← Фикх малики

Фикх малики · id 784

مواهب الجليل من أدلة خليل

أحمد بن أحمد المختار الشنقيطي

Полный текст (1 647 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = يصلي صلاة الخوف عند عامة العلماء، لكنه روي أن النبي ﷺ بعث عبد الله بن أنيس إلى خالد بن سفيان الهذلي ليقتله، قال: فرأيته وقد حضرت صلاة العصر، فقلت إنى أخشى أن يكون بيني وبينه ما إن أؤخر الصلاة. فانطلقت أمشي وأنا أصلي؛ أوميء إيماء نحوه. فهو يدل على أن طالب العدو يصلي صلاة الخوف، والحديث في شرح السنة ومسند الإمام أحمد وأبي داود. ا. هـ. وقوله وإن أمنوا أتمت صلاة أمن؛ يريد به أنه إن حصل الأمن أثناء الصلاة. وهو بمحض الاجتهاد. والله تعالى أعلم. ومن صلاة الخوف ما إذا كان العدو ماكثين في معسكرهم، في غير ناحية القبلة، فيجعل الإمام القوم فرقتين؛ فتقف طائفة وجاه العدو تحرسهم، ويشرع الإمام مع طائفة في الصلاة - كما فعل النبي ﷺ بذات الرقاع - ثم اختلفت الرواية في ذلك عن رسول الله ﷺ فروى سهل بن أبي حثمة أنه ثبت جالسًا حتى أتموا صلاتهم وسلم بهم، وإلى هذا ذهب مالك والشافعي، وأحمد، وإسحاق. ويلاحظ من قول المؤلف: صلى بالثانية ما بقي وسلم فاتموا، أنه مشى على ما جاء في حديث القاسم، وصرح في المدونة أن مالكًا رجع إلى العمل به بعدما كان العمل عنده على حديث يزيد بن رومان، تأمل. وذهب أصحاب الرأي إلى الأخذ برواية عبد الله بن عمر؛ أن الإمام بعد ما قام إلى الركعة الثانية، تذهب الطائفة الأولى في خلال الصلاة إلى وجاه العدو، وتأتي الطائفة الثانية، فيصلي بهم الركعة الثانية ويسلم، وهم لا يسلمون، بل يذهبون إلى وجاه العدو، وتعود الطائفة الأولى فتتم صلاتها، ثم تعود الثانية فتتم صلاتها. والحقيقة أن الرواتين كلاهما صحيحة، غير أن رواية القاسم بن محمد التي يرويها بسنده إلى سهل بن أبي حثمة أشد موافقة لظاهر القرآن وأحوط للصلاة، وأبلغ في حراسة العدو؛ وذلك أن الله تعالى يقول: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ أي إذا صلوا، ثم قال: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا﴾. فهذا يدل على أن الطائفة الأولى قد صلوا، وقال: ﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ ومقتضاه أن يصلوا تمام الصلاة لا بعضها. إن ظاهر القرآن - كما علمت - يدل على أن كل طائفة تفارق الإمام بعد تمام الصلاة، وهو الاحتياط لأمر الصلاة من حيث تقليل العمل فيها، والذهاب والمجيء. ا. هـ. انظر البغوي.

стр. 317

عَدُوًّا فَظَهَرَ نَفْيُهُ (١)، وإن سَهَا مَعَ الأُولى سَجَدَتْ بَعْدَ كَمَالِهَا وإلَّا سَجَدَتْ الْقَبْلِيَّ = علمًا بأنه قيل: إن حديث ابن عمر منسوخ بحديث سهل بن أبي حثمة. والله تعالى أعلم. وهناك رواية تقول: يصلي بكل طائفة ركعتين. ودليلها حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ حتى إذا كنا بذات الرقاع، فكنا إذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها لرسول الله ﷺ فجاء رجل من المشركين - وسيف رسول الله ﷺ معلق بشجرة - فأخذ سيف النبي ﷺ ، فاخترطه وقال لرسول الله ﷺ : أتخافني؟. قال: "لَا". قال: فمن يمنعك مني؟. قال: "اللهُ يَمْنَعُنِي مِنْكَ". قال: فتهدده أصحاب رسول الله ﷺ قال: فغمد السيف وعلقه. قال: فنودي بالصلاة، قال: فصلى بطائفة ركعتين، ثم تأخروا، فصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، قال: فكانت لرسول الله ﷺ أربع ركعات، وللقوم ركعتان. ا. هـ. قال البغوي: وهذا حديث متفق عليه. وهناك صفة أخرى فيما إذا كان العدو من ناحية القبلة، فإن الإمام يصلي بهم جميعًا. ودليل ذلك حديث أبي عياش الزرقي قال: كنا مع رسول الله ﷺ بعُسْفَانَ، وعلى المشركين خالد بن الوليد، فصلينا الظهر، فقال المشركون: لقد أصبنا غرة لوحملنا عليهم وهم في الصلاة. فنزلت آية القصر بين الظهر والعصر. فلما حضرت العصر قام رسول الله ﷺ مستقبل القبلة - والمشركون أمامه - فصف خلف رسول الله صف، وصف بعد ذلك الصف صف آخر، فركع رسول الله ﷺ ، وركعوا جميعًا. ثم سجد وسجد الصف الذين يلونه وقام الآخرون يحرسونهم، فلما صلى هؤلاء السجدتين قاموا وسجد الآخرون الذين كانوا خلفهم، ثم تأخر الصف الذي يليه إلى مقام الآخرين، وتقدم الصف الآخر إلى مقام الأول، ثم ركع رسول الله ﷺ وركعوا جميعًا، ثم سجد وسجد الصف الذي يليه، وقام الآخرون يحرسونهم، فلما جلس رسول الله ﷺ والصف الذي يليه سجد الآخرون ثم جلسوا جميعًا، فسلم عليهم جميعًا، فصلاها بعسفان وصلاها يوم بني سليم. ا. هـ. قال البغوي: وهذا حديث صحيح رواه مسلم من حديث جابر. ا. هـ. (١) وقول المؤلف: وبعدها لا إعادة الخ؛ هو لفتوى مالك في المدونة: قلت: فإن انكشف الخوف عنهم وهم في الوقت؟ قال: لا إعادة عليهم. ا. هـ.

стр. 318

مَعَهُ والبَعْدِيِّ بَعْدَ القضاءِ (١)، وإن صلى في ثلاثية أو رُبَاعِيَّةٍ بكل رَكْعَةً بَطَلَتْ الأولى والثالثة في الرُّبَاعِيةِ كغيرهما عَلى الأرْجَحِ وصُحِّحَ خِلَافُهُ. (١) وقوله: وإن سها مع الأولى الخ. هو لفتوى المدونة أيضًا؛ قلت لابن القاسم: أرأيت إن سها الإمام في صلاة الخوف أول صلاته، كيف تصنع الطائفة الأولى والثانية؟. قال. تصلي الطائفة الأولى مع الإمام ركعة، ويثبت الإمام قائمًا، فإذا صلت هي لنفسها بقية صلاتها سجدوا للسهو، فإن كان نقصانًا سجدوا قبل السلام ثم يسلمون، وإن كان زيادة سلموا ثم سجدوا، فإذا جاءت الطائفة الثانية، صلوا مع الإمام الركعة التي بقيت للإمام، ثم يثبت الإمام جالسًا ويقومون هم فيتمون لأنفسهم، فإذا فرغوا سجد بهم الإمام للسهو، قلت: وهذا قول مالك؟. قال: هذا تفسير حديث يزيد بن رومان، الذي كان يأخذ به مالك أولًا، ثم رجع إلى حديث القاسم فقال: هو أحب إليَّ. ا. هـ. هذا ما تيسر من أدلة صلاة الخوف. والله الموفق.

стр. 319

صلاة العيد (١) فصل: سُنَّ لِعِيدٍ رَكْعَتَانِ (٢) لَمَأْمُورِ الجُمُعَةِ (٣) من حِلِّ النَّافِلَةِ لِلزَّوالِ (٤)، ولَا (١) في صلاة العيد، دليل مشروعية العيدين؛ حديث أنس قال: قدم النبي ﷺ ، ولأهل المدينة يومان يلعبون فيهما في الجاهلية فقال: "قَدِمْتُ عَلَيْكمْ وَلَكُمْ يَوْمَانِ تَلْعَبُونَ فِيهِمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَدْ أبْدَلَكم اللهُ بِهمَا خَيْرًا مِنْهُمَا؛ يَوْمَ النحْرِ وَيَوْمَ الْفِطْرِ". ا. هـ. قال البغوي هذا حديث صحيح. وهذا الحديث أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي. (٢) وقوله: سن لعيد ركعتان؛ الدليل على عدم وجويه هو فتوى مالك في المدونة، أعني مستند المصنف فتوى مالك حيث يقول: وقال مالك فيمن فاتته صلاة العيدين مع الإمام؛ إن شاء صلى وإن شاء لم يصل. قال: ورأيته يستحب له أن يصلي. ا. هـ. منه. واستدل الإمام على عدم فرضية العيد بقول رسول الله ﷺ للأعرابي حين ذكر خمس صلوات قال: هل علي غيرُهُنَّ؟. قال: "لَا، إلا أَنْ تَطَّوَّعَ". ولحديث عبادة: "خَمْسُ صَلَواتٍ كَتَبَهُن الله عَلَى الْعَبْدِ". نعم. صلاة العيد عند أصحابنا سنة على الكفاية، فإن الكفاية والأعيان، كما يتصوران في الواجبات، يتصوران في المستحبات؛ كالأذان، والإقامة، والسلام ورده، والتشميت، وما يفعل بالأموات من المندوبات، فهذه على الكفاية وعلى الأعيان؛ كالوتر والفجر وصيام الأيام الفاضلة، وصلاة العيدين، والطواف في غير النسك إلى غيرذلك، وقولي في العيد: هي سنة على الكفاية، أي بالنسبة لأهل البلد، وأما بالنسبة للأفراد فهي سنة على الأعيان. وذهب الإمام أحمد إلى أنها فرض على الكفاية، إن اتفق أهل البلد على تركها قاتلهم الإمام. وبه قال أصحاب الشافعي، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (١). والأمر للوجوب. أضف إلى ذلك مداومة النبي ﷺ على فعلها. =

стр. 320

ينادَى: الصَّلَاةُ جامِعَة (١). وَافْتَتَحَ بِسَبْعِ تَكْبِيرَاتٍ؛ بالإحْرَام ثم بِخَمْس غَيْرِ القِيَامِ، مُوالًى إِلَّا بتكبير المُؤَتَمِّ بلا قَوْلٍ (٢). وتَحَرَّاهُ مُؤْتمٌّ لَمْ يَسْمَعْ، وَكَبَّرَ نَاسِيهِ = (٣) وقوله: لمأمور الجمعة؛ هو لفتوى مالك في المدونة: قال: وسألت مالكًا عن العبيد والإماء والنساء: هل يؤمرون بالخروج إلى العيدين، وهل يجب عليهم الخروج إلى العيدين، كما يجب على الرجال؟. قال: لا. ا. هـ. منه. (٤) وقوله: من حل النافلة للزوال؛ أي بين وقتي النهي، فقوله: من حل النافلة، أي من وقت ارتفاع الشمس قيد رمح، أي بعد طلوعها لأنه وقت نهى ﷺ عن الصلاة فيه، لحديث عقبة بن عامر قال: ثلاث ساعات كان النبي ﷺ نهانا أن نصلي فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا؛ حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع. الحديث. ويستحب تقديم صلاة الأضحى ليتسع وقت الضحية، وتأخير صلاة الفطر ليتسع وقت إخراج صدقة الفطر؛ وذلك لما روي أن النبي ﷺ كتب إلى عمرو بن حزم: "أنْ أخِّرْ صَلَاةَ الْفِطْرِ وَعَجِّلْ صَلَاةَ الْأضْحَى". (١) وقوله: ولا ينادي: الصلاة جامعة؛ أي وبلا أذان ولا إقامة؛ لما روى ابن عباس أن النبي ﷺ صلى العيدين بغير أذان ولا إقامة. وعن جابر مثل ذلك، متفق عليهما. وعن جابر بن سمرة: صليت مع رسول الله ﷺ العيد غير مرة ولا مرتين بلا أذان ولا إقامة. رواه مسلم. وعن عطاء: أخبرني جابر أن لا أذان يوم الفطر، حين يخرج الإمام، ولا بعد ما يخرج الإمام، ولا إقامة ولا نداء، ولا شيء، ولا نداء يويئذ، ولا إقامة. رواه مسلم. (٢) وقوله: وافتتح بسبع تكبيرات بالإحرام ثم بخمس غير القيام الخ. ودليله حديث كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ كبر في العيدين؛ في الأولى سبعًا قبل القراءة، وفي الآخرة خمسًا قبل القراءة. ا. هـ. أخرجه البغوي وقال: وروي عن عائشة عن النبي ﷺ هذا. قال أبو عيسى: حديث جد كثير حسن، وهو أحسن شيء في هذا الباب عن النبي ﷺ . واسمه عمرو بن عوف المزني.

стр. 321

إِنْ لَمْ يَرْكَعْ، وسَجَدَ بَعْدَهُ وإِلَّا تَمَادَى (١)، وَسَجَدَ غَيْرُ المؤتَمِّ قَبْلَهُ، وَمُدْرِكُ الْقِرَاءَةِ يُكَبِّرُ، فَمُدْرِكُ الثَّانية يُكَبِّرُ خَمْسًا ثُمَّ سَبْعًا بِالْقِيَامِ، وإِن فاتَتْ قَضَى = وفي الموطإ في العيدين، باب ما جاء في التكبير والقراءة في صلاة العيدين: عن نافع - مولى عبد الله بن عمر - قال: شهدت الأضحى والفطر مع أبي هريرة، فكبر في الركعة الأولى سبع تكبيرات قبل القراءة، وفي الآخرة خمس تكبيرات قبل القراءة. ا. هـ. قال البغوي: وهذا قول أكثر أهل العلم من الصحابة فمن بعدهم؛ أنه يكبر في صلاة العيد في الأولى سبعًا سوى تكبيرة الإحرام، وفي الثانية خمسًا سوى تكبيرة القيام قبل القراءة. روي ذلك عن أبي بكر، وعمر، وعلي، وابن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وهو قول أهل المدينة، وبه قال الزهري، وعمر بن عبد العزيز، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. وقال أبو ثور: يكبر سبعًا مع تكبيرة الإحرام. وروي عن ابن مسعود أنه يكبر في الأولى ثلاثًا قبل القراءة سوى تكبيرة الاستفتاح، وفي الثانية ثلاثًا بعد القراءة سوى تكبيرة الركوع. وله أخذ سفيان الثوري وأصحاب الرأي. وفي المدونة: وقال مالك: وتكبير العيدين - سواء التكبير قبل القراءة - في الأولى سبعًا وفي الآخرة خمسًا في كلتا الركعتين التكبير قبل القراءة. وقوله: موالى لا بتكبير المؤتم بلا قول؛ يريد به لا فصل بين هذا التكبير إلا بقدر ما يكبر فيه المؤتم تبعًا لإمامه، وأنه لا ينبغي للإمام في سكتته بين التكبيرتين أن يقول قولًا كائنًا ما يكون؛ لا تسبيحًا ولا غيره. والله الموفق. (١) وقوله: وكبر ناسيه إن لم يركع، وسجد بعده وإلا تمادى وسجد غير المؤتم قبله؛ هو لفتوى مالك في المدونة: وقال مالك في الإمام إذا نسي التكبير في أول ركعة من صلاة العيدين حتى قرأ، قال: إن ذكر قبل أن يركع، عاد فكبر وقرأ وسجد سجدتي السهو بعد السلام. قال: وهذا قول مالك، قال: وإن لم يذكر حتى ركع، مضى ولم يكبر ما فاته من الركعة الأولى في الركعة الثانية، وسجد سجدتي السهو قبل السلام، قال: وهذا قول مالك. ا. هـ. منه.

стр. 322

الأولى بِسِتٍّ. وَهَلْ بغَيْرِ الْقِيَامِ؟. تَأوِيلَانِ (١)، وَنُدِبَ إحْيَاءُ لَيْلَتِهِ (٢)، وغُسْلٌ وبَعْدَ الصبْح (٣). وَتَطَيُّبٌ وتَزَيُّنٌ وِإن لغَيْر مُصَلٍّ (٤)، ومَشْيٌ فِي ذهَابِهِ (٥)، وفِطْرٌ قبلَهُ (١) وقوله: وإن فاتت قضى الأولى بست، وهل بغير القيام تأويلان؛ لفظ المدونة في ذلك: وقال مالك: من أدرك الجلوس من صلاة العيدين قال: يكبر التكبير كما كبر الإمام ويقضي إذا سلم الإمام كما صلى الإمام، أحبُّ إليَّ. قال: فقلت: أفيكبر في قول مالك أول ما يفتتح التكبير ككله تكبير الركعة الأولى؟. قال: إذا هو أحرم خلف الإمام جلس، فإذا قضى الإمام صلاته قام فكبر ما بقي عليه من التكبير، ثم صلى ما بقي عليه كما صلى الإمام. ا. هـ. منه. (٢) وقوله: ونُدِبَ إحياء ليلته؛ أي بالتكبير. قال البغوي: من السنة إظهار التكبير ليلتي العيد - مقيمين وسفرًا - في منازلهم ومساجدهم وأسواقهم، وبعد الغدو في الطريق، وبالمصلى إلى أن يحضر الإمام. والتكبير ليلة عيد الفطر آكد لقوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١). قال بعض أهل العلم في تفسيرها: لتكملوا عدة رمضان، ولتكبروا الله عند إكماله على ما هداكم. ومعنى إظهار التكبير رفع الصوت به، واستحب ذلك لما فيه من إظهار شعائر الإسلام وتذكير الغير. (٣) وقوله: وغسل بعد الصبح؛ يعني أنه يستحب أن يتطهر بالغسل للعيد. روي ذلك عن علي ﵁ وابن عمر ﵄، وبه قال علقمة، وعروة وعطاء، والنخعي، والشعبيُّ، وقتادة، وأبو الزناد، ومالك، والشافعي، وابن المنذر. وذلك لما روى ابن عباس والفاكه بن سعد أنَّ رسول الله ﷺ كان يغتسل يوم الفطر والأضحى. (٤) وقوله: وتطيب وتزين وإن لغير مصل؛ أي ويستحب أن يلبس المرءٌ أحسن ما يجد، وأن يتطيب يوم العيد؛ لما روي أن النبي ﷺ كان يلبس برد حبرة في كل عيد. أخرجه البيهقي في سننه من طريق الشافعي. وأخرج الطبراني في الأوسط من حديث ابن عباس قال: كان ﷺ يلبس يوم العيد بردة حمراء. قال الهيثمي في الزوائد: رجاله ثقات. =

стр. 323

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وللبيهقي في السنن عن الحجاج بن أرطاة عن أبي جعفر، عن جابر بن عبد الله قال: كان لرسول الله ﷺ برد أحمر يلبسه في العيدين والجمعة. وعزاه ابن حجر في التلخيص إلى ابن خزيمة. وقال البغوي: وقال نافع: كان ابن عمر يغتسل في يوم العيد كغسله من الجنابة، ثم يمس من الطيب إن كان عنده، ويلبس أحسن ثيابه، ثم يخرج حتى يأتي المصلى، فإذا صلى الإمام رجع. وروي عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "مَا عَلَى أَحدِكُمْ أنْ يَكُونَ لَهُ ثَوبَانِ سِوَى ثَوبيْ مِهْنَتِهِ وَعِيدِهِ". وقال مالك: سمعت أهل العلم يستحبون الطيب والزينة في كل عيد، والإمام بذلك أحق لأنه المنظور إليه من بينهم، إلا أن المعتكف يستحب له الخروج في ثياب اعتكافه ليبقى أثر العبادة والنسك. ا. هـ. من ابن قدامة. (٥) وقوله: ومشى في ذهابه. قال البغوي: والسنة أن يخرج إلى العيد ماشيًا إلا من عذر، لما روى الحارث عن علي قال: من السنة أن يخرج إلى العيد ماشيًا، وأن ياكلل شيئًا قبل أن يخرج. وأخرج الترمذي هذا الحديث في الصلاة؛ باب ما جاء في المشي يوم العيد. وحسنه مع أن في سنده الحارث الأعور. قال ابن قدامة في المغني: وممن استحب المشي عمر بن عبد العزيز، والنخعي، والثوري والشافعي وغيرهم؛ لما روي أن النبي ﷺ لم يركب في عيد ولا جنازة؛ وروى ابن عمر أن النبي ﷺ كان يخرج إلى العيد ماشيًا. رواه ابن ماجه. وإنما استحب المشي في الذهاب دون الرجوع؛ لأنه في ذهابه عبد ذاهب إلى طاعة مولاه، فالأولى به التذلل والتواضع، بخلاف رجوعه فقد انقضت الطاعة. وروى عنه جابر وأبو هريرة أنه ﷺ كان إذا خرج إلى العيد رجع من غير الطريق الذي خرج فيه. وهذا لفظ أبي هريرة عند البغوي، ورواه الترمذي، ولفظ جابر: كان النبي ﷺ إذا كان يوم عيد خالف الطريق. وهذا الحديث في البخاري؛ باب من خالف الطريق إذا رجع يوم العيد. ا. هـ. قال البغوي: قيل: كان يفعل ذلك لأنه كان يذهب من الطريق الأطول؛ لأنه يقصد الطاعة فتحتسب خطاه، ويرجع من الأقصر؛ لأنه رجوع من الطاعة. قال الشعبي: ائت العيد ماشيًا، فإذا رجعت فاركب إن شئت. ا. هـ. بلفظه.

стр. 324

في الْفِطْرِ (١). وَتأْخِيرُهُ فِي النَّحْرِ، وَخُروجٌ بَعْدَ الشمْسِ، وتَكْبِيرٌ فِيهِ حينئذٍ لَا قَبْلَهُ (٢)، وصُحِّحَ خِلَافُهُ، وَجَهْرٌ بِه، وهَل لمَجيءِ الإمَام أَوْ لِقِيامِهِ لِلصَّلَاةِ؟. تَأْويلَانِ، وَنَحْرُهُ أُضْحِيتهُ بِالْمُصَلَّى (٣) وَإيقَاعُهَا بِهِ إِلَّا بِمَكةَ (٤) وَرَفْعُ يَدَيْه فِي أَولَاهُ (١) وقوله: وفطر قبله في الفطر؛ لما أخرجه البغوي عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: كان النبي ﷺ لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم، ولا يطعم يوم الأضحى حتى يصلي. ا. هـ. وهذا الحديث في الترمذي، وأخرجه الإمام أحمد، وروي عن عبد الله بن بريدة أيضًا عن أبيه أن رسول الله ﷺ كان يطْعم يوم الفطر قبل أن يخرج، وكان إذا كان يوم النحر لم يطْعم حتى يرجع فيأكل من ذبيحته. وعن أنس: كان رسول الله ﷺ لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات. وقال مُرَجَّى بن رجاء: حدثني عبيد الله، حدثني أنس عن النبي ﷺ : ويأكلهن وترًا. أما حديث أنس فهو في البخاري في الصحيح. وأخرجه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب. وصححه ابن خزيمة، وابن حبان والحاكم ووافقه الذهبي. وأما حديث مرجَّى؛ فقد أخرجه البخاري تعليقًا. قال ابن حجر: وصله ابن خزيمة والإسماعيلي وغيرهما. ا. هـ. (٢) وقوله: وخروج بعد الشمس وتكبيرفيه حينئذ لا قبله؛ هو لما في المدونة من فتوى الإمام: وقال مالك: التكبير إذا خرج لصلاة العيدين؛ يكبر حين يخرج إلى المصلى وذلك عند طلوع الشمس، فيكبر في الطريق تكبيرًا يسمع نفسه ومن يليه وفي المصلى إلى أن يخرج الإمام، فإذا خرج الإمام قطع. ا. هـ. وقد تقدم مزيد بحث في التكبير عند قول المؤلف: وافتتح بسبع تكبيرات، فأغنى عن إعادته هنا. ولله الحمد. (٣) وقوله: ونحره أضحيته بالمصلى؛ أي ومن المستحب أن يذبح الإمام أضحيته بالمصلى؛ لما روي عن ابن عمر أن النبي ﷺ كان يذبح أضحيته بالمصلى. قال البغوي: وكان ابن عمر يفعله. رواه بسنده إلى نافع عن ابن عمر الإمام البغوي. وهو في أبي داود، والبخاري، والنسائي، وابن ماجه. وقال ابن بطال: الذبح بالمصلى سنة خاصة عند مالك. قال مالك فيما رواه ابن وهب: إنما يفعل ذلك لئلا يذبح أحد قبله. زاد المهلب: وليذبحوا بعده على يقين، وليتعلموا منه صفة الذبح. ا. هـ. من التعليق على شرح السنة. =

стр. 325

فَقَطْ (١)، وقراءَتُهَا بِكَسَبِّحْ والشَّمْسِ (٢)، وخُطبتَانِ كالجُمُعَةِ وسَمَاعُهُمَا واسْتِقْبَالُهُ، وَبَعْدِيَّتُهُمَا، وأُعيدَتَا إِنْ قُدِّمَتَا، واسْتِفْتَاحٌ بِتَكْبِيرٍ وتَخَلُّلُهُمَا بِهِ بلا = (٤) وقوله: وإيقاعها به إلا بمكة؛ قال في المدونة: ولا يصلون في مسجدهم ولكن يخرجون كما خرج النبي ﷺ . ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب قال: كان رسول الله ﷺ يخرج إلى المصلى، ثم استن بذلك أهل الأمصار. ا. هـ. وقوله: إلا بمكة؛ لعله لفضلها ولوجود عين الكعبة بالمسجد. والله أعلم بالمستند في هذا الخصوص. (١) وقوله: ورفع يديه في أولاه فقط؛ هو تابع فيه لمذهب المدونة حيث تقول: وقال مالك: لا يرفع يديه في شيء من تكبير العيدين إلا في الأولى. ا. هـ. منه. قلت: اختلف العلماء في رفع اليدين في تكبير العيدين؛ فذهب مالك والثوري إلى ما تقدم، قالا: لأنها تكبيرات في أثناء الصلاة فاشبهت تكبيرات السجود. وذهب أحمد والشافعي وأبو حنيفة وعطاء والأوزاعي إلى أنه يستحب أن يرفع المرء يديه حال تكبيره، حسب رفعهما مع تكبيرة الإحرام مستدلين بما روي عن النبي ﷺ أنه كان يرفع يديه مع التكبير. قال الإمام أحمد: أما أنا فأرى أن هذا الحديث يدخل فيه هذا كله. وروي عن عمر أنه كان يرفع يديه في كل تكبيرة في العيد. رواه الأثرم ولا يعرف له مخالف في الصحابة. ا. هـ. من ابن قدامة في المغني. (٢) وقوله: وقراءتها بكسَبِّحْ والشمس؛ هو لما في المدونة: وقال مالك يقرأ في صلاة العيدين بالشمس وضحاها وسبح ونحوهما. ا. هـ. منه. قلت: روى النعمان بن بشير قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ في العيدين وفي الجمعة بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾. وربما اجتمعا في يوم واحد فقرأ بهما. رواه مسلم وهو في مصنف عبد الرزاق. وعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن عمر بن الخطاب سأل أبا واقد الليثي: ما كان يقرأ به رسول الله ﷺ يوم الفطر والأضحى؟. فقال: كان يقرأ بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ و ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾. ا. هـ. وهذا لفظ البغوي. والحديث في الموطإ. وفي مسلم. ولعل الأمر في ذلك واسع. وبالله تعالى التوفيق. =

стр. 326

حَدٍّ (١)، وإقامَة مَنْ لَمْ يَؤْمَرْ بِهَا أوْ فَاتَتْهُ، وتكبيرُهُ إثْرِ خَمْسَ عَشْرَةَ فَرِيضَةً، وسُجُودِهَا الْبَعْدِيِّ مِنْ ظُهْرِ يَوْمِ النَّحْرِ، لا نَافِلَةٍ ومَقْضِيَّةٍ فيها طلَقًا، وكَبَّر ناسِيهِ (١) وقوله: وخطبتان كالجمعة الخ. أي ومن سنن العيد خطبتان يجلس بينهما فإن كان فطرًا حثهم على الصدقة وبين لهم ما يخرجون، وإن كان أضحى حثهم على الأضحية وبين لهم ما يضحى به. ويستحب الإنصات لهما واستقبال الإمام أثناء الخطبة. وقوله: وبعديتهما، هو لحديث ابن عمر قال: أن النبي ﷺ ، وأبا بكر، وعمر، وعثمان كانوا يصلون العيدين قبل الخطبة. متفق عليه. وروي مثله عن ابن عباس رواه مسلم، ورواه عن النبي ﷺ جماعة. وروى طارق بن شهاب قال: قدّم مروان الخطبة قبل الصلاة، فقام رجل فقال: خالفت السنة؛ كانت الخطبة بعد الصلاة. فقال: ترك ذلك يا أبا فلان. فقام أبو سعيد فقال: أما هذا المتكلم فقد قضى ما عليه؟ قال لنا رسول ﷺ : "مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُنْكِرْهُ بِيَدِهِ، فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَلْيُنْكِرْهُ بِلِسَانِهِ، فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَلْيُنْكِره بِقَلْبِهِ، وَذلِكَ أَضْعَفُ الإيمَانِ". رواه أبو داود الطيالسي. ورواه مسلم في صحيحه ولفظه: "فَلْيُغَيِّرْهَ". وعلى هذا فمن خطب قبل الصلاة فهوكمن لم يخطب، وذلك قول المؤلف: وأعيدتا إن قدمتا. والله الموفق.

стр. 327

إنْ قَرُبَ، والمؤتَمُّ إِنْ تَرَكَهُ إِمَامُهُ، ولَفَظُه وهو: اللهُ أكْبَرُ. ثلاثًا، وإن قال بَعْدَ تَكْبِيرتَيْنِ: لَا إلهَ إِلأ اللهُ. ثُمَّ تَكبيرتَيْنِ: ولله الحمد. فَحَسَن (١)، وكره تَنفُّلٌ بِمُصَلى قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا (٢). لَا بِمَسْجِدٍ فِيهِمَا. (١) وقوله: وتكبيره إثر خمس عشرة فريضة الخ. ولفظ المدونة هنا: وقال مالك في التكبير أيام التشريق قال: يكبر النساء والصبيان والعبيد، وأهل البادية والمسافرون وجميع المسلمين. - إلى أن قال: وأول التكبير دبر صلاة الظهر من يوم النحر، وآخر التكبير في الصبح من آخر أيام التشريق؛ يكبر في الصبح ويقطع في الظهر. قال: وهذا قول مالك. وروى ابن وهب عن عبد الله بن لهيعة بن بكير بن عبد الله بن الأشج أنه سأل أبا بكر بن محمد بن حزم عن التكبير في أيام التشريق؛ يبدأ بالتكبير في أيام الحج، دبر صلاة الظهر من يوم النحر، إلى دبر صلاة الصبح من آخر أيام التشريق. ا. هـ. منه. وروي عن علي بن زياد عن مالك قال: الأمر عندنا أن التكبير خلف الصلوات بعد النحر؛ أن الإمام والناس يكبرون: اللهُ أكْبَرُ، اللهُ أكْبَرُ. ثلاثًا في دبر كل صلاة مكتوبة. وأول ذلك دبر صلاة الظهر من يوم النحر، وآخر ذلك دبر صلاة الصبح من آخر أيام التشريق. ا. هـ. منه. وقوله: وإن قال بعد تكبيرتين: لَا إلهَ إلَّا اللَّهُ الخ، قد أخرج البغوي في شرح السنة قال: وقال الأسود: كان عبد الله يكبر: اللَّهُ أكْبَر، اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إلهَ إلَّا اللهُ، اللَّهُ أكْبَر، اللَّهُ اكبَر وَللَّهِ الْحَمْدُ. ا. هـ. واختلف العلماء في مدة التكبير؛ فذهب الإمام أحمد إلى أنه من صلاة الفجر يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق، وقال: يقوله الثوري، وابن عيينة، وأبو يوسف، ومحمد، وأبو ثور، والشافعي في بعض الروايات عنه. وذهب ابن عمر، وعمر بن عبد العزيز إلى أن التكبيرمن صلاة الظهر يوم النحر إلى صبح آخر أيام التشريق. وبه قال مالك والشافعي في المشهور عنه، قالوا: لأن الناس تبع للحاج، والحاج يقطع التلبية مع أول حصاة، ويكبرون مع الرمي. ا. هـ. (٢) وقوله: وكره تنفل بالمصلى قبلها وبعدها؛ أي وكره مالك أن يتطوع المرء في المصلى قبل صلاة العيد وبعدها، وذلك لما روى ابن عباس أن النبي ﷺ خرج يوم الفطر، فصلى ركعتين لم يصل قبلهما ولا بعدهما. متفق عليه. وروى ابن عمر مثله. وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن =

стр. 328

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = النبي ﷺ كان يكبر في صلاة العيد سبعًا وخمسًا، ويقول: "لَا صَلَاةَ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا". رواه ابن قدامة في المغني وقال: حكى ابن عقيل أن الإمام ابن بطة رواه بإسناده. ا. هـ. والله الموفق. تنبيه: قد كثر أخيرًا ولا سيما في البلاد التي لم تتعود حكمًا شرعيًا يشملها مثل بلاد الصحراء الأفريقية، قد كثر اختلاف الناس في الصوم والفطر والأضحى، وما علموا أنه روي عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "الْفِطْرُ يَوْمَ يُفْطِرُ النَّاسُ، وَالْأضْحَى يَوْمَ يُضَحِّي النَّاسُ". رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب. وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث أن معنى هذا؛ الفطر والصوم مع الجماعة ومعظم الناس. انتهى منه بلفظه. وفيه دليل على أنه يعتبر في ثبوت العيد الموافقة للناس. انظر سبل السلام ونيل الأوطار وتفسير القرطبي عند قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. (١) وبالله تعالى التوفيق.

стр. 329

صلاة الكسوف والخسوف (١) فصل: سُنَّ، وَإِنْ لِعَمُودِيٍّ وَمُسَافِرٍ لم يَجِدَّ سَيْرُهُ، لِكُسُوفِ الشَّمْسِ، رَكعَتَانِ سِرًّا (٢)، بزيادة قِيامَيْنِ وَرُكوعَيْنِ، ورَكعَتَانِ رَكْعَتَانِ لِخُسُوفِ قَمَرٍ كَالنَّوافِلِ جَهْرًا، بِلا جَمْع (٣)، وَنُدِبَ بالْمَسْجِدِ، وَقِرَاءَةُ البَقَرَةِ ثُمَّ مُوالياتِهَا فِي القياماتِ، وَوَعْظٌ (٤) بَعْدَهَا وركع كَالْقِرَاءَةِ وَسَجَدَ كَالرُّكُوعِ، وَوَقتهَا كَالْعِيدِ (٥)، وتُدْرَكُ الرَّكْعَةُ بالركُوعِ، ولَا تُكَرَّرُ، وإنْ انْجَلَتْ فِي أثْنَائِهَا فَفِي إتْمَامِهَا كالنَّوافِلِ قَوْلَانِ. وَقُدِّمَ فَرْضٌ خِيفَ فَوَاتُهُ، ثُمَّ كُسُوفٌ، ثُمَّ عِيدٌ، وأُخِّرَ الاسْتِسْقَاءُ لِيَوْم آخَر. (١) الكسوف والخسوف بمعنى واحد، وشاع في الاستعمال بالكاف في الشمس وبالخاء في القمر. يقال: انكسفت الشمس وكسفت، ورجل كاسف أي مهموم قد تغير لونه. ويقال: كسف باله أي حدثته نفسه بالشر. ويقال كسوف باله: أن يضيق عليه أمله. ومن ذلك قول الشاعر: إنما الميت من يعيش كئيبًا … كاسفًا بالُه قليلَ الرجاءَ وهما من الآيات التي يخوف الله بها الناس؛ ليفزعوا إلى التوبة والاستغفار. ففي الصحيحين والبغوي واللفظ له؛ عن أبي مسعود الأنصاري قال: انكسفت الشمس يوم مات إبراهيم ابن رسول الله ﷺ فقال الناس: انكسفت الشمس لموت إبراهيم. فقال النبي ﷺ : "إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَات اللهِ، لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإذَا رَأَيْتُمْ ذلِكَ فافْزَغوا إلَى ذِكْرِ اللهِ، وَإلَى الصَّلَاةِ". وفي لفظ آخر من حديث أبي موسى قال: خسفت الشمس، فقام النبي ﷺ فزعًا يخشى أن تكون الساعة، فأتى المسجد، فصلى بأطول قيام وركوع وسجود ما رأيته قط يفعله. وقال: "هذِهِ الآياتُ الَّتِي يُرسِلُ اللَّهُ لَا تَكُونُ لِمَوْتِ أحَدٍ وَلَا لِحَيَاتهِ، وَلكِنْ يُخَوِّفُ اللهُ بِهَا عِبادَهُ. إذَا رَأَيْتُمْ شيْئًا مِنْ ذلِكَ فافْزَعْوا إلَى ذِكْرِهِ وَدُعَائِهِ وَاسْتِغْفَارِه". وهو متفق عليه أيضًا. =

стр. 330

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وقال تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾. الآية. (٢) وقوله: سُنَّ؛ فعل مركب للمجهول نائبه ركعتان، وهو كما أفتى به مالك في المدونة ففيها: قلت: فهل كان مالك يرى أن صلاة الخسوف سنة لا تترك، مثل صلاة العيدين سنة لا تترك؟. قال: نعم. قال البغوي: صلاة الخسوف سنة، والأحاديث تدل على أنه يصليها جماعة. وهو قول الشافعي وأحمد، وقال أصحاب الرأي: يصلون فرادى. وقال مالك: يصلون خسوف الشمس جماعة،، وخسوف القمر وحدانًا. ا. هـ. منه. وقوله: وإن لعمودي ومسافر لم يجد سيره؛ هو لما في المدونة أيضًا: قلت: فهل يصلي أهل القرى وأهل العمود والمسافرون صلاة الخسوف في قول مالك؟. قال: نعم. قال: وقال مالك في المسافرين: يصلون صلاة الخسوف جماعة إلا أن يعجل بالمسافرين السير. ا. هـ. منه. وقوله: سرًا؛ هو أيضًا لفتوى مالك في المدونة ونصها: وقال مالك: لا يجهر بالقراءة في صلاة الخسوف. قال: وتفسير ذلك أن النبي ﷺ لو جهر بشيء فيها لعرف ما قرأ. ا. هـ. منه. وفي البغوي من حديث سمرة بن جندب قال: صلى بنا النبي ﷺ في كسوف ولا نسمع له صوتًا. ا. هـ. وقال: هذا حديث حسن. وهو في الترمذي وقال: حديث صحيح. وأخرجه أبو داود، والنسائي. وقوله: ركعتان؛ قال البغوي: اختلف أهل العلم في كيفية صلاة الخسوف؛ فذهب أصحاب الرأي وسفيان الثوري إلى أنه يصلي ركعتين؛ في كل ركعة ركوع واحد كسائر الصلوات. وذهب قوم إلى أنه يصلي ركعتين في كل ركعة ركوعان، على ما جاء في الحديث. وهو قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق. وقد روي عن رسول الله ﷺ أنه صلى في كل ركعة ثلاث ركوعات. وروي عنه أيضًا أنه صلى ركعتين في كل ركعة أربع ركوعات. وقوله: بزيادة قيامين وركوعين؛ دليل ذلك الحديث المتفق عليه، ولفظه كما في المدونة: مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن عبد الله بن عباس قال: خسفت الشمس على عهد رسول =

стр. 331

. . . . . . . . . . . . . . . . = الله ﷺ صلى رسول الله ﷺ والناس معه، فقام قيامًا طويلًا نحوًا من سورة البقرة، ثم ركع ركوعًا طويلًا، ثم رفع رأسه فقام قيامًا طويلًا، وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلًا دون الركوع الأول، ثم سجد ثم قام قيامًا طويلًا، وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلًا، وهو دون الركوع الأول، ثم رفع فقام قيامًا طويلًا وهودون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلًا، وهو دون الركوع الأول، ثم رفع رأسه ثم سجد، ثم انصرف، وقد تجلت الشمس. فقال: "الشمْسُ والْقَمَرُ آيَتَانِ مِنْ آياتِ اللَّهِ لَا يُخْسَفَانِ لِمَوتِ أَحدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإذَا رَأَيْتُمْ ذلِكَ بهِمَا فَاذْكروا اللَّهَ". فقالوا يا رسول الله رأيناك تناولت شيئًا في مقامك هذا، ثم رأيناك تكعكعت؟. فقال: إنِّي رَأَيْتُ - أوْ أْرِيتُ - الْجَنةَ فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا وَلَوْ أخَذتهُ لأكَلْتمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا، وَأُرِيتُ النَّارَ فَلَمْ أرَ كَالْيوْمِ مَنْظَرًا قطُّ، وَرَأَيْتُ أكثَرَ أهْلِهَا النِّسَاءَ". فقالوا يا رسول الله بِمَ؟. قال: "بِكفْرِهِنَّ". قيل: بكفرن بالله؟. قال: "يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ وَيَكْفرنَ الإحْسَانَ، لَوْ أحْسَنْتَ إلَى إحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ كلَّهُ ثُمَّ رَأتْ مِنْكَ شَيْئًا. قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ". ا هـ. منه. (٣) وقوله: وركعتان ركعتان لخسوف قمر كالنوافل جهرًا بلا جمع؛ هو لما في المدونة: وقال مالك في صلاة خسوف القمر: يصلون ركعتين ركعتين كصلاة النوافل ويدعون ولا يجمعون، وليس في خسوف القمر سنة ولا جماعة كصلاة خسوف الشمس. ا. هـ. منه. (٤) وقوله: ووعظ بعدها؛ ودليل ذلك الحديث المتفق عليه عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: خسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فصلى رسول الله ﷺ بالناس، ففام فأطال القيام، ثم ركع فأطال الركوع، ثما قام فأطال القيام، وهو دون القيام الأول، ثم ركع فأطال الركوع، وهو دون الركوع الأول، ثم رفع فسجد، ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ما فعل في الأولى، ثم انصرف وقد تجلت الشمس فخطب في الناس؟ فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "إن الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يُخْسَفَانِ لِمَوْتِ أحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَإذَا رَأَيْتُمْ ذلِكَ فَادْعُوا اللَّهَ وَكَبِّروا، وَتَصَدَّقوا"، قال: "يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَاللَّهِ مَا مِنْ أحَدٍ أغْيَرَ مِنَ اللهِ أن يَزْنِيَ عَبْدُهُ أو تَزْنيَ أمَتُهُ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أعْلَمْ لَضحِكتُمْ قَلِيلًا وَلَبكيتُم كَثيرًا". ا. هـ. =

стр. 332

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = (٥) وقوله: ووقتها كالعيد، قال في المدونة: ولا أرى للناس - إمامًا كان أو غيره - إن يصلوا صلاة الخسوف بعد زوال الشمس، وإنما سنتها أن يصلوها ضحوة إلى زوال الشمس، وكذلك سمعت سحنون وقد روى ابن وهب عن مالك أنها تصلى في وقت كل صلاة، وإن كان بعد زوال الشمس. ا. هـ. منه. والله الموفق.

стр. 333

صلاة الاستسقاء (١) فصل: سُنَّ الاسْتِسْقَاءُ (٢) لِزَرْعٍ أوْ شِرْبٍ بِنَهْرٍ أوْ غَيْر وَإِنْ بِسَفِينَةٍ رَكْعَتَانِ جَهْرًا (٣)، وكُرِّرَ إِنْ تَأَخَّر (٤)، وخَرَجُوا ضُحىً مُشَاةً بِبَذْلَةٍ وَتَخَشع (٥) مَشَايخُ وَمُتَجَّالةٌ وَصِبْيَةٌ، لَا مَنْ لَا يَعْقِلُ مِنْهُمْ، وبَهِيمَةٌ وحَائِضٌ، ولَا يُمْنَعُ ذِمِّيٌّ وانْفَرَدَ، لَا بِيَوْمٍ، ثُمَّ خَطَبَ كالْعِيدِ (٦) وبَدَّلَ التَّكْبِيرَ بِالاسْتِغْفَارِ، وَبَالَغَ فِي الاعَاءِ آخِرَ الثَّانِيَةِ مُسْتَقْبِلًا، ثُمَّ حَوَّلَ رِدَاءَهُ يَمِينهُ يَسَارَهُ بِلَا تَنْكِيسٍ، وكَذَا الرِّجَالُ فَقَطْ قُعُودًا، ونُدِبَ خُطْبَة بِالْأرْضِ، وصِيامُ ثَلَاَثَةِ أيَام قَبْلَهُ، وصَدَقَةٌ، وَلَا يأْمُر بِهِمَا الإمَامُ، بَلْ بِتَوْبَةٍ وَرَدِّ تَبِعَةٍ، وجَازَ تَنَفُّلٌ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا (٧)، واخْتَارَ غيْرُ المُحْتَاجِ بِمَحَلِّهِ لِمُحْتَاجٍ قال: وفِيهِ نَظَرٌ. (١) الاستسقاء لغة: طلب سقي الماء من الغير للنفس أو للغير. وشرعًا: طلبه من الله تعالى عند حصول الجدب على وجه مخصوص. وهو أنواع؛ أدناها الدعاء المجرد، وأوسطها الدعاء خلف الصلوات، وأفضلها الاستسقاء بركعتين وخطبتين. ومن أسباب الجدب جور السلطان، ونقص المكيال والميزان، ومنع الزكاة؛ ففي الحديث عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "لَمْ يُنْقِصْ قَوْمٌ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أمْوَالِهم إلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّماءِ وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا". أخرجه في منتقى الأخبار وقال: رواه ابن ماجه. قال الوكاني: قوله. ولولا البهائم الخ. فيه أن نزول الغيث عند وقوع المعاصي إنما هو رحمة من الله تعالى للبهائم. وقد أخرج أبو يعلى والبزار من حديث أبي هريرة بلفظ: "مَهْلًا عَنِ اللهِ مَهْلًا، فَإنَّهُ لَوْلَا شَبَابٌ خُشَّعٌ وَبَهَائِمُ رُتَّعٌ وَأطْفَال رُضَّعٌ لَصَبَّ عَلَيْكمْ الْعَذَابَ صَبًا". ا. هـ. =

стр. 334

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = (٢) وقوله: سن الاستسقاء؛ دليل ذلك فعل رسول الله ﷺ وخلفائه ﵃. أخرج البغوي من حديث عباد بن تميم، عن عمه عبد الله بن زيد بن عاصم المازني الأنصاري قال: خرج رسول الله ﷺ إلى المصلى يستسقي، فاستقبل القبلة وحول رداءه وصلى ركعتين. قال البغوي: هذا حديث متفق عليه. (٣) وقوله: ركعتين جهرًا؛ دليله حديث تميم بن عباد عن عمه أن رسول الله ﷺ خرج بالناس يستسقي، فصلى بهم ركعتين جهرًا بالقراءة فيهما، وحول رداءه ورفع يديه واستسقى واستقبل القبلة. قال البغوي: هذا حديث متفق عليه أخرجاه من طرق عن الزهري. (٤) وكرر إن تأخر؛ أي لأن ذلك أبلغ في الدعاء والتضرع، وقد جاء عن النبي ﷺ : "إن اللَّهِ يحبُّ الْملِحِّينَ فِي الدُّعَاءِ". وإن قال قائل: إن النبي لم يخرج إلا مرة. فالجواب: أن ذلك لاستغنائه عن الخروج بإجابة دعائه أول مرة. وبهذا يقول مالك والشافعي وأحمد. (٥) وقوله: وخرجوا ضحى مشاة ببذلة وتخشع، دليله حديث ابن عباس عند الترمذي: خرج رسول ﷺ لاستسقاء متبذلًا، متواضعًا، متخشعًا، متعرضًا، حتى أتى المصلى، فلم يخطب خطبتكم هذه، ولكن لم يزل في الدعاء والتضرع والتكبير، وصلى ركعتين كما كان يصلي في العيد. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وفي المدونة: الاستسقاء إنما يكون ضحوة من النهار لا في غير ذلك. ا. هـ. منه. وقوله: مشائخ ومتجالة وصبية، لا من لا يعقل منهم وبهيمة وحائض؛ هو لفتوى المدونة ونص ما فيها: قلت: وهل كان مالك يأمر بأن تخرج الحيض والنساء والصبيان في الاستسقاء؟. قال: لا أرى أن يؤمر بخروجهن، ولا يخرج الحيض على كل حال، وأما النساء والصبيان فإن خرجوا فلا أمنعهم أن يخرجوا، وأما من لا يعقل من الصبيان فلا يخرج، ولا يخرج إلا من كان منهم يعقل الصلاة. ا. هـ. منه. قال ابن قدامة: ويستحب الخروج لكافة الناس، وخروج من كان ذا دين وستر وصلاح والشيوخ أشد استحبابًا: لأنه أسرع للإجابة، فاما النساء فلا بأس بخروج العجائز ومن لا هيئة لها، أما الشواب وذوات الهيئة فلا يستحب لهن الخروج؛ لأن الضرر في خروجهن أكثر من النفع، ولا يستحب إخراج=

стр. 335

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = البهائم لأن النبي ﷺ لم يفعله، وإذا عزم الإمام على الخروج استحب أن يَعِدَ الناس يومًا يخرجون فيه، ويأمرهم بالتوبة من المعاصي، والخروج من المظالم، والصيام، والصدقة، فإن المعاصي سبب الجدب، والطاعة سبب البركات، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (١). وقوله: ولا يمنع ذمي؛ هو لفتوى مالك في المدونة: وقال مالك لا أرى أن يمنع النصارى إن أرادوا أن يستسقوا. ا. هـ. منه. (٦) وقوله ثم خطب كالعيد الخ. ففي المدونة ما نصه: وقال مالك في صلاة الاستسقاء: يخرج الإمام فإذا بلغ إلى المصلى، صلى بالناس ركعتين، يقرأ فيهما ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ ونحو ذلك، ثم يستقبل الناس، ويخطب عليهم خطبتين يفصل بينها بجلسة، فإذا فرغ من خطبتيه استقبل القبلة مكانه وحول رداءه قائمًا، يجعل الذي على يمينه على شماله، والذي على شماله على يمينه، مكانه حين يستقبل القبلة، ولا يقلبه فيجعل الأسفل الأعلى والأعلى الأسفل، ويحول الناس أرديتهم كما يحول الإمام ثم يدعوا الإمام قائمًا ويدعون وهم قعود، فإذا فرغوا من الدعاء انصرف وانصرفوا. وقوله: وبدل التكبير بالاستغفار؛ قال البغوي: السنة في الاستسقاء أن يخرج إلى المصلى، فيبدأ بالصلاة فيصلي ركعتين مثل صلاة العيدين؛ يكبر في الأولى سبعًا سوى تكبيرة الإحرام، وفي الثانية خمسًا سوى تكبيرة القيام، ويجهر فيهما بالقراءة ثم يخطب. يروى ذلك عن رسول الله ﷺ وعن أبي بكر وعن عمر وعليٍّ، أنهم كبروا في العيدين والاستسقاء سبعًا وخمسًا وجهروا بالقراءة، وإليه ذهب ابن المسيب وعمر بن عبد العزيز ومكحول، وبه أخذ الشافعي وأحمد. وذهب أصحاب الرأي إلى أنه لا يصلي بل يدعو، وذهب مالك إلى أنه يصلي ركعتين كسائر الصلوات. ا. هـ. وفي أبي داود من حديث عائشة ﵂ قالت: شكا الناس إلى رسول الله ﷺ قحوط المطر، فأمر بمنبر فوضع في المصلى، ووعد الناس يومًا يخرجون فيه، فخرج رسول الله ﷺ حين بدا =

стр. 336

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = حاجب الشمس فقعد على المنبر، فكبر ﷺ وحمد الله ثم قال: "إنكمْ شَكَوْتُمْ جَدْبَ دِيارِكُمْ وَاسْتِئْخَارَ الْمَطَرِ عَنْ إِبَّانِ زَمَانِهِ عَنْكُمْ، وَقَدْ أمَرَكُمُ الله أنْ تَدْعُوهُ، وَوَعَدَكمْ أنْ يَسْتَجِيبَ لَكمْ". ثم قال: "الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمنِ الرحِيمِ ملِكِ يَوْمِ الدِّينِ، لَا إلهَ إلَّا اللَّهُ يَفْعَل مَا يُرِيدُ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الله لَا إلهَ إلَّا أنْتَ، أنْتَ الغَنِي وَنَحْنُ الْفُقَرَاءُ أنْزِلْ عَلَيْنَا الْغَيْثَ وَاجْعَلْ ما أنْزَلْتَ لَنَا قُوَّةً وَبَلَاغًا إلَى حِين". ثم رفع يديه فلم يزل في الرفع حتى بدا بياض أبطيه، ثم حول إلى الناس ظهره، وقلب أو حول رداءه وهو رافع يديه، ثم أقبل على الناس، ونزل فصلى ركعتين، فأنشأ الله سحابة فرعدت وبرقت ثم أمطرت بإذن الله، فلم يأت مسجده حتى سألت السيول، فلما رأى سرعتهم إلى الكن ضحك ﷺ حتى بدت نواجذه، فقال: "أشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُل شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنِّي عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ". وإسناده حسن. وصححه ابن حبان والحاكم وقال أبو داود: إسناده جيد. (٧) وقوله: وجاز تنفل قبلها وبعدها؛ هو لما في المدونة: وسألت مالكًا عن الذي يخرج إلى المصلى في صلاة الاستسقاء، فيصلي قبل الإمام أو بعده، أترى بذلك بأسًا؟. قال: لا بأس بذلك. ا. هـ. منه. تنبيه: في الصحيحين من حديث أنس بن مالك قال: كان النبي ﷺ لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء، وأنه يرفع حتى يرى بياض إبطيه. أخرجه البخاري ومسلم كلاهما في الاستسقاء؛ باب رفع اليدين بالدعاء في الاستسقاء. وروى مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن يحيى بن أبي بكير عن شعبة: سمعت أنسًا قال: كان رسول الله ﷺ يرفع يديه في الدعاء حتى يرى بياض إبطيه، قال شعبة: فذكرته لعلي بن زيد، فقال: إنما ذلك في الاستسقاء. وروى ابن عباس، قال البغوي: موقوفًا عليه ومرفوعًا: المسألة أن ترفع يديك حذو منكبيك أو نحوهما. والاستغفار أن تشير بإصبع واحدة. والابتهال أن تمد يديك جميعًا. ا. هـ. أخرجه البغوي في شرح السنة، وهو في سنن أبي داود في الصلاة؛ باب الدعاء. وأخرجه الحاكم وسنده قوي. تنبيه: قد ثبت في سنة المسلمين الاستسقاء بأهل الصلاح وأهل بيت النبوة، ففي البغوي عن أنس أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب. فقال: اللهم إنا كنا =

стр. 337

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. فيسقون. وهذا حديث صحيح، أخرجه البخاري في الاستسقاء؛ باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا. وأخرجه في فضائل الصحابة، في ذكر العباس بن عبد المطلب. وقد يتشبث بهذا الحديث من يقول بالتوسل بذوات أهل العلم والصلاح، والحقيقة أن أمير المؤمنين إنما توسل بدعاء العباس، ويوضح ذلك ما أخرجه الزبير بن بكار أن العباس لما استسقى به عمر قال: اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يكشف إلا بتوية، وقد توجه القوم بي إليك لمكاني من نبيك، وهذه أيدينا إليك بالذنوب، ونواصينا إليك بالتوية، فاسقنا الغيث. قال: فأرخت السماء مثل الجبال. حتى أخصبت الأرض وعاش الناس. انظر الفتح. تنبيه: ومن السنة الاستسقاء في خطبة الجمعة؛ ففي الصحيحين من حديث أنس أن رجلًا دخل المسجد يوم الجمعة، من باب كان نحو دار القضاء، ورسول الله ﷺ قائم يخطب، فاستقبل رسول الله ﷺ قائمًا، ثم قال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل، فادع الله أن يغيثنا. قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه ثم قال: "اللَّهُمَّ أغِثْنَا، اللَّهُمَّ أغِثْنَا، اللَّهُمَّ أغِثْنَا". قال أنس: ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة، وما بيننا وبين سَلْعٍ من بيت ولا دار، قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل التُّرسِ، فلما توسطت السماء. انتشرت ثم أمطرت. قال أنس: فلا والله ما رأينا الشمس سبتًا. ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسول الله ﷺ قائم يخطب، فاستقبله قائمًا، فقال: يا رسول الله، هلكت الأموال وانقطعت السبل، فادعُ الله يمسكْها عنا، قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه، ثم قال: "اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الآكَامِ وَالظِّرَابِ وَبُطُونِ الْأوْدِيَةِ وَمنَابِتِ الشَّجَرِ". قال: فأقلعت وخرجنا نمشي في الشمس. قال شريك: فسألت أنس بن مالك: أهو الرجل الأول؟. قال: لا أدري. ا. هـ. قال البغوي: هذا الحديث أخرجه البخاري عن قتيبة، وأخرجه مسلم عن قتيبة، وابن حجر، ويحيى بن يحيى، كل عن إسماعيل بن جعفر.

стр. 338

فصل فيما يتعلق بالميت (١) فِي وُجُوبِ غَسْلِ الْمَيتِ بِمُطَهِّرٍ وَلَوْ بِزَمْزَمَ والصَّلَاةِ عَلَيْهِ كَدَفْنِهِ وَكَفْنِهِ وسنِّيَّتِهِمَا خِلَافٌ، وتَلَازَمَا (٢)، وَغُسِّلَ كَالجنَابَةِ تَعَبُّدًا بِلَا نِيَّةٍ (٣)، وَقدِّمَ الزَّوْجَان إِنْ صَحَّ (١) هناك حقوق واجبة للمسلم على أخيه المسلم وردت بها الأحاديث الصحيحة؛ ومن ذلك ما روي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خَمْسٌ تَجِبُ لِلْمُسْلِمِ عَلَى أَخِيهِ: رَدَّ السَّلَامِ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ، وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الْجَنَازَة، وإِجَابَة الدَّعْوَةِ". متفق عليه، أخرجه مسلم في السلام، باب حق المسلم للمسلم رد السلام، وأخرجه البخاري في الجنائز، باب الأمر باتباع الجنائز. وتفرد مسلم عن علي بن حجر بحديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "حَقُّ الْمسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ". قيل: ما هن يا رسول الله؟. قال: "إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللهَ فَشَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ". وقد رغب رسول الله ﷺ في عيادة المريض؛ أخرج البغوي من حديث ثوبان عن النبي ﷺ قال: "مَنْ عَادَ مَرِيضًا لَمْ يَزَلْ فِي خُرْفَةِ الجنَّةِ". قالوا: وما خُرفَةُ الجنة يا رسول الله؟. قال: "جَنَاهَا". قال البغوي: هذا حديث صحيح أخرجه مسلم عن زهير بن حرب. وقد صح من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إِن اللهَ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي. قال: يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟. قَالَ: إِنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعْدْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنَدَهُ". أخرجه مسلم في صحيحه في البر والصلة والآداب. وكان رسول الله ﷺ إذا دخل على مريض يعوده قال: "أَذْهِبِ الْبَأْسَ رَبَّ النَّاسِ وَاشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، لَا شَافِيَ إِلَّا أَنْتَ، اشْفِ شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا". وهذا حديث متفق عليه. (٢) قوله: في وجوب غسل الميت الخ. قال في فتح الباري: وقد نقل النووي الإجماع على أن غسل الميت فرض كفاية، وهو ذهول شديد، فإن الخلاف مشهور جدًّا عند المالكية. على أن=

стр. 339

النِّكَاحُ (١) إلَّا أَن يَفُوتَ فَاسِدُهُ بِالقَضَاءِ، وإِنْ رَقيقًا أَذِنَ سَيدُهُ، أَوْ قَبْلَ بِنَاءٍ أَوْ بأحَدِهِمَا عَيْبٌ، أَوْ وَضَعَتْ بَعْدَ مَوْته، والأحَبُّ نَفْيُهُ إِنْ تَزَوَّجَ أُختهَا، أَوْ تَزوجَتْ غَيْرَهُ، لَا رَجْعِيةٌ وكِتَابِيةٌ إِلَّا بِحَضْرَةِ مُسْلِمٍ، وِإبَاحَةُ الْوَطْءِ لِلْمَوْتِ بِرِقٍّ تُبِيحُ الْغَسْلَ مِن الْجَانِبَيْنِ، ثُمَّ أَقْرَبُ أَوْليائهِ، ثُمَّ أَجْنَبِيٌّ، ثُمَّ امرأَةٌ مَحْرَمٌ، وَهَلْ = القرطبي رجح في شرح مسلم أنه سنة، ولكن الجمهور على وجويه، وقد رد ابن العربي على من لم يقل بذلك، وقال: قد توارد به القول والعمل. ا. هـ. منه. بواسطة نقل الشوكاني. (٣) وقوله: وغسل كالجنابة، قال ابن قدامة: الواجب في غسل الميت مرة مرة لأنه غسل واجب، من غير نجاسة أصابته، فكان مرة واحدة كغسل الجنابة والحيض، ويستحب أن يغسل ثلاثًا، كل غسلة بالماء والسدر، ويجعل في الماء كافور في الغسلة الثالثة، ليشده ويبرده ويطيبه، وذلك لقوله ﷺ للنساء اللاتي غسلن ابنته: "اغْسِلْنَهَا بِالسِّدْرِ وِتْرًا ثَلَاثًا أوْ خَمْسًا أوْ أكْثَرَ مِنْ ذلِكَ إنْ رَأَيْتُنَّ، وَاجْعَلْنَ فِي الْغَسْلةِ الأخِيَرةِ كَافوُرًا". (١) وقول: وقدم الزوجان إن صح النكاح؛ هو لما ورد عن عائشة؛ قالت: لو استقبلنا من أمرنا ما استدبرنا، ما غسل رسول الله ﷺ إلا نساؤه. أخرجه البغوي، وهو في مسند الشافعي، وأخرجه أبو داود وابن ماجه. وروي أن لم سماء بنت عميس غسلت زوجها أبا بكر ﵁. أخرجه الموطأ، وأخرجه عبد الرزاق من حديث عبد الله بن أبي بكر؛ أن أسماء بنت عميس غسلت أبا بكر الصديق حين توفي، ثم خرجت فسألت من حضرها من المهاجرين، فقالت: إني صائمة، وإن هذا يوم شديد البرد، فهل على من غسل؟. فقالوا: لا. ا. هـ. وأخرج البغوي أن أسماء بنت عميس قالت: إن فاطمة بنت رسول الله ﷺ أوصت أن تغسلها إذا ماتت، هي وعليٌّ. وهذا الحديث رواه الدارقطني وأبو نعيم والبيهقي؛ وروى أحمد، وابن ماجه، والدارمي، وابن هشام في السيرة عن عائشة: رجع رسول الله ﷺ من البقيع، فوجدني وأنا أجد صداعًا في رأسي وأنا أقول: واراسي. فقال: "بَلْ أنَا يَا عَائِشَةُ وَا راسَاهُ". ثم قال: "مَا ضَرَّكِ لَوْ مِتِّ قَبْلِي، فَقُمْتُ عَلَيْكِ، فَغَسَلْتُكِ وَكَفَّنْتُكِ وَصَلَّيْتُ عَلَيْكِ وَدَفَنْتُكِ". وأخرجه الدارقطني، والبيهقي. ا. هـ. =

стр. 340

تَسْتُرُهُ أَوْ عَوْرَتَهُ تأْويلَانِ. ثُمَّ يُمِّمَ لِمرْفَقيْهِ، كَعَدَمِ الْمَاءِ (١)، وتَقْطِيعِ الْجَسَدِ وتَزْليعِهِ، وَصُبَّ عَلَى مَجْروحٍ أَمكن مَاءٌ كمَجْدُورٍ إِنْ لَمْ يُخَفْ تَزلُّعُهُ (٢) وَالْمرأَة = وقال البغوي: وقال ابن عباس: الرجل أحق بغسل امرأته. ا. هـ. وقد اتبع المصنف في أكثر ما أتى به هنا من التفاصيل مذهب المدونة، وهذا نص ما فيها في الموضوع: قال وسألته عن الرجل الذي يغسل امرأته في الحضر، وعنده نساء يغسلنها؟. فقال: نعم. قلت: والمرأة تغسل زوجها وعندها رجال؟. قال: نعم. قلت: أيستر كل واحد منهما عورة صاحبه؟. قال: نعم. قلت: ويفعل كل منهما بصاحبه كما يفعل بالموتى، لأن الموتى تستر عليهم فروجهم؟. قال: نعم. قال ابن القاسم: ولو مات عن امرأته وهي حامل فوضعت قبل أن يغسل لم يكن بأس أن تغسله، وإن كانت عدتها قد انقضت، وليس يعتبر في هذا العدة ولا يلتفت إليها، ولو كان كذلك إنما هو للعدة، ما غسل الزوج امرأته لأنه ليس في عدة منها. قال ابن القاسم: وأم الولد عندي بمنزلة الحرة؛ تغسل سيدها ويغسلها سيدها. قلت: أرأيت الرجل إذا طلق امرأته تطليقة يملك فيها الرجعة، فمات هل تغسله؟. قال: لا. إلى أن قال: وقد غسلت أسماء بنت عميس أبا بكر الصديق. وذكر ابن وهب عن عبد الله بن يزيد، عن رجل عن عبد الكريم عن أم عطية: أنا غسلت أبا عطية حين توفي. وذكر ابن نافع أن عليًا غسل فاطمة رضي الله تعالى عنهما. ا. هـ. منه. (١) وقوله: ثم يمم لمرفقيه كعدم الماء؛ هو لما أخرجه في البيهقي من حديث أبي بكر بن عياش عن محمد بن أبي سهل عن مكحول قال: قال رسول الله ﷺ "إِذَا مَاتَ الرجُلُ مَعَ النِّسَاءِ، وَالْمَرأَةُ مَعَ الرَّجالِ، فَإنهُمَا يُيَمَّمَانِ ويُدْفَنَانِ وَهُمَا بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ". وقال عبد الرزاق بعد إيراده: وبه نأخذ. ا. هـ. وفي المدونة في الموضوع ما نصه: وقال مالك: إذا مات الرجل في سفر وليس معه إلا النساء؛ أمه أو أخته أو عمته أو خالته أو ذات رحم محرم منه، فإنهن يغسلنه قال: ويسترنه، قال: وكذلك المرأة تموت مع الرجال في السفر، ومعها ذو محرم منها يغسلها من فوق الثوب، وهذا إذا لم يكن نساء، وفي المسألة الأولى إذا لم يكن رجال. قال: وقال مالك: سمعت من يقول من أهل العلم: إذا مات الرجل مع النساء وليس معهن رجل ولا منهن ذات محرم منه تغسله، يممنه بالصعيد؛ فيمسحن بوجهه =

стр. 341

أقْرَبُ امْرأةٍ ثُمَّ أَجْنَبِيَّةٌ، ولُفَّ شَعْرُهَا ولَا يُضْفَرُ (١)، ثُمَّ مَحْرَمٌ فَوْقَ ثَوْبٍ، ثُمَّ يُمِّمَتْ لِكَوْعَيْها، وسُتِرَ مِنْ سُرَّتِهِ لِركبَتيهِ وإِنْ زَوْجًا، وَرُكْنُهَا النِّيةُ وأَرْبَعُ تكبيراتٍ (٢) ويديه إلى المرفقين، يضربن بأكفهن الأرض ثم يمسحن بأكفهن على وجه الميت، ثم يضربن بأكفهن الأرض ثم يمسحن بأكفهن ذراع الميت إلى المرفقين، وكذلك المرأة مع الرجال إلا أن الرجال لا يمسحون المرأة إلا إلى الكفين فقط، ولا يبلغ بها إلى المرفقين. ا. هـ. منه. وقوله: وتقطيع الجسد وتزليعه، هو عطف على حكم التيمم بالنسبة إليهما. (٢) وقوله: وصب على مجروح أمكن ماء كمجدور إن لم يخف تزلعه؛ قال في المدونة: وسئل مالك عن الذي تصيبه القروح فيموت، وقد غمرت القروح جسده، وهم يخافون إن غسلوه أن يتزلع. قال: يصب الماء عليه صبًا على قدر طاقتهم. قلت: أليس مالك يقول: لا ييمم بالصعيد ميت إلا رجلًا مع نساء أو امرأة مع رجال، فأما مجروح أو مجدور أو جرب أو غير ذلك ممن بهم الأدواء فلا ييممون ويغسلون على قدر ما لا يتزلعون فيه ولا يتفسخون؟. قال: نعم. ا. هـ. منه. والحاصل أن السنة في غسل الميت هو أن يبدأ بمواضع الوضوء منه، وأن يغسل بالسدر أو ما في معناه من أشنان ونحوه، إذا كان على بدنه شيء من الدرن أو الوسغ، ويسرح شعره ويغسل وترًا، ويجعل في الآخرة كافورًا ليكون أنقى لبدنه. وقال مالك: ليس لغسل الميت حدُّ موقت ولا صفة ولكن ما يطهره. وقال الشافعي: إن أنقى الميت في أقل من ثلاث غسلات، وبماء قراح أجزأ، ولكن أحب أن لا ينقص عن ثلاث. وقال النخعي: غسل الميت كغُسْل الجنابة. وقال أحمد وإسحاق: تكون الغسلات كلها بماء وسدر، وفي الأخيرة شيء من الكافور. ا. هـ. البغوي. (١) وقوله: ولف شعرها ولا يضفر؛ فقد ثبت في الصحيحين عن أم عطية قالت: توفيت إحدى بنات النبي ﷺ فضفرنا شعرها ثلاث قرون فألقيناها خلفها. أخرجه البغوي وقال: هذا حديث متفق على صحته. وقوله: ثم محرم فوق ثوب ويممت لكوعيها؛ قد تقدم نقل فتوى مالك في ذلك عند قول المؤلف: ثم يمم لمرفقيه كعدم الماء، فليراجع هناك. =

стр. 342

وإنْ زَادَ لمْ ينَتظَرْ. والدُّعَاءُ، وَدَعَا بَعْدَ الرابِعَةِ عَلى المختارِ (١)، وإِنْ والَاهُ أَوْ (٢) وقوله: وركنها النية؛ لأنها عمل فاضل من فضائل الأعمال، والنبي ﷺ يقول: "إنَّمَا الْأعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى". الحديث. وقوله: وأربع تكبيرات؛ هو لحديث أبي هريرة عند البغوي أن رسول الله ﷺ نَعَى لنا النَّجاشيَّ اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلَّى فصفَّ بهم، فكبر أربع تكبيرات. ا. هـ. قال البغوي: هذا حديث متفق على صحته أخرجه البخاري عن عبد الله بن يوسف، وأخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى كلاهما عن مالك. ا. هـ. والتكبير على الجنازة أربعًا هو قول أكثر أهل العلم من الصحابة فمن بعدهم، وإليه ذهب الثوري، ومالك، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وهو آخر ما فعله الرسول ﷺ قال سعيد ابن المسيب: يكبر بالليل والنهار والسفر والحضر أربعًا. وروى ابن عبد البر في الاستذكار من طريق أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة عن أبيه قال: كان النبي ﷺ يكبر على الجنائز أربعًا، وخمسًا، وسبعًا، وثمانيًا، حتى جاء موت النجاشي، فخرج إلى المصلى وصف الناس وراءه، وكبر عليه أربعًا، ثم ثبت النبي ﷺ على أربع حتى توفاه الله. ا. هـ. وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يكبر على الميت خمسًا، ولذلك قال الإمام أحمد وإسحاق: إذا كبر الإمام خمسًا اتبع. وقد يلاحظ قول المؤلف: وإن زاد لم ينتظر؛ أي سلموا ولم ينتظروا سلامه. وأين هذا القول من قوله ﷺ : "إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤتَمَّ بِهِ "؟!. علمًا بأنه روي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: كان زيد بن أرقم يكبر على جنائزنا أربعًا، وإنه كبَّر على جنازة خمسًا، فسألناه عن ذلك، فقال: كان رسول الله ﷺ يكبرها. ا. هـ. أخرجه مسلم في صحيحه وأخرجه أحمد، والطحاوي، والطيالسي، وأصحاب السنن. كذا قال المعلق على شرح السنة. (١) وقوله: والدعاء، ودعا بعد الرابعة على المختار؛ أي ومن أركان صلاة الجنازة الدعاء من إمام ومأموم وفذ، وهو عند أصحابنا بعد كل تكبيرة، وأقله: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ". وأحسنه دعاء أبي هريرة ﵁: وهو: "اللَّهُمَّ إِنَّهُ عَبْدُكَ ابْن عَبْدِكَ ابْن أَمتِكَ، كَانَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلهَ إله إِلَّا أَنْتَ وَأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ ورَسُولك وَأَنْتَ أَعلَمُ بِهِ، اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ مُحْسِنًا فَزِدْهُ فِي إحْسَانِهِ وإِنْ كَاَنَ مُسيئًا فَتَجَاوَزْ =

стр. 343

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = عَنْ سَيِّئاتِهِ، اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أجْرَهُ وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ". ا. هـ. ويقول في الرابعة: "اللَّهُمَّ مَنْ أحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأحْيِهِ عَلَى الإيمَانِ وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ فَتَوَفَّهُ عَلَى الإسْلَامِ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالُمُسْلِمَاتِ". ونص المدونة في الموضوع: قال سحنون: قلت لعبد الرحمن بن القاسم: أي شيء يقال على الميت في قول مالك؟. قال: الدعاء للميت. قلت: فهل يقرأ على الجنازة في قول مالك؟. قال: لا. قلت: فهل وقت لكم مالك ثناء على النبي ﷺ وعلى المؤمنين؟. قال: ما علمت أنه قال إلا الدعاء للميت فقط. وروى ابن وهب عن رجال من أهل العلم عن عمر بن الخطاب، وعليِّ بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، وعبيد بن فضالة، وأبي هريرة، وجابر بن عبد الله، وواثلة بن الأسقع، والقاسم، وسالم بن عبد الله، وابن المسيب، وربيعة، وعطاء، ويحيى بن سعيد أنهم لم يكونوا يقرؤون في الصلاة على الميت. وقال مالك: ليس ذلك بمعمول به، إنما هو الدعاء، أدركت أهل بلادنا على ذلك. ا. هـ. منه. وذهب عبد الله بن مسعود، وابن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وسهل بن حنيف، إلى قراءة فاتحة الكتاب في صلاة الجنازة، بعد التكبيرة الأولى، وبه قال الشافعي وأحمد، وإسحاق بن راهويه، مستدلين بحديث طلحة بن عبد الله بن عوف قال: صليت خلف ابن عباس على جنازة، فقرأ فاتحة الكتاب، فلما سلم سألته عن ذلك فقال: سنة وحق. ا. هـ. رواه الشافعي، والبخاري، والنسائي، والترمذي، والدارقطني. قلت: وحيث إن الفاتحة دعاء، فإني أرى أنه لا خلاف بين المذهبين إذا قرئت بنية الدعاء، فهي والحالة هذه أولى وأحسن من غيرها من الأدعية، مع ملاحظة نية الدعاء بها والثناء على الله تعالى، ولا وجه لمنعها في نظري: والله الموفق. ومن الدعاء الوارد عن رسول الله ﷺ ما رواه يحيى بن أبي بكير عن أبي إبراهيم الأشهلي عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلى على الجنازة قال: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا وَصغِيرِنَا وَكبِيرِنَا وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا". أخرجه أحمد، والنسائي، والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

стр. 344

سلَّمَ بَعْدَ ثَلَاثٍ أَعَادَ، وإنْ دُفِنَ فَعَلَى الَقبْرِ (١)، وَتسْلِيمَةٌ خَفِيَفةٌ، وسَمَّعَ الإمَامُ مَنْ يَلِيهِ (٢)، وصَبَرَ المَسْبُوقُ للتَّكْبِير وَدَعَا إِنْ تُرِكَتْ وإِلَّا وَالَى. وكُفِّنَ بِملبُوسِهِ لِجُمُعَةٍ (٣)، وَقُدِّمَ كَمَؤُوَنةِ الدَّفْنِ عَلَى دَيْنِ غَيْرِ المُرْتَهِنِ (٤)، وَلَوْ (١) وقوله: وإن دفن فعلى القبر؛ هو لدليل حديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ مر بقبر دفن ليلًا فقال: "مَتَى دُفِنَ هذَا"؟. قالوا: البارحة. قال: "أَفلَا آذَنْتُمُوني"؟. قالوا: دفناه في ظلمة الليل، فكرهنا أن نوقظك. فقام فصففنا خلفه. قال: ابن عباس وأنا فيهم، فصلى عليه. ا. هـ. قال البغوي: هذا حديث متفق عليه. ا. هـ. وهو في البخاري في الجنائز، وصحيح مسلم في الجنائز أيضًا. (٢) وقوله: وتسليمة خفيفة وسمع الإمام من يليه؛ هو لما روي عن عبد الله ابن عمر أنه كان إذا صلى على الجنازة يسلم حتى يسمع من يليه، أخرجه الموطا في الجنائز وإسناده صحيح. وروي عن أبي هريرة أنه كان يسلم من صلاة الجنازة تسليمة واحدة، أخرجه الدارقطني، والحاكم من طريق أبي العنبس عن أبيه عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ صلى على جنازة فكبر عليها أربعًا، وسلم تسليمة واحدة، وسنده حسن. وقال الحاكم: التسليمة الواحدة على الجنازة قد صحت الرواية فيها عن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن أبي أوفى، وأبي هريرة أنهم كانوا يسلمون على الجنازة تسليمة واحدة. ا. هـ. من التعليق على شرح السنة. (٣) وقوله: وكفن بملبوسه لجمعة؛ روي عن أبي سعيد الخدري أنه لما حضره الموت دعا بثياب جدد فلبسها، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الْمَيتُ يُبْعَث فِي ثِيَابِهِ الَّتِي يَمُوتُ فِيهَا". رواه أبو داود في الجنائز، وإسناده صحيح. وأخرج البغوي في شرح السنة: قال عبد الله بن المبارك: أحب إليَّ أن يكفن في ثيابه التي يصلي فيها. وفي صحيح مسلم من حديث جابر: قال: قال رسول الله ﷺ : "إذَا كَفَّنَ أحَدُكُمْ أخَاهُ فَلْيُحْسِنْ كَفَنَهُ". (٤) وقوله: وقدم كمؤنة الدفن على دين غير المرتهن؛ هو لما رواه خبَّاب بن الأرت، قال: هاجرنا مع رسول الله ﷺ في سبيل الله نبتغي وجه الله، فوجب أجرنا على الله، فمنا من مضى فلم يأكل =

стр. 345

سُرِقَ ثُمَّ إِنْ وُجِدَ وَعُوِّضَ وُرِثَ إِنْ فُقِدَ الدِّيْنُ كَأَكْلِ السَّبُعِ المَيِّتَ، وَهُوَ عَلى المُنْفِقِ بِقَرابَةٍ أَوْ رقٍّ لَا زوجِيَّةٍ، والفَقِيرُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وإلَّا فَعَلَى المُسْلِمِينَ، ونُدِبَ تَحْسِينُ ظَنِّهِ بالله تعالى (١)، وَتَقْبِيلُهُ عِنْدَ إِحْدَادِهِ (٢) على = من أجره شيئًا؛ منهم مصعب ابن عمير، قتل يوم أحد فلم يوجد له شيء يكفن فيه إلا نمرة، فكنا إذا "وضعناها على رأسه خرجت رجلاه، وإذا وضعناها على رجليه خرج رأسه. فقال رسول الله ﷺ : ضَعُوهَا مِمَّا يَلِي رَأْسَهُ، وَاجْعَلُوا عَلَى رِجْلَيْهِ مِنَ الإذْخِرِ". قال: ومنا من أينعت له ثمرته، فهو يهدبها. ا. هـ. قال البغوي: هذا حديث صحيح أخرجه محمد - يعني البخاري - عن محمد بن كثير عن سفيان عن الأعمش. والنمرة ضرب من الأكسية. وقوله: فهو يهدبها أي يجنيها. يقال هدب الثمرة يهدبها هَدْبًا إذا اجتناها وقطفها. قال البغوي: وفيه دليل على أن كفن الميت من رأس المال، وإذا استغرق كفنه جميع التركة كان أحق به من الورثة، وبه قال عطاء والزهري، وعمرو بن دينار، وقتادة وعامة أهل العلم، قال إبراهيم: يبدأ بالكفن، ثم بالدين، ثم بالوصية. ا. هـ. منه. (١) وقوله: وندب تحسين ظنه بالله تعالى؛ فهو لحديث جابر قال: سمعت النبي ﷺ قبل موته بثلاثة أيام يقول: "لَا يَمُوتُنَّ أَحَدُكُمْ إلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللهِ". قال البغوي: هذا حديث صحيح أخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى عن يحيى بن زكريا عن الأعمش، وقد صح عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : "يَقُولُ اللهُ : أَنَا عِنْدَ ظَن عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إذَا ذَكَرَنِي، فَإنْ ذَكَرَني فِي نَفْسِهِ، ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرَتُهُ فِي مَلأ خَيْرٍ مِنْهُمْ". أخرجه البخاري ومسلم. وروي بإسناد غريب عن جعفر بن سليمان، عن ثابت عن أنس أن النبي ﷺ دخل على شاب وهو في الموت، فقال: كيْفَ تجِدُكَ؟. قال: أرجو الله يا رسول الله، وإني أخاف ذنبي. فقال رسول الله ﷺ : "لَا يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبِ عَبْدٍ فِي مِثْلِ هذَا الْمَوْطِنِ إلَّا أعْطَاهُ الله ما يَرْجُو، وَآمَنَهُ مِمَّا يَخَافُ". أخرجه الترمذي، وابن ماجه. وعن ثابت البناني قال: مرض رجل من الأنصار فجعل رسول الله ﷺ يعوده، فوافقه وهو في =

стр. 346

أَيْمَنَ ثُمَّ على ظَهْرٍ، وتَجَنُّبُ حَايضٍ وجُنُبٍ له (١)، وتَلْقينُهُ الشَّهادَةَ (٢)، = الموت، فسلم عليه، وقال: "كَيْفَ تَجِدُكَ "؟. قال: بخير، أرجو الله، وأخاف ذنوبي. فقال رسول الله ﷺ : "لَا يَجْتَمِعَانَ فِي قَلْبِ الْعَبْدِ فِي مِثْلِ هذَا الْمَوْطِنِ إلَّا أعْطَاهُ اللهُ مَا يَرجُوهُ وَآمَنَهُ مِمَّا يَخَافُ". ا. هـ. وقال ابن عباس: إذا رأيت الرجل يموت، ليلقى ربه وهوحسن الظن به، وإن كان حيًا فخوفوه بربه عزو جل. ا. هـ. البغوي. (٢) وقوله: وتقبيله عند إحداده، أي توجيهه إلى القبلة عند حضور الموت؛ وذلك لما رواه البيهقي في السنن الكبرى بسنده عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه قال: إن النبي ﷺ حين قدم المدينة سأل عن البراء بن معرور، فقالوا: توفي وأوصى بثلثه لك يا رسول الله، وأوصى أن يوجه إلى القبلة لما احتضر. فقال رسول الله ﷺ : "أصَابَ الْفِطْرَةَ وَقدْ رَدَدْتُ ثُلُثَهُ عَلَى وَلَدِهِ". ثم ذهب فصلى عليه وقال: "اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ وَارْحَمْهُ وَأَدْخِلْهُ جَنَّتَكَ وَقَدْ فَعَلْتَ". ا. هـ. قال البيهقي: ويذكر عن الحسن قال: ذكر عمر الكعبة فقال: والله ماهي إلا أحجار نصبها الله قبلة لأحيائنا ونوجه إليها موتانا. ا. هـ. وقال البيهقي قال إبراهيم النخعي: كانوا يستحبون أن يستقبلوا به القبلة؛ يعني إذا حضر الميت. ا. هـ. قلت: وأما تقبيل الميت من القُبلة - بضم القاف - فقد ثبت عنه ﷺ أنه - بأبي وأمي هو - قبل عثمان بن مظعون وهو ميت، وبكى ﷺ حتى سالت دموعه على خد عثمان. رواه البغوي من حديث عائشة ومن حديث عاصم، وهو في سنن أبي داود، والترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن صحيح. وعن عائشة ﵂ وابن عباس ﵄ أن أبا بكر قبل النبي ﷺ بعد موته. أخرجه البخاري في الجنائز، باب الدخول على الميت. وأخرجه في المغازي، باب مرض النبي ﷺ ووفاته وقول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾. (١) (١) وقوله: وتجنب حائض وجنب له، قال به مالك، وأحمد، وعلقمة، وروي نحوه عن الشافعي وقال به الحسن، وابن سيرين، وعطاء، إلا أن إسحاق وابن المنذر اعترضا على كراهة ذلك بقوله ﷺ : "الْمَؤْمنُ لَيْسَ يَنْجُسُ". قال ابن قدامة في المغني: ولا نعلم خلافًا بينهم في صحة =

стр. 347

وتَغْمِيضُهُ وشَدُّ لَحْيَيْهِ (١) إِذَا قضَى، وتَلْيينُ مَفَاصِلِهِ بِرِفْقٍ ورَفْعُهُ عَن = تغسيلهما وتغميضهما له، ولكن الأولى أن يكون المتولي لأموره في تغميضه وتغسيله طاهرًا لأنه أكمل وأحسن. ا. هـ. منه. (٢) وقوله: وتلقينه الشهادة، لقوله ﷺ : "لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ". رواه مسلم وقال الحسن: سئل رسول الله ﷺ : أيُّ الأعمال أفضل؟. قال: "أنْ تَمُوتَ يَوْمَ تَمُوتُ وَلسَانكَ رَطْبٌ مِنْ ذِكْرِ اللهِ". رواه سعيد. وليكن بلطف، ولا يكرر عليه إلا أن يتكلم بشيء بعدها، فيعيد تلقينه لتكون "لَا إلهَ إلَّا اللَّهُ" آخر كلامه. وذلك لما رواه الترمذي: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ كَانَ آخِرَ كلَامِه لَا إلهَ إلَّا اللهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ". ورواه أبو داود. وقال أحمد بن حنبل: ويقرؤون عند الميت ليخفف عنه بالقراءة؛ يقرأ ﴿يس﴾ مثلًا وفاتحة الكتاب. روى سعيد: حدثنا فرج بن فضالة عن أسعد بن وداعة، لما حضر غُضيف بن حارث الموت، حضره إخوته، فقال: هل فيكم من يقرأ سورة ﴿يس﴾؟. قال رجل من القوم: نعم. قال: أقرأ ورتِّلْ، وأنصتوا. فقرأ ورتل وأسمع القوم، فلما بلغ: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. خرجت نفسه، قال أسد بن وداعة: فمن حضره منكم الموت، فشدد عليه، فليقرأ عنده سورة ﴿يس﴾ فإنه يخفف عنه الموت. ا. هـ. من المغني لابن قدامة بتصرف. (١) وقوله: وتغميضه وشد لحييه؛ أما تغميضه فإنه لما روي عن أم سلمة قالت: دخل رسول الله ﴿يس﴾ على أبي سلمة وقد شقَّ بَصَرُه فأغمضه ثم قال: "إنَّ الرُّوحَ إذَا قُبِضَ تبِعَهُ الْبَصَرُ". فضجَّ ناس من أهله. فقال: "لَا تَدْعُو عَلَى أنْفسِكُمْ إلَّا بِخَيْرٍ فَإنَّ الْمِلَائِكَةَ يُؤمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ". ثم قال: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأبي سَلَمَةَ وَارْفع دَرَجَتَهُ في الْمَهْدِيِّينَ، وَاخْلُفهُ فِي عَقِبِهِ فِي الْغَابِرِينَ، وَاغْفِرْ لنَا وَلَهُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَأَفسِحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ". رواه البغوي وقال: هذا حديث صحيح. وهو في صحيح مسلم. ورواه أبو داود. ويستحب لمن يغمضه أن يقول بسم الله وعلى ملة رسول الله. انظر البيهقي. وأما قوله: وشد لحييه؛ فهو لما روي أن عمرر ضي الله عنه قال لابنه حين حضرته الوفاة: ادن مني، فإذا رأيت روحي قد بلغت لهاتي: فضع كفك اليمنى على جبهتي، واليسرى تحت ذقني =

стр. 348

الأرْضِ (١)، وسَتْرُهُ بِثَوْبٍ، وَوَضْعُ ثَقِيلٍ على بَطْنِهِ (٢)، وإِسْرَاعٌ بِتَجْهِيزِهِ إِلَّا الغَرِقَ (٣)، وللغُسْلِ سِدْرٌ وتَجْرِيدُهُ وَوَضْعُهُ على مُرْتَفِعٍ وإِيتَارُهُ كَالْكَفَنِ لِسَبْعٍ (٤) = وأغمضني. رواه في المغني وقال: ويستحب شد لحييه بعصابة عريضة يربطها من فوق رأسه. ا. هـ. منه. (١) وقوله: ورفعه عن الأرض، لما روي عن ابن عباس أنه لما فرغ من جهاز رسول الله ﷺ يوم الثلاثاء، رفع على سريره في بيته ﷺ . (٢) وروى البيهقي بسنده عن عبد الله بن آدم قال: مات مولى لأنس بن مالك عند مغيب الشمس فقال أنس: ضعوا على بطنه حديدة. وذلك قول المصنف: ووضع ثقيل على بطنه. وقوله: وستره بثوب؛ هو لما روي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن عائشة أخبرته أن رسول الله ﷺ حين توفي سُجِّيَ بِبُرْدٍ حبرة، رواه البخاري ومسلم، وأبو داود، والبيهقي، والبغوي. (٣) وقوله إسراع بتجهيزه إلا الغرق؛ هو لما أخرجه البيهقي وأبو داود عن حصين بن وحوح أن طلحة بن البراء مرض، فأتاه النبي ﷺ يعوده فقال: "إِنِّي لَا أَرَى طَلْحَةَ إِلَّا قَدْ حَدَثَ بِهِ الْمَوْت فآذِنُوني بِهِ حَتَّى أشْهَدَهُ فَأُصَلِّيَ عَلَيْهِ وَعَجّلُوه، فَإنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِجِيفَةِ مُسْلِمِ أنْ تحْبَسَ بَيْنَ ظَهْرَانَي أهْلِهِ". ا. هـ. قال الشوكاني: وفي الباب عن عليٍّ أن رسول الله ﷺ قال: "ثَلَاثَ يَا عَليُّ لَا يُؤخَّرْنَ: الصَّلَاة إذَا آنَتْ، وَالْجَنَازَةُ إِذَا حَضَرَتْ، وَالْأيِّمُ إِذَا وَجَدَتْ كفْؤًا". أخرجه أحمد وهذا لفظه، والترمذي ولكنه قال: لَا تؤَخِّرْهَا بدل: لَا يُؤخَّرْنَ. وأما قول المؤلف: إلا الغرق؛ فقد قال البيهقي: وروي في الاستيناء بالغريق حديث مرفوع لا يثبت مثله، وروي عن الحسن البصري في الاستيناء بالمصعوق، وكان الشافعي يستحب ذلك حتى يتبين موته. ا. هـ. منه. وبالله التوفيق. (٤) قوله: وإيتاره كالكفن لسبع؛ هو لما رواه أيوب عن حفصة بنت سيرين عن أم عطية في غسل إحدى بنات رسول الله ﷺ ، وفي حديثها: "اغْسِلْنَهَا وِتْرًا ثَلَاثًا، أوْ خَمْسًا، أوْ سَبْعًا". ا. هـ. وبالنسبة للكفن، فقد روي عن عائشة أن رسول ﷺ كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة. ا. هـ. =

стр. 349

وَلَمْ يُعِدْ كالوضُوءِ لِنَجَاسَةٍ، وغُسِلَتْ، وعَصْرُ بَطْنه بِرِفْقٍ (١) وَصَبُّ الْمَاءِ فِي غَسْلِ مَخْرَجَيْهِ بِخِرْقَةٍ، وَلَهُ الإفْضَاءُ إِنْ اضْطُرَّ لَهُ (٢)، وَتَوْضِئتُهُ وَتَعَهدُ أَسْنَانِهِ وأَنْفِهِ بِخرْقَةٍ وإِمَاَلةُ رَأْسِهِ بِرِفْقٍ لِمَضْمَضَةٍ، وَعَدَمُ حُضُورِ غَيْر مُعِينٍ (٣) وَكَافُورٌ = وقال في المدونة: وكان مالك يستحب في الأكفان وترًا وترًا، إلا أن لا يوجد ذلك؛ لأن رسول الله ﷺ كفِّن في ثلاثة أثواب، وأن أبا بكر كفِّن في ثلاثة أثواب أحدها ملبوس غسيل. ا. هـ. منه. (١) وقوله: وعصر بطنه برفق؛ هو لما في المدونة: وقال مالك: يعصر بطن الميت عصرًا خفيفًا. ابن وهب عن يحيى بن أيوب عن يحيى بن سعيد قال: إذا غسل الميت فطهر، فذلك غسل وطهر. ا. هـ. منه. (٢) وقوله: وصب الماء في غسل مخرجيه بخرقة، وله الإفضاء إن اضطر له؛ هو أيضًا لفتوى المدونة: وقال مالك: يجعل على عورة الميت خرقة إذا أرادوا غسله ويفضي الذي يغسله بيده إلى فرجه، إن احتاج إلى ذلك، ويجعل على يده خرقة إذا أفضى بها إلى فرجه، وإن احتاج إلى ترك الخرقة ومباشرة الفرج بيده فعل، كل ذلك وامع. ا. هـ. منه. (٣) وقوله: وعدم حضور غير معين؛ قال ابن قدامة: وإنما كره أن يحضره من لا يعين في أمره لأنه يكره النظر إلى الميت إلا لحاجة، ويستحب للحاضرين غض أبصارهم عنه إلا من حاجة؛ وسبب ذلك أنه ربما بكون للميت عيب يكتمه، ويكره أن يطلع عليه بعد موته، إلى غير ذلك. ولهذا أحببنا أن يكون الغاسل ثقة أمينًا صالحًا، ليستر ما يطلع عليه، وفي الحديث عن النبي ﷺ قال: "لِيَغْسِلْ مَوْتَاكمْ الْمَأْمُونُونَ". رواه ابن ماجه. انتهى من المغني بتصرف. وروى ابن ماجه عن رسول الله ﵊ أنه قال: "مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا ثُمَّ لَمْ يُفْشِ عَلَيْهِ خَرَجَ مِنْ ذُنُوِبِه كَيَوْمِ وَلَدَتة أمُّهُ". وقوله قبل: وتوضئته وتعهد أسنانه وأنفه بخرقة الخ؛ قال ابن قدامة: وجملة ذلك أنه إذا أنجاه وأزال عنه النجاسة، بدأ بعد ذلك فوضأه وضوء الصلاة؛ فيغسل كفيه ثم يأخذ خرقة خشنة فيبلها ويجعلها على أصبعه فيمسح بها أسنانه وأنفه حتى ينظفهما ويكون ذلك في رفق، ثم وجهه ويتم وضوءه؛ لأن الوضوء يبدأ في غسل الحي، وقد قال رسول الله ﷺ للنساء اللاتي غسلن ابنته: "ابْدَأْنَ بِمَيَامِينِهَا =

стр. 350

فِي الأخِيرَةِ، ونُشِّفَ، وَاغْتِسَالُ غَاسِلِهِ (١)، وبَيَاضُ الكَفَنِ (٢)، وَتَجْمِيرُهُ (٣)، = وَمَوَاضِعِ الوُضُوءِ مِنْهَا". متفق عليه. وفي حديث أم سليم: "فَإذَا فَرَغْت مِنْ غَسْلِ سفلَتهَا نَقِيًا بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، فَوَضِّئِيهَا وُضُوءَ الصَّلَاةِ ثمَّ اغسِلِيهَا". ا. هـ. منه بتصرف. واختلف في المضمضة والاستنشاق؛ فذهب الشافعي ومن وافقه إلى فعلهما لأنهما يفعلهما الحي، وقال: سعيد بن جبير والنخعي والثوري وأبو حنيفة والحنابلة: لا يدخل الماء فاه ولا منخريه، لأن ذلك يفضي إلى المثلة به، إذا وصل جوفه، ولأنه لا يؤمن خروجه إلى أكفانه. ولم يحد مالك في ذلك شيئًا في المدونة. والله تعالى أعلم. (١) وقوله: واغتسال غاسله، أي وندب اغتسال غاسل الميت؛ تنشيطًا لنفسه وإذهابًا لفتورها؛ وذلك حملًا لحديث أبي هريرة عند الموطإ: "مَنْ غَسلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ": على الندب، فقد روى البيهقي بسنده عن ابن عباس: "لَيْسَ عَلَيْكمْ فِي مَيِّتِكُمْ غسْلٌ إن غَسِّلْتُمُوهُ" ا. هـ. قال: وروينا ذلك عن عطاء وسعيد بن جبير وابن عباس، قال: وروينا من وجه آخر عن عطاء عن ابن عباس مرفوعًا "لَا تُنَجِّسُوا مَوْتَاكُم فَإن المُسْلِمَ لَيْسَ بِنَجِس حَيًّا وَلَامَيتًّا". ا. هـ. منه. (٢) وقوله: وبياض الكفن، لما روي عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ "البسُوا مِنْ ثِيَابِكُم البيَاضَ فَإنَّهُ مِنْ خَيْرِ ثيَابكُم، وَكَفنوا فِيهِ مَوتاكُم، وَمِنْ خَيْرِ أكحَالِكُم الإثمِدُ، فَإنهُ يُنْبِت الشعْرَ وَيجْلُو البَصَرَ". ا. هـ. أخرجه البغوي وقال: قال أبو عيسى: هذا الحديث حسن صحيح. والحديث هذا أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والبيهقي إلى غير ذلك. (٣) وقوله وتجميره، قال في المدونة: قال مالك: وتجمر ثياب الميت. ا. هـ. ويروى أن أسماء بنت أبي بكر قالت لأهلها: أجمروا ثيابي إذا مت، ثم حنطوني، ولا تذرُّوا على كفني حنوطًا، ولا تتبعوني بنار. ا. هـ. أخرجه الغوي في شرح السنة، وهو في الموطإ عن هشام بن عروة عن أسماء. وفي مصنف عبد الرزاق عن هشام بن عروة عن أبيه عن أسماء. وفي مصنف ابن أبي شيبه، عن عبدة بن سليمان عن هشام عن فاطمة عن أسماء. ا. هـ.

стр. 351

وعَدَمُ تَأخُّرهِ عَنِ الْغَسْلُ (١)، والزِّيَادَةُ عَلى الْوَاحِدِ (٢)، ولَا يُقْضَى بالزَّائدِ إِنْ شَحَّ الْوَارِث، إِلَّا أن يوصِيَ فَفِي ثُلُثِه، وَهَل الواجِبُ ثَوْبٌ يَسْتُرُهُ أوْ سترُ العَوْرَة والبَاقِي سُنَّة خِلَافٌ (٣)، وَوترُه (٤)، والاثنانِ عَلى الْوَاحِدِ والثَلَاثةُ على (١) وقوله: وعدم تأخيره عن الغسل، قد تقدم الكلام عليه عند قول المؤلف: وإسراع بتجهيزه وعلاة على ذلك فإنه يستأنس له بما ورد في الإسراع بالجنازة؛ فقد روى سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "أسرِعوا بِالْجَنَازَة فَإن تَكُ صَالِحَة، فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهُ إليهِ، وإنْ تَكُ سِوَى ذلِكَ، فَشَرٌّ تَضَعُونَهَا عَنْ رِقَابِكُمْ". أخرجه البغوي وقال هذا حديث متفق عليه. وعن أبي سعيد الخدري: كان النبي ﷺ يقول: "إذَا وُضِعَتِ الْجَنَازَةُ فَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أعْنَاقِهمْ؛ فَإن كَانَتْ صَالِحَةً قَالَت: قَدِّمُوني. وإنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَة قَالَتْ لِأهْلِهَا: يَاوَيلَهَا أيْنَ تَذْهَبونَ بِهَا. يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَئٍ إلَّا الإنْسَانُ، وَلَوْ سَمِعَ الإنْسَان لَصَعِقَ". ا. هـ. رواه البغوي، وهو في البخاري. (٢) وقوله: والزيادة على الواحد؛ قال في المدونة: أحب إليَّ أن لا يكفن الميت في أقل من ثلاثة أثواب إلا أن لا يوجد ثلاث أثواب. ا. هـ. منه. (٣) وقوله: وهل الواجب ثوب يستره، أو ستر العورة والباقي سنة خلاف؛ الظاهر من الخلاف الأول؛ ألا ترى إلى ما أخرجه مسلم من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال النبي ﷺ "إِذَا كَفَّنَ أحَدُكمْ أخَاهُ فَلْيُحْسِنْ كَفَنَهُ". فهل من المعقول أن يكون الأمر صادقًا على ستر عورته؟. وأيضًا لما كانت النمرة إذا وضعوها على رأس مصعب ﵁ خرجت منها رجلاه، وإذا وضعت على رجليه خرجت منها رأسه فقال رسول الله ﷺ "اجْعَلُوهَا مِمَّا يَلِي رَأسَهُ وَاجْعَلُوا عَلَى رِجْلَيْهِ مِنَ الإذخِرِ". فلو أن غير العورة لا يجب ستره لما احتاجوا أن يغطوه بالإذخر، هكذا يظهر لي على قصوري. وبالله تعالى التوفيق. (٤) وقوله: ووتره، تقدم الكلام عليه عند قول المؤلف: وإيتاره كالكفن لسبع. وقوله: والاثنان على الواحد؛ لعله لأنه أبلغ في الستر، وقوله: والثلاثة على الأربعة؛ غني عنه لأن الأربعة غير وتر=

стр. 352

الأرْبَعَةِ، وتَقْمِيصُهُ وتَعْمِيمُهُ وعَذَبَةٌ فيهَا وَإزْرَة ولفافَتَانِ، والسَّبْعُ للمَرأةِ، وحَنُوطٌ دَاخِلَ كُلِّ لفَافَةٍ وعلى قُطْنٍ يُلْصَقُ بِمَنَافِذِهِ (١) والْكَافُورُ فيهِ وَفي = والثلاثة غاية في الكفن؛ لما علمت من أن رسول الله ﷺ كفن في ثلاثة أثواب وأبو بكر كذلك. وقوله: وتقميصه وتعميمه الخ. هو على مذهب المدونة: قال: والرجل أحب إليَّ أن يعمم. هذا في العمامة، أما في الأعداد الأخرى فإنها ليست في المدونة وإنما فيها: قال ابن القاسم: وكان مالك يستحب في الأكفان وترًا وترًا إلا أن لا يوجد ذلك؛ لأن رسول الله ﷺ كفن في ثلاثة أثواب، وأن أبا بكر كفن في ثلاثة أثواب، أحدها ملبوس غسيل. ا. هـ. منه. قلت: وحيث إنه روي عن علي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لَا تَغالَوْا فِي الْكَفَنِ فَإنهُ يُسْلَبُ سَلْبًا سَرِيعًا". وحيث إن أصح الروايات في كفن رسول الله ﷺ رواية عائشة: كفن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب بيض سحولية، ليس فيها قميص ولا عمامة. متفق عليه. والسحل الأبيض النقي من القطن. وحيث إن أكثر أهل العلم استحبوا التكفين في ثلاثة أثواب لفائف بيض من قطن. أسوة برسول الله ﷺ الذي يقول القرآن في حقه ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ (١). فإن الأفضل في كفن الرجل أن يكون في ثلاثة أثواب بيض من قطن، ولا بأس إن كان ذلك على ما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: الميت يقمص ويؤزر ويلف في الثوب الثالث. أخرجه الموطأ، ورواه عبد الرزاق عن مالك وإسناده صحيح. وأن المرأة تكفن في خمسة أثواب؛ لما روي عن ليلى الثقفية قالت: كنت فيمن غسل أم كلثوم بنت النبي ﷺ عند وفاتها فأول ما أعطانا رسول الله ﷺ الحقو، ثم الدرع، ثم الخمار، ثم الملحفة، ثم أدرجت في الثوب الآخر. ا. هـ. وبالله تعالى التوفيق. (١) وقوله: وحنوط داخل كل لفافة، وعلى قطن يلصق بمنافذه؛ قال في المدونة: وقال ابن القاسم يجعل الحنوط على جسد الميت، وفيما بين أكفانه ولا يجعل من فوقه. ا. هـ. وروى ابن وهب قال عطاء بن أبي رباح: أحب الحنوط إليَّ الكافور، ويجعل منه في مراقه وإبطيه ومراجع رجليه ومأبضيه ورفغيه وما هنالك، وفي أنفه وفمه وعينيه وأذنيه. ا. هـ. منه.

стр. 353

مَسَاجِدِهِ وحَوَاسِّهِ ومَرَاقِّهِ، وإنْ مُحْرِمًا ومُعْتَدَّةً وَلَا يَتَوَلَّيَاهُ (١)، وَمَشْيُ مُشَيعٍ (٢) وإسْرَاعُهُ وَتقَدُّمُهُ وَتأَخُّرُ رَاكِبٍ (٣) وَامْرأَةٍ (٤) وسترُهَا بِقُبةٍ (٥)، وَرَفْعُ الْيَدَيْنِ بأولَى (١) وقوله: وإن محرمًا ومعتدة ولا يتولياه؛ قال في المدونة: وقال مالك في المحرم: لا بأس أن يحنط إذا كان الذي يحنطه غير محرم. ا. هـ. منه. وأما المعتدة فإنه لانقطاع تكليفها، وهو أمر وجيه بالنسبة إليها؛ لعدم ورود النهي عن أن تمس طيبًا بعد موتها، بخلاف المحرم فإنه ورد في الذي وقصته دابته وهو محرم قوله ﷺ : "اغْسلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ كفِّنُوهُ فِي ثَوبَيهِ، وَلَا تُمِسُّوهُ بِطِيبٍ وَلَا تُخَمِّروا رَأسَهُ، فَإنهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبيًا". متفق عليه. من حديث ابن عباس؛ فالقول بجواز تطييب الميت المحرم بعد الوقوف على هذا الحديث الصحيح فيه ما فيه من مخالفة أمره ﷺ ، ولعل الإمام لم يبلغه هذا الحديث، ومعلوم أن القول بانقطاع إحرامه، لعدم تكليفه، اجتهاد مقدوح فيه بالقادح المسمى بفساد الاعتبار، الذي هو مخالفة الاجتهاد للنص. والله الموفق. (٢) وقوله: ومشي مشيع وإسراعه وتقدمه؛ هو لما روى مالك في الموطإ: حدثني يحيى عن مالك عن ابن شهاب أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة والخلفاء هلم جرا. وعبد الله بن عمر. وحدثني عن مالك عن محمد بن المنكدر عن ربيعة بن عبد الله بن الهدير أنه أخبره أنه رأى عمر بن الخطاب يقدم الناس أمام الجنازة في جنازة زينب بنت جحش. ا. هـ. وقوله: وإسراعه؛ هو للحديث المتفق عليه الذي تقدم "أسْرِعُوا بِالْجَنَازَةِ فَإنْ تَكُنْ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إلَيْهِ". الحديث، وروي عن أبي هريرة قال:: كان رسول الله ﷺ إذا تبع الجنازة قال: "انْبَسِطُوا بِهَا وَلَا تَدِبِّوا بِهَا دَبِيبَ اليَهُود بِجَنَائِزِهَا". والمراد بذلك إسراعًا دون الخبب، لما روي عن ابن مسعود قال: سألنا نبينا ﷺ عن المشي بالجنازة فقال: "مَا دُونَ الْخَبَبِ". رواه أبو داود والترمذي، وقال: يرويه أبو حامد وهو مجهول. ا. هـ. ابن قدامة. (٣) وقوله: وتأخر راكب؛ هو لما رواه أبو داود والترمذي: قال رسول الله ﷺ : "الرَّاكِبُ يَسِيرُ خَلْفَ الْجَنَازَةِ، والْمَاشِي يَمْشِي خَلْفَهَا وَأمَامَهَا وَعَنْ يَمِينِهَا وَعَنْ يَسَارِهَا قَرِيبًا مِنْهُ". رواه أبو داود، ولفظ الترمذي نحو منه: "الرَّاكِبُ خَلْفَ الْجَنَازَة، وَالمَاشِي حَيْثُ شَاءَ مِنْهَا، وَالطفْل يُصَلَّى عَلَيْهِ". وقال: هذا حديث صحيح - ويكره الركوب في اتباع الجنائز لما رواه ثوبان قال: خرجنا مع النبي ﷺ في جنازة =

стр. 354

التَّكْبِيرِ (١) وابْتِدَاءٌ بِحَمْدٍ وصَلَاةٍ عَلى نَبِيهِ ﵊، وإسْرَارُ دُعَاءٍ (٢) وَرَفْعُ صَغِيرٍ عَلَى أكُفٍّ، وَوُقُوفُ إِمَام بِالْوَسَطِ ومَنْكبَي المَرأةِ وَرَأسُ الميِّتِ = فرأى ركبانًا فقال: "ألَا تَسْتَحُونَ؟. إن مَلَائكَةَ اللهِ عَلَى أقْدَامِهِمْ وَأنتمْ عَلَى ظُهُورِ الدَّوَابِّ". رواه الترمذي. وأما الركوب في الرجوع من الجنازة فلا بأس به، لما رواه جابر بن سمرة أن النبي ﷺ اتِّبعَ جنازة ابن الدَّحْدَاح ماشيًا ورجع على فرس. رواه مسلم، والترمذي وقال: حديث حسن. (٤) وقوله: وامرأة؛ يريد تأخير المرأة المشيعة عن الراكب، وصوابه أن يقول بكراهة خروجها لما روي عن أم عطية قالت: نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا. متفق عليه، وروى ابن ماجه أن النبي ﷺ خرج فإذا نسوة جلوس، قال: "مَا يُجْلِسُكُنَّ"؟. قلن: ننتظر الجنازة. قال: "هَلْ تُغَسَّلْنَ"؟. قلن: لا. قال: "هَلْ تَحْمِلْنَ"؟. قلن: لا. قال: "هَلْ تُدْلِينَ فِيمَنْ يُدْلِي"؟. قلن: لا. قال: "فَارْجِعنَ مَأزُورَاتٍ غَيْرَ مَأجُورَاتٍ". (٥) وقوله: وسترها بقبة؛ لعله لما أخرجه حماد على الأنساب في شرح قول الناظم: وتحته غزال بنت كسرى … وذات نعش حجبوه سترًا قال: وأما ذات النعش: فهي بادنة أو بادية بنت غيلان بن سلمة الثقفي، فذكر من شأنها. قول المخنث هيث فيها لمولاه عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، إلى أن قال: وتزوجها عبد الرحمن بعد ذلك فولدت له جويرة بنت عبد الرحمن، وولدت للمسور بن مخرمة، وتوفيت بادنة في خلافة عمر بن الخطاب، فخرج في جنازتها، فلما رآها آذاه شحمها، فأمر بضرب قبة عليها، فكان مدرك شرع تغطية جنائز النساء. ا. هـ. فإن صح ما نقل فهو من سنة المسلمين. وبالله التوفيق. (١) وقوله: ورفع اليدبن بأولى التكبير؛ تبع فيه رأي ابن القاسم وما يرويه عن مالك في المدونة؛ قال في المدونة: وقال مالك بن أنس: ترفع الأيدي في الصلاة على الجنازة في أول التكبير. قال ابن القاسم: وحضرته غير مرة يصلي على الجنائز فما رأيته يرفع يديه إلا في أول التكبير. ا. هـ. منه. قال البغوي: رفع اليدين سنة في التكبيرة الأولى من صلاة الجنازة. واختلف أهل العلم في سائر التكبيرات؛ فذهب جماعة من أصحاب النبي ﷺ منهم عبد الله بن عمر أنه يرفع يديه حذو منكبيه في كل تكبيرة. وعن أنس مثله. وبه قال سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، ويروى عن عطاء بن =

стр. 355

عَن يَمِينهِ (١) وَرَفْعُ قَبْرٍ كَشِبْرٍ مُسَّنمًا وتُؤُوِّلتْ أيْضًا عَلى كَرَاهَتِهِ فَيُسَطَّحُ (٢)، وَحَثْوُ = رباح، والحسن، وابن سيرين، وعمر بن عبد العزيز، وهو قول ابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. قلت: وهو رواية المدونة عن مالك؛ ففيها ما نصه: قال ابن وهب: وأن عمر بن الخطاب، والقاسم، وعمر بن عبد العزيز، وعروة بن الزبير، وموسى بن نعيم، وابن شهاب، وربيعة، ويحيى بن سعيد، كانوا إذا كبروا على الجنازة رفعوا أيديهم في كل تكبيرة. قال ابن وهب: وقال لي مالك: إنه ليعجبني أن يرفع يديه في التكبيرات الأربع. ا. هـ. منه. قال البغوي: وذهب قوم إلى أنه لا يرفع إلا في التكبيرة الأولى. وهو قول الثوري وأصحاب الرأي. ا. هـ. منه. فلم يبق لطالب العلم إلا أن يرجح بين القولين. والله الموفق. (٢) وقوله: وابتداء بحمده وصلاة على نبيه ﵊ وإسرار دعاء، قد تقدم الكلام عليه عند قول المؤلف: والدعاء ودعا بعد الرابعة على المختار. (١) وقوله: ووقوف إمام بالوسط ومنكبي المرأة ورأس الميت عن يمينه؛ فهو يعني بذلك على ما للفقهاء من أصحابنا، أن وقوفه وسط المرأة ربما يتذكر في الصلاة ما ينافيها، وأجابوا على الاستدلال بوقوف رسول الله ﷺ في وسط المرأة؛ بأنه فعل ذلك لعصمته من تذكره ما ينافي الصلاة. قلت: الأسوة به ﷺ والعبرة بقوله وفعله وتقريره، ودعوى الخصوص تحتاج إلى دليل نقلي، وقد جاءت السنة الصحيحة من حديث سمرة قال: صليت وراء رسول الله ﷺ على امرأه ماتت في نفاسها، فقام وسطها. متفق عليه. وروي عن همام، عن أبي غالب قال: صليت مع أنس بن مالك على جنازة رجل، فقام حيال رأسه، ثم جاؤوا بجنازة امرأة فقام حيال وسط السرير. ويروى: عند عجيزتها. فقال له العلاء بن زياد: هكذا رأيت رسول الله ﷺ قام على الجنازة مقامك منها، ومن الرجل مقامك منه؟. قال: نعم. وهذا الحديث أخرجه البغوي في شرح السنة، وأخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والطحاوي، والبيهقي، وأحمد، والطيالسي، وإسناده صحيح. وبه أخذ الشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم، وهو الذي تقتضي السنة الأخذ به. والله الموفق. (٢) وقوله: ورفع قبر كشبر مسنمًا وتُؤُوِّلت أيضًا على كراهته فيسطح؛ يروى عن الشافعي قوله: وبلغنا أن النبي ﷺ سطح قبر ابنه إبراهيم، ولذلك ذهب الإمام الشافعي إلى تسطيح القبر؛ روي عن =
следующие страницы →