَعْتُمْ فَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنَ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ إلَّا أَنِّي خَشِيتُ أنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ". قالت: وذلك في رمضان. رواه مسلم.
وقوله ثلاث وعشرون؛ هو لما في الموطإ: وحدثني عن مالك عن يزيد بن رمان أنه قال: كان
الناس يقومون في زمان عمر بن الخطاب في رمضان بثلاث وعشرين ركعة.
وقد روي عن عائشة ﵂، قالت: ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة؛ يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعًا، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثًا، قالت عائشة: قلت: يا رسول الله، أتنام قبل أن توتر؟. قال: "يَا عَائِشَةُ، عَيْنَايَ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي". متفق عليه. وهذا اللفظ لبلوغ المرام وفيه في النسخة التي بيدي "عَينيَّ" ولعلها خطأ مطبعي.
وقوله وانفراد بها إن لم تعطل المساجد؛ قال ابن قدامة: قال الطحاوي: كل من اختار التفرد ينبغي أن يكون ذلك على أن لا يقطع معه القيام في المساجد. فأما التفرد الذي يقطع معه القيام في المساجد فلا. وبه قال الليث بن سعد. ا. هـ.
ومالك والشافعي يقولان: قيام رمضان في البيت أحب إلينا لمن قوي، لما روى زيد بن ثابت قال: احتجز رسول الله ﷺ حجيرة بخصفة أو حصير، فخرج رسول الله ﷺ فيها، فتتبع إليه رجال =
стр. 247
شَفْعٍ مُنْفَصِلٍ عَنْهُ بِسَلَامٍ إِلَّا لاقْتِدَاءٍ بِواصِل. وَكُرِهَ وَصْلُه (١) وَوتْرٌ بِوَاحِدَةٍ (٢)،
وجاؤوا يصلون بصلاته، قال: ثم جاؤوا ليلة فحضروا، وأبطأ رسول الله ﷺ عنهم فلم يخرج إليهم، فرفعوا أصواتهم وحصبوا الباب، فخرج إليهم رسول الله ﷺ مغضبًا، فقال: "مَا زَالَ بِكُمْ صَنِيعُكُمْ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُكْتَبُ عَلَيْكُمْ، فَعَلَيْكُمْ بِالصَّلاةِ فِي بُيُوتكُمْ، فَإنَّ خَيْرَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إلَّا الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ". رواه مسلم.
وقوله: والختم فيها، لا يخفى أن ختم القرآن مستحب.
وقوله: وسورة تجزيءُ؛ لقوله تعالى: (فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ) الآية.
(٦) قوله: وقراءة شفع بسبّح والكافرون؛ هو لحديث أبي بن كعب ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يوتر بـ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) و (قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ). و (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) رواه في بلوغ المرام وقال: رواه أحمد وأبو داود والنسائي وزاد: ولا يسلم إلا في آخرهن، ثم قال: ولأبي داود والترمذي نحوه عن عائشة ﵂. وفيه: كل سورة في ركعة، وفي الأخيرة (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) والمعوذتين. ا. هـ. بلوغ المرام.
(٧) وقوله: وفعله لمنتبه آخر الليل؛ هو لقوله ﷺ من حديث جابر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ خَافَ أنْ لَا يَقُومَ مِنْ آخِر اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ، وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ فَلْيُوتِرَ آخِرَ اللَّيْلِ، فَإِنَّ صَلَاةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ، وَذلِكَ أَفْضَلُ". أخرجه بلوغ المرام وقال: رواه مسلم. ويالله تعالى التوفيق.
(١) وقوله: وكره وصله؛ فقد تقدم لك حديث أُبيِّ بن كعب ﵁ عن النسائي: كان رسول الله ﷺ يوتر بـ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) و (قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ) و (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) ولا يسلم إلا في آخرهن. ا. هـ. فإن صح هذا الخبر انتفت الكراهة دون شك، ولعل أهل المذهب يرونه معلولًا. والله أعلم.
(٢) وقوله: ووتر بواحدة، فقد ثبت عنه ﷺ من حديث أبي أيوب الأنصاري أنه قال: "الْوِتْرُ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ؛ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوترَ بِثَلَاثٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ". أخرجه في بلوغ المرام وقال: رواه الجماعة إلا الترمذي. وصححه ابن حبان ورجح النسائي وقفه.
стр. 248
وقِراءَةُ ثَانٍ مِن غَيْرِ انْتِهَاءِ الأَوَّلِ، ونَظَرٌ بِمُصْحَفٍ في فَرْضٍ أَو أثْنَاءَ نَفْلٍ لَا أَوَّلَهُ، وجَمْعٌ كَثِيرٌ لِنَفْلٍ أَوْ بِمَكَانٍ مُشْتَهِرٍ وإِلَّا فَلَا، وكَلَامٌ بَعْدَ صُبْحٍ لِقُرْبِ الطُّلُوعِ لَا بَعْدَ الْفَجْرِ، وضِجْعَةٌ بينَ صُبْح ورَكْعَتَيْ فَجْر (١)، وَالْوِتْرُ سُنَّةٌ آكَّدُ ثُمَّ
(١) وقوله وضجعة بين صبح وركعتي فجر؛ أين هذه الكراهة من حديث عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع على شقه الأيمن. أخرجه بلوغ المرام وقال: رواه مسلم.
وأين هي من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ إِذَا صَلَّى أَحَدُكُم الركْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى جَنْبِهِ الْأيْمَنِ". أخرجه بلوغ المرام وقال: رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه.
قلت: وعلى الرغم من حكاية كراهة هذه الضجعة عند أصحابنا، فقد حكى أهل الظاهر وجوبها لورود الأمر بها، كما علمت من حديث أبي هريرة، بل إن بعض هؤلاء قال: إنها شرط في صحة صلاة الصبح، وقد أبعد النجعة من يقول ذلك.
والتحقيق - إن شاء الله - أن لا محل للكراهة بتاتًا، وأن القول بوجوبها بعيد، وأنه يتخرج القول فيها على الخلاف في فعله ﷺ الجبلّي المقترن بالعبادة؛ كحجه ﷺ : "لِتَأْخذوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ". فمن يقول: الركوب في الحجة سنة، تمسك بمقارنة قول هذا لفعله، ومن يقول: ليس بسنة، قال: إنما ركب لأن الجبلَّة البشرية تقضي بذلك.
وكذلك الخلاف في استحباب الخروج إلى مصلى العيد من طريق والرجوع من آخر؛ فمن يقول: هو مستحب، يقول: فعله ﷺ وهو الأسوة، ومن يقول: ليس بسنة، قال: إنما وقع ذلك بحكم الجبلَّة، وكذلك يجري الخلاف في النزول بالمحصب بعد الخروج من منًى، وهكذا يكون الشأن في الضجعة بعد صلاة الفجر وقبل صلاة الصبح. قال شيخ مشائخنا في مراقي السعود:
وفعله المركوز في الجبلة … كالأكل والشرب فليس ملة =
стр. 249
اسْتِسْقَاءٌ، ووقْتُهُ بَعْدَ عِشَاءٍ صَحِيحَةٍ وشَفَقٍ للفَجْرِ، وضروريُّهُ للصبح (١). وَنُدِبَ قَطْعُهَا لَفَذٍّ لَا مُؤْتَمٍّ وَفِي الْإِمَامِ روايتان وإن لم يَتَّسِع الْوَقْتُ إِلَّا لِركْعَتَيْنِ تَرَكَهُ لا
= فالحج راكبًا عليه يجري … كضجعة بعد صلاة الفجر
فمن يقول بمشروعية فعلها على وجه الاستنان، يقول: لفعل رسول الله ﷺ لها. ومن يقول بعدم استحبابها يقول: إنما فعلها لأن الجبلة البشرية تقضي بذلك؛ لاستراحته ﷺ من قيام الليل. وبالله تعالى التوفيق.
(١) وقوله: والوتر سنة آكد، دليل سنيته حديث علي بن أبي طالب ﵁، قال: ليس الوتر بحتم كهيئة المكتوبة، ولكن سنة سنها رسول الله ﷺ . أخرجه في بلوغ المرام وقال: رواه الترمذي وحسنه والنسائي والحاكم وصححه، وحديث جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قام في شهر رمضان، ثم انتظره من القابلة فلم يخرج وقال: "إنِّي خَشِيتُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْكُمْ الْوِتْرُ". أخرجه في بلوغ المرام وقال: رواه ابن حبان. وحديث الموطإ عن مالك عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان عن ابن محيريز أن رجلًا من بني كنانة يدعى المُخْدَجِيَّ سمع رجلًا بالشام يكنى أبا محمد يقول: إن الوتر واجب، فقال المخدجيُّ: فرحت إلى عبادة بن الصامت، فاعترضت له وهو رائح إلى المسجد فأخبرته بالذي قال أبو محمد، فقال عبادة: كذَبَ أبو محمد. سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللهُ عَلَى الْعِبَادِ فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ لَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِهِنَّ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ، إنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ أدْخَلَهُ الْجَنَّةَ". ا. هـ. منه.
وقوله: ووقته بعد عشاء صحيحة وشفق للفجر؛ هو لدليل حديث خارجة بن حذافة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ اللهَ أَمَدَّكُمْ بِصَلَاةٍ هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِن حُمْرِ النَّعَمْ" قلنا وما هي يا رسول الله؛ قال: "الْوِتْرُ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ". أخرجه في بلوغ المرام وقال: رواه الخمسة إلا النسائي وصححه الحاكم. قلت: وأخرجه الطحاوي والدارقطني والبيهقي.
وقوله: وضروريه للصبح، هو لحديث الموطإ: يحيى عن مالك عن عبد الكريم بن أبي =
стр. 250
لِثَلَاثٍ، ولخمْسٍ صَلَّى الشَّفْعَ وَلَوْ قدَّمَ وَبِسَبْعٍ زاد الْفجْرَ (١). وَهِيَ رَغيبَةٌ (٢)
= المخارق البصري عن سعيد بن جبير، أن عبد الله بن عباس رقد ثم استيقظ فقال لخادمه: انظر ما صنع الناس؟. وهو يومئذ قد ذهب بصره، فذهب الخادم ثم رجع فقال: قد انصرف الناس من الصبح، فقام عبد الله بن عباس فأوتر ثم صلى الصبح. ا. هـ. وفي الموطإ أيضًا: مالك عن عبد الله بن القاسم أنه سمع أباه القاسم بن محمد يقول: إني لأوتر بعد الفجر. قال مالك: وإنما يوتر بعد الفجر من نام عن الوتر، ولا ينبغي لأحد أن يتعمد ذلك حتى يضع وتره بعد الفجر.
(١) وقوله: وندب قطعها له؛ أي قطع صلاة الصبح إذا تذكر الفذ أثناء صلاته أنه نام عن الوتر ليأتي به في وقت الضرورة له، لأنه روي عن عبد الله بن زيد بن أسلم، عن أبيه أن النبي ﷺ قال: "مَنْ نَامَ عَنْ وِتْرِهِ فَلْيُصَلِّ إذَا أَصْبَحَ". ذكره البغوي في شرح السنة وأخرجه الترمذي: باب ما جاء في الرجل ينام عن الوتر. أما هذه الأقدار المقدرة بعدد الركعات، فالله أعلم بمستنده فيها وهو المتبحر ﵀.
(٢) وقوله: وهي رغيبة؛ هو مصطلح خاص بأصحابنا يقولون: هو دون السنة وفوق المستحب.
وقد عرفها شيخ مشائخنا في مراقي السعود بقوله:
رغيبة ما فيه رغب النبي … بذكر ما فيه من الأجر جبي
أو دام فعله بوصف النفل … والنفل من تلك القيود أخلِ
والأمرَ بل أعلمَ بالثوابِ فيه … فيه نبي الرشدِ والصوابِ
فقال في تعريف الفرق بين الرغيبة عندنا والنافلة: إن الرغيبة هي التي قيدت بترغيب النبي ﷺ فيها؛ بذكر ما فيها من الثواب محددًا أو بمداومته عليها، والنفل خال من المداومة على فعله ومن تحديد الثواب والأمر به، بل ذكر ﷺ أن فاعله يثاب فقط من غير تحديد.
وفي مواظبة رسول الله ﷺ تقول عائشة ﵂: ما كان رسول ﷺ على شيء من النوافل أشد معاهدة منه على الركعتين أمام الصبح.
بهذا اللفظ أخرجه البغوي في السنة، وهو متفق عليه، أخرجه البخاري عن بيان ابن عمرو، وأخرجه مسلم عن زهير بن حرب، كلاهما عن يحيى بن سعيد عن ابن جريج. =