← Фикх малики

Фикх малики · id 784

مواهب الجليل من أدلة خليل

أحمد بن أحمد المختار الشنقيطي

Полный текст (1 647 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . = قلت: فإن قال قائل: آية النساء إنما منطوقها جواز القصر في الخوف، فما بال صلاة الأمن تقصر؟!. فالجواب هو حديث يعلى بن أمية، ولفظه عند البغوي: قلت لعمر بن الخطاب: إنما قال الله : ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (١) الآية، فقد أمن الناس؟. قال عمر: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله ﷺ فقال: "صَدَقَةٌ تَصَدَّق اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ". قال البغوي: هذا حديث صحيح. أخرجه مسلم عن إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الله بن ادريس، عن ابن جريج. ا. هـ. وهذا الحديث أخرجه مسلم في صلاة المسافرين، وأخرجه أبو داود، باب صلاة المسافر وأخرجه الترمذي في التفسير، وأخرجه ابن ماجه؛ باب تقصير الصلاة. (٢) وقوله: أربعة برد؛ قال البغوي: كان ابن عمر وابن عباس يقصران ويفطران في أربعة برد - وهي ستة عشر فرسخًا - ولا يريان فيما دونها. سافر ابن عمر إلى رئمٍ فقصر. قال مالك: وذلك نحو أربعة برد. وقال عطاء: قلت لابن عباس أقصر إلى عرفة؟. قال: لا. قلت إلى منى. قال: لا، ولكن إلى جدة وعسفان والطائف. ا. هـ. وإلى هذا ذهب مالك، وأحمد، وإسحاق، وللشافعي نحو منه حيث قال: يقصر في مسيرة ليلتين قاصدتين. وقال في موضع: سته وأربعين ميلًا بالهاشمي. تنبيه: إعلم أن مسافة القصر لم يثبت في تحديدها شيء عن رسول الله ﷺ ، ولذلك اختلف أهل العلم فيها؛ فروى شعبة عن يحيى بن يزيد الهنائي قال: سألت أنس بن مالك عن قصر الصلاة، فقال أنس: كان رسول الله ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ - شك شعبة - صلى ركعتين. وهذا الحديث أخرجه مسلم في صلاة المسافرين. وروي عن جبير بن نفير قال: خرجت مع شرحبيل بن السمط إلى قرية على رأس سبعة عشر أو ثمانية عشر ميلًا، فصلى ركعتين، فقلت له؟. فقال: رأيت عمر صلى بذي الحليفة ركعتين. فقلت له؟. فقال: إنما أفعل كما رأيت رسول الله ﷺ يفعل. وهذا الحديث أيضًا أخرجه مسلم. =

стр. 282

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وعن أنس أنه كان يقصر فيما بينه وبين خمس فراسخ. وعن ابن عمر في رواية: إني لأسافر الساعة من النهار فأقصر. وروى ابن أبي شيبة عن وكيع عن مسعر، عن محارب: سمعت ابن عمر يقول: إني لأسافر الساعة من النهار فأقصر. وقال الثوري: سمعت جبلة بن سحيم، سمعت ابن عمر يقول: لو خرجت ميلًا قصرت الصلاة. وكلا الحديثين صحيح الإسناد. انظر فتح الباري. وقال عمرو بن دينار: قال لي جابر بن زيد: أقصر بعرفة. قاله البغوي في شرح السنة. وذهب كثير من أهل العلم إلى عدم جواز القصر في السفر القصير، إلا أنهم اختلفوا في حده، قال الأوزاعي: عامة الفقهاء يقولون يوم وليلة وبهذا نأخذ. وروي أن سالم بن عبد الله كان يقصر في مسيرة اليوم التام. أخرجه مالك في الموطإ وإسناده صحيح وهو في مصنف عبد الرزاق. إلى غير ذلك. والله الموفق. وقوله: ذهابًا قصدت دفعة؛ هو لما في مصنف عبد الرزاق عن معمر عن قتادة أن عثمان كتب إلى بعض عماله أنه لا يصلي الركعتين المقيم ولا التاني ولا التاجر، إنما يصلي الركعتين من معه الزاد والمزاد. ا. هـ. والتاني بدون همز المزارع. وأخرج عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن أبي قلابة قال: أخبرني من قرأ كتاب عثمان أو قرئ عليه أن عثمان كتب إلى أهل البصرة: أما بعد؛ فإنه بلغني أن بعضكم يكون في جَشْرة أو في تجارة، أو يكون جابيًا فيقصر الصلاة، إنما يقصر الصلاة من كان شاخصًا أو بحضرة عدو. ا. هـ. وقوله: جشرة؛ الجَشْر: هو إخراج الدواب للرعي. وفي النهاية: "لَا يُغْنِكُمْ جَشْرُكُمْ عَنْ صَلَاتِكُمْ". والجَشَر: بفتحتين قوم يأخذون دوابهم إلى المرعى، ويبيتون مكانهم ولا يأوون إلى البيوت، فربما رأوه سفرًا فقصروا الصلاة فنهاهم عن ذلك. قال الأعظمي: والجَشَرُ أيضًا بالتحريك المال الذي يرعى في مكانه لا يرجع إلى أهله بالليل. ا. هـ. (٣) وقوله: إن عدَّى البلدي البساتين المسكونة الخ؛ أخرج عبد الرزاق عن هشيم قال: أخبرني أبو هارون عن أبي سعيد قال: كان رسول الله ﷺ إذا سار فرسخًا نزل يقصر الصلاة. وأخرج عبد الرزاق عن الثوري عن داود عن أبي حرب بن أبي الأسود الديلي أن عليًا لما خرج إلى البصرة رأى خُصًّا فقال: لولا هذا الخصُّ لصلينا ركعتين. فقلت ما خُصًّا؟. قال: بيت من قصب. =

стр. 283

أوْ فاَئِتَةٍ فيه (١)، وإنْ نُوتيًّا بأهْلِهِ (٢)، إلى مَحَل الْبَدْءِ، لَا أقَلَّ (٣)، إِلَّا كَمَكِّيٍّ في خُروجِه لعرفة ورُجُوعِهِ، ولَا رَاجعٌ لِدُونها (٤) وَلَوْ لِشَيْءٍ نِسيَهُ. وَلَا عَادِلٌ عَنْ قَصِيرٍ = وأخرج عبد الرزاق عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أنه كان يقصر الصلاة حين يخرج من بيوت المدينة، ويقصر إذا رجع حتى يدخل بيوتها. ا. هـ. وفي المدونة: وقال مالك في الرجل يريد سفرًا أنه يتم الصلاة حتى يبرز عن بيوت القرية، فإذا برز قصر الصلاة، فإذا رجع من سفره قصر الصلاة حتى يدخل بيوت القرية أو قربها. قلت لمالك: فإن كان على ميل؟. قال: يقصر الصلاة. قال ابن القاسم: ولم يحدّ لنا في القرب حدًا. ا. هـ. (١) وقوله: أو فائتة فيه: هو لفتوى مالك في المدونة: وقال مالك في رجل نسي الظهر وهو مسافر فذكرها وهو مقيم، قال: يصلي ركعتين، وإن ذكر صلاة الحضر في السفر صلى أربعًا؛ وقال ذلك ابن وهب عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، وقاله الحسن من حديث وكيع عن سفيان بن أبي الفضل عن الحسن. ا. هـ. منه. (٢) وقوله: وإن نوتيًا بأهله؛ هو أيضًا لفتوى مالك في المدونة: وقال مالك في المسافر في البر والبحر سواء إذا نوى إقامة أربعة أيام أتم الصلاة وصام. قال: وبلغني أن مالكًا قال في النواتية؛ يكون معهم الأهل والولد في السفينة هل يتمون الصلاة أو يقصرون؟. قال: يقصرون إذا سافروا. ا. هـ. قلت: وهذه الفتوى مبنية على القاعدة التي تقول: إن الأحكام المعللة بالمظان لا تتخلف بتخلف العلة؛ وتوضيح ذلك أن علة القصر في السفر هي أن السفر مظنة المشقة، فإذا وجدنا سفرًا لا مشقة فيه، قصر صاحبه وإن لم يجد العلة المظنونة، ونحو ذلك. والله الموفق. (٣) قوله: إلى محل البدء، قد تقدم لك دليله. وقوله: لا أقل، هو على رأي مالك ومن وافقه كما علمت. والأمر في ذلك واسع لم يثبت فيه نص عن رسول الله ﷺ كما أنه لم يقع فيه إجماع يجب الرجوع إليه. وبالله التوفيق. (٤) وقوله: إلا كمكي في خروجه لعرفة ورجوعه؛ أخرج عبد الرزاق عن معمر عن الزهري، عن سالم عن ابن عمر، قال: صليت مع رسول الله ﷺ بمنى ركعتين ومع أبي بكر ركعتين، ومع عمر =

стр. 284

بِلَا عُذْرٍ، ولَا هَائِمٌ وَطَالِبُ رَعْيٍ إلَّا أنْ يَعْلَمَ قَطْعَ الْمَسَافَةِ (١) قَبْلَهُ، وَلَا مُنْفَصِلٌ يَنْتَظِرُ رُفْقَةً إِلَّا أَنْ يَجْزِمَ بالسَّيْرِ دُونَها (٢)، وَقَطَعَهُ دُخُولُ بَلَدِه وَإنْ بِريحٍ (٣) إِلَّا مُتوَطِّنَ كَمَكَّةَ رَفَضَ سُكْناهَا ورَجَعَ ناوِيًا السَّفَرَ وقَطَعَهُ دُخُولُ وَطَنِهِ (٤) أوْ مَكَانِ زَوْجَةٍ دَخَلَ = ركعتين، ومع عثمان صدرًا من خلافته، ثم صلاها أربعًا، قال الزهري: فبلغني أن عثمان إنما صلاها أربعًا لأنه أزمع أن يقيم بعد الحج. قلت: وهذا القصر عند أصحابنا نسك من نسك الحج، لا لعلة السفر، لأن المكي وأهل منى وعرفات يقصر جميعهم في هذه الأيام. والله الموفق. وقوله: ولا راجع لدونها؛ هو لفتوى مالك في المدونة: وقال مالك في رجل خرج مسافرًا فلما مضى فرسخًا أو فرسخين أو ثلاثة رجع إلى بيته في حاجة بدت له، قال: يتم الصلاة إذا رجع حتى يخرج فاصلًا الثانية من بيته، ويجاوز بيوت القرية ثم يقصر. ا. هـ. منه. (١) وقوله: ولا هائم وطالب رعي إلا أن يعلم قطع المسافة دونه؛ هو لفتوى مالك في المدونة: قال مالك فيمن طلب حاجة وهو على بريد فقيل له: هي بين يديك على بريدين فلم يزل كذلك حتى صار مسيرة أيام وليال، قال: إنه يتم الصلاة ولا يقصر، فإذا أراد الرجعة إلى بلده قصر الصلاة؛ إن كان بينه وبين بلده أربعة برد فصاعدًا. ا. هـ. منه. (٢) وقوله: ولا منفصل ينتظر رفقة إلا أن يجزم بالسير دونها؛ هو لفتوى ابن القاسم في المدونة: قال ابن القاسم: وأنا أرى في الذي يتقدم القوم للخروج إلى موضع تقصر في مثله الصلاة، ينتظرهم في الطريق حتى يلحقوه؛ إنه إن كان فاصلًا على حال ينفذ لوجهه، سار معه من ينتظر أو لم يسر، فأنا أرى أن يقصر الصلاة من حين يجاوز بيوت القرية، وإن كان إنما يتقدمهم ولا يبرح إلا بهم ولا يستطيع مفارقتهم؛ إن أقاموا أقام، فإنه يتم حتى يلحقوه وينفذوا لسفرهم موجهين. قال: وهذا قول مالك أيضًا. ا. هـ. منه. (٣) قوله: وقطعه دخول بلده؛ هو أيضًا لفتوى مالك في المدونة قال: قال مالك فيمن خرج من افريقية يريد مكة، وله بمصر أهل فأقام عندهم صلاة واحدة؟ إنه يتمها. ا. هـ. منه. (٤) وقوله: وقطعه دخول وطنه؛ لعله لفتوى مالك في المدونة: قال: وقال مالك في رجل دخل =

стр. 285

بهَا فَقَطْ، وإنْ بِريحٍ غِالِبَةٍ، ونيَّةُ دُخُولهِ وَلَيْسَ بَيْنَهُ وبينَهُ المَسَافَة، وَنِيَّةُ إِقَامَةِ أرْبَعَةِ أيَامٍ صِحَاحٍ (١) ولو بخِلَالِه إِلَّا الْعَسْكَرَ بِدَارِ (٢) الحَرْبِ أو الْعِلْمُ بِهَا عَادَةً لَا الإقَامَةَ، وإنْ تأخَّر سَفَره، وإن نَواها بِصَلَاةٍ شَفَعَ ولَم تُجْزِ حَضَريَّةً ولا = مكة فأقام بضعة عشر ليلة فأوطنها، ثم بدا له أن يخرج إلى الجحفة فيعتمر منها، ثم يقدم مكة ويقيم بهما اليوم واليومين، ثم يخرج منها؛ أيقصر الصلاة أم يتم؟. قال: بل يتم لأن مكة كانت له وطنًا. قال لي ذلك مالك. قال: وأخبرني من لقيه قبلي أنه قال له ذلك. ثم سئل بعد ذلك عنها فقال: أرى أن يقصر الصلاة، وقوله الآخر الذي لم أسمع منه أعجب إليَّ. ا. هـ. منه. (١) وقوله: ونية إقامة أربعة أيام صحاح؛ والدليل أن النبي ﷺ قال: "يُقِيمُ المُهَاجِرُ بَعْدَ قَضَاءِ مَنْسكِهِ ثَلَاثًا". فجعل الثلاث في حكم السفر، وما زاد في حكم الإِقامة. ولما أخلى عمر ﵁ أهل الذمة، ضرب لمن قدم منهم تاجرًا ثلاثًا. والقول بقطع نية إقامة أربعة أيام صحاح للسفر هو قول عثمان ﵁، وبه أخذ مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور. قال الثوري وأصحاب الرأي: إن أقام خمسة عشر يومًا مع اليوم الذي يخرج فيه أتم، وإن نوى دون ذلك قصر. وروي ذلك عن ابن عمر وسعيد بن جبير والليث بن سعد؛ لما روي عن ابن عمر وابن عباس أنهما قالا: إذا قدمت في نفسك أنك تقيم بها خمسة عشر يومًا فأكمل الصلاة. ا. هـ. انظر بقية المبحث في المغني لابن قدامة. (٢) وقوله: إلا العسكر بدار الحرب؛ قال مالك في المدونة: لو أن عسكرًا دخل دار الحرب فأقام بموضع واحد شهرًا أو شهرين أو أكثر من ذلك، فإنهم يقصرون الصلاة. قال: وليس دار الحرب كغيرها. ا. هـ. منه. وقوله: أو العلم بها عادة؛ أي ولو لم ينو إقامة أربعة أيام؛ كان يعلم أن الحاج لابد له من إقامة أربعة أيام بالمدينة مثلًا، فعليه أن يتم إذا دخلها؛ لا إن أقام أربعة أيام بدون نية وبدون علم بها عادة؛ كأن يقيم لقضاء حاجة يظن قضاءها كل يوم، فإنه يقصر ولو طالت إقامته؛ فقد روى البيهقي بإسناد صحيح أن ابن عمر أقام بأذربيجان ستة اشهر يقصر الصلاة. ا. هـ.

стр. 286

سفرية (١)، وَبَعْدَهَا أعَادَ فِي الْوَقْتِ. وَإن اقْتَدى مُقِيمٌ بِهِ فَكُلٌّ عَلى سُنتِهِ (٢) وَكُرِهَ كَعَكْسِهِ وتأكَّدَ وتَبِعَهُ (٣) وَلَمْ يُعِدْ. وإنْ أتَمَّ مُسَافِر نَوى إتْمَامًا أعَادَ بِوَقْتٍ (٤)، وإنْ (١) وقوله: وإن نواها بصلاة شفع ولم تجز حضرية ولا سفرية؛ هو لفتوى مالك في المدونة: وقال مالك في رجل افتتح الصلاة، وهو مسافر، فلما صلى ركعة بدا له في الإقامة، قال: يضيف إليها ركعة أخرى ويجعلها نافلة، ثم يبتدئ الصلاة صلاة المقيم. وقوله: ولم تجز حضرية ولا سفرية؛ هو لقوله في موضع آخر من المدونة: قلت أرأيت مسافرًا افتتح الصلاة المكتوبة ينوي أربع ركعات، فلما صلى ركعتين بدا له فسلم؟. قال: لا تجزئه في قول مالك. قلت: من أي وجه قلت لا تجزئه في قول مالك؟. قال: لأن صلاته على أول نيته. ا. هـ. منه. (٢) وقوله: وإن اقتدى مقيم به فكل على سنته؛ دليله حديث عمران بن حصين ﵁، قال: شهدت الفتح مع رسول الله ﷺ ، فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين، ثم يقول لأهل البلد: "صَلُّوا أرْبَعًا فَإنَّا سَفْرٌ" أخرجه ابن قدامة في المغني وقال: رواه أبو داود. وأخرج عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري عن سالم عن ابن عمر قال: صلى عمر بأهل مكة الظهر، فسلم من ركعتين ثم قال: أتموا صلاتكم يا أهل مكة فإنا قوم سَفر. ا. هـ. (٣) وقوله: وكره كعكسه وتأكد؛ لم أتبين وجهًا لكراهة اقتداء المقيم بالمسافر، طالما أنها ثبت بالسنة المطهرة فعل ذلك مع رسول الله ﷺ وإقراره لهم عليه هذه المدة الطويلة وفعل الصحابة له بعد وفاته ﷺ حسمًا لمادة مظنة النسخ مع أن النسخ لا يثبت بالاحتمال. أما كراهة اقتداء المسافر بالمقيم فبينة لما يفوت عليه من سنة السفر. وقوله وتبعه؛ أي وعليه إذا اقتدى به أن يتم كما أتم إمامه. وأخرج عبد الرزاق عن معمر والثوري: قال سليمان التيمي عن أبي مجلز قال: قلت لابن عمر: أدركت ركعة من صلاة المقيمين وأنا مسافر. قال: صل بصلاتهم. ا. هـ. وأخرج عبد الرزاق عن هشام بن حسان عن الحسن في مسافر أدرك ركعة مع صلاة المقيمين في الظهر. قال: يزيد إليها ثلاثًا، وإن أدركهم جلوسًا صلى ركعين. ا. هـ. (٤) وقوله: وإن أتم مسافر نوى إتمامًا أعاد بوقت؛ هو لما في المدونة من فتوى مالك، قال: =

стр. 287

سَهْوًا سَجَدَ والأصَحُّ إِعَادَتُهُ كمأْمُومِه بِوَقْتٍ والأرْجَحُ الضَرُوريُّ إِنْ تَبِعَهُ وإلَّا بَطَلَتْ؛ كأن قَصَّر عَمْدًا. والسَّاهِي كَأحْكَام السَّهْوِ، وكأنْ أتَمَّ مَأمُومُه بَعْدَ نِيَّةِ قَصْرٍ عَمْدًا أوْ سَهْوًا أوْ جَهْلًا، فَفِي الْوَقْتِ، وَسَبَّحَ مَأمُومُهُ وَلَا يَتْبَعُهُ، وسَلَّمَ المُسَافِرُ بِسَلَامه، وأتَمَّ غَيْرُهُ بَعْدَهُ أفْذَاذًا، وأعَادَ فَقَطْ بِالْوَقْتِ وإن ظَنَّهُمْ سَفَرًا فَظَهَرَ خِلَافُه أعَادَ أبَدًا؛ إِنْ كَانَ مُسَافِرًا كَعَكْسِهِ، وَفِي تَرْكِ نِيَّةِ القَصْر والإِتْمَام تَردُّدٌ. وَنُدِبَ تَعْجِيلُ الأوْبَةِ والدُّخُولُ ضُحىً (١)، ورُخِّص لَهُ جَمْعُ الظُّهْرَيْنِ بِبَرٍّ = وقال مالك في مسافر صلى أربعًا أربعًا في سفره كله إنه يعيد ما كان في الوقت، وهذا إذا كان في السفر، كما يعيد ركعتين ركعتين ما كان من الصلوات هو في وقتها، وأما ما مضى وقته من الصلوات فلا إعادة عليه ا. هـ. منه. وقوله: وإن ظنهم سفرًا فظهر خلافه أعاد أبدًا؛ إن كان مسافرًا كعكسه؛ توضيحه أن مصليًا دخل مع قوم ظنهم مسافرين نأوين القصر فنواه، ثم ظهر أنهم مقيمون، أو لم يظهر له شيء، وجب عليه أن يعيد صلاته تلك أبدًا إن كان هو مسافرًا؛ لأنه إن سلم من اثنتين، فقد خالف إمامه نية وفعلًا، وإن أتم معه فقد خالفه نية الإمام وخالف فعله نيته هو بنفسه، هذا إن ظهر خلاف ما كان يظنه، وأما إن لم يظهر شيء، فوجه البطلان هو احتمال حصول المخالفة، فيحصل الشك في الصحة فتبطل الصلاة. وإن ظنهم مقيمين فنوى الإتمام فظهر أنهم مسافرون، أو لم يظهر شيء أعاد أبدًا؛ إن كان هو مسافرًا وسلم معهم؛ وذلك لمخالفة فعله نيته، وأما إن أتم فمقتضى القياس الصحة؛ كاقتداء مقيم بمسافر. وقوله: وفي ترك نية القصر والإتمام تردد؛ يستفاد منه أنه لابد من نية القصر عند كل صلاة لا عند الشروع في السفر. هذا وليس في هذا إلا الاجتهاد. والله تعالى أعلم بمستنده. والله تعالى هو الموفق. (١) وقوله: والدخول ضحى؛ هو لما في صحيح مسلم والنسائي من طريق جابر ﵁: نهى رسول الله ﷺ أن يطرق الرجل أهله ليلًا؛ يتخونهم أو يطلب عثراتهم. كذا ذكره في جواهر الإكليل.

стр. 288

وإنْ قَصُرَ وَلَمْ يَجِدَّ بِلَا كُرْهٍ، وَفِيهَا شَرْطُ الْجِدِّ لإِدْرَاكِ أمْر بِمَنْهَلٍ زَالَتْ به، وإن نَوَى النُّزُولَ قَبْلَ الْغُروبِ وَبَعْدَ الاصْفِرَارَ أخَّرَ الْعَصْرَ، وَبَعْدَهُ خُيِّرَ فِيهَا، وَإنْ زالَتْ رَاكِبًا أخَّرَهُمَا إِنْ نَوَى الاصْفِرَارَ أوْقَبْلَهُ، وإلَّا فَفِي وقْتَيْهِمَا، كَمَنْ لَا يَضْبِطُ نُزُولَهُ، وكَالمَبْطُونِ ولِلصَّحِيحِ فِعْلُهُ، وهلْ العِشَاءانِ كَذلِكَ تأْويلَانِ (١)، وَقَدَّمَ (١) وقوله ورخص له جمع الظهرين ببر - إلى قوله - تأويلان؛ هو في حكم جمع مشتركتي الوقت؛ وإليك ما تيسر جلبه من أدلة ذلك: ففي المدونة: قال مالك: وأحب ما فيه إليَّ أن يجمع بين الظهر والعصر في آخر وقت الظهر وأول وقت العصر؛ يجعل الظهر في آخر وقتها والعصر في أول وقتها - إلا أن يرتحل بعد الزوال - فلا أرى بأسًا أن يجمع بينهما تلك الساعة في المنهل قبل أن يرتحل، والمغرب والعشاء في آخر وقت المغرب قبل أن يغيب الشفق يصليها، فإذا غاب الشفق صلى العشاء. ولم يذكر في المغرب والعشاء مثل ما ذكر في الظهر والعصر عند الرحيل من المنهل. وروى ابن وهب عن عمرو بن الحارث وغيره، عن أبي بكر بن المنكدر عن علي بن الحسين أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد السفر يومًا جمع بين صلاة الظهر والعصر، وإذا أراد السفر ليلًا جمع بين المغرب والعشاء قال: وأخبرني ابن وهب عن جابر بن إسماعيل، عن عقيل عن ابن خالد عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك عن رسول الله ﷺ مثله؛ إذا عجل به السير وقالوا: يؤخر الظهر إلى أول وقت العصر فيجمع بينهما، ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء حين يغيب الشفق. وروى سحنون عن علي بن زياد عن سفيان الثوري عن عاصم بن أبي عثمان النهدي قال: خرجت مع سعد بن مالك وافدين إلى مكة فكان يؤخر من الظهر ويعجل من العصر، ويعجل من العشاء ويؤخر من المغرب ثم يصليهما. وروى وكيع عن سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي أن أسامة بن زيد وسعيد بن زيد جمعا بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء في السفر. وروى مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان إذا عجل به السير جمع بين المغرب والعشاء. قال مالك: وعلى ذلك الأمر عندنا في الجمع بين الصلاتين لمن جد به السير. ا. هـ. من المدونة. =

стр. 289

خَائِفُ الإغْمَاءِ والنَّافِضِ والْمَيْدِ، وإنْ سَلِمَ أوْ قَدَّمَ وَلَمْ يَرْتَحِلْ، أو ارْتَحَلَ قَبْلَ الزَّوَالِ وَنَزَلَ عِنْدَهُ فَجَمَعَ، أعَادَ الثَانِيَةَ في الْوَقْتِ، وَفِي جَمْعِ الْعِشَاءَيْنِ فَقَطْ بِكُلِّ مَسْجِدٍ لِمَطَرٍ أوْ طِينٍ مَعَ ظُلْمَةٍ لَا طِينٍ أوْ ظُلْمَةٍ، أُذِّنَ لِلمَغْرِبِ كَالعَادَةِ وَأُخِّرَ قَلِيلًا ثُمَّ صُلِّيَا وِلَاءً إِلَّا قَدْرَ أذانٍ مُنْخَفِضٍ بِمَسْجِدٍ وإقامَةٍ، وَلَا تَنَفُّلَ بَيْنهُمَا، ولم يَمْنَعْهُ ولَا بَعْدَهُمَا، وجَازَ لِمُنْفَرِدٍ بِالْمغْرِبِ يَجدُهم بِالعِشَاءِ، ولمُعْتَكِفٍ بِمَسْجِدٍ كإن انْقَطَعَ الْمَطَرُ بَعْدَ الشرُوعِ. لا إن فَرَغُوا، فيؤخر للشَّفَقِ إِلَّا بِالْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ، ولَا إنْ حَدَثَ السَّبَبُ بَعْدَ الأُولَى ولا المرأةُ والضَّعِيفُ ببَيْتِهِمَا، وَلَا مُنْفَرِدٌ بِمَسْجِدٍ كجماعَةٍ لَا حَرج عَلَيْهِمْ (١). = قلت: وحديث مالك عن نافع عن ابن عمر، أخرجه مالك في الموطإ، باب الجمع بين الصلاتين في الحضر والسفر، ورواه مسلم في صلاة المسافرين. باب جواز الجمع بين الصلاتين في السفر، وأخرجه البخاري في التقصير، باب يصلى المغرب ثلاثًا في السفر. ا. هـ. وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن معمر عن يحيى بن أبي كثير، عن حفص بن عبد الله بن أنس عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله ﷺ يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في السفر. وهذا الحديث أخرجه أحمد عن عبد الرزاق، وعلقه البخاري عن إبراهيم بن طهمان عن حسين المعلم عن يحيى بن أبي كثير، وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه عن يزيد بن هارون عن إسحاق عن حفص. ا. هـ. وأخرج عبد الرزاق في المصنف أيضًا عن الثوري، عن أبي الزبير عن أبي الطفيل أن معاذ بن جبل قال: جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في غزوة تبوك. ا. هـ. وهذا الحديث أخرجه مسلم من طريق زهير وقرة بن خالد عن أبي الزبير. ا. هـ. (١) وقوله: وفي جمع العشاءين فقط بكل مسجد لمطر أو طين الخ؛ هو في أحكام الجمع بعذر المطر، وفيما يلي ما تيسر من أدلة ذلك: =

стр. 290

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = ففي المدونة ما نصه: ابن وهب عن عمر بن الحارث أن سعيد بن أبي هلال حدثه أن ابن قسيط حدثه أن جمع الصلاتين بالمدينة في ليلة المطر - المغرب والعشاء - سنة وأن قد صلاها أبو بكر وعمر وعثمان على ذلك؛ وجمعهما أن العشاء تقرب إلى المغرب حين تصلى المغرب، وكذلك أيضًا يصلون بالمدينة. قال ابن وهب: وقال عبد الله بن عمر، وسعيد بن المسيب، والقاسم، وسالم، وعروة بن الزبير، وعمر بن عبد العزيز، ويحيى بن سعيد، وربيعة، وأبو الأسود مثله. قال سحنون: وأن النبي ﷺ جمعهما جميعًا. ا. هـ. منه. قول المصنف: وفي جمع العشاءين فقط، ينزع بها إلى مذهب المدونة؛ الذي لا يجوز الجمع في الحضر بين الظهر والعصر. ونص ما فيها: قلت لابن القاسم: فهل يجمع في الطين والمطر في الحضر بين الظهر والعصر، كما يجمع بين المغرب والعشاء في قول مالك؟. قال: لا يجمع بين الظهر والعصر في الحضر، ولا يرى ذلك من المغرب والعشاء. ا. هـ. منه. قلت: وقد نقل البغوي في شرح السنة عن مالك القول بجواز الجمع بين الظهر والعصر لعذر المطر، ونص ما فيه: وقد اختلف العلماء في جواز الجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء للممطور في الحضر، فأجازه قوم؛ روي ذلك عن ابن عمر، وفعله عروة، وابن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وعامة فقهاء المدينة، وهو قول مالك والشافعي وأحمد، غير أن الشافعي اشترط أن يكون المطر قائمًا وقت افتتاح الصلاة الأولى، وحالة الفراغ منها إلى أن يفتتح الثانية، وكذلك أبو ثور ولم يشترط ذلك غيرهما، وشرط أن يكون في مسجد الجماعة. وشرط مالك أن يجمع الممطور في الطين في حالة الظلمة، وهو قول عمر بن عبد العزيز، وهذ هو مستند المصنف في قوله: لمطر أو طين مع ظلمة، لا طين أو ظلمة. والله أعلم. وروي عن ابن عباس أنه قال: صلى رسول الله ﷺ الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا في غير خوف ولا سفر. قال مالك: أرى ذلك كان في مطر. ا. هـ. وهذا لفظ البغوي، والحديث أخرجه في الموطإ، وأخرجه مسلم؛ باب الجمع بين الصلاتين في =

стр. 291

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = الحضر، وأخرجه أبو داود؛ باب الجمع بين الصلاتين، وأخرجه النسائي في المواقيت؛ باب الجمع بين الصلاتين في الحضر، وأخرجه البخاري في المواقيت، باب وقت المغرب. ا. هـ. وأخرج عبد الرزاق قال: أخبرنا ابن جريج ومعمر عن عمرو بن دينار أن أبا الشعثاء أخبره، أن ابن عباس أخبره قال: صليت وراء رسول الله ثمانيًا جميعًا، وسبعًا جميعًا بالمدينة. قال ابن جريج: فقلت لأبي الشعثاء: إني لأظن النبي ﷺ أخر من الظهر قليلًا وقدم من العصر قليلًا. قال أبو الشعثاء: وأنا أظن ذلك. ا. هـ. وهذا الحديث أخرجه الشيخان من طريق ابن عيينة عن عمرو بن دينار كما في فتح الباري. قال البغوي في شرح السنة عند حديث ابن عباس آنف الذكر: هذا الحديث يدل على جواز الجمع بلا عذر، لأنه جعل العلة أن لا تحرج أمته؛ أي لما في رواية أخرى لهذا الحديث، وفيها: قلت لابن عباس: لم فعله؟. فقال: لئلا يحرج أحد من أمته. قال البغوي: وقد قال بذلك قليل من أهل الحديث. وحكي عن ابن سيرين أنه كان لا يرى بأسًا بالجمع بين الصلاتين إذا كانت حاجة أو شيء، ما لم يتخذه عادة. وذهب أكثر أهل العلم إلى أن الجمع لغير عذر لا يجوز. وجوز الحسن وعطاء بن أبي رباح الجمع بعذر المرض، وحملا الحديث عليه. وهو قول مالك وأحمد وإسحاق. ا. هـ. وقول المصنف: وجاز لمنفرد بالمغرب يجدهم بالعشاء؛ هو لفتوى المدونة؛ ونص ذلك: وقال مالك: من صلى في بيته المغرب في المطر فجاء المسجد فوجد القوم قد صلوا العشاء الأخيرة، فأراد أن يصلي العشاء، قال: لا أرى أن يصلي العشاء، و إنما جمع الناس للرفق بهم، وهذا لم يصل معهم، فأرى أن يؤخر العشاء حتى يغيب الشفق. وهذا هو مراد المؤلف بقوله في الأخير: لا منفرد بمسجد. وأما ماهنا بصدده - وهو جواز الصلاة معهم - محل الشاهد فيه قوله في المدونة: قلت فإن وجدهم صلوا المغرب ولم يصلوا العشاء الأخيرة، فأراد أن يصلي معهم العشاء، وقد كان صلى المغرب لنفسه في بيته، قال: لا أرى بأسًا أن يصلي معهم. ا. هـ. منه. وبالله تعالى التوفيق. وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 292

صلاة الجمعة فصل: شَرْطُ الْجُمُعَةِ وُقُوعُ كُلِّهَا بِالخُطْبَةِ (١)، وَقْتَ الظُّهْرِ للغُرُوب، وَهَلْ إِنْ ادرَكَ رَكْعَةً (١) وقوله: وشرط الجمعة وقوع كلها بالخطبة؛ هو لما روى ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب قال: بلغني أنه لا جمعة إلا بخطبة، فمن لم يخطب صلى الظهر أربعًا. ا. هـ. وروى وكيع عن سفيان عن خصيف، عن سعيد بن جبير قال: كانت الجمعة أربعًا فحطت ركعتان للخطبة. ا. هـ. وروى وكيع عن سفيان عن الزبير بن عدي أن إمامًا صلى الجمعة ركعتين فلم يخطب، فقام الضحاك فصلى أربعًا. ا. هـ. من المدونة. واعلم أن الجمعة فرض، دليله الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب؛ فقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ (١) من سورة الجمعة. فقد أمر تعالى - في الآية - بالسعي إلى ذكر الله، والأمر للوجوب، ونهى عن البيع لئلا يشتغل به عنها، فلو لم تكن واجبة لما نهى عن البيع من أجلها. والمراد بالسعي ههنا الذهاب إليها، لا الإسراع، فإن السعي في كتاب الله لم يرد به العدْو. قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ (٤) وأشباه ذلك لم يرد بشيء منه العدْو. وروي أن عمر كان يقرأ آية الجمعة: ﴿فَامْضوا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾. وأما الدليل من السنة فهو ما روي عن عبد الله بن عمرو أبي هريرة أنهما سمعا رسول الله ﷺ يقول وهو على أعواد منبره: "لَيَنْتَهِيَنَّ أقْوامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الْجُمُعَاتِ أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ". أخرجه في بلوغ المرام وقال: رواه مسلم. وأخرجه البغوي وقال: أخرجه مسلم. وقال ابن قدامة: متفق عليه. وعن أبي جعد الضمري أن رسول الله ﷺ قال: "مَن تَرَكَ الْجُمُعَة ثَلَاثَ مَراتٍ تَهَاوُنًا بِهَا طَبَعَ اللهُ =

стр. 293

مِنَ الْعَصْرِ، وصُحِّحَ أوْ لَا؟. رُوِّيَتْ عَليْهِمَا (١)، باسْتِيطَانِ بَلَدٍ أَوْ أَخْصَاصٍ (٢)، لَا خِيَمٍ، وبِجَامِعٍ مَبْنِيٍّ مُتَحِدٍ. والجمُعَةُ لِلْعَتِيقِ وَإِنْ تَأخَّرَ أَدَاءً، لَا ذِي بِنَاءٍ خَفَّ، وَفِي اشْتراطِ سَقْفِهِ وقَصْدِ تَأبِيدِهَا بِهِ وإقَامَةِ الخَمْسِ تَرَدُّدٌ (٣). وصَحَّتْ برحَبَتِهِ وطُرُقٍ متَّصِلَةٍ إِنْ ضَاقَ أَوْ اتَّصَلَتِ الصُّفُوفُ لا انْتَفَيَا، كَبَيْتِ القَنَادِيلِ = عَلَى قَلْبِهِ". هذا لفظ البغوي. والحديث صحيح، أخرجه الترمذي في الصلاة، باب ما جاء في ترك الجمعة. وأخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وصححه ابن حبان والحاكم ووافقه الذهبي. ولذلك فقد أجمع المسلمون على وجوب الجمعة. وقوله: أو أخصاص؛ هو لفتوى مالك في المدونة: وقد سأله أهل المغرب عن الخصوص. (١) وقوله: وقت الظهر للغروب؛ الدليل على أن وقتها من ابتداء وقت الظهر، هو حديث سلمة بن الأكوع ﵁: كنا نجمع مع النبي ﷺ إذا زالت الشمس، ثم نرجع نتبع الفيء. رواه مسلم. وفي لفظ للبخاري: ثم ننصرف وليس للحيطان ظل يستظل به. والحديث متفق عليه. وعن أنس عن النبي ﷺ كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس. أخرجه البخاري. وقوله: للغروب؛ وهو لفتوى مالك في المدونة: قلت: أرأيت أن إمامًا لم يصل بالناس الجمعة حتى دخل وقت العصر؟. قال: يصلي بهم الجمعة ما لم تغب الشمس، وان كان لا يدرك بعض العصر إلا بعد الغروب. وهذه العبارة الأخيرة هي مراد المصنف بقوله: وهل إن أدرك ركعة من العصر، وصحَّح أو لا، روِّيتْ عليهما. ا. هـ. (٢) وقوله باستيطان بلد أو أخصاص؛ لحديث ابن عباس قال: إن أول جمعة جمعت بعد جمعة في مسجد رسول الله ﷺ في مسجد عبد القيس بِجُواثَى من البحرين. وهو حديث صحيح، هذا لفظ البغوي، والحديث أخرجه البخاري في المغازي باب وفد عبد القيس. ووجه الاستدلال به على أن مجرد الاستيطان لبلد يوجب إقامة الجمعة؛ هو أن الظاهر أن عبد القيس لم يجمعوا إلا بأمر النبي ﷺ لما عرف من عادة الصحابة من عدم الاستبداد بالأمور الشرعية في زمن نزول الوحي؛ ولأنه لو كان ذلك لا يجوز لنزل فيه القرآن. وجواثى قرية من قرى البحرين. قال البغوي: وفيه دليل على إقامة الجمعة بالقرى. =

стр. 294

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . = المتصلة - وهم جماعة - واتصال تلك الخصوص كاتصال البيوت وقالوا: ليس لنا وال قال: يجمعون الجمعة وإن لم يكن لهم وال. ا. هـ. منه. (٣) وقوله: وبجامع مبني متحد؛ فقد ذكر في المدونة ما تسترشد به إليه من فتوى مالك، قال: وقال مالك فيمن صلى يوم الجمعة على ظهر المسجد بصلاة الإمام، قال: لا ينبغي ذلك: لأن الجمعة لا تكون إلا بالمسجد الجامع. ا. هـ. وقال بعد ذلك ما يشير إلى قول المصنف: متحد. قال: وسألت مالكًا عن إمام الفسطاط؛ يصلي بناحية العسكر يوم الجمعة، ويستخلف من يصلي بالناس في المسجد الجامع الجمعة، أين ترى أن يصلي؟. أمع الإمام حيث يصلي بالعسكر، أم في المسجد الجامع؟. قال: لا أرى أن يصلوا إلا بالمسجد الجامع، وأرى الجمعة للمسجد الجامع، والإمام قد تركها في موضعها. ولعل هذا هو مستند المختصر في قوله: والجمعة للعتيق. وقال الباجي: فصل: فأما الجامع فإنه من شروط الجمعة، ولا خلاف في ذلك إلا خلاف لا يعتد به. وذكر كلامًا كله انتصار للمذهب، إلا أنه لم يستطع أن يأتي في ذلك بحديث واحد مرفوع، ولا بأثر عن أحد من الصحابة ولا عن التابعين، إلا أنه ختم مبحثه بقول حسن تستطيع النفس أن تركن إليه، وهو قوله: والأصل في ذلك فعل النبي ﷺ وعمل الأئمة بعده إلى هلم جرا. قلت: لكن الشوكاني رأيته أطنب في المسألة، وقال في آخر بحثه: وذهب الهادي إلى اشتراط المسجد. قال: لأنها لم تقم إلا فيه. وقال أبو حنيفة والشافعي والمؤيد بالله وسائر العلماء: إنه غير شرط. قالوا: إذ لم يفصل دليلها. قال في البحر قلت: وهو قوي إن صحت صلاته ﷺ في بطن الوادي. ا. هـ. وقد روى صلاته في بطن الوادي ابن سعد وأهل السير، ولو سلم عدم صحة ذلك لم يدل فعلها في المسجد على اشتراطه. ا. هـ. منه بلفظه. يتحصل منه أن ما يذهب إليه بعض أهل التعصب المذهبي والتقليد الأعمى، بالفتيا ببطلان صلاة من صلى الجمعة في غير المسجد العتيق في قرية، وأحرى في مدينة. ضاق مسجدها العتيق بأهله، هو أمر ينقصه التحقيق، ويخالف صاحبه به قوله : ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (١). الآية.

стр. 295

وسِطْحِهِ ودَارٍ وحَانُوتٍ، وِبجَمَاعَةٍ تَتَقَرَّى بِهِمْ قَرْيَةٌ بِلَا حَدٍّ أوَّلًا، وإلَّا فَتَجُوزُ باثْنَيْ عَشَرَ بَاقِينَ لِسَلَامِهِ (١). بإِمَامٍ مُقيمٍ (٢)، إِلَّا الخَلِيفَةَ يَمُرُّ بِقَرْيَةِ جُمُعَةٍ وَلَا (١) وقوله: وبجماعة تتقرى بهم قرية بلا حد؛ ونص ما في المدونة في هذا المحل: وقال مالك في القرية المجتمعة، التي قد اتصلت دورها: أرى أن يجمعوا الجمعة، كان عليهم وال أو لم يكن عليهم. قلت: فهل حذ لكم مالك في عظم القرية حدًا؟. قال: لا، إلَّا أنه قال مثل المناهل التي بين مكة والمدينة مثل الروحاء وأشباهها. ا. هـ. منه. قال البغوي في شرح السنة: اختلف أهل العلم في العدد الذين تنعقد بهم، وفي المسافة التي يؤتى منها، أما الموضع؛ فذهب قوم إلى أن كل قرية اجتمع فيها أربعون رجلًا أحرارًا مقيمين، يجب عليهم إقامة الجمعة فيها. وهو قول عبيد الله بن عبد الله، وعمر بن عبد العزيز، وإليه ذهب الشافعي، وأحمد، وإسحاق، فقالوا: لا تنعقد الجمعة باقل من أربعين رجلًا. واشترط عمر بن عبد العزيز أن يكون فيهم والٍ، وهو غير شرط عند الشافعي. وقال مالك: إذا كان جماعة في قرية؛ بيوتها متصلة وفيها سوق ومسجد يجمع فيه، وجبت عليهم الجمعة. ولم يذكر عددًا ولم يشترط الوالي. وقال علي: لا جمعة إلا في مصر جامع. واليه ذهب أصحاب الرأي. وتنعقد عندهم بأربعة، والوالي شرط. وقال الأوزاعي: تنعقد بثلاثة إذا كان فيهم وال. وقال أبو ثور: تنعقد باثنين، كسائر الصلوات. تكون جماعة باثنين. وقال ربيعة: تنعقد باثنى عشر رجلًا؛ لأنه روي عن جابر بن عبد الله ﵁ في قوله : ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾. الآية. أن النبي ﷺ كان يخطب يوم الجمعة، فجاءت عير من الشام تحمل طعامًا، فانتقل الناس إليها حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلًا. فنزلت الآية. وليس فيه بيان أنه أقام الجمعة بهم حتى يكون حجة لاشتراط ذلك العدد. ا. هـ. منه. قلت: والقصد من نقل هذا كله، ليعلم المطلع أن لا دليل يرجع إليه في الحد، وأن الورع =

стр. 296

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = والاحتياط أن كل من انتظم أمرهم في حياة دائمة بقرية ما عليهم الجمعة؛ لقوله ﷺ "دَعْ مَا يَرِيبُكَ إلَى مَا لَا يَرِيبُكَ" وبالله التوفيق. وحديث جابر ﵁، قال: مضت السنة أن في كل أربعين فصاعدًا جمعة. رواه بلوغ المرام وقال: رواه الدارقطني بإسناد ضعيف. قال الصنعاني: وذلك أنه من رواية عبد العزيز بن عبد الرحمن، وعبد العزيز قال فيه أحمد: إضرب على أحاديثه فإنها كذب أو موضوعة. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال الدارقطني: منكر الحديث. وقال ابن حبان: لا يجوز أن يحتج به. أقول وأكرر، والله حسبنا ونعم الوكيل: إن الأحوط والأسلم لأهل قرية استوطنوها، وانتظمت حالهم فيها، يخافون الله تعالى ويشفقون من وعيد ترك الجمعة بغير عذر، الوارد في قوله ﷺ : "مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ ثَلَاثَ مَراتٍ تَهَاوُنًا بِهَا طَبَعَ اللهُ عَلَى قَلبِهِ". رواه البغوي من حديث أبي الجعد الضمري، وهو صحيح الإسناد. الأحوط لمن يخاف هذا الوعيد أن يصليها في قريته بغض النظر عن العدد الذي لم يثبت فيه شيء عن رسول الله ﷺ كما علمت. (٢) وقوله: بإمام مقيم؛ أي ولما كانت الجمعة يشترط لها الجماعة، تعين أن تكون بإمام ممن تجب عليهم الجمعة. ففي المدونة: وقال مالك في أهل قرية أو مصر من الأمصار يجمع في مثلها الجمع، مات واليهم ولم يستخلف، فبقي القوم بلا إمام، قال: إذا حضرت الجمعة قدموا رجلًا منهم، فخطب بهم وصلى بهم الجمعة. قال: وكذلك القرى التي ينبغي لأهلها أن يجمعوا فيها الجمعة؛ لا يكون عليهم وال، فإنه ينبغي لهم أن يقدموا رجلًا فيصلي بهم الجمعة، يخطب بهم ويصلي. وقال: إن لله فرائض في أرضه لا ينقضها إن وليها وال أو لم يلها. أو نحوًا من هذا. يريد الجمعة. ا. هـ. منه. وقوله: إلا الخليفة يمر بقرية جمعة الخ. هو استثناء من عدم جواز إمامة المسافر، وهو لفتوى مالك في المدونة: وقال مالك في الأمير المؤمر على بلد من البلدان فيخرج في عمله مسافرًا؛ إن مر بقرية من قراه تجمع في مثلها الجمع، جمع بهم الجمعة. وكذلك إن مر بمدينة من مدائن عمله جمع بهم الجمعة، فإن جمع في قرية لا يجمع فيها أهلها لصغرها فلا تجزئهم، وإنما كان للإمام أن يجمع في القرى التي يجمع مثلها، إذا كانت من عمله وإن كان مسافرًا لأنه إمامهم. ا. هـ. منه. =

стр. 297

تَجِبُ عَلَيْهِ، وبِغَيْرِهَا تَفْسُدُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ، وَبِكَوْنِهِ الخَاطِبَ إِلَّا لِعُذْرٍ، وَوَجَبَ انْتِظَارُهُ لِعُذْرٍ قَرُبَ عَلَى الْأصَحِّ. وبِخُطْبَتَيْنِ قَبْلَ الصَّلَاةِ مِمَّا تُسَمِّيهِ الْعَرَبُ خطْبَةً تَحْضُرُهُمَا الجَمَاعَةُ (١). واسْتَقْبَلَهُ غَيْر الصَّفِّ الأوَّلِ، وَفِي وُجُوبِ قِيَامِهِ لَهُمَا = وقوله: وبكونه الخاطب، أي لابد أن يكون الخاطب هو إمام الصلاة إلا لعذر؛ وذلك لفتوى مالك أيضًا في المدونة: قال ابن القاسم: وبلغنا عن مالك أنه قال إمام خطب بالناس، فلما فرغ من خطبته قدم والٍ سواه فدخل المسجد، قال: لا يصلي بهم بالخطبة الأولى - خطبة الإمام الأول - ولكن يبتدئ لهم الخطبة هذا القادم. ا. هـ. منه. (١) وقوله: وبخطبتين قبل الصلاة الخ. دليله ما روي عن ابن عمر أن النبي ﷺ كان يخطب خطبتين وهو قائم، يفصل بينهما بجلوس. متفق عليه. وذكر ابن قدامة في المغني أنه روي عن ابن عمر ﵁ أنه قال: قصرت الصلاة لأجل الخطبة. وقول عائشة نحو من هذا. وقال سعيد بن جبير: كانت الجمعة أربعًا، فجعلت الخطبة مكان الركعتين. ا. هـ. بلفظه. وقوله: مما تسميه العرب خطبة؛ ففي حديث جابر بن عبد الله ﵄، قال: كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته، واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول: "صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ". ويقول: "أمَّا بَعْدُ؛ فإنَّ خيْرَ الحَدِيثِ كَتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ. وَشَرُّ الْأمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ". رواه بلوغ المرام وقال: رواه مسلم. وفي رواية له: كانت خطبة النبي ﷺ يوم الجمعة: يحمد الله ويثني عليه، ثم يقول على أثر ذلك وقد علا صوته، وفي رواية له: "مَنْ يَهدِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يضْلِل فَلَا هَادِيَ لَهُ". وللنسائي: "وَكُلُّ ضَلَالَهٍ فِي النَّارِ". ا. هـ. وعن عمار بن ياسر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنَّ طُولَ صَلَاةِ الرجُلِ وَقصَرَ خطْبتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ". رواه في بلوغ المرام وقال: رواه مسلم. وعن أم هشام بنت حارثة بن النعمان ﵂ قالت: ما أخذت ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾. إلا عن لسان رسول الله ﷺ يقرؤها كل جمعة على المنبر إذا خطب الناس. أخرجه بلوغ المرام وقال: رواه مسلم. =

стр. 298

تَرَدُّدٌ. ولَزِمَتْ المُكَلَّفَ الْحُر الذكَرَ بِلَا عُذْرٍ (١)، الْمُتَوَطِّنَ، وإنْ بِقِرْيَةٍ نَائِيَةٍ بِكَفَرْسَخ مِنَ المَنَارِ، كَأنْ أدْرَكَ الْمُسَافِرُ الندَاءَ قَبْلَهُ، أو صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ قَدِمَ، أوْ بَلغَ أوْ زَالَ عُذْرُه، لَا بالإِقَامَةِ إِلَّا تبعًا، ونُدِبَ تَحْسِينُ هَيْئةٍ وجَمِيلُ ثيابٍ، وَطِيبٌ، = وقوله: وفي وجوب قيامه لهما تردد؛ دليل وجوب القيام ما تقدم من حديث ابن عمر المتفق عليه: كان يخطب خطبتين وهو قائم، يفصل بينهما بجلوس. وقد صح عنه ﷺ : "صَلُّوا كَمَا رَأيَتُمُونِي أُصَلِّي". وعن جابربن سمرة أن رسول الله ﷺ كان يخطب قائمًا ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب قائمًا، فمن نبَّأك أنه يخطب جالسًا فقد كذب، فقد والله صليت معه أكثر من ألفي صلاة. أخرجه بن قدامة وقال: أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي. ا. هـ. منه. أما أن يخطب جالسًا لعذر من مرض أو عجز عن القيام فلا باس، فإن الصلاة تصح من القاعد العاجز عن القيام، فالخطبة أولى. (١) وقوله: ولزمت المكلف الحر الذكر بلا عذر؛ أي فهي واجبة على كل من جمع العقل، والبلوغ، والحرية، والذكورة، والإقامة، إذا لم يكن له عذر. والمراد بالإقامة التي تجب بها الجمعة أصالة هو الاستيطان، أما الإقامة التي هي موجب لقطع السفر، فإنها تجب بها بالتبع، وذلك هو مراد المصنف بقوله: لا بالإقامة إلا تبعًا. أما العبد والصبي والمرأة والمجنون فلا جمعة عليهم؛ أما الصبي والمجنون فليست عليهما لأنهما ليسا من أهل التكليف؟ لقوله ﷺ : "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ". ومنهم: "الصَّبِيُّ حَتَّى يَبْلُغَ وَالْمَجْنُونُ حَتَّى يُفِيقَ". وأما المملوك والمرأة؛ فلحديث محمد بن كعب عند البغوي. أنه سمع رجلًا من بني وائل يقول: قال النبي ﷺ : "تَجِبُ الْجُمُعَة عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ إلَّا امْرَأةً أوْ صَبِيًّا أوْ مَمْلُوكًا". ورواه طارق بن شهاب عن النبي ﷺ وزاد "أوْ مريضًا". وطارق بن شهاب رأى النبي ﷺ ولم يسمع منه شيئًا. وفي المدونة: ابن القاسم: وقال مالك: ليس على النساء والعبيد والمسافرين جمعة. فمن شهدها منهم فليصلها. وروى علي بن زياد عن سفيان عن هارون بن عنترة السعدي، عن شيخ يقال له =

стр. 299

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = حميد، عن امرأة منهم قالت: جاءنا عبد الله بن مسعود يوم الجمعة ونحن في المسجد فقال: إذا صليتن في بيوتكن فصلين أربعًا، وإذا صليتن في المسجد فصلين ركعتين، وما عام إلا والذي بعده شر منه، ولن تؤتوا إلا من قبل أمرائكم، ولبئس أنا عبد الله إن أنا كذبت. ا. هـ. ولا جمعة على المسافر لما رواه وكيع عن إبراهيم بن يزيد عن عون بن عبد الله بن عتبة عن ابن مسعود قال: ليس على المسلمين جمعة في سفرهم ولا يوم نفرهم. ا. هـ. وقال داود: تجب الجمعة على العبيد. وقال الحسن وقتادة: تجب الجمعة على العبد المخارج؛ يعني المأذون الذي ضرب عليه سيده خراجًا يدفعه له شهريًا ويكون مخلى بينه وبين عمله. وذهب أكثر أهل العلم أن لا جمعة على عبد. وقوله ﵀: وإن بقرية نائية بكفرسخ من المنار؛ يريد به تحديد المسافة التي يجب إتيان الجمعة منها. وقد قالت عائشة: كان الناس ينتابون الجمعة من منازلهم والعوالي. رواه البخاري، وأبو داود. وقولها: ينتابون الجمعة أي يحضرونها نوبًا. والعوالي. جمع عالية: وهو موضع شرقي المدينة المنورة يبعد عنها أربعة اميال. قال القرطبي: وفي هذا الحديث رد على الكوفيين؛ حيث لم يوجبوا الجمعة على من كان خارج المصر. قال: ابن حجر: لو كان واجبًا على أهل العوالي ما تناوبوا ولكانوا يحضرون جميعًا. وروي عن أنس أنه كان في قصره أحيانًا يجمع وأحيانًا لا يجمع، وهو بالزاوية على فرسخين. وقال بعض أهل العلم: لا تجب إلا على من يبلغهم النداء من موضع الجمعة؛ وهو ما يعنيه المؤلف بقوله: بكفرسخ من المنار. وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق، وروي عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: "الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ يَسْمَعُ النِّدَاءَ". أسنده قبيصة، ووقفه جماعة على عبد الله بن عمرو، وهو في أبي داود، وفي سنده مجهولان. تنبيه: روي عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: "قَدِ اجْتَمَعَ فِي يَوْمِكُمْ هذَا عِيدَانِ، فَمَنْ شَاءَ أجْزَأهُ عَنِ الجُمُعَةِ، وَإنَّا مُجَمِّعُونَ". أخرجه أبو داود وابن ماجه، والبيهقي وإسناده جيد. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.=

стр. 300

وَمَشْيٌ، وَتهْجِيرٌ (١). وَإِقَامُة أَهْلِ السُّوقِ مُطلقًا بِوقْتِهَا (٢). وَسَلَامُ خَطِيب لِخُرُوجِهِ لَا لِصُعُودِهِ (٣) وجُلُوسِهِ أَوَّلًا وبَيْنَهُمَا، وتَقْصِيرُهُمَا والثَّانِيَة أَقْصَرُ، وَرَفْعُ صَوْتِهِ (٤)، واسْتِخْلَافهُ لِعُذْرٍ حَاضرَهَا، وقِرَاءَةٌ فِيهمَا وخَتْمُ الثانِية بيَغْفِرُ اللهُ لَنَا ولَكُمْ، وَأَجزأَ: اذْكرُوا اللهِ يَذْكُرْكُمْ. وتَوَكُّؤٌ عَلَى قَوْسٍ (٥)، وقرَاءَة الجُمُعَةِ وإِنْ لمسْبُوقٍ وَهَلْ أَتَاكَ وأجَازَ بالثانية بسبِّحْ أَوْ المنافقُون (٦). = وروي عن ابن جريج قال: قال عطاء: اجتمع يوم جمعة ويوم فطر على عهد ابن الزبير فجمعهما جميعًا؛ صلاهما ركعتين بكرة، ولم يزد عليهما حتى صلوا العصر. رواه أبو داود وإسناده صحيح. وروي أن ابن عباس لما بلغه فعل ابن الزبير فقال: أصاب السنة. أخرجه أبو داود وإسناده قوي. قلت: والمذهب عند أصحابنا على خلاف ذلك؛ وقد وقفت على الآثار والله الموفق. (١) وقوله: وندب تحسين هيئة، وجميل ثياب وطيب ومشي وتهجير، روي عن سلمان الفارسي، قال: قال النبي ﷺ : "لَا يَغْتَسِل رَجلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيَتَطَهَّر مَا اسْتَطَاعَ منْ طهْرٍ، وَيَدَّهِن مِنْ دُهْنِهِ، أَوْ يَمَسُّ مِنْ طِيبِ بَيْتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ، فَلَا يُفَرقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمَّ يُصَلي مَا كتِبَ لَهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ الإمَامُ، إلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَه وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأخْرَى". رواه البغوي وقال: حديث صحيح. وروي عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: "مَنِ اغْتَسَلَ وَأَتَى الْجُمُعَةَ فَصَلَّى مَا قُدِّرَ لَه ثُمَّ أُنْصَتَ حَتَّى فَرَغَ الإمَامُ مِنْ خطْبَتِهِ، ثُمَّ صَلَّى مَعَهُ، غفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعُة الأخْرَى، وَفَضْلُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ". قال البغوي هذا حديث صحيح أخرجه مسلم عن أمية بن بسطام. وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، واسْتَنَّ، وَمَسَّ مِنْ طِيبٍ إنْ كَانَ عِندهُ، وَلَبِسَ مِنْ أحَسَنِ ثِيَابِه، ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى يَأَتِيَ المَسْجِدَ، فَلَمْ يَتَخَطَّ رِقَابَ الناسِ، ثُمَّ رَكَعَ مَا شَاءَ الله أَنْ يَرْكَعَ، وَأَنْصَتَ إِذَا خَرَجَ الإمَامُ، كَانَتْ كَفَّارَةً مَا بَيْنَهَا وبيْنَ الْجُمُعَةِ التِي كَانَت قَبْلَهَا". وقال أبو هريرة: وزيادة ثلاثة أيام، لأن الله تعالى يقول: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾. (١) هذا لفظ البغوي والحديث أخرجه أبو داود في الطهارة؛ باب في غسل الجمعة. وأخرجه الإمام أحمد. وأخرجه الحاكم وصححه، ووافقه الذهبي.

стр. 301

. . . . . . . . . . . . . . . . = (٢) وقوله: وإقامة أهل السوق مطلقًا بوقتها، هو لفتوى مالك في المدونة: قال مالك: وإذا أذن المؤذن وقعد الإمام على المنبر، منع الناس من البيع والشراء؛ الرجال والنساء والعبيد. ا. هـ. منه. وفيها أيضًا: وروى ابن وهب عن ابن أبي ذئب أن عمر بن عبد العزيز كان يمنع الناس من البيع إذا نودي للصلاة يوم الجمعة. وروى ابن وهب عن ابن أبي ذئب عن ابن شهاب قال: يحرم النداء بالبيع حين يخرج الإمام يوم الجمعة. وعن ابن وهب: قال ذلك عطاء بن أبي رباح وزيد بن أسلم. ا. هـ. منه. ملحوظة: وقوله قبل: ومَشْيٌ: أي ومن المستحب المشي إلى الجمعة وأن لا يركب؛ لما روي عنه ﷺ أنه لم يركب في عيد ولاجنازة، والجمعة في معناهما، وإنما لم يذكرها لأن باب النبي ﷺ كان شارعًا في المسجد يخرج منه إليه فلا يحتمل الركوب، ووجه الاستحباب لأن الثواب على الخطوات بسكينة ووقار في حال مشيه، لقوله ﷺ : "إذَا سَمِعْتُمُ الإقَامَةَ فَامْشوا وَعَلَيْكمْ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ ولَا تُسْرِعُوا". ولأن الماشي إلى الصلاة في صلاة، ولا يشبك بين أصابعه، وليقارب بين خطاه لتكثر حسناته. وقد روي أن النبي ﷺ خرج ومعه زيد بن ثابت إلى الصلاة، فقارب بين خطاه، ثم قال: "إنمَا فَعَلْتُ لَتَكْثُرَ خُطَانَا إلَى الصَّلَاةِ". وروي عن بعض الصحابة أنه مشى إلى الجمعة حافيًا، فقيل له في ذلك فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنِ اغْبَرتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللهِ حَرمَهُمَا اللهُ عَلَى النَّارِ". ا. هـ. ابن قدامة في المغني. وأما قوله: وتهجير، أي ويستحب الخروج إلى الجمعة وقت الهاجرة أي بعد زوال الشمس؛ وذلك لقول النبي ﷺ "مَنْ رَاحَ إلَى الْجُمُعَةِ" والرواح لا يكون إلا بعد الزوال؛ والغدو قبله. قال النبي ﷺ : "غدْوَة فِي سَبِيلِ اللهِ وَرَوْحَةٌ خَيْر مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا". وقال امرؤ القيس: تروح من الحي أم تبتكر وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ كَانَ عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ مَلَائِكَةَ يَكْتُبُونَ النَّاسَ عَلَى مَنَازِلهِمْ الْأوَّلَ فَالْأوَّلَ، فَإذَا خَرَجَ الإمَامُ طوِيتِ الصُّحُفُ، وَاسْتَمَعُوا الْخُطْبَةَ، وَالْمُهَجَّرُ إلَى الصَّلَاةِ كَالْمُهْدِي بَدَنَةً، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ كَالْمُهْدِي بَقرَةً، ثُمْ الَّذِي يَلِيهِ=

стр. 302

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = كَالْمُهْدِي كَبْشًا". حتى ذكر الدجاجة والبيضة. قال البغوي: هذا حديث متفق عليه. أخرجاه من طرق عن الزهري عن أبي عبد الله الأغر وأبي سلمة عن أبي هريرة. ا. هـ. قلت: ولفظ هذا الحديث المتفق عليه نص في محل الخلاف في تفسير الساعات بأنها ساعات لطيفة بعد الزوال، ولا يراد بها حقيقة الساعات التي يدور عليها حساب الليل والنهار، لأنه ﷺ يقول في هذا الحديث: "وَالْمُهَجِّرُ إلَى الصَّلَاةِ". الحديث. والله الموفق. (٣) وقوله: وسلام خطيب لخروجه لا لصعوده؛ أي لا يندب سلامه عند انتهاء صعوده على المنبر فيكره ولا يجب رده، هكذا يقول شراح المختصر هنا، واعتمادهم في ذلك على فتوى المدونة: وسألت مالكًا إذا صعد الإمام المنبر يوم الجمعة. هل يسلم على الناس؟. قال: لا، وأنكر ذلك. ا. هـ. منه. غير أننا روينا خلاف ذلك عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كان النبي ﷺ إذا صعد المنبر سلم. رواه البغوي، وأخرجه ابن ماجه في إقامة الصلاة، وفيه ابن لهيعة. وفي مصنف عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج عن عطاء قال: كان النبي ﷺ إذا صعد المنبر أقبل بوجهه على الناس فقال: "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ". وروى أيضًا عبد الرزاق وابن أبي شيبة عن أبي أسامة أنه سمع مجالدًا يحدث عن الشعبي قال: كان رسول الله ﷺ إذا صعد المنبر أقبل على الناس على الناس بوجهه وقال: (السَّلَامُ عَلَيْكُمُ). قال: فكان أبو بكر وعمر يفعلان ذلك بعد النبي ﷺ . أخرج البيهقي تسليم الإمام إذا صعد المنبر، عن جابر بن عبد الله وابن عمر مرفوعًا، ثم قال: وروي في ذلك عن ابن عباس وابن الزبير وعمر بن عبد العزيز. ا. هـ. وبالله التوفيق. (٤) وقوله وجلوسه أولًا وبينهما وتقصيرهما، والثانية أقصر ورفع صوته؛ كل ذلك قد تقدم الكلام عليه عند قول المصنف: وبخطبتين قبل الصلاة. الخ. وقوله: وقراءة فيهما؛ أخرج البغوي بلفظه عن صفوان بن يعلي بن أمية عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ على المنبر: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ الآيات من الزخرف. قال =

стр. 303

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = البغوي: هذا حديث متفق عليه. وقد تقدم حديث أم هشام بنت حارثة بن النعمان: قالت: ما أخذت: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾. إلا عن لسان رسول الله ﷺ يقرؤها كل جمعة على المنبر إذا خطب الناس. وروي عن أبي سعيد الخدري قال: خطبنا رسول الله ﷺ يومًا فقرأ: ﴿صَ﴾ فلما مر بالسجدة نزل فسجد. ا. هـ. وقوله: وختم الثانية بيغفر الله لنا ولكم. الخ؛ هو أيضًا لفتوى المدونة قال: وسمعته يقول: من سنة الإمام ومن شأن الإمام أن يقول إذا فرغ من خطبته: يغفر الله لنا ولكم. قلت: يا أبا عبد الله فإن الأئمة اليوم يقولون: اذكروا الله يذكركم. قال: وهذا حسن. وكأني رأيته يرى الأول أصوب. ا. هـ. منه. (٥) وقوله: وتوكؤ على قوس؛ هو أولًا لما في المدونة: قال ابن شهاب: وكان إذا قام أخذ عصا، فتوكأ عليها وهو قائم على المنبر، ثم كان أبو بكر وعمر وعثمان يفعلون ذلك. وروى ابن وهب: وقال مالك: وذلك مما يستحب للأئمة أصحاب المنابر أن يخطبوا يوم الجمعة، ومعهم العصي يتوكؤون عليها في قيامهم، وهو الذي رأينا وسمعنا. ا. هـ. منه. وروي أن النبي ﷺ كان إذا خطب يعتمد على عنزته اعتمادًا. أخرجه الشافعي في الأم، ورواه في مسنده من طريق عبد المجيد بن عبد العزيز عن ابن جريج. قال: قلت لعطاء: أكان النبي ﷺ يقوم على عصا إذا خطب؟. قال: نعم، كان يعتمد عليها اعتمادًا. ا. هـ. المعلق على شرح السنة. (٦) وقوله: وقراءة الجمعة وإن لمسبوق وهل أتاك، وأجاز الثانية بسبح والمنافقون؛ دليل ذلك ما أخرجه البغوي بسنده عن عبيد الله بن أبي رافع أن مروان بن الحكم استخلف أبا هريرة على المدينة، فصلى بهم أبو هريرة الجمعة، فقرأ سورة الجمعة في الركعة الأولى وفي الثانية: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ قال عبيد "الله: فلما انصرف أبو هريرة مشيت إلى جنبه فقلت له: لقد قرأت سورتين، سمعت علي بن أبي طالب يقرأ بهما في الصلاة. فقال أبو هريرة: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ بهما. ا. هـ. قال البغوي: هذا حديث صحيح أخرجه مسلم عن قتيبة عن حاتم بن إسماعيل عن جعفر. وعن عببد الله بن عبد الله بن عتبة أن الضحاك بن قيس سأل النعمان بن بشير: ماذا كان يقرأ به رسول الله ﷺ يوم الجمعة على أثر سورة الجمعة؟. قال: كان يقرأ بـ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾. =

стр. 304

وَحُضُورُ مُكَاتَبٍ وَصَبِيٍّ وعَبْدٍ ومُدَبرٍ أَذِنَ سَيِّدُهُمَا. وأَخَّرَ الظُّهْر رَاجٍ زَوَالَ عُذْرِهِ وإِلَّا فَلَهُ التَّعْجِيلُ، وَغَيْرُ المَعْذُورِ إِنْ صَلَّى الظُّهْرَ مُدْرِكًا لِرَكْعَةٍ لَمْ يُجْزِهِ. ولَا يجْمَع الظُّهْرَ إِلَّا ذو عُذرٍ، وهذا الحديث أخرجه البغوي ومسلم، وأخرجه النسائي، وأبو داود، وابن ماجه، وهو حديث صحيح. وفي سنن الدارمي: أخبرنا خالد بن مخلد، ثنا مالك عن ضمرة عن سعيد المازني، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن الضحاك بن قيس سأل النعمان بن بشير: ما كان رسول الله ﷺ يقرأ يوم الجمعة على أثر سورة الجمعة؟. قال: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾. وفيه أيضًا: حدثنا محمد بن يوسف، ثنا سفيان عن إبراهيم عن محمد بن المنتشر عن أبيه، عن حبيب بن سالم عن النعمان بن بشير قال: كان النبي ﷺ يقرأ في العيدين أو الجمعة بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ وربما اجتمعا فقرأ بهما. ا. هـ. منه. وقوله: وإن لمسبوق؛ هو لما في المدونة: وقال مالك في رجل فاتته ركعة من صلاة الجمعة فقال: أحب إِلي إذا قام يقضي أن يقرأ فيها سورة الجمعة، من غير أن يرى ذلك واجبًا عليه. ا. هـ.

стр. 305

واسْتُئذِنَ إِمَامٌ ووجَبَتْ إِنْ مَنَعَ وَأَمِنُوا وإِلَّا لَمْ تُجْزِ. وسُنَّ غَسْلٌ مُتصِلٌ بالرواحِ ولَوْ لَمْ تلزَمْهُ وأَعَادَ إنْ تَغَذَّى أَوْ نَامَ اخْتِيَارًا لا لأكْل خَفَّ (١)، وجَازَ تَخَطٍّ قَبْلَ جُلُوسِ الْخَطِيبِ (٢)، واحْتِبَاءٌ فيها، وَكَلَامٌ بَعْدَهَا لِلصَّلَاةِ (٣)، وخُرُوجُ كمحْدِثٍ بِلَا (١) وقوله: وسن غسل متصل بالرواح؛ فقد تقدم ذكر الأحاديث الواردة في الغسل عند قول المؤلف: وندب تحسين هيثته. وأما قوله: متصل بالرواح، فهو لما في المدونة: وقال مالك فيمن اغتسل يوم الجمعة - للجمعه غداة - ثم غدا إلى المسجد - وذلك رواحه - ثم انتقض وضوؤه قال: يخرج ويتوضأ ويرجع ولا ينتقض غسله. قال مالك: وإن هو اغتسل للرواح للجمعة ثم تغدى أونام، فليعد الغسل حتى يكون غسله متصلًا بالرواح. ا. هـ. منه. وقوله: وإن لم تلزمه؛ هو لقول مالك أيضًا في المدونة: ليس على العبيد ولا على النساء ولا على الصبيان جمعة، فمن شهدها منهم فليغتسل. ا. هـ. (٢) وقوله: وجاز تخط قبل جلوس الخطيب؛ قال مالك في المدونة: إنما يكره التخطي إذا خرج الإمام وقعد على المنبر، فمن تخطى حينئذ فهو الذي جاء فيه الحديث، فأما قبل ذلك فلا بأس به إذا كان بين يديه فرج، وليترفق في ذلك. ا. هـ. وروى ابن وهب عن ابن لهيعة أن أبا النضر حدثه عن بشر بن سعد أنه قال: دخل رجل المسجد ورسول الله ﷺ على المنبر يوم الجمعة، فأقبل يتخطى رقاب الناس حتى دنا من رسول الله ﷺ ، فسلم عليه ثم جلس، فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة، التفت ﷺ إليه فقال: "أشَهِدْتَ الصَّلَاةَ مَعَنَا؟.! فقال: نعم، أو لم ترني حين سلمت عليك؟. قال: "رَأَيْتُكَ تَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ". وقال رسول الله ﷺ لآخر صنع مثل ذلك: "مَا صَلَّيْتَ وَلكِنَّكَ آنَيْتَ وَآذَيْتَ". قال سحنون: يريد أبطات وآذيت الناس. ا. هـ. المدونة. وأخرج البغوي الحديث الأخير في شرح السنة عن عبد الله بن بسر، وقال من علق عليه: رواه أبو داود في الصلاة؛ باب تخطي رقاب الناس يوم الجمعة. والنسائي؛ في الجمعة. وإسناده حسن. ورواه ابن ماجه في إقامة الصلاة من حديث جابر، وإسناده ضعيف. ا. هـ.

стр. 306

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وقول المؤلف قبل: ولا يجمع الظهر إلا ذو عذر؛ هو لما أفتى به مالك في المدونة: وقال مالك في قوم أتوا الجمعة ففاتتهم؛ أترى أن يجمعوا الظهر أربعًا في مسجد سوى مسجد الجماعة؟. قال: لا، ويصلون أفذاذًا. وقال مالك: يجمع الصلاة يوم الجمعة أهل السجون والمسافرون، ومن لا تجب عليهم الجمعة يصلي بهم أمامهم الظهر أربعًا، ومن تجب عليهم الجمعة لا يجمعونها ظهرًا إذا فاتتهم. ا. هـ. قلت: هذا فيمن فرط في الجمعة، يمكن أن توجد له وجهة من النظر، فما بال من لم يفرط في الجمعة؟. والقول بوجوب الجماعة له وزنه من جهة الاعتبار. والله أعلم. وهو ولي التوفيق. (٣) وقوله: واحتباء فيها، وكلام بعدها للصلاة؛ قال مالك في المدونة: ولا بأس بالاحتباء يوم الجمعة والإمام يخطب. ا. هـ. لكنه أخرج البغوي في السنة عن سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه أن رسول الله ﷺ نهى عن الحبوة يوم الجمعة والإمام يخطب. قال البغوي: وهذا حديث حسن. قلت: وهو في الترمذي؛ باب ما جاء في كراهة الاحتباء والإمام يخطب. وأخرجه أبو داود في الصلاة؛ باب الاحتباء والإمام يخطب. وأخرجه البيهقي. غير أن البغوي في شرح السنة أخرج ما يشهد لما روي عن الإمام في المدونة، قال: قال يعلي بن شداد بن أوس: شهدت مع معاوية بيت المقدس، فجمع بنا، فنظرت فإذا جل من في المسجد أصحاب رسول الله ﷺ ، فرأيتهم محتبين والإمام يخطب. قال المعلق: أخرجه أبو داود في الصلاة؛ باب الاحتباء والإِمام يخطب. وفي سنده سليمان بن عبد الله بن الزبرقان، وهو لين الحديث. ا. هـ. والله الموفق. وقوله: وكلام بعدها للصلاة. قال في المدونة: وقال مالك: لا بأس بالكلام بعد نزول الإمام من الفبر إلى أن يفتتح الصلاة. وروى ابن وهب عن جرير بن حازم، عن ثابت البناني عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله ﷺ ينزل عن المنبر يوم الجمعة فيكلمه الرجل في الحاجة فيكلمه، ثم يتقدم إلى الصلاة فيصلي. والله الموفق. وقوله: وخروجه كمحدث بلا إذن؛ هو لفتوى مالك في المدونة.

стр. 307

إِذْنٍ. وإقْبَالٌ على ذِكْر قَلَّ سِرًّا كتأْمِين وتَعَوُّذٍ عِنْدَ ذِكْرِ السَّبَبِ؛ كَحَمْدِ عَاطِسٍ (١)، ونَهْيُ خَطِيبٍ أَو أَمْرُهُ، وإِجَابَتُه (٢)، وكُرِهَ تَرْكُ طُهْرٍ فيهِمَا، والْعَمَل يومَهَا، وبَيْعُ كَعَبْدٍ بِسُوقٍ وقْتَهَا (٣)، وَتَنَفُّلُ إِمَام قَبْلَهَا أَو جَالِسٍ عِنْدَ الأَذَانِ، وحُضُورُ شابَّةٍ، وسَفَرٌ بَعْدَ الْفَجْرِ، وجَاز قَبْلَهُ، وحَرُمَ بِالزَّوالِ (٤)، كَكَلَامٍ في (١) وقوله: وإقبال على ذكر قل سرًا الخ. قال في المدونة: وسألنا مالكًا عن الرجل يقبل على الذكر والإمام يخطب. قال: إن كان شيئًا خفيفًا سرًا في نفسه فلا بأس به. قال: وأحب إلي أن ينصت ويسمع. ا. هـ. وقوله: كتأمين وتعوذ عند ذكر السبب كحمد عاطس؛ قال في المدونة: وقال مالك فيمن عطس والإمام يخطب يوم الجمعة، فقال: يحمد الله في نفسه سرًا. وقال: لا يشمت أحد العاطس والإمام يخطب يوم الجمعة. ا. هـ. قال البغوي في شرح السنة: واختلفوا في رد السلام، وتشميت العاطس حالة الخطبة؛ فرخص فيه بعضهم وهو قول أحمد، وإسحاق، وهو أحد قولي الشافعي، وكرهه بعضهم من التابعين وغيرهم، وهو قول سعيد بن المسيب. ا. هـ. منه. (٢) وقوله: ونهي خطيب أو أمره وإجابته؛ قال في المدونة: وقال مالك في الإمام يريد أن يأمر الناس يوم الجمعة، وهو على المنبر في خطبته بالأمر ينهاهم عنه ويأمرهم به، قال: لا بأس بذلك ولا تراه لاغيًا. قال: ولقد استشارني بعض الولاة في ذلك فأشرت عليه به. قال ابن القاسم: وكل من كلمه الإمام فرد عليه فلا أراه لاغيًا. ا. هـ. منه. وروي عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: دخل رجل يوم الجمعة المسجد والنبي ﷺ يخطب، فقال له: "أصَلَّيْتَ "؟. فقال: لا. قال: "فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ". قال البغوي: هذا حديث متفق عليه. ا. هـ. والله الموفق. (٣) وقوله: وكره ترك طهر فيهما؛ قال في المدونة: قال مالك في الإمام يخطب يوم الجمعة، فيحدث بين ظهراني خطبته؛ أنه يأمر رجلًا يتم بهم الخطبة، ويصلي بهم - إلى أن قال: وقال مالك: ولا يتم هو بهم بقية الخطبة وهو محدث. قلت: والله أعلم بمدرك حمل النهي هنا على الكراهة، وهو الموفق.

стр. 308

خُطْبَتَيْهِ بِقيامِهِ وبَينهمَا وَلَوْ لِغَيْرِ سَامِعٍ (١) إِلَّا أَنْ يَلْغُوَ عَلى المخْتَار، وَكَسَلَامٍ ورَدِّهِ ونَهْيِ لَاغٍ وحَصْبِهِ أَوْ إِشَارَةٍ له، وابتداءِ صَلَاةٍ بِخُروجه وإِن لِدَاخِلٍ ولَا يَقْطَعُ إِنْ = وقوله: والعمل يومها؛ قال في المدونة: قال مالك: وبلغني أن بعض أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يكرهون أن يترك الرجل العمل يوم الجمعة، كما تركت اليهود والنصارى العمل في السبت والأحد. ا. هـ. وقوله: وبيع كعبد بسوق وقتها؛ قال في المدونة: وكره مالك للمرأة والعبد والصبي، ومن لا تجب عليهم الجمعة، البيع والشراء في تلك الساعة من أهل الإسلام. ا. هـ. منه. (٤) وقوله: وسفر بعد الفجر، وجاز قبله، وحرم للزوال؛ قال البغوي في شرح السنة: وكل من تلزمه الجمعة لا يجوز له أن يسافر بعد الزوال؛ قبل أن يصلي الجمعة، وإن سافر قبل الزوال بعد طلوع الفجر؛ فلا بأس، غير أنه يكره، إلا أن يكون سفره سفر طاعة من غزو أو حج فالأولى أن يخرج؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: بعث النبي ﷺ عبد الله بن رواحة في سرية، فوافق ذلك يوم الجمعة، فغدا أصحابه وقال: اتخلف فأصلي مع رسول الله ﷺ ثم ألحقهم. فلما صلى النبي ﷺ رآه، فقال: "مَا مَنَعَكَ أَنْ تَغْدُوَ مَعَ أَصْحَابِكَ"؟. قال: أردت أن أصلي معك ثم ألحقهم، فقال: "لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأرْضِ مَا أَدْرَكْتَ فَضْلَ غَدْوَتهِمْ". وهذا الحديث أخرجه الترمذي وقال: حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وأخرجه أحمد والبيهقي، وفيه حجاج بن أرطاة مدلس. وقد رواه بالعنعنة. وله شاهد بمعناه عند ابن عبد الحكم في فتوح مصر من طريق ابن لهيعة. ا. هـ. من التعليق على شرح السنة. وقال البغوي في شرح السنة: وروي أن عمر بن الخطاب سمع رجلًا عليه هيئة السفر يقول: لولا أن اليوم يوم جمعة لخرجت، فقال عمر: أخرج فإن الجمعة لا تحبس عن سفر. ا. هـ. قال المعلق عليه: أخرجه الشافعي في مسنده ١/ ١٥٤. أخبرنا سفيان بن عيينة عن الأسود بن قيس عن أبيه. فذكره. ورجاله ثقات وسنده قوي. ا. هـ. وبالله تعالى التوفيق. (١) وقوله: ككلام في خطبتيه بقيامه وبينهما ولو لغير سامع، الكاف هنا للتشبيه على التحريم، وهو كذلك، فإن الكلام أثناء خطبة الجمعة حرام، لدلالة الكتاب والسنة: قال تعالى في سورة =

стр. 309

دَخَلَ (١) وَفُسِخَ بَيْعٌ وإِجَارَةٌ وَتَوْليَةٌ وَشِرْكَةٌ وإِقَالَةٌ وَشفْعَةٌ بِأَذَانٍ ثانٍ (٢)، فإِنْ فَاتَ فالْقِيمَةُ حِينَ الْقَبْضِ، كالْبَيْعِ الْفَاسِدِ. لَا نِكَاحٌ وهِبَةٌ وصَدَقَةٌ، وَعُذْرُ تَرْكِهَا الأعراف: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ الآية، أي اسكتوا سكوت المستمعين. وروي عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ: أَنصِتْ، وَالإمَامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَدْ لَغَوْتَ". قال البغوي: هذا حديث متفق على صحته، أخرجاه من طرق عن أبي هريرة. ويروى: "قَدْ لَغَوْتَ" و"قَدْ لَغَيْتَ" يقال: لَغَا يَلْغُو، وَلَغِيَ يَلْغَى. وقال عثمان بن عفان: إذا جلس الإمام فاستمعوا وأنصتوا، فإن للمنصت الذي لا يسمع من الأجر ما للمنصت السامع. ا. هـ. وهو مراد المؤلف بقوله: ولو لغير سامع؟ قال البغوي: اتفق أهل العلم على كراهة الكلام والإمام يخطب، وإن تكلم غيره فلا ينكر إلا بالإشارة. ا. هـ. منه. وقوله: إلا أن يلغو على المختار، يفيد به أن اختيار اللخمي من الخلاف؛ إن الإمام إذا لغا في خطبته بمدح من لا يستحق المدح، أو ذم من لا يستحق، ونحو ذلك مما هو أجنبي على الخطبة الشرعية، رفع الحرج عن الكلام أثناء خطبته، وأنا أرجع العلم في ذلك إلى الله تعالى. وهو حسبنا ونعم الوكيل. (١) وقوله: وابتداء صلاة بخروجه وإن لداخل ولا يقطع إن دخل؛ هو لما في المدونة: وقال مالك فيمن افتتح الصلاة يوم الجمعة، فلم يركع حتى خرج الإمام فليجلس ولا يركع، وإن دخل فخرج الإمام قبل أن يفتتح هو الصلاة فليقعد ولا يصل - إلى أن قال: وكيع عن سفيان عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي أنه كره الصلاة يوم الجمعة والإمام يخطب. ا. هـ. منه. قلت: هذه الفتوى في المدونة تتعارض مع ما ثبت عن رسول الله ﷺ : "إذَا دَخَلَ أحَدُكمُ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ". وقد تقدم الكلام على ذلك عند قول المصنف: ومنع نفل وقت طلوع شمس وغروبها وخطبة جمعة، ولأهمية الموضوع نزيد هنا ما يسر الله فنقول وبالله التوفيق وعليه التكلان: =

стр. 310

. . . . . . . . . . . . . . . . . . = الأثر الذي استدل به في المدونة موقوف على عليٍّ ﵁، فلا يعارض به ما أخرجه الشيخان من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: دخل رجل يوم الجمعة المسجد والنبي ﷺ يخطب، فقال له: "أصَلَّيْتَ "؟. قال: لا. قال: "فَصَل رَكْعَتَيْنَ". وما تفرد به مسلم من حديث جابر ﵁ قال: جاء سليك الغطفاني يوم الجمعة وهو يخطب، فجلس، فقال رسول الله ﷺ : "إذَا جَاءَ أحَدُكمُ الْجُمُعَةَ وَالإِمَامُ يَخْطبُ، فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ ثُمَّ لْيَجْلِسْ". فهذان الحديثان دليل واضح على أن قوله ﷺ في الحديث المتفق عليه" إِذَا دَخَلَ أَحدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ". يشمل ما لو دخل والإمام على المنبر، دخل في الخطبة أو لم يدخل فيها، ولا يعارض مثل هذه الأحاديث بقوله ﷺ لمن رآه يتخطى رقاب الناس "اجْلِسْ فَقَدْ آنَيْتَ وَآذَيْتَ". لأنه قضية في عين، ويتطرقه الاحتمال بكون الموضع لا يتسع للصلاة، أو بكونه جاء في آخر لحظة، ويشير إليه قوله ﷺ "فَقَدْ آنَيْتَ". والأقرب من الاحتمالين أنه جاء في آخر لحظة بحيث أنه إذا تشاغل بالركوع فاته أول صلاة الفرض، ومعلوم أن وقائع الأحوال إذا تطرق إليها الاحتمال، كساها ثوب الإجمال فسقط بها الاستدلال. نعم، تنقطع بدخول الإمام صلاة التطوع، فبمجرد جلوسه على المنبر امتنع أن يصلي غير الداخل، فعليه أن يصلي ركعتين يتجوز فيهما. وبالله التوفيق. (٢) وقوله: وفسخ بيع وإجارة وتولية وشركة وإقالة وشفعة بأذان ثان؛ فيه مبحثان، كل منهما يحتاج إلى الاستدلال عليه؛ أولهما قوله: بأذان ثان، لقد كان الأذان للجمعة على عهد رسول الله ﷺ كما في سائر الصلوات؛ يؤذن واحد إذا جلس النبي ﷺ على المنبر، وكان كذلك على عهد أبي بكر وعمر وعلي بالكوفة، ثم زاد عثمان لما كثر الناس أذانًا ثالثًا على داره التي تسمى بالزوراء، وكان يؤذن بهذا الأذان أول الوقت عند الزوال، وسمي ثالثًا باعتبار كونه مزيدًا على الأذان بين يدي الإمام والإقامة للصلاة، فهو أول باعتبار الوجود وثالث باعتبار مشروعية عثمان له باجتهاده، وموافقة الصحابة له لعدم إنكارهم عليه، فإذا سمع الناس هذا الأذان أقبلوا، حتى إذا جلس عثمان على المنبر أذن مؤذن النبي ﷺ . ثم يخطب عثمان. =

стр. 311

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وفي سنن ابن ماجه من حديث محمد بن إسحاق، عن الزهري عن السائب بن يزيد قال: ما كان لرسول الله ﷺ إلا مؤذن واحد إذا خرج أذن وإذا نزل أقام، وأبو بكر وعمر كذلك، فلما كان عثمان وكثر الناس زاد النداء الثالث على دار في السوق يقال لها الزوراء، فإذا خرج أذن وإذا نزل أقام. خرجه البخاري بطرق بمعناه. وقد كان عمر ﵁ أمر أن يؤذن في السوق قبل المسجد؛ ليقوم الناس من بيوعهم فإذا اجتمعوا أذن في المسجد، فجعله عثمان ﵁ أذانين في المسجد. قاله ابن العربي. وفي الحديث الصحيح: أن الأذان كان على عهد رسول الله ﷺ واحدًا، فلما كان زمن عثمان زاد الأذان الثالث على الزوراء، وسماه في الحديث ثالثًا لأنه أضافه إلى الإقامة، ويتوهم الناس أنه أذان أصلي، فجعلوا المؤذنين ثلاثة فكان وهمًا، ثم جمعوهم في وقت واحد، فكان وهما على وهم، قلت: ولقد شاع العمل بهذه البدعة في جل مساجد المغرب العربي وغرب افريقيا، حتى أصبح من المستحيل إقناع أهلها بعدم شرعية ذلك، وما شعر هؤلاء أن خير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها. فلله در من رجع إلى الحق وتمسك به واستن بسنة رسول الله ﷺ وخلفائه الراشدين. ا. هـ. ملخصًا من القرطبي. المبحث الثاني هو فيما ذكره المصنف من فسخ هذه العقود وقت النداء؛ والمذهب عندنا أن وقت النهي هو وقت النداء، وأنه تفسخ عنده جميع العقود الواقعة فيه، قالوا: إلا العتق والنكاح والطلاق والهبة والصدقة؛ لما يترتب على الفسخ لها من ضرر، ولأن عادة الناس لم تجر باشتغال الناس بها كاشتغالها بالبيع. قال القاضي أبو بكر بن العربي: والصحيح فسخ الجميع؛ لأن البيع إنما منع منه للاشتغال به، فكل أمر يشغل عن الجمعة من جميع العقود هو حرام شرعًا مفسوخ ردعًا، والدليل على ذلك من جهة النقل قوله ﷺ : "كُلُّ عَمَل لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ". أي مردود. ومن جهة الاستدلال هو علة النهي عن البيع وقت النداء؛ هي أن البيع يفوت الاشتغال به صلاة الجمعة، وهو نوع من أنواع مسلك الإيماء وعبر عنه القرافي في تنقيح الفصول بقوله: أو ورود النهي عن فعل يمنع ما تقدم وجوبه. ثم في شرح هذه الجملة ما نصه: ومثال النهي عن الفعل الذي يمنع ما تقدم وجوله قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾. فهذا وجوب للجمعة، فقوله تعالى بعد ذلك: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ نهي عن البيع؛ لأنه يمنع من فعل =

стр. 312

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = الجمعة بالتشاغل بالبيع، فيكون هذا إيماء لأن العلة في تحريم البيع هي التشاغل عن الجمعة وقد عقد شيخ مشائخنا مسلك الإيماء في مراقي السعود بقوله: والثالث الإيما اقتران الوصف … بالحكم ملفوظين دون خُلْف وذلك الوصف أو النظير … قرانه لغيرها يضير كما إذا سمع وصفًا فحكم … وذكره في الحكم وصفًا قد ألَم إن لم يكن علته لم يفد … ومنعه مما يفيت استقد ترتيبه الحكم عليه واتضح … تفريق حكمين بحكم المصطلح أو غاية شرط أو استثناء … تناسب الوصف على البناء ..... ا. هـ. ومحل الشاهد هنا منها هو قوله في أول الشطر الثاني من البيت الرابع: ومنعه مما يفيت؛ أي منع الشارع المكلف من فعل يحصل به تفويت فعل آخر مطلوب منه. ا. هـ. وبالله تعالى التوفيق.

стр. 313

والجَمَاعَةِ شِدَّةُ (١) وَحَلٍ ومَطَرٍ، أوْ جُذَامٌ ومَرَضٌ وتَمْرِيضٌ وإِشْرَافُ قريبٍ ونَحْوِه. وخَوْفٌ عَلَى مَالٍ أَوْ حَبْس أَوْضَرْب والأَظْهَرُ وَالأَصَحُّ أَوْ حَبْسُ مُعْسِير، وعُرْيٌ ورَجَاءُ عَفْوِ قَوَدٍ وأَكْلُ كَثوُمٍ كريحٍ عَاصِفَةٍ بَليلٍ لَا عِرْسٍ أَوْ عَميً أَوْ شهُودُ عِيدٍ وإِن أَذن الإمَامُ. (١) وقوله: وعذر تركها والجماعة الخ. قال البغوي ﵀: أما ترك الجمعة لعذر فجائز بالاتفاق، فقد دعا ابن عمر لسعيد بن زيد وهو يموت - وابن عمر يستجمر للجمعة - فأتاه وترك الجمعة. ا. هـ. أخرجه الشافعي قال: أخبرنا سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح عن إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي ذئب قال: دعي ابن عمر .. الحديث وهذا سنده صحيح. ا. هـ. وقال ابن عباس لمؤذنه في يوم مطير: إذا قلت: "أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ" فلا تقل: "حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، قل: صلُّوا في بيوتكم. وقال: إن الجمعة عزيمة، فإني كرهت أن أُحَرجَكُم، فتمشوا في الطين والدحض. وهذا الحديث كما أخرجه البغوي في شرح السنة، رواه البخاري في صلاة الجمعة؛ باب هل يصلي الإمام بمن حضر؟. وهل يخطب يوم الجمعة في المطر؟. ورواه في الأذان؛ باب الكلام في الأذان. ورواه مسلم في صلاة المسافرين؛ باب الصلاة في الرحال، ولفظه عن عبد الله بن الحارث قال: خطبنا ابن عباس في يوم ذي ردغ، فأمر المؤذن لما بلغ "حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ". قال: قل: الصلاة في الرحال. فنظر بعضهم إلى بعض كأنهم أنكروا. فقال: كأنكم أنكرتم هذا، إن هذا فعله من هو خير مني. إن الجمعة عزمة، وإني كرهت أن أحرجكم فتمشوا في الطين والدحض. وفي تفسير القرطبي أن أحد أصحاب رسول الله ﷺ تخلف يومًا عن الجمعة، فقال له رسول الله ﷺ : "مَا مَنَعَكَ أَنَّ تَحْضُرَ الصَّلَاةَ". أوكما قال ﷺ ؟. فقال: إن فلانًا اليهودي يطالبني بكذا، وبلغني أنه يترصدني فكرهت أن يحبسني. فقال له ﷺ : "أَتُحِب أَنْ أعَلِّمَكَ دَعَاءً إذَا دَعَوْتَ بِهِ قَضَى اللهُ عَنْكَ الدَّيْنَ؟. قال: نعم. قال: قل: قُلِ اللَّهُم مَالِكَ الْمُلْكِ تُوتي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتنزِعُ المُلْكَ مِمنْ تَشَاءُ وَتُعِز مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إنكَ عَلَى كل شَئٍ قَدِيرٌ، رَحْمنَ السَّموَاتِ وَالْأرْضِ وَرَحِيمهُمَا تُعْطي مِنْهُمَا مَنْ تَشَاءُ وَتَمْنَعُ مَنْ تَشَاءُ اقْضِ عَنِّي دَيْنِي". ا. هـ. والله الموفق.

стр. 314

صلاة الخوف (١) فصل: رُخِّصَ لِقِتَالٍ جَائِزٍ أمْكَنَ تَرْكُهُ لِبَعْض قَسْمُهُمْ وإِنْ وِجَاهَ الْقِبْلَةِ أَوْ عَلَى دَوابِّهِمْ قِسْمَيْنِ. وعَلَّمَهُمْ وصَلَّى بِأَذَانٍ وإِقَامَةٍ بالأولى في الثُّنَائِيَّةِ رَكْعَةً وإِلَّا فَرَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَامَ سَاكِتًا أَوْ دَاعِيًا أَوْ قَارِئًا في الثُّنَائِية، وَفِي قِيَامِهِ بغَيْرهَا تَرَدُّدٌ، وَأَتَمَّتِ الُأولى (١) صلاة الخوف دليلها الكتاب والسنة وإجماع الصحابة؛ أما الكتاب فهو قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ سورة النساء: ١٠٢. وقد أخذ بمفهوم المخالفة من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ الإمام أبو يوسف في إحدى الروايتين عنه، والحسن بن زياد اللؤلؤي من أصحابه، وابن علية، وحكي عن المزني صاحب الشافعي، وهم محجوجون بإجماع الصحابة على فعل ذلك بعد النبي ﷺ ، وبقوله ﷺ : "صَلُّوا كَمَا رَايتُمُوني أُصَلِّي". فإن عموم منطوقه مقدم على ذلك المفهوم. ا. هـ. من التعليق على شرح السنة. وأما الدليل من السنة؛ فهو ما رواه سالم عن أبيه عن النبي ﷺ صلَّى صلاة الخوف بإحدى الطائفتين ركعة، والطائفة الأخرى مواجهة للعدو، ثم انصرفوا، فقاموا في مقام أولئك، وجاء أولئك، فصلى بهم ركعه أخرى، ثم سلم عليهم، فقام هؤلاء فقضوا ركعتهم، وقام هؤلاء فقضوا ركعتهم. أخرجه البغوي وقال: متفق عليه.

стр. 315

وَانصَرفَتْ. ثمَ صَلَّى بالثَّانيةِ ما بَقِيَ وسَلَّمَ فأَتَمُّوا لأنْفُسِهِمْ (١) وَلَوْ صَلَّوْا بإِمَامَيْنِ أَوْ بَعْضٌ فَذًّا جَازَ، وإِن لَمْ يُمْكِنْ أَخَّرُوا لِآخِرِ الاخْتِيَاريِّ وصَلَّوْا إِيماءً كأَنْ دَهَمَهُمْ عَدُوٌّ بِهَا، وحَلَّ للضَّرورَةِ مَشْيٌ ورَكْضٌ وَطَعْنٌ وَعَدَمُ تَوَجُّهٍ وكَلَامٌ وإِمْسَاكُ مُلَطَّخٍ (٢)، وإِنْ أَمنُوا بِهَا أُتِمَّتْ صَلَاةَ أَمْنِ. وَبَعْدَهَا لَا إعَادَةَ، كَسَوَادٍ ظُنَّ بِهِ (١) وقول المؤلف: قَسْمهم وإن وِجاهَ القبلة - إلى قوله - فأتموا لأنفسهم؛ هو لحديث يزيد بن رومان، عن صالح بن خوات عمن صلى مع رسول الله ﷺ يوم ذات الرقاع صلاة الخوف: أن طائفة صفت معه، وصفت طائفة وجاه العدو، فصلى بالتي معه ركعة ثم ثبت قائمًا، فأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا فصفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى، فصلى بهم الركعة التي بقيت، ثم ثبت جالسًا، وأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم. قال مالك: وذلك أحسن ما سمعت في صلاة الخوف. قال البغوي: وهذا حديث متفق على صحته. وفي أبي داود: حدثنا القعنبي، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن صالح بن خوات الأنصاري أن سهل بن أبي حثمة الأنصاري حدثه أن صلاة الخوف أن يقوم الإمام وطائفة من أصحابه، وطائفة مواجهة للعدو، فيركع الإمام ركعة، ويسجد بالذين معه ثم يقوم، فإذا استوى قائمًا ثبت وأتموا لأنفسهم الركعة الباقية، ثم سلموا وانصرفوا والإمام قائم، فكانوا وجاه العدو، ثم يقبل الآخرون الذين لم يصلوا، فيكبرون وراء الإمام فيركع بهم ويسجد بهم، ثم يسلم فيقومون فيركعون لأنفسهم الركعة الباقية، ثم يسلمون. قال أبو داود: وأما رواية يحيى بن سعيد عن القاسم فهي نحو رواية يزيد بن رومان إلا أنه خالفه في السلام. ورواية عبيد الله بنحو رواية يحيى بن سعيد قال: ويثبت قائمًا. ا. هـ. (٢) وقوله: كأن دهمهم عدو الخ. أي وذلك لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (١). سورة البقرة: ٢٣٩. فإن صلاة الخوف أنواع تختلف باختلاف العدو؛ إحداهما مثل هذه؛ أن يكون في حالة القتال، يصلون بالإيماء إلى أي جهة كانت رجالًا أو ركبانًا، وكذلك كل من خاف من عدو، أو سبع، أو حريق، أو سيل، فهرب وصلى في حالة الهرب بالإيماء يجوز، ومن خرج في طلب عدو فلا=

стр. 316

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = يصلي صلاة الخوف عند عامة العلماء، لكنه روي أن النبي ﷺ بعث عبد الله بن أنيس إلى خالد بن سفيان الهذلي ليقتله، قال: فرأيته وقد حضرت صلاة العصر، فقلت إنى أخشى أن يكون بيني وبينه ما إن أؤخر الصلاة. فانطلقت أمشي وأنا أصلي؛ أوميء إيماء نحوه. فهو يدل على أن طالب العدو يصلي صلاة الخوف، والحديث في شرح السنة ومسند الإمام أحمد وأبي داود. ا. هـ. وقوله وإن أمنوا أتمت صلاة أمن؛ يريد به أنه إن حصل الأمن أثناء الصلاة. وهو بمحض الاجتهاد. والله تعالى أعلم. ومن صلاة الخوف ما إذا كان العدو ماكثين في معسكرهم، في غير ناحية القبلة، فيجعل الإمام القوم فرقتين؛ فتقف طائفة وجاه العدو تحرسهم، ويشرع الإمام مع طائفة في الصلاة - كما فعل النبي ﷺ بذات الرقاع - ثم اختلفت الرواية في ذلك عن رسول الله ﷺ فروى سهل بن أبي حثمة أنه ثبت جالسًا حتى أتموا صلاتهم وسلم بهم، وإلى هذا ذهب مالك والشافعي، وأحمد، وإسحاق. ويلاحظ من قول المؤلف: صلى بالثانية ما بقي وسلم فاتموا، أنه مشى على ما جاء في حديث القاسم، وصرح في المدونة أن مالكًا رجع إلى العمل به بعدما كان العمل عنده على حديث يزيد بن رومان، تأمل. وذهب أصحاب الرأي إلى الأخذ برواية عبد الله بن عمر؛ أن الإمام بعد ما قام إلى الركعة الثانية، تذهب الطائفة الأولى في خلال الصلاة إلى وجاه العدو، وتأتي الطائفة الثانية، فيصلي بهم الركعة الثانية ويسلم، وهم لا يسلمون، بل يذهبون إلى وجاه العدو، وتعود الطائفة الأولى فتتم صلاتها، ثم تعود الثانية فتتم صلاتها. والحقيقة أن الرواتين كلاهما صحيحة، غير أن رواية القاسم بن محمد التي يرويها بسنده إلى سهل بن أبي حثمة أشد موافقة لظاهر القرآن وأحوط للصلاة، وأبلغ في حراسة العدو؛ وذلك أن الله تعالى يقول: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ أي إذا صلوا، ثم قال: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا﴾. فهذا يدل على أن الطائفة الأولى قد صلوا، وقال: ﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ ومقتضاه أن يصلوا تمام الصلاة لا بعضها. إن ظاهر القرآن - كما علمت - يدل على أن كل طائفة تفارق الإمام بعد تمام الصلاة، وهو الاحتياط لأمر الصلاة من حيث تقليل العمل فيها، والذهاب والمجيء. ا. هـ. انظر البغوي.

стр. 317

عَدُوًّا فَظَهَرَ نَفْيُهُ (١)، وإن سَهَا مَعَ الأُولى سَجَدَتْ بَعْدَ كَمَالِهَا وإلَّا سَجَدَتْ الْقَبْلِيَّ = علمًا بأنه قيل: إن حديث ابن عمر منسوخ بحديث سهل بن أبي حثمة. والله تعالى أعلم. وهناك رواية تقول: يصلي بكل طائفة ركعتين. ودليلها حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ حتى إذا كنا بذات الرقاع، فكنا إذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها لرسول الله ﷺ فجاء رجل من المشركين - وسيف رسول الله ﷺ معلق بشجرة - فأخذ سيف النبي ﷺ ، فاخترطه وقال لرسول الله ﷺ : أتخافني؟. قال: "لَا". قال: فمن يمنعك مني؟. قال: "اللهُ يَمْنَعُنِي مِنْكَ". قال: فتهدده أصحاب رسول الله ﷺ قال: فغمد السيف وعلقه. قال: فنودي بالصلاة، قال: فصلى بطائفة ركعتين، ثم تأخروا، فصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، قال: فكانت لرسول الله ﷺ أربع ركعات، وللقوم ركعتان. ا. هـ. قال البغوي: وهذا حديث متفق عليه. وهناك صفة أخرى فيما إذا كان العدو من ناحية القبلة، فإن الإمام يصلي بهم جميعًا. ودليل ذلك حديث أبي عياش الزرقي قال: كنا مع رسول الله ﷺ بعُسْفَانَ، وعلى المشركين خالد بن الوليد، فصلينا الظهر، فقال المشركون: لقد أصبنا غرة لوحملنا عليهم وهم في الصلاة. فنزلت آية القصر بين الظهر والعصر. فلما حضرت العصر قام رسول الله ﷺ مستقبل القبلة - والمشركون أمامه - فصف خلف رسول الله صف، وصف بعد ذلك الصف صف آخر، فركع رسول الله ﷺ ، وركعوا جميعًا. ثم سجد وسجد الصف الذين يلونه وقام الآخرون يحرسونهم، فلما صلى هؤلاء السجدتين قاموا وسجد الآخرون الذين كانوا خلفهم، ثم تأخر الصف الذي يليه إلى مقام الآخرين، وتقدم الصف الآخر إلى مقام الأول، ثم ركع رسول الله ﷺ وركعوا جميعًا، ثم سجد وسجد الصف الذي يليه، وقام الآخرون يحرسونهم، فلما جلس رسول الله ﷺ والصف الذي يليه سجد الآخرون ثم جلسوا جميعًا، فسلم عليهم جميعًا، فصلاها بعسفان وصلاها يوم بني سليم. ا. هـ. قال البغوي: وهذا حديث صحيح رواه مسلم من حديث جابر. ا. هـ. (١) وقول المؤلف: وبعدها لا إعادة الخ؛ هو لفتوى مالك في المدونة: قلت: فإن انكشف الخوف عنهم وهم في الوقت؟ قال: لا إعادة عليهم. ا. هـ.

стр. 318

مَعَهُ والبَعْدِيِّ بَعْدَ القضاءِ (١)، وإن صلى في ثلاثية أو رُبَاعِيَّةٍ بكل رَكْعَةً بَطَلَتْ الأولى والثالثة في الرُّبَاعِيةِ كغيرهما عَلى الأرْجَحِ وصُحِّحَ خِلَافُهُ. (١) وقوله: وإن سها مع الأولى الخ. هو لفتوى المدونة أيضًا؛ قلت لابن القاسم: أرأيت إن سها الإمام في صلاة الخوف أول صلاته، كيف تصنع الطائفة الأولى والثانية؟. قال. تصلي الطائفة الأولى مع الإمام ركعة، ويثبت الإمام قائمًا، فإذا صلت هي لنفسها بقية صلاتها سجدوا للسهو، فإن كان نقصانًا سجدوا قبل السلام ثم يسلمون، وإن كان زيادة سلموا ثم سجدوا، فإذا جاءت الطائفة الثانية، صلوا مع الإمام الركعة التي بقيت للإمام، ثم يثبت الإمام جالسًا ويقومون هم فيتمون لأنفسهم، فإذا فرغوا سجد بهم الإمام للسهو، قلت: وهذا قول مالك؟. قال: هذا تفسير حديث يزيد بن رومان، الذي كان يأخذ به مالك أولًا، ثم رجع إلى حديث القاسم فقال: هو أحب إليَّ. ا. هـ. هذا ما تيسر من أدلة صلاة الخوف. والله الموفق.

стр. 319

صلاة العيد (١) فصل: سُنَّ لِعِيدٍ رَكْعَتَانِ (٢) لَمَأْمُورِ الجُمُعَةِ (٣) من حِلِّ النَّافِلَةِ لِلزَّوالِ (٤)، ولَا (١) في صلاة العيد، دليل مشروعية العيدين؛ حديث أنس قال: قدم النبي ﷺ ، ولأهل المدينة يومان يلعبون فيهما في الجاهلية فقال: "قَدِمْتُ عَلَيْكمْ وَلَكُمْ يَوْمَانِ تَلْعَبُونَ فِيهِمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَدْ أبْدَلَكم اللهُ بِهمَا خَيْرًا مِنْهُمَا؛ يَوْمَ النحْرِ وَيَوْمَ الْفِطْرِ". ا. هـ. قال البغوي هذا حديث صحيح. وهذا الحديث أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي. (٢) وقوله: سن لعيد ركعتان؛ الدليل على عدم وجويه هو فتوى مالك في المدونة، أعني مستند المصنف فتوى مالك حيث يقول: وقال مالك فيمن فاتته صلاة العيدين مع الإمام؛ إن شاء صلى وإن شاء لم يصل. قال: ورأيته يستحب له أن يصلي. ا. هـ. منه. واستدل الإمام على عدم فرضية العيد بقول رسول الله ﷺ للأعرابي حين ذكر خمس صلوات قال: هل علي غيرُهُنَّ؟. قال: "لَا، إلا أَنْ تَطَّوَّعَ". ولحديث عبادة: "خَمْسُ صَلَواتٍ كَتَبَهُن الله عَلَى الْعَبْدِ". نعم. صلاة العيد عند أصحابنا سنة على الكفاية، فإن الكفاية والأعيان، كما يتصوران في الواجبات، يتصوران في المستحبات؛ كالأذان، والإقامة، والسلام ورده، والتشميت، وما يفعل بالأموات من المندوبات، فهذه على الكفاية وعلى الأعيان؛ كالوتر والفجر وصيام الأيام الفاضلة، وصلاة العيدين، والطواف في غير النسك إلى غيرذلك، وقولي في العيد: هي سنة على الكفاية، أي بالنسبة لأهل البلد، وأما بالنسبة للأفراد فهي سنة على الأعيان. وذهب الإمام أحمد إلى أنها فرض على الكفاية، إن اتفق أهل البلد على تركها قاتلهم الإمام. وبه قال أصحاب الشافعي، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (١). والأمر للوجوب. أضف إلى ذلك مداومة النبي ﷺ على فعلها. =

стр. 320

ينادَى: الصَّلَاةُ جامِعَة (١). وَافْتَتَحَ بِسَبْعِ تَكْبِيرَاتٍ؛ بالإحْرَام ثم بِخَمْس غَيْرِ القِيَامِ، مُوالًى إِلَّا بتكبير المُؤَتَمِّ بلا قَوْلٍ (٢). وتَحَرَّاهُ مُؤْتمٌّ لَمْ يَسْمَعْ، وَكَبَّرَ نَاسِيهِ = (٣) وقوله: لمأمور الجمعة؛ هو لفتوى مالك في المدونة: قال: وسألت مالكًا عن العبيد والإماء والنساء: هل يؤمرون بالخروج إلى العيدين، وهل يجب عليهم الخروج إلى العيدين، كما يجب على الرجال؟. قال: لا. ا. هـ. منه. (٤) وقوله: من حل النافلة للزوال؛ أي بين وقتي النهي، فقوله: من حل النافلة، أي من وقت ارتفاع الشمس قيد رمح، أي بعد طلوعها لأنه وقت نهى ﷺ عن الصلاة فيه، لحديث عقبة بن عامر قال: ثلاث ساعات كان النبي ﷺ نهانا أن نصلي فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا؛ حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع. الحديث. ويستحب تقديم صلاة الأضحى ليتسع وقت الضحية، وتأخير صلاة الفطر ليتسع وقت إخراج صدقة الفطر؛ وذلك لما روي أن النبي ﷺ كتب إلى عمرو بن حزم: "أنْ أخِّرْ صَلَاةَ الْفِطْرِ وَعَجِّلْ صَلَاةَ الْأضْحَى". (١) وقوله: ولا ينادي: الصلاة جامعة؛ أي وبلا أذان ولا إقامة؛ لما روى ابن عباس أن النبي ﷺ صلى العيدين بغير أذان ولا إقامة. وعن جابر مثل ذلك، متفق عليهما. وعن جابر بن سمرة: صليت مع رسول الله ﷺ العيد غير مرة ولا مرتين بلا أذان ولا إقامة. رواه مسلم. وعن عطاء: أخبرني جابر أن لا أذان يوم الفطر، حين يخرج الإمام، ولا بعد ما يخرج الإمام، ولا إقامة ولا نداء، ولا شيء، ولا نداء يويئذ، ولا إقامة. رواه مسلم. (٢) وقوله: وافتتح بسبع تكبيرات بالإحرام ثم بخمس غير القيام الخ. ودليله حديث كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ كبر في العيدين؛ في الأولى سبعًا قبل القراءة، وفي الآخرة خمسًا قبل القراءة. ا. هـ. أخرجه البغوي وقال: وروي عن عائشة عن النبي ﷺ هذا. قال أبو عيسى: حديث جد كثير حسن، وهو أحسن شيء في هذا الباب عن النبي ﷺ . واسمه عمرو بن عوف المزني.
следующие страницы →